في لقاء الشرع وفداً سورياً علويّاً/ حسين عبد العزيز

21 ديسمبر 2025
أن يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع وفداً ضم نحو مائتي شخصية سورية علوية من محافظتي اللاذقية وطرطوس، فهذه خطوة يُمكن وصفها بالإيجابية على صعيد الوجدان الاجتماعي فقط، وليس على صعيد البناء المؤسّساتي للدولة. ذلك أن مطالب هذا الوفد من جهة والتطمينات الاجتماعية والأمنية التي قدّمها الشرع له من جهة أخرى، تعني أن ثمة طرفاً مُسيطراً يتحكم في شؤون الدولة منفرداً، وطرفاً آخر ضعيفاً خارج سلطة الدولة، أو لا يشارك فيها. يحيل هذا الوضع على حقيقة الدولة السورية القائمة، وهي دولة أو سلطة تعتبر امتداداً لتاريخ سياسي عمره نحو ألف عام، من حكم الأيوبيين في سورية إلى حكم المماليك والعثمانيين لاحقاً، حين كان التعامل مع الأقليات يجري بوصفها غير شريك في الحكم، وإنما باعتبارها خارج الأمة الإسلامية، وما يترتب على ذلك من تداعيات سياسية.
لعل المطالب التي قدمها الوفد من السوريين العلويين تُظهر حقيقة الأزمة السياسية في سورية اليوم، أي أزمة السلطة الحاكمة وتعاطيها مع الأقليات، إذ لم يتطرّق الوفد لا من قريب ولا من بعيد إلى حقوق العلويين السياسية، بوصفهم مكوّناً اجتماعيّاً موحداً أو أفراداً سوريين لهم حقوق المواطنة السياسية، بغض النظر عن عقيدتهم الدينية وهويتهم الخاصة، بل اقتصرت المطالب على نقاط تتعلق بإعادة الأمان للمدنيين في الساحل وتحقيق السلم الأهلي، وحل قضية الموقوفين من دون محاكمات، وإعادة الموظفين المفصولين إلى أعمالهم، ومنهم العسكريون غير المتورّطين في جرائم حرب والراغبين في خدمة بلادهم، وحقوق المتقاعدين في إلغاء توقيف رواتبهم.. إلخ.
ولعل الشرع حين تحدث عن مطالب محقّة للعلويين، قد كان يقصد هذه المطالب الاجتماعية، لا السياسية، وقد عبّر كتّابٌ وصحافيون مقرّبون من السلطة في دمشق عن ذلك بتأكيدهم ضرورة الإسراع في تنفيذ المطالب الاجتماعية للعلويين من أجل عزل مطالبهم السياسية. ويعيدنا هذا إلى تاريخ غابر قبل مرحلة الحداثة السياسية، حين كان يُنظر إلى الدولة باعتبارها أحد تجسيدات الأمة الإسلامية وانعكاساً لها.
بهذا المعنى، وفي هذا الوضع القائم، حُصرت الأقليات، والعلويون هنا، ضمن طائفةٍ لها حقوق اجتماعية فقط لا سياسية، ويتم التعامل مع أفرادها ضمن منظور جماعي (علوي) لا فردي (مواطني) له حقوق سياسية كغيره من مواطني الدولة بغض النظر عن الانتماءات الأقوامية. ولهذا السبب لم يشارك السوريون من علويي محافظتي حمص وحماة في الاجتماع الذي غاب عنه أيضاً تيار يمثله الشيخ غزال غزال، فهؤلاء لهم مطالب تتجاوز المستوى الاجتماعي لتصل إلى المستوى السياسي: “الحق السياسي بإقرار الحكم الفيدرالي واللامركزية السياسية، بوصفهما مدخلاً لاستعادة الحقوق وضمان مستقبلٍ عادل لمكوّننا”.
يُلاحظ هنا أمران: الأول، حالة الانقسام في الصف العلوي بين ثلاثة تيارات، أحدهما يريد الانفتاح على دمشق والقبول بالحد الأدنى، وهو الأمان الاجتماعي والراحة الاقتصادية. وثانيهما يريد مطالب سياسية عالية (فيدرالية، لامركزية)، وتيار ثالث يرفض الجلوس مع الشرع وحكومته لعدم الثقة بهما.
ليس هذا الانقسام جديداً وطارئاً، فالعلويون دائماً منقسمون سياسياً كما هو حال الدروز، والفارق بين الانقسام الدرزي ـ الدرزي من جهة، والعلوي ـ العلوي من جهة أخرى، أنه في حالة الدروز كان الانقسام وما يزال سياسياً محضاً، أما في حال العلويين فإن للتنافسات العشائرية الداخلية والمناطقية فيما بينهم تأثير هام في الموقف السياسي، ولا مجال هنا لعرض حوادث عديدة في هذا المجال.
الملاحظة الثانية، أن هذا الخطاب (غزال غزال) محكوم برؤية طائفية مسبقة، فهو لم يتحدّث عن الدولة الديمقراطية ـ الليبرالية ـ المواطنية، بل عن فيدرالية أو لامركزية تسمح لهم بحكم أنفسهم إلى حد ما، وهو خطابٌ ليس ناجماً عن معطيات سياسيةٍ تدعمه بقدر ما هو ناجم عن يأس سياسي في التعامل مع دمشق.
لقد بينت تجارب التاريخ، خصوصاً في سورية، أن خطاب الأقليات وسلوكاتهم السياسية تأتي دائماً ردّ فعل على خطاب الأكثرية السُنية وسلوكها الإقصائي، والتاريخ السوري مليء بالأمثلة، بسبب عملية الكُره الاجتماعي والإقصاء السياسي للأقليات السورية عبر تاريخ طويل.
وليس مصادفة مع كل مفصل تاريخي هام (سقوط الدولة الأيوبية، سقوط المماليك، سقوط السلطنة العثمانية) أن تلجأ الأقليات إلى أطراف خارجية للتعاون معها، ولعل البند الثامن في صك الانتداب الفرنسي على سورية كان وحده سبباً في دعم الأقليات الحكم الفرنسي، إذ أكدت المادة الثامنة أن “يضمن المنتدب للجميع حرية المعتقد وممارسة كل أشكال العبادات التي تتوافق مع النظام العام والأخلاق، يجب عدم وضع أي تمييز بين أي نوع بين سكان سورية ولبنان على أساس الاختلاف في العرق أو الذين أو اللغة”. مع ذلك، حارب تيار علوي بزعامة صالح العلي الفرنسيين ما إن وطئت أقدامهم الشمال السوري، وهو جزء من تيار علوي قوي لا يرى مستقبل الطائفة خارج الكيان السوري. وربما لهذا السبب لم يلجأ العلويون منذ سقوط نظام الأسد إلى أي طرف خارجي، ولم يقدّموا خططاً للانفصال أو للحكم الذاتي، باستثناء غزال غزال الذي يبدو أنه لا يمثل حيثية اجتماعية كبيرة بين صفوف العلويين، كما هو حال حكمت الهجري في السويداء.
قد يكون لقاء الرئيس أحمد الشرع الوفدَ السوريَّ العلوي خطوة ضرورية في هذا التوقيت، من شأنها أن تخفف من حالة التوتر بين الجانبين، وتعطي زخماً للتيار العلوي المعتدل، لكن هذا لا يحل ذلك الإشكال السياسي الكبير في سورية، القائم على استئثار فئة بالحكم، وهي فئة (السُّنة) أصبحت تنظر إلى نفسها وتتصرّف كأنها طائفة على غرار الطوائف الأخرى، وهذا سلوك يُنتج الطائفية ويعيد إنتاجها باستمرار.
العربي الجديد



