الناسمحطات

مقالان تناولا التعليم العالي في سوريا

التعليم العالي… إعادة هندسة الاستيعاب الجامعي تخلّياً عن أبوية الدولة/ جمعة حجازي

23 ديسمبر 2025

لطالما كانت سياسات التعليم العالي صورة مكثفة وواضحة عن روح الدولة، ونظرتها إلى نفسها وإلى المجتمع. فلزمن طويل كان التعليم العالي في سورية حكراً على صفوة المجتمع الاقتصادية والسياسية، ثم مع التحول الاشتراكي نهاية خمسينيّات القرن العشرين، صار التعليم العالي وسيلة الدولة لمحو الفوارق بين الطبقات، وإعادة خلط المجتمع، ثم مع مطلع الألفية ظهرت تعبيرات التراجع عن هذا الدور مع شيء من الخجل.

في خضم التحولات الجذرية التي يشهدها المشهد التعليمي السوري، تبرز المفاضلة الجديدة لوزارة التعليم العالي نموذجاً طموحاً لإعادة صياغة سياسات القبول الجامعي من منظور تنموي شامل، فبعد عقود من هيمنة نموذج “الاستيعاب الكمّي” الذي أسهم، وفقاً لتقارير البنك الدولي، في إيجاد فجوة هيكلية بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، تأتي هذه المفاضلة تمثيلاً لتحول جوهري في فلسفة التعليم العالي. تقدّم المفاضلة الجديدة رؤية تربط بين مضامين العدالة الاجتماعية ومقتضيات اقتصاد المعرفة، من خلال اعتماد معايير قبول مرنة تستند إلى مؤشرات التنمية المحلية واحتياجات إعادة الإعمار. وكما تُظهر دراسات اليونسكو، فإن التوزيع الجغرافي للمقاعد الدراسية لم يعد يعتمد على الكثافة السكانية فحسب، بل على الأولويات التنموية لكل منطقة، مما يعكس فهماً جديداً لمتطلبات العدالة المجالية. تعتمد الآليات التنفيذية للمفاضلة الجديدة على منهجية متعددة المعايير، تجمع بين الكفاءة الأكاديمية والملاءمة التنموية، حيث يتم توجيه الطلاب نحو التخصّصات الاستراتيجية ذات الأولوية في خطة إعادة الإعمار. هذه التخصصات، التي تشمل الهندسة الإنشائية والطاقات المتجددة والتحول الرقمي، تُشكل ركائز الاقتصاد الجديد وفق رؤية الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030.

في هذا الإطار، تمثل المفاضلة الجديدة نقلة نوعية من مفهوم “الحق في التعليم” إلى مفهوم “التعليم من أجل التنمية”، حيث تتحول الجامعات من مجرد مؤسسات تعليمية إلى حاضنات للابتكار ومنصات لإنتاج المعرفة، مما يعكس تحوّلاً استراتيجياً في أدوار التعليم العالي من مستهلك للموارد إلى مساهم في توليد الثروة الوطنية. هذا التحول، كما توضح وثائق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يسعى لتحقيق توازن دقيق بين متطلبات الجودة الأكاديمية والكفاءة الاقتصادية، وبين استحقاقات العدالة الاجتماعية ومتطلبات التنافسية العالمية، مما يجعل من النظام التعليمي رافعة حقيقية للتنمية المستدامة وقاطرة لتحقيق النهضة المنشودة.

التأسيس للعدالة الاجتماعية غير المكتملة

لم تكن “سياسة الاستيعاب الجامعي” وليدة مصادفة، بل كانت حجر الزاوية في المشروع الاجتماعي والسياسي الذي قادته الدولة السورية بدءاً من سبعينيات القرن الماضي. في تلك الحقبة، سعى النظام السوري الجديد لترسيخ شرعيته عبر بناء عقد اجتماعي جديد، يقوم على مفهوم “الدولة الراعية” التي توفر التعليم المجاني والشامل بوصفه حقّاً مكتسباً لكل مواطن. كان الهدف واضحاً وجريئاً تحطيم احتكار النخب التقليدية للتعليم العالي، وفتح أبواب الجامعات أمام أبناء الفلاحين والعمّال والطبقات الوسطى في المدن والأرياف. وقد مثّل هذا النظام آنذاك نهجاً محابياً للطبقات الاجتماعية الضعيفة، ما أثار نقاشات وحوارات حول سياسات وفرت التعليم والصحة المجانية لكنها خفضت الرواتب والأجور، فتوسّعت كمياً وتراجعت نوعياً، لتتحول إلى عدالة اجتماعية منقوصة.

نجحت هذه السياسة، بمعايير عصرها، نجاحاً ملحوظاً على المستوى الكمي. ففي غضون عقدين، قفزت نسبة الملتحقين بالتعليم العالي في سورية قفزة نوعية، محقّقةً واحدة من أعلى نسب التغطية في منطقة الشرق الأوسط. كان نظام “المفاضلة المركزية” المبني على المعدل في شهادة الثانوية العامة (البكالوريا) هو الآلة التي نفذت هذه السياسة. لقد كان هذا النظام تجسيداً للعدالة الشكلية المطلقة: فكل طالب، بغض النظر عن خلفيته الاجتماعية أو الجغرافية، كان بإمكانه أن يحلم بمقعد جامعي، طالما أن معدله يؤهله إلى ذلك. لكن في المقابل على حساب النوعية والكفاءة الداخلية والخارجية للتعليم وعلى حساب الحوكمة والإدارة الرشيدة لقطاع التعليم وعلى حساب المسارات التعليمية المرتبطة بسوق العمل المرن والشفاف؛ إذ كانت الكليات الطبية والهندسية تحتل قمة الهرم في هذه المنظومة، حيث كانت المعدلات القريبة من الكمال (98% للطب مثلاً) هي المفتاح الوحيد لدخولها. هذه النخبوية الأكاديمية كانت مقبولة اجتماعياً، لأنها كانت قائمة على معيار “الاستحقاق” الظاهري. في المقابل، حاول نظام “الحصص الجغرافية” تعويض التفاوت في جودة التعليم بين المحافظات، مخصصاً نسباً من المقاعد للطلاب من المناطق النائية والريفية، في محاولة لتحقيق توازن إقليمي يصب في مصلحة الوحدة الوطنية.

لكن هذه الصورة الوردية لم تكن خالية من التشققات، فبحلول تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة، بدأت تظهر العواقب غير المقصودة لسياسة الاستيعاب غير المدروس. لقد تحوّلت الجامعات من مؤسّسات للنخبة إلى مصانع لإنتاج الخريجين، من دون أي دراسة دقيقة لحاجة سوق العمل. كما يتذكّر أحد الأساتذة القدامى: “كنا نخرج آلاف المحامين والأطباء والمهندسين سنوياً، وكأننا نملأ أرففاً لا تنتهي، دون أن نسأل: من سيوظف هؤلاء؟ وما هي حاجة المجتمع الحقيقية منهم؟”.

لقد تحولت “سياسة الاستيعاب” من أداة للتحرر الاجتماعي إلى آلة بيروقراطية ضخمة، تنتج بطالة مقنعة على نطاق هائل. ففي المستشفيات الحكومية، كان يكفي توظيف خمسة أطباء اختصاصيين في قسم الجراحة العظمية، لكن “سياسة الاستيعاب” كانت تأمر بتوظيف 20 طبيباً. النتيجة كانت مأساوية: رواتب هزيلة لا تكفي عيشاً كريماً، ما دفع الأطباء إلى التهافت على العيادات الخاصة، وإهمال العمل في المستشفيات الحكومية، واللجوء إلى ممارسات غير أخلاقية كطلب الرشاوى لتأمين دخل إضافي. هكذا، بينما كانت الأرقام الرسمية تتباهى بأعداد الخريجين المتزايدة، كان الواقع يخفي وراءه مأساة إنسانية لأجيال من المتعلمين المحبطين، وشبكة فساد منهجية أنهكت مؤسسات الدولة، ونظاماً تعليمياً فقد بوصلته، عاجزاً عن التكيف مع متطلبات العصر.

انهيار المنظومة في زمن الحرب

إذا كانت العقود التي سبقت 2011 قد شهدت تصلباً تدريجياً في سياسة الاستيعاب، فإن سنوات الحرب التي تلت كانت بمثابة الزلزال الذي هز أركان المنظومة التعليمية السورية بأكملها. لم تكن الصدمة هنا في تغير السياسات، بل في تحطم البنى التحتية التي تقوم عليها هذه السياسات. لقد تحوّلت “سياسة الاستيعاب” من نظام يعاني اختلالات هيكلية إلى نظام في حالة إنعاش طارئ، يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حطام. لم يكن انهيار النظام التعليمي حدثاً عارضاً، بل كان جزءاً من استراتيجية ممنهجة لتفتيت مؤسسات الدولة. تعرّضت أكثر من 30% من الجامعات السورية الرئيسية للقصف أو التدمير أو الاحتلال، مع تحول بعض فروعها إلى مراكز لإيواء النازحين. انهارت شبكة الامتحانات الموحدة، التي كانت عماد “العدالة الشكلية” في القبول، مع انقسام سيطرة المناطق وفقدان سلطة الشهادة الثانوية لقيمتها الموحدة. اختفت فكرة “المفاضلة المركزية” عملياً، لتحل محلها أنظمة قبول محلية مشتتة في مناطق سيطرة النظام والمعارضة على حد سواء، كل منها يمنح شهادات لا تعترف بها الأخرى غالباً. لقد تحولنا إلى عدة أنظمة جامعية، كل منها يحمل في طياته أبعاداً اجتماعية وتربوية مختلفة، لكن لكل منها هنات وهفوات، وبالأخص في ما يتعلق بسياسات القبول والمفاضلة التي اعتمدت في معظمها على علامة البكالوريا فقط معياراً للقبول الجامعي، من دون النظر إلى المعايير الأخرى كحاجة المجتمع وسوق العمل والربط القطاعي وسواها. لقد حاولت الأنظمة التعليمية المختلفة بناء أنظمة خاصة بها، لكن معظمها بقي في إطار النمطية المفرطة لأنظمة القبول الجامعي.

هجرة العقول

كانت الكارثة الحقيقية التي ستدفع سورية ثمنها إلى عقود مقبلة هجرة العقول. لم يعد الطالب المتفوق يحلم بكلية الطب في دمشق، بل بمنحة دراسية في أوروبا أو كندا. لم يعد الأستاذ الجامعي يحلم بالترقية، بل بفرصة هروب إلى جامعة في الخليج. فرّت الكفاءات العلمية والأكاديمية بمعدلات لم تشهدها سورية في تاريخها الحديث، تاركةً خلفها جامعاتٍ شبه خاوية من نجومها العلميين، ومليئة بمعيدين وأساتذة صغار يحملون عبئاً أكبر من طاقتهم. في هذا المشهد الكابوسي، تحولت “سياسة الاستيعاب” إلى أداة للبقاء وليس للتنمية، فالحكومة، في مناطق سيطرتها، واصلت فتح أبواب الجامعات، ليس لأن الاقتصاد يحتاج إلى خرّيجين جددٍ، بل لأن الجامعة أصبحت صِمَام أمان اجتماعي. كانت تقدّم مقعداً جامعياً مجانياً بديلاً عن وظيفة، ووسيلة لإبقاء جيل كامل من الشباب مشغولاً بالدراسة بدلاً من العمل. لقد تحوّل التعليم العالي من استثمار في رأس المال البشري إلى وسيلة للضبط الاجتماعي وإدارة الموارد البشرية بطريقة سلبية للغاية.

أنظمة تعليمية موازية

في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام البائد، ظهرت أنظمة قبول جديدة، غالباً ما كانت تعكس أولويات الجهات المسيطرة. في بعض المناطق، جرى تطوير أنظمة قبول جامعي مشابهة إلى حد كبير لأنظمة القبول في مناطق سيطرة النظام السابق، من خلال اعتماد نظام علامة البكالوريا أداة للقبول الجامعي، ونشأت معه جامعات تحمل الآلية والمنهجية نفسيهما، مع اختلاف في التفاصيل، ولم تحل المشكلة المزمنة المتمثلة في اعتماد سياسات قبول لا تراعي التحول في أنظمة التعليم العالي الدولية. ولكن بالرغم من ضعف الإمكانيات والظروف الصعبة للحرب والقصف المتواصل على المنشآت استطاعت تلك الجامعات الوليدة أن تؤسس لنظام تعليمي مقبول بمعايير الظروف الاقتصادية والأمنية التي كانت سائدة، ولكنها في المقابل كانت في حاجة إلى الالتزام بالمعايير الدولية للتعليم العالي.

بحلول نهاية العقد وبداية العقد الثاني، كانت منظومة القبول الجامعي في سورية قد انقسمت إلى عدة دويلات تعليمية، كل منها يعكس الواقع السياسي المعقد للبلاد. لقد ماتت فكرة “الاستيعاب الشامل” بمفهومها القديم، لأن الدولة التي كانت تضمنه لم تعد قادرة على ضمان أبسط مقوماته. كانت هذه السنوات هي المحك الحقيقي الذي كشف أن سياسة الاستيعاب، بكل إنجازاتها وإخفاقاتها، كانت رهينة باستقرار الدولة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها. عندما انهارت الدولة، انهارت معها الآلة التي كانت تدار بها هذه السياسة لعقود. هذا الواقع القائم على عدة أنظمة تعليمية مشتتة برزت معه الحاجة إلى نظام تعليمي مرن وشفاف يتيح بناء جيل من الخريجين قادرين على بناء سورية الجديدة، خاصة أن الكوادر البشرية السورية تتميز بأعلى الكفاءة والتميز.

محاولات إصلاح

بعد أن بدأت خطوط النزاع تتجمّد نسبياً، أدرك النظام البائد أن إعادة إنتاج نظام القبول القديم بشكل أعمى ضرب من الانتحار الوطني. لقد ولّى زمن كان يمكن فيه للدولة أن تستوعب عشرات آلاف من الخريجين في وظائف حكومية شبه وهمية. كان الاقتصاد منهكاً، وميزانية الدولة هزيلة، والقطاع الخاص مشلولاً. في هذا المناخ، بدأت تظهر محاولات إصلاح جريئة، وإن كانت متعثرة، لإعادة هندسة سياسة الاستيعاب من جذورها، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل، ولم تتمكن حكومة النظام من حل المعضلة المزمنة، فكانت محاولات النظام السابق تقوم على مجموعة إجراءات أفرغت سياسات القبول من مضمونها، وجعلت بعض الاختصاصات حلماً بعيد المنال لطلابٍ عديدين، خصوصاً الكليات الطبية وبعض الاختصاصات الهندسية.

أبرز هذه المحاولات إطلاق “نظام المفاضلة الموحد الإلكتروني” بشكل متطوّر. لم يكن هذا مجرّد تحول رقمي، بل كان محاولة لاستعادة مركزية قرار القبول، وإعادة فرض معايير موحدة على كامل المنطقة الخاضعة لسيطرة النظام. سمح النظام للطالب باختيار مجموعة من الرغبات عبر الإنترنت، معتمداً على معدله، ليتم توزيعه آلياً وفقاً للطاقة الاستيعابية للكليات، لكن النظام الجديد حمل في طياته فلسفة جديدة. فقد بدأت الوزارة تتحدث صراحة عن “ربط مخرجات التعليم العالي بسوق العمل” و”تشجيع التخصصات النادرة والملحة”. في الممارسة، بدأ التخلي التدريجي عن مبدأ “الاستيعاب المطلق”. فبدلاً من فتح مقاعد في كل التخصصات بغض النظر عن الحاجة، بدأت الوزارة بتقليص المقاعد في التخصصات “المشبعة” مثل الحقوق والإدارة، وزيادة المقاعد في التخصصات “المطلوبة” مثل التمريض والتقانات الحيوية والبرمجيات. ولكن كل تلك الحلول لم تجدِ نفعاً، فبقي العبء كبيراً في غياب رؤية استراتيجية شاملة، وباتت سياسات القبول عرضة للتجاذب والتناحر بين مختلف الفاعلين والمتحكمين في المشهد التعليمي.

تجميل التخلي عن “المجانيّة”

لتعويض النقص الهائل في التمويل، جرى التوسّع بشكل غير مسبوق في برامج “التعليم الموازي” (ذي الرسوم المرتفعة) و”التعليم المفتوح”. لقد مثل هذا التحول نقلة نوعية في العقد الاجتماعي للتعليم. فبينما كان التعليم المجاني حقاً مكتسباً في الماضي، أصبح الآن سلعة متاحة لمن يدفع. لقد اعترفت الدولة، بشكل غير مباشر، بأنها لم تعد قادرة على الوفاء بوعودها القديمة.

كانت النتيجة إيجاد نظام تعليمي طبقي داخل الجامعة الواحدة، فطلاب “التعليم العام” (المجاني) هم من يحصلون على أعلى المعدلات، بينما طلاب “الموازي” هم من يدفعون رسوماً باهظة لدخول الكلية نفسها بمعدلات أقل. لقد حلت “الرأسمالية” محل “الاشتراكية” في سياسة القبول، ما أدى إلى تفاقم الفجوة الاجتماعية التي كان النظام القديم يسعى، نظرياً، إلى تقليصها.

المشهد الحالي

مع بداية عام 2025، شهدت سورية تحولاً جذرياً في سياسة الاستيعاب الجامعي، حيث أطلقت وزارة التعليم العالي نظام المفاضلة الموحد الإلكتروني، في خطوة طموحة لإعادة توحيد المنظومة التعليمية. جاء هذا التحوّل في أعقاب عمليات التحرير التي شملت معظم المناطق السورية، ما أتاح فرصة تاريخية لإعادة إدماج الجامعات والمؤسّسات التعليمية التي كانت تعمل خارج إطار الدولة لسنوات طويلة.

تميز النظام الجديد بآلية عمل معقدة تعتمد على خوارزميات متطورة لتوزيع الطلاب على الكليات وفق معدلاتهم ورغباتهم، لكن هذه الآلية واجهت تحدّيات جسيمة في التعامل مع واقع تنوع الشهادات الثانوية وتفاوت قيمتها التعليمية بين المناطق التي خرجت عن سيطرة الدولة سنوات. فكيف يمكن معادلة شهادة طالب من إدلب مع شهادة طالب من دمشق؟ وهل يمكن اعتماد شهادات الجامعات التي عملت في المناطق المحرّرة حديثاً؟

لقد مثلت عملية الإدماج هذه اختباراً حقيقياً لمرونة النظام التعليمي وقدرته على استيعاب سنوات من التشرذم. فمن ناحية، كان لا بد من الاعتراف بالواقع التعليمي في تلك المناطق، ومن ناحية أخرى كان يجب الحفاظ على معايير الجودة والاعتمادية. وقد اتخذت الوزارة قراراً جريئاً بتشكيل لجان متخصصة لتقييم الوثائق الدراسية والخبرات التعليمية في المناطق المحرّرة، مع إعطاء فرصة للطلاب لتعويض الفاقد التعليمي عبر برامج مكثفة. حيث شكّل قرار إدماج جميع مفاضلات القبول في مفاضلة موحدة واحدة للعام 2025-2026 نقطة محورية في سياسة التعليم العالي السوري. يهدف هذا القرار إلى معالجة مشكلة ازدواجية القبول التي كانت تؤدي سابقاً إلى “تسرب المقاعد وعرقلة استقرار العملية الجامعية”. ويسعى النظام الجديد إلى ضمان حصول كل طالب على مقعد دراسي واحد فقط بناءً على تسلسل رغباته.

ساعد التحول الرقمي على تقليل الفساد والوساطات في عملية القبول، ما أعاد شيئاً من “العدالة الشكلية”. وفي المقابل، كشف عن فجوات رقمية واجتماعية جديدة. فالأسر التي لا تملك إنترنت مستقراً أو معرفة تقنية وجدت نفسها في وضع غير متكافئ. كما أن النظام، برغم دقته، لا يستطيع أن يقيس الرغبة الحقيقية أو الموهبة الكامنة؛ إنه يرى في الطالب مجرد رقم: معدل ونقاط. لكن في المقابل يقدم تحليل خيارات الطلاب في النظام الجديد صورة صادمة عن تشوهات سوق العمل. لا تزال الكليات الطبية والهندسية تحتل القمة، يليها الآن وبقوة تخصصات المعلوماتية والبرمجيات، انعكاساً لطلب سوق العمل المحلي والخارجي (الهجرة). في المقابل، تراجعت مكانة كليات الآداب والتربية والحقوق بشكل كبير، وأصبحت “خياراً” للطلاب ذوي المعدلات المتدنية، أو لأولئك الذين يبحثون عن “شهادة” فقط، بغض النظر عن قيمتها في السوق. هذا الانقسام بين تخصصات “نخبوية” وأخرى “شعبية” يخلق شرخاً اجتماعياً مبكّراً بين أبناء الجيل الواحد، ويُظهر فشل السياسة الاقتصادية في خلق فرص عمل لائقة لجميع القطاعات.

تحدّيات مستعصية… بين عدالة التوزيع وجودة المخرجات

رغم كل محاولات الإصلاح، لا تزال سياسة الاستيعاب الجامعي في سورية تقف على مفترق طرق، عاجزة عن حل معضلات أساسية تتعلق بجوهر عملها. ورغم الطموحات الكبيرة للنظام الجديد، يكشف التطبيق الفعلي عن نقاط قوة وتحدّيات متعدّدة:

• النقاط الإيجابية: يُحسب للنظام الجديد السعي نحو التحول الرقمي عبر التطبيق الإلكتروني، وهي خطوة أساسية لتسهيل الوصول والحد من الفساد الإداري. كما أن توسيع قاعدة المستفيدين بقبول الشهادات القديمة (2011 – 2024) يعد استجابة لحاجة ملحّة. وأخيراً، تظهر الاستجابة السريعة من خلال إصدار مفاضلة ملء الشواغر مباشرة بعد إعلان نتائج المفاضلة العامة لاستيعاب من لم يقبلوا.

• التحديات القائمة: لا تزال الطاقة الاستيعابية الضيقة مشكلة رئيسية، حيث تتكدس الشواغر في الاختصاصات الأقل طلباً، بينما تظل الكليات الطبية والهندسية مكتظة. كما أن تفاوت العدالة بين المحافظات قائم، إذ تعاني المناطق المتضرّرة بشدة ضعف البنية التحتية المدرسية، ما يقلل فرص طلابها في المنافسة العادلة. ويُلاحظ أيضاً ضعف التواصل الرسمي والإرشاد الجامعي، مما ينعكس في أخطاء الطلاب في أثناء تعبئة الرغبات وانتشار الشائعات.

• معضلة الكم مقابل النوعية: كيف تستوعب الجامعات أعداداً كبيرة تحقق مبدأ تكافؤ الفرص، من دون أن يؤدي ذلك إلى انخفاض جودة التعليم وازدحام القاعات الدراسية واستنزاف قدرات الأساتذة؟ لا توجد إجابة سهلة. فخفض الأعداد يعد تراجعاً عن مكتسبات اجتماعية، والاستمرار في الاستيعاب الواسع ينتج خرّيجين غير مؤهلين.

• الانفصال عن سوق العمل: لا يزال هناك فجوة هائلة بين ما تنتجه الجامعات وما يحتاج إليه الاقتصاد. يتم تخريج آلاف المحاسبين في وقت لا يوجد فيه سوى بضع مئات من الوظائف الشاغرة. هذا الفشل في التنسيق يجعل سياسة الاستيعاب عملية عشوائية، تزيد من أزمة البطالة بدلاً من العمل على حلها.

• العدالة الجغرافية المشوهة: رغم وجود “حصص محافظية”، تظل جودة التعليم المدرسي في الريف والمناطق النائية متدنية مقارنة بالمراكز الحضرية. هذا يعني أن طالب الريف يأتي إلى منافسة القبول الجامعي وهو يحمل عبئاً مزدوجاً: معدّلاً أقل وتعليماً أساسياً أضعف. ومن ثم، تخفي “العدالة الشكلية” في القبول “ظلماً جوهرياً” في التأسيس.

• إغراق القطاع العام: ما زال القطاع العام هو “المُشغل الاحتياطي” لخريجي الجامعات، ما يُنتج “بطالة مقنعة” منهجية ويستنزف ميزانية الدولة، لكن أي محاولة لإيقاف هذه الآلة تواجه بمقاومة اجتماعية وسياسية شرسة.

• تحدّي ما بعد التخرج: تخلو سياسة الاستيعاب الحالية من أي رؤية لما بعد التخرّج. لا توجد أنظمة فعّالة للتوجيه الوظيفي، أو برامج تدريبية جادة، أو ربط حقيقي بين الخريج وأصحاب العمل. إنها تشبه مصنعاً ينتج سلعاً ثم يلقي بها في المستودع من دون بيع.

نحو سياسة استيعاب ذكية للمستقبل

من الاستيعاب الشامل إلى الاستيعاب الذكي: يجب أن تقترن زيادة المقاعد الجامعية بدراسات جدوى دقيقة لحاجة سوق العمل على المديين المتوسط والبعيد. التوسع يجب أن يكون في التخصصات الاستراتيجية (كالتقنيات الطبية، الطاقات المتجددة، الذكاء الاصطناعي) وليس في التخصّصات المشبعة.

إعادة تعريف “الاستحقاق”: لا يمكن أن يبقى المعدّل هو المعيار الوحيد. يجب إدخال مقابلات شخصية، واختبارات قدرات نوعية، وتقييم للمهارات الشخصية كالعمل الجماعي والقيادة، خاصة في الكليات التي تتطلب مواهب محددة كالطب والهندسة والتربية.

ربط الجامعة بالمجتمع: يجب تحويل الجامعات إلى مراكز إشعاع تنموي. عبر إنشاء حاضنات أعمال لطلاب الهندسة والمعلوماتية، وعيادات قانونية مجانية يشرف عليها طلاب الحقوق، ومراكز استشارية يديرها طلاب الاقتصاد. هذا يربط التعليم بالواقع ويخلق فرصاً عملية في أثناء الدراسة.

الاستثمار في التعليم الأساسي: أي إصلاح حقيقي للتعليم العالي يبدأ من إصلاح التعليم المدرسي. لا معنى لتحسين آليات القبول إذا كان الطالب قادماً من مدرسة تفتقر إلى أبسط المقومات. تحقيق العدالة الحقيقية يبدأ من هناك.

الشراكة مع القطاع الخاص: يجب إشراك القطاع الخاص في تخطيط المناهج وتقديم منح للطلاب المتفوقين في التخصّصات المطلوبة، وتوفير فرص للتدريب العملي. هذا يضمن أن يكون الخرّيج جاهزاً للانخراط في سوق العمل من فور تخرّجه.

قصة دولة تتغيّر

يمكن القول إن قصة سياسة الاستيعاب الجامعي في سورية هي قصة دولة تسعى للعدالة فتُقعِدها بيروقراطيتها، وتنشد التنمية فتعيقها أزماتها. من قمة طموحاتها في السبعينيات إلى حافة الهاوية في العقد الماضي، تعلّمت سورية درساً قاسياً: أن العدالة في التعليم لا تعني فقط فتح الأبواب على مصراعيها، بل تعني أيضاً بناء مسارات واضحة تؤدي من داخل تلك الأبواب إلى مستقبل مشرق. التحدّي اليوم ليس في ملء المقاعد الجامعية، بل في ملء المستقبل بالفرص. والنجاح لن يُقاس بعدد الخريجين، بل بقدرة هؤلاء الخرّيجين على البناء والابتكار، ليس لأنفسهم فقط، بل لسورية الجديدة التي تتطلع إلى أبنائها ليرفعوها من بين الأنقاض.

العربي الجديد

—————————————–

+ الناس

20 ألف طالب سوري من الانقطاع إلى التعافي الجامعي/ نور ملحم

21 ديسمبر 2025

تمثل عودة طلاب سوريين انقطعوا عن التعليم الجامعي خلال سنوات الحرب فرصة لاستعادة ما حُرموا منه. وتحرص السلطات على تسهيل هذا الأمر عبر سلسلة إجراءات.

بعد أكثر من عقد على الانقطاع القسري، فتحت جامعة دمشق أبوابها أمام آلاف الطلاب الذين حُرموا من متابعة تحصيلهم العلمي نتيجة مشاركتهم في الاحتجاجات المناهضة لنظام الأسد المخلوع. وتمثل عودة هؤلاء الطلاب الذين يقدر عددهم بنحو 20 ألفاً، مرحلة جديدة في مسار التعليم الجامعي السوري تترافق مع تسهيلات وإجراءات تقدمها الجامعة نفسها ووزارة التعليم العالي من أجل دعمهم وضمان استكمال سنوات دراستهم.

يصف رضوان الخالدي، وهو طالب في كلية الإعلام، سنوات الانقطاع بأنها “الأصعب في حياته”، ويقول لـ”العربي الجديد”: “لم يكن الانقطاع خياراً، بل فُرض علينا نتيجة ممارسات ممنهجة طاولت الطلاب الذين شاركوا في الاحتجاجات، وشملت الضرب، وتهجير بعضهم من السكن الجامعي، ونقل آخرين إلى فروع الأجهزة الأمنية حتى من أمام الكلية، ما خلق حالة خوف حقيقية على حياتنا ومنعنا من العودة إلى الجامعة”.

وتؤكد الطالبة رشا عبد القادر التي عادت إلى الدراسة بعد سنوات من التوقف، في حديثها لـ”العربي الجديد”، أن “الأمر ليس سهلاً لأن التحديات الكثيرة، وأبرزها التوفيق بين الدراسة ومسؤوليات الأسرة، ووجود مشكلات تتعلق بشرط العمر الذي منع قبول بعض الخريجين في بعض المسابقات الوظيفية. وتقول: “كان الانقطاع بسبب مشاركتي في الاحتجاجات داخل الكلية، والتي تلتها اعتقالات وفصل تعسفي وتهجير من السكن الجامعي، وعودتي اليوم هي بداية جديدة لمسيرتي العلمية والمهنية”.

أما الطالب في كلية هندسة المعلوماتية سنان الفاضل، فيقول لـ”العربي الجديد”: “حاولت خلال سنوات الغياب التغلب على آثار الانقطاع، وعودتي أكثر من مجرد استكمال للدراسة، بل فرصة لاستعادة الثقة بالنفس وحقي في التعليم. إنها تمنحني الأمل بأن المستقبل لم ينته بعد، وأنه يمكن أن أتابع أحلامي الأكاديمية رغم كل الصعوبات السابقة”.

مرسوم رئاسي يعيد طلاب سورية المنقطعين إلى الجامعات

وفيما تعكس هذه القصص الشخصية حجم المعاناة التي تواجه عودة الطلاب المنقطعين عن الدراسة، وتؤكد أهمية إعادة توفير متطلبات الدمج الأكاديمي والنفسي المناسبة لهم في مرحلة التعافي الجامعي بعد سنوات الانقطاع الطويلة، يوضح رئيس جامعة دمشق الدكتور مصطفى الدهر، في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن “الجامعة عملت على إعادة دمج الطلاب المنقطعين، خصوصاً من استفادوا من المرسومين 95 و97 اللذين صدرا هذا العام، والذين قدموا طلبات إلى كلياتهم وأُعيد تسجيلهم مباشرة. وشملت الإجراءات طلاب الإجازة والدراسات العليا معاً، علماً أن نسبة العائدين مثلت نحو 15% من إجمالي طلاب الجامعة الذين يبلغ عددهم نحو 170 ألفاً”.

ويشير إلى أن “الجامعة اتخذت خطوات عدة لتسهيل عودة الطلاب واستيعابهم، من بينها إنشاء قاعات جديدة، والسماح للطلاب الحاصلين على شهادة الثانوية بين عامي 2011 و2024 بالتقدم إلى المفاضلة الجامعية التي أفضت إلى قبول آلاف هذا العام. كما جرى تفعيل عمل عيادتين للدعم النفسي والإرشاد للطلاب، أحدهما في منطقة البرامكة والثانية في المدينة الجامعية، إلى جانب تنظيم ورش عمل لدعم الشباب ومساعدتهم في تجاوز آثار المرحلة السابقة. أيضاً أصدر مجلس التعليم العالي قرار اعتماد مقررات قدمها طلاب انقطعوا عن الدراسة خلال سنوات الثورة، ما سمح لهم بالعودة إلى قيدهم السابق في الجامعات العامة والخاصة”.

ويؤكد متخصصون أن طلاب جامعيين عائدين كثيرين يحتاجون إلى دعم نفسي لمواجهة آثار السنوات الطويلة للانقطاع، وأن بعضهم يواجهون صعوبات في التكيّف مع المناهج الدراسية الحديثة ومتطلبات الجامعات بعد غياب طويل، فضلاً عن التوفيق بين الدراسة ومسؤوليات العمل والأسرة. وتعتبر هذه التحديات جزءاً من رحلة إعادة الدمج الأكاديمي التي ترافقها الجامعة ببرامج دعم متخصصة وورش عمل لتعزيز مهارات الطلاب، ومساعدتهم في إعادة بناء الثقة بأنفسهم كي يستكملوا دراستهم بشكل فعّال ومثمر.

تجربة تعليمية واجتماعية

ويؤكد الدكتور عبد الكريم الإبراهيم، أستاذ علم الاجتماع في جامعة دمشق، أن عودة الطلاب المنقطعين تشكّل تجربة تعليمية واجتماعية مهمة، ليس فقط للطلاب أنفسهم، بل للمؤسسة الجامعية كلها. ويقول لـ “العربي الجديد”: “استعادة الطلاب الذين انقطعوا عن الدراسة يختبر قدرة الجامعة على التعامل مع آثار السنوات العصيبة، ويُمثل فرصة لإعادة بناء بيئة تعليمية شاملة. يملك هؤلاء الطلاب خبرات حياتية مختلفة نتجت من تجاربهم السابقة، ما يُضيف بعداً إنسانياً واجتماعياً للمناهج التعليمية، ويساعد في تنمية مهارات التكيّف والتعاون داخل الحرم الجامعي”. يضيف: “يُساهم دمج الطلاب المنقطعين بطريقة مدروسة في تحسين الأداء الأكاديمي العام، ويُقلل من الفجوات التي نتجت عن سنوات الانقطاع الطويلة، ونشدد على أهمية استمرار الدعم النفسي والإرشادي إلى جانب التعليم الأكاديمي لضمان عودة ناجحة ومستدامة لهؤلاء الطلاب”.

أيضاً تمثل عودة الطلاب المنقطعين فرصة لاستعادة حقهم في التعليم ومتابعة أحلامهم الأكاديمية والمهنية بعد سنوات من الحرمان. وتؤكد جامعة دمشق ووزارة التعليم العالي أن هذه الإجراءات تشكل خطوة أساسية لدعم الطلاب وضمان استكمال رحلتهم التعليمية بنجاح، ما ينسجم مع خطط الدولة لتعزيز التعليم الجامعي، وإعادة دمج الشباب في الحياة الأكاديمية بعد سنوات الانقطاع القسري. كما تعكس هذه العودة قدرة النظام التعليمي على التعامل مع آثار السنوات العصيبة وتقديم حلول عملية لآلاف الطلاب في مقاعد الدراسة، ما يساهم في تعزيز الثقة بالجامعات العامة ورفع معدلات التحصيل العلمي في المستقبل.

وفي الحصيلة تقف جامعة دمشق اليوم عند مفترق طريق مهم في مسار التعليم الجامعي، إذ لا تقتصر أهمية عودة الطلاب على الجوانب الأكاديمية فقط، بل تشمل أيضاً الأبعاد النفسية والاجتماعية لإعادتهم إلى حياتهم الطبيعية، ودعم متابعتهم أحلامهم التعليمية بعد سنوات من الانقطاع القسري والفصل التعسفي.

العربي الجديد

————————————

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى