منوعات

الفصول الأربعة، مجدداً؟: ما تحمله وتصوغه الأعمال التلفزيونية من ملامح هوية/ شام السبسبي

17-12-2025

        هناكَ الكثير مما يُقال عن مسلسلات «الأمان النفسي»، التي تُشاهَد وتُعاد مراراً. في الحالة السورية، كما العادة، هناك طبقاتٌ إضافية للنظر في الأمر.

        إلى جانب كونها صناعةً بارزة، شكّلت الدراما التلفزيونية ما يشبه ذاكرة جمعية لسوريين كثر، ربّما لأنها ثَبّتت ملامح الهوية السورية خارجَ قالب الخطابات السياسية والشعارات، ومن خلال تفاصيل الحياة اليومية، فكان التلفزيون هو الوسيط الذي نقل تفاصيل المجتمع إلى المجتمع نفسه، وأعاد صياغتها بطريقة سمحت للناس أن يتعرّفوا على أنفسهم – أو، على قسمٍ منهم – من خلال الشاشة.

        في تلك الفترة، شهدَ التلفزيون تحوّلاً عميقاً في علاقته بالبيت والمجتمع، وبعد أن كان جهازاً نادراً يجمع الجيران والأهل في مكان واحد، أصبح عنصراً ثابتاً في كل غرفة جلوس، وجاء هذا الانتشار الواسع مقروناً بولادة البث الفضائي والقنوات، فانتقلَ التلفزيون من كونه طقساً اجتماعياً جماعياً إلى تجربة أكثر فردية. ظهرت فيما بعد الهواتف المحمولة والإنترنت، وتراجعَ الإحساس بالزمن التلفزيوني شيئاً فشيئاً لصالح أنماط استهلاك أخرى ألغت فكرة المشاهدة الجماعية، وتم الانتقال من «التلفزيون الجماعي» إلى «التلفزيون الشخصي»، ومن البيت الجامع إلى البيت المُتجاوِر المنقسم إلى شاشات بحسب عالم الاجتماع بول طومسون في كتابه صوت الماضي.

        قبل هذا الانتقال، كانت المسلسلات القديمة تُصوِّر سوريا على أنها مجتمع متماسك رغم اختلافاته، بيت واحد تتقاطع فيه اللهجات والطبقات – ذائبة في الغالب في طبقة ولهجة واحدة – وعلاقات إنسانية تُبنى على القرب قبل الصراع. تدخل الكاميرا إلى البيوت، وتعرضُ تفاصيلها الصغيرة مؤكدة على فكرة «البيت» الذي يحتضن جميع أفراد العائلة، في صورة مُكرَّرة يشعر من خلالها الجمهور بالاطمئنان بشأن ثباته وسط التحولات الاجتماعية والسياسية.

        المسلسلات السورية التي شكّلت وجدان جيل التسعينيات، مثل الفصول الأربعة وأحلام كبيرة، رسّخت فكرة أن البيت ليس مجرد مكان للسكن بل رمزاً للانتماء، من طريقة الجلوس حول المائدة، إلى الأحاديث بين الأجيال، إلى الروابط بين الأفراد. لم تكن هذه التفاصيل مُحايدة، بل عبّرت عن رؤية مُحدَّدة للهوية ترتكز على قيم العائلة والجيرة والمودّة.

        لا تبدو النوستالجيا التي تُرافق اليومَ ذكرى هذه المسلسلات حنيناً رومانسياً إلى صور قديمة، بقدر ما هي استرجاعٌ صامتٌ لدفء المنازل قبل أن تتشقق الجدران في صخب الحرب، فكلمة «الفصول الأربعة» بالنسبة للسوري لا تستحضر الفصول، أو الموسيقى الكلاسيكية، أو اسم الفندق الشهير، وإنما صورة البيت الكبير، و«لمّة العائلة» والدفء، فالمسلسل الذي عُرض ﻷول عام 1999 لم يروِ حكاية بطولية أو ملحمية، لا حرب عشائر ولا دسائس، ولا حتّى عَرَضَ صفعاتٍ مدوّية، بل اكتفى بعرض الحياة كما كانت تُعاش.

        والمسلسلات السورية كثيرة، بعضها ارتبط بالبطولة والتاريخ كـ«الزير سالم»، وبعضها قدّمَ الكوميديا الذكية مثل «ضيعة ضايعة»، وأخرى شَرَّحت السلطة وعلاقتها بالمجتمع كما في «الولادة من الخاصرة»، أمّا الفصول الأربعة فكان من نوع آخر، نوع لا يصفق الجمهور له بل يذوب داخله على مهل، وكلّما مرّت السنوات ازداد التصاقاً بالذاكرة، فهو لم يُقدِّم أبطالاً خارقين لكنه اكتفى بشخصيات تُشبهنا إلى درجة موجعة: «سوسو» التي تكره اسمها الحقيقي، «عادل» الحكيم المثقف، «جميلة» المتصابية، «مازن» الواثق من وسامته، «فاتن» المهووسة بالبريستيج، «نجيب» المليء بعقد النقص، و«برهوم» الفقير الراضي عن حياته بالرغم من بؤسها؛ مجموع هذه الشخصيات يُمثّل حياة السوريين في تلك الحقبة: عائلة كبيرة، تفاوت طبقي واضح، بيئة منفتحة، وحوارات لا تنتهي.

        سرُّ هذا المسلسل يشبه سرّ مسلسل Friends، إذ كما شكّلَ «تشاندلر» ورفاقه حالة ألفة جماعية للمشاهدين الأميركيّين، شكّلَ مازن وسوسو وعادل ونبيلة ونجيب وباقي الشخصيات حالة ألفة تجاه زمن سوري كان بسيطاً وأكثر قابلية للعيش، لكن بخلاف Friends الذي صنعَ عالمه في فضاء افتراضي أميركي مُغلق، كان «الفصول الأربعة» ابن بيئته حتى العظم: شوارع دمشق، الحدائق، البيوت المتواضعة، وموائد الغداء العائلية.

        صُنعت هذه البساطة كما يُصنع الزجاج الشفّاف بحرارة عالية وحذر شديد، وقالت عنها الكاتبة ريم حنا: «أنا راضية عن تناول القضايا الصغيرة التي تمسّ حياة الإنسان البسيط، فما يظهر للبعض عياراً خفيفاً هو بساطة تمر ضمن آلية مُعقدة وصعبة»؛ هذه القصص ليست دراما سطحية وإنما نصوصاً مكتوبة بدقة عالية لتشبه حيوات معظم السوريين.

        وعندما ننظر إلى هذه الأعمال اليوم، يمكننا أن نرى فيها أكثر من مجرد دراما واقعية، فهي أرشيف غير رسمي للذاكرة يُوثِّقُ العلاقات الاجتماعية والرمزية التي شكّلت الوعي الجمعي للسوريين قبل الحرب والانقسام، واللافت أن تلك الصورة كانت بمثابة محاولة لتثبيت الواقع آنذاك بينما كانت البلاد تمرّ بتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، فجاءت الدراما كمحاولة رمزية لمقاومة التغيير، عبر عرض القيم القديمة في قالب معاصر يخلق شعوراً بالاستمرارية، وكأنَّ ما يجري خارج الشاشة لا يهدّد ما يجري داخلها.

        خاصة في تلك الفترة التي كانت فيها الملامح الطبقية لا تزال في طور التشكّل، وأغلب البيوت رغم تفاوتها المادي كانت ما تزال من طراز واحد؛ هذا التشابه لم يكن مصادفة وإنما جاء انعكاساً لبنية اجتماعية وطبقة وسطى كانت تملك ما يكفي لتعيش دون ترف أو فقر مدقع. كان البيت السوري نموذجاً للتماهي الطبقي أكثر مما هو للتمايز، فأغلبُ السوريين يعيشون في المساحة الرمزية نفسها تقريباً: بيت «كافٍ» لا أكثر، ومساحة من الطمأنينة الجماعية، قبل أن يبدأ اقتصاد السوق في الصعود مطلع الألفية، وتبدأ الهوة الطبقية بالاتساع.

        كانت هذه الطمأنينة في الوقت نفسه تحمل وجهاً آخر، فـ«البيت الواحد» أخفى تناقضات طبقية واقتصادية وسياسية وطائفية كانت حاضرة في المجتمع السوري، بينما كان المشهد التلفزيوني متجانساً خالياً من الانحيازات. ربما لم يكن هذا التبسيط مقصوداً، بقدر ما كان نابعاً من حاجة عامة لصورة مستقرة توحي أننا «ما زلنا بخير».

        تلك الصورة الجماعية أيضاً كانت وسيلة لخلق شعور بالانتماء الوطني في مرحلة تآكلَ فيها الشعور السياسي بالانتماء، فالخطاب السياسي الرسمي فشَل في صناعة هوية وطنية راسخة، من بين مشاكل أخرى ملتحمة في ظرفٍ عام شديد القسوة، انتهى لاحقاً إلى التحاق السوريين بركب الانتفاضات المتلاحقة للربيع العربي في آذار (مارس) 2011. جاءت الدراما لتقدّم هوية اجتماعية جامعة وأكثر ليونة، تُبنَى على العلاقات والعادات واللغة اليومية، فيجد المشاهد نفسه في الشخصيات لا في الشعارات، وهذا التعويض الرمزي جعل الدراما السورية جزءاً من الذاكرة السياسية أيضاً، ﻷنها خلقت حالة من الإجماع حول فكرة «سوريا-المنزل» بدلاً من «سوريا-الدولة».

        في السنوات التي تلت الحرب، تحوّلت الكثير من تلك الأعمال القديمة إلى مرجع للحنين لجمهور يعيش في الشتات أو في بلاد تغيّرت ملامحها، وصارت بمثابة «فردوس مفقود» يستعيدُ السوريون من خلاله الإيقاع المفقود للحياة العادية والإحساس المنتظم بالزمن، بينما ركزّت الأعمال الدرامية الجديدة على الحرب والشتات، واقتربت من واقع البلاد، لكنها فقدت البنية التي تمنحها إمكانية صنع «ذاكرة مشتركة» فصارت ساحة للانقسام كحال المجتمع.

        لكن هذا الانقسام لم يُنهِ الذاكرة القديمة وإنما جعلها أكثر حضوراً، وربما هذا ما يدفع الناس على منصات التواصل الاجتماعي حتّى اليوم إلى الحديث دائماً عن بساطة وصدق هذه الأعمال و«تلك الأيام»، ويجعلها جزءاً من سردية الهوية  السورية المعاصرة المبنية على الفقد والحنين ومحاولة استعادة الماضي الأليف الذي يُعبِّرُ عن الذات السورية في أكثر حالاتها صدقاً وعفوية.

        في مقابلة له عام 2021 على إذاعة شام إف إم قال بسام كوسا: «لدينا توقٌ إلى الماضي، وواحدٌ من أسباب هذا التوق هو الوضع البائس للحاضر، لكن هذا الماضي يجب أن يُوضَع في مكانه اللائق ونمضي». الحنين لا يعيد الزمن، بل يتكشّفُ عن الفراغ الذي تركه، فـ«الفصول الأربعة» و«أحلام كبيرة» وغيرها من المسلسلات هي صورة العائلة كما كنا نعرفها، وصورة بيوت أصبحت رمزاً للذاكرة الجمعية السورية في بلاد ضاقت على أهلها.

        الذاكرة هنا ليست هي ما حدثَ فعلاً، بل ما يُتداوَل بوصفه حدثاً مشتركاً، والمسلسلات السورية كانت هي المساحة التي يتم فيها هذا التداول، من خلال تشكيلها وعياً جمعياً حول ما يجب أن يكون مرفوضاً أو مقبولاً، وحول شكل العلاقة بين الفرد والمجتمع، لذاك فإن تأثيرها لا يُقاس فقط بمدى شُهرتها وإنما بعمق حضورها في الوجدان العالم.

        واليوم، بعد مرور أزيدَ من عقد على التحولات الكبرى في سوريا، تعود تلك الأعمال لتلعب دوراً جديداً: دور الذاكرة البديلة والمتماسكة وسط واقع متشظٍّ، تُذكِّرُ الناس بما كان يبدو بديهياً في ماضٍ صار بعيداً، وتصنع هويةً في طورٍ من الحنين، يحاول أصحابها استعادة ما تمّ فقدانه من المعنى ليُثبِتوا أنه ما زال موجوداً، ويعيدوا بناء ذلك البيت الرمزي الذي انهار في الواقع، ويفهموا أنفسهم وسط كل ما تَبدَّل. لذلك، تبقى هذه الأعمال صالحة للمشاهدة رغم مرور الزمن، فهي تنتمي إلى مساحة لا يحدّها تاريخ، مساحة الذاكرة الجمعية التي تصنعها الجماعة عن نفسها عندما يتغيّر كل شيء حولها، تصنعها كنقطة استنادٍ وإن لم تكن شاملة التمثيل.

        أُنتِجَ هذا المقال في إطار زمالة الجمهورية للصحفيات السوريات.

         *****

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى