لماذا لا ينشغل السوريون بالديموقراطية؟/ فيصل علوش

18 ديسمبر 2025
في مناقشة لمقـالـة قديمة كتبها الكاتب والصحافي اللبناني، جهـاد الزيـن، في صفحة “قضايا النهار”، التي كان يشرف عليها، وعنونها بـ: “ســؤال صـعـب وســؤال محيّـر”، (6/6/2006)، تناول فيها اعتقال مجموعة من المثقفين الذين وقعوا، آنئذٍ، على “إعلان بيروت – دمشق/ دمشق – بيروت”، (بمن فيهم الراحل ميشيل كيلو، الذي كان يُعدّ في نظر كثيرين رمزًا للاعتدال والمرونة في صفوف المعارضة السورية)، كتبتُ حينها مقالًا، (نشر في الصفحة ذاتها؛ 27/6/2006)، تحت عنوان: “الديموقـراطيـة لــيــسـت شاغــلاً لــفـــئــات كــثـيــرة فـــي سوريـا”، عزوت فيه “عزلة الديموقراطية والمثقفين” في سوريا، كما أشار إليها الزين في مقاله، إلى كون “الغالبية الساحقة من الشعب السوري مشغولة بتأمين قوتها واحتياجاتها اليومية”، إضافة إلى نزوع فئات ليست قليلة من الشعب السوري إلى التعاطف مع التيارات الإسلامية، (حتى المتطرفة منها)، ما يقود في المحصلة، إلى أن الديموقراطية “لا تشكل شاغلًا جديًا” لهؤلاء جميعًا، إن لم نقل أنهم يقفون “على الضد منها تمامًا لاعتبارات عقدية وسياسية متعددة”. وقلت إن “التعبير عن الموقف والرأي، في ذلك الوقت، هو أشبه بمبارزة غير متكافئة بين مثقفين وناشطين سياسيين عزل، من جهة، والأجهزة الأمنية والسياسية “الجرارة” للسلطة، من جهة ثانية، بينما يقف الجمهور بشكل عام متفرجًا، (أو متلهيًا عن ذلك)، بشؤونه وشجونه الخاصة.
تُرى هل تغير الآن شيءٌ من ذلك؟ لا ريب أن طرح السؤال والتفكير في حال الديمقراطية ومدى اهتمام السوريين بها، سيحرك الكثير من مواطن الوجع والمرارة لدى المعارضة الديموقراطية السورية، لأن الإجابة عليه، إذا أردنا أن نتحلى بالجرأة الكافية، ستفيد بأن أحوال الديمقراطية تزداد تدهورًا، وأن اهتمام حتى المثقفين بها، (وليس السوريين عامة)، يزداد تراجعًا أيضًا.
بين النظريات المجردة والواقع
على المستوى النظري المجرد، يمكن القول طبعًا، إن قضية الحريات والديمقراطية ينبغي لها أن تعني المجتمع السوري ككل، بمختلف فئاته وأطيافه، كما ينبغي لها أن تكون موضع اهتمامه الأول، بيد أنها في الواقع الفعلي لم تحز بعد على القدر اللازم من الاهتمام. قد يبدو هذا الحكم قاسيًا، إلا أنه هو الأقرب إلى واقع الحال، كما أزعم، مستندًا في ذلك إلى العديد من المعطيات والدلالات، وخصوصًا إذا كان المقصود بالأمر ليس بعض النخب السياسية أو الثقافية أو الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل القوى الحية الفاعلة في المجتمع السوري وصلتها بقضية الديمقراطية والحريات، ومدى استعدادها العملي للانخراط في حراك سياسي ومجتمعي جدي يضع نصب عينيه تنفيذ أجندة محددة للإصلاح والتغيير الديمقراطي، مهما كان موقف الحكم ودرجة مقاومته لهذا السعي والطموح.
قد يقف خلف هذا الواقع الكثير من العوامل والمشاكل التي تعاني منها مجتمعاتنا وتمثيلاتنا السياسية والمدنية والنقابية، ولعلّ الأمر يرقى إلى مرتبة “معضلة حقيقية” تحتاج إلى بحوث ودراسات تتقصّى أسبابها وتستكشف آفاق المستقبل بشأنها، (مما لا مجال للخوض فيه الآن)، إلا أنّ هذا لا يمنعنا من التوقف عتد بعض النقاط، التي نعتقد أنها رئيسة، في مقاربة هذه المسألة.
من تلك النقاط؛ واقع الخوف والخضوع الذي جرى تكريسه عبر عقود من الاستبداد والتسلط الذي دمّر وقضى على أي تمثيل سياسي؛ شعبي أو طبقي، لمختلف الفئات والشرائح الاجتماعية تقريبًا، وما صاحب ذلك من تصحير للحياة السياسية، ودفع أكلاف باهظة من قبل المتنطحين للاهتمام بالشأن العام وأوضاع البلد والعباد، وما جرّه ذلك، من عزوف أجيال بأكملها تقريبا عن الاهتمام بالشؤون العمومية، على نحو أضحى فيه الاشتغال بالسياسة، عمومًا، أقرب إلى ترف ليس بوسع فئات وقطاعات واسعة من الشعب السوري إضاعة وقتها عليه.
وإذا كان الانشغال بتأمين الاحتياجات المعيشية لقطاعات واسعة من المجتمع السوري قد أبعدها، لردح طويل من الزمن، عن الاهتمام والانشغال بالديمقراطية”، فمن الواضح أن الأمر أضحى الآن أكثر سوءًا بكثير، وذلك بفعل الآثار الكارثية للحرب المدمرة التي شهدتها البلاد في السنوات المنصرمة، على المستوى الاقتصادي والمعيشي للناس، حيث بات أكثر من 90% من الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر، وجزء كبير منه بحاجة ماسة للمساعدات الغذائية والمالية، وحين يكون الأمر كذلك، يصبح من قبيل المعاندة، والخطل الأكيد، مطالبة هؤلاء “البؤساء” الانشغال بغير لقمة خبزهم وتأمين ما يكفيهم ليقيموا أودهم وأود عائلاتهم.
أما على مستوى التعاطف مع التيارات الإسلامية؛ المعتدلة منها أو المتشددة، والموقف العقدي والسياسي من الديمقراطية، فأظن أنه لم يعد أحدٌ يماري في ذلك أيضًا. فأغلبية الجمهور السوري لم تقبل بمجيء السلطة الحالية، بجذورها الإسلامية المعروفة وموقفها السلبي المسبق من الديمقراطية فحسب، بل إنها قد محضتها تأييدها ودعمها شبه المطلقين، وها نحن نشهد تسابقها للتعبير عن هذا التأييد والدعم بكل الطرق والوسائل.
صراع الهويات والنزوع الانفصالي
وما يفاقم ذلك، هو ما نشهده من صراع “هوياتي” على خلفية الانتماءات ما دون الوطنية، أو بالأحرى العصبيات والنزوعات الـ”ضد وطنية”، (Anti – National)، التي تسعى إلى الانفصال أو الاستقلال؛ أيًا تكن أسبابها، إذ لا يعود يعنيها في شيء النضال من أجل مطالب وطنية عامة، أو من أجل القضايا المتصلة بالحريات والديمقراطية. وهو ما من شأنه أن لا يضعف من وزن المطالبين بالديمقراطية فحسب، إنما يضع الجميع أمام مشاكل وحساسيات مغايرة؛ بعيدة كل البعد عن الانشغال بالقضايا الوطنية العامة أو الديمقراطية، وهو ما بتنا نلمسه بوضوح في محافظات السويداء والساحل وشمال شرقي سوريا.
يضاف إلى ذلك، الدور السلبي الذي يلعبه الخارج أيضًا. فعلى الأغلب، فإن العواصم الكبرى لا تهتم بطبيعة السلطة السورية وتوجهاتها الأيديولوجية، وبمواقفها إزاء بناء دولة المواطنة والعدالة، أو قضية الحريات والديمقراطية، بقدر اهتمامها بتحقيق مصالحها الاستراتيجية في سوريا والمنطقة عمومًا. وهي تنتهج في سبيل ذلك سياسة براغماتية تركز على الجوانب الاقتصادية والأمنية، وتعمل على تأمين وجود حد أدنى من الاستقرار الداخلي، وتعاون في محاربة الإرهاب، والحدّ من الهجرة ما أمكن، وضمان أمن الحدود والملفات الإقليمية التي تشغلها، وخصوصًا الحفاظ على أمن إسرائيل، وصولًا إلى الانخراط في مسارات التطبيع معها، إضافة إلى ترسيخ واقع إقليمي جديد يضمن عدم عودة النفوذ الإيراني إلى البلاد.
هل يعني عرضنا لهذا الواقع وسلبياته، أن نكف عن المطالبة بالديمقراطية؟ لا طبعًا، بل علينا التمسك بها والإصرار على الدعوة إليها، ولكن من دون أوهام كبيرة بشأن إمكانية تحققها وتطبيقها. فالديمقراطية تبقى هي الركيزة الأساس للنظام السياسي الجيد؛ النظام الذي يرعى مصالح الناس، ويمكنّهم من تنمية قدراتهم وملكاتهم، ويكفل للمواطنين كافة ممارسة حقوقهم الطبيعية التي وهبها الله لهم؛ حق الحياة، والحرية، والعدالة والمساواة أمام القانون، والتفكير الحر من غير قسر أو إكراه، وضمان حرية التعبير عن أفكارهم بشتى الوسائل المتاحة والممكنة، بحيث لا يجوز منع الرأي المخالف، مهما بلغ خطؤه في نظر الآخرين، وعلى نحو يحلّ فيه الحوار والإقناع محل القمع وكم الأفواه، ويحلّ حق التصويت وصندوق الاقتراع محل العنف واستعمال الرصاص والضرب بالسياط.
فهل سنبقى حائرين وتائهين إزاء النظام الوحيد الذي يكفل تحقيق كل ذلك، وهو النظام الديمقراطي؟
الترا سوريا



