إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سورياعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

موسم سباق الهويات البصرية السورية/ عمر قدور

 

السبت 2025/12/20

ما كان ينقص سوريا سوى أن تنتشر الهوية البصرية لقوى الأمن الداخلي في “محافظة السويداء”، وهي تسمية يُراد طمسها تماماً، ففي آخر كلمة للشيخ حكمت الهجري كرر بإفراط اسم “باشان” في الإشارة إلى الدويلة المأمولة، ولم يعد جديداً توجيهه الشكر إلى ما يسميه دولة إسرائيل بكامل أركانها حكومة وشعباً. لذا لا غرابة في أن تتضمن الهوية البصرية نجمة سداسية، يعزز من وجودها اعتمادُ اللونين الأزرق والأبيض. ما لا يقلّ سوءاً في خطاب الهجري قبل يومين أنه أنذر وتوعدّ المعارضين بالقمع وعدم التهاون، بوصفهم خونة متآمرين مع سلطة دمشق. وثمة سوابق تجعل الوعيد صادقاً؛ إذ قُتِل أشخاص في السويداء تحت التعذيب، وتحت طائلة التهمة نفسها.

قبل أسابيع انتشرت أيضاً الهوية البصرية لقوى الأمن التابعة للسلطة في دمشق، وكان الحدث الأبرز الذي سُلّطت الأضواء عليه هو إطلاق ما سُمّي الهوية البصرية لسوريا الجديدة. حينها كُشف عن تصميم جديد لطائر العقاب، وهو الطائر المعتمد أصلاً كرمز للدولة، لكن بتصميم مختلف عن التصميم الجديد. والأهم ربما أن الهوية البصرية الجديدة حلّت إلى حد كبير مكان العلَم، وصار يُنظر إليها كبصمة للسلطة الجديدة، مع التنويه بأن عهد الأسد لم يكن له هوية بصرية، بسبب الانهماك في نشر صور وتماثيل الأب ثم صور الوريث.

لن نسرد مجموع الخطابات الطائفية الصريحة، ومن ثم وقائع مجازر الساحل والسويداء وآثارها الفادحة، فهذا كلّه قريب العهد. ولن نتوقف للتذكير أيضاً بسياسات عهد الأسد، وآثارها على صعيد الانقسام بين السوريين، فهذا أيضاً معلوم بمجمله. في الخلاصة، اليوم ثمة سباق للتبرؤ من سوريا، وإن لم يكن تبرؤاً منها كحدود وسلطة فهو تبرؤ مما كانت عليه، يأخذ شكل الانقلاب التام على سوريا التي تأسست عملياً في ظل الانتداب الفرنسي.

الكلام عن الهوية هو تعبير صريح عن رسم الحدود بين الجماعات السورية، وهذا هو حال الحديث عن الهوية عموماً، ففي السياسة يكون حديث الهويات مفرِّقاً عموماً. لا نستثني منه ما يتلطّى وراء مفهوم الهوية الوطنية، إذ لطالما كان هذا ستاراً للفاشيات، وهو مستمد أصلاً من أدبيات دول ما كان يُسمّى “الانصهار القومي”، حيث استُخدم تعبير “جرن الانصهار القومي” للدلالة على دور الدولة التوحيدي. دولة المواطنة الحديثة أتت على الضد من سابقتها المقترنة باصطناع هوية، أو بتغليب هوية على أخرى تحت مزاعم شتّى، بما فيها مزاعم الأكثرية الطائفية أو الإثنية، أي الأكثرية غير السياسية.

من السهل، تحت سؤال الهوية نفسه، أن يتساءل أي شخص: أنحن سوريون حقاً؟ مَن يثبت ذلك؟! وأن تأتي الإجابة المتوقَّعة بنفي وجود هوية سورية، وأن تكون الإجابة شخصية أيضاً، بما أن لكل شخص طبقات من الهوية تتعلق بمنبته أو انحيازاته المغايرين لشخص آخر. وفي الأزمات من المعهود أن يبحث الأشخاص عن الرابطة التي تحقق لهم أماناً فعلياً أو نفسياً أو رمزياً، وليس للدولة السورية إرث وطني راسخ ومستمر يجعلها بمثابة رابطة تسند أبناءها الضعفاء.

الذهاب في الإجابة إلى أقصاها سيقود إلى عدد من الخصوصيات يفوق المتداول والمهيمن، إذ لن تتأخر الخصوصيات (ضمن كل جماعة) عن الظهور، متى اطمأنت هذه الجماعة إلى كونها في منأى عن التهديد، وهو ما سينتهي عملياً إلى سعي كل فئة مهيمنة ضمن هذه الجماعة إلى إخضاع الآخرين فيها. مشروع الهويات الذي يقسم الجماعات الكبرى من طبعه الذهاب إلى أقصاه، لتنقسم الجماعة على نفسها، إنما مروراً بالصراعات الدموية مع الطوائف أو الجماعات العرقية الأخرى.

الذين ينكرون سوريا حالياً لا يخوضون في البدائل الممكنة والواقعية لها؛ هناك غضب أو نقمة يهيمنان على التفكير، وهذا ما يجعل الانتباه مشدوداً إلى تحطيم فكرة سوريا التي حوّلتها سلطات متتالية إلى شعار أكثر بكثير من كونها واقعاً. ولا شك في أن الغضب، بخلاف بعض النقمة، آتٍ من موقعٍ نبيلٍ، لكن لا يندر أن ينحدر الغضب إلى النقمة، ولا أن يتجلّى على هيئة عدمية سياسية، يعرف أصحابها ما يرفضونه أكثر بكثير مما يرغبون فيه. أيضاً، من الشائع أن تدفع العدمية في اتجاه الرفض المطلق، بصرف النظر عن واقعية البدائل من عدمها.

من السهل جداً القول إن سوريا الحالية هي صناعة استعمارية، وإن التقسيم هو الحل، كأن التقسيم متاح داخلياً وخارجياً، وليس دونه صراعات ومذابح من المرجّح أن تشمل سوريا ولبنان والعراق وتركيا، وقد تستغرق أجيالاً ودورات من العنف، ثم لا ضمانة في أن تأتي النتيجة النهائية على النحو الذي يستهوي أرباب الهويات أو رافضي سوريا بالمطلق. في الواقع، شهدت الدول المذكورة دورات من العنف متفاوت الشدة هنا وهناك، لكنّ انفلاته بموجب صراع هويات مفتوح يجعل كل ما حدث بمثابة تمارين على المعارك الحقيقية.

فيما يخص سوريا تحديداً، صارت رواية الثورة التي اندلعت لأسباب طائفية هي الرواية المهيمنة، بل هي رواية السلطة الحالية. وليس في تبنّيها هذه الرواية ما هو عفوي أو اعتباطي، وأيضاً ليس لأن هذه الرواية تناسب الأيديولوجيا الدينية لأبناء السلفية الجهادية. الرواية الطائفية للصراع في سوريا مناسبة لأنها تحرف الأنظار عن الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورة عام 2011، وتحرف الأنظار تحديداً عن قيام الثورة كحركة اعتراض كبرى على النظام السياسي الذي استنفذ أسباب بقائه، بالمعنيين المباشر والتاريخي.

تجاهلُ الأسباب العميقة للثورة هو تجاهلٌ لما يترتّب عليها اليوم، وهو الذي يقود الوقائع والأفكار في اتجاه الاعتقاد أن سوريا إما أن تكون محكومة بنظام سياسي على شاكلة السيطرة المركزية المطلقة أيام الأسد أو لا تكون. وبالطبع سيكون هناك كثر، وسيزدادون مع الوقت، من الذين يفضّلون ألا تكون سوريا على أن تكون استمراراً لما كانت عليه من قبل مع مظاهر طائفية أشدّ فجوراً وتأثيراً.

الدفعُ إلى الصدارة بالهويات المختلفة، ومن ثم المتناحرة، هو دفعٌ صريح في اتجاه تعزيز القناعة باستحالة العيش المشترك. والسؤال الذي يُغيَّب هو عن كلفة هذه القناعة، وعن مدى صلاحيتها وواقعيتها على المدى البعيد. فوجود مجموعات بشرية متمايزة ضمن نطاق جغرافي يحتّم عليها البحث عن أفضل سبل العيش المشترك، وليس محتّماً إطلاقاً أن يكون الانفصال والتقسيم هو أفضلها. بل إن أي نقاش جاد، يتوخّى لغة المصالح، سيجد أن التشارك والتكامل هما مصلحة لجميع المنضوين في عملية سياسية من هذا النوع.

ثمة كلام كثير يُساق عن أفول الدولة الوطنية في العالم، ليؤخذ بمعنى انتهاء صلاحية النموذج ككل، وضرورة الإجهاز على فكرة الدولة الوطنية محلياً. إلا أن أفول الدولة الوطنية، بالمعنى الهوياتي خصوصاً، لا يجب أن يكون مدخلاً إلى عدمية سياسية مضادة بطبيعتها للعقلانية التي تفرضها السياسة. فهذا الكلام كله يُناقش في الجدل حول النظام السياسي الذي يلبّي مجموع المصالح، مع الانتباه إلى أوضاع البلدان التي تؤخذ نموذجاً على تراجع الدولة الوطنية وكيفية عيش مجموعاتها المختلفة، وضمن أي نظام سياسي.

أثبتت تجارب المنطقة أن الدوران في حلقة الهويات المولِّدة للعنف يعيد إنتاجها، فالعنف يولد المزيد من الطائفية التي تولّد مزيداً من العنف. وأثبتت أيضاً أنه ليس من المصادفة أن يحلّ مستبد من الجماعة نفسها مكان المستبد من الجماعة الأخرى، تحت شعار التخلص من الاستبداد. في المحصّلة تبدو الفائدة الوحيدة من هجاء الأوطان هي مزيد من بناء الجدران بين الجماعات، ما يجعل عيشها المشترك مستحيلاً على أي وجه كان. ربما يجدر التفكير في ذلك للانتقال من هجاء الأوطان إلى تدبيرها وجعلها بلداناً صالحة للجميع، بنظام سياسي وقوانين تحميهم وتنظم صراعاتهم سلمياً على أساس المصالح. هذا الاستحقاق سيبقى ماثلاً، مهما طال التهرّب منه.

المدن

————————–

 حين تحكمنا الكاميرا.. الدولة بوصفها مشهداً وهوية بصرية/ علي سفر

2025.12.20

يزور وزيرٌ ما زميلَه الآخر ليشرب القهوة معه، فيظهر اللقاء على الوسائل الإعلامية على أنه اجتماع عمل! وفي مكانٍ ما، يذهب أحد أعضاء الحكومة لتفقد التحضيرات لحدثٍ ما، فيُظهره المكتب الإعلامي التابع لوزارته في لقطات بطيئة مع موسيقى حماسية، فنشعر أن بطل المشهد يمضي نحو فتح الأندلس.

وفي الأمسيات والفعاليات لا بدّ من أن يجلس هؤلاء في الصف الأول، وكأنهم “يتبروظون”، كما يقول السوريون في منطوقهم الشعبي. و”البروظة” قد تتحول إلى سببٍ للشجار بين مرافقي الوزراء، كما حدث قبل أيام! ويبدو أن بعضهم قد التقط عند هؤلاء حاجتهم الهائلة للشعور بالتميّز، فقرر أن يصفهم بأنهم مبشّرون بالجنة!

هل نحن أمام سلوك طبيعي لأفراد حكومة، أم أن بعضهم فقد رشده فعليًا، ونسي أن المنصب يعني العمل لا الاستعراض، وأن الإفراط في الظهور بهذا الشكل المجاني يحيل المشاهد إلى عطبٍ من نوعٍ ما يعاني منه هؤلاء؟

أم أن الموضوع أعمق بكثير من مجرد القبول بما يقترحه المنافقون، ممن يحومون حول الوزراء، ويقنعونهم بأن التاريخ قد بدأ وسينتهي بهم، رغم أن مواقعهم الحالية مرتبطة بصفة المؤقت الزائل، لا الباقي الدائم؟

المشكلة أن هؤلاء المكلّفين بمناصبهم يقودون الجمهور، الذي خبر مثل هذه السلوكيات، إلى استنتاجات قد لا تكون صحيحة على الأرض. لكن إدمان التصرف بهذه الخفة يؤدي إلى الالتباس، حيث لم يعد استعراض أفراد السلطة أمام الكاميرات تفصيلًا هامشيًا في السياسة المعاصرة، بل بات أحد مفاتيح فهم طريقة الحكم ذاتها. في كثير من الدول، وخصوصًا تلك التي تمر بمراحل انتقالية أو أزمات شرعية، نشهد تحوّل الوزير من صانع قرار إلى مؤدٍ لدور، ومن مسؤول إداري إلى وجه إعلامي. المشكلة ليست في الظهور بحد ذاته، بل في أن تكراره بهذا الشكل سيبدو على أنه قد بات بديلًا عن الفعل، وأن الصورة حلّت محلّ السياسة.

تاريخيًا، ارتبط الاستعراض السياسي بالأنظمة الشمولية، فقد كان حضور الزعيم الدائم ضرورة رمزية لإثبات السيطرة وملء الفراغ. غير أن اللافت اليوم هو انتقال هذا المنطق إلى أنظمة لا تُعرّف نفسها بوصفها شمولية، بل مؤقتة أو إصلاحية أو حتى ديمقراطية. في هذه السياقات، يصبح الحكم بلا أفق طويل، وتتحول الدولة من مشروع تراكمي إلى حالة آنية، تحتاج كل يوم إلى إعادة إثبات وجودها. وهنا تظهر الكاميرا بوصفها أداة إنقاذ: ما يُرى يُفترض أنه موجود، وما لا يُصوَّر يُخشى أن يكون غائبًا.

على المستوى النفسي، لا يعكس هذا الاستعراض المبالغ فيه ثقة السلطة بنفسها بقدر ما يكشف هشاشتها. الوزير الذي يكثر من الجولات المصوّرة والتصريحات المتكررة غالبًا ما يعوّض عن غياب رسوخ مؤسسي يشعر به في العمق.

هنا، نحن أمام نرجسية سياسية دفاعية، تقوم على معادلة بسيطة: أنا أظهر، إذًا أنا شرعي. الكاميرا ليست مجرد وسيلة تواصل مع الجمهور، بل مرآة تطمئن صاحب السلطة إلى أنه لا يزال حاضرًا. لذلك يصبح النقد تهديدًا شخصيًا، لا جزءًا طبيعيًا من المجال العام، وتتحول السياسة إلى عملية دفاع مستمرة عن الصورة.

خطابيًا، يترافق هذا التحول مع انزلاق واضح من السياسة بوصفها إدارة معقّدة للمصالح والموارد، إلى السياسة بوصفها أداءً لغويًا. تهيمن اللغة الإنشائية وتعبيراتها القريبة من القصائد الشعرية، وتُستبدل البرامج بالمفردات العامة، مثل: “العمل المتواصل”، و”الوقوف على الواقع”، و”خدمة المواطن”. يغيب الزمن المحدد، وتغيب الأرقام، وتغيب

معايير القياس. الخطاب لا يُنتج التزامًا يمكن محاسبة السلطة عليه، بل يخلق حالة وجدانية مؤقتة. وهكذا لا يعود الوزير مسؤولًا عن نتائج، بل عن انطباعات.

لكن الذروة الأكثر خطورة في هذا المسار تظهر في الهوس المتزايد بما يُسمّى “الهوية البصرية”. في الظروف الطبيعية، تأتي الهوية البصرية للدولة أو المؤسسة تتويجًا لمسار طويل من الاستقرار والتراكم الإداري، وتكون انعكاسًا لجوهر قائم. أما في حالات الهشاشة السياسية، فتنقلب المعادلة: يُصمَّم الشعار قبل أن تُحسم السياسات، وتُوحَّد الألوان قبل أن تتوحّد القوانين، وتُنتج القوالب البصرية قبل أن تُبنى المرجعيات.

تُصرف طاقة كبيرة على الشعار/اللوغو، والخط، وتناسق المنشورات، والفيديوهات الدعائية، وكأن الدولة يمكن اختزالها في علامة تجارية متقنة.

الهوية البصرية هنا لا تعرّف المؤسسة، بل تحاول إثبات وجودها. تتحول من واجهة إلى قناع، ومن أداة تواصل إلى بديل عن الشرعية. وكأن الرسالة الضمنية تقول: نحن متماسكون بصريًا، إذًا نحن متماسكون سياسيًا.

المشكلة ليست في التصميم، ولا في التواصل البصري بحد ذاته، بل في تحميله وظيفة لا يستطيع أداءها. وكما أن الدولة لا تُبنى بقصيدة شعرية، فإنها لا تُبنى بالألوان، ولا تُدار بالشعارات، ولا تُقاس بعدد المشاهدات في صفحات السوشال ميديا. حيث تُختزل السياسة في المشهد، تُختزل المسؤولية، ويُختزل الزمن، وتصبح المحاسبة مستحيلة، لأن ما يُدار ليس سياسات، بل صورًا.

في تلاقي هذه المستويات — التاريخي، النفسي، الخطابي، والبصري — نجد أنفسنا أمام نمط جديد من الحكم: دولة تُدار كعلامة تجارية. الوزير فيها يلبس هيئة المؤثّر، والمؤسسة حساب رسمي، والسياسة محتوى قابل للاستهلاك السريع.

دولة كهذه قد تبدو نشطة، حاضرة، ومرئية، لكنها في العمق هشّة، لأنها تفتقر إلى ما لا تصوّره الكاميرا: الزمن، التراكم، والصمت الضروري للعمل الحقيقي.

السياسة التي تُبنى على الصورة تنهار بالصورة. أما الدولة، فلا تقوم إلا بما ينفع الناس، ويمكث في الأرض..

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى