إشتباكات السويداءالتدخل الاسرائيلي السافر في سورياسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سورياعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر 08 كانون الثاني 2026

متابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي:

التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

إشتباكات السويداء

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

عن أشتباكات صحنايا وجرمانا

————————————–

تحديث 08 كانون الثاني 2025

————————

المفاوضات السورية–الإسرائيلية: مسار مُعاد إطلاقه بين السيادة والانسحاب والتنسيق الأمني والاقتصادي/ أغيد حجازي

7 يناير 2026

عادت المفاوضات السورية–الإسرائيلية إلى الواجهة مجددًا مع انعقاد جولتها الخامسة في باريس، في تطور يعكس إعادة تحريك مسار سياسي وأمني ظل متوقفًا لأشهر وسط تعقيدات إقليمية متشابكة. وبينما تُقدَّم هذه الجولة على أنها محاولة لإعادة بناء قنوات الاتصال برعاية أميركية، تكشف التصريحات المتباينة والتسريبات المتناقضة عن فجوة واضحة بين أولويات الأطراف، وحدود التفاهم الممكنة، وسقف القضايا القابلة للنقاش، من السيادة والانسحاب، إلى الأمن والتعاون الاقتصادي..

بعد أربع جولات من المفاوضات بين الحكومة السورية وإسرائيل، استؤنفت الجولة الخامسة في باريس على مدى يومين، في 4 و5 كانون الثاني/يناير الجاري، وذلك بعد توقف استمر أربعة أشهر، منذ الجولة الأخيرة التي عُقدت في 19 آب/أغسطس من العام الماضي. وجاء هذا التوقف عقب استقالة مستشار ووزير الشؤون الإستراتيجية في الحكومة الإسرائيلية رون ديرمر، إلى جانب المطالب الإسرائيلية المتعلقة بفتح ممر إنساني بين فلسطين المحتلة ومحافظة السويداء، على خلفية الأحداث الدامية التي شهدتها المنطقة بين الفصائل المحلية وقوات وزارة الدفاع السورية في حزيران/يونيو من العام نفسه.

ومثّل الجانب السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، فيما ضم الوفد الإسرائيلي السكرتير العسكري لرئيس الوزراء والمرشح لرئاسة جهاز “الموساد” رومان غوفمان، وسفير إسرائيل لدى واشنطن يحيئيل لايتر، والقائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي غيل رايخ. كما شارك من الجانب الأميركي السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث إلى سوريا توماس باراك، إلى جانب مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترامب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف. وبحسب صحيفة “هآرتس”، فقد انضم الأخيران إلى المفاوضات في يومها الثاني.

التصريحات الصادرة عن الجانب السوري جاءت مقتضبة، إذ اكتفى مصدر حكومي بتصريح لوكالة “سانا”، وهي المرة الثانية التي يُدلى فيها بتصريح رسمي بشأن مفاوضات بين الطرفين. وقال المصدر إن وفدًا برئاسة الشيباني والسلامة يشارك في جولة المفاوضات الراهنة مع الجانب الإسرائيلي، وذلك بتنسيق ووساطة من الولايات المتحدة الأميركية.

وأكد المصدر أن استئناف هذه المفاوضات يأتي تأكيدًا على التزام سوريا الثابت باستعادة حقوقها الوطنية غير القابلة للتفاوض. وأضاف أن المباحثات تتركز بشكل أساسي على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، أي ما احتلته إسرائيل بعد سقوط نظام الأسد، ضمن إطار اتفاقية أمنية متكافئة تضع السيادة السورية الكاملة فوق كل اعتبار، وتكفل منع أي شكل من أشكال التدخل في الشؤون الداخلية السورية.

تعاون اقتصادي وآليات تنسيق برعاية أميركية

في المقابل، تكشف الرواية الإسرائيلية مسارًا مختلفًا تمامًا. فالتسريبات التي رافقت المفاوضات، ثم التصريحات الصادرة عن مكتب بنيامين نتنياهو، لم تقتصر على الحديث عن ترتيبات أمنية أو استخباراتية، بل ذهبت أبعد من ذلك نحو التعاون الاقتصادي، والمحادثات المدنية في مجالات الطب والطاقة والزراعة. إعلان نتنياهو عن استئناف “الحوار الدبلوماسي” بدعم أميركي، وربطه برؤية دونالد ترامب لـ”السلام في الشرق الأوسط”، يعكس مقاربة إسرائيلية تقوم على توسيع سلة التفاوض، دون ربطها المسبق بشرط الانسحاب.

الأكثر دلالة في هذا السياق أن مكتب نتنياهو أعاد طرح ملف “حماية الدروز والأقليات في سوريا”، وهو طرح يتجاوز منطق التفاوض بين دولتين، ليدخل مباشرة في إطار التدخل في الشؤون الداخلية السورية، ويعيد إنتاج سرديات استخدمتها إسرائيل تاريخيًا لتبرير أدوار أمنية وسياسية عابرة للحدود.

هذا التباين يتعزز مع ما كشفته صحيفة “جيروزليم بوست” عن آلية مشتركة مقترحة، تعمل كخلية اتصالات دائمة لإدارة التبادلات الحساسة، تشمل التنسيق الأمني والمتابعة الدبلوماسية واستكشاف الفرص التجارية، تحت إشراف أميركي مباشر. أما موقع “أكسيوس”، فذهب أبعد من ذلك، كاشفًا عن مقترح أميركي لإنشاء قوة مهام مشتركة مقرها عمّان، تتولى إدارة الوضع الأمني في جنوب سوريا، وتشكّل أساسًا لمفاوضات نزع السلاح، مع تجميد مؤقت للأنشطة العسكرية.

في السياق ذاته، نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول أميركي قوله إن الولايات المتحدة اقترحت على إسرائيل وسوريا إنشاء قوة مهام مشتركة أميركية–إسرائيلية–سورية يكون مقرها في عمّان. وأوضح المسؤول أن هذه القوة ستتولى إدارة الوضع الأمني في جنوب سوريا، وستشكّل الأساس للمفاوضات المتعلقة بنزع السلاح من المنطقة، إلى جانب بحث انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي من الأراضي السورية التي احتلتها عقب سقوط نظام الأسد.

وأشار المسؤول الأميركي، وفق أكسيوس، إلى أن واشنطن تعمل حاليًا على تجميد جميع الأنشطة العسكرية من الجانبين في مواقعها الحالية إلى حين التوصل إلى تفاصيل نهائية ضمن إطار قوة المهام المشتركة. وأضاف أن كل طرف سيرسل ممثلين إلى قيادة عسكرية مشتركة تتولى إدارة المحادثات الدبلوماسية، والشؤون العسكرية والاستخباراتية، إضافة إلى العلاقات التجارية.

وختم المسؤول بالقول إن الخلية المشتركة ستكون “المحرّك الرئيسي للعملية”، على أن تؤدي الولايات المتحدة دور الوسيط على مدار الساعة لضمان استمرار التنسيق ومنع أي تصعيد محتمل.

الموقف السوري وأسئلة بلا إجابات

وبعد انتهاء جولة المفاوضات الخامسة قال مسؤول سوري لوكالة “رويترز”، وهو التصريح السوري الوحيد، إن الولايات المتحدة قدّمت مبادرة تقضي بوقف جميع الأنشطة العسكرية الإسرائيلية ضد سوريا بشكل فوري، في إطار الجهود الرامية إلى خفض التصعيد وفتح مسار تفاوضي جديد بين الطرفين.

ووصف المسؤول السوري، في تصريحاته لــ”رويترز”، هذه المبادرة بأنها “فرصة تاريخية” يمكن أن تسهم في دفع المفاوضات السورية–الإسرائيلية في اتجاه إيجابي، إذا ما جرى البناء عليها ضمن إطار سياسي وأمني واضح.

وأضاف المسؤول أن المضي قدمًا في الملفات الإستراتيجية مع إسرائيل يبقى أمرًا مستحيلًا من دون التزام بجدول زمني ملزم وواضح يضمن الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى ما وراء خطوط ما قبل 8 كانون الأول/ديسمبر، مؤكدًا أن أي تقدم تفاوضي لا يمكن أن يتم بمعزل عن هذا الشرط.

تصريح المسؤول السوري لوكالة “رويترز” يظهر التباين بشكل كامل مع التصريحات والتسريبات الإسرائيلية، التي لم تتطرق إلى أي انسحاب، وهو ما أكده مسؤولون إسرائيليون في أكثر من مناسبة. وفي هذا السياق، جاء بيان وزارة الخارجية الأميركية بصيغة مشتركة صادر عن حكومات الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والجمهورية العربية السورية، وبحسب البيان “تركزت المحادثات على احترام سيادة سوريا واستقرارها، وضمان أمن إسرائيل، وتحقيق الازدهار لكلا البلدين”.

وأشار البيان إلى أن إسرائيل وسوريا، اللتين وُصفتا في النص بـ”الطرفين”، توصلتا إلى جملة تفاهمات، أبرزها التأكيد على الالتزام بالسعي نحو ترتيبات دائمة للأمن والاستقرار لكلا الدولتين.

وأضاف البيان أن الطرفين اتفقا على إنشاء آلية عمل مشتركة، على شكل خلية اتصال مخصصة، تهدف إلى تسهيل التنسيق الفوري والمستمر في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، إضافة إلى بحث الفرص التجارية، وذلك تحت إشراف مباشر من الولايات المتحدة.

ويطرح هذا البيان جملة من الأسئلة، أبرزها ماهية الغاية من تبادل المعلومات الاستخباراتية، وما إذا كان المقصود بذلك تزويد سوريا لإسرائيل بمعلومات تتعلق بأي تهديد لأمنها. كما أن البيان لم يأتِ على ذكر مسألة الأراضي المحتلة، ولم يتطرّق إلى ملف المعتقلين السوريين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، ولا إلى العدوان الإسرائيلي المستمر بشكل شبه يومي، بما يشمله من توغلات، وهدم، وإطلاق نار على السكان المدنيين، واستخدام الطيران المُسيَّر في الأجواء السورية.

مصير الجولان

الجدير بالذكر أن وزارة الخارجية السورية نشرت، عبر حساباتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، بتاريخ 19 كانون الأول/ديسمبر 2025، خريطة لسوريا بعد إلغاء قانون قيصر مرفقة بعبارة “سوريا بدون قانون قيصر”، إلا أن الخريطة المنشورة لم تشمل الجولان السوري المحتل. ورغم الانتقادات الواسعة التي وُجّهت إلى هذه الخريطة على مواقع التواصل الاجتماعي، لم تُقدم وزارة الخارجية على تعديلها أو حذفها، ولم تُصدر بيانًا توضيحيًا بشأنها، وهو ما يثير جملة من التساؤلات حول موقفها من قضية الجولان، خاصة في ظل غياب أي إشارة إلى الجولان في البيانات والتصريحات الصادرة عن الجانب السوري أو الإسرائيلي أو الأميركي. كما أن التصريحات السورية أشارت إلى الالتزام بالرؤية الأميركية لمسألة السلام في الشرق الأوسط.

ويُضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان قد أكد، في أكثر من مناسبة، سيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، وهو ما يجعل إعلان سوريا التزامها بالرؤية التي طرحها ترامب يفتح بابًا واسعًا من الأسئلة حول حدود هذا الالتزام وانعكاساته على الموقف السوري من قضية الجولان.

تكشف مجريات مفاوضات باريس أن المسار التفاوضي لا يزال محاطًا بإشكاليات جوهرية تتجاوز الشكل إلى المضمون، في ظل غياب توافق واضح حول قضايا الانسحاب والأراضي المحتلة، وعلى رأسها الجولان السوري. وبين خطاب سوري يشدد على السيادة والجدول الزمني الملزم، ورواية إسرائيلية وأميركية تركز على آليات تنسيق وأطر أمنية واقتصادية، تبقى نتائج هذا المسار مفتوحة على احتمالات متباينة، وتبقى الأسئلة المطروحة حول تبادل المعلومات الاستخباراتية، ومصير الأراضي المحتلة، وملف المعتقلين، عناصر حاسمة في الحكم على جدية أي ترتيبات مستقبلية، ومدى قدرتها على الانتقال من إدارة النزاع إلى معالجته.

الترا صوت

——————————-

 البيان السوري الأميركي الإسرائيلي: سلام على حساب السيادة؟/ ميشال شمّاس

الأربعاء 2026/01/07

أثار البيان السوري- الأميركي- الإسرائيلي المشترك أسئلة لا يمكن تجاوزها، بسبب الخلل البنيوي في المنطق الذي يحكمه. فحين تُدرج العلاقات الدبلوماسية والفرص التجارية داخل إطار تنسيق أمني بين دولتين ما زالتا في حالة عداء، نكون أمام قلبٍ واضحٍ لترتيب العلاقات الدولية، لا أمام خطوة سياسية طبيعية. ففي الأعراف المستقرة، لا تُفتح القنوات الدبلوماسية قبل معالجة جذور النزاع، ولا تُطرح الفرص الاقتصادية قبل استعادة الحقوق، ولا يُبنى الأمن المشترك بينما يبقى الاحتلال قائماً. ولهذا، فإن ما جاء في البيان لا يثير الجدل فحسب، بل يفرض إعادة طرح السؤال الأساسي: ما الذي يجري فعلياً، وبأي منطق تُدار السيادة في لحظة انتقال هشّة؟

إذا نظرنا إلى البيان في ضوء التجارب العربية السابقة مع إسرائيل، تزداد فرادته المقلقة. ففي اتفاقية كامب ديفيد مثلاً، جاء الانخراط في ترتيبات أمنية واقتصادية بعد تحديد واضح لثمنها السياسي: انسحاب من سيناء، وترسيم لحدود معترف بها، وإطار قانوني معلن للعلاقة. وفي معاهدة وادي عربة، ارتبطت الترتيبات الأمنية والدبلوماسية باعتراف متبادل وترسيم للحدود ومرجعيات دولية محددة. بينما يقدّم البيان السوري- الأميركي- الإسرائيلي الحالي ترتيبات أمنية- دبلوماسية- تجارية متداخلة، من دون أي التزام مقابِل واضح يتعلق بالأرض المحتلة أو بتعريف حالة الصراع أو حتى بإطار تفاوضي معلن.

ويزداد هذا المعنى وضوحاً عند التوقّف عند الصياغة الحرفية للبيان، الذي ينصّ على إنشاء “آلية تنسيق مشتركة وهي خلية اتصال مخصصة لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية وخفض التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي والفرص التجارية وذلك تحت إشراف الولايات المتحدة”. فالجمع بينهما في آلية واحدة، وبرعاية طرف ثالث، لا يترك مجالاً كبيراً للالتباس: نحن أمام إطار شامل يعيد تعريف العلاقة مع إسرائيل بوصفها شريكاً أمنياً- اقتصادياً محتملاً، لا طرفاً في نزاع تاريخي محكوم بمرجعيات قانونية وسياسية واضحة. الأخطر أن البيان يتحدث عن “فتح صفحة جديدة” من دون أن يكلّف نفسه حتى عناء ذكر الاحتلال للجولان أو أي إشارة إلى قرارات دولية ذات صلة، وكأن جوهر الصراع قد حُسم سلفاً لصالح الأمر الواقع.

وعند هذه النقطة يبرز السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه: هل ما جرى يعكس خياراً سياسياً حراً، أم أنه نتاج ظرف قاهر لا يتيح للدولة سوى الاستجابة؟ نحن، على الأرجح، أمام حالة أقرب إلى المثل الشعبي القائل: “مكرهٌ أخاك لا بطل”؛ مسار تفرضه ضرورات النجاة وتقليل الكلفة المباشرة، أكثر مما تعبّر عنه قناعة استراتيجية راسخة أو رؤية سياسية متكاملة. فالمسار الذي يقدّمه البيان يبدو استجابة لإكراهات متراكمة: اقتصاد منهك، هشاشة داخلية، ضغط دولي متصاعد، وخشية حقيقية من انزلاق عسكري قد يجرّ البلاد إلى مواجهة لا قدرة لها على تحمّلها. الإكراه قد يفسّر القرار، لكنه لا يمنحه شرعية سياسية دائمة، ولا يحوّله إلى مسار سليم بالضرورة.

وإذا كان هذا المسار يُفهَم في ضوء الإكراهات الخارجية والاختلال في ميزان القوى، فإن صورته تزداد تعقيداً عند التوقّف أمام الداخل السوري نفسه. فلا يمكن تجاهل أثر المزاج الشعبي، الذي لم يعد يتحرك في اتجاه واحد، بل يتوزع بين رغبة عميقة في الاستقرار وتجنّب أي حرب جديدة، وبين نزعات تحريضية تدفع الدولة نحو خيارات عسكرية في ملفات داخلية مثل الموقف من “قسد” أو “الهجري”. هذا التناقض يعكس حالة إنهاك عام، لا رؤية سياسية واضحة، يضاف إليها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتصاعدة، وكلها تجعل السلطة أكثر ميلاً إلى البحث عن ترتيبات خارجية تخفف عنها عبء الداخل. وفي المقابل، تستخدم القوى الإقليمية والدولية هذه الملفات ذاتها كورقة ضغط لدفع دمشق نحو خيارات لا ترغب بها بالضرورة. وهكذا يصبح البيان جزءاً من شبكة أوسع من المقايضات غير المعلنة، حيث تُربط الملفات الداخلية بالمسارات الإقليمية، ويُستخدم الاستقرار المحلي كأداة تفاوضية بدل أن يكون هدفاً بحدّ ذاته. هذا الربط يعمّق هشاشة الدولة ويجعل قرارها السياسي أكثر ارتهاناً للضغوط الخارجية.

غير أن الإشكالية لا تقف عند حدود السياسة أو التوازنات الحالية، بل تمتد إلى المستوى الدستوري نفسه. فالحكومات الانتقالية، بحكم طبيعتها، سلطات مقيّدة لا مطلقة، ولا تملك تفويضاً مفتوحاً لعقد التزامات تمس الأمن القومي أو تُنشئ آليات دائمة للتنسيق مع العدو، أو تفتح مسارات دبلوماسية واقتصادية طويلة الأمد. إنشاء “خلية تنسيق” متعددة الوظائف وتحت إشراف دولة أجنبية لا يمكن اعتباره إجراءً إدارياً مؤقتاً، بل هو التزام سيادي مقنّع، يقيّد القرار الوطني مستقبلاً، والأخطر أن يتحول هذا النوع من الترتيبات إلى أمر واقع يُقدَّم لاحقاً بوصفه التزاماً سابقاً لا يجوز التراجع عنه.

إن نقد هذا المسار لا يقتصر على رفضه أخلاقياً أو عاطفياً، بل ينطلق من حدّ أدنى يفترض أن يحكم أي سلطة انتقالية أو دولة تسعى إلى صون ما تبقّى من سيادتها في ظرف قاهر. فهذا الحدّ الأدنى يقتضي، أولاً، أن لا تُبرَم ترتيبات أمنية دائمة أو شبه دائمة مع طرف عدو من دون مرجعية دستورية واضحة، ورقابة وطنية حقيقية، وتفويض شعبي صريح أو ضمني يمكن مساءلته. ويقتضي، ثانياً، أن لا يُدمَج الأمن بالدبلوماسية والاقتصاد في آلية واحدة برعاية دولة أجنبية، من دون سقف زمني محدّد، ومن دون آليات مراجعة تسمح بتعديله أو التراجع عنه إذا تعارض مع المصلحة الوطنية. ويقتضي، ثالثاً، أن لا يُقفز فوق جوهر الصراع -أي الاحتلال والأرض والحقوق- مقابل وعود عامة بالاستقرار والازدهار. أي مسار يتجاهل هذه المبادئ الأساسية، خصوصاً في مرحلة انتقالية صعبة، لا يمكن اعتباره سياسة واقعية بقدر ما هو تفريط تدريجي بمعنى السيادة نفسها، تحت ضغط الضرورة ومنطق الأمر الواقع.

باختصار، لا تكمن خطورة البيان في بنوده المعلَنة وغير المعلنة بقدر ما تكمن في المسار الذي يُدار فيه أخطر ملفّات السيادة بعيداً عن أي نقاش وطني جدي، وتُربَط فيه خيارات الدولة في الحرب والسلم بآليات تنسيق أمنية واقتصادية مفروضة من الخارج. وإذا كان لا مفرّ أحياناً من التعامل مع موازين قوى مختلّة، فإن ما لا يجوز تحييده هو الحق المجتمعي في مناقشة هذا النوع من التحوّلات، ووضع حدّ أدنى من الضوابط الدستورية والسياسية عليها. فالمسألة هنا لا تتعلق ببيان عابر أو ترتيبات مؤقتة، بل بكيفية تعريف السوريين لعلاقتهم بدولتهم ولِما يُتَّخذ باسمهم من قرارات في لحظة هي من أكثر اللحظات هشاشة في تاريخهم الحديث.

المدن

—————————

 مفاوضات سوريا و”إسرائيل”.. هل تقود الوساطة الأميركية إلى ضمانات أمنية؟/ فاضل خانجي

2026.01.08

اختتمت سوريا وإسرائيل جولة جديدة (الخامسة) من المفاوضات في باريس برعاية أميركية مباشرة، وذلك في السادس من كانون الثاني الحالي. عقب المحادثات، أعلن بيان أميركي-إسرائيلي-سوري صادر عن وزارة الخارجية الأميركية على أنَّ المحادثات تمحورت “حول احترام سيادة سوريا واستقرارها وأمن إسرائيل وازدهار البلدين”، وأفضت إلى إنشاء آلية تنسيق مشتركة “لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر في ما يتعلق بتبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية، وذلك تحت إشراف الولايات المتحدة”.

تعد هذه الخطوة الأولى من نوعها في مسار المفاوضات، في وقت ما تزال فيه إسرائيل تفرض وقائع غير مقبولة سوريَّاً، بدءاً من سيطرتها على قمة جبل الشيخ، مروراً بتوغلاتها واختراقاتها المتكررة في جنوب سورية ولا سيما في القنيطرة، وصولاً إلى دعمها للمجموعات الانفصالية في السويداء، وأثر ذلك المباشر على ملف اندماج قسد الذي كان من المفترض أن يكون قد تم بحسب اتفاقية آذار من العام الفائت. يناقش هذا المقال مسار التفاوض بين سوريا وإسرائيل من ناحية دلالات توقيت الجولة الأخيرة، الدور الأميركي في المسار، والخيارات السورية.

دلالات التوقيت سوريَّاً وإسرائيليَّاً وأميركيَّاً

يكتسب توقيت هذه الجولة دلالات إضافية إذا ما قُرأت في سياق توقيتها السياسي. فقد دخلت تل أبيب هذه الجولة بعد إعلانها الاعتراف بأرض الصومال، في خطوة جديدة لاستعراض القوة إقليميَّاً، تراها غالبية الدول الإقليمية، بما فيها سورية، جزءاً من سياسة إسرائيلية تهدف إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي وفتح بؤر توتر جديدة. في المقابل، دخلت دمشق المفاوضات بعد انقضاء المدة الزمنية المخصصة لمسار دمج “قوات سورية الديمقراطية” في مؤسسات الدولة، من دون تحقيق أي تقدم ملموس.

ضمن هذا الإطار، من المرجح أن تكون إسرائيل قد أرادت الدخول في المفاوضات وهي تعتقد أنها تمتلك اليد العليا، بناء على عاملين متوازيين: ضغطاً جيوسياسياً مرتبطاً بالاعتراف بأرض الصومال، وضغطاً داخلياً سورياً ناتجاً عن استمرار الجمود في مسار دمج قسد. حيث لا يمكن في هذا السياق فصل ملف اندماج قسد عن ملف التفاوض الأمني مع إسرائيل، باعتبار أن مساعي قسد لكسب الوقت مرتبطة بشكل جوهري بثقتها بالقدرة على الحفاظ على الوضع الراهن في ظل المعادل الراهنة، سيما بعد أزمة السويداء والتدخل الإسرائيلي آنذاك.

من زاوية أخرى، فإنَّ عقد الجلسة الأخيرة للمفاوضات تأتي بعد ما يقارب الأسبوع من اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وعقدهما لمؤتمر صحافي أكَّد فيه ترامب على أهمية إيجاد تفاهم – لم يحدد صيغته – بين سوريا وإسرائيل. إذ يعتبر الدور الأميركي حيويَّاً وحاسماً في دفع إسرائيل للانخراط في مسار المفاوضات، وهو ما كان من تجلياته مشاركة مستشاري ترامب جارد كوشنر وستيف ويتكوف إلى جانب المبعوث الأميركي لسوريا توماس براك كوسطاء في المحادثات.

إسرائيل وأميركا، اختلاف التصورات الاستراتيجية

ليس سرَّاً أن المخيال الإسرائيلي تجاه سورية كان، وما يزال، مخيالاً عدوانياً بحتاً يرتبط بسوريا الجغرافيا والتاريخ من جهة، وبهيئة تحرير الشام (سابقاً) وحلفائها من جهة أخرى. فمنذ سقوط نظام الأسد، شنَّت إسرائيل عدداً واسعاً من الضربات الجوية استهدفت الترسانة التسليحية السورية القديمة، ونفَّذت هجمات في مناطق متعددة من الجغرافيا السورية، وتدخلت بشكل مباشر في السويداء ضد الجيش السوري، وصولاً إلى استهداف مواقع سيادية كمبنى الأركان في دمشق. وإلى جانب ذلك، استمرت في تنفيذ الاقتحامات والتوغلات في جنوب سورية، فضلاً عن احتلالها قمة جبل الشيخ ذات الأهمية الاستراتيجية. لقد سعت إسرائيل عملياً إلى تجاوز اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974، وإلى ترسيخ واقع تكون فيه الأجواء السورية مستباحة بشكل دائم، معتمدةً على التفوق العسكري-التكنلوجي.

غير أن هذا التصور الإسرائيلي اصطدم تدريجيَّاً بتغيرات جيوسياسية مهمة، تمثلت في الانفتاح السوري الإقليمي والدولي، وعودة دمشق إلى الفضاءين الإقليمي والدولي، وفتح صفحة جديدة في السياسية الخارجية السورية مع الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. هذا المسار أسهم في رفع كلفة استمرار إسرائيل في سياساتها العدوانية بذات الصيغة السابقة، ولا سيما ما يتعلق بالاستباحة المستمرة للمجال الجوي السوري. إذ باتت السياسة الإسرائيلية تلك تصطدم ليس فقط بمصالح الدول الإقليمية الداعمة لاستقرار سورية، بل أيضاً بمصالح واشنطن نفسها، في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات السورية-الأميركية تقدمُّاً تدريجيَّاً، حيث تلعب واشنطن دوراً محورياً في عدة ملفات متشابكة: ملف دمج قسد، ومكافحة تنظيم داعش، وخريطة الطريق الخاصة بالسويداء (وإن كانت مجمدة)، وملف الاتفاق الأمني مع إسرائيل.

يرتبط هذا بعجز إسرائيل عموماً، في مخلتف الساحات، عن إنضاج تصور تجاه “يوم تالي” ووضع قائم جديد قابل للاستمرار، وتعويلها على القوة فقط والاستمرار بتحقيق مكاسب ميدانية تكتيكية من دون أفق سياسي-استراتيجي، في الوقت الذي تميل فيه واشنطن لإعادة إنتاج وضع قائم جديد، وهو ما يعني نوع ما من توازن قوى معين، مفيد لها استراتيجيَّاً.

ترابط الملفات والخيارات السورية

على الرغم من أنَّ قدرة إسرائيل على “فعل ما تشاء في الوقت الذي تشاء” أصبحت مقيدة نسبيَّاً بفعل الاندماج التدريجي لسوريا الجديدة بالمجتمع الدولي، إلَّا أنَّها ما زالت تحتفظ على قدرتها بالتأثير المباشر على الوضع الأمني في الجنوب السوري عموماً، والسويداء خصوصاً، وهو ما ينعكس بشكل غير مباشر على شمال شرقي سوريا والجمود الفعلي لمسار دمج قسد وفق اتفاقية آذار العام الفائت. لهذا، فالنظر للاتفاق الأمني مع إسرائيل من وجهة نظر سورية لا يرتبط فقط بالتهديد الخارجي فحسب، بل بإحراز تقدُّم في مسائل داخلية ستنعكس على وحدة البلاد وإعادة إعمارها. فالتقدُّم الإيجابي في أحد الملفات المذكورة سينعكس تدريجيَّاً بشكل إيجابي على الملفات الأخرى، والتدهور في إحداها – كما حصل في أزمة السويداء في منتصف العام السابق – سينعكس سلباً على نظيراتها.

إنَّ إحراز تقدُّم في مسار المفاوضات مع إسرائيل، وقبول الأخيرة بذلك نابع عن الضغط والانخراط لواشنطن ورغبتها الحالية في ترسيخ وضع قائم جديد، وليس عن تغيير في المخيال الإسرائيلي تجاه سوريا، ناهيك عن أنَّ شكل وسرعة التقدُّم في هذا المسار، بناءً على مخرجات جولة المفاوضات الأخيرة، ما زال غامضاً حتى اللحظة الحالية. وبالأخذ بعين الاعتبار سجل إسرائيل الطويل في إطالة عمر المفاوضات وتفريغها من مضمونها مع الزمن، يبقى الانخراط الحذر والمدروس الخيار الوحيد لدمشق. باختصار، يمثِّل التقدُّم الأخير في المفاوضات اختراقاً قد يتحول مع الزمن إلى ضمانات أمنية ضرورية لإرساء الاستقرار وإعادة الإعمار، إلا أنَّ المخاطر المحيطة به ما زالت حاضرة أيضاً.

تلفزيون سوريا

————————-

 تل أبيب تناور دون أن تُغضب ترامب: لا مصلحة بالاتفاق مع سوريا

الخميس 2026/01/08

تكشف قراءة إسرائيلية معمّقة لمسار الاتصالات الجارية بشأن سوريا، أن تل أبيب لا ترى، في المرحلة الراهنة، مصلحة حقيقية أو استعجالاً للتوصل إلى اتفاق أمني أو سياسي مع دمشق، في ظل شكوك بنيوية تتعلق بطبيعة السلطة السورية الجديدة، ومدى استقرارها، وقدرتها الفعلية على بسط السيطرة على كامل الجغرافيا السورية.

في المقابل، تحرص إسرائيل على إدارة هذا الموقف بحذر سياسي، تفادياً للدخول في مواجهة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يدفع باتجاه تسوية أو ترتيب أمني بين الجانبين.

شكوك في رأس السلطة وحدود السيطرة

بحسب تحليل نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، يتمحور الشك الإسرائيلي الأول حول شخصية الرئيس السوري أحمد الشرع.  وتنقل الصحيفة عن أوساط سياسية وأمنية في تل أبيب، قولها إن “التحول الظاهري” في صورة الشرع وخطابه لا يبدّد التساؤلات العميقة حول ماضيه، ولا سيما ارتباطه السابق بـ”جبهة النصرة”، التي تحولت لاحقاً إلى هيئة تحرير الشام.

الشك الثاني، وفق التحليل، يرتبط بواقع السيطرة الميدانية. إذ تقدر إسرائيل أن سلطة دمشق الحالية لا تفرض سيطرتها إلا على أقل من 60% من مساحة البلاد، وتواجه صعوبات حقيقية في ضبط جماعات جهادية متشددة داخل المعسكر الموالي لها، لا تنسجم مع الخطاب “الإسلام المعتدل” والانفتاح على الغرب الذي يحاول الشرع تسويقه دولياً.

الانتشار العسكري: ردع وورقة تفاوض

في هذا السياق، ترى إسرائيل أن الإبقاء على انتشار الجيش الإسرائيلي داخل المنطقة العازلة في الأراضي السورية يشكل عنصر قوة مركزياً. ووفق “يديعوت أحرونوت”، يشمل هذا الانتشار تسعة مواقع متقدمة داخل عمق محدود من الأراضي السورية، تتركز في منطقتين أساسيتين هما شمال الجبهة في قمة جبل الشيخ، وجنوب الجبهة في منطقة المثلث الحدودي بين إسرائيل وسوريا والأردن.

ولا يقتصر الهدف، بحسب التقديرات الإسرائيلية، على حماية مستوطنات الجولان المحتل، بل يمتد إلى بناء منظومة سيطرة نارية واستخباراتية واسعة، قادرة على الرصد والتدخل ليس فقط في محيط دمشق، بل أيضاً باتجاه جنوب سوريا وشمال شرق لبنان، حيث ينشط “حزب الله” وفصائل فلسطينية.

كما تعمل إسرائيل على إقامة “عائق عميق” يقيّد حركة المركبات والأفراد، بهدف إحباط أي سيناريو “هجوم مفاجئ من الجولان”، في استحضار مباشر لتجربة السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. وتُعد هذه المواقع، سياسياً، ورقة تفاوضية في أي محادثات مستقبلية، في مواجهة المطلب السوري الدائم بالانسحاب من “أراضٍ سيادية”.

ترامب يدفع… وإسرائيل تماطل

يتقاطع هذا الواقع مع رغبة ترامب في تحقيق اختراق دبلوماسي جديد في الشرق الأوسط، يرسّخ صورته كـ”صانع سلام واستقرار”. ووفق التحليل، يعود هذا الدفع الأميركي إلى سببين رئيسيين: الأول، طموح شخصي وسياسي لترامب بتسجيل إنجاز خارجي وازن. والثاني، الاستجابة لمطالب قوى إقليمية، في مقدمتها السعودية وقطر وتركيا، التي ترى في إعادة إعمار سوريا فرصة اقتصادية كبرى ومنطقة نفوذ محتملة.

وترصد إسرائيل، بقلق، مساعي أنقرة للعب دور محوري في إعادة بناء الجيش السوري والبنية المدنية، بدعم مالي خليجي، ما قد يمنحها نفوذاً سياسياً وأمنياً واسعاً، ويخدم في الوقت ذاته هدفها في تحجيم الدور الكردي داخل سوريا.

تمثيل منخفض… ورسائل مزدوجة

وبالرغم من عدم وجود مصلحة إسرائيلية عاجلة باتفاق مع دمشق، تحرص تل أبيب على عدم الصدام مع واشنطن. لذلك، شاركت في المحادثات الثلاثية الأميركية–السورية–الإسرائيلية التي عُقدت هذا الأسبوع في باريس بوفد منخفض التمثيل وغير مخوّل باتخاذ قرارات حاسمة، مقابل تمثيل سوري رفيع شمل وزير الخارجية ورئيس جهاز الاستخبارات، وتمثيل أميركي واسع ضم السفير في أنقرة توم باراك، والمبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.

وينعكس هذا التباين في الروايات: ففيما يتحدث مسؤولون أميركيون عن حسم “90% من القضايا”، يكتفي بيان مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بالتأكيد على “الحاجة إلى مفاوضات إضافية لتحقيق الاستقرار وتلبية المتطلبات الأمنية”.

خريطة المصالح الإسرائيلية

وتلخّص الصحيفة الهدف الإسرائيلي الأساسي بالحفاظ على “مكاسب الحرب” في الساحة السورية وتحسين الوضع الأمني مقارنة بما كان عليه قبل 7 تشرين الأول. وتحدّد ثلاثة مطالب مركزية وهي منع أي هجوم مفاجئ من الأراضي السورية باتجاه الجولان المحتل، سواء من جماعات جهادية قريبة من تنظيم “داعش” أو من فصائل مرتبطة بإيران. وإبعاد القوى المسلحة التي تمتلك قدرات نارية مباشرة – قذائف هاون، صواريخ مضادة للدروع، وطائرات مسيّرة – عن المستوطنات ومحاور الطرق، خصوصا في جنوب الجولان. ومنع نقل السلاح إلى “حزب الله” عبر الأراضي السورية، باعتبار تعاظم قوته تهديداً إستراتيجياً طويل الأمد.

الخطوط الحمراء

إلى جانب ذلك، تبرز مصلحة إسرائيلية إضافية تتمثل في منع أي وجود عسكري تركي في جنوب سوريا، لما قد يفرضه من قيود على حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي. وتشير الصحيفة إلى أن محاولة تركية سابقة لنشر منظومات دفاع جوي في قاعدة T4 أُحبطت بعد أن رسمت إسرائيل “خطاً أحمر” واضحاً.

كما تتحدث الأوساط الإسرائيلية عن “التزام” بحماية الدروز، ولا سيما في محافظة السويداء، في حال تعرّضهم لتهديد فعلي، إلى جانب السعي لتجنّب صدام طويل مع دمشق قد يجرّ احتكاكاً غير مرغوب فيه مع واشنطن.

عقدة الانسحاب والآلية الأميركية

في المقابل، يطالب الشرع بانسحاب إسرائيل من المنطقة العازلة والعودة إلى خطوط اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، ليقدّم ذلك كإنجاز سيادي داخلي، من دون المطالبة حالياً بالانسحاب من الجولان المحتل. غير أن إسرائيل ترفض هذا الطرح، معتبرة أن ترتيبات 1974 لم تعد صالحة لمواجهة طبيعة التهديدات الحالية.

وفي محاولة لتدوير الزوايا، طرح الأميركيون في باريس فكرة إنشاء آلية تنسيق ثلاثية مقرّها الأردن، تضم الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا، وتهدف إلى منع الاحتكاك، وتبادل الإنذارات الاستخباراتية، وفتح مسار لاحق لحوار مدني واقتصادي.

حتى الآن، تبدو هذه الآلية أقرب إلى إدارة الخلافات منها إلى حلّها، في ظل تمسّك إسرائيل بأوراق القوة الميدانية، ومناورتها السياسية لتأجيل أي التزام نهائي، بانتظار اتضاح شكل سوريا الجديدة وحدود الدور الأميركي في رسم مستقبلها

————————–

نشر الصحفي الإسرائياي آميت سيغال مدير التحليل السياسي في القناة 12 :

حصريًا: المقترح الأمريكي لسلام اقتصادي بين إسرائيل وسوريا

تجري مناقشة خطة جديدة للتعاون الاقتصادي مع سوريا. فما الذي تتضمنه؟ يبدو أنها منطقة اقتصادية مشتركة واسعة تمتد على طول الشريط المنزوع السلاح الحالي—وتشمل مشاريع طاقة، ومصانع أدوية، والأكثر “ترامبية” على الإطلاق: منتجع تزلّج.

لنقل فقط إن هذا التطور مفاجئ. كان يُفترض، بعد أن نفّذت إسرائيل آلاف الضربات وما زالت تسيطر على أراضٍ سورية، أن يبقى الأمن هو الموضوع الوحيد الجدير بالتفاوض. لكن يبدو أن إدارة ترامب والحكومة السورية تسعيان إلى شيء أكثر قربًا.

وبحسب المقترح الأمريكي-السوري، ستستضيف المنطقة محطة لطاقة الرياح، وخط أنابيب لنقل النفط الخام، ومراكز بيانات، ومنشآت صناعية دوائية—والأفضل من ذلك أن المنطقة ستبقى منزوعة السلاح.

تقدّم الخطة لسوريا مكاسب كبيرة: نحو 4 مليارات دولار نموًا في الناتج المحلي الإجمالي—أي زيادة تقارب 20% عن مستواه الحالي—إضافة إلى زيادة قدرها 800 ميغاواط في القدرة الكهربائية، وخلق 15 ألف وظيفة جديدة، وخفض الاعتماد على الأدوية المستوردة بنسبة 40%. أما إسرائيل، فتحصل على فرصة لتحويل منطقة عازلة قاحلة إلى «ممر اقتصادي ديناميكي»، مع الاستفادة من «خفض الإنفاق العسكري» لحماية حدودها الشمالية.

ولنقل أيضًا إن هذا الاختلال ليس غريبًا على ترتيبات السلام التي تعقدها إسرائيل. ففي عام 1979، استعادت مصر كامل شبه جزيرة سيناء، وحصلت على مليارات الدولارات من المساعدات الأمريكية، وضمانة بأن تتوقف إسرائيل عن إحراجها عسكريًا—مقابل القبول بوجودها.

لكن كيف سيبدو هذا الحيز الجديد فعليًا؟

يبدو أنه سيكون شبيهًا بمنطقة التزلج في تسيرمات، سويسرا، على الحدود الإيطالية. ليس تشبيهًا حرفيًا—فإسرائيل وسوريا ليستا أوروبيتين في البنية أو المزاج—لكن النموذج يعطي فكرة: قواعد ضريبية مستقلة، تسهيلات في متطلبات التأشيرات، آليات تحكيم للنزاعات المالية، وربما حتى إطار عمل لعملة مشتركة.

وهنا يبرز سؤال: هل سيمر هذا الاتفاق فعلًا من دون انضمام سوريا إلى اتفاقيات إبراهام؟

للأسف، نعم. فبحسب ما اطّلعت عليه، لا تجعل أي من مسودات الوثائق السلام شرطًا رسميًا للخطة. قد يزيد ذلك من احتمالات السلام، لكنه ليس مضمونًا بأي حال.

وبصرف النظر عن السلام في الشرق الأوسط—إنها صفقة جيدة. فالازدهار الاقتصادي مرحّب به دائمًا، ومنطقة منزوعة السلاح بأسلاك شائكة أقل ومصاعد تزلّج أكثر تبدو، بصراحة، فكرة ممتعة. ففي نهاية المطاف، حين وسّعت إسرائيل وجودها داخل المنطقة المنزوعة السلاح عقب انهيار نظام الأسد، مازح كثير من الإسرائيليين—وبنصف جدية—حول فرص التزلج الجديدة.

ومع ذلك، لا بد من القول: مهما بدت هذه الرؤية مغرية، ينبغي على إسرائيل أن تكون حذرة جدًا قبل أن تبدأ باستبدال الجنود بزلاجات التزلّج.

—————————-

اختتام جولة التفاوض بين سوريا وإسرائيل: آلية مشتركة لتبادل المعلومات

دمشق ـ «القدس العربي»: اختتمت دمشق وتل أبيب، أمس الثلاثاء، جولة جديدة من المحادثات استمرت يومين برعاية أمريكية في باريس، وصفها مسؤول إسرائيلي بأنها «إيجابية»، وسط حديث أمريكي عن غرفة عمليات مشتركة في الأردن.

وتحدث مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن «الاتفاق على مواصلة الحوار لتعزيز الأهداف المشتركة والحفاظ على أمن الدروز في سوريا». وشدد على «استئناف الحوار السياسي بين سوريا وإسرائيل بدعم من أمريكا».

وقالت القناة «12» العبرية الخاصة: «اختتمت إسرائيل وسوريا في باريس الجولة الخامسة من المفاوضات برعاية أمريكية، في محاولة للتوصل إلى اتفاق أمني». ونقلت القناة عن مسؤول إسرائيلي، لم تسمه، قوله إن المحادثات «كانت إيجابية» دون مزيد من التفاصيل.

ووفق قناة «آي 24 نيوز» الإسرائيلية فإن «إسرائيل وسوريا والولايات المتحدة توصلت في ختام المحادثات إلى اتفاق بشأن إنشاء آلية مشتركة لتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتي ستعمل من خلال خلية اتصالات مخصصة وستخضع للإشراف الأمريكي».

وأوضحت أن الغرض من هذه الآلية هو «إتاحة تنسيق فوري ومتواصل بين الأطراف، بغرض تبادل المعلومات الاستخبارية، وخفض التوترات العسكرية، ومنع سوء الفهم في الساحة الإقليمية».

وقالت: «حسب التفاهمات، ستستخدم هذه الآلية أيضًا كمنصّة لانخراط دبلوماسي مستمر ودراسة فرص للتعاون المدني والاقتصادي».

وقال مسؤولون إسرائيليون منخرطون في العملية إن «قناة الاتصال ستتيح معالجة سريعة لأي خلاف قد ينشأ، وستساعد في إدارة الأزمات في الوقت الحقيقي»، وفق المصدر ذاته.

فيما أكدت هيئة البث الإسرائيلية أن الطرفين نجحا في حل أكثر من 90% من الخلافات بينهما.

ووفق موقع «أكسيوس» فقد اتفقتا على تجميد «النشاط العسكري» في المواقع الحالية في الجنوب السوري.

ونقل الموقع عن مسؤول أمريكي قوله إن واشنطن عرضت على إسرائيل وسوريا إنشاء غرفة عمليات مشتركة في الأردن، ستتناول محادثات دبلوماسية وعسكرية وتجارية. وبين أن الغرفة ستكون أساسا لمفاوضات انسحاب إسرائيل من سوريا، ولمفاوضات نزع سلاح الجنوب السوري.

وشارك في المفاوضات من الجانب السوري، وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، فيما تمثل وفد إسرائيل بالسكرتير العسكري لرئيس الوزراء والمرشح لرئاسة الموساد رومان غوفمان، وسفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل لايتر، والقائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي غيل رايخ.

واستغل الشيباني فرصة وجوده في باريس للقاء نظيره الفرنسي جان نويل بارو، الذي أكد أن بلاده ملتزمة بدعم سوريا.

ووفق بيان لوزارة الخارجية السورية، بحث الجانبان «القضايا ذات الاهتمام المشترك وسبل تعزيز الشراكات الاستراتيجية بين البلدين، إضافة إلى استعداد فرنسا لعودة شركاتها للعمل في سوريا». وأكد الوزير الفرنسي «التزام بلاده بدعم سوريا في مسيرة النهوض وإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، وتعزيز التعاون المشترك في كافة المجالات»، وفق البيان ذاته.

كذلك التقى الشيباني، في باريس، نظيره التركي هاكان فيدان.

وأفادت مصادر دبلوماسية تركية للأناضول، أن لقاء الوزيرين جاء على هامش مشاركة فيدان في اجتماع «تحالف الراغبين» المعني بأوكرانيا.

ميدانيا، نفّذ الجيش الإسرائيلي، 3 عمليات توغل عبر 15 آلية عسكرية في ريف محافظة القنيطرة جنوب غربي سوريا، إضافة إلى إقامة حاجز على أحد الطرق.

وقالت وكالة الأنباء السورية «سانا» إن «قوات الاحتلال الإسرائيلي توغلت أمس في مناطق متفرقة في ريف القنيطرة الجنوبي».

وأشارت إلى أن قوة مؤلفة من 3 آليات عسكرية توغلت من مدخل بلدة بئر عجم نحو قريتي بريقة وكودنة. فيما توغلت قوة إسرائيلية أخرى مؤلفة من 12 آلية عسكرية من المدخل الغربي لقرية صيدا الحانوت عبر معبر تل أبو غيثار، وسلكت طريق قرية الرزانية وصولا إلى قرية صيدا الجولان، وفق «سانا».

وذكرت أن جنودا إسرائيليين لم تحدد عددهم أقاموا حاجزا على تقاطع قرية صيدا الجولان الغربي، فيما نفذت قوة أخرى توغلا قصيرا داخل القرية وفتشت أحد المنازل قبل أن تنسحب.

————————

 القنيطرة: مشفى الجولان الحجري فجّرته إسرائيل..ماذا نعرف عنه؟

الأربعاء 2026/01/07

أثار خبر تفجير إسرائيل لمبنى مستشفى “الجولان القديم” المعروف محلياً باسم “الحجر” داخل مدينة القنيطرة، غضباً واسعاً في وسائل التواصل الاجتماعي، بوصفه أحد آخر المعالم العمرانية التي بقيت شاهدة على توغلات الاحتلال الإسرائيلي في المدينة، وأحد الرموز الباقية من زمن التحول الدموي الذي عاشته المنطقة منذ حزيران/يونيو 1967.

وفي تفاصيل الواقعة التي جرت صباح الثلاثاء 6 كانون الثاني/يناير 2026، أفادت مصادر محلية بتوغل قوة عسكرية إسرائيلية داخل المدينة المدمرة وتنفيذها عملية هدم أعقبها تفجير مباشر للمبنى ما أدى إلى دوي انفجار سمع في محيط القنيطرة، بالتزامن مع تحركات أخرى شهدتها بلدات مجاورة كبلدة صيدا، حيث نصبت حواجز عسكرية وتم تفتيش منازل، إضافة إلى تحليق مكثف لطيران الاستطلاع. ولم يصدر عن الجيش الإسرائيلي أي توضيح رسمي يبرر عملية التفجير فيما التزمت قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك الصمت.

وعبّر ناشطون ومواطنون من أبناء القنيطرة في مواقع التواصل الاجتماعي، عن غضبهم من استهداف معلم يعد جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة، معتبرين أن تفجير المشفى لا يندرج في إطار ضرورات عسكرية، بقدر ما يشكل طمساً متعمداً لشاهد تاريخي ظل قائماً منذ سبعينيات القرن الماضي يوثق مرحلة الاحتلال والانسحاب وما رافقها من تدمير ممنهج للبنية المدنية.

أنشئ المبنى في خمسينيات القرن الماضي كمستشفى رئيسي في المدينة، وتحول بعد احتلال القنيطرة في حزيران/يونيو 1967 إلى أثر مادي على الخراب، واستخدم لاحقاً كموقع للتدريب بالنيران، قبل أن يترك على حاله بعد انسحاب إسرائيل من المدينة في أيار/مايو 1974 في إطار اتفاق فصل القوات بين سوريا وإسرائيل. ومنذ ذلك التاريخ، بقي مبنى المستشفى شاهداً على مدينة لم تعد إلى الحياة وتحول إلى ما يشبه المعلم الثابت في المشهد البصري للقنيطرة المهدمة داخل منطقة الفصل التي تشرف عليها قوات “أندوف” الأممية. ومنذ ذلك الحين، يحمل المبنى دلالة رمزية مزدوجة كشاهد على الاحتلال والتدمير الممنهج الذي طاول القنيطرة قبل الانسحاب، ومن جهة أخرى كوثيقة عمرانية تدين فكرة محو المدينة وتثبيتها كفضاء معلق بين الذاكرة والسياسة، من دون أي أفق لإعادة الإعمار أو العودة الفعلية للحياة.

وسقطت القنيطرة في أيدي القوات الإسرائيلية في 10 حزيران/يونيو 1967، وبقيت تحت الاحتلال حتى أيار/مايو 1974، حين انسحبت إسرائيل بموجب اتفاق فصل القوات، وأعيدت المدينة إلى الإدارة السورية ضمن شروط أمنية صارمة، بينما أنشئت بعثة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف) لمراقبة الالتزام.

وبعد انسحاب الجيش الإسرائيلي، وجدت لجان الأمم المتحدة أن القنيطرة دمرت بشكل شبه كامل، ما دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني/نوفمبر من العام ذاته إلى إدانة إسرائيل بتهمة التدمير المتعمد، واعتبار ما جرى انتهاكاً لاتفاقية جنيف الرابعة.

وظلّت القنيطرة “مدينة مهدّمة بالقرار” في العقود التالية، وتركت أطلالها بلا ترميم، وجرى تقديمها في الخطاب الرسمي السوري والعربي بوصفها نموذجاً على العدوان الإسرائيلي، لكنها في الواقع بقيت مساحة معلّقة خارج التاريخ العمراني لا يعاد إعمارها ولا يسمح بطمسها. ويأتي هذا التفجير الأخير في ظل واقع حدودي يتسم بتزايد التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل منطقة الفصل منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، إذ تكررت تقارير عن تغييرات جارية في خريطة السيطرة على المناطق الحدودية، من دون غطاء دولي فعلي.

—————————–

السويداء.. إطلاق سراح الصحفي والناشط مرهف الشاعر بعد اختطاف دام ساعات

7 يناير 2026

أفرج “الحرس الوطني” في محافظة السويداء، فجر اليوم الأربعاء عن الصحفي والناشط مرهف الشاعر، بعد ساعات من خطفه وإطلاق النار عليه في ساحة الفرسان بمدينة السويداء، وفق ما أفادت به مصادر محلية.

وبحسب المصادر، فقد أُفرج عن الشاعر وهو مصاب بخمس طلقات نارية، مع الإشارة إلى أن وضعه الصحي مُستقر حاليًا.

وكانت حادثة الاختطاف، التي نفذها القيادي في “الحرس الوطني” مهند مزهر، قد أثارت غضبًا واسعًا وتنديدًا في المحافظة، لاسيما أنها تأتي بعد أقل من شهر على اغتيال شقيقه الناشط والشاعر أنور فوزات الشاعر في ريف السويداء الشرقي.

لم تكن عملية الإفراج مجرد إطلاق سراح، بل كانت محصلة لصراع ضد الوقت، وفق ما كشفه مدير العلاقات الإعلامية في مديرية إعلام السويداء، قتيبة عزام. فقد صرّح عزام بأن “الصحفي مرهف الشاعر كان من المقرر تصفيته داخل السجن”.

وأوضح أن تدخلًا عاجلًا شكّل حاجزًا أمام التنفيذ، تمثل في “ردود الفعل الغاضبة من قبل مقربين منه، والضغط المباشر على قيادة الحرس الوطني، بالإضافة إلى الحملة الإعلامية والمطالبات الشعبية السريعة”.

لكن المشهد لم يكن خاليًا من التضارب. حيث لم يصدر أي بيان رسمي أو تأكيد قاطع من قبل العائلة والمقربين منه يوضح أسباب الاختطاف والعودة.

تأتي هذه الجريمة في سياق انهيار أمني متصاعد في السويداء. وقد شهدت المحافظة سلسلة من حوادث القتل والاغتيالات، كان آخرها مقتل الشيخين رائد المتني وماهر فلحوط، على يد القوات نفسها المتهمة اليوم، إضافة إلى مقتل الناشط أنور الشاعر.

———————–

===================

تحديث 06 كانون الثاني 2026

———————————

سوريا وإسرائيل تتفقان على ترتيبات أمنية دائمة وفتح صفحة جديدة

الرياض – العربية.نت

06 يناير ,2026

أعلنت حكومات الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا صدور بيان مشترك أكد أن مسؤولين إسرائيليين وسوريين رفيعي المستوى عقدوا اجتماعاً في باريس برعاية أميركية، في إطار رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لتعزيز السلام في الشرق الأوسط.

وتركزت المباحثات على احترام سيادة سوريا واستقرارها، وضمان أمن إسرائيل، ودعم ازدهار البلدين، وفق البيان.

كما أوضح البيان أن الطرفين اتفقا على السعي نحو ترتيبات أمنية واستقرارية دائمة، وإنشاء آلية تنسيق مشتركة بإشراف الولايات المتحدة لتسهيل تبادل المعلومات الاستخباراتية وخفض التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي.

وأشادت واشنطن بهذه الخطوات، مؤكدة التزامها بدعم تنفيذ التفاهمات ضمن جهود أوسع لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط.

استئناف الحوار

من جانبه أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، استئناف الحوار السياسي بين إسرائيل وسوريا بعد توقف دام عدة أشهر، وذلك برعاية ودعم أميركي.

وأوضح البيان أن الحوار جرى في إطار رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتعزيز السلام في الشرق الأوسط، حيث شددت إسرائيل على أهمية ضمان أمن مواطنيها ومنع أية تهديدات، على حدودها.

كما أكدت إسرائيل التزامها بتعزيز الاستقرار والأمن الإقليميين، والحاجة إلى تطوير تعاون اقتصادي يخدم مصلحة البلدين، مع الاتفاق على مواصلة الحوار ودعم أمن الأقلية الدرزية في سوريا.

من جهته، قال مسؤول سوري إن مبادرة أميركا تضمن وقف جميع أنشطة إسرائيل العسكرية بسوريا، مشيراً إلى أن المبادرة فرصة تاريخية لدفع المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، بحسب ما نقلت رويترز.

وأضاف أن هناك حاجة لجدول زمني محدد للمضي بالملفات الاستراتيجية مع إسرائيل، وجدول زمني محدد لانسحابها.

اتفاق أمني جديد

وكشف موقع أكسيوس في وقت سابق اتفاق إسرائيل وسوريا على تسريع وتيرة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق أمني جديد، وذلك بوساطة وضغوط أميركية، بحسب ما أفاد مسؤولون إسرائيليون وأميركيون مطّلعون على المحادثات.

وقال مسؤول إسرائيلي رفيع إن الطرفين توصلا، خلال محادثات استمرت عدة ساعات في باريس، إلى تفاهم يقضي بزيادة وتيرة التفاوض، وعقد اجتماعات أكثر تكراراً، واتخاذ إجراءات لبناء الثقة.

وأضاف أن “كلا البلدين عبّرا عن رغبتهما في التوصل إلى اتفاق أمني ضمن رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشرق الأوسط”، وفق ما نقل موقع أكسيوس.

الجولة الخامسة

وشارك في الاجتماع المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، إلى جانب مستشاري الرئيس ترامب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، حيث أدوا دور الوساطة بين الجانبين. وتُعد هذه الجولة الخامسة من المحادثات بوساطة أميركية، لكنها الأولى منذ شهرين، بعد فترة جمود شابتها خلافات وفجوات كبيرة.

وبحسب مصادر مطلعة، كان ترامب قد حثّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على العودة إلى طاولة المفاوضات خلال لقائهما الأسبوع الماضي في فلوريدا، في إطار مساعٍ أميركية لخفض التوتر على الحدود المشتركة وفتح الباب أمام مسار سياسي أوسع.

وضمّ الوفد الإسرائيلي سفير إسرائيل لدى واشنطن، يحيئيل ليتر، والسكرتير العسكري لنتنياهو رومان غوفمان، ومستشار الأمن القومي بالإنابة غيل رايش، فيما ضمّ الوفد السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات حسين سلامة.

وأشار مسؤولون إلى أن أي اتفاق محتمل قد يتضمن نزع السلاح من جنوب سوريا، مقابل انسحاب إسرائيلي من مناطق داخل الأراضي السورية كانت قد سيطرت عليها في مراحل سابقة، على أن تُستكمل التفاصيل في جولات تفاوض لاحقة.

——————————-

مفاوضات تل أبيب ودمشق.. “أجواء إيجابية وبوادر توافق

ضغط أميركي يدفع الطرفين إلى بحث صيغة تشمل انسحابا إسرائيليا من الأراضي السورية مقابل ضمانات أمنية

الرياض – العربية.نت

06 يناير ,2026

أفاد مسؤول إسرائيلي اليوم الثلاثاء، باختتام جولة محادثات باريس بين إسرائيل وسوريا، وفقا لموقع “أكسيوس”. وأضاف المصدر أن محادثات باريس مع سوريا كانت “إيجابية”.

كما أشارت مصادر إسرائيلية أخرى إلى حصول توافق بين الجانبين على بدء محادثات إسرائيلية سورية في مجالات الطب والطاقة والزراعة، حسب ما نقلت القناة 15 الإسرائيلية.

اتفاق أمني محتمل

في حين أكد مصدر سوري للقناة 12 الإسرائيلية، وجود أرضية للتقدّم نحو اتفاق أمني محتمل بضغط أميركي. وذكر أن ضغطا أميركيا مركّزا يدفع الطرفين إلى بحث صيغة تشمل انسحابا إسرائيليا من الأراضي السورية مقابل ضمانات أمنية.

كما أشار المصدر السوري إلى أن الولايات المتحدة معنية باتفاق سريع، معلناً استعداد دمشق لتقديم ضمانات أمنية للطرف الإسرائيلي تكون مقبولة على الجميع مقابل انسحابه من الأراضي السورية.

وشدد على أن هذه خطوة تخلق في الوقت نفسه شعورا بالاطمئنان لدى إسرائيل وسوريا.

ملف السويداء

في المقابل، أوضح أن السوريين يضعون خطا أحمر واضحا في إطار هذه الضمانات، بألا يُنقل ملف السويداء خارجاً، وأن تبقى معالجته شأنا سوريا داخليا فقط. وأضاف قائلا: “سيُحلّ الموضوع بين الجهات المحلية نفسها، من دون تسليح ومن دون أي دعم خارجي”.

كما ألمح المصدر إلى أن هناك أيضا من الجانب الإسرائيلي مؤشرات على موافقة مبدئية على ذلك.

كذلك أكد أن أي قوة فصل تُقام بين إسرائيل وسوريا يجب أن تكون محل اتفاق الطرفين، معتبراً أن ذلك يخلق وضعا من تبادل الضمانات مقابل السيادة على الأرض وعلى المكوّنات الاجتماعية.

وشدد على وجوب تغيير النبرة الإسرائيلية من الادعاء بأنها راعية وحامية للأقليات، بأن تعالج هذه القضايا داخل سوريا في الساحة الداخلية فقط.

إلى ذلك، لفت إلى أن دمشق أجرت مراجعات جديدة في ما يتعلق بالتعامل مع المكونات السورية، لافتا إلى أن المؤشرات من الجانب السوري تدل على اتجاه إيجابي نحو بلورة اتفاق أمني يلبّي مطالب الطرفين، من دون الحاجة إلى وجود عسكري داخل سوريا.

ضغط من ترامب

وكانت مصادر إسرائيلية كشفت أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غير متحمس كثيراً لهذه المفاوضات، في ظل تمسك دمشق بانسحاب القوات الإسرائيلية من جميع المناطق التي احتلتها بعد سقوط النظام السابق في الثامن من ديسمبر 2024، وإزالة المواقع العسكرية التسعة والحواجز التي نصبتها في الجنوب السوري، وفق ما نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت”.

في حين لا يخفي نتنياهو رفضه لهذه المطالب السورية التي تعتبرها الإدارة الأميركية “منطقية”.

إلى ذلك، أكدت مصادر إسرائيلية أن هذه المفاوضات التي تجري في باريس تمت بعد ضغط من ترامب على إسرائيل وسوريا، من أجل التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى استقرار الوضع الأمني على الحدود، وهو ما قد يمثّل خطوة أولى نحو تطبيع العلاقات بين البلدين مستقبلاً”، وفق ما نقلت القناة الـ 12 الإسرائيلية.

هذا وتألف الوفد الإسرائيلي الذي التقى أمس الوفد السوري من سفير إسرائيل في واشنطن، يحيئيل ليتر، والسكرتير العسكريّ لنتنياهو، رومان غوفمان، المرشّح لرئاسة الموساد، القائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيليّ، غيل رايخ.

في حين ترأس الوفد السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني. كما شارك في الوفد رئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، حسب ما أوضح أمس مصدر سوري حكومي.

إلى ذلك، كشف المصدر الحكومي السوري أن المباحثات الراهنة، تتركز “بشكل أساسي على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية” من نقاط تقدمت إليها بعد إطاحة الرئيس السابق بشار الأسد، وذلك في “إطار اتفاقية أمنية متكافئة تضع السيادة السورية الكاملة فوق كل اعتبار”.

بينما أشارت مصادر إسرائيلية إلى تواجد المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم براك في باريس من أجل المشاركة في المفاوضات، وفق ما نقلت صحيفة “هآرتس”.

وتطالب دمشق إسرائيل باحترام اتفاق فض الاشتباك الذي أبرم في أعقاب آخر حرب عربية-إسرائيلية، ويحدد الخط الذي يفصل الأجزاء التي تحتلها إسرائيل من مرتفعات الجولان والأراضي السورية.

بينما طالب نتنياهو بإقامة منطقة عازلة في الجنوب السوري، وهو ما رفضته دمشق مراراً. وأوضح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مشاركته في حوار على هامش منتدى الدوحة الشهر الماضي، أن سعي إسرائيل لإقامة “منطقة عازلة… يدخلنا في مكان خطر”.

————————–

مفاوضات تل أبيب ودمشق: انسحاب مقابل ضمانات والسويداء حاضرة

ضغط أميركي يدفع الطرفين إلى بحث صيغة تشمل انسحابا إسرائيليا من الأراضي السورية مقابل ضمانات أمنية

الرياض – العربية.نت

06 يناير ,2026

أفاد مسؤول إسرائيلي اليوم الثلاثاء، باختتام جولة محادثات باريس بين إسرائيل وسوريا، وفقا لموقع “أكسيوس”.

ضمانات أمنية

وأضاف المصدر أن محادثات باريس مع سوريا كانت “إيجابية”.

في حين أكد مصدر سوري للقناة 12 الإسرائيلية، وجود أرضية للتقدّم نحو اتفاق أمني محتمل بضغط أميركي.

وذكر أن ضغطا أميركيا مركّزا يدفع الطرفين إلى بحث صيغة تشمل انسحابا إسرائيليا من الأراضي السورية مقابل ضمانات أمنية.

كما رجّح المصدر أن الولايات المتحدة معنية باتفاق سريع، معلناً استعداد دمشق لتقديم ضمانات أمنية للطرف الإسرائيلي تكون مقبولة على الجميع مقابل انسحابه من الأراضي السورية.

وشدد على أن هذه خطوة تخلق في الوقت نفسه شعورا بالاطمئنان لدى إسرائيل وسوريا.

ملف السويداء

في المقابل، يضع السوريون خطا أحمر واضحا في إطار هذه الضمانات، بألا يُنقل ملف السويداء خارجاً، وأن تبقى معالجته شأنا سوريا داخليا فقط.

وأضاف: “سيُحلّ الموضوع بين الجهات المحلية نفسها، من دون تسليح ومن دون أي دعم خارجي”.

كما ألمح المصدر إلى أن هناك أيضا من الجانب الإسرائيلي مؤشرات على موافقة مبدئية على ذلك.

أيضا أكد المصدر أن أي قوة فصل تُقام بين إسرائيل وسوريا يجب أن تكون محل اتفاق الطرفين، معتبراً أن ذلك يخلق وضعا من تبادل الضمانات مقابل السيادة على الأرض وعلى المكوّنات الاجتماعية.

وشدد على وجوب تغيير النبرة الإسرائيلية من الادعاء بأنها راعية وحامية للأقليات، بأن تعالج هذه القضايا داخل سوريا في الساحة الداخلية فقط.

إلى ذلك، أوضح المصدر أن دمشق أجرت مراجعات جديدة في ما يتعلق بالتعامل مع المكونات السورية، لافتا إلى أن المؤشرات من الجانب السوري تدل على اتجاه إيجابي نحو بلورة اتفاق أمني يلبّي مطالب الطرفين، من دون الحاجة إلى وجود عسكري داخل سوريا.

ضغط من ترامب

وكانت مصادر إسرائيلية كشفت أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غير متحمس كثيراً لهذه المفاوضات، في ظل تمسك دمشق بانسحاب القوات الإسرائيلية من جميع المناطق التي احتلتها بعد سقوط النظام السابق في الثامن من ديسمبر 2024، وإزالة المواقع العسكرية التسعة والحواجز التي نصبتها في الجنوب السوري، وفق ما نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت”.

في حين لا يخفي نتنياهو رفضه لهذه المطالب السورية التي تعتبرها الإدارة الأميركية “منطقية”.

إلى ذلك، أكدت مصادر إسرائيلية أن هذه المفاوضات التي تجري في باريس تمت بعد ضغط من ترامب على إسرائيل وسوريا، من أجل التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى استقرار الوضع الأمني على الحدود، وهو ما قد يمثّل خطوة أولى نحو تطبيع العلاقات بين البلدين مستقبلاً”، وفق ما نقلت القناة الـ 12 الإسرائيلية.

هذا ويتألف الوفد الإسرائيلي الذي التقى أمس الوفد السوري من سفير إسرائيل في واشنطن، يحيئيل ليتر، والسكرتير العسكريّ لنتنياهو، رومان غوفمان، المرشّح لرئاسة الموساد، القائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيليّ، غيل رايخ.

في حين يترأس الوفد السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني. كما يشارك في الوفد رئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، حسب ما أوضح أمس مصدر سوري حكومي.

إلى ذلك، كشف المصدر الحكومي السوري أن المباحثات الراهنة، تتركز “بشكل أساسي على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية” من نقاط تقدمت إليها بعد إطاحة الرئيس السابق بشار الأسد، وذلك في “إطار اتفاقية أمنية متكافئة تضع السيادة السورية الكاملة فوق كل اعتبار”.

بينما أشارت مصادر إسرائيلية إلى تواجد المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم براك في باريس من أجل المشاركة في المفاوضات، وفق ما نقلت صحيفة “هآرتس”.

وتطالب دمشق إسرائيل باحترام اتفاق فض الاشتباك الذي أبرم في أعقاب آخر حرب عربية-إسرائيلية، ويحدد الخط الذي يفصل الأجزاء التي تحتلها إسرائيل من مرتفعات الجولان والأراضي السورية.

بينما طالب نتنياهو بإقامة منطقة عازلة في الجنوب السوري، وهو ما رفضته دمشق مراراً. وأوضح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مشاركته في حوار على هامش منتدى الدوحة الشهر الماضي، أن سعي إسرائيل لإقامة “منطقة عازلة… يدخلنا في مكان خطر”.

———————————

إسرائيل وتركيا: المواجهة المنتظرة على أرض سوريا/ أحمد محمود عجاج

6 يناير 2026 م

المصلحة دائماً تحدد توجهات الدول، وعندما تتعارض المصالح تندلع الحروب بكل تبعاتها. ويرى الناظر إلى الساحة السورية أن إسرائيل وتركيا دخلتا دائرة التعارض، واحتمالات المواجهة العسكرية؛ لأن تركيا راهنت على انتصار الثورة، بعدما رفض بشار الأسد الاعتراف بمصالحها، وانتصرت عليه عسكرياً، وراهنت إسرائيل على بقاء بشار ضعيفاً، واستمرار حرية تحركها في الأراضي السورية. وسقط بشار، وترك فراغاً أمنياً دفعها لملئه بهدف حماية حدودها، وتأمين ممر جوي فوق سوريا لتوجيه ضربات لأعدائها، مثل إيران. ولسد الفراغ تحركت تركيا لدعم الحكومة السورية الوليدة، عسكرياً، واقتصادياً، لتثبت نفوذها، وسارعت إسرائيل بالمقابل لدعم الأقليات والكرد لإضعاف السلطة المركزية، ومنع تبعيتها للنفوذ التركي.

وبما أن المصالح هي المحرك الأهم، لم تتردد إسرائيل في قصف منشآت عسكرية ومطارات سورية في الشمال، كان الأتراك يفكرون في استخدامها كقواعد عسكرية. هذا التحدي الإسرائيلي فهمته تركيا إضراراً بمصالحها، وردَّت بزيادة دعمها للحكومة السورية، وعقدت اتفاقات عسكرية معها، ربما تصل –بتدرج- لاتفاقية دفاع مشترك لمواجهة التهديدات الإسرائيلية.

يحمل هذا التنازع كثيراً من المخاطر؛ لأن البلدين يملكان قدرات عسكرية كبيرة، ويجسان بتهور نبض بعضهما بعضاً عسكرياً، مما سيجرُّهما حتماً لمواجهة مباشرة؛ لن تغير سوريا فقط؛ بل المنطقة؛ اقتصادياً وعسكرياً واستراتيجياً. وينبع الخطر من قناعاتهما بأن انتصار أحدهما يمثل تهديداً وجودياً للآخر، ومن انشغال الشرطي الأميركي بالصين، وأوكرانيا، وتنمية الاقتصاد، والهيمنة على جنوب أميركا.

ولعل أهم العناصر التي تعزز المواجهة: أولاً، تفوق القدرات العسكرية الإسرائيلية تقنياً وميدانياً، كما رأينا في حروبها الأخيرة. بالمقابل تمكنت تركيا خلال الخمسة عشر عاماً الماضية من تحقيق الاستقلال في الإنتاج العسكري المحلي بنسبة 65 في المائة من احتياجاتها العسكرية، وتنتج الآن طائرات «الدرون» المتطورة، والذخيرة، والعربات، والسفن الحربية، وقريباً طائرة مقاتلة. هذا يعود إلى صب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان المليارات في الصناعات الحربية، على حساب الاقتصاد، واعتماد خطة صناعية بشراء قطع من بلدان مختلفة وتجمعيها وفق نموذج تركي خالص، وفي الوقت ذاته العمل على إنتاج تلك القطع محلياً، وتجريبها وتطويرها. تركيا الآن دولة عسكرية متطورة، وقرارها غير مربوط بمُصدِّري السلاح لها، ويمكنها شن حرب دونما خوف، ووصلت مبيعاتها العسكرية إلى 7 مليارات دولار بعدما تبينت فاعليتها في المعارك.

ثانياً، التحالفات، وهي مهمة جداً، لدرجة أن وزير خارجية الإمبراطورية النمساوية، كليمنس فون مترنيخ، تمكن من منع سقوط الإمبراطورية لزمن طويل لقدرته على نسج تحالفات مكَّنته من هزيمة نابليون؛ وكذلك كسر هنري كيسنجر السوفيات بتحالفه مع الصين. وتركيا اليوم أقدر من إسرائيل لكونها في حلف «الناتو» ومحورية بعد حرب أوكرانيا، وتتعاون مع السعودية والدول الإسلامية لحل قضية فلسطين، وإطفاء النزاعات؛ بالمقابل إسرائيل منبوذة إقليمياً ودولياً، وتتراجع شعبياً في عمقها الغربي، فعززت –للتعويض- تحالفها مع اليونان وقبرص المتوجستين من صعود تركيا في شرق المتوسط، ومن مطالبات تركية (مستترة) بإعادة النظر في تسوية الحرب العالمية الثانية، وبالذات استعادة الجزر اليونانية المأخوذة منها ظلماً. ولكونهما ينتسبان للحلف الأميركي، وخلافهما يضر بهما، حذَّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في المؤتمر الصحافي الأخير بصراحة: «إردوغان رئيس ممتاز، لا تصطدم معه، وعليك إيجاد حلول مع الحكومة السورية».

ثالثاً، الاقتصاد، وهو عنصر مهم، وتعاني إسرائيل وتركيا من تبعاته السلبية؛ فإسرائيل تضررت كثيراً من حربها في غزة، وأكثر من حربها مع إيران، وبالتالي تراجع مدخول قطاع السياحة، وتضرر قطاع التكنولوجيا المعتمد على الاستثمارات الأجنبية، وارتفع التضخم، واضطرت إلى سحب اليد الماهرة من الاقتصاد للخدمة العسكرية، فازدادت حاجتها للعامل البشري؛ بينما لدى تركيا في المقابل مخزون بشري كبير، ليسد الفراغات في حالة الحرب. وتركيا تعاني من التضخم، ومن تدني الاقتصاد، ولكنها أكثر قدرة على الصمود لمساحتها الجغرافية، وتطورها صناعياً، مما يمكنها من تشغيل القطاعين الزراعي والصناعي لسد احتياجات الحرب، بينما تحتاج إسرائيل لدعم خارجي، ولا سيما إن طال أمد المعركة.

هذه العناصر الثلاثة ترجِّح الموقع التركي، وتشجع القيادة على مغامرات، انطلاقاً من أن مصالحها الوجودية في خطر، وتدفع إسرائيل للرهان على قوتها العسكرية لتحجيم الوجود التركي في سوريا ومحاصرته؛ وهكذا سيلجآن للتصعيد المتدرج لتخويف بعضهما بعضاً، وإجبار أحدهما على القبول بهيمنة الآخر.

وتكمن المشكلة في أن نتنياهو يؤمن بفرصة تاريخية لتوسيع كيانه، وهيمنته، متسلحاً بإيمان توراتي، وكذلك يؤمن إردوغان بفرصة تاريخية لتوسيع دور تركيا التاريخي؛ ليس كمفهوم إمبراطوري؛ بل كدولة حضارية قومية إسلامية لها حق في الهيمنة الثقافية والاقتصادية، وتوفير الحماية لدول تشترك معها حضارياً. هذا النهج التركي الحضاري يضرب أمن إسرائيل، ونهج نتنياهو التوراتي يضرب المشروع التركي الحضاري، وما لم يتدخل ترمب، ويوفق بين تعارض مصالحهما، فالمواجهة العسكرية آتية لا ريب فيها.

الشرق الأوسط

———————————-

نتنياهو غير متحمّس.. يوم ثانٍ من المحادثات السورية – الإسرائيلية

محادثات سورية – إسرائيلية في باريس بوساطة أميركية.

2026-01-06

كشفت مصادر إسرائيلية، اليوم الثلاثاء، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يُبدي حماسة كبيرة تجاه المحادثات في الجولة الجديدة مع الحكومة السورية الانتقالية، والتي تعقد في العاصمة الفرنسية باريس.

وقالت المصادر إن الحكومة الانتقالية لا تزال تتمسك بجملة مطالب تصفها تل أبيب بأنها جوهرية وحسّاسة، أبرزها الانسحاب الإسرائيلي الكامل من المناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية بعد سقوط النظام في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024.

ومن المقرر أن يشهد اليوم الثلاثاء يوماً ثانياً من المفاوضات بين الجانبين، إلا أن أجواء التفاؤل بإمكانية التوصل إلى اتفاق أمني تبدو محدودة، وفق تقديرات مصادر مطلعة تحدثت لصحيفة “يديعوت أحرونوت“.

وذكرت “يديعوت أحرونوت” أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لا يُخفي رفضه لتلك المطالب السورية، رغم أن الإدارة الأميركية ترى فيها مطالب “منطقية” وتشكل أساساً لأي تفاهم مستقبلي بين الطرفين.

وأكدت مصادر إسرائيلية أن انعقاد هذه المفاوضات في باريس جاء نتيجة ضغوط مارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على كلٍّ من إسرائيل وسوريا، في محاولة للتوصل إلى تفاهم يساهم في استقرار الوضع الأمني على الحدود بين البلدين، وقد يشكل خطوة أولى على طريق تطبيع العلاقات مستقبلاً، وفق ما أوردته القناة “الثانية عشرة” الإسرائيلية.

ويتألف الوفد الإسرائيلي المشارك في المحادثات من سفير إسرائيل لدى واشنطن يحيئيل ليتر، والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء رومان غوفمان، إضافة إلى القائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي غيل رايخ.

وأمس الاثنين، أفاد مصدر سوري نقلت عنه وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن وفد دمشق يترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني، ويضم أيضاً رئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة.

وأوضح المصدر السوري أن المباحثات الجارية تتركز بشكل أساسي على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك الموقّعة عام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية من النقاط التي تقدمت إليها بعد سقوط النظام.

من جهتها، أشارت مصادر إسرائيلية نقلت عنها صحيفة “هآرتس” إلى أن المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف انضم إلى المفاوضات للمشاركة في جهود الوساطة التي تقوم بها الولايات المتحدة، إلى جانب المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك.

وفي التاسع من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، نفى مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، صحة المعلومات التي تتحدث عن رفضه توقيع اتفاق أمني مع الحكومة السورية الانتقالية.

وقال مكتب نتنياهو، إن الأخير لم يرفض توقيع اتفاق أمني مع دمشق في أيلول/ سبتمبر الماضي خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، رغم التوصل إلى نص مكتوب بوساطة أميركية.

ووصف، ما نشر بأنه “أخبار زائفة بالكامل”، مشيراً إلى أنه كانت هناك اتصالات واجتماعات برعاية أميركية، وفق ما نقلته صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”.

وأكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، أن الأمور لم تصل في أي لحظة إلى مستوى اتفاقات أو تفاهمات مع سوريا رغم الاجتماعات والاتصالات التي عقدت بين الجانبين.

———————————

سوريا بين إيران وإسرائيل: تلاقي العبث واستخدام الفلول/ صهيب جوهر

يناير 6, 2026 

لم يعد ما يجري في سوريا قابلاً للفهم ضمن ثنائية الصراع التقليدي بين محاور متواجهة، ولا يمكن اختزاله في سردية “الدولة ضد الفوضى” أو “المقاومة ضد العدوان”. فالمشهد السوري، بعد أكثر من عقد على الحرب، بات مسرحاً لعبث مزدوج تمارسه قوى إقليمية متعارضة في الخطاب، متقاطعة في النتائج، وعلى رأسها إسرائيل وإيران، بما يضرب في العمق مفهوم الأمن القومي السوري والعربي معاً.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة عودة تحركات فلول نظام الأسد في الساحل السوري إلا بوصفها نتاجاً مباشراً لهذا المسار التفكيكي المركّب. فالأحداث التي شهدتها اللاذقية مؤخراً، وظهور مجموعات تحمل تسميات مثل “درع الساحل” و”سرايا الجواد”، لم تأتِ من فراغ، ولا تعبّر عن غضب اجتماعي عابر، بل تكشف عن محاولة منظمة لإعادة إدخال بقايا النظام السابق إلى المشهد الأمني، مستفيدة من هشاشة المرحلة الانتقالية وتعقيدات البيئة الإقليمية.

العنف الذي رافق هذه التحركات، واستخدام السلاح الأبيض والناري، وسقوط قتلى وجرحى من المدنيين وقوى الأمن، يؤشر إلى أن الهدف لم يكن التعبير أو الضغط السياسي، بل اختبار قدرة الدولة على الضبط، وقياس هامش الفوضى الممكنة.

الأخطر أن هذه التحركات تتقاطع زمنياً ووظيفياً مع جهد إقليمي تقوده إيران لإعادة تجميع فلول الفرقة الرابعة وأجهزة أمنية سابقة كانت تدور في فلكها. فالمعطيات المتداولة حول دور شخصيات عسكرية وأمنية معروفة، وحول احتفاظ الحرس الثوري بعدد من الضباط في معسكرات على الحدود العراقية، وفي مناطق لبنانية وسورية خارجة عن سيطرة الدولة، تعكس محاولة بناء قوة احتياطية مرنة، لا تُستخدم لإعادة نظام سقط، بل لتوفير أدوات ضغط ومشاغلة في لحظة إقليمية ضاغطة.

فطهران، التي تواجه تضييقاً أميركياً متزايداً في العراق، وضغوطاً على حلفائها في لبنان، واحتمالات تصعيد أوسع، تسعى إلى توسيع ساحات الاشتباك غير المباشر، وسوريا تبقى الساحة الأكثر هشاشة وقابلية للتوظيف.

بهذا المعنى، يصبح الساحل السوري مساحة اختبار لإعادة تدوير الفوضى، ليس بهدف السيطرة، بل بهدف الإرباك. فلول النظام السابق لا يُنظر إليهم كقوة سياسية قادرة على الحكم، بل كأداة أمنية يمكن تحريكها لإشعال توترات، أو لزرع الشك بين الدولة وبيئاتها الاجتماعية، أو لإعادة إنتاج خطاب طائفي يستثمر في الخوف والذاكرة والقلق الوجودي. وهو ما يفسر التركيز على الطائفة العلوية، ومحاولات جرّها إلى مواجهة مفتوحة مع الدولة، بما يعيد إنتاج معادلات مدمّرة سبق أن اختبرتها سوريا ودفع الجميع ثمنها.

في المقابل، تستفيد إسرائيل من هذا المشهد دون أن تكون بالضرورة المحرّك المباشر لكل تفصيل فيه. فكل اهتزاز داخلي في سوريا، وكل تصاعد في النزعات المناطقية أو الطائفية، يعزز مقاربة إسرائيلية قديمة ترى في الدولة السورية الموحدة تهديداً طويل الأمد، وفي تفككها فرصة استراتيجية.

خطاب “حماية الأقليات”، الذي عاد إلى الواجهة في تصريحات رسمية، ليس سوى أداة سياسية تُستخدم عند الحاجة، ويصبح أكثر فعالية حين تتآكل الثقة بين الدولة ومكوناتها، وحين تظهر قوى محلية مستعدة للبحث عن أي مظلة خارجية تضمن لها البقاء أو النفوذ.

القلق الحقيقي هنا أن بعض فلول النظام السابق، بما يملكونه من شبكات علاقات وملفات أمنية حساسة، باتوا مستعدين للذهاب بعيداً في هذا المسار، حتى لو قاد ذلك إلى فتح قنوات مع إسرائيل أو القبول بمشاريع انفصالية. هذا الانزلاق لا يعكس تحوّلاً سياسياً بقدر ما يعكس انهياراً كاملاً لفكرة الدولة لديهم، واستعداداً لاستخدام الجغرافيا السورية كورقة تفاوض أو مقايضة في صراعات إقليمية أكبر منهم.

في هذه النقطة تحديداً، تتقاطع المقاربتان الإيرانية والإسرائيلية، رغم التناقض بينهما. الأولى أضعفت الدولة السورية باسم حمايتها، عبر عسكرة المجتمع وبناء منظومات موازية، والثانية تستثمر في هذا الضعف لمنع إعادة بناء مركز سياسي قوي وقادر. والنتيجة ليست فيدرالية توافقية أو لامركزية منتجة، بل محاولات لخلق واقع تفككي قابل للاشتعال عند كل منعطف، تُفرغ فيه السيادة من مضمونها، وتُحوَّل فيه المناطق إلى أوراق ضغط متبادلة.

في مواجهة هذا المسار، تكتسب جهود الحكومة السورية الحالية بعداً يتجاوز الأمني المباشر. فمحاولات تفكيك خلايا الفلول، وقطع الطريق على تجنيد أبناء الطائفة العلوية، وفتح قنوات تواصل مع نخب دينية واجتماعية في الساحل، والعمل على تحييد القيادات العسكرية الموجودة في القواعد الروسية، والتنسيق مع الجانب اللبناني لضبط الحدود والمخيمات، كلها مؤشرات على إدراك أن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة منع الانزلاق إلى صراع أهلي جديد، تُستخدم فيه الطوائف وقوداً لمشاريع خارجية.

ما يجري في سوريا اليوم ليس شأناً سورياً صرفاً، بل اختباراً جديداً لمفهوم الأمن القومي العربي برمته. فتحويل سوريا إلى مجموعة ساحات متنازعة، أو أقاليم ضعيفة تبحث عن حماية الخارج، سيعيد فتح خرائط المنطقة على احتمالات لا يمكن ضبطها، وسيجعل من التفكك نموذجاً قابلاً للتكرار في بيئات عربية أخرى تعاني هشاشة سياسية أو انقسامات مجتمعية. هنا، يصبح العبث الإسرائيلي والإيراني خطراً واحداً، لا لأنه منسق، بل لأنه يلتقي عند النتيجة نفسها.

في المحصلة، لم يعد السؤال من ينتصر في سوريا، بل ما إذا كانت ستبقى دولة قابلة للحياة. وكل تساهل مع استخدام الفلول كأدوات، وكل تأخير في مواجهة هذا العبث المزدوج، يقرّب المنطقة خطوة إضافية من مرحلة لا يكون فيها التقسيم مجرد مشروع مطروح، بل واقعاً يصعب التراجع عنه.

الثورة السورية

—————————–

==================

تحديث 05 كانون الثاني 2026

———————————

الوضع القانوني لمرتفعات الجولان: ثبوت السيادة وعدم جواز الاستيلاء بالقوة/ فضل عبد الغني

يناير 5, 2026 

تُعد مسألة الوضع القانوني لمرتفعات الجولان في القانون الدولي من أبرز الأمثلة التي تُتيح اختبار الالتزام التأسيسي للنظام القانوني الدولي بعد الحرب العالمية الثانية بحظر الغزو الإقليمي والاستيلاء على الأراضي بالقوة. ولا تزال هذه المنطقة، التي احتلتها إسرائيل عقب حرب حزيران/يونيو 1967 وضمّتها من جانب واحد عام 1981، محور نزاع قانوني وسياسي مستمر.

غير أن الموقف القانوني الدولي لا يترك مجالاً لالتباس جوهري: فمرتفعات الجولان تُشكل أرضاً سورية محتلة، ومحاولة ضمها باطلة ولاغية بموجب المبادئ الأساسية التي تحكم سلوك الدول. ويستند هذا الاستنتاج إلى حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، والطبيعة المؤقتة للاحتلال العسكري، واستمرار انطباق قواعد القانون الدولي الإنساني وقرارات الأمم المتحدة، بما يصون السيادة الإقليمية السورية بغض النظر عن السيطرة العسكرية الفعلية أو الاعتراف الأحادي المخالف لذلك.

وتُعد المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة حجر الزاوية في النظام الإقليمي للقانون الدولي الحديث، إذ تُلزم الدول بالامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. وقد كرست محكمة العدل الدولية هذا الحظر بوصفه قاعدةً من قواعد القانون الدولي الاتفاقي والعرفي ذات طابع آمر، بما يعني أنه يشكل قاعدة قطعية لا يجوز الخروج عليها تحت أي ظرف. ويمتد هذا الحظر بصورة قاطعة إلى الاستيلاء على الأراضي بالقوة، بحيث لا تُعد المكاسب الإقليمية الناتجة عن استعمال القوة مشروعة، ولا يجوز الاعتراف بها أو إضفاء أثر قانوني عليها.

وقد أكد إعلان عام 1970 بشأن مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول أن الاستيلاء على أراضي دولة أخرى نتيجة التهديد باستعمال القوة أو استعمالها لا يُعترف به قانونياً. والأهم أن هذا الحظر يسري بغض النظر عن توصيف الحرب أو الادعاء بالطابع الدفاعي، إذ لا تتحول السيطرة العسكرية إلى سيادة ولا تُنتج أثراً ناقلاً للملكية الإقليمية. كما يترتب على ذلك التزام عام على الدول بالامتناع عن الاعتراف بالأوضاع الناشئة عن الاستحواذ الإقليمي غير المشروع، وحظر تقديم المساعدة التي من شأنها إدامة أو ترسيخ وضع غير قانوني.

في 17 كانون الأول/ديسمبر 1981، وبعد ثلاثة أيام من إقرار إسرائيل قانون مرتفعات الجولان الذي وسّع نطاق القانون والإدارة الإسرائيلية ليشمل الأراضي المحتلة، اعتمد مجلس الأمن بالإجماع القرار 497. ويمثل هذا القرار التعبير الأكثر حسماً عن الموقف القانوني الدولي تجاه محاولة ضم الجولان.

فقد قرر المجلس أن فرض إسرائيل قوانينها وولايتها القضائية وإدارتها على مرتفعات الجولان السورية المحتلة باطل ولاغٍ ولا أثر له دولياً، وطالبها بالتراجع الفوري عنه، وأكد استمرار انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي السورية المحتلة منذ 1967.

وتكتسب دلالة الإجماع على القرار أهمية خاصة، بما في ذلك تصويت الأعضاء الدائمين لصالحه، إذ يثبت أن توصيف الجولان كأرض محتلة وأن إجراءات الضم لا تُنتج أثراً قانونياً كان محل توافق دولي راسخ. وقد تكرر هذا الموقف في مداولات الجمعية العامة وقراراتها اللاحقة بشأن الجولان السوري المحتل، بما يعكس ثبات القاعدة القانونية التي تمنع تحويل الاحتلال إلى سيادة عبر تشريعات داخلية أو ممارسات ميدانية.

يُرسّخ القانون الدولي الإنساني معايير دقيقة للاحتلال العسكري تؤكد عدم مشروعية الادعاءات التي تسعى إلى إضفاء طابع دائم على السيطرة. فلوائح لاهاي تُعرّف الاحتلال بوجود إقليم تحت السلطة الفعلية لجيش معادٍ، غير أن السيطرة الفعلية، مهما امتدت، لا تنقل السيادة؛ ويجب فهم نظام الاحتلال العسكري باعتباره تنظيماً قانونياً لسيطرة مؤقتة على أرض أجنبية، تنتهي من حيث المبدأ بعودة السيطرة إلى صاحب السيادة الأصلي.

وخلال هذه المرحلة، تلتزم القوة المحتلة بإدارة الإقليم باعتبارها سلطةً قائمة بالوصاية، مع إدخال أقل قدر ممكن من التغييرات اللازمة لإدارة شؤون الحياة العامة، وصون الوضع القانوني القائم عند بدء الاحتلال. ويقوم المنطق البنيوي لقانون الاحتلال على منع أي إجراءات تُفضي إلى الضم أو تُرسخ السيطرة الدائمة، لأن ذلك يتعارض مع الطبيعة المؤقتة للاحتلال ومع حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة.

وتُشكل المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة ركناً محورياً في هذا السياق، إذ تحظر نقل سكان الدولة المحتلة إلى الإقليم المحتل منعاً للاستيطان والتغيير الديموغرافي الذي يحول الاحتلال إلى واقع دائم. ويُعد النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في مرتفعات الجولان، من حيث المبدأ القانوني، انتهاكاً لهذا الحظر، بما يعضد الاستنتاج القائل إن ممارسات الإدارة الميدانية لا تُغير المركز القانوني للإقليم ولا تمنح القوة المحتلة حقاً سيادياً عليه.

على الرغم من أن الفتوى الاستشارية الصادرة عن محكمة العدل الدولية في تموز/يوليو 2024 تناولت الأراضي الفلسطينية، فإن منطقها القانوني يعيد تأكيد مبادئ عامة تتصل مباشرةً بالضم والاستيلاء بالقوة.

فقد اعتبرت المحكمة أن إعلان السيادة على أراضٍ محتلة وضمها، سواء عبر تشريعات داخلية أو سياسات وممارسات ميدانية، يتعارض مع حظر استعمال القوة ومبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة. كما رفضت الحجة القائلة إن الاعتبارات الأمنية يمكن أن تُقيد هذا الحظر أو تتجاوزه، مؤكدةً أن المخاوف الأمنية لا تُعلق قاعدة آمرة ولا تُنشئ حقاً في الضم أو اكتساب السيادة على إقليم محتَل.

تظل السيادة الإقليمية لسوريا على مرتفعات الجولان مصونة بموجب مبدأ السلامة الإقليمية، وتؤكدها قرارات الأمم المتحدة المتعاقبة. أما الاعتراف الأحادي الصادر عن الولايات المتحدة عام 2019 بالسيادة الإسرائيلية على الجولان فلا يغير الوضع القانوني للإقليم، لأن القاعدة الآمرة المانعة للضم تُرتب واجب عدم الاعتراف بالأوضاع الناشئة عن انتهاك جسيم، إلى جانب واجب الامتناع عن تقديم ما يعين على ترسيخها.

ويؤكد عدم لحاق أي دولة أخرى بهذا الاعتراف استمرار الإجماع الدولي على أن الجولان أرض سورية محتلة وأن الضم غير مشروع.

الثورة السورية

———————————

 سوريا كما الصومال في قلب مشروع التفكيك الإسرائيلي/ خلدون الشريف

الاثنين 2026/01/05

لا تشهد المنطقة اليوم صراعات منفصلة بقدر ما تعيش مواجهة واحدة: كيفية إعادة تشكيلها المستقبلي. من اليمن إلى السودان، ومن سوريا إلى ليبيا، مرورًا بساحل البحر الأحمر والقرن الإفريقي، تتواجه رؤى إقليمية متناقضة حول مصير وطبيعة “الدولة” وحدود السيادة، ومعنى الاستقرار. ما يجري ليس فوضى عشوائية ولا مجرد تراكم أزمات، بل عمل دؤوب على إدارة التفكك: من يوظّفه، من يخشاه، ومن يحاول احتواءه قبل أن يتحول إلى انهيار شامل.

في هذا الإطار، لا يمكن فهم الساحات المختلفة بوصفها ملفات مستقلة، بل كمسرح واحد تُختبر فوقه مشاريع إقليمية متعارضة، تلتقي أحيانًا عند الأدوات وتتصادم عند الغايات. جوهر الصراع لا يدور حول من ينتصر عسكريًا، بل حول شكل الكيان السياسي الذي سيبقى بعد الاستنزاف والانهيار.

سوريا: القلب العاري لمشروع التفكيك

تشكّل سوريا اليوم القلب العاري لمشروع التفكيك الإقليمي، لا بوصفها ساحة نفوذ متنازعًا عليها فحسب، بل باعتبارها المساحة التي تُختبر فوقها، بأقصى درجات الوضوح، عقيدة التفكيك الإسرائيلية في صورتها الكاملة. دولة منهكة، سيادة مجتزأة، وجغرافيا تُعاد هندستها أمنيًا على مهل، تحت رعاية إسرائيلية مباشرة، لا تستهدف إسقاط الدولة دفعة واحدة، بل تفريغها من مضمونها السيادي ووظيفتها الإقليمية.

في هذا السياق، لا يُعاد تشكيل الفاعلين المحليين فقط، بل يُعاد رسم المجال الجغرافي نفسه، من قمم جبل الشيخ جنوبًا، مرورًا بالجنوب السوري والبادية، وصولًا إلى تخوم تدمر والحدود العراقية، بهدف إنتاج عمق أمني إسرائيلي متصل داخل الجغرافيا السورية، يحوّل الفراغ السياسي إلى واقع استراتيجي دائم. ليست هذه إجراءات ردعية أو ضربات وقائية، بل مسارًا مدروسًا لمنع أي إمكانية مستقبلية لإعادة بناء دولة سورية موحّدة قادرة على استعادة قرارها وحدودها ودورها في موازين الإقليم.

لبنان: تحييد الجغرافيا وكسر وحدة الساحات

ولا ينفصل تفكيك الدولة السورية عن مسار موازٍ في لبنان، يتمثل في العمل المنهجي على تحييد الجغرافيا الدرزية الممتدة من جبل الشيخ جنوب سوريا إلى راشيا في البقاع الغربي، وتحويلها إلى حزام صديق لإسرائيل. في الحالتين، لا يتعلق الأمر بتسويات محلية أو اعتبارات داخلية، بل بإعادة رسم الخريطة السياسية للجغرافيا، بما يكسر وحدة الساحات الذي تكسَّر فعلًا، ويمنع كذلك تشكّل أي امتداد جغرافي أو سياسي جديد قادر على إنتاج مواجهة متماسكة، حتى لو لم تكن عسكرية.

بهذا المعنى، لا يُستهدف لبنان كساحة مستقلة، بل كحلقة في سلسلة تهدف إلى تفكيك الترابط الجغرافي والسيادي بين دول المشرق، وتحويل الحدود من خطوط مواجهة محتملة إلى أحزمة عازلة تخدم أمنًا اسرائيليًا إقليميًا طويل الأمد.

ليبيا: الانقسام كمدخل للنفوذ

ولا تختلف ليبيا كثيرًا في هذا السياق، إذ تحوّلت منذ سنوات إلى مسرح مفتوح لتنازع مشاريع إقليمية ودولية ترى في الانقسام المدخل الأسهل للنفوذ، وفي الدولة الموحّدة خطرًا مباشرًا على مصالحها. لم يعد الصراع الليبي يدور حول شكل النظام أو آليات الحكم، بل حول منع إعادة إنتاج سلطة مركزية قادرة على ضبط الجغرافيا والموارد والقرار السيادي.

هكذا جرى تفكيك ليبيا عمليًا إلى مناطق نفوذ متداخلة، تُدار عبر تحالفات محلية هشّة وقوى أمر واقع عسكرية واقتصادية، بما يُبقي البلاد في حالة سيولة دائمة: لا حربًا فاصلة تحسم الصراع، ولا سلامًا جامعًا يسمح بقيام الدولة.

السودان: الحرب كأداة تفكيك

الأمر نفسه يتكرر، بحدّة أشد، في السودان، حيث لم تعد الحرب مجرّد صراع على السلطة، بل تحوّلت إلى آلية تفكيك منهجية للدولة ذاتها. فالصدام بين الجيش والميليشيا لم يُنتج توازنًا قابلًا للبناء عليه، بل فتح الباب أمام تفتيت جغرافي وسيادي يهدد بتحويل السودان من دولة مركزية محتملة إلى مساحات نفوذ متنازعة.

تتقاطع فوق هذه المساحات مصالح إقليمية ترى في الانهيار المضبوط فرصة قابلة للإدارة، وفي قيام دولة موحّدة خطرًا يصعب التحكم بمساره. هنا أيضًا، لا يبدو التفكك نتيجة عرضية للحرب، بل مسارًا يُترك ليتعمّق ما دام يمنع تشكّل سلطة وطنية جامعة.

الصومال: التفكك المُدار بدل الدولة

أما الصومال، فيمثّل النسخة الأكثر تقدّمًا من هذا النموذج. دولة تُستبدل تدريجيًا بشبكة أقاليم وكيانات محلية، يُتعامل معها بوصفها وحدات مستقلة بحكم الأمر الواقع، فيما تُفرغ الدولة المركزية من معناها ووظيفتها السيادية.

الرهان هنا لا يقوم على إعادة بناء الدولة، بل على إدارة التفكك أيضًا، وتحويل الجغرافيا الصومالية إلى عقد موانئ وقواعد وممرات نفوذ، تُدار بمنطق المصالح لا بمنطق السيادة، بما يرسّخ التفكيك كحالة مستقرة لا كمرحلة انتقالية.

تلاقٍ بلا مشروع: الخوف من الانهيار لا رؤية للبديل

في مواجهة هذا المسار التفكيكي، لا يبرز تحالف إقليمي صلب بقدر ما يظهر تلاقٍ لمصالح متباينة، تفرضه المخاوف أكثر مما يجمعه الاتفاق. السعودية وتركيا ومصر تشكّل، بدرجات مختلفة، نواة هذا التلاقي، لكنها نواة تفتقر إلى رؤية موحّدة لشكل الإقليم بقدر ما يجمعها إدراك مشترك لمخاطر الانهيار الكامل. هذا التلاقي لا ينبع من مشروع بديل متكامل، بل من محاولة تعطيل التفكيك حينًا، أو احتوائه حينًا آخر، أو تأجيل أسوأ نتائجه من دون القدرة على قلب مساره.

السعودية: دول ضعيفة أفضل من الفوضى

تنظر السعودية إلى التفكك بوصفه خطرًا ارتداديًا مباشرًا على أمنها وحدودها وهوياتها الوطنية. تجربتها الطويلة مع محيط مضطرب جعلتها ترى في انهيار الدول المجاورة مدخلًا لفوضى تترك آثارًا سلبية على المملكة وتؤخر مشاريعها الاقتصادية والتنموية. لذلك تميل اليوم، في اليمن والسودان وسوريا، إلى تسويات تُبقي على شكل الدولة وهيكلها، ولو ضعيفة، بدل الانزلاق إلى كيانات متصارعة بلا سقف. الاستقرار، من منظورها، لا يعني بالضرورة دولة قوية، بل دولة قائمة يمكن التفاوض معها وضبطها ومنع تحوّلها إلى مصدر تهديد مفتوح.

تركيا: رفض التفكيك الهويّاتي

تركيا، من جهتها، تختلف في دوافعها لكنها تلتقي في النتيجة. فهي لا تخشى التفكك بوصفه فوضى إقليمية فقط، بل كتهديد وجودي مرتبط مباشرة بالمسألة الكردية وبتهديد وحدة الأناضول. لذلك تفضّل دولًا موحّدة بسلطات منقوصة على كيانات إثنية مستقلة، وتتصادم لهذا السبب مع مشاريع التفكيك الهويّاتي في سوريا والعراق، كما تتحفّظ على مسارات مشابهة في ليبيا والقرن الإفريقي. تركيا لا تحب بالضرورة المركزيات الصلبة، لكنها تكره التفتيت الذي يعيد تعريف الهوية والسيادة ويكسر حدود الدولة.

مصر: هاجس الدولة وحدود الدور

تمثّل مصر الحالة الأكثر تعقيدًا وترددًا داخل هذا التلاقي. فهي تنطلق من عقيدة دولة تقليدية ترى في وحدة الكيانات الوطنية شرطًا للاستقرار الإقليمي، لكنها محكومة في الوقت نفسه بهاجس الأمن المباشر وحدود الدور. الحرب على غزة شكلت تهديدًا غير مسبوق لمصر. اما في ليبيا، فلا ترى القاهرة مجرد أزمة جوار، بل تهديدًا استراتيجيًا لأمنها الغربي، ما يدفعها إلى تفضيل قوى قادرة على فرض حد أدنى من السيطرة، حتى ولو على حساب مسار سياسي جامع.

وفي السودان، تتصرف بالمنطق نفسه: دولة موحّدة ضعيفة أفضل من انهيار شامل يفتح الباب أمام فوضى غير قابلة للضبط على خاصرتها الجنوبية. أما في سوريا، فيراوح موقفها بين دعم عودة الدولة كمفهوم، كما فعلت خلال مرحلة حكم بشار الأسد ورفض الإسلام السياسي ولو في صيغته الشكلية، وبين تجنّب الانخراط العميق في صراع تتشابك فيه قوى إقليمية ودولية تتجاوز قدرتها على التأثير الحاسم. هذا التردد لا يعكس غموضًا بقدر ما يعكس حدود الدور.

الإمارات: التفكيك كأداة نفوذ

داخل هذا التلاقي الهش، تبرز الإمارات بوصفها عنصر التناقض الأوضح. فهي تشارك في خطاب رفض التقسيم، لكنها تتعامل معه عمليًا كفرصة. التفكيك، من منظورها، ليس خطرًا وجوديًا بل أداة نفوذ. حيث تسقط الدولة، يمكن للمال والموانئ والتحالفات المحلية أن تملأ الفراغ. من اليمن إلى السودان، ومن ليبيا إلى القرن الإفريقي، تراهن أبو ظبي على تفكيك مُدار لا على انهيار شامل، يتيح إنتاج كيانات محلية ضعيفة قابلة للاحتواء والتحكّم.

إيران: دولة ضعيفة نعم، دولة مقسّمة لا

إيران، في هذا المشهد، تقف على مسافة رمادية. فهي ترفع شعار وحدة الدول ورفض التقسيم، لكنها عمليًا تستفيد من تفكيك السيادة ووهنها، لا من انهيار الجغرافيا. تفضّل دولًا هشّة مخترقة، وميليشيات شيعية صلبة ومتماسكة حيثما تتوفر لها إمكانات بنائها، بما يسمح لها بالتحكّم بالقرار السياسي من داخل الدولة من دون المساس بوحدتها الشكلية. لذلك تعارض التقسيم الرسمي، لكنها لا تعارض إضعاف الدولة إلى الحد الذي يتيح لشبكاتها العمل بحرية.

حين يصبح التفكيك سياسة إقليمية

من هنا، لا يمكن فهم ما يجري في اليمن، أو السودان، أو ليبيا، أو سوريا بوصفه أزمات منفصلة. نحن أمام مسرح واحد تُدار فوقه معركة واحدة: معركة على شكل ما يبقى بعد الانهيار. دولة؟ كيانات؟ أم فراغ؟

الصراع الحقيقي في الإقليم ليس على من ينتصر عسكريًا، بل على من يفرض تعريفه على تشكيله. وطالما ظل التلاقي الرافض للتقسيم والتفتيت منقسمًا بين من يراه خطرًا وجوديًا ومن يتعامل معه كأداة نفوذ، سيبقى المشروع الإسرائيلي الأقدر على التمدّد وتحقيق أهدافه. في هذا السياق، يصبح الرهان على نجاح هذا المشروع، لدى بعض الدول والجماعات الإثنية والطائفية، رهانًا على “الرابح” لا على “الخاسر”، فتبتعد الصراعات الدموية عن حدود فلسطين المحتلة لتشتعل في الصومال والمشرق العربي والجزيرة وتركيا وشمال أفريقيا، فيما يرسّخ الإسرائيليون سيطرتهم ويفرضون وقائعهم بأقل كلفة مباشر

المدن

—————————

روسيا تحكم التوازن: الوساطة الأمنية بين دمشق وإسرائيل بلا سلام/ أحمد الجابر     

الجنوب السوري بين الوساطة الروسية والتنسيق الأميركي: اتفاقات أمنية بلا سلام

2026-01-05

في ظل تسارع تطوّرات العلاقات السورية ـ الإسرائيلية وتفاقم الهشاشة الأمنية في الجنوب السوري، برزت خلال الفترة الأخيرة مساعٍ روسية ـ أميركية مشتركة لتثبيت التهدئة ومنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع، عبر تفاهمات أمنية غير معلنة تعمل موسكو على تسويقها بدور الوسيط السياسي والأمني، وبالتوازي مع تنسيق هادئ مع واشنطن. وجاءت هذه الجهود نتيجة سلسلة اتصالات ولقاءات إقليمية ودولية مكثفة تناولت أفكاراً تتصل بضبط الحدود وتفعيل آليات المراقبة وإعادة ترتيب الأدوار الأمنية في الجنوب، في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية وتعقّد المشهد الإقليمي. وفي المقابل، تؤكد دمشق تمسّكها بالسيادة ورفضها لأي مسار يتجاوز الإطار الأمني أو يُفهم كتمهيد لاتفاق سلام، ما يعكس تحوّلاً في إدارة الصراع من التصعيد المفتوح إلى مقاربات احتواء دقيقة، يسعى فيها الروس لتكريس أنفسهم ضامناً ميدانياً، مقابل احتفاظ الولايات المتحدة بدورها كراعٍ أساسي لأي تفاهمات محتملة، فيما يبقى الجنوب السوري ساحة اختبار لتوازنات أمنية ودولية شديدة الحساسية.

موسكو: وسيط أمني لا سلام

يقول الدكتور مصطفى خالد المحمد، المستشار السياسي المقرّب من الكرملين لـ”963+”، إنّه عندما جاء وفد سوريا إلى موسكو، فرض مجموعة من الشروط، كان أبرزها أن تقوم روسيا بتهدئة الوضع القائم بين “إسرائيل”، ودمشق، لا سيما في الجنوب السوري.

ويشير إلى أنّ هذه التهدئة كان من المفترض أن تتم عبر وجود دوريات روسية، إلا أنّ موسكو، كما يوضح، كان لها رأي آخر، يتمثّل في اعتماد تهدئة سرّية ومؤقتة إلى حين تجهيز الاتفاق الأمني. وبعد الانتهاء من الاتفاق الأمني والتوقيع عليه ستدخل عندها الدوريات الروسية إلى الجنوب السوري، بوصفها قوات فصل أو مراقبة، وذلك لأنّه لا تستطيع أي مؤسسة، بحسب رأيه، ضمان عدم وجود اختراقات إسرائيلية على الأراضي السورية، أو الحد من هذه الاختراقات إلا عبر وجود قوات عسكرية روسية منتشرة في مناطق الجنوب السوري.

ويلفت الدكتور المحمد إلى أنّ موسكو تلعب دور الوسيط بين دمشق وإسرائيل، ولا سيما في الفترة الأخيرة، موضحاً أنّ هذا الدور جاء بعد فشل الوساطة العُمانية والوساطة الأردنية.

ويضيف أنّه بعد اجتماع أذربيجان، قصفت إسرائيل مواقع في سوريا شملت مقار وزارة الدفاع والقصر الجمهوري، عندها رأت دمشق، أنّها ستقوم بتغيير الوسطاء، والانتقال إلى وسطاء دوليين لهم مكانتهم الدولية، وتهابهم إسرائيل ويحسب لهم “الكيان الصهيوني حساباً”، وفق تعبيره.

ويرى أنّ الخيارات كانت محصورة بين وسيطين لا ثالث لهما: إمّا أميركا، أو موسكو. ويؤكد أنّ موسكو كانت، في نهاية المطاف، هي الخيار الأنسب لتكون وسيطاً بين دمشق وتل أبيب.

ويعتقد المحمد أنّ دور روسيا في الجنوب السوري هو دور متفق عليه مع الولايات المتحدة الأميركية، موضحاً أنّ ما تقوم به دمشق في هذا السياق هو تنسيق مباشر بين واشنطن وموسكو، وبالتالي، لن يكون هناك تغليب لمحور على آخر أو طرف على حساب آخر.

ويشير إلى أنّ الولايات المتحدة الأميركية لا تستطيع فرض ترتيبات مباشرة على إسرائيل، في حين أنّ موسكو، على العكس من ذلك، تستطيع فرض العديد من الترتيبات على إسرائيل.

ويعزو ذلك إلى أنّ عدداً كبيراً من اليهود الموجودين في إسرائيل هم من أصول روسية، ويحملون الجنسية الروسية، وأنّ الرئيس فلاديمير بوتين، يمتلك تأثيراً وقوة معنوية كبيرة داخل المجتمع اليهودي، حيث يحظى بمحبة واحترام شريحة واسعة منهم. ويرى أنّ هذا النفوذ يمكّنه من فرض العديد من القرارات والآراء على بنيامين نتنياهو.

ويشير المحمد إلى أنّ موسكو لا تتدخل في محاور أو بنود الاتفاق ذاتها، بل يقتصر دورها، كما يقول، على تقريب وجهات النظر بين الطرفين.

ويضيف أنّ الكيان إسرائيل تريد أن تكون النتيجة إيجابية وأن يتم التوصل إلى اتفاق أمني، مؤكداً أنّه لن يكون هناك اتفاق سلام، لأن مثل هذا الاتفاق، بحسب رأيه، سيضر بالمنطقة. ويشدّد على أنّ ما يجري الحديث عنه هو اتفاق أمني فقط.

ويؤكد أنّ موسكو لا تريد اتفاق سلام، في حين أنّ إسرائيل تريده، معتبراً أنّ هذه النقطة تشكّل جوهر الخلاف بين الطرفين، إذ ترى موسكو أنّ اتفاق السلام غير مطروح، بينما تدفع إسرائيل باتجاه تطوير اتفاق سلام مستقبلي.

روسيا: ضامن حدودي وموازن ميداني

يقول حسام نجار، الكاتب الصحفي والمحلل السياسي المقيم في بولندا، في حديثه لـ “963+”، إنّه عندما يتم الحديث عن الجولان والمناطق التي تحتلها إسرائيل أو توغلت بها، يتم تعميم مصطلح “الجنوب” وكأنّه محتل بالكامل، ويعتبر أنّ هذا تعميم خاطئ وخطأ استراتيجي كبير.

ويوضح أنّ الحقيقة هي أنّ روسيا هي التي عرضت نفسها لتكون ضامناً للحدود مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه وجدت الحكومة السورية في هذا العرض فرصة وورقة سياسية يمكن اللعب بها عند الضرورة، لا سيما في مواجهة أميركا وإسرائيل.

ويشير نجار إلى أنّ روسيا تُسيّر دوريات جوية على طول خط وقف إطلاق النار في الجولان، بما يشمل تحليق المروحيات قرب الحدود، ورصد التحركات الإسرائيلية والسورية دون تجاوز الخط الفاصل. ويؤكد أنّ هذه التحركات لا تتم بمعزل عن الموافقة الأميركية، بل تتم من خلالها، ويعزو السبب في ذلك إلى رغبة الولايات المتحدة الأميركية في عدم الدخول في خلافات جوهرية مع إسرائيل.

ويضيف أنّ روسيا تعمل كذلك، وبشكل متفق عليه، على تنسيق الاتصالات الأمنية بين الطرفين، معتبراً أنّ دورها في هذا السياق دور محوري.

ويرى أنّ الغاية الروسية ليست مرتبطة بهذه المنطقة تحديداً، بل بالحفاظ على مصالحها الرئيسية، مثل القاعدة العسكرية في مطار حميميم وميناء طرطوس، ولذلك يمتد دورها إلى عدة جهات.

وينوّه إلى أنّ دمشق تحاول، بطبيعة الحال، وبشتى الطرق، الحفاظ على ما يُعرف بـ”شعرة معاوية” مع الروس، وفي الوقت نفسه تسعى إلى إيقاف التوغلات الإسرائيلية، وهي مقتنعة، بحسب رأيه، بأنّه لا بد من تقديم تنازلات في مكان ما ومع جهة ما.

ويعتقد نجار أنّ الولايات المتحدة الأميركية ستكون الراعي الأساسي لأي اتفاق أمني بين الطرفين السوري والإسرائيلي، ولن تترك هذا الدور لروسيا وحدها.

ويشير إلى أنّه في ظل وجود نظام الأسد البائد والقوات الإيرانية في سوريا، كانت الإحداثيات تصل من روسيا لضرب مواقع القوات الإيرانية داخل الأراضي السورية.

ويضيف أنّ إسرائيل تثمن هذا التعاون الروسي، وتقبل بروسيا كوسيط أمني حالي وكعامل توازن ميداني، لكنها، في المقابل، تطالب بضمانات واضحة من الدولة السورية. وهنا، يبرز دور توماس باراك بشكل أكبر من الدور الروسي.

ويختم بالقول، من وجهة نظره الشخصية، إنّ روسيا تسعى لأن يكون لها دور أكبر في سوريا، على اعتبار أنّها تمثّل صمام أمان في المرحلة الحالية، وتعتبر هذا الدور ورقة مساومة مهمة مع الحكومة السورية.

+963

———————————

سورية: المفاوضات مع إسرائيل هدفها تفعيل اتفاقية فكّ الاشتباك

05 يناير 2026

قال مصدر حكومي سوري، إنّ جولة المفاوضات الجديدة التي تستضيفها باريس بين سورية وإسرائيل اليوم الاثنين، تتركز أساساً على “إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، ضمن إطار اتفاقية أمنية متكافئة تضع السيادة السورية الكاملة فوق كل اعتبار، وتضمن منع أي شكل من أشكال التدخل في الشؤون الداخلية السورية”، وفقاً لما نقلت وكالة الأنباء الرسمية (سانا).

وتجري جولة المفاوضات الجديدة بتنسيق ووساطة من الولايات المتحدة. وذكر المصدر أن الوفد السوري يضم وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، مشيراً إلى أنّ استئناف هذه المفاوضات يأتي “تأكيداً لالتزام سورية الثابت باستعادة الحقوق الوطنية غير القابلة للتفاوض”.

من جهتها، ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أنّ الوفد الإسرائيلي سيحضر بتشكيلة محدثة، برئاسة سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، يحيئيل ليتر، وبمشاركة السكرتير العسكري لرئيس الوزراء، اللواء رومان جوفمان، وممثلين رفيعي المستوى من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

ونقلت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية عن مصادر قولها إنّ الهدف من هذه المفاوضات “تحقيق الاستقرار وخفض المخاطر، وليس تحقيق انفراجة دبلوماسية”. وكان موقع “أكسيوس” الأميركي قال أمس الأحد إنّ مسؤولين سوريين وإسرائيليين رفيعي المستوى سيجتمعون اليوم الاثنين في العاصمة الفرنسية باريس بهدف التفاوض حول الاتفاق الأمني بين الطرفَين.

رصد

“أكسيوس”: مفاوضات بين سورية وإسرائيل في باريس بشأن اتفاق أمني جديد

وأشار إلى أن الاجتماع يأتي بوساطة وضغط من الإدارة الأميركية من أجل التوصل إلى اتفاق يساعد على استقرار الوضع الأمني على الحدود بين سورية وإسرائيل، لافتاً إلى احتمال أن يكون اجتماع باريس خطوة أولى نحو التطبيع الدبلوماسي بين الطرفَين في المستقبل.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قال قبل أيام قليلة إنّ سورية وإسرائيل ستتوصلان إلى اتفاق، معرباً عن استعداده لبذل قصارى جهده لتحقيق ذلك. وأكد ترامب خلال مؤتمر صحافي جمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 29 ديسمبر/كانون الأول الماضي أنه توصل إلى “تفاهم” مع نتنياهو بشأن سورية، دون تحديد طبيعة هذا التفاهم.

ميدانياً، استولت قوات الاحتلال الإسرائيلي، قبل نحو 10 أيام، على قطيع ماعز يقدر بنحو 250 رأساً، وتعود ملكيته لأبناء بلدة معرية في منطقة حوض اليرموك بريف درعا جنوبي سورية. ونقلت شبكة “درعا 24” عن الأهالي، أنّ قوات الاحتلال استخدمت طائرات مسيّرة لملاحقة القطيع قبل الاستيلاء عليه ونقله إلى جهة مجهولة. وأوضح الأهالي أن الرعاة حاولوا متابعة القضية عبر مراجعة قوات الأمم المتحدة لمراقبة فضّ الاشتباك (أندوف)، إضافة إلى الجهات الرسمية السورية، دون أن يسفر ذلك عن شيء. ولفتوا إلى أن قوات الاحتلال تضيق على المزارعين والرعاة في المنطقة وتحصرهم في مناطق ضيقة قرب منازلهم وفي محيط القرية.

—————————–

الهوة كبيرة بين إسرائيل وسوريا ولا يمكن جسرها بيومين في باريس

نتنياهو يرسل وفداً بلا رئيس للتفاوض مع وزير الخارجية السوري… وأحد الوزراء يقترح تصفية الشرع

تل أبيب: نظير مجلي

5 يناير 2026 م

على الرغم من أن استئناف المفاوضات بين إسرائيل وسوريا، الاثنين، في باريس، تم بطلب مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مع الإصرار على التوصّل لاتفاق أمنيّ بين البلدين، على الأقل، فإن التقديرات في تل أبيب هي أن هناك هوة كبيرة جداً في المواقف بينهما، ومن شبه المستحيل تحقيق نجاح خلال اليومين المخصصين لها، بل إنها تبدو من أولها عوجاء، بسبب طريقة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، في التعامل معها.

وحسب أكثر من مصدر مقرّب منه، فإن نتنياهو لا يتحمس كثيراً لهذه المفاوضات، لأن سوريا تصر على انسحاب إسرائيل من جميع المناطق التي احتلتها بعد سقوط الأسد، وتزيل المواقع العسكرية التسعة التي أقامتها في الجنوب السوري، على طول الحدود. وحسب تسريبات صحافية فإن الرئيس ترمب قال لنتنياهو، إن المطلب السوري عادل، وإن على إسرائيل أن تجد حلولاً إبداعية أخرى غير البقاء على الأرض.

وحسب موقع «واي نت»، فإن مشكلة نتنياهو أنه لا يخفي عدم رغبته هذه. وعلى سبيل المثال اضطر إلى تغيير الوفد الذي فاوض سوريا حتى الآن، برئاسة وزير الشؤون الاستراتيجية، رون ديرمر، الذي كان مقرباً وموثوقاً عنده ووزيراً مرموقاً يتولى أهم ملف في السياسة الخارجية لإسرائيل؛ وهو الولايات المتحدة وبعض الدول العربية، وقد استقال ولم يعد يرد على الهاتف. أما الوفد الإسرائيلي الجديد فيتألّف من سفير إسرائيل في واشنطن، يحيئيل ليتر، والسكرتير العسكريّ لنتنياهو، رومان غوفمان، والمرشّح لرئاسة الموساد، القائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيليّ، غيل رايخ.

وعملياً لا يوجد بين أعضاء الوفد من هو في مقام وزير، مع العلم بأن رئاسة الوفد السوري سيكون وزير الخارجية أسعد الشيباني مكلفاً بها.

وفد متواضع لا رئيس له

ليس هذا فحسب، بل إن الوفد الإسرائيلي سيكون بلا رئيس. فقد وزّع نتنياهو المسؤوليات بين الأعضاء، ليكون كل واحد منهم رئيساً في مجاله: ليتر يتولى الموضوع السياسي والتواصل مع الأميركيين، وغوفمان الموضوع الأمني، ورايخ الموضوع الاستراتيجي. وسيتولى رعاية المحادثات المبعوث الأميركيّ إلى سوريا، توماس برّاك، الذي يشغل منصب سفير بلاده في أنقرة، ومبعوثاً شخصياً لترمب في سوريا، ويُعدّ شخصية غير مهضومة في إسرائيل.

وجاء في تقرير لـ«القناة 12»، ليلة الأحد – الاثنين، أن هذه المحادثات نتاج ممارسة الرئيس ترمب ضغوطاً على إسرائيل وسوريا، «للتوصل إلى اتفاق من شأنه أن يؤدي إلى استقرار الوضع الأمني ​​على الحدود، وهو ما قد يمثّل خطوة أولى نحو تطبيع العلاقات بين البلدين مستقبلاً».

وعَدّ مصدر وصفه التقرير بـ«المطّلع»، استئناف المحادثات «نتيجة مباشرة» لاجتماع الرئيس ترمب ونتنياهو، الاثنين الماضي، في منتجع مارالاغو في فلوريدا. وحسب المصدر نفسه، «طلب ترمب من نتنياهو استئناف المحادثات، وإجراء مفاوضات جادّة، للتوصل إلى اتفاق في أقرب وقت».

وفي الصّدد ذاته، نقل التقرير عن مسؤول إسرائيليّ رفيع، أن نتنياهو «وافق، لكنه شدّد على ضرورة التزام أي اتفاق بالخطوط الحمراء الإسرائيليّة»، وهي جعل المنطقة الممتدة من دمشق جنوباً منزوعة السلاح بالكامل، وإبقاء مسار مفتوح بين إسرائيل والدروز في السويداء يبلغ طوله 100 كيلومتر، لتزويدها بالمساعدات الإغاثية والبقاء في مواقع حيوية لأمن إسرائيل، مثل قمم جبل الشيخ والمواقع العسكرية.

وأضاف نتنياهو مطلباً جديداً، هو منحها دوراً في حماية المسيحيين في سوريا. وكان قد صرح أمام ترمب، بأن «إسرائيل تأخذ على عاتقها حماية المسيحيين في سوريا والشرق الأوسط برمته وحتى في نيجيريا».

وقد أثار هذا التصريح سخرية الكثير من المسيحيين الفلسطينيين الذين نشروا فيديوهات تظهر كيف تضطهد إسرائيل المسيحيين في أقدس مقدساتهم في بيت لحم والقدس والضفة الغربية وداخل إسرائيل، وكيف قصفت طائراتها ثلاث كنائس في غزة، وكيف يعتدي المستوطنون اليهود على الراهبات والكهنة، لدرجة دفعهم إلى السقوط على الأرض.

احتمال اغتيال الشرع

وصرّح البروفسور إيال زيسر، الذي يُعدّ من أبرز العقائديين في اليمين، بأن الحكومة الإسرائيلية تتصرف في الموضوع السوري بشكل مخالف للمنطق وخالٍ من الرؤية الاستراتيجية، بل ينطوي على أطروحات استفزازية مثل تصريحات الوزير عميحاي شيكلي، الذي اقترح في اجتماع الحكومة الإسرائيلية اغتيال الرئيس أحمد الشرع.

وقال زيسر إن إسرائيل لا تريد اتفاقاً مع سوريا وتريد الاكتفاء بأنشطة الجيش الإسرائيلي الذي يقوم بقصف مواقع داخل سوريا لفرض الهدوء، وهذا خطأ استراتيجي فاحش. وعدّ زيسر المطالب الإسرائيلية تعجيزية، وقال: «لا يمكن لأي حكم يحترم نفسه في دمشق أن يقبل بالشروط الإسرائيلية. ولا بد أن يتدخل الأميركيون لطرح حلول».

الجدير ذكره أن الجيش الإسرائيلي يتخذ موقفاً متشدداً من موضوع البقاء في سوريا، ويصر على ضرورة الاحتفاظ باحتلاله الجديد الذي تم بعد سقوط نظام الأسد. وحسب موقع «واللا» العبري، فإن مداولات عديدة أُجريت في قيادة الجيش برئاسة وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، في الموضوع السوري طُرحت فيها تقديرات بأن إيران تعمل مع عناصر إرهابية في المنطقة على اغتيال الرئيس الشرع.

وقال التقرير إن هذه التقديرات جاءت بعد تحليل معلومات استخبارية عديدة وصلت إلى الجيش واستخباراته، أكدت أن الشرع نفسه على علم بهذه المعلومات، ولذلك فهو مشغول بحماية نفسه، ولن يستطيع القيام بالإجراءات اللازمة للحفاظ على الأمن في الحدود مع إسرائيل.

وهذا يستدعي إجراءات إسرائيلية خاصة في هذه الحدود، أهمها التمسك بعقيدته الجديدة المؤلفة من إقامة ثلاث دوائر أمنية: إنشاء مناطق أمنية عازلة جنوب غربي دمشق، وفرض حظر جوي على الطائرات السورية في المناطق القريبة من الحدود، مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية من أراضٍ سورية كانت قد دخلتها مؤخراً، مع الاحتفاظ بوجود استراتيجي في مواقع محددة، مثل جبل الشيخ، وحزام أمني على طول الحدود بعمق 3-5 كيلومترات، وحشد مكثف للقوات داخل الحدود الإسرائيلية، أي في منطقة الجولان المحتلة منذ عام 1967.

——————–

 مصدر حكومي سوري: المباحثات مع إسرائيل تتركز على إعادة تفعيل اتفاق 1974

2026.01.05

أكد مصدر حكومي سوري، اليوم الإثنين، مشاركة الجمهورية العربية السورية في جولة مفاوضات جديدة مع الجانب الإسرائيلي، وذلك بتنسيق ووساطة من الولايات المتحدة الأميركية.

وأشار المصدر لوكالة الأنباء السورية (سانا)، إلى أن الوفد السوري يرأسه وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، ورئيس إدارة المخابرات العامة حسين السلامة.

ولفت المصدر إلى أن استئناف هذه المفاوضات “يأتي تأكيداً على التزام سوريا الثابت باستعادة الحقوق الوطنية غير القابلة للتفاوض”. كما أوضح أن المباحثات “تتركز بشكل أساسي على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط الثامن من ديسمبر 2024”.

وأكد المصدر أن ذلك سيتم “ضمن إطار اتفاقية أمنية متكافئة تضع السيادة السورية الكاملة فوق كل اعتبار، وتضمن منع أي شكل من أشكال التدخل في الشؤون الداخلية السورية”.

إعلام عبري: المحادثات ليست انفراجة سياسية

سبق أن أكد إعلام عبري استئناف المحادثات بين سوريا وإسرائيل في العاصمة الفرنسية باريس وذلك بعد توقف استمر نحو شهرين.

وأشارت صحيفة “معاريف” العبرية إلى أن الوفد الإسرائيلي سيحضر بتشكيلة محدثة، برئاسة سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، يحيئيل ليتر، وبمشاركة السكرتير العسكري لرئيس الوزراء، اللواء رومان جوفمان، وممثلين رفيعي المستوى من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

من جانبها، شددت مصادر سياسية إسرائيلية على أن المحادثات “تأتي في إطار مراعاة المصالح الأمنية لإسرائيل”، وأن الهدف منها “تحقيق الاستقرار وخفض المخاطر، وليس تحقيق انفراجة دبلوماسية”.

وأوضحت أن استئناف الحوار لا يعني تغييراً في طبيعة العلاقات مع دمشق، بل هو جزء من جهود “إدارة الوضع الأمني المعقد في الشمال”.

وقالت الصحيفة إن هذه المحادثات تُعد الجولة الخامسة من سلسلة التفاوض بين الجانبين، والأولى منذ تعثرها أواخر العام الماضي.

———————————

الشيباني يترأس وفدا سوريا لمفاوضة إسرائيل بتنسيق أميركي

قالت وكالة الأنباء السورية، اليوم الاثنين، إن وفدا برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني يشارك في جولة مفاوضات مع إسرائيل بتنسيق أميركي.

وأوضحت الوكالة أن رئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة يشارك في المفاوضات التي تجري بوساطة وتنسيق أميركيين.

وبيّنت أن المباحثات ستكون ضمن إطار اتفاقية أمنية متكافئة تضع السيادة السورية الكاملة فوق كل اعتبار.

ونقلت الوكالة السورية عن مصدر حكومي قوله، إن استئناف المفاوضات يأتي تأكيدا على التزام سوريا الثابت باستعادة الحقوق الوطنية غير القابلة للتفاوض.

وأضاف المصدر أن المباحثات تتركز بشكل أساسي على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط الثامن من ديسمبر 2024، ضمن إطار اتفاقية أمنية متكافئة تضع السيادة السورية الكاملة فوق كل اعتبار، وتضمن منع أي شكل من أشكال التدخل في الشؤون الداخلية السورية.

ونقل موقع أكسيوس عن مسؤول إسرائيلي ومصدر آخر مطلع، أمس الأحد، أن مسؤولين سوريين وإسرائيليين رفيعي المستوى سيعقدون الاثنين اجتماعا في العاصمة الفرنسية باريس لاستئناف المفاوضات بشأن التوصل إلى اتفاق أمني جديد بين الجانبين.

ضغوط أميركية

وحسب الموقع، تأتي هذه الجولة في إطار ضغوط تمارسها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على كل من إسرائيل وسوريا، بهدف التوصل إلى تفاهم من شأنه تثبيت الوضع الأمني على الحدود بينهما.

ويقود هذه الجهود المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، الذي سيتولى دور الوسيط في الجولة الجديدة من المحادثات، التي يُتوقع أن تمتد يومين.

وأوضح أكسيوس أن استئناف المفاوضات جاء بطلب مباشر من ترامب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال لقائهما الأسبوع الماضي في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا.

ونقل الموقع عن مسؤول إسرائيلي أن نتنياهو وافق على استئناف المحادثات، مع التأكيد على أن أي اتفاق يجب أن يراعي “الخطوط الحمراء” الإسرائيلية.

إعلان

من جهته، أكد نتنياهو أن من مصلحة إسرائيل إقامة حدود آمنة ومستقرة مع سوريا، وضمان حماية الأقلية الدرزية داخل الأراضي السورية.

ومنذ الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، صعّدت إسرائيل من عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، حيث سيطرت على المنطقة العازلة، وأكملت بسط نفوذها على قمة جبل الشيخ، إلى جانب توسيع نطاق تحركاتها العسكرية في القنيطرة وريف دمشق.

المصدر: الجزيرة + الصحافة السورية

———————————

 تعزيزات أمنية سورية تدخل قرية الشعاب بعد قصف أردني

السويداء – فراس الحلبي

الاثنين 2026/01/05

أرسلت السلطات الأمنية التابعة للحكومة السورية خلال الأيام الماضية، تعزيزات أمنية إلى قرية الشعاب في ريف السويداء الجنوبي الشرقي، وثبّتت نقاطاً لها داخل القرية، استجابةً لمناشدات الأهالي عقب تعرّضها لسلسلة غارات جوية أردنية أواخر العام المنصرم استهدفت منازلاً ومرافق حيوية، في دلالة واضحة على تشابك الملفين الأمني والسياسي على الحدود السورية الأردنية.

ترحيب الأهالي

القوات التي دخلت القرية تتبع لمديرية حماد الشام التابعة لمديرية أمن البادية ضمن إدارة الأمن الداخلي، وهي وحدات متخصصة في مكافحة تهريب المخدرات وتعقب نشاط تنظيم داعش في البادية السورية. ووفق مصادر محلية لـِ “المدن”، دخل رتل عسكري يوم الجمعة، سبقه آخر يوم الأربعاء، حيث استُقبلت القوات بترحيب من الأهالي الذين طالبوا باستعادة الحد الأدنى من الاستقرار بعد سنوات من تحوّل منطقتهم إلى ساحة صراع مفتوح بين شبكات التهريب والقوات المسلحة الأردنية.

وتُعد قرية الشعاب واحدة من أبر ز العُقد المفصلية في شبكات التهريب جنوب سوريا، بحكم موقعها الجغرافي القريب من الحدود الأردنية، وارتباطها بشبكة طرق ترابية واسعة تصلها بالبادية السورية وريف دمشق والقلمون الشرقي من جهة، وبمحافظة السويداء من جهة أخرى، ما جعلها نقطة ارتكاز مركزية في خطوط التهريب العابرة للحدود.

يقطن القرية بضعة آلاف من أبناء عشائر البدو، وبجوارها تجمعان سكنيان صغيران: فزران وأم شامة. تتبع هذه القرى إدارياً لمنطقة صلخد في محافظة السويداء. وتنحدر غالبية سكانها من عشائر الرمثان والسعيد والشويعر، وبرز من بينهم عدد من كبار مهربي المخدرات والسلاح المدعومين سابقاً من “حزب الله” ونظام الأسد البائد، وعلى رأسهم مرعي الرمثان الذي قُتل في أول غارة جوية ينفذها الطيران الأردني داخل الأراضي السورية عام 2023.

فرار مهربين

وقبيل نهاية العام الماضي، شنّ الجيش الأردني سلسلة غارات جوية استهدفت مستودعات تخزين ومسارات تهريب في قرى الكفر والغارية وأم الرمان وملح داخل محافظة السويداء، إضافة إلى ضربات مباشرة على قرية الشعاب أدت إلى تدمير عدة بيوت لمهربي مخدرات، إضافة إلى انقطاع الكهرباء وتدمير بئر المياه الرئيسي، وفق ما أكده حمد الرمثان، وجيه عشائري من أبناء المنطقة للمدن.

كما تسببت هذه الضربات بفرار عدد من كبار المهربين من قريتي الشعاب وأم شامة نحو منطقتي الحماد والحرة في عمق البادية السورية وفق مصادر خاصة بالمدن، بعد اندلاع خلافات حادة بينهم وبين سكان محليين حمّلوهم مسؤولية استهداف المنطقة. وبعد أيام، دخلت القوات الأمنية السورية القرية، في خطوة هامة لإعادة الإمساك بأحد أهم مفاتيح الملف الحدودي.

غير أن هذا التطور لا يُنهِ التعقيدات القائمة، إذ جرى دخول القوات عبر ريف دمشق ومن خلال طرق صحراوية تمتد لأكثر من 100 كيلومتر، دون المرور بمحافظة السويداء التي تخضع حالياً لسيطرة الحرس الوطني التابع للشيخ حكمت الهجري، ما يعكس تعدد مراكز النفوذ قرب الحدود السورية الأردنية، وهي مسألة تعرقل أي معالجة شاملة للملف.

إعادة تأهيل

كما أن مهمة مكافحة التهريب تبقى شديدة التعقيد، فالحدود السورية الأردنية تمتد على نحو ٣٧٥ كيلو متراً من درعا حتى بادية حمص، معظمها مناطق مفتوحة ومترامية الأطراف يصعب ضبطها، في وقت لا تسيطر فيه السلطات السورية على كامل هذه المناطق، ولا سيما في محافظة السويداء. وتبرز حاجة ماسة إلى إعادة تأهيل المخافر الحدودية السورية على طول المناطق الحدودية، ونشر قوات للهجانة وحرس الحدود للحد من عمليات التهريب، في وقت تواجه فيه دمشق تحدّيات كبيرة في إعادة توحيد البلاد جنوباً وفي الشمال الشرقي.

ومع تغيّر تكتيكات العصابات، بما فيها استخدام البالونات المحمّلة بالمخدرات، يبدو أن دمشق تُظهر انخراطاً جدّياً في الجهود الإقليمية، وهو ما تعكسه بيانات وزارة الداخلية السورية حول ملاحقة الشبكات وضبط الشحنات، وآخرها عملية القبض على عماد أبو زريق في محافظة درعا، أحد أبرز المتورطين في تجارة المخدرات والمعاقب على اللوائح الأمريكية والأوروبية.

أما داخل محافظة السويداء، لا يُظهر الحرس الوطني -سلطة الأمر الواقع في المنطقة- أي نشاط واضح في مكافحة شبكات تهريب المخدرات، ولا تزال المناطق الخاضعة لسيطرته تتعرض للاستهداف المتكرر من الجانب الأردني نتيجة الاشتباه بمحاولات تهريب عبرها. خلال اليومين الماضيين شهدت قريتا المغير وخربة عواد الملاصقتين للحدود عمليات تمشيط من جانب حرس الحدود الأردني بعد الاشتباه بمحاولات تسلل، ما أدى إلى أضرار مادية في بعض منازل المدنيين.

ويبدو أن التصعيد الجوي الأردني داخل الأراضي السورية لم يكن مجرد إجراء أمني، بل حمل رسائلاً سياسية مباشرة للتأكيد على أمن حدودها، واستجابت لها دمشق ضمن المناطق التي تستطيع الوصول لها من خلال التمركز وتثبيت نقاط في قرية الشعاب، ليبقى المشهد مفتوحاً على سيناريوهات عديدة في المناطق التي تمنع الظروف السياسية دمشق من الوصول إليها داخل محافظة السويداء الخاضعة لسيطرة الحرس الوطني، ما قد يبقي الضربات الأردنية مستمرة ضمن هذه المناطق.

———————

==================

تحديث 04 كانون الثاني 2026

———————————

كيف تتحول دمشق إلى ورقة تفاوض بين تل أبيب وأنقرة؟/ حسين عمر

دمشق بين “السلام الوظيفي” والنفوذ البنيوي: صراع إسرائيل وتركيا

2026-01-04

إن التحولات الدراماتيكية التي تعصف بالجغرافيا السورية اليوم لا يمكن قراءتها بمعزل عن صراع الإرادات الإقليمية الذي يسعى لإعادة تعريف الوظيفة السياسية للدولة السورية في مرحلة ما بعد الانهيار. نحن لسنا أمام مجرد تبديل في الوجوه الحاكمة أو سقوط نظام تقليدي، بل نحن أمام عملية “تفكيك وإعادة تركيب” تتجاوز الحدود السورية لتطال توازنات القوى في المشرق العربي برمته. وفي هذا المشهد الجيوسياسي المعقد، تبرز دمشق اليوم كساحة لتصفية الحسابات ورسم خرائط النفوذ بين قوى إقليمية متنافسة، حيث تسعى إسرائيل من جهة إلى تحويل العاصمة السورية إلى دولة عازلة منزوعة الأنياب، بينما تحاول تركيا من جهة أخرى تثبيت أرجلها كلاعب لا يمكن تجاوزه، مستخدمة في ذلك أوراقاً عسكرية وفكرية شديدة الحساسية، وعلى رأسها تنظيمات راديكالية أثبتت قدرتها على خلط الأوراق في اللحظات الحاسمة.

لقد اعتمدت إسرائيل، عبر سنوات على استراتيجية المعركة بين الحروب، على تجريف الوجود العسكري الإيراني و”حزب الله”، ممهدة الطريق لهذا الانهيار البنيوي. لكن الرهان الإسرائيلي لم يكن يوماً على ديموقراطية سوريا، بل على الوصول إلى لحظة الفراغ الاستراتيجي التي تسمح بفرض شروط أمنية قاسية على أي سلطة جديدة. وهنا يبرز الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وحكومته كطرف تراه تل أبيب “عدواً مثالياً” في هذه المرحلة؛ عدو يفتقر للقوى العسكرية والشرعية الدولية ويعاني من إنهاك داخلي وصراعات مجتمعية، مما يجعله قابلاً للابتزاز السياسي مقابل البقاء.

إن ما تسعى إليه إسرائيل هو دفع السلطة الجديدة نحو توقيع “اتفاق أمني” هو في جوهره وثيقة استسلام سيادية، تتضمن ترسيم الحدود بما يشرعن الاحتلال في الجولان، ويفك الارتباط نهائياً بالقضية الفلسطينية، ويحول دمشق من عاصمة للموقف إلى مجرد “حارس حدود” تحت الرقابة الدولية والإسرائيلية.

بيد أن هذا المسار الإسرائيلي يصطدم مباشرة بالمشروع التركي الذي يمتلك أدوات مختلفة ورؤية مغايرة لإدارة الأزمة السورية. فخلافاً لبعض القراءات السطحية التي تصور أنقرة في حالة قلق من وجود تنظيمات راديكالية على حدودها، فإن الواقع الميداني والسياسي يثبت أن تركيا نجحت في تحويل هذه التنظيمات، بدءاً من هيئة تحرير الشام وصولاً إلى فصائل “العمشات والحمزات”، إلى أذرع وظيفية تخدم مصالحها القومية. بالنسبة لصانع القرار التركي، فإن هذه القوى ليست تهديداً، بل هي خزان بشري وقوة ضاربة تمنح أنقرة مقعداً دائماً على طاولة التفاوض حول مستقبل سوريا. إن الرعاية التركية لهذه الفصائل تهدف إلى خلق واقع الارتباط العضوي بين الشمال السوري والعمق التركي، مما يجعل أي تسوية سياسية في دمشق تمر حتماً عبر بوابة أنقرة.

وهنا يتبلور صراع النفوذ الحقيقي بين إسرائيل وتركيا؛ صراع لا يدور حول “محاربة الإرهاب”، بل حول من يمتلك الكلمة الفصل في دمشق. تدرك تركيا جيداً أن تسرع حكومة الشرع في قبول الإملاءات الإسرائيلية أو الانخراط في تفاهمات أمنية مباشرة مع تل أبيب سيعني تجريد أنقرة من أهم أوراقها الاستراتيجية. فإذا ما نجحت إسرائيل في سحب دمشق إلى مدارها الأمني الخاص، فإن تركيا ستفقد ورقة النظام السوري البديل الذي كانت تخطط لصياغته وفق معاييرها. لذا، فإن الضغوط التركية الحالية على قيادة “هيئة تحرير الشام” تتسم بالصرامة لمنع أي هرولة نحو اتفاقات أمنية مع الجانب الإسرائيلي، لأن ذلك سيؤدي إلى تآكل النفوذ التركي وتحويل دمشق إلى منطقة نفوذ إسرائيلية-غربية خالصة، مما يهدد المصالح التركية الحيوية من حلب إلى دمشق.

إن ما يجري خلف الكواليس هو شد حبال جيوسياسي بامتياز؛ فإسرائيل تريد “سلاماً وظيفياً” يعزل دمشق عن محيطها العربي والإقليمي (المقاوم)، بينما تريد تركيا “نفوذاً بنيوياً” يجعل من دمشق امتداداً لمجالها الحيوي. وفي ظل هذا الكباش، تبدو السلطة الجديدة في دمشق وكأنها تتحرك في حقل ألغام، حيث تحاول موازنة رغبتها في نيل الشرعية الدولية غير المشروطة، الذي قد توفره البوابة الإسرائيلية، وبين حاجتها للغطاء اللوجستي والعسكري الذي يمكن لأنقرة توفيره. إن خطورة هذه اللحظة تكمن في أن السيادة السورية تضيع بين هذه المحاور، حيث يتم تحويل الدولة من فاعل تاريخي في المنطقة إلى مجرد مساحة جغرافية للتفاوض والمقايضة بين قوى إقليمية ترى في الجسد السوري المنهك فرصة لتحسين شروط تموضعها في النظام العالمي الجديد.

علاوة على ذلك، فإن توظيف الفصائل الراديكالية في هذا الصراع يضفي عليه طابعاً شديد الخطورة؛ فهذه التنظيمات التي باتت تتحكم في مفاصل العاصمة، تجد نفسها اليوم أمام اختبار التحول من الميليشيا إلى الدولة. لكن هذا التحول ليس قراراً ذاتياً بقدر ما هو نتيجة لضغوط الممولين والمشرفين الإقليميين. إن تركيا، بتثبيتها لقوى مثل العمشات والحمزات كفرق عسكرية داخل الجسم العسكري لدمشق ذات قوة نفوذ، تفرض على دمشق نموذجاً من الاستقرار الهش الذي يخدم استراتيجيتها الطويلة الأمد في منع حصول الأكراد على حقوقهم المشروعة من جهة، وضمان تبعية المركز السوري لها من جهة أخرى. وفي المقابل، فإن أي اختراق إسرائيلي لهذا الجدار التركي سيعني إعادة خلط الأوراق ميدانياً، وربما الدخول في مرحلة جديدة من المواجهات بالوكالة فوق الأرض السورية.

ختاماً، يمكن القول إن سوريا اليوم تقف أمام تحدٍ وجودي يهدد ما تبقى من هويتها الوطنية الجامعة. إن تحويل دمشق من “قلب العروبة النابض” إلى “وكيل قلق” يتنازعه نفوذ تل أبيب وطموحات أنقرة هو المأساة الحقيقية لهذا العصر. إن “السلام” الذي يُبشر به البعض عبر اتفاقات أمنية مذلة أو عبر رعاية إقليمية مشروطة هو سلام زائف، لا يهدف لإعمار البلاد أو تضميد جراح العباد، بقدر ما يهدف لتقنين الارتهان للخارج. إن استعادة سوريا لقرارها الوطني المستقل تتطلب إعادة النظر في أسس بناء الدولة الحديثة ووعياً يتجاوز الانقسامات الطائفية والمذهبية والقومية والارتباطات الخارجية، وهو وعي يبدو بعيد المنال في ظل هندسة السقوط التي تُمارس بإتقان على مسرح العمليات السوري، حيث تظل الكلمة العليا لقوى الفصائلية الدينية الراديكالية والمال والتبعية الخارجية، بانتظار لحظة تاريخية تعيد للشعوب حقها في تقرير مصيرها بعيداً عن أوهام “السلام الوظيفي” أو “الوكالة القلقة”.

*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+

+963

———————————

 أرض الصومال بين الاستراتيجية الإسرائيلية والتحالف العربي التركي/ عدي محمد الضاهر

2026.01.04

يشهد القرن الإفريقي والبحر الأحمر في السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في التنافس الجيوسياسي بين قوى إقليمية ودولية، في ظل تحولات عميقة في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. ويبرز في هذا السياق الحديث المتزايد عن سعي إسرائيل إلى تطوير علاقات رسمية مع  أرض الصومال (صوماليلاند) وصولًا إلى  الاعتراف بها ككيان مستقل، وهو ما لا يمكن فهمه بمعزل عن الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب والبحر الأحمر، ولا عن شبكة التحالفات والصراعات التي تشمل مصر والسعودية وتركيا ودولًا عربية أخرى. هذا المسار يفتح الباب أمام تقاطعات مصالح جديدة، كما يثير مخاوف حقيقية من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بطريقة قد تضر بالأمن القومي العربي والتركي على حد سواء.

الرؤية الاستراتيجية للكيان الإسرائيلي

تنطلق الرؤية الإسرائيلية تجاه القرن الإفريقي من إدراك عميق لأهمية مضيق باب المندب، وهو الممر البحري الاستراتيجي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتمر عبره نسبة معتبرة من التجارة العالمية، بما في ذلك جزء كبير من صادرات الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. السيطرة المباشرة أو غير المباشرة على هذا المضيق تمنح أي قوة نفوذًا اقتصاديًا وأمنيًا بالغ التأثير، وهو ما يفسر اهتمام إسرائيل المتزايد بالتموضع في الضفة الإفريقية للبحر الأحمر، سواء عبر علاقات مع إريتريا في مراحل سابقة، أو من خلال السعي إلى بناء شراكات جديدة مع “أرض الصومال” .

في هذا الإطار، يمكن فهم الرغبة الإسرائيلية في الاعتراف بأرض الصومال كخطوة تتجاوز البعد الدبلوماسي الرمزي، لتصل إلى أهداف استراتيجية أعمق، من بينها احتمال إنشاء قواعد عسكرية أو لوجستية، أو الحصول على تسهيلات أمنية تسمح لإسرائيل بلعب دور مباشر في مراقبة الملاحة الدولية، وربما تنفيذ عمليات عسكرية محدودة، سواء ضد جماعة الحوثي في اليمن أو ضمن استراتيجية أوسع لفرض توازن ردع جديد في البحر الأحمر. هذا السيناريو، إن تحقق، سيشكل تحولًا نوعيًا في معادلات الأمن الإقليمي.

المصالح العربية

مثل هذا التمدد الإسرائيلي لا يمكن إلا أن يثير قلق مصر والسعودية بشكل خاص. فمصر تنظر إلى البحر الأحمر وباب المندب باعتبارهما امتدادًا مباشرًا لأمن قناة السويس، التي تمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد المصري ومكانة الدولة الجيوسياسية. أي وجود عسكري إسرائيلي مؤثر قرب المضيق قد يحدّ من هامش الحركة المصرية، ويضع القاهرة أمام واقع استراتيجي جديد تُفرض فيه معادلات أمنية خارج إرادتها. أما السعودية، التي تمتد سواحلها الطويلة على البحر الأحمر، فترى في أي اختراق إسرائيلي لهذه المنطقة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، خصوصًا في ظل استمرار التوتر مع الحوثيين، وعدم استقرار الساحة اليمنية.

في الوقت نفسه، يتقاطع هذا الملف مع تعقيدات المشهد اليمني، حيث يظهر التباين بين السعودية والإمارات حول مستقبل اليمن ووحدته السياسية. فالدعم الإماراتي الواضح لقوى انفصالية في الجنوب، والسعي إلى ترسيخ نفوذ دائم في الموانئ والجزر اليمنية، يعكس رغبة في ضمان وصول مباشر ومستقل إلى باب المندب. هذا التنافس الخليجي، وإن كان محكومًا بسقف معين، يخلق فراغات سياسية وأمنية يمكن لقوى خارجية، وعلى رأسها إسرائيل، أن تنفذ منها لتعزيز حضورها الإقليمي.

الرؤية التركية للمشهد

على الضفة الأخرى من المشهد، تبرز تركيا كفاعل إقليمي لا يمكن تجاهله. فأنقرة تمتلك رؤية استراتيجية متكاملة تجاه البحر الأحمر والقرن الإفريقي، تجلت في استثماراتها الاقتصادية والعسكرية في الصومال، وفي اهتمامها المتزايد بتأمين خطوط التجارة والطاقة. ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة إسرائيلية لتطويق تركيا عبر تحالفات في شرق المتوسط من جهة، والبحر الأحمر من جهة أخرى، تمثل تحديًا مباشرًا للمصالح التركية.

هنا تحديدًا تتقاطع مصالح تركيا مع مصالح مصر والسعودية وعدد من الدول العربية. فإسرائيل، عبر دعمها لتحالفات شرق المتوسط مثل التي تضم اليونان وقبرص ومصر، تسعى إلى تقليص النفوذ التركي في المتوسط أو تطبيق حصار بفواعل جدد وتحويل أنقرة إلى لاعب محاصر جغرافيًا. وفي المقابل، فإن أي تمدد إسرائيلي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي سيؤدي إلى خلق ضغوط إضافية على مصر والسعودية وتركيا ، ما يفتح المجال أمام إعادة تقييم التحالفات الإقليمية القائمة.

فرصة تحالف عربي تركي طويل الأمد

هذا الواقع يتيح فرصة تاريخية لتقارب عربي تركي أعمق، قائم على تبادل المصالح لا على المجاملات السياسية. فمصر وتركيا، رغم خلافاتهما السابقة، تتشاركان مصلحة واضحة في منع عسكرة البحر الأحمر من قبل أطراف خارج الإقليم وتضر بمصالحهما، مع الحفاظ على أمن الممرات البحرية الحيوية. كما أن السعودية وتركيا يمكن أن تجدا أرضية مشتركة بشكل مباشر في مواجهة محاولات تطويق نفوذهما الإقليمي، سواء عبر شرق المتوسط أو القرن الأفريقي.

غير أن هذا التقارب المحتمل لا يخلو من تحديات، أبرزها محاولات إسرائيل الدائمة لتمزيق أي مسار تقاربي عربي تركي عبر تأجيج الخلافات الداخلية، أو استغلال ملفات حساسة تتعلق بالإعلام، أو الحركات السياسية، أو حتى عبر أنشطة استخبارية تهدف إلى زرع الشك وعدم الثقة بين الأطراف. التاريخ القريب يظهر أن إسرائيل تعتمد بشكل كبير على العمل غير المباشر لإضعاف خصومها، بدل المواجهة الصريحة.

لذلك، فإن أي تحالف إقليمي عربي تركي قادم يجب أن يكون قائمًا على أسس مؤسساتية واضحة، وآليات تنسيق أمني وسياسي حقيقية، تمنع الاختراق الخارجي، وتحدّ من تأثير الحملات الإعلامية الموجهة. كما ينبغي أن يُبنى هذا التحالف على إدراك مشترك بأن أمن البحر الأحمر وباب المندب هو أمن جماعي، لا يمكن تركه رهينة لمشاريع انفصالية أو صراعات داخلية تُدار من الخارج.

ويتعزز هذا التحليل بما ورد في دراسات صادرة عن المعهد الإسرائيلي للدراسات الأمنية (INSS)، الذي يُعد أحد أبرز مراكز التفكير المرتبطة بالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية. فوفقًا لدراسة بعنوان «إسرائيل في البحر الأحمر: أبعاد استراتيجية متجددة»، يؤكد باحثو المعهد أن البحر الأحمر لم يعد ساحة ثانوية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، بل أصبح مجالًا حيويًا لحماية المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد، وعلى رأسها ضمان حرية الملاحة، وتأمين خطوط التجارة، ومنع تموضع قوى معادية أو منافسة قرب الممرات البحرية الحساسة. وتشير الدراسة إلى أن إسرائيل ترى في الضفة الإفريقية للبحر الأحمر، وفي الكيانات غير المستقرة سياسيًا، فرصًا لبناء ترتيبات أمنية مرنة، سواء عبر شراكات غير تقليدية أو حضور لوجستي وعسكري منخفض الكلفة، بما يسمح لها بالتأثير في التوازنات الإقليمية دون الانخراط في مواجهات مباشرة. كما تحذّر الدراسة من أن تجاهل هذه الساحة قد يعرّض إسرائيل لخسائر استراتيجية في حال سيطرت أطراف معادية على مفاتيح الملاحة في باب المندب، وهو ما يفسّر السعي الإسرائيلي المتزايد لتوسيع هامش حركتها في القرن الإفريقي

في الختام ، يعكس السعي الإسرائيلي نحو الاعتراف بأرض الصومال وبناء نفوذ في القرن الإفريقي جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط والبحر الأحمر. هذه الخطوات تشكل تهديدًا مباشرًا لمصالح مصر والسعودية، كما تمثل تحديًا استراتيجيًا لتركيا. وفي المقابل، تفتح هذه التطورات نافذة حقيقية أمام تقارب عربي تركي قد يتحول، إذا أُحسن استثماره، إلى تحالف إقليمي قوي قادر على حماية المصالح المشتركة ومنع تفتيت المنطقة. غير أن نجاح هذا المسار يبقى مشروطًا بوعي سياسي عميق، واستعداد حقيقي لمواجهة محاولات الاختراق الإسرائيلية، وبناء شراكة قائمة على المصالح المتبادلة لا على ردود الفعل الآنية.

تلفزيون سوريا

—————————

==================

تحديث 02 كانون الثاني 2026

———————————

إسرائيل واستراتيجية إدارة الصراع عبر التفكيك/ بشار نرش

02 يناير 2026

لم تعد الصراعات في المنطقة تُدار بالمنطق الكلاسيكي للحروب فقط، التي تنتهي عادةً بانتصار أو هزيمة واضحة، بل باتت تُخاض وفق استراتيجيات أكثر تعقيداً، تقوم على إطالة أمد النزاعات، وتفكيك الدول من الداخل وإبقائها في حالة هشاشة دائمة. ومن يقرأ سلوك إسرائيل خلال العقد الأخير، يدرك هذا الأمر، فسلوكها في المنطقة يقوم على مقاربة عميقة تُبنى على استراتيجية إدارة الصراع عبر التفكيك، أو ما يُعرف باستراتيجية “الطوق المتشظي”، التي تقوم في جوهرها على فرضية بسيطة، لكنها خطيرة، مفادها بأنّ “أمن الدولة في بيئة نزاع معقّدة لا يتحقق بإغلاق الجبهات، بل بتحويلها إلى جزر تهديد منفصلة ومتباعدة تكتيكياً ومتنافرة استراتيجياً بحيث لا تتكامل فيما بينها لتشكيل طوق حصار أو تهديد مركب”. هذه المقاربة، التي تتقاطع مع مفاهيم “الحروب الرمادية” و”النزاعات منخفضة الشدة”، تسمح لإسرائيل بالحفاظ على تفوقها الاستراتيجي من دون دفع كلفة الحروب الكبرى، وتمنحها قدرة على التدخل أو الانسحاب وفق مقتضيات اللحظة.

في هذا السياق، يُمثل اعتراف إسرائيل بأرض الصومال دولة مستقلة ذات سيادة، خطوة في استراتيجيتها التي تقوم على تشجيع النزاعات الانفصالية ومناطق التمرّد، ليس بوصفها حلولاً لأزماتٍ داخلية، بل أدواتٍ لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية، وتفريغ الدول من مضمونها السيادي، بما يضمن بقاء الإقليم في حالة انقسام مزمن قابلة للإدارة والتحكّم، بدل مواجهة دول متماسكة ذات قرار سياسي مستقل.

وفي هذا الإطار، لا يبدو الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال حالة استثنائية، بل جزءاً من مسار آخذ في التبلور لدى كيانات سياسية انشقاقية في عدة دول عربية، ولا سيما في ليبيا وسورية والسودان واليمن. وبهذا المعنى، تتحوّل إسرائيل من مجرّد فاعل إقليمي إلى بوابة عبور سياسية لبعض مشاريع التفكيك، حيث يُعاد تعريف العلاقة معها ليس بوصفها قوة احتلال، بل باعتبارها شريكاً قادراً على توفير الغطاء الدولي، أو فتح قنوات الاعتراف، أو تسهيل الاندماج في شبكات النفوذ الإقليمية والدولية. وتُعدّ حالة أرض الصومال المثال الأكثر وضوحاً على تبلور هذا المسار، حيث تلاقت الحاجة الإسرائيلية إلى موطئ قدم استراتيجي في خليج عدن وباب المندب مع تطلعات كيانٍ انفصاليٍّ يبحث عن اعتراف دولي، فنتج من هذا التقاطع اعتراف لا يمكن فصله عن منطق إدارة الصراع عبر التفكيك وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية للمنطقة. وهنا لا يمكن التعامل مع الخطوة الإسرائيلية بوصفها مناورة دبلوماسية معزولة، بل باعتبارها تعبيراً صريحاً عن قناعة إسرائيلية راسخة بأن تفكيك الدول العربية أجدى وأقل كلفةً من مواجهتها وهي متماسكة.

يتكرّر النموذج نفسه بصيغ مختلفة في اليمن، فما يجري في هذا البلد اليوم من تحرّكات عسكرية مشبوهة للمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، في محاولة لإيجاد حالة سودانية في جنوب السعودية وعلى الحدود مع سلطنة عُمان، يؤكّد أنّ هذه التحرّكات تعكس مساراً أعمق لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في المنطقة ككل، لإعادة تعريف الجنوب دولة مستقلة، وهو ما يتشابه مع التجربة الصومالية التي أصبح التقسيم فيها واقعاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً، بعد إعلان إقليم أرض الصومال بسلطة الأمر الواقع انفصاله في بداية التسعينيات، واعتراف دولة الاحتلال به أخيراً. وفي الحالتين، يبرز الكيان الإسرائيلي أبرز المستفيدين من بيئة الانقسام المزمن في البحر الأحمر، فبالنسبة إليه لا يُشكّل جنوب يمني ضعيف أو منفصل تهديداً، بل جزءاً من بيئة بحرية مفككة تحيط بالبحر الأحمر، وتُضعف أي إمكانية لظهور دولة مركزية قادرة على التحكّم بمضيق باب المندب أو فرض معادلات ردع إقليمية، وهكذا يتحوّل الصراع اليمني من حرب داخلية إلى عنصر في معادلة التفكيك الإقليمي الأشمل.

وفي سورية، تتجلّى استراتيجية “الطوق المتشظي” بوضوح أكبر، وفيها تستند إسرائيل إلى عقيدة التفكيك الجغرافي المراقب. فبعد أكثر من عقد ونصف العقد على اندلاع الثورة السورية، تسعى إسرائيل إلى إبقاء البلاد في حالة تفكك جغرافي ووظيفي مضبوطة، بدعم مناطق النفوذ المتعددة والتركيز على منع أي مسار يعيد توحيد الجغرافيا أو بناء مؤسّسة عسكرية وطنية، مع الإبقاء على الجنوب السوري منطقة رخوة منزوعة القدرة، تُدار عبر الضربات الجوية والرسائل الأمنية، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

وفي السودان، يتكرّس التفكيك مساراً مفتوحاً على سيناريوهات أكثر خطورة، فالحرب بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) لم تُنتج منتصراً، لكنها نجحت في تفكيك الدولة وإضعاف مؤسّساتها، وفتح الباب أمام مشاريع كيانية محتملة، ولا سيما في إقليم دارفور، وهو ما يُمثّل فرصة استراتيجية إضافية لإسرائيل التي ترغب في ظهور كيان جديد في خاصرة مصر الجنوبية أو على البحر الأحمر، يساعدها في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وتعميق حالة الانكشاف الأمني العربي.

في المحصلة، لم تعد إسرائيل تواجه العالم العربي ككتلة سياسية أو جغرافية واحدة، بل سلسلة من الأزمات المنفصلة، تُدار كل واحدة على حدة. ومن هنا، ليس التحدي الحقيقي أمام الدول العربية في مواجهة إسرائيل عسكرياً فقط، بل في استعادة فكرة الدولة الوطنية، وبناء مشاريع سياسية جامعة تُنهي قابلية التفكيك. فضعف الدول ليس قدراً، لكنه يتحوّل إلى قدر حين يغيب المشروع، وتتقدّم الانقسامات على حساب الدولة، وتُترك الجغرافيا العربية مفتوحة أمام استراتيجيات التفكيك وإدارة الصراع من الخارج، وهذا ما تعمل عليه إسرائيل، التي تتحرّك ككيان يخطّط لهندسة ما حوله بما يضمن له أن يبقى القوة المهيمنة، بلا منافسين حقيقيين أو مشاريع مضادّة.

العربي الجديد

———————————

السويداء في ظل الانهيار الأمني: موجة نهب ممنهجة تجتاح المؤسسات العامة والخاصة

كانون الثاني 2, 2026

في ظل حالة الفوضى الأمنية المتصاعدة وسيطرة المجموعات المتمردة في محافظة السويداء، تتواصل عمليات نهب وسرقات ممنهجة تستهدف المؤسسات العامة والخاصة والبنية التحتية الحيوية، مما يعمق جراح المجتمع ويفقد المحافظة آخر مقومات الحياة والعمران.

وفي الصدد، تكشف تقارير ميدانية عن مشاهد صادمة لمجموعات متمردة تتحرك تحت مسمى “الحرس الوطني”، وهي تقوم بعمليات تفكيك ونهب منظم شملت مستودعات المحروقات الاستراتيجية في عريقة، حيث سُلب ملايين اللترات من الوقود، ومطحنة أم الزيتون التي أفرغت من آلاف الأطنان من القمح، ومنشأة دواجن القريا التي جردت من قطعانها وأعلافها ومعداتها، كما تعرضت مؤسسة الإنشاءات العسكرية لنهب ضخم لمعداتها الثقيلة ومواد البناء المخزنة فيها.

وتأتي هذه العمليات في إطار حملة سطو منهجي لم تسلم منها حتى مرافق الدولة الخدمية، حيث تمت سرقة كل الأجهزة التقنية من مبنى الهجرة والجوازات، وتعرضت المدينة الرياضية لعملية تفكيك كاملة.

كما لم ينجُ القطاع الخاص، فمعامل مثل عصير الجبل وزنوبيا للسيراميك وسجاد السويداء تعرضت لسرقة خطوط إنتاجها وآلاتها وموادها الأولية، حتى القطاع المالي تم استباحته، مع سطو مسلح على المصرف التجاري في شهبا.

هذا المناخ من انحسار سيطرة القانون وانتشار السلاح غير المنضبط يخلق بيئة خصبة لاستباحة كل شيء، حيث تمتد الأيدي الآثمة إلى عصب الحياة اليومية، فتُسرق كابلات الكهرباء والمحولات من القطاع الكهربائي، وتُنهب كابلات الاتصالات، وتُستهدف غاطسات الآبار وكابلات الضخ في قطاع المياه بشكل متواصل، وخاصة في المناطق الريفية.

جريمة ضد المستقبل

تشكل هذه العمليات جريمة مزدوجة بحق المجتمع والدولة معاً؛ فهي تبدأ بفراغ السلطة وتنتهي بتفكيك كل ما يمكن أن تقوم عليه سلطة أو حياة كريمة، وهذا يؤكد أن السكان يعانون ليس فقط من انعدام الأمن، بل من فقدان مقومات حياتهم الاقتصادية والخدمية الأساسية، وضياع أي أمل في عودة الحياة الطبيعية أو إعادة الإعمار.

ولا تأتي هذه السرقات من فراغ، بل هي جزء من مشهد انهيار شامل تتصاعد وتيرته بشكل خطير، كما تُظهره الجرائم اليومية المنظمة التي تحولت فيها السويداء إلى سوق مفتوح لبيع ممتلكات الشعب العامة والخاصة.

تداعيات كارثية على الوجود والمستقبل

تظهر هذه السرقات المنظمة تداعيات إنسانية واقتصادية عميقة تتجاوز الخسارة المادية المباشرة، إنها تقطع شريان الحياة عن المحافظة وتدمر إمكانية أي نهوض مستقبلي، فمن يفكر في المستقبل بينما تُسرق محولات الكهرباء وتُقطع كابلات المياه وتُدمر خطوط الإنتاج؟ لقد تحولت الخسائر من أرقام إلى واقع مرير يتمثل في ظلام دائم وعطش متواصل وانهيار لكل نشاط اقتصادي.

وهذا الواقع يزيد من اعتماد السكان على المساعدات في وقت تصل فيه تلك المساعدات بصعوبة، مما يخلق أزمة إنسانية حقيقية تهدد الاستقرار الاجتماعي نفسه.

ضرورة تدخل عاجل وحاسم

مشاهد النهب هذه، إلى جانب الدمار الشامل للبنية التحتية، هي صرخة استغاثة مدوية تفضح عمق الانهيار في محافظة السويداء، وهي تؤكد الحاجة الماسة ليس فقط إلى مساعدات إنسانية عاجلة وشفافة، بل إلى استعادة سيطرة الدولة وسلطة القانون بشكل عاجل وفعّال.

إن إنقاذ ما تبقى يتطلب نزع سلاح جميع الميليشيات والتشكيلات المسلحة غير الشرعية، وإقامة آلية قضائية وأمنية مستقلة لمحاسبة الجناة واستعادة الممتلكات المسروقة، ووضع خطة طارئة لحماية المرافق الحيوية المتبقية.

وتؤكد هذه الأحداث أن الوضع في السويداء عند نقطة اللاعودة، وهو يتطلب بسط سيطرة الدولة على كامل المحافظة بوصفها الضامن الوحيد لعودة الاستقرار والأمن للمحافظة، قبل أن تتحول المحافظة بالكامل إلى أرض محروقة ليس فقط بفعل القتال، بل بفعل السرقة المنظمة لكل ذاكرة الحياة والكرامة والإمكانية فيها.

المصدر: الإخبارية

——————————-

الوحدة الدينية بالجيش الإسرائيلي تعود لعملياتها في سوريا

تتولى شؤوناً شرطية وقتالية بالمناطق المحتلة منذ سقوط الأسد

 تل ابيب: «الشرق الأوسط»

1 يناير 2026 م

استبدل الجيش الإسرائيلي قواته العاملة في الجنوب السوري، من الكتيبة «55» إلى كتيبة «الحشمونائيم» الدينية، التي تضم جنوداً من التيار الحريدي المتزمت دينياً.

وقد انتشرت القوة على الحواجز العسكرية والمواقع التسعة التي أقامها الجيش الإسرائيلي في المنطقة التي احتلها في ديسمبر (كانون الأول) من سنة 2024، بعد سقوط نظام بشار الأسد.

وكانت هذه القوات ترابط في المرتفعات السورية المحتلة قبيل الحرب على غزة، لكنها استُدعيت للقيام بمهمات عسكرية في القطاع، ثم في الضفة الغربية. وأعيدت إلى سوريا، ثم نُقلت منها إلى غزة. والآن تمت إعادتها من جديد.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان نشره الخميس، إن هذه الكتيبة التابعة لـ«لواء المشاة» باشرت تنفيذ أنشطة ميدانية بعد خضوعها لسلسلة تدريبات عسكرية، شملت عمليات قتالية وعمليات شرطية (عمليات تفتيش محددة الهدف)، وجمع معلومات استخباراتية، بزعم إزالة التهديدات الأمنية وضمان أمن المدنيين في إسرائيل، وتقصد بهم المستوطنين اليهود في منطقة الجولان المحتلة منذ عام 1967.

وأضاف البيان أن «اللواء» سيواصل العمل في «ساحات مختلفة»، مع التأكيد على توفير الظروف التي تتيح للجنود «الحريديم» الحفاظ على نمط حياتهم الديني في أثناء الخدمة العسكرية.

ويأتي هذا الانتشار بعد أيام من إعلان الجيش الإسرائيلي، في 28 ديسمبر 2025، انتهاء مهام لواء الاحتياط رقم «55» في سوريا، بعد أكثر من 100 يوم من النشاط الميداني المتواصل، مشيراً إلى اختتام مهامه في المنطقة.

و«الحريديم» هم تيار يهودي يعتبر الأكثر تشدداً دينياً داخل المجتمع الإسرائيلي؛ إذ يقوم نمط حياتهم على التزام صارم بتعاليم التوراة، ورفض مظاهر الحداثة الغربية، بما في ذلك الاختلاط الاجتماعي والتكنولوجيا ووسائل الإعلام، مع العيش في مجتمعات مغلقة نسبياً. وقد أقيمت الكتيبة الخاصة بهم للخدمة سنتين (وليس ثلاثاً مثل بقية الجنود)، وحرصوا على عدم الاختلاط مع جنود غير متدينين، في إطار طمأنة قيادتهم الدينية بأنهم سيبقون متدينين بعد الخدمة ولن يتعلموا العلمانية.

ولكن غالبية القيادات الحريدية ترفض منذ تأسيس إسرائيل أن يخدم أبناؤها في الجيش؛ إذ يعتبرونه مؤسسة علمانية تمثل مشروعاً سياسياً يتعارض مع الشريعة اليهودية، ويهدد الهوية العقائدية لـ«الحريديم». وبسبب هذا الموقف تم الاتفاق معهم على منظومة عمل تعفي كل من يتعلم الدين منهم. لكن القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية تحاول تغيير هذه المنظومة. وهناك قرار في محكمة العدل العليا يلزم الجيش باستدعاء أكثر من 60 ألف شاب حريدي إلى الخدمة.

وعندما سئل قادتهم عن سبب رفضهم، وكيف يقبلون أن يمتنع شبانهم عن خدمة العلَم في وقت الحرب، أجابوا: «لو كنا نحن في الحكم لأقمنا سلاماً مع العرب وما احتجنا إلى جيش». غير أن المجندين بينهم يتصرفون مثل بقية الجنود في الجيش الإسرائيلي؛ كجيش احتلال، ومن خلال عداء للعرب.

الشرق الأوسط

———————–

==================

تحديث 01 كانون الثاني 2026

———————————

السويداء.. الأمن السوري ينتشر في قرية قصفها الأردن

شهدت قرية الشعاب الواقعة تحت سيطرة الحكومة السورية شرقي السويداء موجة نزوح واسعة خلال الأيام القليلة الماضية، عقب عمليات قصف نفذها الطيران الحربي الأردني استهدفت شبكات تهريب مخدرات مرتبطة بالنظام السابق، إضافة إلى مستودعات تخزين مخدرات داخل القرية، وفق ما أفادت به دائرة العلاقات الإعلامية في محافظة السويداء.

ويسكن القرية عشائر من بدو السويداء، وتقع في منطقة يبلغ عدد سكانها حوالي ستة آلاف نسمة، متوزعين على عدة قرى صغيرة، أبرزها قرية الشعاب، التي تقع في منطقة حدودية نائية تجعلها عرضة لأنشطة التهريب عبر الحدود مع الأردن.

وبحسب مراسل عنب بلدي في الجنوب السوري، فإن القرية كانت خاضعة لسيطرة تجار المخدرات والمهربين، وسط غياب أي وجود أمني من الجانب الحكومي السوري في القرية، الأمر الذي دفع بالأهالي بتوجيه المناشدات للتدخل ووضع حد للمهربين الذين يتخذون من القرية ممرًا لهم.

وكان الكثير من أهالي القرية يسكنون في ريف السويداء الجنوبي، إلا أنهم تعرضوا بعد الاشتباكات والاقتتال في تموز 2025 بين الفصائل الدرزية وعشائر البدو إلى عمليات خطف وانتهاكات أجبرتهم على العودة إلى قريتهم الأصلية الشعاب، بحسب المراسل.

وبحسب ما نقلته شبكة “السويداء 24” عبر “فيسبوك” في 25 من كانون الأول 2025، طالب أهالي القرية بنشر قوات أمنية لمكافحة تهريب المخدرات، وبذل الحكومة السورية جهودًا لتقديم الخدمات الأساسية في القرية.

وأكد الأهالي خلال اتصالهم مع الشبكة أنهم يدفعون ثمنًا باهظًا بسبب المهربين الذين يستغلون مناطقهم كممرات لعملياتهم، مشيرين إلى عدم قدرتهم على مواجهة هذه العصابات المسلحة بسبب نقص الإمكانيات والدعم الأمني.

وتعاني المنطقة، بحسب ما نقلته الشبكة، من انعدام تام للخدمات الحيوية، بما في ذلك عدم وجود نقاط طبية أو مدارس أو شبكة كهرباء.

وقالت دائرة العلاقات العامة في محافظة السويداء إن مناشدات عديدة وردتهم من أهالي القرية، طالبوا فيها بتدخل عاجل لقوى الأمن الداخلي، عبر دخول القرية وتثبيت نقاط أمنية داخلها وفي محيطها، بهدف بسط الأمن وحماية المدنيين، والحد من نشاط مهربي المخدرات الذي بات يهدد حياتهم اليومية.

وبحسب مديرية إعلام السويداء، جرى تسليط الضوء إعلاميًا على مطالب السكان، والعمل على إيصال صوتهم إلى الحكومة السورية، التي باشرت على الفور بالتنسيق للاستجابة لتلك المناشدات.

وأضافت المديرية أن مجموعات من قوى الأمن الداخلي، التابعة لمديرية أمن البادية، دخلت إلى قرية الشعاب لتنفيذ مهامها الأمنية، في خطوة لاقت ترحيبًا واسعًا من الأهالي، الذين عبّروا عن أملهم بعودة الاستقرار وتأمين حياة آمنة بعد فترة من التوتر والخوف.

قرية الشعاب على خرائط “غوغل ماب” – 1 كانون الثاني 2026 (غوغل ماب)

موقع قرية الشعاب بريف السويداء – 1 كانون الثاني 2026 (Google map)

وكان الطيران الحربي الأردني، نفذ غارات جوية استهدفت تجار المخدرات والسلاح في قرية الشعاب بريف السويداء الشرقي في 24 من كانون الأول 2025.

ونشرت قناة “المملكة” الأردنية مشاهد لاستهداف مصانع ومعامل لتجار مخدرات، قالت إنها “تتخذ أوكارًا لانطلاق عمليات التهريب تجاه الأراضي الأردنية على الواجهة الحدودية الشمالية للأردن”.

كما ذكرت صفحة “السويداء برس” المحلية، أن الغارات الجوية الأردنية استهدفت قرية الشعاب في البادية السورية، وطالت عدة منازل لأفراد من عشيرة الرمثان، من المتهمين بتجارة وتهريب المخدرات بين سوريا والأردن.

———————————

==================

تحديث 31 كانون الأول 2025

———————————

 إسرائيل وتغذية الحرب الأهلية: “طائفٌ سوري” لحماية الوحدة/ منير الربيع

الأربعاء 2025/12/31

لم تكن زيارة المسؤول الأمني في نظام بشار الأسد كمال الحسن إلى إسرائيل في بداية شهر كانون الأول هي الزيارة الاولى إلى تل أبيب، بل سبقتها زيارة أخرى في شهر أيلول الفائت، من ضمن تحركات يقوم بها ضباط محسوبون على نظام بشار الأسد يسعون للحصول على دعم خارجي بهدف إعلان منطقة الساحل إقليم مستقل بذاته. يومها حصلت زيارة كمال الحسن بطائرة خاصة، علماً أنه الشخصية التي تحتوي على كل الداتا المعلوماتية الكاملة عن آل الأسد وهو الذي عمل على إخراج هذه المعلومات معه إلى روسيا. كانت الزيارة إلى إسرائيل بعد أشهر على مجازر الساحل والتي وقعت في شهر آذار الفائت، وجاءت بعد محاولات من قبل ضباط محسوبين على الأسد للقيام بتحرك إنفصالي أيضاً.

حركة تسلح في الساحل

لم تكن التسريبات اليومية حول حوادث أمنية في دمشق أو القصر الجمهوري ولا الحديث عن حصول عمليات اغتيال تطال شخصيات قريبة من الرئيس أحمد الشرع بالتسريبات العبثية، فعادة عندما تتكاثر مثل هذه الأخبار الأمنية غالباً ما يكون هدفها التغطية على شيء ما يتم تحضيره. وفي هذا السياق، تتوارد الأخبار والمعلومات التي تتحدث عن التحضير لتحركات جديدة في الساحل السوري في المرحلة المقبلة، ولكن هذه المرة لن تكون تحركات سلمية، بل قد يتخللها عمل عسكري في محاولة لإخراج القوات التابعة لدمشق من مناطق الساحل، وإعلان المنطقة إقليماً ذاتياً. وبحسب ما تتحدث المعلومات فإن حركة تسلح كبيرة حصلت في الساحل خلال الفترة الماضية، كما أن هناك مجموعات تحتفظ بالكثير من الأسلحة التي كانت معها منذ ما قبل سقوط بشار الأسد.

تنسيق ثلاثي

يبقى الخوف قائماً من حصول تطورات دموية في سوريا، وهذا ما قد يعيد إنتاج مخاطر الحرب الأهلية واندلاعها في ظل الانسداد السياسي، بينما في المقابل تبرز جهود دولية كثيرة تسعى إلى تثبيت الاستقرار في سوريا، وهو ما يسعى إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من خلال إقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي بإبرام اتفاق مع دمشق. عملياً، قد تدفع الضغوط الأميركية إسرائيل إلى خفض تصعيدها ضد سوريا والدخول في مفاوضات، ولكن هذا لا يبدو أنه سيكون كافياً في حال استمرت الأزمة الداخلية، سواء في الساحل، أو شمال شرق سوريا، أو السويداء. وسط معلومات أصبحت مؤكدة عن حصول تنسيق بين المكونات الثلاث في هذه المناطق للاتفاق على مطالب محددة، إما الفيدرالية أو اللامركزية الموسعة السياسية والمالية وليس الإدارية فقط.

إسرائيل والاستثمار في الأقليات

خلال لقائه ترامب، قال نتنياهو إن إسرائيل تريد حدوداً آمنة مع سوريا، وأن توفر الحماية للدروز والمسيحيين، أي للأقليات، وهذا ما يعني أن أي تأزم سوري داخلي سيدفع إسرائيل إلى استغلاله أكثر تحت شعار حماية الأقليات، وهو ما يدفع إلى الخوف من حصول تحركات منسقة ومتزامنة في المرحلة المقبلة لإعادة تغيير الوقائع، وفرض توازنات جديدة، لا سيما في حال حصلت التحركات بشكل متزامن من الجنوب، والشمال الشرقي والساحل، لأجل إضعاف سلطة دمشق وتشتيت قوتها وفرض أمر واقع معين.

سقوط سايكس- بيكو

في العام 2016 وخلال لقاء مع ديبلوماسي أوروبي معني بملفات المنطقة وبسوريا بالتحديد، وفي ظل معركة حلب، قال الرجل بوضوح: “لو بقيت سوريا كما كانت أيام الجنرال غورو، لما حصل كل ما تشهده هذه الأيام”. ويعتبر أن الحلّ للأزمة السورية لن يكون في ما بعد إلا وفق هذه القاعدة، لكن بالإطار السياسي الدولتي القائم؛ أي إعادة إنتاج الفيدراليات أو الدويلات على أساس عرقي أو طائفي. وقبل فترة أعلن الأميركيون على لسان مبعوثهم سقوط سايكس- بيكو وإعادة فتح التواصل السياسي والاقتصادي التركي الخليجي انطلاقاً من سوريا. سقوط سايكس- بيكو لا يروق لدول كثيرة ولا سيما دول أوروبية تعمل على التواصل مع جهات عديدة في سوريا وتعلن دوماً حمايتها للأقليات. وهذا ما سيكون قابلاً للتجدد في أي لحظة، بميدان الصراع، بينما الدول التي أعلنت أيام بشار الأسد أنها تتمسك بالحفاظ على وحدة سوريا في مواجهة “سوريا المفيدة”، فستبقى على رفضها لنموذج “غورو”، ما قد يدفع إلى تقديم طروحات سياسية جديدة حول نظام الحكم، وكيفية توزيع الصلاحيات التي يمكن تحويلها إلى مجلس الوزراء، والبحث في التوزيع الطائفي للرئاسات مع اعتماد اللامركزية التي لا تتسبب بأي تقسيم أو تهديد للكيان، أي ما يعني انتاج نموذج يمكن وصفه بـ”الطائف السوري”.

المدن

————————————

جغرافية جديدة وكيانات موازية.. كيف هندست إسرائيل الجنوب السوري في 2025؟/ أحمد الكناني

30 ديسمبر 2025

شكّل الجنوب السوري، منذ سقوط نظام الأسد، حرجًا كبيرًا ومعضلة حقيقية أمام الإدارة السورية الجديدة، التي باتت عاجزة تمامًا عن الرد على التحركات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، إذ لم تَعُدْ تواجه توغلًا بريًا أو استيطانًا عسكريًا، بل باتت كيانات موازية داخل الجغرافيا السورية أثقلت كاهلها كونها مدعومة إسرائيليًا.

وإضافةً إلى هذه التحولات، باتت جولات التفاوض دون جدوى، إذ تتصاعد فيها حدة التصريحات والطلبات من المسؤولين في تل أبيب، في مسعى لفرض أجندة إسرائيلية لا طاقة ولا قدرة للحكومة السورية على تنفيذها، خاصةً أنها مرتبطة بالسيادة الوطنية والشعبية، ما يجعل المفاوضات أداة مماطلة إسرائيلية ليس أكثر.

على مدار العام الماضي، أخذت الجغرافيا في الجنوب السوري شكلًا سياسيًا وعسكريًا جديدًا، يمتد من ريف دمشق الغربي وصولًا إلى محافظة السويداء، وهو ما شكّلته ورسمته التدخلات الإسرائيلية في المنطقة لأشهر متتالية. وعليه، باتت المنطقة الجنوبية مقسمة جغرافيًا إلى مناطق محسوبة على إسرائيل خارج سيطرة الدولة في السويداء، ومناطق أخرى تحت السيطرة غير المباشرة عبر القواعد العسكرية ونقاط التفتيش، كما هو الحال في القنيطرة ودرعا، مع عدم السماح للدولة السورية بفرض سيطرتها بشكل كامل على المحافظتين.

واقع عسكري

منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، أقدم الجيش الإسرائيلي على إنهاء المنظومة العسكرية للجيش السوري القديم بأكثر من 1500 غارة على المعسكرات ومخازن السلاح، وتقدمت مدرعاته في العمق السوري تجاه القرى في جبل الشيخ وصولًا إلى المراصد في القمم، التي توفر له تغطية نارية ورصدًا لمساحات جغرافية واسعة تمتد إلى لبنان والأردن والأراضي المحتلة في الجولان، إضافةً إلى توفير منظومة خاصة للكشف المبكر عن “الصواريخ المعادية”، ما جعل قرى جبل الشيخ تحت السيطرة الأمنية العسكرية الإسرائيلية انطلاقًا من المدينة العسكرية التي تم بناؤها في القمة.

    يشير المشهد على مدار عام كامل إلى أن الحكومة السورية فقدت سيطرتها على أجزاء واسعة من الجنوب السوري

أنشأ الجيش الإسرائيلي 9 قواعد عسكرية ممتدة في الجنوب السوري، اثنتان في ريف دمشق الغربي، وتحديدًا مرصد جبل الشيخ وقرص النفل غرب بلدة حضر، وست قواعد في القنيطرة، وهي التلول الحمر، وحرش جباتا الخشب وفيها مهبط طيران، وقاعدة شرق قرية الحميدية، وقرب سد المنطرة، وقاعدة في تل أحمر، إضافةً إلى القنيطرة المهدمة. أما في محافظة درعا، فتوجد نقطة وحيدة في سرية الجيزة.

شكّلت هذه النقاط الإسرائيلية نقطة ارتكاز للتوغل داخل العمق السوري، وتنفيذ عمليات الدهم والاعتقال بحق المدنيين، إضافةً إلى أنها منعت القوات الحكومية من الاقتراب من هذه القواعد، في خارطة جديدة للسيطرة الجغرافية، أعلن عنها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس وأكدها في 23 كانون الأول/ديسمبر الجاري، بأن جيشه لن ينسحب أي ملّيمتر من الأراضي السورية.

على الرغم من السيطرة الأمنية والعسكرية، شهد الجنوب عدة حوادث من مقاومة شعبية، أولها في قرية كويا بريف درعا، التي أسفرت عن استشهاد 7 سوريين نتيجة القصف الإسرائيلي المكثف على القرية، وآخرها في بيت جن، التي أسفرت عن إصابة جنود إسرائيليين واستشهاد 13 مدنيًا من أبناء القرية.

محافظة خارج السيطرة

أخذت الأحداث الدامية في محافظة السويداء البلاد إلى حالة جديدة من التدخل الإسرائيلي والتهديد المباشر للإدارة السورية الجديدة، وصلت إلى القصر الرئاسي، حيث أسفرت العملية الأمنية للجيش السوري لفض الاشتباكات بين فصائل درزية ومجموعات عشائرية من درعا عن موجة عنف وقعت منتصف تموز/يوليو 2025، راح ضحيتها مئات المدنيين، لتتدخل إسرائيل وترسم خطوطًا جغرافية حمراء على السويداء بوصفها محمية إسرائيلية، وقصفت الأرتال التابعة للجيش السوري، ومقار سيادية كـرئاسة هيئة الأركان، ومحيط القصر الرئاسي في قلب العاصمة دمشق.

أعطت إسرائيل الضوء الأخضر للفصائل الدرزية للعمل على إنشاء مجتمعات محلية وعسكرية منفصلة عن دمشق للخروج من عباءتها بشكل كامل، وجرى نوع من التغيير الديمغرافي في المحافظة، وبدأ بتوجيهات إسرائيلية تشكيل ما سُمّي “الحرس الوطني” كجهة عسكرية تابعة للشيخ حكمت الهجري، وهي تتبع مباشرة للجيش الإسرائيلي ولا تخفي ولاءها، وتسيطر على القرار في المحافظة، فيما جرى تشكيل مجالس محلية لإدارة الشؤون المدنية، على اعتبار أن هذه الإجراءات نواة مستقبلية انفصالية للمحافظة. وبالتالي، باتت السويداء خارج سيطرة الحكومة السورية، تحت الحماية الإسرائيلية، وورقة ضغط تحملها تل أبيب في ملف الأقليات، كراعٍ لهم في المنطقة.

ورقة ضغط

منذ محادثات باكو في أذربيجان في 12 تموز/يوليو 2025، بدأت دمشق تعي المماطلة الإسرائيلية في المحادثات المنعقدة، خاصة أن إسرائيل استطاعت أن تمسك بالجنوب السوري كورقة ضغط عسكرية وأمنية في مفاوضاتها، التي تصاعدت مطالبها من دمشق بشكل تدريجي مع زيادة السيطرة على الجغرافيا السورية، كما تدرجت الطروحات الإسرائيلية من سحب السلاح الثقيل من الجنوب، إلى إنشاء ممر إنساني مع السويداء، وبعدها إلى اتفاق سلام غير مشروط، وآخرها عدم نية إسرائيل الانسحاب من أي نقطة تم التقدم فيها، ما يشي بأن إطار المفاوضات عديم الجدوى في ظل التصريحات الإسرائيلية.

يشير المشهد على مدار عام كامل إلى أن الحكومة السورية فقدت سيطرتها على أجزاء واسعة من الجنوب السوري، إذ تمتد القواعد العسكرية بشكل متوازٍ من ريف دمشق الغربي نزولًا إلى درعا، فيما تلاصقها السويداء التي باتت خارج السيطرة السورية وتحت الحماية الإسرائيلية، ويُعقّد المشهد الجنوبي أن إسرائيل لم تلتزم بأي مبادرة للحل في السويداء، وأبرزها “خارطة طريق السويداء” في 16 أيلول/سبتمبر 2025 برعاية أميركية وأردنية، وبتوافق عربي وأوروبي عليها، إضافةً إلى عدم الاستجابة للوساطات الأميركية المتكررة، وتوجيه الاتهامات للمبعوث الأميركي بالاصطفاف ضد المصالح الإسرائيلية في المنطقة، ما ينذر بمزيد من القلق وإطالة أمد الصراع في الجنوب السوري.

الترا سوريا

———————————

 حين تُدار السياسة من الجو.. 2025 عام الحرب الإسرائيلية متعددة الساحات/ علي أسمر

2025.12.31

في عام 2025 لم تعد الحرب الإسرائيلية تُقاس بعدد الجبهات المفتوحة ولا بعدد الضربات المنفَّذة، بل بطبيعة التحوّل العميق في كيفية استخدام القوة، وبالطريقة التي جرى من خلالها التعامل مع الإقليم كله بوصفه مسرح عمليات واحداً، تتفاوت فيه مستويات العنف وحدود المخاطرة تبعاً لكل ساحة. الأرقام المسجَّلة خلال هذا العام لا تعكس مجرد تصعيد عسكري، بل تكشف عن عقيدة عملياتية تتجاوز منطق الردع التقليدي إلى منطق إدارة الفضاء الإقليمي بالقوة، حيث تُستخدم كل جبهة لأداء وظيفة محددة ضمن مشهد واحد مترابط.

تظل غزة في قلب هذا المشهد، ليس فقط لأنها استحوذت على النسبة الأكبر من العمليات، بل لأنها شكّلت الساحة التي فُرضت فيها أقسى أشكال العنف وأكثرها كثافة. حين تستأثر غزة والضفة الغربية بما يقارب ثمانية وسبعين في المئة من مجمل العمليات العسكرية، فإن ذلك لا يترك مجالاً واسعاً لتفسير هذه الحرب بوصفها دفاعاً موزعاً على تهديدات متعددة. نحن أمام تركيز غير متكافئ للقوة، وأمام قرار استراتيجي بالتعامل مع هذه الجبهة باعتبارها مركز الثقل الذي تُفرَّغ فيه القدرة العسكرية والسياسية بلا قيود تقريباً. آلاف الضربات، عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، وتدمير واسع للبنية المدنية، كلها مؤشرات على أن الهدف لم يكن تحييد فصائل مسلحة فقط، بل إنهاك مجتمع بأكمله، وكسر قدرته على إعادة إنتاج الحياة، بحيث تصبح الكلفة الإنسانية جزءاً مقبولاً في معادلة الردع طويلة الأمد.

غير أن هذه الصورة، على قسوتها، لا تكتمل من دون النظر إلى بقية الجبهات، لأن ما يميّز عام 2025 ليس فقط حجم العنف في غزة، بل الطريقة التي جرى بها توزيع هذا العنف إقليمياً. ففي لبنان، حيث سُجِّل عدد كبير من الهجمات، اتخذت العمليات طابع الاستنزاف الحدودي، ضربات متكررة تهدف إلى إبقاء الجبهة الشمالية في حالة إنهاك دائم، ومنع تحوّلها إلى تهديد شامل، من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة. هنا يظهر الحرص على إدارة المخاطر، والالتزام بسقف معيّن من التصعيد، لأن أي خطأ في هذه الساحة قد يفتح مواجهة إقليمية واسعة لا تبدو إسرائيل مستعدة لتحمّل كلفتها في هذه المرحلة.

أما سوريا، فهي تمثّل الزاوية الأكثر حساسية في هذا المشهد كله، ليس بسبب عدد الضربات فقط، بل بسبب توقيتها وطبيعتها ودلالاتها السياسية. سوريا في 2025 ليست مجرد ساحة خلفية للصراع، بل بلد يقف عند مفترق طرق تاريخي، بعد انهيار نظام قديم، وفي ظل محاولة بناء توازنات جديدة لم تستقر بعد. هذا الوضع الهش يجعلها ساحة مثالية لسياسة الضربات الانتقائية، حيث لا تسعى العمليات العسكرية إلى تدمير شامل، بل إلى تعطيل مبكّر، ومنع تشكّل بنية أمنية أو عسكرية يمكن أن تتحوّل لاحقاً إلى عنصر ردع أو نفوذ مستقل.

الضربات التي استهدفت الأراضي السورية خلال العام جاءت في معظمها جوية وصاروخية، دقيقة في اختيار أهدافها، مركّزة على مواقع يُشتبه بأنها تمثّل عُقَد إمداد أو نقاط تموضع محتملة لقوى إقليمية. الرسالة هنا لا تُوجَّه إلى طرف واحد فقط، بل إلى كل من يفكّر بأن مرحلة ما بعد الحرب في سوريا قد تسمح بظهور واقع أمني جديد. إنها محاولة لفرض معادلة مفادها أن السيادة السورية ستبقى منقوصة أمنياً، وأن المجال الجوي سيظل مفتوحاً أمام التدخل، وأن أي إعادة بناء للقوة ستُواجَه في مهدها.

أعتقد أن هذه المقاربة تختلف جذرياً عن تلك المعتمدة في غزة، لكنها تتكامل معها. ففي حين تُستخدم غزة كساحة كسر شامل، تُستخدم سوريا كساحة ضبط ومنع وتشذيب. هنا تكمن خطورة الزاوية السورية، لأنها لا تتعلق فقط بالحاضر، بل بالمستقبل، بمحاولة التحكم في شكل الدولة التي ستنهض لاحقاً، وبمنعها من امتلاك أدوات قوة ذاتية. كل ضربة تحمل رسالة سياسية بقدر ما تحمل أثراً عسكرياً، رسالة تقول إن مرحلة الفراغ لا تعني الحرية، بل تعني خضوعاً دائماً لمعادلات خارجية.

وعند توسيع الدائرة أكثر، نلاحظ أن العمليات لم تتوقف عند الجوار المباشر، بل امتدت إلى إيران واليمن، وإلى البحر المتوسط نفسه. في إيران، اتخذت الضربات طابعاً رمزياً واستراتيجياً في آن واحد، محدودة العدد، عالية الحساسية، هدفها إظهار القدرة على الوصول والاختراق أكثر من إحداث تغيير ميداني مباشر. أما في اليمن، فإن فتح جبهة بعيدة نسبياً يشير إلى استعداد لتوسيع نطاق الصراع كلما تطلّبت الحسابات ذلك، وإلى رغبة في ضرب شبكات إقليمية يُنظر إليها كجزء من مشهد تهديد أوسع.

الأكثر دلالة هو انتقال بعض العمليات إلى المياه الدولية، واستهداف قوافل ذات طابع إنساني. هذا التحوّل يعكس استعداداً لتحمّل كلفة سياسية وقانونية مرتفعة، مقابل الحفاظ على معادلة الحصار والضغط، وهو ما يضيف بُعداً جديداً للحرب، حيث لا تعود الحدود البرية كافية لتعريف ساحة الصراع، بل يصبح البحر نفسه أداة ضمن أدوات القوة.

سياسياً، تكشف هذه الوقائع عن فجوة واضحة بين الخطاب والواقع. الحديث عن تهدئة أو وقف إطلاق نار لم ينعكس على الأرض إلا بشكل محدود وشكلي، ومع استمرار الخروقات وسقوط الضحايا، يتضح أن هذه الاتفاقات تُستخدم كأدوات لإدارة الوقت، لا كمسارات حقيقية لخفض العنف. وفي الحالة السورية تحديداً، لم تُطرح الهدنة أصلاً كخيار جدي، بل بقيت الساحة خارج أي إطار تفاوضي واضح، ما يعزّز فكرة أنها ستظل مساحة مفتوحة للرسائل العسكرية طالما أن كلفة ذلك تبقى تحت السيطرة.

وفي ختام هذا المشهد المركّب، تبرز زاوية إضافية لا يمكن تجاهلها، وهي زاوية التوتر المتصاعد بين تركيا وإسرائيل على الساحة السورية، بوصفه أحد أخطر الاشتباكات غير المعلنة في حرب 2025. فالساحة السورية لم تعد مجرد مساحة لتبادل الرسائل بين إسرائيل وخصومها التقليديين، بل باتت أيضاً نقطة تماس حساسة بين مشروعين إقليميين متوازيين، لكل منهما تصوّر مختلف لمستقبل سوريا وحدود النفوذ فيها. إسرائيل تنظر إلى الجنوب والعمق السوريين باعتبارهما مجالاً أمنياً مفتوحاً يجب ضبطه بالقوة ومنع تحوّله إلى منصة تهديد، في حين ترى تركيا في الشمال السوري عمقاً أمنياً مباشراً لا يمكن التفريط به، ومساحة حيوية مرتبطة بأمنها القومي وحدودها واستقرارها الداخلي.

حتى الآن، يُدار هذا التوتر بمنطق الاحتكاك غير المباشر، ضربات محسوبة هنا، ورسائل سياسية هناك، مع حرص واضح من الطرفين على عدم كسر الخطوط الحمراء التي قد تقود إلى مواجهة مفتوحة. لكن استمرار الغارات الإسرائيلية في سوريا، وتوسّع نطاقها الجغرافي، يتقاطع تدريجياً مع مناطق نفوذ وحضور تركي مباشر أو غير مباشر، ما يرفع منسوب المخاطر، ويجعل احتمال سوء التقدير أكثر واقعية مما كان عليه في السابق. فكل ضربة لا تُقرأ فقط في سياقها العسكري، بل في سياقها السياسي، ومن زاوية من يملك حق تعريف التهديد ومن يملك حق الرد عليه.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كانت تركيا وإسرائيل على طريق الصدام، بل إلى أي حد يمكن للطرفين الاستمرار في إدارة هذا التوتر داخل الإطار السوري من دون أن يتسرّب إلى ما هو أبعد. حتى اللحظة، يبدو أن كلا الجانبين يدرك أن نقل الصراع إلى خارج سوريا، أو تحويله إلى مواجهة مباشرة، سيحمل كلفة استراتيجية أكبر من مكاسبه المحتملة، خصوصاً في ظل انشغال الإقليم بحروب متعددة، وتوازنات دولية هشّة، وحسابات داخلية لا تحتمل مغامرات غير محسوبة. لكن في المقابل، فإن الإبقاء على سوريا كساحة مفتوحة لهذا الاشتباك غير المعلن يحمل بدوره مخاطر تراكمية، لأن كثافة العمليات، وتداخل مناطق النفوذ، وتعدد اللاعبين، كلها عوامل تزيد احتمالات الاحتكاك غير المقصود.

في المحصلة، يكشف عام 2025 عن تحوّل نوعي في إدارة الحرب، حيث لم تعد المسألة مرتبطة بجبهة واحدة أو تهديد محدد، بل بإعادة رسم الإقليم عبر القوة المتدرجة. غزة كانت مركز العاصفة، ولبنان ساحة الاستنزاف، وإيران واليمن فضاء الرسائل البعيدة، لكن سوريا كانت العقدة الأخطر، لأنها تمثّل المستقبل غير المحسوم، والمساحة التي يُراد لها أن تبقى معلّقة، بلا سيادة أمنية مكتملة، وبلا قدرة على فرض معادلة مستقلة. هنا لا تكمن خطورة الحرب في عدد الضربات، بل في اعتياد هذا النمط من القوة، وفي تحوّله إلى أداة طبيعية لإدارة السياسة، بحيث يصبح القصف جزءاً من اللغة، وتصبح السماء المفتوحة فوق سوريا عنواناً لمرحلة طويلة من اللااستقرار الممنهج.

تلفزيون سوريا

———————————

خبراء أميركيون يفككون التوافق الذي يتحدث عنه ترامب بين سوريا وإسرائيل/ محمد المنشاوي

واشنطن- خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب قمة فلوريدا بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، أكد ترامب، أمس الأول الاثنين، أنه سيعمل على أن يكون هناك توافق بين الرئيس السوري أحمد الشرع ونتنياهو.

ومنذ انهيار نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد قبل عام، تقربت الإدارة الأميركية من السلطة السورية الجديدة، والتقى ترامب الشرع عدة مرات، كما دفع بإلغاء كل العقوبات على سوريا وكان آخرها العقوبات المفروضة بمقتضى قانون قيصر.

وكانت تل أبيب حذرة من الحكومة السورية، حيث يستمر الجيش الإسرائيلي في سيطرته على المنطقة العازلة التي تبلغ مساحتها 155 ميلا مربعا بين البلدين منذ سقوط نظام الأسد العام الماضي.

تسوية وظيفية

وتعمل واشنطن من خلال مبعوث ترامب توم برّاك على إعادة هندسة المشهد السوري الإسرائيلي بتسوية وظيفية بينهما، في وقت لا تستعجل فيه الإدارة الأميركية التوصل لاتفاق سلام شامل بين الطرفين.

ويقول جوشوا لانديس خبير الشأن السوري ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة أوكلاهوما إن “ترامب كان واضحا جدا في أنه يحب الرئيس أحمد الشرع، ويعتقد أنه يعمل بجد للتعاون مع أميركا، والولايات المتحدة تريد لسوريا أن تبقى وتزدهر”.

وفي المؤتمر الصحفي الذي جمعه بنتنياهو، قال ترامب إن لدى الولايات المتحدة “تفاهما بشأن سوريا”، وإن البلاد باتت تقاد برئيس جديد يحظى باحترامه واصفا إياه بأنه “قوي”، و”هو ما تحتاجه سوريا في هذه المرحلة، لا قيادة ضعيفة ولا مثالية”. وأضاف أنه واثق من قدرة إسرائيل والشرع على التوصل إلى تفاهم، مؤكدا أنه سيعمل على تيسير ذلك ويعتقد أن الأمر قابل للتحقق.

من جانبه، قال السفير فريدريك هوف، أول مبعوث أميركي لسوريا بعد الثورة عام 2011، والخبير بالمجلس الأطلسي والأستاذ بجامعة بارد، إن الولايات المتحدة قدمت اقتراحا يهدف إلى تقليل احتمالية الاشتباكات المسلحة بين دمشق وتل أبيب بشكل حاد، وتمهيد الطريق لمحادثات سلام مستقبلية.

إعلان

وأوضح للجزيرة نت، أن مثل هذا الاقتراح يجب أن يحتوي على 3 عناصر رئيسية:

    انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى خطوط وقف إطلاق النار عام 1974.

    وجود أمني رسمي سوري خفيف جدا في المناطق ذات الأغلبية الدرزية.

    اتفاق بين الجانبين على إطلاق مفاوضات حول معاهدة أمنية ثنائية تُنهي حالة العداء القائمة منذ عام 1948، وتستبدل باتفاق فض الاشتباك الموقّع عام 1974.

ويرى هوف أن أي تفاهم سوري إسرائيلي -إن تحقق- لن يكون سوى خطوة تمهيدية نحو مفاوضات سلام أوسع تتطلب معالجة ملف هضبة الجولان، مؤكدا أن تفاصيل الطروحات المطروحة لا تزال غامضة، لكنها لا بد أن تشمل هذه القضية المحورية.

تفاهمات غامضة

ولا تزال الخلافات قائمة بين إسرائيل وسوريا بشأن نطاق الاتفاق الأمني المحتمل الذي تعمل عليه إدارة ترامب، إذ يشدد نتنياهو على أن أي تفاهم يجب أن يُلزم دمشق بنزع السلاح من المنطقة الممتدة من جنوب دمشق حتى الحدود الإسرائيلية.

وفي مقابلة تلفزيونية بثتها شبكة “فوكس نيوز”، أشار نتنياهو إلى “استمرار الشكوك الإسرائيلية حيال النظام السوري الجديد”، قائلا إن “تل أبيب ترغب في منحه فرصة، غير أن العرض العسكري الأخير للجيش السوري أثار مخاوفها، إذ كان أكثر من نصف المشاركين فيه من الجهاديين”. وأردف “لدينا الآن وسائل للحديث مع دمشق، وهذا لم يكن موجودا مع النظام السابق”.

من جهته، اعتبر الأستاذ ستيفن هايدمان، رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة سميث بولاية ماساتشوستس، أن تصريحات ترامب بشأن سوريا وإسرائيل تعكس نمطا معتادا من تعهدات فضفاضة تفتقر إلى آليات تنفيذ واضحة، إذ تحدث عن وجود تفاهم أميركي إسرائيلي حول دمشق من دون تقديم تفاصيل.

وقال للجزيرة نت، إن ترامب أشار إلى نية واشنطن تسهيل التفاهم بين دمشق وتل أبيب والاستمرار في لعب دور الوسيط، غير أن تقلب سياساته وعدم اتساقها يثيران الشكوك في مدى جدية هذه التوجهات واستدامتها.

فعلى سبيل المثال، بدا الرئيس الأميركي وكأنه يتبنى الطرح الإسرائيلي القائل، إن تدخل تل أبيب في سوريا لا يقتصر على حماية الدروز فحسب، بل يشمل أيضا المسيحيين، وهو ما يتجاوز الخطاب الإسرائيلي الرسمي، كما أن تصوير تل أبيب بوصفها حامية للأقليات في سوريا يُعد طرحا مرفوضا لدى دمشق، حسب هايدمان.

ضغط علني

والمؤكد حتى الآن -وفق هايدمان- هو غياب أي اتفاق أمني وشيك بين دمشق وتل أبيب، مشيرا إلى أن واشنطن قد تضغط لتقييد العمليات الإسرائيلية داخل سوريا من دون أن تصل إلى حد إجبارها على الانسحاب، مع استمرار جهود الوساطة الأميركية عبر مكتب المبعوث توم برّاك، لاستكشاف فرص التوصل إلى تفاهم.

ويعكس الضغط العلني، الذي مارسه ترامب على نتنياهو لمنح الحكومة السورية “فرصة أخرى”، رغبة أميركية في إبقاء دمشق خارج دائرة النفوذ الإيراني، إذ حذر في الوقت نفسه من أن العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية قد تقوّض استقرار الدولة التي استثمرت واشنطن كثيرا في دعمها.

في هذا السياق، أوضح الخبير في الشأن السوري جوشوا لانديس للجزيرة نت، أن ترامب لم يكن واضحا بشأن طبيعة التفاهم المحتمل بين تل أبيب ودمشق، مكتفيا بالتعبير عن أمله في أن يتوصل الجانبان إلى تفاهم، وأن تسعى الولايات المتحدة إلى تسهيل ذلك، من دون تحديد، ما إذا كان سيجري وفق الشروط الإسرائيلية أم السورية، في ظل تباين عميق في مطالب الطرفين؟

إعلان

يُذكر أنه في عام 2019، وخلال ولايته الأولى، كان ترامب أول رئيس أميركي يعترف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان، في خروج واضح عن عقود من الإجماع الدولي الذي اعتبر ضم الأراضي السورية المحتلة، منذ عام 1967، إجراء غير قانوني.

المصدر: الجزيرة

———————————

 هل يعيش أنطوان لحد داخل فكرة الحرس الوطني في السويداء؟!/ أيمن الشوفي

الأربعاء 2025/12/31

لم ينفِ المتحدث الرسمي باسم الحرس الوطني في السويداء، طلال عامر وجود تحالفٍ يجمعهم مع إسرائيل.

قال في لقاء تلفزيوني أعقب تقرير صحيفة الواشنطن بوست، حول دعم إسرائيل لميليشيا الحرس الوطني بالمال والسلاح، بأن علاقتهم “التحالفية” مع إسرائيل، هي علاقةٌ قائمة، ولا يخجلون بها.

وكأن الهمس بميلاد ميليشيا درزية جنوب سوريا بنكهة سعد حداد وأنطوان أحد، بات أمراً وارداً.

جيش لبنان الحر

ميليشيا جديدة تقاتل بالوكالة عن إسرائيل، على أن يكون موطنها هذه المرّة في الجنوب السوري، بدلاً من جنوب لبنان.

عام 1976 أعلن الرائد الماروني في الجيش اللبناني سعد حداد نشوء جيش لبنان الحر، الذي سيُعرف لاحقاً باسم جيش لبنان الجنوبي، وكان أغلب أعضائه من اللبنانيين المسيحيين، مع عدد قليل من المسلمين، من الذين كانوا على خصومة مع فصائل المقاومة الفلسطينية التي سيطرت على جنوب لبنان في ذلك الحين.

وبعد وفاة حداد بمرض السرطان عام 1984، خلفه أنطوان لحد، وقد وصل عدد أفراد هذه الميليشيا إلى نحو 6000 جندي.

مجموعات مسلحة متباينة

في حين تشكّل الحرس الوطني في السويداء خلال شهر آب/أغسطس الماضي، من مجموعات مسلّحة متباينة الخلفية والنشأة، حيث ضمّ إليه عصابات امتهنت القتل والخطف وصناعة وترويج وتهريب المخدرات خلال سنوات الثورة ضد نظام بشار الأسد، وكانت مدعومة من قبل المخابرات العسكرية، بالإضافة إلى جنود وضباط كانوا ضمن صفوف جيش النظام السوري السابق، عدا عن البيارق المحلية (مجموعات مسلحة صغيرة منتشرة في قرى السويداء).

ولا يضمن هذا التباين بين مكونات الحرس الوطني استقرار هذا الكيان العسكري البراغماتي الذي يشرف عليه الشيخ الهجري، وابنه سلمان بشكل مباشر، بدليل الخلافات الحادة التي ظهرت مراراً بين فريق الضباط، وبين الشيخين طارق خويص، وطارق المغوش المقربين من سلمان الهجري.

وظاهرياً، يرأس الحرس الوطني في السويداء العميد السابق في جيش الأسد جهاد الغوطاني، بينما يدير سلمان الهجري هذه الميليشيا فعلياً من خلال المكتب الأمني في قيادة الحرس الوطني، والذي فشل الغوطاني بإلغائه.

دعم أميركي محدود

وبرأي عضو مؤتمر الحوار الوطني، جمال درويش فإن الولايات المتحدة تعتبر الشرع شريكاً وحليفاً لها، وتريد أن تستثمر في سوريا مستقرة واحدة، غير مفككة، وبالتالي لا بد أن تتكيف السياسات الإسرائيلية مع الاتجاه الأميركي.

ويوضح في حديث لل”المدن” بأن ما ذكره تقرير صحيفة “واشنطن بوست” يعبّر عن دعم محدود للحرس الوطني، وليس دعماً لإنجاز مشروع سياسي طويل، ويعتقد درويش أن الحرس الوطني هو مجرّد ورقة ضغط لتحسين شروط التفاوض الإسرائيلية مع الحكومة السورية حول الترتيبات الأمنية في الجنوب.

ويُنسب إلى الحرس الوطني في السويداء عدّة أعمال اعتقال لدروز أسفرت مطلع شهر كانون الأول/ديسمبر عن موت اثنين منهم، هما الشيخ رائد المتني، والشيخ ماهر فلحوط، كما وتعيد هذه الميليشيا الدرزية إلى أذهان أبناء السويداء، ذاكرة الأجهزة الأمنية المرعبة أيام النظام السابق، من خلال قمع الآراء المعارضة.

خلط أوراق اللعب

وبرأي الأكاديمي، والباحث السياسي مهيب صالحة فإن تحوّل الحرس الوطني إلى ميليشيا تخدم إسرائيل في الجنوب السوري أمر غير ممكن، إلا إذا حصل انهيار مفاجئ في ملف “قسد” وملف الجنوب، وجرى خلط أوراق اللعب من جديد.

ويضيف صالحة في سياق حديثه لل”المدن”: “ما عدا ذلك، فإن الحرس الوطني سيُعامل مثل معاملة قسد في أي ترتيبات داخلية ضمن توافق تركي إسرائيلي برعاية أميركية روسية”.

خذلان وضياع

عام 2000 انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان، تاركةً ميليشيا جيش لبنان الجنوبي لائبةً على وجهها، ضمن حالة من الخذلان والضياع، لم تراعِ فيها إسرائيل مصير حلفائها الذين صنّعتهم لأجل تنفيذ مهام محددة.

يقول درويش للمدن: “ثم إن إسرائيل الآن في أوج سيطرتها على المنطقة بعد هزيمة حزب الله، وتراجع الدور الإقليمي لإيران، لذلك لم تعد بحاجة إلى سعد حداد جديد، أو أنطوان لحد آخر، إذ لا يوجد ما يعكّر صفو إسرائيل، أو يقلقها”.

المدن

———————

ترامب: واثق من التوصل إلى اتفاق سوري إسرائيلي

أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن سوريا وإسرائيل سيتوصلان إلى اتفاق، معربًا عن استعداده لبذل قصارى جهده لتحقيق ذلك.

وقال ترامب خلال مؤتمر صحفي جمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في الولايات المتحدة الأمريكية، الاثنين 29 كانون الأول”، إنني واثق من أن الزعيمين السوري والإسرائيلي سيتوصلان إلى اتفاق”، بحسب ما نقلت وكالة “رويترز“.

وأضاف الرئيس الأمريكي أنه توصل إلى “تفاهم” مع نتنياهو بشأن سوريا، دون تحديد طبيعة هذا التفاهم.

من جهته، أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن إسرائيل حريصة على ضمان حدود سلمية مع سوريا،

مشيرًا إلى أن “مصلحة إسرائيل في إقامة هذه الحدود السلمية”، بحسب تعبيره.

وكان نتنياهو وصل إلى الولايات المتحدة الأمريكية يوم أمس، لإجراء محادثات مع الرئيس الأمريكي حول عدة قضايا منها إيران والمحادثات حول اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا، ووقف إطلاق النار مع حزب الله في لبنان، والمراحل التالية من اتفاق غزة.

تفاهم أمريكي إسرائيلي

توصلت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية إلى تفاهمات تتعلق باستمرار رغبة إسرائيل العمل في سوريا ضد التهديدات، إلى جانب مواصلة المفاوضات مع دمشق بشأن اتفاق أمني محتمل، حسبما كشفت هيئة البث الإسرائيلية.

التفاهمات تمت في أعقاب اجتماع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مع المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، في 15 كانون الأول الحالي.

وقال مصدر للهيئة، إن كل طرف بات يفهم الآن ما المطلوب منه، مشيرًا إلى أن اللقاء تناول تحديد الخطوط الحمراء للنشاط الإسرائيلي في الساحة السورية، وهي نقاط كان من المقرر أن يعرضها باراك خلال الاجتماع.

زيارة المبعوث الأمريكي لإسرائيل حملت رسائل مباشرة من الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب إلى نتنياهو، وتركزت بشكل أساسي على الملف السوري، أوضحت الهيئة.

وأضافت أن الإدارة الأمريكية ترى في الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، شريكًا يسعى لتحقيق استقرار بلاده ودفعها نحو التقدم، وهو ما يدفع واشنطن إلى محاولة تفادي خطوات تعتبرها مهددة لاستمرار حكمه.

وقد عبر المبعوث براك، عن اعتقاده أن السوريين والإسرائيليين سيتوصلون إلى اتفاق، بدءًا بمسألة الأمن والحدود، ثم المضي قدمًا نحو التطبيع.

وأضاف في تصريح لصحيفة “ذا ناشيونال” في 5 من كانون الأول، أن السوريين يعلمون أن جزءًا من الحل يكمن في الاتفاق مع إسرائيل.

ورغم وجود الكثير من المقاتلين الأعداء الذين يحاولون عرقلة ذلك، وفق تعبير براك، أشار إلى أن دمشق تسعى جاهدة لتحقيق السلام.

ونوه إلى أن الحكومة السورية تسير على الطريق الصحيح، وتفعل كل ما تطلبه الإدارة الأمريكية منها تجاه إسرائيل، موضحًا أن موقفها كان متعاونًا تمامًا مع الحكومة الأمريكية.

وذكر أن إسرائيل تريد أيضًا التوصل إلى سلام مع السوريين، موضحًا أن عدم ثقتها بالإدارة الأمريكية تجعلها حذرة في هذا الملف، وهذا ما جعل العمل بطيئًا إلى الآن.

——————————-

==================

تحديث 30 كانون الأول 2025

———————————

 الحسن وخضر زارا إسرائيل.. وقدما مشروع انفصال الساحل السوري

الثلاثاء 2025/12/30

نقل موقع “تلفزيون سوريا” عن مصادر دبلوماسية غربية، قولها إن رئيس شعبة المخابرات العسكرية السابق، في نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، كمال الحسن، ورجل الأعمال المحسوب على النظام المخلوع “أبو علي خضر”، زارا إسرائيل بشكل سري مطلع كانون الأول/ديسمبر، وقدما مشروعاً انفصالياً كاملاً للساحل السوري.

دعم إسرائيلي

وقالت المصادر إن محادثات الحسن وخضر تناولت طلب دعم إسرائيلي لمناطق الساحل السوري، في ظل تراجع حماسة موسكو لتوفير حماية أو غطاء سياسي لمشروع “دولة علوية” هناك، بالتوازي مع التقارب القائم بين دمشق وموسكو، مشيرةً إلى الشخصيتين عقدتا لقاءات مع مسؤولين في جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك).

وطرح الحسن وخضر خلال الاجتماعات، مشروع انفصال عن دمشق، على أن تكون إسرائيل راعية له بالتعاون مع دول أوروبية مطلة على البحر المتوسط.

واستند الطرح إلى مخاوف أوروبية من موجات لجوء محتملة عبر المتوسط في حال تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية في الساحل السوري، مع التأكيد على وجود آلاف الضباط والمسؤولين الجاهزين للتمرّد، والموجودين بين الساحل السوري ولبنان، ويمكن تفعيلهم عند توافر الغطاء السياسي والدعم الخارجي.

وأكد الحسن وخضر للمسؤولين الإسرائيليين أن عدداً من المسؤولين في النظام المخلوع، ينسّقون بشكل مطّرد مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومع جماعة الشيخ حكمت الهجري في السويداء، في إطار بناء شبكة تفاهمات ميدانية وسياسية عابرة للمناطق، بحسب المصادر.

تحرك مشترك ضد دمشق

ووفق الموقع، فإن لقاءات مباشرة عُقدت بالفعل خلال الفترة الماضية في كل من العراق ولبنان، بهدف تنسيق المواقف وتبادل التقديرات حول فرص التحرك ضد دمشق، وإمكانية توحيد مسارات الضغط السياسي والأمني في مرحلة لاحقة.

وأكدت المصادر أن التواصل بين الحسن والجانب الإسرائيلي لا يُعد مستجداً، إذ كان على صلة غير مباشرة مع المسؤولين الإسرائيليين خلال السنوات الأخيرة التي سبقت سقوط نظام الأسد، عبر قنوات تنسيق شارك فيها مسؤولون في أجهزة الاستخبارات الروسية.

وأضافت أن هذا التواصل جرى في سياق استكشاف ترتيبات محتملة تتعلق بالساحل السوري، ومستقبل البنية الأمنية فيه، ما يشير إلى أن العلاقة القائمة اليوم تمثل امتداداً لمسار تواصل سابق جرى تفعيله وتوسيعه بعد انهيار النظام، وليس وليد المرحلة الراهنة.

رامي مخلوف

وفي السياق ذاته، كشفت المصادر عن لقاء عقده رجل الأعمال السوري وابن خال رئيس النظام المخلوع، رامي مخلوف، مع مسؤول في السفارة الإسرائيلية في دولة إقليمية.

وعرض مخلوف خلال اللقاء، تحديات “الأقلية العلوية” في ظل حكم اعتبره “سنياً”، مؤكداً أهمية أن تضطلع إسرائيل، إلى جانب دول أخرى، بدور راعٍ لحماية العلويين في الساحل ومناطق سورية أخرى، في إطار مقاربة إقليمية أوسع لتوازنات ما بعد سقوط الأسد.

ولا يُعد هذا الأداء جديداً في مسار رامي مخلوف، إذ صرّح علناً، العام 2011، مع انطلاق الثورة السورية، بأن “أمن سوريا من أمن إسرائيل”، في رسالة وُجّهت حينها إلى العواصم الغربية والإقليمية، هدفت إلى التحذير من أن أي زعزعة للنظام ستنعكس مباشرة على أمن إسرائيل، وهو ما يعكس استمرارية مقاربته القائمة على ربط بقاء المنظومة الحاكمة ومعادلات الأقليات بمصالح أمنية إقليمية أوسع، في مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي، وفق المصادر.

مشروع تفاوض

وتكشف هذه المعطيات عن مسارٍ أكثر تعقيداً من مجرد اتصالات ظرفية أو تحركات فردية، إذ تعكس محاولة واضحة من بقايا بنية النظام السوري السابق لإعادة تعريف موقعها الوظيفي في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، عبر توظيف خطاب “حماية الأقليات”، وكمدخل سياسي- أمني لطلب رعاية خارجية مباشرة.

واللافت، بحسب الموقع، هو انتقال هذا الخطاب من كونه أداة ردع موجهة للغرب، كما كان عليه الحال في السنوات الأولى للثورة، إلى كونه مشروع تفاوض عملي يسعى إلى إيجاد مظلة إقليمية بديلة عن المظلة الروسية التي أظهرت حدودها، بل وتراجعها، في لحظة التحول السوري الراهنة.

إضافة إلى ذلك، فإن الانفتاح على إسرائيل، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء إقليميين، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الأوسع في المقاربة الإسرائيلية تجاه سوريا، والتي باتت تنظر إلى تفكك المركز السوري ليس فقط كحالة أمنية يجب احتواؤها، بل كفرصة لإعادة هندسة هوامش النفوذ على أسس طائفية وجغرافية قابلة للإدارة.

قلق النخبة المهزومة

وقالت المصادر إن محاولات الربط بين الساحل و”قسد”، وبعض الفاعلين المحليين في الجنوب كالشيخ حكمت الهجري بالسويداء، تُظهر مؤشراً على السعي إلى بناء شبكة ضغط متعددة المسارات، وتستند إلى فرضية أن إضعاف دمشق يمكن أن يتحقق عبر تراكب أزمات الأطراف، لا عبر مواجهة مركزية مباشرة.

إلا أنها رأت أن هذه التحركات لا تُشير إلى مشروع انفصال ناضج بقدر ما تعكس قلق نخبة مهزومة تبحث عن ضمانات بقاء ودور، وتراهن على توظيف مخاوف أوروبا من الهجرة، وحسابات إسرائيل الأمنية، وفجوات التفاهمات الدولية حول سوريا، لإعادة إنتاج نفسها كلاعب تفاوضي.

وأضافت أن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بعوامل تتجاوز أصحاب هذه المبادرات، أبرزها شكل التوازنات الإقليمية الجديدة، وحدود التسامح الدولي مع أي سيناريو تفكيكي قد يفتح الباب أمام فوضى أمنية أوسع في شرق المتوسط.

المدن

———————————

الفخ الذي وقع فيه الشعب السوري في السويداء/ غسان المفلح

ديسمبر 30, 2025    

أثناء كتابتي هذه المادة، صوت مجلس الشيوخ الأمريكي على قرار إنهاء قانون قيصر نهائياً بدون شروط. مبروك للشعب السوري الذي يستحق كل الخير.

الحقيقة أنني بقيت متردداً في كتابة هذه المادة منذ أن أعلن الرئيس الشرع ووزير خارجيته، أن السلطة وقعت في الفخ في السويداء. لكن ما حرضني أكثر على كتابتها أيضاً عملية “داعش” في تدمر التي راح ضحيتها جنديان أميركيان ومترجم عراقي، وعدد من الجرحى من رجال الأمن الداخلي السوري.

من قام بالعملية كان من المنتسبين للأمن العام. لهذا، أرى من واجبنا فتح هذا الملف لاستخلاص العبر، في ظل مرحلة انتقالية حساسة وخطيرة تمر بها سورية. حيث لا يزال السلم الأهلي مهدداً حتى اللحظة.

الواقع أن هذا الفخ وقع فيه الشعب السوري كله، لسبب بسيط؛ أنه ساهم في تأجيل الكثير من الخطوات الداخلية والخارجية كان من شأنها أن تعود بالخبر على السوريين، وتخف المخاطر على السلم الأهلي. لكن ما حدث يستوجب الاعتذار من كل مدني في السويداء، درزي أو بدوي أو أي سوري آخر.

لن أدخل في تفاصيل تطور الأزمة بين السلطة ومجاميع الهجري. وانعكاسها سلباً على الشعب السوري وأمنه واستقراره. سأكتفي بعرض مختصر لجوانب هذا الفخ المركب.

الشرع تعرض لخديعة في باكو وغيرها من العواصم التي زارها. هذا طبعاً بإملاء إسرائيلي واضح. أو لنقل بمكيدة إسرائيلية واضحة للشرع ولحكمت الهجري.

السؤال: لماذا إسرائيل قامت بذلك؟ إسرائيل نتنياهو ليس من مصلحتها الآنية على الأقل، أن تجد سورية الانتقالية هدفها في الاستقرار وتجاوز هذه المرحلة. وأكد هذا الجانب من الفخ تصريح وزير الخارجية الأميركي بقوله إن ما حدث في السويداء هو “نتيجة لسوء فهم”. وبدورها إسرائيل أظهرت الشيخ الهجري بكونه ألعوبة بيدها. وافق على دخول الأمن العام، ثم تراجع بعد أن دخل. انسحبت السلطة نتيجة للقصف الإسرائيلي، وتركت خلفها عدة شباب متطوعين جدد في الأمن العام بحدود عشرين شاباً، بين مناطق اشتباك البدو وفصائل الهجري، التي قامت بتصفيتهم بعد الانسحاب.

هذا الوجه الأول للفخ. أما الوجه الثاني: والذي لا يأتي أحد على ذكره، أن الأمن العام ودخول الشرع إلى السويداء كان بطلب من قسم من الفعاليات في السويداء. لنقل إنهم يمثلون الاتجاه السوري في السويداء. هذا أيضاً أربك السلطة في دمشق. الوجه الثالث: هو القتال الذي حدث بين عناصر من البدو وعناصر من ميليشيات الهجري في السويداء.

البدو في السويداء أيضاً يريدون تدخل الأمن العام. لكن السلاح الموجود لدى الطرفين هو سلاح فلول، وسلاح له بعض حمولة عصاباتية. الانسحاب من السويداء ترك البدو أمام حملة تشبه حملة الإبادة، والاقتلاع من المدينة وبعض أحيائها وقراها. ما كان على السلطة التدخل في هذا، كما طالبت مراراً وتكراراً، بألا تتدخل السلطة في السويداء عسكرياً، لأن هذا فخ.

الوجه الرابع: هو السماح بفزعة العشائر، وما جرى يوضح أن السلطة في دمشق لا تعرف أتباعها، فارتكبوا انتهاكات بحق مدنيي السويداء. أتوا للسويداء ومعهم مقصات. هؤلاء يجب الكتابة عنهم لوحدهم. ما قام به هؤلاء المسلحون أضاف وجها آخر للفخ الذي وقعت به السلطة.

الوجه الخامس: ترافق هذا التدخل مع شحن طائفي واضح ومتبادل، بدأ مع أحداث كانت تجري في جرمانا، ثم صحنايا، ومع رفع العلم الإسرائيلي وفيديو مسرب لشخص تافه، وردة الفعل الطائفية كان يقودها ما يشبه الدواعش؛ الدواعش لدى الطرفين. هذه المعطيات كان يجب ألا تفوت السلطة. كان يجب أن تعرف أن هناك قسماً من قاعدتها، مجيش سلفاً بحكم تاريخ سوريا في الثورة.

الوجه السادس: تدخل قسد والفلول الأسدية من كل المكونات، وأجهزتهم الإعلامية في المزيد من توتير الأوضاع في البلد. لأن مصلحتهم ليس الدفاع عن الدروز بل ببساطة بقاء البلد خرابة.  الوجه السابع: الأداء الهزيل لأجهزة الإعلام والموالين للسلطة. بدل أن يسحبوا فتيل الشحن الطائفي زادوا منه. إضافة أيضاً أنه بدلاً من إبقاء معركتهم مع فصائل الهجري، عمموا الامر على الطائفة الدرزية. كما عمم ناشطو الهجري على السنة بأنهم دواعش قبل حتى أن تتدخل الحكومة بشهور. فاحتل المشهد الطائفي حقل الصراع السياسي بين طرفين سياسيين.

الوجه الثامن: هو تواجد فلول الأسد من ضباط وآخرين في السويداء، وإعلان حكمت الهجري أنه لن يقوم بتسليم أحد منهم. لا بل اعتمد عليهم في الكثير من الممارسات والمواقع، منذ الشهر الأول للتحرير.

الوجه الأخير في هذه المقاربة السريعة: أداء الأصدقاء من نخب السويداء كان هزيلاً. أخص من هم خارج سوريا، أو خارج السويداء. أما من هم داخل السويداء فلا عتب عليهم.

الاعتذار يجب أن يتم من الشعب السوري عموماً على وقوع السلطة في الفخ، ولااعتذار لأهالي الضحايا من كل الأطراف، وجبر الضرر.

في نهاية هذه العجالة: كان موقفي منذ الشهور الأولى أن تسلم السويداء لفصائلها ومشايخها على المفتاح. وتركها تحدد خيارها لاحقاً. هذا يجعل التعامل بالملف سهلاً ويبعد شبح الاقتتال وتلغيم المشهد. كنت مع تعيين كل مسؤولي المحافظة من أبنائها.

افتح هذا الملف لأننا نواجه اليوم تحركاً داعشياً وراءه دول، وهذا رأيي طبعاً. هذه العمليات الداعشية من شأنها أن تهدد السلم الأهلي في البلد. لهذا، ليكن هذا آخر فخ، وعنواناً لمكافحة الفكر الداعشي في مؤسسات الدولة وخارجها.

الثورة السورية

———————————

سورية ساحة اشتباك في كشوف صحيفتَين أميركيتَين/ حسين عبد العزيز

30 ديسمبر 2025

قد يبدو الحديث عن حافة الهاوية في سورية أمراً مستهجناً لكثيرين ممن ينظرون إلى الوضع السياسي والاقتصادي والعسكري من المنظار الكلي ويتجاهلون المنظار الجزئي المليء بالتفاصيل المهمة.

في الصورة العامة: رفعت واشنطن العقوبات الاقتصادية على سورية، الأمر الذي سيعبد الطريق أمام النهوض الاقتصادي. استمرار حكومة الرئيس أحمد الشرع في بناء مؤسّسات الدولة على نحوٍ سريع. هدوء عسكري إلى حد كبير على مختلف الجبهات الداخلية. انضباط اجتماعي. وفي الصورة الجزئية للمشهد السوري، ثمّة تفاصيل عديدة وتطورات ذات مخاطر كبيرة من شأنها أن تهدّد الدولة الوليدة، وتهدد النسيج الاجتماعي المضطرب أصلاً.

لعل ما كشفته وكالة “رويترز” سابقاً، وما كشفته صحيفتا واشنطن بوست ونيويورك تايمز يستدعي القلق وإعادة النظر في مجمل المسار السياسي خلال العام الجاري.

لم يكن مفاجئاً لأي مراقب للشأن السوري تقديم إسرائيل دعماً مالياً وعسكرياً وسياسياً لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ولتيار من دروز السويداء، فهذا معروف، بدأ بعد الثورة عام 2011، وتصاعد تدريجياً في السنوات العشر الماضية. لكن ما يُلفت الانتباه في تقرير “واشنطن بوست” ثلاثة معطيات مهمة: أولاً، توقيت نشر التقرير، إذ جاء بعيد هدوء عسكري مستمر منذ نحو خمسة أشهر بين دمشق وكل من تيار حكمت الهجري و”قسد”، باستثناء بعض اشتباكات هنا وهناك. وقد لا يكون للتوقيت أيّ دلالة ذات قيمة، فهو مجرّد تحقيق صحافي يُنشر حال اكتماله.

قد يكون للتوقيت أهمية، سيّما أنه جاء، في وقت اندلعت فيه اشتباكات بين قوات الأمن السورية و”قسد” في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وجاء مع اقتراب المُهلة التي وضعتها دمشق لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (31/12/2025) لإتمام اتفاق 10 مارس/ آذار (2025) بين الجانبَين، وكأنّ موعد التقرير جاء ليزيد التوتر بين الجانبَين، ويحولُ دون تطبيق الاتفاق، أو ربما جاء بالعكس، ليكشف الدور الإسرائيلي المُخرّب في الساحة السورية.

ثانياً، حجم الدعم المالي والعسكري الكبير لـ”الحرس الوطني” الخاضع لإمرة شيخ عقل الدروز حكمت الهجري، فبحسب “واشنطن بوست” تلقّى “الحرس الوطني” مساعداتٍ ماليةٍ، دفعات مالية متقطعة، أو رواتب شهرية لنحو ثلاثة آلاف مقاتل سوري درزي، إضافة إلى مساعدات عسكرية تتضمن أسلحة خفيفة استولت عليها إسرائيل في قطاع غزّة وجنوبي لبنان.

ثالثاً، الكشف لأول مرة عن انخراط قوات سوريا الديمقراطية في تأمين الدعم لـ”الحرس الوطني” الدرزي، سواء عبر عمليات التدريب المباشر لمقاتلين من الحرس في مناطق سيطرة “قسد” شمال شرق سورية، أو عبر إمداد الحرس بالسلاح المتوسط والثقيل.

تفيد هذه المُعطيات بأن السلوك الإسرائيلي حيال سلطة الرئيس أحمد الشرع تحوّل من ردّة فعل احترازية بدت خلال الأشهر الأولى التي أعقبت سقوط نظام الأسد إلى استراتيجية كاملة، هدفها التحالف مع أطراف داخلية وتقويتها عسكرياً واقتصادياً من أجل الوصول إلى اللحظة الحاسمة التي ينقلب فيها “الستاتيكو” العسكري القائم حالياً إلى حرب ذات جبهات داخلية متعدّدة ضد دمشق، بما يجعل إسرائيل القوة والمايسترو الفاعل في الساحة السورية. وبالتالي؛ ربط مصير الداخل السوري وتموّجاته السياسية والعسكرية والطائفية بمصير المصالح الإسرائيلية العليا، ومنها استغناء سورية عن الجولان المحتل، والانصياع للمطلب الإسرائيلي بإقامة منطقةٍ عسكريةٍ آمنةٍ تمتد من دمشق وحتى الحدود مع إسرائيل في الجنوب.

وإذا كان التدخل الإسرائيلي السافر والمباشر في الشأن السوري يجري عبر مكوّنَين أساسيَين من مكونات المجتمع السوري (جزء من الأكراد والدروز)، فإنّ تدخّلات أخرى تجري على قدم وساق في الساحل السوري، وفقاً لما جرى كشفه بداية ديسمبر/ كانون الأول الجاري، وما أعادت كشفه صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، أنّ ضباطاً من فلول نظام الأسد، ممّن هم في سورية ولبنان وروسيا والعراق، يعملون على إعادة تنظيم صفوفهم، في محاولة لزعزعة الحكومة السورية الجديدة، وربما اقتطاع مناطق نفوذ داخل البلاد. والتفاصيل الواردة في الصحيفة كثيرة، ما يهم فيها الجديد المتمثل بدخول إيران على الخط (وهذا يعني حزب الله وأطرافاً عراقية)، إذ كشفت وثائق الصحيفة عن تأمين إيران ملاذاتٍ آمنة لطيارين سوريين سابقين متهمين بجرائم حرب، مثل محمد الحصوري أحد كبار قادة سلاح الجو، في فنادق لبنانية ليكونوا جاهزين لأي تصعيد عسكري محتمل.

من مفارقات السياسة وغرائبها أن تتلاقى مصالح الأعداء في سورية: إسرائيل تدعم الدروز بالسلاح وتنسق مع “قسد”، الأميركيون يدعمون “قسد” ويرفضون أي عمل عسكري ضدّها في وقت يرفضون أيضاً قيام “قسد” بأي عمل عسكري ضد قوات الأمن العام السوري، إيران تشارك في تقديم الدعم اللوجستي لضباط علويين.

تناقضات المصالح

منذ نهاية عام 2012، تحولت الجغرافيا السورية إلى ساحة اشتباك مفتوحة، تداخلت فيها مصالح الحلفاء والأعداء وتقاطعت في الوقت نفسه، الأمر الذي أحال سورية إلى واقع سوريالي يصعبُ فيه فهم تشابكات المصالح وتخارجاتها: انقسام ليس بين الأطراف المحلية والإقليمية والدولية المتحاربة فحسب، بل أيضاً بين الحلفاء أنفسهم، إذ أصبح من الصعب تحديد خطوط التماس السياسي والعسكري. يتكرّر هذا الواقع اليوم في سورية، أو للدقة ما زال مستمرّاً، وإنْ تغيّرَ الفاعلون المحليون والإقليميون والدوليون، ذلك أنّ تغير الأطراف السياسيِّ لا يؤدّي بالضرورة إلى تغيير في طبيعة المصالح الاستراتيجية وتشابكاتها.

بالنسبة لإيران، لا يوجد لديها هدف بناء في سورية الحالية، فمطلبها يتراوح بين إسقاط حكم الشرع في الحد الأعلى، أو تشكيل كيان علوي شبه مستقل في الحد الأدنى، من شأنه أن يعيد إيران إلى الساحة السورية، وإذا كان تحقّق الهدفَين يبدو في عداد الاحتمالات غير ممكنة التّحقق، فليس أقلّ من ذلك إلّا إحداث البلبلة والاضطراب في سورية، بما يُعيد إيران إلى المشهد السوري بطريقةٍ أو بأخرى. ويتقاطع هذا الهدف الإيراني مع إسرائيل التي تتراوح أهدافها بين إسقاط حكم الشرع (غير الموثوق به بسبب توجهاته الإسلامية وخلفياته الراديكالية) وإجبار دمشق على تقديم تنازلاتٍ استراتيجيةٍ في ما يتعلق بالجولان المحتل والطبيعة الأمنية للجنوب السوري. … وفي كلا الموقفَين، الإيراني والإسرائيلي، تتقاطع الأهداف في جعل سورية دولةً فاشلةً فيها انقساماتٌ محلية حادّة تمنع إعادة بناء هوية وطنية جامعة.

من مفارقات السياسة أيضاً، وفي سورية تحديداً، أنّ تلاقي الأهداف على المستوى الإقليمي (إيران، إسرائيل) يقابله تلاقٍ في الأهداف الدولية (الولايات المتحدة، روسيا)، ولكن هذه المرّة على نحوٍ معاكس. لا ترغب الولايات المتحدة وروسيا في تحويل سورية إلى ساحة اقتتال محلي وإقليمي، فلدى كلا الدولتين مصلحة في استقرار سورية وإعادة بناء دولة قوية قادرة على ضبط الأمن. بالنسبة لروسيا؛ فإنّ إعادة تفعيل الاتفاقيات الأمنية مع دمشق، واستعادة الدور العسكري الروسي في سورية من ناحية تسليح الجيش السوري، وإدخال روسيا في ساحة الاقتصاد وإعادة الأعمار، عوامل ستجعل من روسيا رافضة لأي محاولات لزعزعة استقرار سورية.

إضافة إلى ذلك كله، ليس من مصلحة روسيا بعدما أخرجت أسلحتها القتالية المتطورة للاستخدام القتالي في سورية، مصلحة بانفراط عقد المجتمع بما يعيد سورية (القريبة جغرافياً من روسيا) إلى منصة جغرافية للحركات الإسلامية الراديكالية. وبالنسبة للولايات المتحدة، تتراوح رؤيتها إلى سورية بين مصالح إسرائيل التي لا يمكن تجاهلها ومصالح حلفائها الإقليميين الآخرين (الأردن، السعودية، قطر، تركيا). تدعم واشنطن إعادة بناء الدولة السورية وتعافيها سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وإلى حدٍّ ما عسكرياً، غير أن إدارة دونالد ترامب تعمل على إدارة الأزمة القائمة بين الأطراف المحليين والإقليميين، باستثناء إيران، باعتبارها خارج المعادلة الأميركية. وبهذا المعنى، تترك إدارة ترامب لحليفها الإقليمي (إسرائيل) وحليفها المحلي (قسد) حرّية التحرك في حدود العمل الذي لا يؤدي إلى انهيار الدولة السورية والحكم الجديد.

وضمن هذه المعادلة الإقليمية، تبدو تركيا الحاضر الغائب معاً، فهي وإنْ تدعم دمشق بقوة إلى جانب السعودية وقطر، إلّا أنها تبدو مُكبلة في الشمال الشرقي من سورية وعاجزة تماماً في الجنوب السوري. ولا يعني هذا الواقع أن تركيا غير قادرة على الفعل وإحداث الفرق، وإنما يعني أن السكون التركي ما يزال مرتبطاً بالتفاعلات الدبلوماسية المتحرّكة ببطء، وما إن يجري تجاوز هذا المستوى من قوات سوريا الديمقراطية، أو من ضباط فلول نظام الأسد، ستنتقل تركيا فوراً إلى الفعل العسكري، ذلك أن مثل هذه التحركات في الساحل وفي الشمال والشمال الشرقي من سورية تهدّد الأمن القومي التركي الذي لن يسمح بإسقاط الحكم الجديد في دمشق وتغيير المعادلة الاستراتيجية القائمة بعد نحو 15 عاماً من الاضطرابات الأمنية على حدودها الجنوبية.

ماذا بعد؟

قد يبدو هذا السؤال من نافلة الأسئلة الطبيعية المطروحة لكل المراقبين، لكنه في الوقت نفسه من أصعب الأسئلة التي ربما لا يمتلك أحد إجابة لها. … ما هو واضح أن دمشق تعتمد مقاربتَين: الأولى، تمرير الوقت على أمل حدوث متغيّرات محلية وإقليمية ودولية، وعلى أمل إعادة بناء الاقتصاد بما ينعكس إيجاباً على كل الفرقاء، وإعادة بناء الجيش بدعم تركي وروسي بما يسمح بفرض واقع جديد، يُعطي دمشق القدرة على فرض حضورها بالقوة، ويعطيها القدرة المعقولة على مواجهة إسرائيل، أو على الأقل القدرة على الامتصاص العسكري للضربات الإسرائيلية المتوقعة في حال انجرفت الساحة السورية نحو العسكرة. ولم تؤدّ هذه المقاربة إلى نتائج مرجوّة، ولا يبدو أنها في المدى القريب ستحقّق شيئاً، بل ربما يمكن قول عكس ذلك، إنها أدّت إلى ابتعاد الفرقاء عن دمشق ورمي أنفسهم في أحضان إسرائيل.

منذ أحداث الساحل في مارس/ آذار الماضي، ثم أحداث السويداء في يوليو/ تموز الماضي، تعطلت لغة السياسة بين الأطراف المحلية لصالح تزايد عمليات التسليح (السويداء، الساحل السوري، شرق سورية)، وهذا دليل ليس على انعدام الثقة بين الفرقاء فحسب، بل الأهم هو الاستعداد للحظة العسكرية الحاسمة التي يمكن أن تحدث في أي لحظة، أما المقاربة الثانية لدمشق، فتقوم آنياً على استبعاد العمل العسكري واعتماد العمل الدبلوماسي مع السويداء وشمال شرق سورية.

وإلى جانب المقاربة الأولى، سيكون مصير المقاربة الثانية الفشل، وهو ما يبدو جلياً من تصريحات كل الفرقاء (كل طرف يحمل الآخر المسؤولية عن فشل المفاوضات)، لأنّ هذه المقاربة تقوم على معادلة مفادها فصل المستوى العسكري ـ الأمني عن المستوى السياسي، أي المطلوب من “قسد” و”الحرس الوطني” من وجهة نظر دمشق، تسليم أسلحتهم لوزارة الدفاع أو الانضمام إلى الجيش السوري في صيغة يجري الاتفاق حولها بين الجانبَين: الانضمام ككتل عسكرية كما هي قائمة، أم في صيغة تذرير لقوات سوريا الديمقراطية، أو في الشكلين معاً.

مقاربة لن تقبل بها الأطراف الأخرى بالطبع، لأنها جزء رئيسي من اعتبارات السياسة والمصلحة، فلا يمكن لهم التخلّي عن مكامن القوة لديهم دون اتفاق سياسي ملزم للجميع يؤسّس لمرحلة سياسية جديدة لا تكون منافية لمصالح الأطراف كلّها. … وفي ظل حالة العُصاب السياسي التي تحكم سورية مع انعدام الحلول الواقعية الممكنة، لا أحد يعرف ما إذا كانت حافّة الهاوية قد اقتربت؟ أم أنها ما تزال بعيدة ويمكن تجاوزها؟

العربي الجديد

———————————-

غارات أردنية في محافظة السويداء.. ما وراء التصعيد الجديد ضد شبكات التهريب؟/ أيهم الشيخ

29 ديسمبر 2025

في تطور أمني حدودي، شنت طائرات حربية يُرجح أنها تابعة للقوات الجوية الأردنية غارات جوية مستهدفة شبكات تهريب المخدرات في محافظة السويداء السورية.

ركزت الضربات على قرية الشعاب شرقي السويداء، التي تسيطر عليها مجموعات مسلحة محلية، بالإضافة إلى مزرعة لتخزين المخدرات على طريق خازمة – ملح في الريف الجنوبي.

وفقاً لتقارير إعلامية سورية حكومية، أدت الغارات إلى تدمير مواقع تخزين وشبكات تابعة لتجار المخدرات ضمن مناطق نفوذ هذه المجموعات.

يأتي هذا الهجوم ضمن سلسلة عمليات أردنية مستمرة لمكافحة تهريب المخدرات، خاصة الكبتاغون، عبر الحدود السورية الأردنية، وسط انخفاض ملحوظ في محاولات التهريب بعد سقوط نظام بشار الأسد في أواخر 2024، لكن النشاط لا يزال مستمراً في بعض المناطق.

في أعقاب الغارات الجوية الأردنية الأخيرة على مناطق في ريف السويداء جنوب سوريا، والتي استهدفت شبكات تهريب المخدرات والأسلحة، يبرز تساؤل حول طبيعة هذه العمليات في ظل التغييرات السياسية الجذرية التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد.

يعلق البروفيسور حسن عبدالله الدعجة، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في جامعة الحسين بن طلال بالأردن، على هذه التطورات في حديث خاص لموقع “الترا سوريا”. ويرى الدعجة أن الغارات التي وقعت مؤخرًا وأدت إلى تدمير مختبرات ومستودعات للمهربين، تعكس مستوى من التنسيق الأمني العملي مع السلطات السورية الجديدة، حتى لو لم يُعلن عنه رسميًا وهي في الوقت نفسه تخدم مصالح الطرفين”. ويضيف: “فمن جهة، تساهم هذه العمليات في إضعاف شبكات التهريب والمجموعات المسلحة الخارجة عن السيطرة داخل الجنوب السوري، وهو ما يصب في مصلحة دمشق في سعيها لإعادة بسط السلطة وتعزيز الاستقرار. ومن جهة أخرى، تخدم الأردن عبر تحييد تهديدات مباشرة لأمنه الحدودي ومنع تحوّل الجنوب السوري إلى مصدر دائم للفوضى العابرة للحدود”.

ويتابع الخبير الاستراتيجي: “وفي هذا الإطار، يمكن فهم الغارات ليس فقط كإجراء دفاعي أردني، بل كجزء من مقاربة أمنية متقاطعة المصالح، يجري فيها تنسيق محدود أو مرحلي، وربما بدعم أو تفهّم إقليمي ودولي، لضبط مرحلة انتقالية حساسة. أما تراجع التهريب في 2025، فحتى مع انخفاضه الملحوظ، بقيت جيوب نشطة، ما يجعل استمرار هذا النوع من التعاون الأمني الوقائي مبرَّرًا من منظور الطرفين”.

أما عن دور الولايات المتحدة في هذه الغارات، فيرى الدعجة أنه “دور داعم ومُيسِّر أكثر منه دور قائد مباشر”. ويشرح: “واشنطن ترى في ضرب شبكات الكابتاغون أولوية أمنية عابرة للحدود لأنها تمس الاستقرار الإقليمي، وتموّل جماعات مسلحة، وتغذي اقتصاد الجريمة، لذلك فهي تميل إلى دعم أي جهد عملي يحدّ من هذه الظاهرة، سواء عبر تبادل معلومات، أو تغطية سياسية، أو تنسيق غير معلن”.

ويضيف: “من هذا المنظور، يمكن اعتبار الغارات جزءًا من تقاطع مصالح ثلاثي غير رسمي بين سوريا والأردن والولايات المتحدة ودول أخرى، وليس بالضرورة خطة معلنة ومؤسسية كاملة”. ومع ذلك، يحذر من أن “هذه العمليات قد تولّد توترًا مع بعض المجموعات المسلحة المحلية في السويداء، مثل تشكيلات درزية ترى في أي تدخل خارجي تهديدًا لنفوذها أو لاستقلالها الأمني المحلي”.

ويتابع: “لذلك تتحرك واشنطن بحذر، موازِنةً بين دعم مكافحة التهريب وعدم دفع هذه المجموعات إلى التصعيد أو الارتماء في مسارات أكثر راديكالية”. ويأتي هذا في سياق مشاركة الأردن في غارات أمريكية ضد أهداف لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا مؤخرًا، مما يعزز من التنسيق الإقليمي.

من منظور استراتيجي أردني، يرى الدعجة أن “هذه الضربات تشير أساسًا إلى تصعيد منضبط ومحدود ضد شبكات التهريب أكثر مما تشير إلى استعداد لمواجهة إقليمية أوسع”.

ويوضح: “عمّان تنظر إلى التهريب، ولا سيما المرتبط بالمخدرات والسلاح، كتهديد مباشر للأمن الوطني وليس كملف سياسي فقط، ولذلك تتعامل معه بأدوات أمنية استباقية عندما ترى أن السلطات المحلية في الجانب السوري غير قادرة بعد على الضبط الكامل”.

ويختم الدعجة: “في الوقت نفسه، تكشف هذه العمليات عن قلق أردني متزايد من الفراغات الأمنية الناتجة عن سيطرة مجموعات متمردة أو شبه مستقلة على بعض المناطق الحدودية، وهو ما قد يحوّل الجنوب السوري إلى مساحة تهديد مستدامة. لذلك يسعى الأردن إلى تحييد هذه المخاطر مبكرًا عبر الردع المحدود والتنسيق الإقليمي، لتفادي انزلاق الوضع إلى توترات إقليمية أوسع يصعب التحكم بها لاحقًا”.

تأتي هذه المستجدات في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سريعة، مع استمرار الجهود الدولية لدعم الاستقرار في سوريا بعد عام من سقوط الأسد، وسط تحديات أمنية مستمرة على الحدود.

وفي تصريحات حصرية لموقع “الترا سوريا”، أكد الباحث في الشؤون العسكرية رشيد حوراني أن الغارات الأردنية على مواقع في سوريا تأتي بتنسيق واضح مع الجانب السوري من جهة، ومع الجانب الأمريكي من جهة أخرى.

وأوضح أن الأردن، كعضو في التحالف الدولي ضد الإرهاب، يتعامل مع قضية الإرهاب كمسألة أمنية خطيرة، مما دفعها إلى اللجوء إلى القوة العسكرية.

وأشار إلى أن الأردن كان قد حذر خلال الفترة الماضية من نشاط شبكات التهريب والميليشيات على حدوده، مضيفاً أن هذه الغارات توجه رسائل متعددة الاتجاهات. أولى هذه الرسائل، وفقاً لحوراني، موجهة إلى الميليشيات، مفادها عدم الاعتراف بها كجهة شرعية، وأن الأردن سيستمر في ملاحقتها إلى أن تتسلم الحكومة السورية مهام الأمن والسيطرة على الحدود. أما الرسالة الثانية، فهي موجهة إلى التحالف الدولي بقيادة أمريكا، الذي يعتمد على مبدأ الرئيس السابق دونالد ترامب في فرض السلام بالقوة، وهو ما يسعى إلى تحقيقه في سوريا.

وبشأن ارتباط هذه الأحداث بتجارة المخدرات، أفاد حوراني أن جزءاً من مصانع المخدرات وطرق التهريب كان موجوداً في السويداء بشكل غير معلن ومتستر عليه.

وأضاف أن هناك أسماء كثيرة كانت متعاونة مع النظام السابق لهذه الغاية، وبعد سقوط النظام تم التستر عليها. وأوضح أن هذه الشبكات عادت إلى نشاطها لأسباب متعددة، أبرزها حاجتها إلى التمويل، إلى جانب حالة الفراغ الأمني التي تعيشها السويداء بسبب عدم دخول قوات الحكومة إلى المدينة، بالإضافة إلى الغطاء الذي يوفره الهجري.

———————————

 خطاب أقلوي لمعالجة مشكلات الدولة الوطنية!/ أحمد عيشة

2025.12.30

بعد مرور عام على خلاص سورية من حكم الأسد، وهو الخلاص الذي لم يكن من الممكن أن ينفتح أي أفق وطني يشارك فيه الناس، لا تزال البلاد مثقلة بإرث عميق من الأزمات، وخاصة الطائفية والإثنية، أزمات تثقل كاهل البلاد وتضعف إمكانات النجاح في إعادة بناء الدولة الوطنية، وذلك من خلال ما تولده من غياب الثقة بين الجماعات الاجتماعية المختلفة وبين السلطة السياسية الوليدة. يمهد الخطاب السائد بشكل ما إلى إعادة إنتاج الحروب الطائفية والإثنية التي لا يزال شبحها يخيم فوق الأجواء السورية، وبالتالي يعيق أي مشروع يهدف لبناء دولة وطنية، ناهيك عن تعميق الانقسامات القائمة بالفعل منذ عقود.

منذ أيام، جرت اشتباكات خفيفة في حلب، بين قوات الأسايش (مخابرات حزب الاتحاد الديمقراطي) وداعميها مع قوات الحكومة (جيش وأمن عام)، ورغم أنها لم تدم سوى ساعات، وحصدت أرواح عدة مدنيين وعسكريين. لكن الملفت للانتباه، ما تلا ذلك، بعد هدوء الرصاص، هو الخطاب السياسي الذي تتبنّاه بعض الجهات المحلية، حيث يُقدَّم غالبًا بوصفه دفاعًا عن حقوق جماعات بعينها، لكنه ينطوي في كثير من الأحيان على إعادة إنتاج لمنطق الاصطفاف الهوياتي، وتضع شروطاً تعجيزية أمام مشروع بناء الدولة الوطنية.

يسهم الخطاب الذي يُؤطّر الصراعات بوصفها صراعات بين جماعات متجانسة إثنيًا أو طائفيًا في تثبيت هذه الجماعات كوحدات سياسية مغلقة، ويحدّ من إمكان بناء فضاء وطني قائم على المساواة القانونية. كان هذا النمط من الخطاب أحد أعمدة النظام الأسدي، الذي أنكر الطائفية في المستوى الخطابي، في حين أعاد إنتاجها عمليًا من خلال الامتيازات والمحاصصات غير المعلنة. والملفت للانتباه في خطاب الأطراف الثلاثة هو الازدواجية، تماماً كما كان يتعامل نظام الأسد مع مشكلة الطائفية، إنكارها في الخطاب وممارستها عملياً، وهنا تدعي هذه الأطراف حرصها على وحدة سوريا، في حين تمارس العكس من خلال مطالباتها بأن يكون لها وضع مميز غير بقية المواطنين ومكرس في الدستور بالقوة، وأن يكون لتشكيلاتها التي أسستها في ظل غياب الدولة استقلالية، وأكثر من ذلك، تصور نفسها ضمانة لمستقبل سوريا، ناهيك عن مبدأ المحاصصة في الثروة الوطنية الموجودة وخاصة في الجزيرة.

أعادت التطورات الميدانية والسياسية خلال العام الماضي طرح مسألة وحدة الدولة السورية على نحو ملحّ. فمن جهة، تسيطر قوات سورية الديمقراطية على مساحات واسعة من الجغرافيا السورية مع بنى عسكرية وإدارية مستقلة نسبيًا عن المركز. ومن جهة ثانية، تشهد محافظة السويداء وضعًا سياسيًا خاصًا يتّسم بتراجع نفوذ السلطة المركزية وظهور مطالب سياسية تتراوح بين اللامركزية الموسّعة وتقرير المصير. وإلى جانب ذلك، برزت دعوات صريحة إلى الفدرالية السياسية وطلب الحماية الدولية في مناطق الساحل السوري. تطرح هذه الوقائع تساؤلات حول ما إذا كانت هذه المطالب تعبّر عن حقوق مشروعة في إطار إعادة بناء الدولة، أم أنها تعكس نزوعًا نحو تكريس كيانات سياسية شبه مستقلة، بما يحوّل الدولة إلى مجموعة من الوحدات المتجاورة والمرتهنة لتوازنات خارجية (فدرالية غزال ودولة الهجري وإقليم مظلوم عبدي).

يُظهر تحليل الخطابات الصادرة عن الأطراف الثلاثة حضورًا لافتًا للغة تُقدَّم بوصفها دفاعًا عن الجماعة، لكنها تقوم على افتراض وجود كتل اجتماعية متجانسة ذات مصالح واحدة. متجاهلاً واقع التنوع الداخلي والصراعات البينية داخل كل جماعة، وهي سمة ملازمة لأي تشكيل اجتماعي حديث. إن اختزال الجماعات في تمثيل سياسي واحد لا يخدم سوى قيادات الأمر الواقع التي تدّعي هذا التمثيل، في حين يُقصي قطاعات واسعة من الأفراد الذين لا تتطابق مصالحهم أو آراؤهم مع هذه النخب، هذا من ناحية،. ومن ناحية أخرى، تكشف هذه الخطابات عن ازدواجية واضحة: فهي تعلن التزامها بوحدة سورية ودولة المواطنة، لكنها في الوقت نفسه تطالب بترتيبات دستورية أو سياسية تمنحها وضعًا مميزًا خارج مبدأ المساواة بين المواطنين، سواء عبر الاستقلالية العسكرية، أو تقاسم خاص للثروة، أو صيغ حكم تتجاوز الإطار الوطني الجامع.

تكشف دعاوى الأطراف الثلاث عن منطق التفكير الأقلوي الذي كرسه نظام الأسد في وجه غالبية السوريين كفئات متميزة رغم ادعاءاتها بدولة المواطنة، ومساعيها هذه ليست أكثر من محاولة لإعادة التاريخ للوراء وتحديداً إعادة إنتاج المنظومة الأسدية التي خنقت سوريا لخمسة عقود، فهي تكذب بأنها ممثلة للجماعات التي تسيطر عليها بالقوة، وتمارس عملياً الخطف والاعتقال والإخفاء والقتل، وتحمي كثيراً من القتلة الأسديين، بل تجعل منهم رموزاً في بعض المناطق في تحدٍ واضح لمشاعر وحقوق ملايين السوريين، الذي لا يزالون حتى اليوم يبحثون عن مصير أحبتهم وذويهم، ناهيك عن الآلام التي ذاقوها طوال فترة حكم الأسدية، حيث يرون في مطالب الأطراف الثلاثة دعوة جديدة لإعادة قهرهم، وهو ما لا يمكن أن يقبلوه أبداً.

لا يعني نقد هذه الخطابات الدفاع عن نموذج مركزي يعيد إنتاج الاستبداد، بل يهدف إلى التأكيد على أن أي صيغة حكم قابلة للحياة في سورية المستقبل يجب أن تقوم على مبدأ التساوي بين المواطنين أمام القانون، وعلى تسوية سياسية تنظّم الاختلافات ضمن أطر قانونية مشتركة. تواجه سورية تحديات مركّبة تتجاوز البعد الدستوري أو الإداري، وتشمل استعادة الثقة المجتمعية ومعالجة إرث العنف والانتهاكات. ومن هنا، فإن الإسراع في بناء مؤسسات تمثيلية، ووضع آليات واضحة للمحاسبة والعدالة الانتقالية، وتنظيم الحياة الحزبية والنقابية، تمثّل خطوات ضرورية ليس فقط لبناء الدولة، بل أيضًا لتفكيك الخطابات التي تحتكر تمثيل الجماعات وتستثمر في مخاوفها.

يشكل الخطاب الطائفي أو الإثني، حتى حين يتذرع بالمطالبة بحقوق الجماعات والدفاع عنها أحد أبرز العوائق أمام إعادة بناء الدولة الوطنية في سورية. فالانتقال من منطق الجماعات المغلقة إلى منطق المواطنة لا يمكن أن يتحقق من خلال الإقصاء أو الإنكار، بل عبر سياسة تسوية شاملة تعترف بالتعدد، وتؤسّس في الوقت نفسه لإطار وطني جامع، يكون فيه الأفراد مواطنين متساوين لا رعايا لجماعات متمايزة.

تلفزيون سوريا

———————————

محاولات الاستيطان تعبر إلى جنوب سوريا.. “عربي بوست” يتتبع نشاط حركة “رواد باشان” وشبكة داعميها من شخصيات متطرفة

مراد محمد الحموي

تستغلّ حركة استيطانية إسرائيلية حديثة النشأة التواجدَ العسكريَّ المتصاعدَ لجيش الاحتلال في جنوب سوريا، والواقعَ الأمنيَّ الهشَّ هناك، ساعيةً إلى إقامة بؤر استيطانية داخل أراضٍ سورية، من خلال تنفيذ اقتحامات متكرّرة للحدود على مرأى من الجيش الإسرائيلي، فيما يكشف تتبّعُ نشاط الحركة أنها تتلقى دعماً من شخصيات يمينية متطرفة داعمةٍ تقود أو تشارك في مشاريع استيطانية مشابهة، تستهدف جنوب لبنان وقطاع غزة.

“عربي بوست” رصد في هذا الاستقصاء نشاط الحركة الاستيطانية التي تُطلق على نفسها اسم “رواد باشان”، وتتبع نشاطها الإعلامي، وشبكة داعميها، والمزاعم التي تروجها لتبرير اقتحامها للأراضي السورية، ومن خلال الاستعانة بصور الأقمار الصناعية تم تحديد المواقع التي وصل إليها المستوطنون داخل سوريا، قبل أن يعيدهم الجيش الإسرائيلي إلى الأراضي المحتلة.

ويُبيّن تحليل خطاب “روّاد باشان” أن تحركاتها المتزامنة مع مشاريع استيطانية تقودها حركات يمينية أخرى في جنوب لبنان وقطاع غزة تندرج ضمن رؤية أوسع للتعامل مع المناطق الحدودية غير المستقرة المحيطة بإسرائيل، بوصفها مساحات مفتوحة قابلة لإعادة تعريف الحدود عبر بوابة الاستيطان.

ترتكز هذه الرؤية على معادلة متشابهة، تبدأ باستغلال النفوذ العسكري الإسرائيلي في المناطق الحدودية ما يتيح اقتحام الحدود من المستوطنين، ثم الدفع باتجاه المطالبة بإقامة مستوطنات دائمة.

نشأة “رواد باشان”

بدأت حركة “روّاد باشان” نشاطها في أبريل/ نيسان 2025، كحركة استيطانية ناشئة لم تُسجَّل رسمياً داخل إسرائيل بعد، وتضم مستوطنين ينتمون إلى مستوطنات في الجولان والضفة الغربية، وتطرح الحركة منذ انطلاقها مشروعاً واضحَ المعالم، يتمثل في إقامة مستوطنات إسرائيلية في جنوب سوريا، ضمن ما تسميه “إقليم باشان”.

يعود مصطلح “باشان” إلى تسمية وردت في الكتاب المقدس لدى اليهود، والذي يُشير إلى منطقة جغرافية واسعة شرق نهر الأردن وجنوب غرب سوريا، وتعني كلمة “باشان” الأرض المستوية أو الممهدة، المعروفة بتربتها الخصبة.

تزامن ظهور “روّاد باشان” مع تصاعد ملحوظ في وتيرة التوغلات العسكرية الإسرائيلية داخل جنوب سوريا، وتجاوز هذا التوغّل حدود المنطقة العازلة الفاصلة بين الأراضي السورية والجولان المحتل، وفي هذا السياق تدعو الحركة بشكل واضح إلى استغلال الوجود العسكري الإسرائيلي والتوسع الميداني القائم، باعتباره “فرصة مواتية” لإطلاق مشروع استيطاني داخل الأراضي السورية.

يكشف رصد النشاط الرقمي للحركة عن اعتمادها على قنوات تواصل ونشر متعددة، من بينها مجموعة على تطبيق “واتساب” تستخدمها من أجل التنسيق وتبادل النقاشات المتعلقة باقتحام الحدود السورية، وتنظيم المشاركة فيها.

تعرض الحركة عبر هذه المجموعة تصورها للاستيطان بوضوح، معتبرة أن “الاستيطان في كامل الباشان يُعد امتداداً طبيعياً للاستيطان في الجولان”، وأنه، بحسب زعمها، “سيسهم في استقرار المنطقة وتعزيز أمن إسرائيل”.

تستخدم الحركة مجموعتها على “واتساب” كأداة أيضاً للحشد وجمع الدعم، إذ خصصت رقماً هاتفياً للتواصل مع الراغبين في المشاركة بأنشطتها، ووجّهت رسائل مباشرة إلى الإسرائيليين دعتهم فيها إلى الانضمام إليها، تحت شعار “معاً نحول رؤية الاستيطان في الباشان إلى واقع”، كما أنشأت رابطاً مخصصاً لتلقي الدعم المالي، بهدف تمويل أنشطتها المرتبطة باقتحام الحدود السورية.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي لدى الحركة صفحتان على “فيسبوك” لتغطية أنشطتها، وتروّج الصفحتان التبريراتِ نفسها التي تعتمدها الحكومة الإسرائيلية من أجل التدخل في سوريا، من خلال اللعب على وتر الأقليات.

في أحد المنشورات، نشرت صفحة داعمة لـ”روّاد باشان” صورةً لما قالت إنه نطاق جغرافي يضم ممراً يؤدي إلى “جبل باشان”، في إشارة إلى جبل العرب في محافظة السويداء السورية. وهي تسمية اعتمدها حكمت الهجري، أحد مشايخ الطائفة الدرزية، في سياق إظهار تقاربه مع إسرائيل التي يتلقى منها دعماً.

وبالتوازي مع تحركاتها الميدانية، تسعى “روّاد باشان” إلى نقل مشروعها الاستيطاني من حيّز المبادرات غير الرسمية إلى المستوى السياسي داخل إسرائيل، فمن خلال موقع إسرائيلي مخصص لتقديم العرائض الإلكترونية أنشأت الحركة عريضة تطالب فيها المجلسَ الوزاريَّ الإسرائيليَّ بالمصادقة على الاستيطان في جنوب سوريا.

تُظهر صيغة العريضة، التي وقّع عليها حتى الآن 214 شخصاً، جانباً مركزياً من رؤية الحركة، إذ أشادت بالتدخل الإسرائيلي المباشر في سوريا عقب ساعات من سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، واعتبرت أن الاستيطان المدني هو المفتاح لإحكام السيطرة العسكرية الإسرائيلية داخل سوريا.

انطلاقاً من ذلك، دعت الحركة الوزراء الإسرائيليين إلى منح الضوء الأخضر للمستوطنين الراغبين بالاستيطان في جنوب سوريا، ما يسمح بترجمة المشروع الاستيطاني من طموح أيديولوجي إلى قرار سياسي مُعلن، قابل للتنفيذ على الأرض.

اقتحام “رواد باشان” للأراضي السورية

منذ بدء نشاطها وحتى تاريخ 29 ديسمبر/ كانون الأول 2025، اقتحم منتسبون لـ”رواد باشان” الحدودَ السورية 3 مرات، في إحداها شارك أطفال في الاقتحام من أجل إقامة بؤرة استيطانية داخل الأراضي السورية، بالقرب من السياج الحدودي.

يُظهر تحليل المواد البصرية التي نشرتها الحركة، من صور ومقاطع فيديو، أن هذه الاقتحامات لم تكن عشوائية من حيث اختيار المواقع. فقد تكرّر الدخول إلى الأراضي السورية عبر المنطقة المقابلة لمستوطنة “ألوني هبشان” في الجولان السوري المحتل، ما يشير إلى اختيار نقاط عبور محددة تتيح سرعة الحركة، وسهولة التوثيق البصري للاقتحام، ثم الانسحاب خلال وقت قصير.

في المقابل، يزعم الجيش الإسرائيلي أنه لا يطّلع على عمليات اقتحام المستوطنين للحدود إلا بعد وصولهم إلى داخل الأراضي السورية، رغم الرقابة العسكرية المشددة التي يفرضها على الحدود مع سوريا على مدار الساعة.

وتتبع عمليات الاقتحام نمطاً متكرراً تعتمده الحركة، يبدأ بتجاوز السياج الحدودي أو قطعه، ثم الدخول المحدود زمنياً إلى العمق السوري، ورفع لافتات أو أعلام ذات دلالات استيطانية، وفي بعض الحالات يعمد المستوطنون إلى وضع ما يصفونه بـ”حجر أساس” رمزي لإقامة بؤرة استيطانية، قبل أن يتدخل الجيش الإسرائيلي لإعادتهم إلى الأراضي المحتلة.

وعقب كل عملية اقتحام، يجري توظيف ما حدث إعلامياً بشكل شبه فوري، عبر نشر المواد المصوّرة وإرفاقها بدعوات للحشد، والتحريض على تنفيذ اقتحامات مماثلة في مراحل لاحقة.

وتتبع “عربي بوست” تفاصيل عمليات الاقتحام الـ3 للحدود من قبل “رواد باشان”، وحدد بصور الأقمار الصناعية المواقع التي وصل إليها المستوطنون.

وقعت عملية الاقتحام الأولى في أغسطس/ آب 2025، بعدما عبرت مجموعة من الإسرائيليين برفقة أطفالهم الحدود ودخلوا إلى الأراضي السورية، في محاولة لإقامة ما أسموه مستوطنة “نويه هبشان”.

وحدث الاقتحام الثاني في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، إذ اقتحم نحو 13 مستوطناً الحدود إلى سوريا في موقعين، الأول في منطقة جبل الشيخ التي استولت إسرائيل عليه عقب سقوط نظام الأسد، والثاني قرب قرية “بئر العجم” التابعة إدارياً لمحافظة القنيطرة.

استخدم المستوطنون مناشير كهربائية لقطع السياج الحدودي، ثم دخلوا إلى الأراضي السورية بمركباتهم، وتزعم الرواية الإسرائيلية الرسمية بأن جيش الاحتلال لم يلحظ نشاط المستوطنين إلا بعد وصولهم إلى الأراضي السورية.

ويُظهر تحديد الموقع الذي دخله المستوطنون في هذا الاقتحام أنهم وصلوا إلى وسط قرية “بئر العجم”، في مساحة تبعد عن السياج الحدودي نحو كيلومتر واحد، ما يعكس مستوى التوغل الذي بلغته العملية.

أما الاقتحام الثالث للحدود، فوقع في ديسمبر/ كانون الأول 2025، حيث عاد عدد من المستوطنين إلى التوغّل داخل الأراضي السورية، ونشرت الحركة صورةً لأحد المستوطنين الذين تمكنوا من عبور الحدود، ما أتاح تحديد الموقع الذي التُقطت فيه الصورة.

ظهر المستوطن على بعد نحو 500 متر عن قرية بئر العجم، التي تبعد عن السياج الحدودي مع إسرائيل نحو كيلومتر داخل المنطقة العازلة، وسبق أن شهدت بلدة بئر العجم عمليات اقتحام متكررة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.

كذلك ظهرت مجموعة من المستوطنين في فيديو، وهم يقومون بتصوير أنفسهم داخل الأراضي السورية في الموقع نفسه لظهور المستوطن بالقرب من بلدة بئر العجم، وكان عدد من الجنود الإسرائيليين يكتفون بمشاهدتهم قبل إعادتهم إلى داخل الأراضي المحتلة.

يميني متطرف وراء “رواد باشان”

يقف خلف نشاط حركة “روّاد باشان” اليميني المتطرف الداعم للاستيطان عاموس عزاريا، وهو أكاديمي يُدرّس في جامعة أريئيل، المُقامة داخل إحدى المستوطنات في الضفة الغربية.

يُعدّ عزاريا من بين الشخصيات البارزة في إسرائيل الداعمة لمشاريع الاستيطان خارج حدود الأراضي المحتلة، ويرى بأنّ الاستيطان يمنح ذريعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي للتواجد في المناطق الحدودية للدول المجاورة.

لدى عاموس تصريحات متطرفة جداً، فخلال مقابلة له نشرها موقع “كان” الإسرائيلي، قال عاموس إنه يحلم بـ”تهويد غزة وجنوب لبنان” حتى ولو كان الثمن آلاف القتلى من الفلسطينيين.

وكان عزاريا من بين الإسرائيليين الذين شاركوا في اقتحام الأراضي السورية برفقة مستوطنين آخرين في أغسطس/ آب 2025، ويُظهر تتبّع نشاطه الاستيطاني وجود ارتباط مباشر له بحركة استيطانية أخرى تُعرف باسم “يوري تسافون” (استيقظ يا شمال)، والتي تسعى لإقامة مستوطنات إسرائيلية في جنوب لبنان.

تدعم حركة “يوري تسافون” بشكل واضح تحركات حركة “رواد باشان” في سوريا، إذ سارعت، عقب اقتحام المستوطنين للأراضي السورية في 22 ديسمبر/ كانون الأول 2025، إلى إعلان تأييدها للتحرك و”مباركة” عملية اختراق الحدود.

كذلك روّجت حركة “انهض يا شمال” لمؤتمر عقدته حركة “روّاد باشان”، دعت من خلاله إلى ما اعتبرته “استغلال الفرصة”، في إشارة إلى التواجد العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، من أجل إقامة مستوطنات فيما تسميه “منطقة باشان”.

تدعم حركة “يوري تسافون” مؤتمرات “رواد باشان” التي تدعو للاستيطان في جنوب سوريا – صفحة “يوري تسافون” على فيسبوك.

يرتبط عزاريا، الذي يقود حركة “رواد باشان”، بعلاقات مع شخصيات استيطانية متطرفة جداً في إسرائيل، ويقدّم دعماً لها، فمثلاً دعم عاموس، في مارس/ آذار 2025، ترشيح الإسرائيلية دانييلا فايس إلى جائزة نوبل.

تُعد فايس من أبرز الوجوه الإسرائيلية الداعمة للاستيطان، إذ أسهمت في تأسيس عدد من المستوطنات، كما تُعد من المؤسسين لحركة “نحالا” الاستيطانية واسعة النشاط، التي تدعو إلى إعادة الاستيطان في قطاع غزة، وبسبب مواقفها المتطرفة فرضت بريطانيا عليها عقوبات في مايو/ أيار 2025، متهمة إياها بالتحريض على العنف ضد الفلسطينيين.

كذلك تحظى حركة “رواد باشان” بدعم واضح من شخصيات إسرائيلية يمينية متطرفة داعمة للاستيطان، فخلال مؤتمر عقدته الحركة في القدس في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، شاركت شخصيات متطرفة في المؤتمر، من بينهم:

موشيه فيجلين: يميني متطرف، وعضو سابق في الكنيست الإسرائيلي ضمن حزب “الليكود” الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لديه العديد من الدعوات لتوسيع الاستيطان الإسرائيلي، إلى جانب تصريحات يدعو فيها إلى مسح غزة وقصفها على غرار ما حدث في “هيروشيما”.

باروخ مارزل: ناشط إسرائيلي يميني متطرف، ويُعرف بمواقفه الداعية إلى “التطهير العرقي” للفلسطينيين ومواجهاته العنيفة مع السكان الفلسطينيين.

يسرائيل أريئيل: حاخام إسرائيلي متطرف، مؤسس “معهد الهيكل”، الذي يطمح إلى بناء “الهيكل الثالث” في القدس، وهو معبد يهودي مزعوم يُعتقد أنه سيُبنى في المستقبل في القدس، في الموقع المعروف يهودياً باسم جبل الهيكل، وهو نفسه موقع الحرم القدسي الشريف.

يُعد نشاط “رواد باشان” امتداداً لتطور مشهد التواجد العسكري الإسرائيلي منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، إذ استغلت تل أبيب هشاشة الوضع الأمني الناجمة عن الانهيار المفاجئ للنظام، ووسّعت من حضورها العسكري في جنوب سوريا، عبر إقامة قواعد عسكرية.

ولا تزال إسرائيل، حتى اليوم، تواصل توسيع هذه القواعد وتعزيز انتشارها العسكري في المنطقة، بالتوازي مع تنفيذ عمليات توغّل متكررة داخل القرى والبلدات السورية. وفي بعض الحالات شملت هذه العمليات تنفيذ اعتقالات، كما أسفرت أحياناً عن سقوط ضحايا مدنيين، كما حدث في قرية بيت جن نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، حين أدى هجوم جوي ومدفعي إسرائيلي إلى استشهاد ما لا يقل عن 13 شخصاً، بينهم نساء وأطفال.

وتقول إسرائيل إنها تريد منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري تمتد على مساحة عشرات الكيلومترات، كما أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين المتكررة تؤكد أنه لا نية لتل أبيب في المستقبل القريب الخروج من المناطق التي دخلتها في سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد.

عربي بوست

————————

تركيا واستراتيجية الأمن القومي الأميركي/ غازي العريضي

30 ديسمبر 2025

حين يتأكّد التراجع عن سياسة تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط، وتترك الأمور لتعامل الدول مع بعضها، مع “تأكّيد مركّز” على دور إسرائيل وتفوّقها وتسيّدها المنطقة، وبعد ضرب إيران وإضعاف دورها، يبرز دور تركيا بوصفها دولة ثالثة فاعلة ومُقرِّرة في المنطقة إلى جانب إيران وإسرائيل التي تريد استكمال إضعاف إيران، ولا تريد هذا الدور لتركيا. ومع العلاقات الأميركية – التركية المميّزة اليوم، وإشادات ترامب بالرئيس التركي، آخذين بالاعتبار التغيير الاستراتيجي الكبير الذي حصل في سورية، وكان لتركيا طبعاً دور مهم فيه، تصبح سورية، جغرافياً وسياسياً وحجماً ودوراً، بالغة الأهمية بالنسبة لإسرائيل على مدى عقود من الزمن.

منذ وصول الشرع إلى دمشق، بادرت إسرائيل إلى ضرب مقدّرات الجيش السوري من دون مبرّر منطقي، مع تأكيد القيادة الجديدة أنها لا تريد حرباً، وأنها ملتزمة بالاتفاقات المُوقّعة، لا سيّما فكّ الاشتباك عام 1974. واحتلّت إسرائيل جبل الشيخ ومناطق محيطة به. وأكّد وزير دفاعها قبل أيام: “لن ننسحب مليمتراً واحداً من الأراضي التي نوجد فيها”. ثم ضربت مواقع كان يمكن أن تكون مراكز لتجهيزات تعزّز إمكانات الجيش السوري، وبدأ ترويج حملات ضدّ تركيا بقوة، تتهم الأخيرة بأنها تعتبر “إسرائيل العدو رقم واحد اليوم”، وتتحدّث عن “خطورة الحضور التركي في سورية الذي يترك انعكاساً على التحرّك الإسرائيلي في الأجواء السورية، ويتعدّاه إلى ما يتعلّق بالمسارات الجوّية التي تستخدمها إسرائيل تجاه إيران”. وحُذِّر من أن “أي رادار تركي يُنصَب في الأراضي السورية قد يتيح رصد طائرات إسرائيلية خلال توجّهها لتنفيذ عمليات في إيران ومناطق أخرى في العراق”، أي إن المطلوب استباحة كل الأجواء من دون عوائق.

يضاف إلى ذلك اعتبار أن الجيش التركي قوي، مكوّن من ثمانمائة ألف جندي، وأنه يزيد تعزيز قواته الجوية بطائرات إف-35 المتطوّرة. وبالتالي، تريد إسرائيل زعزعة الوضع في الداخل التركي، وتطويق تركيا، وإضعافها، والتأثير والتغيير في مستوى ومضمون العلاقات التركية – الأميركية. واللافت أيضاً إشارات إسرائيلية تقول: “في السابق كان ثمّة دولة قوية تفصل بيننا، أي سورية. اليوم النظام الجديد يفتح لها الحدود. ساحتها مفتوحة. لا يمكن أن نقبل ذلك”. وهذا يعيدنا إلى اللعبة السورية القديمة بين تركيا وإسرائيل: سورية منطقة فاصلة، لا حرب مع إسرائيل، ولا مواجهات في الأرض السورية، والتزام فكّ الاشتباك عام 1974، والتزام تام بالاتفاقات التي عقدت مع كيسنجر، مع استخدام كل الأوراق بوجه الطرفَيْن التركي والإسرائيلي عندما تقضي الحاجة. لعبة الجغرافيا مهمة: في مرحلة استُخدم الأكراد وقضيتهم في لبنان والداخل ضدّ تركيا، وفي مرحلة أخرى، جرى تسليم عبد الله أوجلان، وفي مراحل لاحقة حصل تفاهم مع تركيا للتواصل والحوارات مع إسرائيل، وفي لحظات معينة كانت هناك مواجهة بالواسطة مع الأخيرة في الأرض اللبنانية.

الواضح الآن، وبعد التطوّرات التي حصلت من ضرب إيران، إلى الحرب على حركة حماس وما تحقّق، ومن ضرب حزب الله في لبنان وقتل معظم قادته ورموزه الأساسيين، واستمرار الحرب المفتوحة ضدّه في مجالات مختلفة واستهدافه في سورية، ثم سقوط نظامها، وبالتالي “تنظيف” المنطقة من جنوب لبنان إلى طهران، كما يقول الإسرائيليون، ولاحقاً ضرب المقدّرات العسكرية السورية؛ لن تقبل إسرائيل أي محاولة لإعادة إنتاج أي قوة مُهدِّدة لها على حدودها أو على مسافات معينة منها. وقد فعلت ذلك سابقاً برعاية روسية مع النظام السوري السابق، عندما أبعدت الصواريخ الإيرانية عن حدودها مقابل التزامها بعدم ضرب مقارّ النظام، من رئاسة الجمهورية إلى المقارّ الأمنية، والتزمت بذلك إلى أن تفاقم الوضع وبدأت تدرك خطر الصواريخ الإيرانية التقليدية أو الدقيقة المتطوّرة الموجودة في سورية ولبنان. يومها قالت للروس: “لقد سحبتم الصواريخ إلى عمق مائة كيلومتر في الداخل، ولكن مدى الصواريخ يصل إلى مائتي كيلومتراً وأكثر، وبالتالي أمننا مُهدَّد”. وبدأ العدّ العكسي للحروب التي حصلت.

وعندما سقط النظام وخرجت إيران وحزب الله من سورية، وأرادت تركيا أن تكون داعماً وسنداً للتركيبة الجديدة، ضُربت كل المقارّ وصولاً إلى القصر الجمهوري ورئاسة الأركان، وهما الموقعان اللذان حيّدا عندما التزم بشّار الأسد بالاتفاقات التي توصّل إليها الروس.

في العقل الإسرائيلي، لا مكان اليوم لدور تركي يهدّد ويقلق الدولة السيّدة المتفوّقة في المنطقة، وهي مستعدّة لفعل أي شيء لمعالجة هذا الخطر المُحدِق بها. شاهدنا في الأيام الماضية اتفاقاً “إسرائيلياً – قبرصياً – يونانياً” واضحاً ضدّ تركيا. وسبق ذلك مناورات عسكرية في اليونان، إضافة إلى تفاهمات حول إمدادات النفط والغاز إلى أوروبا، والمفتاح الأساسي فيها إسرائيل. واستهداف التركيبة الجديدة في سورية سيستمر، ولعبة الفوضى والتفتيت وصناعة الفتن المذهبية والعرقية ستأخذ مدى قوياً في المرحلة المقبلة.

السؤال هنا: ماذا سيفعل ترامب مع نتنياهو فيما يخصّ الاستباحة الإسرائيلية لسورية، في ظلّ احتضانه قيادتها الجديدة وإشادته بها؟ وتركيا تملك، في المقابل، أوراقاً ستستخدمها بالتأكيد، لكنّها ستواجه تحدّيات كبيرة في هذا الصراع، فيما يشيد ترامب بصدقية أردوغان وعلاقته المتينة به.

العربي الجديد

——————————–

تحول الخصومة بين تركيا وإسرائيل إلى محاور وتحالفات/ سعيد الحاج

وضعت حرب الإبادة في غزة بعد عملية “طوفان الأقصى” وتداعياتها الإقليمية كلا من تركيا وإسرائيل في حالة خصومة ومواجهة غير مباشرة، ولا سيما في سوريا. بيد أن تحركات الجانبين مؤخرا تشير إلى بداية تشكيلهما محاور وأحلافا متنافسة وربما متواجهة.

مواجهة غير مباشرة

أتت عملية “طوفان الأقصى” في 2023 في ظل تحسن العلاقات التركية – الإسرائيلية، وبعد أسابيع قليلة من لقاء أردوغان بنتنياهو في “البيت التركي” في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعد عام تقريبا من استعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما.

بيد أن موقف أنقرة الذي تطور لاحقا على عدة صعد سياسية واقتصادية وقانونية ضد إسرائيل، بما يشمل المشاركة في قضية “الإبادة” أمام محكمة العدل الدولية، وإعلان وقف التعامل التجاري، جعلا من تركيا هدفا للانتقادات الإسرائيلية والتحريض المباشر.

لدى توسع الحرب الإسرائيلية نحو لبنان، قال أردوغان إن “القوات الإسرائيلية على بعد ساعتين من حدودنا”، واجتمع البرلمان التركي لنقاش سبل مواجهة التهديد الإسرائيلي، كما نظرت أنقرة للحرب على إيران من زاوية التهديد الذاتي، ويمكن قراءة الخطوات العملية التي تبنتها كتحصين لها في مواجهة أي عدوان إسرائيلي محتمل. هذا، فضلا عن أن العدوان على سوريا شمل في بعض محطاته قصفا لأهداف تركية ما بين قواعد عسكرية محتملة وأجهزة تنصت منشورة، وفق الرواية الإسرائيلية.

وحين تحدث أردوغان عن ضرورة تعزيز قوة تركيا “حتى لا تستطيع إسرائيل فعل ما تفعله ضد الفلسطينيين” مذكرا بدور بلاده في ليبيا وقره باغ، هدده وزير الخارجية آنذاك يسرائيل كاتس بـ”مصير صدام حسين”. كما أوصت لجنة “ناغل” بضرورة الاستعداد لمواجهة عسكرية محتملة مع تركيا “خلال سنوات”.

في المقابل، تتواتر التصريحات التركية الرسمية التي تضع إسرائيل في دائرة المسؤولية الحصرية عن تهديد الأمن والاستقرار في المنطقة، وتشير لدورها في تهديد سوريا من خلال العدوان المباشر ودعم بعض الأطراف الداخلية مثل “الهجري” وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

إعلان

وإذا كانت حكومة نتنياهو أعلنت أكثر من مرة دعمها لـ “قسد” ضد تركيا، فإن أنقرة تضع مماطلة “قسد” في مسار الاندماج في الجيش السوري في إطار الرهان على دعم إسرائيل لها. وفي ظل إصرار أنقرة على ضرورة حل “قسد” ودمجها في المؤسسة العسكرية الرسمية، ملوحة بحلول عسكرية مباشرة أو دعم دمشق، فإن الدور الإسرائيلي يظل في الحسبان على مستوى التحديات وتعقيد المشهد.

مؤخرا، أعلنت أنقرة رغبتها في المشاركة في “قوة الاستقرار الدولية” التي يفترض أن تنتشر في غزة وفق خطة ترامب، وهو ما يؤيده الأخير، ولكن ترفضه إسرائيل بشدة “بسبب عداء أردوغان الطويل” لها وفق وزير خارجيتها جدعون ساعر.

قمتان متواجهتان

في الثاني والعشرين من ديسمبر/كانون الأول الجاري، تزامنت قمتان متواجهتان في مفارقة ملفتة. فقد نظمت في القدس المحتلة قمة ثلاثية بين إسرائيل واليونان وقبرص (اليونانية) في نفس الوقت الذي زار فيه وفد تركي رفيع المستوى العاصمة السورية دمشق.

في القدس المحتلة، اجتمع نتنياهو مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس ورئيس جمهورية قبرص نيكوس خريستودوليديس، لمناقشة “ملفات إقليمية حساسة”، وتعزيز التعاون العسكري والأمني في ظل “تهديدات حقيقية تواجه المنطقة” وفق رئيس وزراء الاحتلال.

حملت القمة الثلاثية عدة إشارات واضحة على تركيزها على مواجهة أنقرة في المقام الأول. أهمها الإعلان عن إدخال القوات البرية اليونانية منظومات صواريخ مضادة للدروع بعيدة المدى من طراز “سبايك” كانت اشترتها من إسرائيل للخدمة في جزر بحر إيجه (المتنافس عليها مع تركيا)، والإعلان عن تشكيل “قوة تدخل سريع مشتركة” بين الأطراف الثلاثة قوامها 2500 جندي “لحماية البنية التحتية الحيوية في شرق المتوسط”، وهي منطقة التنازع الرئيسة مؤخرا بين اليونان وتركيا، وتصريح نتنياهو إلى “أولئك الذين يحلمون بإقامة إمبراطوريات والسيطرة على أراضينا”- قاصدا أردوغان دون تسميته- بأن “انسوا ذلك، هذا لن يحدث”.

في نفس الأثناء، كان وفد تركي يضم وزير الخارجية هاكان فيدان، ووزير الدفاع يشار غولر، ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن، يلتقي بالرئيس السوري أحمد الشرع، ثم بنظرائه السوريين وفق آلية “3+3”. وقد تصدر جدول أعمال الزيارة ملفات في مقدمتها التعاون الاقتصادي والتجاري في سياق رفع العقوبات الأميركية عن دمشق، وتعزيز التنسيق والتعاون الأمني والعسكري، وعودة اللاجئين السوريين.

ورغم أن ملف إدماج “قسد” في المؤسسة العسكرية السورية كان على رأس أولويات أنقرة، فإن المؤتمر الصحفي المشترك بين فيدان ونظيره السوري أسعد الشيباني، لم يغفل الإشارات الواضحة لإسرائيل، ولا سيما من فيدان.

حيث أكد الأخير على أن الطرفين ناقشا “الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية”، داعيا إياها “للتخلي عن سياساتها التوسعية لضمان استقرار سوريا والمنطقة ككل”.

مواجهة؟

رغم سعي كل من دمشق وأنقرة الحثيث لتجنب المواجهة المباشرة مع إسرائيل، في الوقت الحالي على أقل تقدير، فإن الأخيرة تصعد في الموقف بشكل يثير مخاوف جدية من حصول تلك المواجهة.

إعلان

ذلك أن تركيا لم ترد عمليا وميدانيا على أي استهداف إسرائيلي لها-دورا ونفوذا ووجودا- في سوريا، وفق رؤية ترى أن تعزيز قوة سوريا واستقرارها هو الرد الأمثل في الوقت الحالي.

أكثر من ذلك، فقد دعمت أنقرة مسار المحادثات ثم المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، وقد أمل فيدان في المؤتمر الصحفي المشار له بأن “تفضي المحادثات الجارية إلى نتيجة”، مؤكدا على أن إحراز تقدم فيها “بالغ الأهمية لاستقرار سوريا والمنطقة”.

في المقابل، تضع التصريحات الرسمية وغير الرسمية الصادرة عن إسرائيل، تركيا في بؤرة التحريض والاستهداف. فالنظرية الأمنية الجديدة بعد “طوفان الأقصى” تقضي بألا تنتظر إسرائيل نشوء تهديدات لها للتعامل معها، وإنما وأد أي تهديد محتمل قبل تبلوره، كما أن إضعافها عددا من أعدائها في المنطقة- دون أن تحسم الحرب ضدها نهائيا- جعل من تركيا خصما مستقبليا محتملا بعدّها دولة قوية ومنافسة.

كما أن ثمة تقديرات متزايدة باحتمال استئناف الحرب على لبنان و/أو إيران أو أطراف أخرى في المنطقة لـ”استكمال المهمة”، في ظل “ميزانية الحرب” التي تسعى لها حكومة نتنياهو لعام 2026، خصوصا أنه سيكون عام انتخابات ومزايدات لكسب أصوات المجتمع الإسرائيلي الموغل في التطرف.

وفي حين تنظر إسرائيل لتركيا على أنها أكبر الكاسبين في سوريا، وقد يكون لها حضور عسكري في غزة، بما يعني أنها قد “تحاصرها” من الشمال والجنوب، فإنها تسعى لحصار أنقرة وإضعافها عبر عدة وسائل من ضمنها دعم “قسد”، وغيرها في سوريا وتشكيل محاور تستهدفها.

كانت إسرائيل محركا رئيسا وفاعلا أساسيا في “منتدى غاز شرق المتوسط” الذي أسس عام 2019، وكان هدفه الرئيس غير المعلن عزل أنقرة وحرمانها من حقوقها في شرق المتوسط، التي وللمفارقة تملك الساحل الأطول عليه.

اليوم، ومع تطوير أنقرة علاقاتها العربية وتهدئة التوتر مع الاتحاد الأوروبي، تلجأ حكومة نتنياهو “للعدو التقليدي والدائم” لأنقرة وهو أثينا. وفي مخرجات القمة الثلاثية لا يمكن فهم “قوة التدخل السريع المشتركة” إلا أنها رسالة تهديد لأنقرة في الإطار السياسي، وربما في الإطار الميداني المباشر أيضا.

هل يعني ذلك أن عام 2026 سيشهد مواجهة عسكرية مباشرة بين تركيا وإسرائيل؟

لا، ليس بالضرورة، ذلك أن هناك كوابح حقيقية لهذا السيناريو، في مقدمتها القدرات العسكرية للجانبين وبالتالي خسائرهما من المواجهة متشابهة، والعامل الأميركي الرافض حروب الحلفاء، خصوصا أن الأمر يطال أثينا أيضا التي يجمعها مع أنقرة وواشنطن عضوية حلف الناتو.

تسعى الإدارة الأميركية لترطيب الأجواء بين تركيا وإسرائيل، وتحدث سفيرها في أنقرة توم براك عن احتمال توصل الجانبين لتفاهمات اقتصادية يمكن أن تحسن العلاقات بينهما، لكن ذلك ما زال بعيدا حتى اللحظة.

وعليه، يبقى سيناريو المواجهة غير المباشرة الأرجح وفق المعطيات الحالية، ونتحدث بشكل أساسي عن مواجهة غير مباشرة محتملة في سوريا، حيث تتوفر عناصر التفجير بشكل مكثف من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والمتمادية، إلى “قسد” وملفها الذي قد يتضمن عملية عسكرية قد تنخرط فيها حكومة نتنياهو بشكل أو بآخر.

أما المواجهة المباشرة فتبقى احتمالا قائما على المدى البعيد وليس القريب، طالما لم يطرأ تغير جوهري على الموقف الأميركي والنوايا الإسرائيلية ومواقف مختلف الأطراف في المنطقة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

باحث في الشأن التركي والقضية الفلسطينية والشؤون الإقليمية. صدر له كتاب “العلاقات التركية-العربية: الآفاق والصعوبات”، وشارك مع باحثين في عدة كتب أخرى، منها كتاب “تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم”، ويشارك سنوياً في “التقرير الاستراتيجي الفلسطيني”. يتعاون مع عدد من مراكز الدراسات العربية، مثل مركز الجزيرة للدراسات، والمركز العربي للدراسات وأبحاث السياسات، ومركز الزيتونة، ومركز دراسات الشرق الأوسط.

الجزيرة

==================

تحديث 29 كانون الأول 2025

———————————

من السويداء إلى أرض الصومال/ معن البياري

29 ديسمبر 2025

أمّا وأنّ رئيس ما تعرّف نفسها جمهورية أرض الصومال، عبد الرحمن محمد عرّو، عَدَّ شخصَه “أسعد إنسانٍ في العالم”، بعد أول اعترافٍ بجمهوريّته، وقد بادرَت إليه إسرائيل، فالراجح أن حكمت الهجري يشتهي أن يكون ثاني أسعد إنسانٍ، عندما تعترف إسرائيل بكانتونٍ دُرزيٍّ يعمل على إقامته في محافظة السويداء في جنوب سورية، يتمتّع أولاً بحكمٍ ذاتي، قبل أن يصير نواة “دولة درزية” تمتدّ إلى العراق، هيّأ خرائطها، على ذمّة أربعة مراسلين لـ”واشنطن بوست”، في تقريرٍ لهم مثير، نشروه الأسبوع الماضي، يُخبر عن دفع دولة الاحتلال ما بين مائة ومائتي دولار لكل واحدٍ من ثلاثة آلاف محاربٍ سوري درزي في مليشيا “مجلس عسكري” هناك، تسلّحها إسرائيل، منذ الأسبوع الثالث بعد إسقاط بشّار الأسد وفراره، بشحنات ذخائر وبنادق ودروعٍ واقية (وغيرها). ومع الفارق المهول بين مساحتي المحافظة السورية (نحو 370 ألف نسمة، 6550 كيلو متر مربع) والإقليم الصومالي، أو الصومالي البريطاني في تسميةٍ أخرى سوّغَه احتلال بريطانيا له سابقاً فيما احتلّت إيطاليا الجنوب (نحو ستة ملايين نسمة، أكثر من 176 ألف كيلو متر مربع)، ومع الموقع الاستراتيجي الشديد الحساسية للإقليم وحيازته ميناءً مهمّاً، فيما تكاد تنعدم موارد السويداء التي يعتمد ناسُها على الزراعة والوظائف الحكومية غالباً، ثمة ما يصل بينهما، ويجعلهما في موضعٍ واحدٍ، هو الجهد الإسرائيلي الدؤوب عليهما، أو على الأصح على شطرٍ واسعٍ من فاعلين ونافذين فيهما، في محاولةٍ لتكون السويداء دبّوساً موجعاً في البدن السوري، ولتكون “جمهورية أرض الصومال” ساحةً مُضافةً إلى اللعب الإسرائيلي المكشوف، استخبارياً وعسكرياً وأمنياً، على شواطئ البحر الأحمر، وعند الخاصرة اليمنية، فتصير تهديداً ظاهراً لمصر والسعودية وغيرهما.

سيكون افتعالاً لو أخذتْنا قراءة واقعة الاعتراف الإسرائيلي بجمهورية أرض الصومال، يوم الجمعة الماضي، “دولةً مستقلّةً وذات سيادة” إلى تزامنها مع الجاري في جنوب اليمن، حيث ينشط ميدانيّاً وعسكريّاً انفصاليو المجلس الانتقالي من أجل انتزاع الجنوب كياناً مستقلّاً لا صلة له بجمهوريةٍ في الشمال. وسيكون افتعالاً مُماثلاً لو رَبط بعضُهم الأمريْن بتوقيت نشر الصحيفة الأميركية ما نشرتْه. فإسرائيل لا تُبرمج مواقيتها بحِسبةٍ يتوهّم معلّقون شطارتهم وهم يصنعون مثل هذه الصلات، ففي وُسع استخباراتِها التي تتمكّن من قتل إسماعيل هنيّة في غرفة نومه في مضافةٍ للرئاسة الإيرانية في طهران أن تعطي إسعاد عبد الرحمن محمد عرّو ما يلزمه من وقت، والمذكور شديدُ التلهّف إلى علاقةٍ وطيدةٍ مع إسرائيل، لا تزوّده فقط بالاعتراف الذي يشتهيه، وإنما أيضاً تجعلُه رقماً في منصّات الإعلام، كما مظلوم عبدي وحكمت الهجري وعيدروس الزبيدي وحميدتي وخليفة حفتر، ممن لا تكذب التقارير الصحافية عن صلاتٍ لهم، بعضُها عسكري واستخباري ولوجستي، بإسرائيل التي ترى البلاد العربية ساحاتٍ لا أوطاناً موحّدة وذات سيادة.

ليس تهجير غزّيين إلى الجمهورية الصومالية المُختلقة الباعثَ الذي جعل نتنياهو (والموساد) ينشط باتجاهها، ويعِدُها بدعمٍ في الزراعة وغيرها، وليس قَلقاً على السوريين الدروز يجعله لا يستطيع النوم، فيبادر إلى ذلك التسليح وتلك الاتصالات المكثّفة مع الهجري والدولارات الزهيدة. إنما هو العمل الاستراتيجي الذي يضع نفوذ إسرائيل، في الإقليم وفي العالم (أذربيجان وإثيوبيا… إلخ)، بمختلف أدوات القوة لديها، في منزلة أولى الأولويات، سيّما أن أوضاع العرب على ما نعرف، ولا تجعل أياً من دولهم التي تقيم علاقات تطبيع مع إسرائيل تجمّد هذه العلاقات أو توقفها أو تعلّق اتفاقياتٍ بموجبها، في أثناء الإبادة في غزّة. ما يجعل أجهزة الدولة العبرية، في غير شأن، تعمل بيُسر على تطويق العالم العربي، وتحاصره باتفاقياتٍ ترهن شؤون غير بلدٍ بتطبيعٍ معها، على ما شهدنا في ذهاب المغرب إلى تلك العلاقة الآثمة، بغرض اعترافٍ أميركيٍّ بسيادته على أقاليمه الصحراوية.

مع كل التقدير لموجة الغضب العربي من الوثبة الإسرائيلية في شمال الصومال، في بياناتٍ معلنة، ليس متوقّعاً أن يُرى أي عملٍ عربيٍّ فاعلٍ وجدّيٍّ وحاسمٍ يوقف الاستباحات الإسرائيلية النشطة من السويداء مروراً بجنوب اليمن وتلك المليشيا في السودان وصولاً إلى غبطة عبد الرحمن عرو وهو يُشهر نفسه أسعد شخصٍ في العالم.

———————————

 بين أحلام أردوغان وأطماع نتنياهو: كيف تُدار المنطقة أميركيًا/ خلدون الشريف

الاثنين 2025/12/29

لا تسعى الإدارة الأميركية في عهد دونالد ترامب إلى التوفيق بين مشاريع إقليمية متعارضة في الشرق الأوسط، ولا إلى إنتاج تسويات مستقرة بين حلفائها المتنافسين. على العكس، يقوم النهج الأميركي على إدارة التناقضات لا حلّها، وعلى إبقاء الصراعات ضمن حدود قابلة للتحكّم، بما يسمح بتقليص الانخراط المباشر من دون خسارة النفوذ. في هذا الإطار، لا تبدو العلاقة بين طموحات رجب طيب أردوغان وأطماع بنيامين نتنياهو أزمةً ينبغي معالجتها، بل أداةً يُعاد توظيفها باستمرار.

أردوغان: طموح إقليمي بلا ضمانات

يسعى أردوغان إلى استعادة روح ما يُسمّى «السلام التركي» (Pax Turkica)، مستحضرًا مرحلة عثمانية وفّرت حدًّا من الاستقرار على طرق التجارة والفضاءات المتعدّدة الأعراق. اليوم، يريد نظامًا إقليميًا تدور محاوره حول أنقرة: تركيا مركزًا لوجستيًا وسياسيًا، وسوريا ما بعد الأسد دولةً مركزية متحالفة معها، وخالية من النفوذ الإيراني، مع شبكة تحالفات تمتد من العراق إلى ليبيا وأذربيجان، ومن دون قطيعة مع طهران، خصوصًا في ما يتصل بالملف الكردي والأمن الحدودي.

واشنطن لا تمانع هذا الطموح طالما يخفّف عنها الأعباء. مُنح أردوغان اعترافًا بدور إقليمي وحضورًا في ترتيبات ما بعد الأسد، لكن من دون ضمانات حقيقية: رفع محدود للعقوبات عن سوريا، لا مشاركة في إعادة الإعمار، ولا استعداد لكبح إسرائيل دفاعًا عن الدور التركي. ما مُنح لأنقرة هو هامش حركة، لا تفويض ببناء نظام.

تُضاف إلى ذلك قيود بنيوية واضحة: اقتصاد تركي هشّ، مديونية مرتفعة، وقدرة محدودة على تحمّل كلفة إعادة الإعمار أو الوجود العسكري طويل الأمد. لذلك يبقى الطموح التركي معتمدًا على الغطاء الأميركي أكثر من اعتماده على القوة الذاتية، وهو ما يضع سقفًا منخفضًا لأي مشروع جيوسياسي مستدام.

نتنياهو: تفوّق عسكري بلا شراكة إقليمية

في المقابل، تتحرّك إسرائيل من منطلق مختلف. فبعد الحرب مع إيران وتوسّع عملياتها في لبنان وسوريا، رسّخت تفوّقها العسكري وتسعى إلى تحويله إلى معادلة ردع طويلة الأمد. رؤيتها لسوريا واضحة: دولة ضعيفة، لامركزية، مع مناطق عازلة تمنع قيام سلطة مركزية قادرة على تهديد حدودها الشمالية.

من هذا المنظور، يُنظر إلى أي نفوذ تركي منظّم في سوريا بوصفه خطرًا محتملًا. محور سنّي تقوده أنقرة قد يحدّ من حرية الحركة الإسرائيلية ويُنتج بيئة أقل قابلية للضبط. لذلك لا تُخفي إسرائيل معارضتها لدور تركي موسّع، وقد ترجمت ذلك عمليًا عبر ضرب مواقع مرتبطة بالوجود التركي، وتوسيع مناطق عازلة بحكم الأمر الواقع.

ترامب يمنح نتنياهو هامشًا واسعًا للتحرّك العسكري، لكنه لا يمنحه حسمًا كاملًا. ما تضمنه واشنطن لإسرائيل هو التفوّق العسكري، لا النظام الإقليمي الذي تطمح إليه.

سوريا: ساحة موازنة لا دولة

هكذا تتحوّل سوريا إلى مسرح لإدارة التناقضات. يُسمح لتركيا بالتقدّم خطوة، ثم تُعاد خطوة إلى الخلف بالقوة. تُطرح أفكار قواعد عسكرية، ويُباشَر بترميم بنيتها التحتية، قبل أن تُستهدف بضربات إسرائيلية دقيقة تعيد رسم حدود الدور المسموح.

في المقابل، تتمدّد منطقة عازلة إسرائيلية من دون اعتراف دولي كامل، ولكن أيضًا من دون اعتراض فعلي. أمّا دمشق، فتُترك معلّقة بين خطاب الدولة وواقع الشلل الميداني، عاجزة عن فرض سيادتها حيث تمدّ إسرائيل نفوذها.

لا يُسمح لأي طرف بالانتصار الكامل، كما لا يُدفَع أيٌّ منهم إلى الهزيمة. الجميع محكومون بحركة محسوبة داخل ساحة مفتوحة تُدار فيها الصراعات لتبقى قابلة للتحكّم، لا للحسم.

غزة: الرمزية وحدود الدور التركي

إذا كانت سوريا ساحة إدارة التناقض، فإن غزة هي عقدته الأخطر. هنا لا يعود الصراع تقنيًا أو أمنيًا، بل يتحوّل إلى مواجهة على المعنى والشرعية. أردوغان قدّم نفسه، منذ اندلاع الحرب، بوصفه المدافع الأبرز عن القضية الفلسطينية، مستثمرًا الغضب الشعبي التركي لإعادة تموضع أنقرة رمزيًا في قلب الملف الفلسطيني.

غير أنّ هذا الحضور بقي محكومًا بسقف أميركي–إسرائيلي صارم. سُمح لتركيا بالخطاب العالي النبرة، لا بالفعل السياسي. لم تُمنح أي دور في هندسة ما بعد الحرب، حتى حين استُخدمت قنواتها في التواصل مع «حماس». الرسالة واضحة: يُسمح لتركيا أن تتحدّث باسم فلسطين، لا أن تُقرّر مصيرها.

بالنسبة إلى إسرائيل، غزة خط أحمر. قد تتحمّل الانتقاد، لكنها لن تقبل بتحوّل تركيا إلى لاعب مؤثّر في معادلة ما بعد الحرب. هنا يصبح التوازن أكثر هشاشة: تصعيد تركي في الكلام، مقابل إطلاق يد إسرائيل في الميدان.

امتداد واسع بلا مركز قرار

من القوقاز إلى ليبيا والعراق، تبدو تركيا حاضرة في ساحات متعدّدة. هذا الانتشار يمنحها صورة «القوة العائدة»، لكنه يكشف في الوقت نفسه غياب المركز الجامع. تركيا تتحرّك كثيرًا، لكنها لا تحسم، ولا تملك القدرة الاقتصادية أو الغطاء الدولي لتحويل هذا الحضور إلى نظام متماسك.

واشنطن ترى في هذا الدور فائدة مزدوجة: تركيا تملأ الفراغ وتضبط ساحات، من دون أن تتحوّل إلى قائد إقليمي. فاعل ميداني، لا شريك في القرار.

فلسطين: ذاكرة حيّة لا سيادة

تكتسب فلسطين في خطاب أردوغان بُعدًا رمزيًا إضافيًا. فهي ليست فقط قضية سياسية، بل استدعاء لذاكرة عثمانية خرجت من المشرق قبل قرن. غير أنّ هذه العودة تبقى رمزية: حضور في الذاكرة والخطاب، لا في القرار والسيادة.

إسرائيل تدرك هذا البعد، ولذلك تتعامل مع الدور التركي بحساسية مضاعفة. المسألة ليست «حماس» فقط، بل الخشية من تحوّل تركيا إلى مرجعية سنّية سياسية وأخلاقية في فلسطين.

إدارة الصراع بدل حلّه: توازن بلا عدالة

في المحصّلة، لا تُدار العلاقة بين أحلام أردوغان وأطماع نتنياهو بوصفها صراع مشاريع متكافئة، بل كأداة وظيفية داخل استراتيجية أميركية أوسع تُحسن استخدام التناقضات من دون أن تسمح لأيٍّ منها بالخروج عن السيطرة. يُسمح لتركيا بالتمدّد والاشتباك الرمزي ورفع السقف الخطابي، ما دامت لا تتحوّل إلى لاعب سيادي قادر على فرض معادلات، ويُمنح لإسرائيل تفوّق عسكري مطلق، من دون أن تُلزَم بأي أفق سياسي أو تسوية نهائية.

في هذا التوازن المختلّ، لا تُبنى دول ولا تُحلّ أزمات. سوريا تُدار بوصفها ساحة اختبار دائمة لا دولة قابلة للحياة، وغزة تُختزل إلى ملف أمني لا قضية سياسية، وفلسطين تُعاد إلى موقع الرمز والذاكرة، لا إلى موقع القرار والسيادة. أمّا العدالة، فتبقى خارج الحساب، مؤجّلة إلى أجل غير مسمّى.

المنطقة، بهذا المعنى، لا تسير نحو نظام إقليمي جديد، بل نحو إعادة إنتاج فوضى مضبوطة تُدار من بعيد، وتُترك شعوبها رهينة توازنات لا تصنعها ولا تستفيد منها. وفي ظل هذا النهج، لا يُطلب من الفاعلين الإقليميين أن ينتصروا أو يُهزموا، بل أن يبقوا في حالة حركة دائمة، فيما تُفرَّغ القضايا الكبرى -وفي مقدّمها فلسطين- من مضمونها السياسي، وتُختزل إلى أدوات ضغط ظرفية داخل لعبة النفوذ.

هذه ليست مرحلة انتقالية، بل صيغة حكم. وما لم تُكسَر هذه المعادلة، ببناء تحالفات اقليمية تدرك خطورة المشروع الإسرائيلي وتواجهه، ستبقى السيادة والعدالة مؤجّلتين، والسلام نفسه مجرّد شعار يُستدعى عند الحاجة ويُطوى عند أول اختبار.

المدن

———————————

==================

تحديث 28 كانون الأول 2025

———————————

رهان إسرائيل على سوريا… الإكراه لا الحوار/ مايكل هوروفيتز

لا تشعر إسرائيل بأنها مجبرة على تقديم أي تنازلات، فقواتها موجودة على الأرض بالفعل

 28 ديسمبر 2025

لا تختلف الولايات المتحدة وإسرائيل اختلافا جوهريا إلا في بضعة مجالات، يبرز أحدها في سوريا بشكل غير متوقع إلى حد ما. فقد شعرت الأخيرة بالقلق إزاء احتضان الرئيس دونالد ترمب السريع للرئيس السوري أحمد الشرع، الذي وصفه وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأنه “جهادي يرتدي بدلة”.

بوغتت حكومة نتنياهو عندما التقى ترمب بالقائد السابق لـ”جبهة النصرة” (المرتبطة بتنظيم “القاعدة”) في السعودية في مايو/أيار الماضي. وطغى عليها شعور متزايد بالاستياء مع ظهور تقارب واضح بين الزعيمين، سواء على صعيد رمزي تبدى في زيارة الشرع للمكتب البيضاوي، أم على صعيد السياسة، كخطوة واشنطن لرفع العقوبات عن سوريا وضغطها المزعوم على إسرائيل لتطبيع العلاقات مع دمشق. وأبعد من ذلك، ازداد قلق المسؤولين الإسرائيليين من ميل توم باراك، سفير ترمب لدى تركيا وإحدى الشخصيات المحورية في الملف السوري، نحو تبني النهج الذي تفضله أنقرة.

ومن المؤكد أن الكثير من المراقبين الضالعين في الشأن السوري أشادوا بتواصل واشنطن السريع وغير المتوقع مع الزعيم السوري الجديد. ورفع قرار ترمب المبكر بإلغاء مجموعة من العقوبات الآمال في تسريع إعادة دمج سوريا بعد سنوات من العزلة، التي وُضعت في أوقات مختلفة ضمن إطار “محور الشر” وفقا لمنظور واشنطن أو “محور المقاومة” بحسب رواية طهران. وبدلا من تبني موقف حذر قائم على مبدأ “الإدانة حتى تثبت البراءة”، ابتعدت الولايات المتحدة بجرأة عن عبء الإثبات، وتعاملت مع الشرع على أنه “بريء حتى تثبت إدانته”. وهذا التمييز ليس مجرد اختلاف في المصطلحات، فحتى التخفيف الجزئي للعقوبات يبعث برسائل واضحة إلى الشركاء والقوى الإقليمية بأن واشنطن لن تحول دون الاستثمار والتواصل الدبلوماسي مع سوريا الجديدة. ويتجنب في الوقت نفسه السيناريو الذي تُدفع فيه دمشق المهمشة إلى أحضان خصوم أميركا، أو تُجبر على الاعتماد على حليفتها الوحيدة منذ أمد بعيد، تركيا.

بيد أن نتنياهو لا يرى في التحول على صعيد السياسة أو العلاقة الشخصية بين ترمب والشرع مجرد سياسة برغماتية، بل هي مخاطرة استراتيجية. وفي هذا السياق، ترى الحكومة الإسرائيلية أنها محقة في قرارها، الذي اتخذته في غضون ساعات من سقوط بشار الأسد، بشن ضربات واسعة على ما تبقى من مواقع عسكرية سورية وإنشاء منطقة عازلة جديدة خارج المنطقة منزوعة السلاح الحالية في جنوب سوريا. إن عقلية ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول السائدة بين عدد من مكونات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية واضحة: لا يمكن للبلاد أن تعتمد على حسن نوايا الآخرين، وإنما على قوتها العسكرية وحسب. ويرى أنصار هذا الرأي في سوريا مثالا واضحا على ما يذهبون إليه. لا يمكن لإسرائيل أن تُرسي أمنها استنادا إلى رئيس أميركي ودود ولكنه متقلب المزاج، أو إلى رهان غربي على أن الشرع سيواصل إظهار برغماتيته. فهي لن تعتمد إلا على الجنود على الحدود. نتيجة لذلك، وبعد أسابيع قليلة من زيارة الشرع للبيت الأبيض ولقائه بالرئيس ترمب، حرص رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على زيارة المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل في جنوب سوريا مرة أخرى، في رسالة واضحة: إسرائيل تملك أوراق قوة لن تتخلى عنها بدافع حسن النية والوعود.

زعيم لا “تشتريه” إسرائيل

ثمة ما يدعو إسرائيل للقلق بشأن أحمد الشرع. فهو ينحدر من أسرة تعود أصولها إلى مرتفعات الجولان، وكانت من بين آلاف السوريين الذين نزحوا جراء استيلاء إسرائيل على المنطقة عام 1967، وانتقلوا إلى دمشق  (بعد بغداد ثم الرياض). ورغم أنه قضى معظم طفولته في العاصمة السورية، فإن أحمد الشرع اتخذ اسم “الجولاني” (نسبة إلى “الجولان”) عندما أسس “جبهة النصرة”. وقد تقاطعت مسيرة تطرف الشرع، من مراهق خجول ومنطوٍ على نفسه إلى عضو في تنظيم “القاعدة” في العراق، مع الانتفاضة الثانية في جزء منها.

عبّر الكثير من المسؤولين الإسرائيليين عن شكوكهم العميقة تجاه الشرع. واتسمت تصريحات الحكومة الإسرائيلية العلنية تجاهه بالاستخفاف المستمر. فقد وصف وزير الخارجية جدعون ساعر حكومة دمشق الجديدة بأنها “عصابة وليست حكومة شرعية”. وقال عن قادتها إنهم “إرهابيون كانوا في إدلب أولا ثم استولوا على العاصمة”. ونشرت وزارة الخارجية صورة للشرع مع تعليق: “الجهاديون الذين يرتدون البدلات الرسمية ما زالوا جهاديين”. كما استشهد وزير شؤون الشتات الإسرائيلي، عميحاي شيكلي، بمقطع فيديو يُظهر وحدات من الجيش السوري تهتف بشعارات مؤيدة لغزة، ليخلص إلى أن “الحرب حتمية”.

وفي حين ترك نتنياهو أتباعه الموالين يقومون بالأعمال القذرة ويهاجمون بضراوة وقسوة، اتخذ موقفا أقل حدة ولكن أكثر وضوحا. وقال عقب اجتماعه مع الرئيس ترمب: “عندما أنظر إلى الشرع، سأنظر إلى ما يُنجز على أرض الواقع، وما يتحقق بالفعل. هل ستصبح سوريا دولة مسالمة؟ وهل سيقضى على الجهاديين في جيشه؟ وهل سيعمل معي على الوصول إلى منطقة منزوعة السلاح في جنوب غرب سوريا؟”. وفي اجتماع خاص بعد زيارة الشرع لواشنطن، ورد أن نتنياهو حذّر من أن احتضان الغرب للزعيم السوري قد “أصاب الشرع بالغرور”، ملمحا إلى أنه لن يسمح بتحويل حسن النوايا الغربية إلى أداة ضغط على إسرائيل.

حسابات إسرائيل

تُعتبر تصريحات رئيس الوزراء نتنياهو بالغة الأهمية لفهم الموقف الإسرائيلي على حقيقته: إنه مجرد تكتيك تفاوضي. فالحكومة الإسرائيلية لا ترى في أحمد الشرع “فصلا جديدا” في دمشق، بل خطرا محتملا ينبغي تقييده. ونتنياهو يستخدم مسيرة الشرع وتاريخه الجهادي كأداة ضغط، في الوقت الذي يختبر فيه برغماتيته، ويحاول تشكيل نظام ما بعد الحرب في سوريا بطرق يعتقد أنها ستحافظ على التفوق الاستراتيجي لإسرائيل.

ولعل تلك المخاوف الإسرائيلية بشأن الشرع لم تأت من فراغ وليست مجرد تصورات مختلقة. فالشرع سارع إلى تعزيز سلطته على الموالين له وتعيين نفسه رئيسا للبلاد. ورغم أنه أبدى بعض المبادرات تجاه الأقليات، فإن النظام الانتقالي لم يتجه نحو ديمقراطية حقيقية: تم اختيار جزء من أعضاء مجلس الشعب الجديد من قبل الرئيس والجزء الباقي عبر هيئات انتخابية محلية. لقد أفسح نموذج الحكم الذي انتهجته “هيئة تحرير الشام” في إدلب مجالا لبعض التمثيل المحلي، لكنه أمسك في الوقت نفسه بمفاتيح السلطة الفعلية وجعلها في يد الشرع والهيئة نفسها. ولا يعتبر تحول سوريا إلى الديمقراطية الشغل الشاغل لإسرائيل بالتأكيد، غير أن استعداد الشرع لتقاسم السلطة يبقى مؤشرا هاما تراقبه إسرائيل باهتمام، خاصة في تقييمها ما إذا كان ينأى بنفسه حقا عن شبكاته القديمة أم إنه ما زال يعتمد عليها؟

وحتى لو كان الشرع برغماتيا في الصميم ومنفتحا على صيغة تعايش مع إسرائيل، فهو ما يزال بحاجة إلى إقناع جماعته وضمان دعمها في خطواته المقبلة. فـ”هيئة تحرير الشام” (الحركة التي قادها في هجوم حلب العام الماضي الذي عجّل بانهيار النظام)  تضم نواة صلبة من المقاتلين ذوي التوجهات الأيديولوجية المتشددة، وهم أقل مرونة من قائدهم. لقد واجه الشرع هذه المشكلة من قبل: ففي إدلب، حارب فروعا من تنظيم “داعش”، ثم اصطدم مع “حراس الدين”، وهم فرع من تنظيم “القاعدة” استقطب أعضاء سابقين في “هيئة تحرير الشام” خاب أملهم بسبب ابتعاده عن الجهادية العابرة للحدود. حتى إنه تعاون سرا مع الولايات المتحدة، وقدم معلومات استخباراتية ساهمت في اغتيال أفراد من تنظيم “القاعدة” في إدلب. وبعد توليه الرئاسة، وافق أيضا على انضمام سوريا رسميا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

لا شك أن قرار الانفصال عما سيصبح لاحقا تنظيم “داعش”، ثم التخلي كليا عن تنظيم “القاعدة”، لم يكن نابعا من حسن النية على الإطلاق، بل ساهم في ترسيخ سلطة الشرع. فمن خلال قطع علاقاته مع داعميه السابقين من الجهاديين، أكد الزعيم السوري سيطرته على مصيره السياسي. وقد يبدو هذا النوع من البرغماتية القاسية مطمئنا من وجهة نظر إسرائيل، إلا أنه وفي مفارقة عجيبة، يدفعها في الوقت نفسه إلى التأكد من أن الإكراه يلقي بظلاله الدائمة على المفاوضات.

ونظرا إلى مسيرة الشرع، يبرز سؤال بالغ الأهمية حول قدرته على كبح جماح القوات الموالية له إذا ما قُيض له أن يوقع اتفاقا مع إسرائيل. ويشير قتل المدنيين على يد القوات الموالية للحكومة (خلال تمرد قصير لفلول نظام الأسد في الساحل وفي اشتباكات مع المجتمعات الدرزية في الجنوب) إلى أن السلطات الانتقالية تفتقر إلى السيطرة الكاملة على قواتها، أو أنها تغاضت عن الانتهاكات، أو ما هو أسوأ من ذلك.

وينبغي أن لا نغفل عن مساهمات إسرائيل في إضعاف الدولة المركزية الناشئة. حيث شنت حكومة نتنياهو ضربات متكررة على مستودعات الأسلحة السورية، ويبدو أنها تراهن على بلد أكثر ضعفا وتشتتا بدلا من بلد قوي. ومن خلال استمالة فصائل الأقليات ومنع دمشق من فرض كامل سيطرتها على الجنوب، يأمل نتنياهو على الأرجح أن يحافظ على شراكات مع القوات المحلية التي يمكن أن تشكل منطقة عازلة بين العاصمة السورية وحدود إسرائيل.

موقف متشدد

إن النهج المتشدد الذي اتخذه نتنياهو تجاه سوريا بسيط نسبيا: إسرائيل لن تتزحزح عن موقفها لأنها تعتقد أنها تمسك بزمام الأمور بإحكام. إن باب الحوار مفتوح، ولكن ليس قبل أن توافق سوريا على تشديد البنية الأمنية بشكل جوهري في الجنوب واستمرار هيمنة إسرائيل على المناطق الرئيسة على الأرض وفي المجال الجوي.

ويبدو أن الحكومة السورية وافقت على بعض مطالب إسرائيل، إلا أنها رفضت مطالب أخرى تعتبرها انتهاكا للسيادة السورية. ولا تشعر إسرائيل بأنها مجبرة على تقديم أي تنازلات، فقواتها موجودة على الأرض بالفعل، والوضع الراهن (المتمثل في ضعف الدولة السورية المركزية واستمرار الوجود الإسرائيلي) هو أمر يمكن لنتنياهو التعايش معه. في الواقع، إن استمرار إسرائيل في حملتها الرامية إلى تشويه سمعة الشرع قد يجعل تبرير أي اتفاق محتمل أكثر صعوبة.

وهذا جزء من الخطر الذي أولته عدة قطاعات من الجهاز الأمني الإسرائيلي الاهتمام والحذر. تشعر إسرائيل حاليا بأن الوقت في صالحها، إلا أنها قد تفوت على نفسها فرصة التوصل سريعا إلى اتفاق يضع نوايا الشرع أمام اختبار حقيقي. فمن خلال البقاء في جنوب سوريا ومحاولة استقطاب الأقليات، ثمة مخاوف بأن ترسخ إسرائيل معارضة جدية لأي اتفاق مستقبلي، وتدفع دمشق نحو تعاون أوثق مع حليفتها الحقيقية الوحيدة تركيا، وتؤجج العداء لدى السكان المحليين في القرى القريبة من الحدود الإسرائيلية. وخارج حكومة نتنياهو، يعبر بعض المحللين والمهتمين عن هذه المخاوف علنا. فقد زعم رئيس المخابرات العسكرية السابق، عاموس يادلين، في مقال له، بأن الاتفاق مع سوريا هو أهم سلاح ضد “حزب الله”، مشيرا إلى أن الاستراتيجية الصحيحة في سوريا تكمن في إغلاق الجبهة، كي تتمكن إسرائيل من التركيز على تهديدات أكثر إلحاحا. وحذر “معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي”، وهو أبرز مركز أبحاث في إسرائيل، من أن الموقف العسكري الإسرائيلي العدواني قد يخلق التهديدات ذاتها التي تسعى إلى منعها (وهو تقييم شاركه هذا الكاتب في مقالات سابقة حول هذا الموضوع)، ودعا مركز الأبحاث إلى “انخراط حذر”.

تقف إسرائيل في سياستها تجاه سوريا على ضفتين متباعدتين: فمن ناحية، ثمة عداء صريح للحكومة الجديدة؛ ومن ناحية أخرى، هناك ثقة ساذجة بزعيم ذي ماض مثير للقلق. ولا يزعم منتقدو نهج نتنياهو أن على إسرائيل أن تتأرجح بين هاتين الضفتين، بل يدعون إلى معايرة أكثر دقة وتعديل دقيق ومستمر لسياستها واستراتيجياتها؛ معايرة لا تتعامل مع الشرع كتهديد محتمل وحسب، بل كفرصة سانحة أيضا.

المجلة

—————————

 الجنوب السوري بعد الأسد: ترتيبات أمنية وتفاهمات غير معلنة

الأحد 2025/12/28

منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، دخل الجنوب السوري مرحلة جديدة اتسمت بحراك سياسي وأمني كثيف، تجاوز حدوده المحلية ليصبح ملفًا إقليميًا ودوليًا بامتياز.

الموقع الجغرافي الحساس للمحافظات الجنوبية، المحاذية لإسرائيل والأردن، أعاد فتح النقاش حول مستقبل الترتيبات الأمنية، وحدود الدور الذي تلعبه كل من الولايات المتحدة وتركيا خلف الكواليس، في محاولة لضبط المشهد ومنع انزلاقه نحو فوضى أو مواجهة مفتوحة.

اتصالات غير مباشرة

الحكومة السورية الجديدة، التي ورثت تركة ثقيلة من الصراع والانقسام، وجدت نفسها أمام اختبار بالغ الحساسية في الجنوب، حيث لا يزال هاجس الأمن الإسرائيلي حاضرًا بقوة، مقابل سعي دمشق لاستعادة السيادة الكاملة وفرض سلطة الدولة على كامل الجغرافيا.

وفي هذا السياق، بدأت تلوح في الأفق اتصالات غير مباشرة، ووساطات متعددة، تهدف إلى بلورة تفاهمات أمنية محدودة، لا ترقى إلى اتفاق سلام أو تطبيع سياسي، لكنها تسعى إلى تثبيت خطوط تهدئة طويلة الأمد.

تشير معطيات متقاطعة إلى أن واشنطن لعبت دورًا محوريًا في هندسة هذه الترتيبات، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل، ومن قنوات التواصل المفتوحة مع أنقرة، وكذلك من نفوذها العسكري والسياسي المتبقي في سوريا.

الإدارة الأميركية، وفق مصادر دبلوماسية، لا تنظر إلى الجنوب السوري فقط من زاوية أمن إسرائيل، بل تضعه ضمن مقاربة أوسع تهدف إلى منع عودة الفوضى، واحتواء أي فراغ أمني قد تستغله تنظيمات متطرفة، أو قوى إقليمية منافسة.

وعليه، تعمل الولايات المتحدة على دفع جميع الأطراف نحو صيغة “إدارة أمنية هادئة”، تقوم على خفض التوتر، ومنع الاحتكاك العسكري المباشر، وضبط النشاطات المسلحة في المناطق القريبة من خط وقف إطلاق النار في الجولان.

هذا الدور لا يتم عبر اتفاقات معلنة، بل من خلال رسائل سياسية وضغوط دبلوماسية، وتنسيق أمني غير مباشر، يتيح لكل طرف حفظ مصالحه من دون الدخول في مسارات محرجة داخليًا.

إدارة صراع

وقال الأكاديمي والباحث في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، الدكتور سمير العبد الله، في حديث لـ”المدن”: “يمكن مقاربة ملف الجنوب السوري والترتيبات الأمنية بين سوريا وإسرائيل بوصفه جزءاً من عملية إدارة صراع لا من مسار تسوية أو تطبيع، في هذا الإطار تؤدي الولايات المتحدة دور الفاعل المركزي خلف الكواليس، ليس باعتبارها وسيط سلام، بل باعتبارها مهندساً لتفاهمات أمنية محدودة تهدف إلى ضبط قواعد الاشتباك ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة في منطقة شديدة الحساسية إقليمياً”.

وأضاف: “واشنطن تسعى إلى تثبيت معادلة تقوم على تقليص المبررات الأمنية الإسرائيلية للتدخل العسكري، مقابل التزام سوري بضبط الجنوب ومنع تشكّل تهديدات عابرة للحدود، مع إبقاء هذه التفاهمات خارج الإطار السياسي العلني، وربطها ضمنياً بإمكانية الانخراط الدولي التدريجي في سوريا واستقرارها النسبي”.

وتابع: “في المقابل، تتحرك تركيا انطلاقاً من منطق براغماتي بحت، يتجاوز خطابها الرسمي الرافض للتطبيع مع إسرائيل، فأنقرة ترى أن استمرار الاحتكاك السوري– الإسرائيلي يحوّل الجنوب إلى بؤرة عدم استقرار مزمنة، تُضعف أي مشروع لإعادة بناء الدولة السورية، وتنعكس سلباً على مصالحها الأمنية والاقتصادية المباشرة، كما تخشى تركيا أن يؤدي غياب التفاهمات إلى فرض وقائع ميدانية إسرائيلية دائمة في الجنوب، أو إلى تداخل غير محسوب بين المسارين التركي والإسرائيلي داخل الساحة السورية، ولذلك تدفع، بصورة غير مباشرة، نحو تحييد الجبهة الجنوبية عبر تفاهمات أمنية تضبط السلوك العسكري المتبادل، وتمنع توسيع دائرة الصراع”.

إلى جانب واشنطن، برز الدور التركي بوصفه عنصرًا فاعلًا، وإن بدا للوهلة الأولى متناقضًا مع الخطاب السياسي العلني لأنقرة، المعروف بموقفه الرافض للتطبيع مع إسرائيل. غير أن القراءة المتأنية للمشهد تُظهر أن المصلحة التركية لا تنطلق من زاوية العلاقة مع تل أبيب بحد ذاتها؛ بل من حسابات أمنية واستراتيجية أوسع تتعلق بمستقبل سوريا ككل.

قراءة تركية

فأنقرة ترى في استقرار الجنوب السوري جزءًا لا يتجزأ من استقرار الدولة السورية الجديدة، وهو ما ينعكس مباشرة على أمنها القومي. أي انفجار أمني في الجنوب قد يعيد خلط الأوراق، ويفتح الباب أمام عودة الميليشيات أو التنظيمات المتطرفة، أو يعقّد مسارات إعادة بناء الدولة، وهو ما لا يصب في مصلحة تركيا التي تسعى إلى سوريا موحدة، مستقرة، وقادرة على ضبط حدودها.

كما تنظر أنقرة إلى التفاهمات الأمنية بين دمشق وإسرائيل كوسيلة لتقليص احتمالات التدخلات العسكرية الإسرائيلية الواسعة داخل الأراضي السورية، والتي لطالما أربكت المشهد الإقليمي وخلقت توترات يصعب التحكم بمآلاتها. ومن هذا المنطلق، تدفع تركيا باتجاه حلول عملية، حتى وإن كانت غير معلنة، تُخفف منسوب التصعيد، وتُبقي الخلافات ضمن إطار أمني مضبوط.

إضافة إلى ذلك، لا يمكن فصل الموقف التركي عن رغبة أنقرة في تعزيز دورها كفاعل إقليمي مركزي في مرحلة ما بعد الأسد، من خلال المساهمة في صياغة الترتيبات الأمنية والسياسية الجديدة، بما يضمن حضورها على طاولة القرار، ويمنحها هامش تأثير أوسع في القضايا السورية الحساسة، سواء في الجنوب أو الشمال.

ووفق العبد الله: “توظف أنقرة هذا المسار للضغط باتجاه إعادة تركيب البنية الأمنية السورية على أسس مركزية، بما يحدّ من أدوار الفاعلين المحليين غير المنضبطين، ويخدم هدفها الاستراتيجي في تقويض نفوذ قسد شرق الفرات”.

ورأى أن “السيناريو الأكثر ترجيحاً في المستقبل القريب، فيتمثل في تثبيت ترتيبات خفض تصعيد محدودة في الجنوب، برعاية أميركية، دون أن تصل إلى مستوى اتفاق سياسي أو اعتراف متبادل، مع بقاء الملف مفتوحاً على احتمالات التآكل أو التصعيد إذا اختلّ ميزان الالتزامات”.

ماذا عن إسرائيل؟

أما إسرائيل، فتتعامل مع التطورات بحذر بالغ، مركّزة على أولوية منع أي تهديد محتمل على حدودها الشمالية. وهي، وإن لم تُبدِ استعدادًا واضحًا لتقديم تنازلات سياسية، تبدو منفتحة على تفاهمات أمنية تضمن لها هدوء الجبهة، وتحد من أي نشاط عسكري معادٍ في محيط الجولان، خصوصًا في ظل التحولات الجذرية التي تشهدها سوريا.

وقال المحلل السياسي، محمد جلال العلي في حديثه لـ”المدن”: “اعتمدت إسرائيل على خلق نقاط اشتباك خارج حدودها والاستفادة من موقف الدول الضعيفة المحيطة بها، وتجسدت هذه الأهداف عندما قصفت مباني سيادية سورية كهيئة الأركان ومحيط القصر الجمهوري وبالتالي فإنها تبحث عن ثلاث نقاط أساسية: تصدير الأزمات الداخلية بحجة الصراعات الخارجية، ⁠الحفاظ على حزام امني حدودي يحمي أراضيها بعمق 60 كم على الأقل، ⁠فتح ملفات التفاوض الدولي الإقليمي بعيداً عن ما فعلته في عزة، أي فتح منافذ دولية ولا سيما أن الموقف الإسرائيلي كان ضعيفاً دولياً”.

ورأى أن أي وحدتين سياسيتين تحصل بينهم نقطة اشتباك أو عدوان واحدة على الأخرى، يكون هناك تلقائياً تدخل طرف ثالث من أجل تهدئة الوضع لكي يبدأ الطرفان مساراً تفاوضياً، وخلال التصريحات المعلنة ودراسات المخاوف الأمنية سعت إسرائيل إلى الحصول على معاهدة لنزع سلاح الجنوب ممتد إلى ريف دمشق، بالإضافة الى اعتراف سورية بالجولان على أنها أرض إسرائيلية”.

وتابع: “كما طالب الجانب السوري بعودة إسرائيل إلى حدود اتفاقية 1974 وعلى أهمية وجود قوات الفصل الـ UNDOF بالإضافة إلى كف يد اسرائيل عن التواصل ودعم الحرس الوطني (ميليشيا الهجري) وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) الذان يعملان على زعزعت الاستقرار الأمني والسياسي في سورية من خلال فرض السيطرة العسكرية على أجزاء من الأراضي السورية”.

ولفت إلى أن الدور التركي في سوريا يرتكز على أساس أمني، وعلى أن استقرار البلدين مرتبط ببعضهما البعض ولا سيما أن جناح حزب العمال الكردستاني في سوريا PYD مسيطر على ثلاث محافظات سورية وعلى حدود 300 كم مع تركيا، وبالتالي تدفع أنقرة باتجاه الحل السوري الإسرائيلي لتأطير عملية الاستقرار في سورية، ومن خلالها تقضي على آخر معاقل تنظيم PKK، وفق تعبيره.

واشنطن تدير الصراعات والأزمات

واعتبر أن واشنطن لا تلعب الدور بل هي مدير للأزمات والصراعات الدولية فهي القوة الأكبر في العالم، لذلك تكون أهدافها جيوسياسية واقتصادية ومن هنا تهدف إلى استقرار منطقة الشرق الأوسط والسيطرة على مقدراته ومنافذه بتحالفات وثيقة ذات طابع متين، وكذلك ستفعل في إفريقيا بعد أن تنهي الحروب وتكون المجتمعات جاهزة للتعاون مع المنقذ الأمريكي كما تصدر نفسها، وفق وصفه.

وزاد بالقول: “وفي الشأن السوري تعمل واشنطن على التوازن بين محور تركي سعودي سوري وآخر إسرائيلي للوصول إلى مساحة  تفاهم مشتركة وهي الوسيط المباشر للتفاوض مع إسرائيل، ولا سيما بعد فشل أذربيجان بالوصول إلى اتفاق بين الطرفين، وبالتالي فإن مسار التفاوض لن يتم لأنه تحول إلى مسار اشتباك دبلوماسي دولي متعدد الأطراف، خاصةً بعد الزيارة الأخيرة لوفد سوري رفيع المستوى إلى موسكو التي صرحت عن دعمها لاستقرار سوريا ووحدة أراضيها”.

وفي ضوء هذه المعطيات، بحسب مراقبين، تبرز عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل الجنوب السوري: السيناريو الأول يتمثل في نجاح المساعي الأميركية والتركية في تثبيت تفاهمات أمنية غير مباشرة بين دمشق وتل أبيب، تُفضي إلى هدوء طويل الأمد دون اتفاق رسمي، أما السيناريو الثاني، فيقوم على استمرار حالة “اللاحرب واللاسلم”، مع ضبط التوتر ومنع الانفجار، دون الوصول إلى تفاهمات واضحة ومستقرة. في حين يبقى السيناريو الثالث، والأقل رغبة لدى الأطراف الدولية، قائمًا على فشل الجهود الدبلوماسية وعودة التصعيد، وهو خيار تسعى معظم القوى إلى تجنبه في المرحلة الراهنة.

بدوره أشار العلي إلى أن منطقة الجنوب السوري أمام ثلاثة سيناريوهات وهي: عودة إسرائيل إلى حدود 1974 مع إزالة الثكنات العسكرية السورية من الجنوب، اتفاقية أمنية جديدة لتوسعة منطقة قوات الفصل الدولية UNDOF، أو ⁠توغل للجيش الإسرائيلي إلى عمق 15 كم طول 76 كم وزيادة السيطرة على أراضي سورية جديدة لفرض اتفاقية أخرى على سوريا”.

في المحصلة، يتحول الجنوب السوري اليوم إلى ساحة اختبار حقيقية لقدرة الحكومة السورية الجديدة على إدارة التوازنات الإقليمية المعقدة، ولنجاح واشنطن وأنقرة في هندسة استقرار هش، يقوم على المصالح لا على الشعارات.

وبينما لا تزال التفاهمات في إطارها غير المعلن، فإن ملامح مرحلة جديدة تتشكل بصمت، قد ترسم مستقبل الجنوب السوري لسنوات مقبلة.

المدن

———————————

 رهان قسد على إسرائيل أم رهان إسرائيل على قسد؟/ سمير صالحة

2025.12.28

مع تسارع التحولات في المشهد السوري، تعود “قوات سوريا الديمقراطية” إلى واجهة الجدل المحلي والإقليمي، لكن هذه المرة من بوابة غير تقليدية، تتداخل فيها الحسابات الإسرائيلية والإيرانية.

فهل تحاول قسد الخروج من عزلتها السياسية عبر إسرائيل؟ أم أن تل أبيب توظّفها ظرفيًا في معركة أوسع لإعادة رسم التوازنات السورية؟ والأهم: هل تملك قسد أصلًا القدرة الواقعية على لعب هذا الدور، أم أن ما يجري لا يتجاوز حدود المناورة الإسرائيلية؟

وسعت قسد من رقعة تحركاتها السياسية والعسكرية، معولة على دعم أميركي، وحضور إسرائيلي نشط في خلفية المشهد.

رفع مظلوم عبدي من منسوب نبرته في الحديث عن الحقوق القومية للأكراد، معلنا أن “سوريا ليست عربية فقط.. نطالب بدستور يقرّ بوجود شعب كردي موحّد وله حقوق واضحة”. لكنه بعد أشهر، زاد سقف التحدي وجاهر بما يدور في باطن عقله، وهو يكشف النقاب عن مطلب “كونفدرالية كردية إقليمية” .

يقول عبدي اليوم وهو مستقوٍ بالسلاح الأميركي: “لن نقبل بالعودة إلى المركزية القديمة.. مشروعنا في شرق الفرات أصبح أكثر وضوحًا”، لكنه يعتمد أيضًا على نتنياهو حامي الأقليات في المنطقة، حيث تطالب قيادات تنظيمه بتواجد الشريك الإسرائيلي أمام الطاولة السورية.

لا يمكن الاستخفاف بما أورده تقرير مركز “ألما” الإسرائيلي حول إمكان أن يؤدّي العداء المشترك للنظام السوريّ الجديد، إلى التقريب بين قسد وحزب الله .

تقول الإعلامية إيمان شمص في موقع ” أساس ميديا ” أنه بحسب هذا التقرير، سعى ممثّلو “قوّات سوريا الديمقراطيّة” إلى تعزيز علاقاتهم مع حزب الله اللبناني”، الأمر الذي أفضى إلى عقد اجتماع سرّيّ في بيروت، ضمّ مسؤولين أكراداً رفيعي المستوى وممثّلين عن الحزب، يتقدمهم رئيس دائرة العلاقات الدوليّة في المجلس السياسيّ عمّار الموسوي.

هناك عشرات الآلاف من المقاتلين ” ينتظرون الضوء الأخضر لإقتحام العاصمة السورية ” كما يردد البعض في صفوف قسد. هي تستقوي بتل أبيب هذه المرة للدفاع عن المصالح المشتركة ولموازنة النفوذ السوري والتركي؟ وبعدما قررت واشنطن الانحياز إلى جانب القيادة السورية الجديدة.

خيب عبد الله أوجلان آمال قسد من خلال الانفتاح على أنقرة ودعوتها لإبعاد آلاف العناصر والكوادر غير السورية التي تقاتل إلى جانبها. لكن الحديث عن تحرك باتجاه قيادات سياسية وحزبية لبنانية بينها حزب الله، وعن فتح خط إمداد إيراني للحزب عبر مناطق سيطرة قسد، وخط تنسيق عسكري ولوجستي آخر مع السويداء بالتنسيق مع تل أبيب، هو أكثر إثارة وتشويقًا.

نترك جانبًا تصريحات المسؤولين الإسرائيليين للصحيفة الأميركية “واشنطن بوست” حول أن قسد دربت مقاتلين دروز، بينهم نساء، في المناطق الكردية شمال شرقي سوريا، ولا يزال هذا التدريب مستمرًا. نذهب إلى خبر آخر أوردته الصحيفة بعد ساعات على التصعيد الأمني في مدينة حلب، نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين: “تسعى تل أبيب إلى التأثير في مسار التطورات في سوريا عبر استهداف التماسك الوطني السوري، وبما يعقد جهود الرئيس الشرع لتوحيد البلاد. بعض الجهات في المؤسسات الأمنية الإسرائيلية حولت مبالغ إلى قيادي درزي عبر قسد، التي دفعت نحو نصف مليون دولار بشكل منفصل إلى المجموعة الدرزية المسلحة المعروفة باسم المجلس العسكري”.

من الممكن قبول الحديث عن تكثيف قسد لتحركاتها واتصالاتها في لبنان والسويداء، والتقاء مصالحها مع إسرائيل ضد دمشق وأنقرة بتشجيع بعض العواصم المتضررة. لكن ما لا يقبله العقل والمنطق أن تقرب قسد بين مصالح حزب الله وإسرائيل، في مواجهة حراك بناء سوريا الجديدة، وهي تجدد تمسكها بعدم مغادرة طاولة العاشر من آذار. مرة عدو عدوي صديقي، ومرة أخرى عدو صديقي عدوي، ومرة ثالثة صديق صديقي.. صديقي .

يقرب التقاء المصالح بين قسد وتل أبيب والسويداء برعاية فرنسية–إسرائيلية. لكن أن تتواصل هذه المجموعات مع طهران، وتعرض نقل السلاح إلى حزب الله عبر الأراضي السورية بمساهمة الميليشيات العراقية وبشراكة السليمانية لتوريط دمشق وتركها في مواجهة مع الجانب الأميركي، فهو سيناريو لا يحتمله حتى أبطال نظرية المؤامرة أنفسهم.

تفسير الباحث الإسرائيلي تال بئيري لما يجري مهم هنا: “التغييرات السياسية المتسارعة التي تشهدها سوريا، أفضت إلى ظهور قنوات تواصل جديدة وغير متوقعة بين جهات فاعلة كانت تقليديًا تقف على طرفي نقيض في الخريطة الإقليمية “. لكن أن تكون قسد شريكًا لتل أبيب في إطار محاولة توسيع هامش تحركها السياسي خارج الجغرافيا السورية، عبر التواصل مع إيران والحشد الشعبي وحزب الله دفعة واحدة فهو ما ترفع له القبعة!

عند التقاء مصالح البعض في مواجهة التنسيق الثلاثي الأميركي–التركي–السوري، فلا حاجة لطرح سؤال من يخطط لمن: تل أبيب لقسد أم قسد لتل أبيب أم طهران لكليهما للرد على هذا التنسيق الثلاثي؟

تتحدث صحيفة “معاريف” الإسرائيلية عن مقابلة مع اللواء اليوناني المتقاعد كونستانتينوس كوسانتاس، يتوقف فيها عند انتقال المحور الجيوسياسي الثلاثي الإسرائيلي–اليوناني–القبرصي في شرق المتوسط من مرحلة التنسيق السياسي إلى ما وصفه بـ”مرحلة التنفيذ العملياتي”.

الغرابة ليست حول الأنباء التي كشفت عنها وسائل إعلام عبرية مثل “معاريف” و”يديعوت أحرنوت”، بل في توقيت تحريك توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية اللبنانية–القبرصية وتجول كوادر قسد في العاصمة اللبنانية بيروت.

يرى تقرير مركز “ألما” أنّ الضرورات الاستراتيجية قد تدفع قسد إلى استكشاف مسارات دبلوماسية غير تقليدية وغير مباشرة، إذا ما تبيّن أنّ ذلك يخدم مصالحها الآنية. لكن هناك من يخطط بطابع استراتيجي أوسع لتضييق الخناق على تركيا وسوريا في الإقليم يجمع: بين مصالح إسرائيل واليونان وقبرص اليونانية باتجاه بناء قوة أمنية مشتركة في شرق المتوسط، ، ويسارع للتقريب بين لبنان وقبرص اليونانية في ترسيم الحدود البحرية على مرأى ومسمع حزب الله، ويوحد جغرافيا شمال العراق وشرق سوريا وجنوبها باتجاه الداخل اللبناني فوق الأرض وبجهود كورية من تحتها.

يردد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن الداعم الرئيسي، وربما الوحيد، لقسد هي إسرائيل، لكن المسألة أكبر من ذلك. فمظلوم عبدي، الذي يقول أنه جاهز لمحاورة أنقرة، يقول أيضا إن الحديث عن الكونفدرالية الكردية في الإقليم حان وقته، وأن العام المقبل سيحمل الكثير من المفاجآت.

يعيدنا ما يقوله عبدي اليوم قليلاً إلى الوراء مع إلهام أحمد، “الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية بالإدارة الذاتية” في شمال شرق سورية، وهي تقول في مقابلة مع صحيفة “جيروزاليم بوست” إن حل الأزمة في سورية والمنطقة يتطلب مشاركة إسرائيل، وأن أميركا ارتكبت خطأ في إزالة “هيئة تحرير الشام” من قوائم الإرهاب ورفع العقوبات الأميركية عن سورية.

ما يُسوّق اليوم حول تحولات كبرى في تموضع قوات سوريا الديمقراطية يبدو أقرب إلى تضخيم سردي منه إلى مسار سياسي متماسك. فالتقاء النتائج لا يعني وحدة المشروع، والضجيج الإعلامي لا يصنع وقائع ميدانية. فقسد لا تملك القدرة الواقعية على الانتقال من موقع اللاعب الوظيفي إلى صانع محاور إقليمية، فيما يعكس التقاء المصالح الظرفي مع إسرائيل لحظة ضغط سياسي أكثر مما يؤسس لشراكة مستدامة.

 الاستقواء بإسرائيل، التي بات معروفًا ما تريده لسوريا وفيها، لا يصنع مشروعًا سياسيًا قابلًا للحياة، ولا يحوّل التقاطعات المؤقتة إلى خيارات استراتيجية طويلة الأمد. فموازين القوة والتوازنات المحلية والإقليمية ،تبقى العامل الحاسم في رسم المسارات ، وليس العناوين الصاخبة ولا محاولات القفز فوق الواقع.

لم يتبق سوى أن تعلن قسد، كما فعل طلال عامر الناطق باسم “قوات الحرس الوطني في السويداء” “نحن فخورون بتحالفنا مع إسرائيل “!

تلفزيون سوريا

———————————

 طائرات الأردن ومصائر (الكبتاغون) و(باشان)/ أحمد مظهر سعدو

2025.12.28

لا يبدو أن تحركات الطيران الأردني/ العربي الذي استهدف معاقل ومواقع مصنعي وتجار (الكبتاغون) في الجنوب السوري، كان هدفه ضرب تجارة المخدرات ومجموعاتها في محافظة السويداء فحسب. كما لا يبدو أنه ليس هناك من تنسيق حقيقي بين الحكومة السورية والمملكة الأردنية الهاشمية في موضوع هذه الضربات ومآلاتها بالضرورة على مجمل خريطة الواقع الميداني في محتفظة السويداء.

ورغم حرص السوريين حكومة وشعبًا على سلامة أهل السويداء الوطنيين السوريين الشرفاء الذين يشهد تاريخهم وحاضرهم أيضًا بانتمائهم الوطني السوري الأصيل الذي لا يقبل التفكير خارج الوطنية السورية، وأهمية ان يبقى الحوار مفتوحًا مع القوى الحية والنخب الثقافية والوطنية في السويداء وجبل العرب،  إلا أن ما جرى ويجري في السويداء من حالات انتشار مهربي الكبتاغون وانتعاشهم بعد تحركات ظاهرة الهجري، وبقايا فلول الأسد ممن هربوا الى تلك المنطقة إبان سقوط نظام بشار الأسد، باعتبارها  جغرافيا سورية خارج سيطرة الدولة السورية، ثم اتكاء على ما جرى من أخطاء جسيمة مع تحرك العشائر نحو السويداء، وتلك الدماء السورية الطاهرة التي نزفت بدون حق في حينها . إلا أن الحق يقال في أن السماح لمجموعات عسكرية فلولية وهجرية وبدعم إسرائيلي معلن وواضح لم يعد خافيًا على أحد يحتاج إلى حلول ميدانية عسكرية، تحافظ على أهل السويداء، لكنها في الوقت نفسه تنهي ظاهرة تجار المخدرات، والمجموعات العسكرية التي بات همها الوحيد العبث في النسيج المجتمعي لمحافظة السويداء، وإقامة علاقة مع إسرائيل، يمكن الاستفادة منها ماليًا وكبتاغونيًا. ولعل ما جرى الحديث عنه مؤخرًا في الصحافة الغربية من أن هناك دعم مالي مستمر من قبل إسرائيل لهذه المجموعات العسكرية، هو حقيقة واضحة وظاهرة للعيان، ولابد من إنهائها.. ويبدو أن الدولة الأردنية قد بدأت بالفعل في عملية القيام نيابة عن الحكومة السورية وبالتنسيق معها لإنهاء هذه الغدة السرطانية، وكل هذه المجموعات المدعومة إسرائيليًا، التي تريد الذهاب بالجنوب السوري إلى غير ما يريده السوريون في السويداء وخارجها.

وضمن هذه السياقات يبدو كذلك أن الإسرائيليين قد بدأوا يتخلون تدريجيًا عن جماعة الهجري ضمن مصالحهم الأوسع التي لا يبدو أنها باتت موافقة على إقامة دولة درزية في المنطقة خوفًا من أن تمتد مستقبلًا إلى داخل فلسطين المحتلة، وكذلك وضمن هذا السياق تلك الضغوط الأميركية الموجودة، والتي أكدت على حرصها المستمر من أجل توفر الاستقرار في سوريا كي يترك أثره الإيجابي على المنطقة برمتها، وليس على أوضاع السوريين فحسب.

المشهد السياسي والعسكري في الجنوب السوري يشير إلى أن ظاهرة الهجري مرفوضة شعبيًا على نطاق واسع من قبل أهل السويداء عمومًا، وأن الجميع بات يدرك تمام الادراك المآلات الصعبة التي من الممكن أن يأخذ بها حطمت الهجري أهل السويداء إلى مالا تحمد عقباه، وأن شعب السويداء يمتاز بوطنية سورية لا غبار عليها، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتماشى مع مشاريع هجرية مقلقة ومفتتة للوضع السوري، ومن ثم يمكن أن تكون خارج نطاق الوطنية السورية. وضمن هذه الاعتبارات والتغيرات الدراماتيكية التي تحصل وعلى وقع قصف الطيران الأردني/ العربي وتأثيراته، لابد من أن تتحرك الحكومة السورية عاجلًا وغير آجل، وبالتوازي مع ما يجري أيضًا من حوارات مع تنظيم (قسد) أن تتحرك الحكومة السورية الجديدة نحو إعادة فتح الحوار الوطني الشفاف والحقيقي الواسع، مع نخب السويداء وجبل العرب والفاعلين الوطنيين في هذه المحافظة، من أجل محاصرة وإنهاء ظاهرة الهجري ومجموعاته العسكرية، وطبعا سيكون هذا التحرك ضمن دعم إقليمي عربي، وكذلك دولي أميركي وغربي.

الحوار هو الحل دائمًا والعودة إلى فتح أقنيته من جديد وعلى أسس جدية وجديدة، هو الملاذ المنطقي والعقلاني في سياق حالة التفاؤل في حل الكثير من معوقات الوحدة الوطنية السورية سواء كان ما يتعلق فيها بالجنوب السوري أوفي حل إشكالات شمال شرقي سوريا، أو كذلك على وقع ما جرى في الساحل السوري والشمال الغربي.

لعل التحديات أمام الحكومة السورية ما زالت كبيرة وكثيرة، والاشتغال فيها وعليها، وعلى وقع ومسارات كل الجهات ليس سهلاً. لكن الصمت وحالة المراوحة بالمكان واللا جدوى حركيًا لن تكون الحل بأي حال من الأحوال. إذ أن الحل الوطني كان وسوف يبقى حلًا وطنيًا وحدويًا بامتياز، بدون أفكار تقسيمية وبدون تشظيًا أثنيًا أو طائفيًا هنا أو هناك. ومن ثم العمل طويلاً من أجل انبعاث العقد الاجتماعي الوطني السوري الجامع، الذي سيكون المخرج الحقيقي للسوريين من كل هذه الترهلات وحالات الفوات الوطني، التي تعوق نهوض سوريا وتمنع القيام بمداميك وأساسات عام التنمية القادم عام 2026 المزمع، حسب تصريحات وزير الخارجية أسعد الشيباني المتواصلة.

لا غرو أن الأوضاع السورية الحالية صعبة وشاقة في ‘طار العمل عليها، لكن فتح باب الحوار الصريح والشفاف سوف يكون بمثابة فعل القطيعة النهائية مع كل المشاريع الانفصالية، التي كان يريد منها البعض وما يزال تفتيت سوريا، وإحالتها إلى مشارف الدولة الفاشلة اقتصاديًا وسياسيًا ومجتمعيًا، التي دأب نظام حافظ الأسد وابنه الفاشيستي على العمل فيها وفي إطارها خلال 54 عاما من حكم آل الأسد، عندما تم خطف الوطن السوري إلى التموضع ضمن أدوار وظيفية خارج السيادة الوطنية لسوريا، حيث كان يريدها حافظ الأسد عبر المصالح الضيقة وغير الوطنية والتي كانت تنهل من معين حالات ما قبل وطنية.

فهل سيكون العام القادم الذي سيدخل بعد أيام قليلة عامًا للوحدة الوطنية السورية؟ وهل سيتجاوز السوريون عنق الزجاجة ويعيدوا بالتالي بناء سوريا الوطن الواحد الموحد الذي ضحى أبناءه بما يزيد عن مليون شهيد، حتى يكون لهم الموقع الاستراتيجي المهم داخليًا وخارجيا؟

تلفزيون سوريا

———————————

بين الشائعات وغياب التوضيح الرسمي.. الجولان في الواقع وعلى الخريطة/ عمر علاء الدين

28 ديسمبر 2025

قبل أن يوقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسميًا على إلغاء قانون عقوبات “قيصر” بيوم واحد خرج في احتفالية مسائية ليقول: “منحت إسرائيل حقوق السيادة على هضبة الجولان”.

وما زاد العاصفة التي نتجت عن تصريحه هياجًا هو أن الخارجية السورية نشرت صورة مع عبارة “سوريا بدون قانون قيصر”، لكن الصورة المرفقة تضمنت خريطة لسوريا دون الجولان، وهذا ما جعل البعض يربط بين رفع العقوبات عن سوريا وقضية الجولان المحتل.

جدل الصورة والموقف الرسمي

تحدث بعض المغردين على وسائل التواصل الاجتماعي عن رفع العقوبات مقابل ما أسموه “تنازلًا عن الجولان”، مشيرين إلى تلك الصورة التي نشرتها وزارة الخارجية، بينما ذهب آخرون لدحض هذه المزاعم عبر قولهم إن القرار الأميركي بشأن العقوبات لا علاقة له بشكل أو بآخر بالجولان.

وانقسمت الآراء بين من رآها هفوة في التصميم قد تكون ناتجة عن استخدام قوالب جاهزة، وبين من رآها محاولة لمغازلة ترامب.

في مقال له بصحيفة “لو فيغارو” الفرنسية، اعتبر الكاتب أليكس فيرتشاك، أنه على  الرغم من أن حكومة أحمد الشرع لم تعترف رسميًا بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، ولم تُغير موقفها رسميًا من هذه المسألة فإن هذه الخريطة تعد “إشارة ضعيفة على تغيير لهجة دمشق تجاه إسرائيل”.

وأشار فيرتشاك إلى أن الشرع يسعى للتفاوض من أجل إعادة دمشق إلى الساحة الدولية، كما يحاول كسب تعاطف الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب، الحليف القريب لبنيامين نتنياهو، كما يسعى أيضًا لمراعاة إسرائيل لتفادي التصعيد.

وكانت رويترزقد نقلت، في وقت سابق، عن مسؤول إسرائيلي قوله إن إسرائيل طرحت اقتراحًا على المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، مفاده التنازل عن الجولان مقابل انسحاب إسرائيل من جنوبي سوريا.

وبحسب “رويترز”، فإن هذا المقترح “غير قابل للتنفيذ”، لأن أي تنازل عن الجولان يعني نهاية حكم الشرع.

وقال المسؤول الإسرائيلي، إنه بعد جس نبض سوريا عبر الوسيط الأميركي تبين أن هذا الاقتراح “غير قابل للتنفيذ”.

الجدير بالذكر، أنّ قرار ترامب الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري لا يزال موضع رفض دولي واسع، بما فيها قرارات مجلس الأمن.

وتؤكّد قرارات مجلس الأمن، لا سيما القرار 497 لعام 1981، أنّ الجولان أرض سورية محتلة، وأن أي إجراءات لضمها “باطلة ولاغية ولا يترتب عليها أي أثر قانوني دولي”.

وكان الشرع قال في لقاء مع قناة “الإخبارية” الحكومية، في 12 من أيلول/ سبتمبر الماضي، “إننا لن نتنازل عن ذرة تراب واحدة، وستبقى سوريا واحدة موحدة”.

ثم عاد الشرع وقال خلال لقائه صحفيين بدمشق، في 17 من الشهر نفسه، إن من السابق لأوانه مناقشة مصير الجولان المحتل، لأنها “قضية كبيرة”.

قصة الجولان.. تسليم ثم استغلال

قصة وقوع الجولان تحت سيطرة إسرائيل، سردها ضابط الاستخبارات السوري، ورئيس قسم الاستطلاع في الجبهة الجنوبية حتى عام 1963، خليل مصطفى، في كتابه “سقوط الجولان” واصفًا إياه بالتسليم.

كشف مصطفى تفاصيل عن حرب حزيران 1967 نقلًا عن أشخاص كانوا موجودين على الأرض، حيث قال إن الألغام (الأرضية المضادة للأفراد والمضادة الآليات) الموضوعة في الجولان لم تنفجر، كما هو مخطط حال حدوث حرب.

وتحدث الكاتب عن قصة انسحاب الجيش من المعركة، والفوضى التي حصلت عقب أوامر الانسحاب الكيفية الصادرة عن حافظ الأسد (وزير الدفاع في أثناء الحرب)، وعن آلاف الجثث للجنود، والآليات التي استهدفتها الطائرات الإسرائيلية.

وعلق ضابط الاستخبارات السوري على البيان الممهور بتوقيع حافظ الأسد، وزير الدفاع آنذاك، على البلاغ رقم “66” الصادر في 10 من حزيران، واصفًا إياه بـ “الفاجر”، مؤكدًا أن البلاغ أعلن سقوط القنيطرة قبل سقوطها على أرض الواقع بساعات.

ويرى الكاتب وعالم الاجتماع الفرنسي ميشيل سورا، في كتابه “سوريا الدولة المتوحشة”، أن ضياع الجولان “قد أعطى النظام السوري تلك الشرعية العربية التي لم تشأ الناصرية إعطاءه إياها، كما أن النظام السوري بقيادة حافظ الأسد اعتبر الجولان قضية استثمارية فإذا كان الجولان بسياحته واستثماراته يدر 50 مليون ليرة سنويا قبل احتلاله في 1967، فإن الحصول على مساعدات خليجية في إطار معاداة إسرائيل يصل إلى مليارات الدولارات”.

وقدر الكاتب، ما حصَّله نظام البعث من 1973 حتى عام 1982 من أموال بناء على استثمار قضية الجولان المحتل بـ 18 مليار دولار أميركي.

الحكومة لا تستطيع التنازل عن الجولان

بوصف السلطة الحالية سلطة انتقالية فإنها لا تستطيع البت بقضية الجولان، وفق ما قال المحلل السياسي السوري، درويش خليفة، لـ “ألترا سوريا”.

خليفة أشار في حديثه إلى أن هناك حالة من الانفلات واللامبالاة في التعاطي مع الإشاعات ورصد مصادرها ومن أين تخرج، معتبرًا أن مثل شائعة “التنازل عن الجولان” يتلقفها ناشطون تدعمهم جهات مختلفة.

وما كان مستغربًا، بحسب خليفة، هو أن تصريح ترامب بأن هضبة الجولان أصبحت جزءاً من إٍسرائيل لم يجر الرد عليه، لا من جهات رسمية حكومية ولا حتى حزبية.

ويبدو له أن هناك محاولة لتمرير هذا النوع من الخطابات أو القفز عليه، لأن لا أحد يريد أن يكون بوجه المدفع الأميركي، فالولايات المتحدة تدعم السلطات السورية من جهة وتدعم إٍسرائيل من الجهة الأخرى.  

ولا بد، بحسب خليفة، من وجود متحدث باسم الرئاسة، أو باسم الحكومة أو باسم الخارجية ليخرج ببيانات متواترة حيال كل أمر يتعلق بسوريا – خصوصا في قضية حساسة كالجولان- مع العلم أنه في قضية الجولان لا تستطيع أي جهة اليوم في سوريا ومن كل الأطراف البت فيه، ولا حتى أبناء الجولان أنفسهم، ذلك أن موضوعه يتعلق بقرارات دولية على رأسها قرار مجلس الأمن (242) الصادر عام 1967.

الترا سوريا

—————–

زياد حلبي

السويداء بين “دروزستان”والتسوية: كيف تستخدم إسرائيل ضائقة الأقليات ثم تتجاوزها

ما نشر في The Washington Post لا يمكن قراءته كنص إخباري معزول، بل كوثيقة سياسية صيغت بعناية لتؤدي وظيفة محددة في لحظة إقليمية دقيقة. فالتسريب، بمصدره وتوقيته ومضمونه، إسرائيلي بامتياز، ولم يكن من باب المصادفة. الرسالة المقصودة لم تكن موجّهة للرأي العام الغربي فقط، بل للفاعلين المحليين في الجنوب السوري، وفي مقدمتهم دروز السويداء، وللعواصم المعنية بمستقبل سوريا في آن واحد.

التقرير نقل صراحة عن مسؤول إسرائيلي استخدامه مصطلح “دروزستان”، لا للترويج له بل لنفيه، مع تأكيد معارضة إسرائيل قيام دولة درزية أو أي كيان انفصالي في سوريا. هذه التسمية، بحد ذاتها، كاشفة:فهي تُظهر أن الفكرة كانت حاضرة في المخيال السياسي الإسرائيلي، حتى عندما يجري إعلان رفضها اليوم. الموقف المعلن لا يعكس تحوّلًا أخلاقيًا، بل إعادة تموضع استراتيجية تفرضها لحظة سياسية مختلفة.

تاريخيًا، آمنت إسرائيل بنظرية “فرّق تسد”التي ورثتها عن الانتداب البريطاني وطوّرتها بما يخدم مصالحها: تجزئة المجزّأ، وتفتيت المفتّت، وتحويل الهويات الفرعية إلى أدوات سياسية وأمنية. في مراحل سابقة، لم يكن طرح دولة درزية في جنوب سوريا، ولا حتى أفكار ترحيل الدروز من داخل الخط الأخضر إلى كيان درزي محتمل، مجرد خيال سياسي، بل جزءًا من نقاشات جدّية هدفت إلى إضعاف الدول المركزية المحيطة.

لكن السياسة ليست عقيدة ثابتة. إسرائيل اليوم في موقع مختلف، والمنطقة تغيّرت، والأهم أن الولايات المتحدة في مكان آخر. إدارة دونالد ترامب صنّفت أحمد الشرع علنًا بوصفه صديقًا وحليفًا لواشنطن. هذه ليست عبارة بروتوكولية، بل إشارة استراتيجية تعني أن واشنطن قررت الاستثمار في استقرار الدولة السورية لا في تفكيكها، وفي سلطة مركزية يمكن التفاهم معها، لا في كانتونات متصارعة. وبهذا المعنى، كان على إسرائيل أن تعيد تموضعها وأن تُكيّف سياساتها مع الاتجاه الأميركي الجديد.

من هنا يُفهم الدعم الإسرائيلي المحدود لبعض القوى الدرزية في السويداء، كما ورد في التحقيق الأميركي، بوصفه أداة ضغط مؤقتة لا مشروعًا سياسيًا طويل الأمد. الهدف ليس تشجيع الانفصال، بل تحسين شروط التفاوض حول ترتيبات أمنية مستقبلية، في مقدمتها منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري تمتد من محيط دمشق إلى الحدود. إسرائيل تريد أمنًا وحدودًا هادئة، لا خرائط جديدة ولا كيانات هشة قد تتحول عبئًا عليها.

وفي هذا السياق تحديدًا، لا يمكن فصل كشف التسليح والتمويل الإسرائيلي في السويداء عن هذا التحوّل. ففضح نقل السلاح والرواتب لا يعكس فقط تعرية مسار قد يورّط الداخل السوري أو يصبّ الزيت على النار، بل يُقرأ أساسًا، تنصّلاً مدروساً من الاستمرار وخلطاًمتعمّداً للأوراق. إخراج هذه المعطيات إلى العلن يضع مسافة محسوبة بين إسرائيل وهذا المسار، ويشير إلى نية سحب الورقة لا تعميقها. وفي الوقت نفسه، يؤدي الكشف وظيفة داخلية موازية، عبر تهدئة “الشارع الدرزي الضاغط “في الداخل الإسرائيلي والإيحاء بأن دعمًا ما قد قُدّم، بينما يجري عمليًا الانتقال إلى مرحلة التسويات. هكذا يتحول النشر من فعل دعم إلى إدارة انسحاب، واحتواء داخلي، وإعادة ترتيب للأولويات قبل إقفال الملف.

وفي الوقت نفسه، لا يجوز الخلط بين هذا التوظيف السياسي الخارجي لمأساة السويداء، وبين الحق الكامل وغير القابل للتصرف لأبناء المنطقة في محاسبة ومعاقبة كل من ارتكب مجازر وفظائع  بحق المدنيين هناك، أياً كانت هويته أو الجهة التي ينتمي إليها وهنا تتحمل السلطة المسؤولية للمحاسبة ولرأب الصدع النفسي والوطني الذي خلفته الانتهاكات . هذا الحق لا يسقط بالتقادم ولا يجوز مصادرته أو الالتفاف عليه تحت أي ذريعة سياسية أو أمنية، وهو حق ينسحب كذلك على الجرائم التي ارتُكبت سابقًا في الساحل السوري ايضا . فلا استقرار بلا عدالة، ولا عدالة بلا مساءلة واضحة وعلنية، والفصل بين مطلب العدالة وبين مشاريع العزل أو الانفصال مسألة جوهرية، لأن الأولى حق، أما الثانية فمقامرة سياسية ذات أثمان بعيدة المدى.

هذا التحوّل انعكس أيضًا داخل إسرائيل نفسها. فحتى بعض القيادات الدرزية في الداخل، التي رفعت في مرحلة أولى لواء “الحماية الإسرائيلية” للسويداء، طُلب منها لاحقًا تعديل الخطاب: الاستمرار في إدانة المجازر والمطالبة بالمحاسبة، لكن بالتوازي مع دعوة دروز السويداء إلى التفاهم مع الدولة السورية لا القطيعة معها. هذا الضبط المختصر للخطاب ينسجم مع الاتجاه الاستراتيجي العام: حين تتجه إسرائيل نحو تسويات مع سوريا، تصبح ورقة الأقليات عبئًا يجب احتواؤه، لا شعارًا يُرفع بلا حساب.

التجربة التاريخية تعزّز هذا الاستنتاج. في كل الساحات تقريبًا، تخلّت إسرائيل عن قوى محلية اعتقدت أنها حلفاء دائمون عندما تغيّرت المصالح. جيش لبنان الجنوبي مثال صارخ: أداة استُخدمت ثم أُهملت بلا تردّد، من دون أي اعتبار للتداعيات الاجتماعية أو الإنسانية. في هذا المنطق، لا وجود لتحالفات أخلاقية، بل لاستخدامات وظيفية تنتهي بانتهاء الحاجة.

الخلاصة أن الرهان على إسرائيل بوصفها ضامنًا لمستقبل الدروز في سوريا هو رهان على قراءة خاطئة للتاريخ وللحاضر معًا. إسرائيل ذاهبة إلى تسوية وحلول مع سوريا، عنوانها الأمن والترتيبات العسكرية والحدود، لا حماية الأقليات ولا إعادة رسم الجغرافيا. وعندما تكتمل هذه التسوية، ستُطوى الأوراق التي لم تعد ضرورية بلا تردّد. الرسالة التي حملها التسريب الأميركي واضحة: تُستخدم ورقة الأقليات مرحليًا حجراً على لوح شطرنج تجيد اللعب عليه ، ثم تُطوى عند أول تسوية. وعلى دروز السويداء أن يقرأوا هذه الرسالة بوعي تاريخي وسياسي، يتناسب وارث الجبل الوطني والقومي ، لأن أثمان الرهانات الخاطئة لا تُدفع مرة واحدة، بل تُورَّث.

————————————

==================

تحديث 27 كانون الأول 2025

———————————

السويداء ومعركة توحيد سورية/ بشير البكر

27 ديسمبر 2025

الجملة المفتاحية في التحقيق المطوّل الذي نشرته صحيفة واشنطن بوست الثلاثاء الماضي “معركة توحيد سورية”، التي تدور بقوة منذ إسقاط نظام بشّار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، بين السلطة التي تولّت الحكم في دمشق وإسرائيل. وعلى مدار عام من التطوّرات، تكشّف تدريجياً الدور الإسرائيلي متعدّد الأشكال والأدوات والوسائل. ووفق ما جاء في التحقيق، على ألسنة مسؤولين إسرائيليين حاليين وسابقين، تسعى دولة الاحتلال إلى تشكيل مسار التطوّرات في سورية عبر دعم مليشيات درزية متحالفة معها، “لإضعاف التماسك الوطني السوري، وبما يعقّد جهود الرئيس أحمد الشرع لتوحيد البلاد”.

يكشف التحقيق عن إمدادات إسرائيلية سرّية تشكّل جزءاً من جهدٍ مستمرّ منذ سنوات. وفي جانبٍ منه، دعمٌ عسكري تلقّته مليشيات الشيخ حكمت الهجري على مرحلتَيْن: الأولى بعد سقوط الأسد بأيام، والثانية في إبريل/ نيسان الماضي، “حيث بلغ تدفّق الأسلحة ذروته”، أي قبل اندلاع أحداث يوليو الماضي. وهو ما يغيّر بصورة جذرية زاويتَي النظر والحكم على المعارك التي دارت عدّة أيام، وصوّرت السويداء خلالها (وبعدها) ضحيّة اعتداء من السلطة وقوات العشائر بغرض إخضاعها بالقوة العسكرية، وارتُكبت نتيجة لذلك مجازر، وأُحرقت قرى عديدة.

ويكشف التحقيق تفاصيل مهمّة تتعلّق بدعم إسرائيل ما يُسمّى “المجلس العسكري” في السويداء بقيادة العقيد طارق الشوفي، بطرائق مباشرة، عبر السلاح والرواتب لثلاثة آلاف مقاتل، وبطرائق غير مباشرة من طريق “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، التي تشارك في التمويل والتدريب العسكري. وينطلق ذلك من اعتبار “الدروز حليفاً طبيعياً لإسرائيل”، ومن عدم الثقة بالشرع. والعبرة من هذا ليست في التعاون فقط بين المجلس العسكري في السويداء و”قسد”، بل في حضور إسرائيل طرفاً أساساً في معادلةٍ تهدف إلى عدم توحيد سورية. وهو ما يفسّر المطالبة باستقلال السويداء، واللامركزية في منطقة الجزيرة التي تسيطر عليها “قسد”، وهي تشكّل ثلث مساحة سورية وقرابة 40% من ثرواتها.

وما لم يأتِ عليه التحقيق هو تفاصيل مهمّة خلال جلسات التفاوض في باريس بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني والوزير الإسرائيلي السابق للشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، الذي أصرّ على أن ينصّ الاتفاق الأمني بين سورية وإسرائيل على إقامة ممرّ بين إسرائيل والسويداء يمتدّ نحو الجزيرة السورية، حيث تسيطر “قسد”. وحيال ذلك، لا تبدو السلطات السورية بعيدةً عن إدراك خطورة ما يحصل على الأرض، ويتبيّن اليوم أنها تعاملت بصبر مع تفكيك الألغام الإسرائيلية التي كان انفجارها سيؤدّي إلى تقسيم سورية، بعد فتح مواجهةٍ أكثر عنفاً وتدميراً ممّا حدث في محافظة السويداء، التي شهدت ارتكاب تجاوزات أطرافها الثلاثة: قوات الدولة، والعشائر، ومليشيات الهجري.

لا يمكن قراءة التقرير بمعزل عن تطوّرات العام الذي تلا سقوط الأسد، ابتداءً من أحداث الساحل في مارس/ آذار الماضي، ثم السويداء والجزيرة. وعلى هذا، يمكن عطف كلام المسؤولة السابقة الرفيعة في وزارة الدفاع الأميركية خلال إدارة بايدن، دانا سترول، التي درست الملفّ السوري عن كثب: “هناك إحباط متزايد في واشنطن من أن الإجراءات الإسرائيلية كانت تعرقل أمراً يتمنّى معظم من في واشنطن، وكل من في الشرق الأوسط، أن ينجح: سورية مستقرّة وموحّدة”. وبالتالي، ليس رفض الهجري اتفاق عمّان الثلاثي بين الولايات المتحدة والأردن وسورية تعبيراً عن موقفه الشخصي بقدر ما هو قرار صادر عن إسرائيل. والأمر نفسه ينسحب على مماطلة “قسد” في تطبيق اتفاق 10 مارس (2025)، وتصعيدها العسكري لجرّ السلطة إلى معركة عسكرية وفق حسابات وأهداف إسرائيلية. وحسب الناطق باسم مليشيا الحرس الوطني في السويداء، فإن جزءًا من التمويل يأتي من دولة خليجية.

العربي الجديد

——————————-

 احتفال سُنّي بـ”خيانة” الشيخ الهجَري/ عمر قدور

السبت 2025/12/27

قبل ثلاثة أيام استُقبل بحفاوة تقريرٌ نُشر في جريدة “واشنطن بوست” الأميركية. التقرير تضمّن ما يقول أصحابه إنه رصد للأنشطة الإسرائيلية السرية الرامية إلى عرقلة الحكم الجديد في سوريا. وبيت القصيد فيه، من وجهة نظر المحتفلين، أن الأنشطة بدأت منذ 17 كانون الأول 2024، أي بعد تسعة أيام من إطاحة الأسد، وحينها نقلت مروحيات إسرائيلية مساعدات لما يُسمى “المجلس العسكري” في السويداء، تتضمن 500 بندقية وسترات واقية وذخيرة. ثم بلغت المساعدات ذروتها في أواخر نيسان 2025، بعد ما يصفها المقال بـ”اشتباكات بين مقاتلين دروز ومسلحين إسلاميين متحالفين مع الشرع”.

لا مجازفة بالقول إن الاحتفال على السوشيال ميديا كان سنّياً، يتمحور حول الاستنتاج الذي ينصّ على خيانة الشيخ الهجري، بتعامله المبكر مع إسرائيل، ما يعفي السلطة من أية مسؤولية عن الأحداث اللاحقة المعروفة، خصوصاً الانتهاكات التي حدثت في أشرفية صحنايا أواخر شهر نيسان والمجازر التي حدثت في السويداء منتصف تموز من هذا العام. ومن المعلوم أن السلطة اعترفت بحدوث الانتهاكات، إلا أن المحتفلين أرادوا تبرئتها ضمناً من خلال الإيحاء بأن ما فعلته كان مجرد رد فعل على خيانة وطنية عظمى. وعلى ذلك تعالت الأصوات التي تطالب الدروز بالتنصّل من خيانة الهجري، من دون أن تلقى تجاوباً يُذكر من المعنِيين بالمطالبة.

القول بأن الاحتفال كان سُنّياً لا يُقصد به عموم الذين هم من منبت سُنّي، بل يُقصد به تحديداً أولئك الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم سُنّة بالمعنى السياسي، ولو أتى التعريف تحت غطاء الانتماء إلى الأكثرية المذهبية من دون التصريح ببعده الطائفي الطاغي. ومن نافل القول إن هذه الطائفية هي سياسية في المقام الأول، ومتمحورة حول السلطة، وهذا ليس بالجديد سوريّاً أو في الجوار.

خارج الاحتفال السُنّي، لا شك في أن التنسيق مع إسرائيل يفتقر إلى أدنى حسّ إنساني، والحكومة الإسرائيلية الحالية توصف بالأسوأ في تاريخ الدولة العبرية، فهي تضمّ أعتى المتطرفين، وشنّت حرب إبادية على قطاع غزة، لا تزال مستمرة منذ أكثر من سنتين. هذا مستوى كافٍ للقول المبدئي إن التعاون مع إسرائيل فيه خيانة للقيم الإنسانية المشتركة، أي إذا نُحّيت كافة الاعتبارات الأيديولوجية المعادية لإسرائيل.

لكن، وهذا ليس تبريراً لأحد، جدير بالتذكير أن من يصفون الهجري وأتباعه بالخيانة واظبوا منذ اندلاع الثورة على القول إن إيران هي العدو التاريخي للسوريين وللعرب، وإن جرائمها أكبر بكثير من جرائم إسرائيل. وجدير بالتذكير أيضاً أن نتنياهو نفسه نال مديحاً من الفئة ذاتها، على خلفية الهجمات التي شنّها على إيران وأذرعها، مع تغاضي المفتونين به عن جرائمه في حق الشعب الفلسطيني، ونؤكد مرة أخرى على كونها جرائم ضد الإنسانية.

والحق أنه منذ اندلاع الثورة صار معلناً أن السوريين غير متفقين على مَن هم الأصدقاء ومن هم الأعداء في الخارج، فأعداء الأسد كانوا أصدقاء المعارضة والعكس صحيح أيضاً. وليس جديداً القول إن جانباً من الصراعات الأهلية يظهر من خلال الانقسام تجاه الخارج، بسبب تعذّر وجود سياسة خارجية متفق عليها، وتغليب كل طرف لانحيازاته على اعتبارات الأطراف الأخرى.

الهجري، ومن يمثّل، ليسوا خونة بهذا المعنى، فهم لم يتنصلوا سراً من التزامات وطنية متفق عليها. لا خيانات بلا التزامات واضحة مُتفق عليها، وأيضاً تحدث الخيانات عادة في السر، أو تأخذ شكل انقلاب مفاجئ على تفاهم ما، وفي حالة الهجري لا يضيف تقرير “واشنطن بوست” معلومات ذات وزن إلى ما هو معروف من قبل، فالهجَري نفسه في خطاباته بعد مجازر تموز كرر توجيه الشكر لإسرائيل حكومة وشعباً (حسب قوله) على الدعم الذي قدّمته.

والهجري نفسه لم يكتسب صفة تمثيلية واسعة إلا على أرضية الانقسام الأهلي، خصوصاً بعد انتهاكات نيسان ومجازر تموز. ولولا الانقسام، وأسبابه الداخلية، لما حظي أي تخابر أو تنسيق أو تعاون مع إسرائيل بموافقة أو صمت شرائح واسعة من أهالي السويداء، أو من الذين ينحدرون من منبت درزي. فالتاريخ القريب الذي داوم أبناء السويداء على الاعتزاز به هو تاريخ الوطنية السورية، والعداء لإسرائيل تغذّى من احتلال الجولان وانقسام العائلات على طرفي خط الهدنة، فضلاً عن الأسباب العديدة للعداء التي كانت تجمع غالبية السوريين.

والاحتفال بتقرير الصحيفة الأميركية لن يُنقص من الاصطفاف حول الهجري، بل على العكس تماماً سيزيده صلابة. إلا أن المحتفلين لا يكترثون بهذه النتيجة، والأكثر وعياً وتدبيراً بينهم يتمنى الوصول إليها، لأن انكفاء أية مجموعة واصطفافها طائفياً يبرر المثل للمجموعات الأخرى، وهذا بالضبط ما يخدمهم. جدير بالتنويه أن الطرفين يدركان مقدار التكاذب والنفاق الذي ينطوي عليه استحضار العداء لإسرائيل، وهو ما يسفّه فكرة العداء ذاتها بجعلها من أدوات المناكفة الداخلية لا أكثر.

ثمة طائفيون في سوريا من غير هذه الفئة، لكن ثمة أيضاً فرق بين محسوبين على السلطة يستقوون بها على الأقل معنوياً ونظراء لهم ليس لديهم مثل هذا السند. سُنّة السوشيال ميديا ليسوا أسماء فردية، بل هم ينطقون باسم السلطة، من دون أن تعترض الأخيرة على هذا رغم مواظبتهم على النطق باسمها، والبعض منهم معروف بقربه من دوائر محددة في السلطة، ما يجعله ممثلاً لها لدى شرائح واسعة من المتلقّين. أيضاً لا يخفى أن هؤلاء ينشطون كجوقة متفرّغة، ومن الصعب الاقتناع بأنهم مجرد متطوعين (مستقلين) لبثّ دعاياتهم الخاصة!

لقد تصرفوا كجوقة متناسقة متناغمة وهم يحرّضون على قسد، على خلفية أحداث العنف في حلب، وعندما أعلنت السلطة وقف الاتفاق على وقف إطلاق النار هناك سرعان ما استلموا تقرير “واشنطن بوست” وبدأ بثّ السموم تجاه الدروز، وما أن شاع خبر تفجير مسجد في حمص يوم أمس، تبنى تفجيره تنظيم “أنصار السنة”، حتى سارع هؤلاء إلى اتهام قسد بالضلوع في التفجير أو “الفلول”، وفي كل الأحوال لم يُظهروا أدنى حساسية إنسانية إزاء الضحايا وذويهم.

ما يقوله هؤلاء على مدار الساعة هو أن عدوهم الحقيقي في الداخل، من السويداء إلى الجزيرة مروراً بالساحل، وهذه وصفة الحرب الأهلية أو التحضير لها. ومن الوصفات الشائعة أيضاً أن تظهر السلطة معتدلة بالمقارنة مع جمهورها، إلا أن الاستثمار في هذه القسمة غير مضمون النتائج على المدى البعيد إذا أصاب النجاح على المدى القريب، والثابت تقريباً أن هذا التحذير المديد لا يصمد أمام المكاسب القريبة.

المدن

—————————

ماذا يحدث للأدوات بعد استخدامها؟/ د. فيصل القاسم

في السياسة، لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة. هذه القاعدة الباردة تفسّر بدقة ما يحدث للأدوات بعد استخدامها، ولماذا ينتهي بها المطاف ـ في الغالب ـ إمّا محروقة أو منسيّة أو مدفونة بلا شاهد. الأداة في السياسة ليست شريكاً، ولا حليفاً، ولا حتى خصماً محترماً؛ هي وسيلة مؤقتة أو مناديل ورقية، تُستعمل ما دامت نافعة، وتُرمى فور انتهاء الحاجة إليها.

الأداة السياسية قد تكون فرداً، جماعة، حزباً، فصيلاً، ميليشيا. ما يجمع بينها ليس الإيمان بقضية، بل قابليتها للاستخدام. تُغذّى هذه الأدوات بالمال، الخطاب، الوهم، وأحياناً بالسلاح، لتؤدي وظيفة محددة ضمن مشروع أكبر لا تملكه ولا تتحكم به. الخطير هنا أن الأداة غالباً ما تُقنع نفسها بأنها لاعب أساسي أو حليف أو ذات حظوة عند الطرف الذي يستخدمها ويستغلها، بينما هي في الحقيقة قابلة للاستهلاك لتحقيق مصالح المُستخدم فقط.

من ساحة المعركة إلى سلة المهملات. التاريخ مليء بأمثلة صارخة. في الحروب الكبرى، جُنّد آلاف المقاتلين تحت شعارات التحرير أو الخلاص أو العقيدة أو الاستقلال، ثم تُركوا بعد انتهاء الحرب لمصيرهم. لا معاشات، لا اعتراف، لا حماية. بعضهم طُورد، وبعضهم صُفّي، وبعضهم عاش منبوذاً. السبب بسيط: انتهت الحاجة.

في الحرب الباردة، استُخدمت حركات وأحزاب في دول العالم الثالث كأدوات صراع بين المعسكرين. ما إن تغيّر ميزان القوى أو سقط أحد المعسكرين، حتى سقطت تلك الحركات معه. لم يسأل أحد عن “نضالها «أو “تضحياتها». السياسة لا تتذكر إلا النتائج.

الجماعات الوظيفية: نموذج متكرر. في الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ظهرت جماعات مسلحة أو سياسية لعبت أدواراً وظيفية لصالح قوى إقليمية أو دولية. حين كانت مفيدة، فُتحت لها الحدود والإعلام والخزائن. وحين أصبحت عبئاً أو مصدر إزعاج، أُدرجت على لوائح الإرهاب، أو تُركت تواجه مصيرها وحدها وتندب حظها.

الأداة هنا لا تُحاسَب على أخلاقها، بل على كفاءتها الوظيفية. فإذا فشلت، أو استفذت دورها، أو طالبت بثمن أعلى، تتحول فوراً من حليف إلى مشكلة، أو عبء وفي كثير من الأحيان تلجأ الجهة التي تستثمر في هذه الجماعة أو تلك مؤقتاً، تلجأ إلى رفع الغطاء عنها وتفضحها إعلامياً عبر تسريبات إعلامية، أو تسلط عليها جهة أخرى لضربها وسحقها كما نرى اليوم في أكثر من مكان.

المرتزقة: أوضح أشكال الأدوات. المرتزق هو الشكل الأكثر فجاجة للأداة السياسية. يقاتل مقابل أجر، بلا قضية حقيقية. مصيره معروف سلفاً: إمّا الموت، أو النسيان، أو التخلّي عنه عند أول تسوية. لا أحد يبني تماثيل للمرتزقة، ولا تُكتب أسماؤهم في كتب التاريخ إلا كهوامش سوداء. لكن المأساة ليست في وجود المرتزقة، بل في أولئك الذين يتوهمون أنهم ليسوا كذلك، بينما يفعلون الشيء نفسه مقابل ثمن «أكثر أناقة»: منصب، شهرة، أموال، حماية مؤقتة، وعود بالزعامة إلى ما هنالك. وكلنا يتذكر ماذا حصل في الثورة العربية الكبرى عام ألف وتسعمائة وستة عشر لبعض رموز وقادة تلك الثورة، وكيف استخدمهم الانكليز للانقلاب على العثمانيين ووعدوهم بدول قومية وزعامات، وعندما حققوا أهداف المخطط الاستعماري وقتها، انتهى بهم الأمر مطاردين ومنبوذين وهاربين. لكن المشكلة لا أحد يتعلم من تجارب الماضي أبداً، والشي الوحيد الذي نتعلمه من التاريخ حسب هيغل أن لا أحد يتعلم من التاريخ.

لماذا يقبل البعض أن يكون أداة؟ السؤال الجوهري: لماذا يرضى إنسان أو جماعة بهذا الدور؟ الجواب مزيج من: الطمع: وهم الربح السريع. الجهل: سوء فهم قواعد السياسة. الغرور: الاعتقاد بأنهم استثناء. الخوف: الارتماء في أحضان الأقوى طلباً للحماية. لكن السياسة لا تعترف بالاستثناءات. كل أداة تعتقد أنها ذكية بما يكفي لتنجو، تكتشف متأخرة أن الدور كان مكتوباً سلفاً، مرحلة مؤقتة من الاستخدام والاستغلال السياسي، ثم تتبدل مصالح المستخدم أو يكون قد حقق أهدافه وغاياته، فيرمي بأدواته في سلة المهملات.

ما الذي يبقى في النهاية؟ يبقى الفاعلون الحقيقيون فقط: من يملك القرار، المال، القوة، التخطيط، بُعد النظر، والحزم، والرؤية. أما الأدوات، فمصيرها أحد ثلاثة: التصفية إذا أصبحت عبئاً. الإهمال إذا فقدت قيمتها. الاستبدال إذا وُجد من هو أرخص أو أطوع وأكثر فائدة ومردوداً.

الخلاصة: في السياسة، لا أحد يستخدمك لأنه يحبك أو يغار عليك أو يعتبرك جزءًا منه، ولا يتخلى عنك لأنه يكرهك. يستخدمك لأنك مفيد في مرحلة معينة، ويتخلى عنك لأنك انتهيت. ولا ننسى حتى الأخوة ينقلبون على بعضهم البعض في السياسة، لا بل يقتلون بعضهم بعضاً بسبب تضارب المصالح. وكلنا يتذكر كيف استخدمت أمريكا من يسمون بالمجاهدين ذات يوم لطرد خصومها السوفيات من أفغانستان، واستقبلتهم في البيت الأبيض، ووصفتهم بالمقاتلين من أجل الحرية، ثم عندما انتصروا على السوفيات، وانتهت مهمتهم لاحقتهم أمريكا كإرهابيين وشحنتهم كالأنعام إلى معسكرات غوانتانامو لتسومهم سوء العذاب. ومن لا يفهم هذه القاعدة، محكوم عليه أن يكون وقوداً لمعارك غيره، أو حطباً في نار مشاريع لا تعنيه.

الدرس قاسٍ، لكنه الحقيقة العارية: إمّا أن تكون صاحب مشروع وإرادة، أو لا تطأ ساحة اللعبة من الأساس. أمّا من يرضى أن يكون أداة بيد غيره، فلا يحقّ له أن يتباكى عندما يُقذف إلى مزابل التاريخ بلا أسف، بعد أن يتحوّل إلى مثال يُضرَب في الرخص، والعمالة، والخيانة، والانحطاط، والسفالة، خاصة أولئك الذين يبيعون أنفسهم بثمن بخس للتآمر ضد بلادهم وأوطانهم.

الأدوات لا تُخلَّد، بل تُستهلك… ثم تُرمى في مكب النفايات… غير مأسوف عليها.

كاتب واعلامي سوري

القدس العربي

———————————-

 أزمة السويداء.. لا حرب أهلية/ دمشق – أحمد إسماعيل

الجمعة 2025/12/26

حرب باردة يعيشها أبناء الوطن الواحد، يقف فيها كل منهم موقف المدافع تارة والمهاجم تارة أخرى، حتى وإن لم تكن حرباً أهلية معلنة، إلا أنها تستنزف وحدة الشعب وتماسكه، هذه الحرب ليست وليدة الداخل فحسب، بل تقف وراءها قوى خارجية متعددة، بينها دول كانت تعول على نظام الأسد ووجدت نفسها خارج المعادلة، وباتت تبحث عن ثغرة تحاول من خلالها إرباك السلطة السورية الجديدة عبر إثارة فتنة طائفية تسعى من خلالها إلى تفكيك النسيج السوري.

إيران وإسرائيل.. تقاطع المصالح

ويعتبر المحلل السياسي حسام طالب أن “ما يجري في سوريا هو تبعات حرب أهلية سابقة استمرت 14 عاماً”، مشيراً إلى أن “الواقع لا يشي بحرب أهلية وشيكة، بل يذهب نحو التهدئة أكثر منه نحو التصعيد والحرب”.

ويرى طالب في حديثه لـ”المدن”، أن لإيران دور كما لإسرائيل دور في تأجيج الفتنة الطائفية بسوريا. ويقول: “إيران هي الخاسر الأكبر في سوريا، لذلك تعمل على إفشال التجربة السورية”.

ويتابع طالب: “نسمع الإسرائيلي يتكلم عن حماية الأقليات وأنه دافع عن الدروز، ولكن في الحقيقة هو استغل الدروز في السويداء، ليحتل المزيد من الأراضي، وهذا ما تحدث عنه (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس بشكل صريح، بأن إسرائيل من مصلحتها تقسيم سوريا، فهم يتحدثون، ويعملون على هذا الأمر من خلال الواقع في السويداء”.

ويضيف أن “إيران لها مصلحة كبرى بإضعاف الحالة السياسية، وتمزيق المجتمع، عبر دعم فلول النظام في الساحل، من خلال احتضان المئات من ضباطه لإثارة الفتنة، وبالتالي هناك من يريد تقسيم سوريا، وهناك من يحاول إضعافها سياسياً واجتماعياً”.

الداخل الهش قنبلة موقوتة

ويرى طالب في وسائل التواصل الإجتماعي سبباً رئيسياً في تأجيج الموقف في الداخل السوري، لناحية الانقسام حول القضايا الرئيسية في البلد، فيما يتحول الانقسام إلى طائفي في أكثر الأحيان. وهي حسب قوله “تعمل على تأجيج الوضع، من خلال منشورات تحريضية من حسابات يديرها أشخاص مجندون لهذه الغاية”، منوهاً إلى أن “الحل الجذري لهذه القضية يكون من خلال قوانين تُجرّم الخطاب الطائفي”.

حماية المكونات السورية وطمأنتها، واجب حكومي مسنود بالمجتمع المدني والأهلي من أصحاب النفوذ والتأثير. فالواجب الحكومي من وجهة نظر حسام طالب، يكون “عبر إشراك المكونات السورية في الدولة والعمل السياسي، لقطع الطريق على أي محاولة للتدخل من خلال الوحدة الوطنية”.

وينوه طالب إلى أن “مشروع تقسيم سوريا لا يزال قائماً للأسف، ويُعمل عليه من قبل بعض القوى، ولكن أداء الإدارة السورية الجديدة خارجياً وداخلياً يُضعف المشروع”.

———————————

ترجمة تقرير صحيفة واشنطن بوست عن تمويل إسرائيل  إنشاء ميليشيات درزية في السويداء منذ ما قبل سقوط نظام الأسد، ودفع رواتب حوالي ثلاثة آلاف مقاتل درزي تم تجنيدهم في هذه الميليشيات.

واشنطن بوست و تحقيق عن دعم إسرائيلي غير معلن لميليشيات درزية .

” ‏كيف تسعى الأنشطة السرية  الإسرائيلية في سوريا إلى إحباط حكومتها الجديدة؟

واشنطن بوست

تحت جنح الظلام، بدأت المروحيات الإسرائيلية بالوصول إلى جنوب سوريا في السابع عشر من ديسمبر/كانون الأول 2024، بعد تسعة أيام من الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد.

وقال مسؤولون اسرائيليون سابقون شاركا مباشرة في العملية، كانت الشحنات التي أُسقِطت جوًّا سرًّا تضم، إلى جانب منصّات من المساعدات الإنسانية، 500 بندقية وذخائر ودروعًا واقية، بهدف تسليح ميليشيا درزية تُعرف باسم «المجلس العسكري».

جاءت شحنات الأسلحة هذه ردًّا على الصعود المفاجئ لأحمد الشرع، وهو مقاتل إسلامي كان يُعرف سابقًا باسمه الحركي أبو محمد الجولاني، والذي أطاح بالأسد.

نظرت إسرائيل إلى الشرع بعين الريبة الشديدة، إذ كان قد قاد جماعة مسلّحة ارتبطت رسميًا، بتنظيم القاعدة حتى قبل عقد من الزمن، الذي يعارض وجود إسرائيل بشدة، ولا يزال الشرع، حتى اليوم، يضم في صفوف داعميه مقاتلين متطرفين.

تسعى إسرائيل بوصفها قوة آخذة في التعاظم في الشرق الأوسط، إلى تشكيل مسار التطورات في سوريا عبر دعم ميليشيات درزية حليفة، وذلك في إطار مسعى إلى إضعاف التماسك الوطني السوري، بحسب مسؤولين إسرائيليين حاليين وسابقين، بما من شأنه تعقيد جهود الشرع لتوحيد البلاد بعد حربها الأهلية الطويلة.

كانت الإمدادات الإسرائيلية السرّية جزءًا من جهد طويل الأمد لدعم الدروز—وهم أقلية دينية لعبت تقليديًا دورًا في سياسات عدد من دول الشرق الأوسط—بحسب مسؤولين إسرائيليين حاليين وسابقين.

وقد خلص تحقيق لصحيفة واشنطن بوست إلى أن هذا الجهد لا يزال مستمرًا حتى اليوم، وبلغ تدفّق الأسلحة ذروته في أبريل/نيسان، عقب اشتباكات بين مقاتلين دروز سوريين ومسلحين إسلاميين موالين لأحمد الشرع، ثم تراجع في أغسطس/آب بعدما حوّلت إسرائيل بوصلتها إلى التفاوض مع الشرع، ومع بروز شكوك لدى مسؤولين إسرائيليين بشأن موثوقية الانفصاليين الدروز السوريين وقابلية تحقيق أهدافهم.

ومع ذلك، تواصل إسرائيل تنفيذ إسقاطات جوية لمعدات عسكرية غير فتاكة—مثل الدروع الواقية والإمدادات الطبية—للمقاتلين الدروز في سوريا، بما يقوّض عمليًا قدرة الشرع على تركيز السلطة، وفق قادة دروز في سوريا ومسؤول إسرائيلي سابق.

وأضاف مسؤولان درزيان أن الإسرائيليين يقدّمون أيضًا مدفوعات شهرية تتراوح بين 100 و200 دولار لنحو ثلاثة آلاف مقاتل درزي، في مؤشر إضافي على استمرار الحفاظ على قوة موازِنة للحكومة السورية المركزية.

وتحدّثت واشنطن بوست مع أكثر من عشرين مسؤولًا إسرائيليًا وغربيًا حاليين وسابقين، ومستشارين حكوميين، وقادة ميليشيات درزية وزعماء سياسيين في سوريا وإسرائيل ولبنان لإعداد هذا التقرير.

وتحدّث كثيرون من الذين أُجريت معهم المقابلات شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، لوصف الآليات الداخلية للدعم الإسرائيلي للدروز السوريين، الذي تضمن عناصر من تعاون سري لم يُعترف به علنًا من قبل أو يُكشف عنه سابقًا.

وتتمثل الاستراتيجية الإسرائيلية الشاملة منذ سقوط الأسد في ضمان عدم نشوء نظام يمتلك القدرة على تهديد إسرائيل على حدودها الشمالية الشرقية، فيما يعتقد مسؤولون إسرائيليون أن واشنطن ساذجة حين تقبل تأكيدات الشرع بأنه تخلّى عن آرائه المتطرفة.

وتقول إسرائيل أيضًا إنها لا تزال ملتزمة بدعم الدروز المنتشرين في عدة دول شرق أوسطية، وتتمتع إسرائيل بعلاقات عميقة مع الدروز، أتباع ديانة توحيدية تختلف عن الإسلام واليهودية؛ إذ لعبوا دورًا بارزًا داخل إسرائيل، بما في ذلك تولي مناصب رفيعة في الجيش والحكومة، ولذلك يُنظر إليهم داخل المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية على أنهم حليف طبيعي في سوريا.

ويعكس الدعم الإسرائيلي للدروز السوريين عدم الثقة في الشرع وتاريخ إسرائيل الطويل من التدخل الهادئ في دولة مجاورة مزّقتها حرب أهلية طويلة.

وقد شكّل رفض إسرائيل السماح للشرع بتوحيد البلاد—بما في ذلك عبر استمرار دعمها للدروز—مصدر توتر بين القدس ودمشق، وكذلك بين إسرائيل وإدارة ترامب، التي جعلت دعم الشرع ركيزة أساسية في السياسة الإقليمية الأميركية.

ويراهن كثيرون في الإدارة وفي الكونغرس على الشرع لاستعادة الاستقرار في سوريا، بما يخفف التوترات في المنطقة الأوسع، وقد يفتح الطريق أمام عودة ملايين اللاجئين إلى ديارهم، ويساعد على الحد من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.

وقال الشرع لصحفيي واشنطن بوست وفي مقابلة أُجريت معه مؤخرًا في واشنطن قبيل لقائه الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض، إن دعم إسرائيل للحركات الانفصالية تحرّكه «طموحات توسعية»، محذرًا من أنه قد يشعل “حروبًا واسعة في المنطقة، لأن مثل هذا التوسع سيخلق تهديدًا للأردن والعراق وتركيا ودول الخليج”.

واضاف الشرع ان إسرائيل وسوريا «قطعتا شوطًا جيدًا على طريق التوصل إلى اتفاق لخفض التصعيد»، معربًا عن أمله في أن تسحب إسرائيل قواتها من الأراضي التي سيطرت عليها في وقت سابق من هذا العام، وأن «لا تتيح مجالًا لأطراف أو فاعلين لا يريدون لسوريا أن تنعم بالاستقرار».

وقال مسؤولون إسرائيليون إن إسرائيل، على الرغم من عدم ثقتها بالشرع نظرًا لتاريخه السابق كقائد لفرع تابع لتنظيم القاعدة، قد أظهرت براغماتية عبر تقليص دعمها للدروز السوريين، وخفض الضغط العسكري على سوريا، ومنح المفاوضات فرصة خلال الأشهر الأخيرة.

وأوقفت إسرائيل في أغسطس/آب تدفّق الأسلحة إلى الدروز، بحسب مسؤولين إسرائيليين ودروز بعد أن صافح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشرع للمرة الأولى في مايو/أيار، وعلّق مسؤولون إسرائيليون نقاشاتٍ كانت تهدف إلى تحويل الدروز السوريين إلى ميليشيا وكيلة مسلّحة لإسرائيل، وسط مخاوف من الاقتتال الداخلي بين القيادات الدرزية السورية، ومن خطر تورّط إسرائيل في الساحة السورية، وفق مسؤولين إسرائيليين ومستشارين حكوميين.

وقال مسؤول إسرائيلي، واصفًا دعم بلاده للدروز بأنه محسوب بعناية: “كنا نقدّم المساعدة عندما كان ذلك ضروريًا تمامًا، ونحن ملتزمون بأمن الأقليات، لكن الأمر ليس كما لو أننا سنرسل قوات كوماندوس لتتمركز إلى جانب الدروز أو ندخل في أعمال تنظيم وكلاء مسلحين”، وأضاف: “نحاول مراقبة كيفية تطور الأمور هناك، وليس سرًا أن الإدارة الأميركية تؤيد بقوة التوصل إلى اتفاق”.

وأضاف المسؤول أن هناك إدراكًا متزايدًا داخل إسرائيل بأن ليس جميع الدروز قد التفّوا حول الزعيم الروحي للدروز السوريين الشيخ حكمت الهجري، الذي يقود الدعوات إلى الانفصال عن دمشق بدعم إسرائيلي.

وقال مسؤول في الحكومة الإسرائيلية ردًا على طلب تعليق رسمي، : “بعد هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول (التي نفذتها حماس)، عازمة إسرائيل على الدفاع عن مجتمعاتنا على حدودنا، بما فيها الحدود الشمالية، ومنع ترسّخ الإرهابيين والأعمال العدائية ضدنا، وحماية حلفائنا الدروز، وضمان أن تبقى دولة إسرائيل آمنة من الهجمات البرية وغيرها من الهجمات القادمة من مناطق الحدود”، وتحدث المسؤول شريطة عدم الكشف عن هويته. ورفض الجيش الإسرائيلي التعليق على هذا التقرير.

ويرى بعض المحللين الإسرائيليين والأميركيين أن الاستخدام الإسرائيلي المكثف للقوة العسكرية في سوريا، ومحاولاتها السرّية لتعزيز النزعة الانفصالية الدرزية، كان ذو نتائج عكسية، وأضرّ بالعلاقات في وقت بدا فيه الشرع حريصًا على بلوغ تهدئة دبلوماسية.

وقالت دانا سترول، المسؤولة السابقة الرفيعة في وزارة الدفاع الأميركية خلال إدارة بايدن، والتي درست الملف السوري عن كثب: “هناك إحباط متزايد في واشنطن من أن الإجراءات الإسرائيلية كانت تُقوِّض أمرًا يرغب معظم صانعي القرار في واشنطن، وكل من في الشرق الأوسط، في رؤيته ينجح: سوريا مستقرة وموحّدة”، وأضافت: “الحجة الأساسية الموجهة لإسرائيل هي: انظروا، لديكم في دمشق قيادات مستعدة لأن تنطق كلمة “إسرائيل” وتتحدث عن مستقبل محتمل بعلاقات مُطبّعة، ومع ذلك تواصلون القصف أو البحث عن بديل تعملون من خلاله”.

على شفا التحول

كان مسؤولون داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية قد أدركوا قبل أشهر من سقوط الأسد، أن الشرق الأوسط قد يقف على أعتاب تغيّر واسع، فقد أضعفت العمليات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية في عام 2024 حلفاء رئيسيين للأسد، هما إيران وحزب الله اللبناني، ما زاد من عزلته.

وقال المسؤولان الإسرائيليان السابقان المشاركان مباشرة في هذه الجهود إن قادة دروزًا في إسرائيل سعوا إلى التواصل مع نظير درزي سوري يمكنه المساعدة في قيادة نحو 700 ألف درزي في سوريا في حال انهار نظام الأسد، ووقع اختيارهم على طارق الشوفي، وهو عقيد سابق في جيش الأسد.

ويتذكر أحد هذين المسؤولين السابقين أنه جرى اختيار “20 رجلًا ذوي خبرة عسكرية”، وتوزيع الرتب والمهام، والبدء بالعمل على ما سُمّي “المجلس العسكري” في معقل الدروز بمحافظة السويداء جنوب سوريا.

وكان المجلس العسكري، بقيادة الشوفي، يحظى بدعم الشيخ الهجري، وهو رجل دين درزي حادّ الطباع يبلغ من العمر 60 عامًا، وُلد في فنزويلا، ودعا إلى إقامة دولة درزية ذات حكم ذاتي بدعم إسرائيلي، بحسب عضو مؤسس آخر في المجلس.

ولمساعدة الشوفي على ترميم مبنى قديم ليكون مقر قيادة وشراء الزيّ والمعدات الأساسية، قام دروز من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بتمرير مبلغ 24 ألف دولار إليه عبر قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهي ميليشيا تقودها مجموعات كردية وتحتفظ أيضًا بعلاقات مع إسرائيل، وفق أحد المسؤولين الإسرائيليين السابقين.

وأضاف المسؤول أن المال كان جسر تمويل مؤقت للمجلس إلى حين سقوط نظام الأسد، وأُرسلت مبالغ إضافية وصلت إلى نصف مليون دولار بشكل منفصل من قبل «قسد» إلى المجلس العسكري في الفترة نفسها تقريبًا، ، بحسب المسؤول الإسرائيلي السابق وقائدين درزيين في سوريا.

وقامت «قسد» أيضًا بتدريب دروز سوريين، بمن فيهم نساء، في مناطق كردية شمال سوريا—وهي علاقة لا تزال مستمرة حتى اليوم، وفق مسؤول كردي رفيع، وقائد درزي سوري، ومسؤول إسرائيلي سابق، ولم يرد متحدث باسم الجناح السياسي لـ«قسد» على طلبات التعليق.

في هذه الأثناء، كان الشيخ الهجري، الزعيم الروحي، قد أعدّ خرائط لدولة درزية مستقبلية مقترحة تمتد حتى العراق، وطرحها على حكومة غربية كبرى واحدة على الأقل في مطلع عام 2025، بحسب ما استذكره مسؤول غربي.

استنفار الأباتشي

عندما سقط الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، عقب هجوم خاطف استمر 11 يومًا قاده الشرع وجماعته المسلحة هيئة تحرير الشام، تحرّكت إسرائيل سريعًا.

فورًا، دخلت القوات البرية الإسرائيلية إلى سوريا وسيطرت على 155 ميلًا مربعًا من الأراضي، بما في ذلك مواقع إضافية على قمة جبل الشيخ (حرمون)، وهو مرتفع استراتيجي يتقاطع مع الحدود السورية–اللبنانية، وشنّ سلاح الجو الإسرائيلي في الوقت نفسه، مئات الغارات على منشآت عسكرية سورية لمنع الزعيم السوري الجديد من الوصول إلى الأسلحة، وقام عقيد في القيادة الشمالية لجيش الدفاع الإسرائيلي خلال عشرة أيام، باستنفار مروحيات أباتشي لنقل بنادق ونقود ومساعدات إنسانية لتعزيز الدروز، بحسب مسؤول إسرائيلي سابق.

وبلغت شحنات الأسلحة ذروتها في أواخر أبريل/نيسان وسط مخاوف إسرائيلية من أن يكون المجتمع الدرزي مهددًا.

ومع تصاعد التوترات الدينية في سوريا، اندلعت اشتباكات بين مسلحين إسلاميين يدعمون حكومة الشرع الجديدة ومقاتلين دروز، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى، وخشية أن يتعرض الدروز للاجتياح أو الحصار أو المذابح، تعهد مسؤولون إسرائيليون علنًا بحماية الأقلية.

وردّت إسرائيل بإرسال أسلحة مستعملة في الغالب حصلت عليها قواتها من مقاتلي حزب الله وحماس الذين قُتلوا، بحسب مسؤول إسرائيلي سابق، وقائد درزي في سوريا، ووسيط مالي.

كما استذكر قائد ميليشيا درزية سورية تلقيه بنادق قنص ومعدات رؤية ليلية وذخائر لمدافع رشاشة ثقيلة عيار 14 ملم و23 ملم، وحصل بعض قادة الدروز أيضًا على صواريخ مضادة للدروع وصور ميدانية من أقمار صناعية إسرائيلية، من نظرائهم الأكراد، بحسب قائدين درزيين في السويداء.

الدفع نحو تسليح وكيل

على الأرض، أنشأت القوات الإسرائيلية ما وصفته بـمنطقة عازلة، قدّمت فيها لسكان 20 قرية درزية «الخشب والبنزين والديزل والغذاء وقليلًا من الماء»، إضافة إلى العلاج الطبي في عيادة عسكرية أُقيمت خارج قرية الخضر الدرزية، وفق مسؤول عسكري إسرائيلي.

وداخل الحكومة الإسرائيلية، أنشأت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (COGAT) التابعة لوزارة الدفاع مكتبًا إداريًا جديدًا لتنسيق إرسال المساعدات الإنسانية وغيرها، بما في ذلك الأسلحة الخفيفة، إلى الدروز السوريين، بحسب حسون حسون، اللواء الإسرائيلي السابق والسكرتير العسكري الرئاسي، الذي شارك في جهود المساعدة.

وكان حسون، وهو درزي ومقرّب من الهجري، يقود تيارًا داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يدعو إلى أن تضع إسرائيل ثقلها الكامل خلف الدروز السوريين بوصفهم وكيلًا مسلحًا في سوريا.

وقال حسون في مقابلة: “تحتاج إسرائيل إلى رفع وتيرة عملها والتصرف كقوة استراتيجية، تبني تحالفات مع مختلف الأطراف والوكلاء، وتحولهم إلى جهات موالية لها، وتكون هي بدورها موالية لهم”.

وأوضح مسؤول إسرائيلي أن دعم تسليح الدروز استند إلى اعتبارين أساسيين: أولهما أن الجهود الأميركية والأوروبية للتعامل مع الشرع كانت تُعدّ ساذجة، إذ رأت فيه إسرائيل مسلحًا إسلاميًا لم يتخلَّ عن تطرفه ويشكّل تهديدًا إذا ما راكم السلطة، وثانيهما شعور بـالتزام أخلاقي لحماية إخوة الدروز السوريين للمجتمع الدرزي المؤثر داخل إسرائيل.

وتصاعد الضغط على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للتدخل في سوريا في يوليو/تموز بعد تجدّد الاشتباكات بين مسلحين سنّة وقوات حكومية سورية من جهة، والدروز في السويداء من جهة أخرى، وقد أسفرت أعمال العنف عن مقتل أكثر من ألف شخص، وفق جماعات حقوقية، وفرض حصار على قلب المناطق الدرزية، وردًا على ذلك، قصف الجيش الإسرائيلي قوات سورية ووزارة الدفاع في دمشق.

تاريخ من الدعم السري

تعود مخاوف إسرائيل من استيلاء إسلامي على السلطة في دولة مجاورة — وتدخلها في سوريا — إلى سنوات طويلة.

فبعد انزلاق سوريا إلى الحرب الأهلية عام 2011، دخل ضباط عسكريون إسرائيليون إلى سوريا لتدريب ميليشيات درزية، وقدموا أسلحة وعلاجًا طبيًا لمجموعات متمردة أخرى، غالبًا بتنسيق مع الأردن والولايات المتحدة، بحسب ثلاثة مسؤولين إسرائيليين سابقين.

وامتنع تامير هايمان، اللواء الإسرائيلي السابق ورئيس القيادة الشمالية التي تشرف على الجبهة السورية، عن مناقشة الدعم الإسرائيلي الحالي للدروز، لكنه قال إن إسرائيل والأردن، خلال الحرب الأهلية السورية، ساندتا مجموعات كانت تُعد معادية للمتطرفين الإسلاميين السنّة.

وقال هايمان: “كانت هناك مصلحة مشتركة بين إسرائيل وتلك المجموعات المحلية في قتال تنظيم الدولة الإسلامية أو حماية الحدود الإسرائيلية منه. وفي المقابل، قدمنا دعمًا لوجستيًا تمثّل أساسًا في العلاج الطبي في مستشفيات إسرائيلية، والمياه، وإمدادات الغاز، وأحيانًا بعض الأسلحة”.

ويحذّر محللون إسرائيليون اليوم من أن دعم دولة درزية ذات حكم ذاتي أو ميليشيا وكيلة سيكون تفويضًا مختلفًا تمامًا عن التعاون السابق لتأمين الحدود.

وأشار مستشار حكومي إلى أن إسرائيل لم تخض تجربة ناجحة في جنوب لبنان، حيث دعمت على مدى عقدين ميليشيا موالية لها تُعرف بـجيش لبنان الجنوبي قبل أن ينهار أمام تقدّم حزب الله عام 2000.

وقال المستشار إن دعم دولة مستقلة سيخلق وضعًا “يتعيّن فيه على إسرائيل الدفاع عن سكان يبعدون 100 كيلومتر عن الحدود»، مضيفًا: «إذا كان لنا مصلحة هنا، فهي عدم إنشاء “دروزستان” مستقلة”.

كما ازداد قلق المسؤولين الإسرائيليين من صراعات النفوذ الداخلية التي ظهرت بين الدروز السوريين. ففي أغسطس/آب، تحرّك الشيخ الهجري ليُعترف به السلطة العسكرية الشرعية الوحيدة بين الدروز السوريين، وحلّت ميليشيا جديدة تُدعى «الحرس الوطني»، يقودها الهجري وابنه سليمان، محل المجلس العسكري بوصفها الجهة المتلقية للأسلحة من إسرائيل، وفق قادة دروز سوريين والمسؤولين الإسرائيليين السابقين اللذين شاركا مباشرة في الجهود.

وأشعلت هذه الخطوة انقسامات حادة بين قادة الدروز، فقد اتُّهم طارق الشوفي، القائد السابق للمجلس العسكري، بالتعاون مع الشرع، ودخل في حالة اختفاء خوفًا من اعتقاله على يد رجال الهجري.

وفي المقابل، وُجّهت اتهامات إلى الهجري بعمليات خطف، وإلى ابنه بالتعامل مع شبكات إقليمية لتهريب المخدرات، بما في ذلك حزب الله، بحسب مسؤول إسرائيلي سابق، وقائد درزي في سوريا، ووسيط مالي.

وقال أحد المسؤولين الإسرائيليين السابقين المشاركين في الجهد: “الإسرائيليون يعرفون أنه لا يوجد شريك يمكن العمل معه على الضفة الأخرى — وبالتأكيد ليس على المدى الطويل”، ولم يرد ثلاثة أشخاص مقرّبين من الهجري — ابنه ومستشاره وابن شقيقه — على أسئلة مفصلة وطلبات تعليق من واشنطن بوست. ولم يتسنّ الوصول إلى الشوفي للتعليق.

أدوية ودروع واقية ونقود

في الأسابيع التي سبقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول، حين كان مسؤولون إسرائيليون يناقشون إمكانية عقد لقاء بين نتنياهو والشرع في نيويورك لم يتحقق في النهاية، أوضح مسؤولون سوريون أنهم لا يرغبون في أن تسهّل إسرائيل نزعات الانفصال الدرزية، بحسب المستشار الحكومي الإسرائيلي.

وأضاف أن اتفاقًا أمنيًا مقترحًا بين إسرائيل وسوريا انهار جزئيًا بسبب مطالب إسرائيلية تتعلق بضمانات للدروز، من بينها ممر إنساني مُسوّر يمتد من إسرائيل إلى السويداء.

ويقول مسؤولون إسرائيليون وآخرون اطّلعوا على تفكيرهم إن الوضع في سوريا — وسياسة إسرائيل تجاه الدروز — ما يزالان متحركين.

فقد زار نتنياهو في نوفمبر/تشرين الثاني، قوات إسرائيلية داخل أراضٍ سورية محتلة، وهو ما انتقدته سوريا بشدة واعتبرته انتهاكًا لسيادتها.

وطالبت إسرائيل خلال محادثات بشأن اتفاق أمني ثنائي، بأن تُنزَع السلاح من جنوب سوريا، وألا تدخل القوات السورية إلى السويداء دون تنسيق مسبق مع إسرائيل، بحسب مسؤول إسرائيلي سابق شارك في المفاوضات.، ورفض الشرع في مقابلة مع واشنطن بوست، مطلب إسرائيل بنزع السلاح عن المنطقة الواقعة جنوب دمشق.

كما ستواصل إسرائيل، وفق أحد المسؤولين، الضغط في محادثاتها مع الشرع من أجل «استقلال مؤسسي» للدروز، مضيفًا أن شحنات المساعدات من إسرائيل مستمرة لكنها أصغر حجمًا وأقل تواترًا.

وقال مسؤول في الحكومة الإسرائيلية في بيان رسمي: “تتوقع إسرائيل أن تُنشئ سوريا منطقة عازلة منزوعة السلاح من دمشق حتى منطقة الفصل، بما في ذلك المداخل المؤدية إلى جبل الشيخ وقمته… من الممكن التوصل إلى اتفاق مع السوريين، لكننا سنتمسك بمبادئنا، ومنها الحماية الدائمة لإخوتنا وأخواتنا الدروز الذين تعرضوا هذا الصيف لمجازر تُذكّر بفظائع السابع من أكتوبر”.

وكانت مروحيات إسرائيلية حتى أواخر سبتمبر/أيلول، تنقل أدوية وإمدادات عسكرية دفاعية، بما في ذلك الدروع الواقية، إلى السويداء، وفق قادة دروز في سوريا ومسؤول إسرائيلي سابق، كما استمرت المدفوعات الشهرية لنحو 3,000 مقاتل من «الحرس الوطني»، بحسب مسؤولين درزيين.

وقالت كارميت فالينسي، الخبيرة في الشأن السوري في معهد دراسات الأمن القومي بتل أبيب، إن حماسة إسرائيل الأولية لبعض القادة الدروز الانفصاليين مثل الهجري تراجعت، وظهرت شكوك بشأن واقعية تقديم مساعدات كبيرة — مثل الكهرباء والمياه — لدولة درزية منفصلة.

وأضافت فالينسي: “على إسرائيل أن تقرّ بوجود حدود لتدخلها في الشؤون الداخلية، لا سيما ونحن نجري حوارًا مع نظام يسعى إلى اتفاق أمني”، وختمت بالقول: “ما دام هناك جمود وعدم توصل إلى اتفاق أمني، أعتقد أن إسرائيل ستواصل دعم الدروز”.

الترجمة  لزيد بنيامين و منقولة عن تغريدة له

==================

تحديث 26 كانون الأول 2025

———————————

 السويداء وحلب.. نقطتا اشتباك متقدمتان في سوريا/ مها غزال

الخميس 2025/12/25

لم تعد محافظة السويداء ساحة توتر محلي أو ملفاً داخلياً قابلاً للاحتواء الأمني، بل تحوّلت تدريجياً إلى نقطة اشتباك متقدمة في معادلة الصراع السوري–الإقليمي. فالتزامن المتكرر بين كل تصعيد تفرضه تركيا على حكومة دمشق في ملف قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، وبين اندلاع توترات أو اشتباكات في السويداء، لم يعد قابلاً للتفسير بوصفه مصادفة، هذه هي المرة الثالثة التي يتكرر فيها هذا النمط، بما يجعل تجاهل دلالاته السياسية والأمنية نوعاً من إنكار الواقع.

هذا التزامن لا يبدو موجهاً نحو إشعال حرب سورية مفتوحة، ولا نحو تفجير شامل للساحة الداخلية، بل يأتي في إطار سياسة ضغط محسوبة متعددة الاتجاهات. الرسالة الأولى موجهة إلى حكومة أحمد الشرع، مفادها أن الانخراط الكامل في المسار التركي ضد “قسد” يحمل كلفة داخلية وإقليمية مرتفعة، أما الرسالة الثانية، فهي موجهة إلى أنقرة نفسها، وتقول إن محاولة إدارة الصراع السوري من بوابة واحدة لن تبقى بعيدة عن حدودها السياسية والأمنية.

في هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري في السويداء عن حلب، التي تشكل بدورها نقطة ضغط مدنية موازية، تتحرك عبرها “قسد” خارج جغرافيتها العسكرية الصلبة. فاختيار السويداء وحلب ليس عشوائياً، بل يعكس إدراكاً عميقاً لدى “قسد” بأن خوض مواجهة عسكرية مباشرة في مناطق نفوذها الكبرى شرق الفرات سيحول الصراع إلى حرب استنزاف مفتوحة، وقد يستدرج تدخلاً تركياً مباشراً لا ترغب به في هذه المرحلة.

من هنا، تبدو استراتيجية “قسد” قائمة على تحريك مفاصل مدنية هشة بدل فتح جبهات عسكرية مباشرة، ففي حلب، حيث التركيبة السكانية المعقدة، وتشابك النفوذ بين الدولة والفصائل المحلية، والهشاشة الأمنية المزمنة، يمكن إنتاج توترات ذات طابع مدني وسياسي تحمل أثراً أمنياً غير مباشر، أما في السويداء، حيث البعد الاجتماعي والديني والسياسي الحساس، فإن أي تصعيد محدود يتحول سريعاً إلى رسالة إقليمية عالية السقف، من دون الحاجة إلى نقل الصراع إلى مناطق السيطرة المباشرة لـ”قسد”.

ويزداد هذا المشهد تعقيداً في ظل الانخراط الإسرائيلي المباشر في التوتر القائم بين الفصائل الدرزية ودمشق، هذا الانخراط لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمنح أي تصعيد محتمل زخماً سياسياً وأمنياً إضافياً، ويُدخل السويداء – ومعها الجنوب السوري –  في قلب توازنات إقليمية أوسع.

وفي هذا الإطار، لا يمكن استبعاد وجود مستوى عالٍ من التنسيق غير المعلن بين قسد والسويداء، وربما بين “قسد” وإسرائيل، في إطار تقاطع مصالح لا يحتاج إلى تحالفات رسمية بقدر ما يقوم على أهداف مشتركة.

في المقابل، ورغم تصاعد الأصوات الداعية إلى “الحسم العسكري”  ضد “قسد”، فإن هذا الخيار يبدو غير قابل للتحقق عملياً.  أي مواجهة من هذا النوع تتطلب تدخلاً عسكرياً تركياً واسعاً داخل سوريا، وهو تدخل ترفضه إسرائيل والدول الغربية، ليس دفاعاً عن “قسد” بقدر ما هو خشية من انزلاق الصراع إلى مواجهة مباشرة بين تركيا وإسرائيل على الأرض السورية.  مواجهة كهذه لا تحتملها أنقرة في ظل ضغوطها السياسية والاقتصادية الداخلية، ولا ترغب بها العواصم الغربية التي تسعى إلى إدارة التوتر لا تفجيره.

أما دمشق نفسها، فهي أبعد ما تكون عن الجاهزية لخوض حرب طويلة ومعقدة، فالقوات الأمنية والعسكرية تعاني من هشاشة بنيوية، وغياب التراكمية القتالية، وضعف منظومات القيادة والسيطرة، إضافة إلى افتقار حقيقي لتدريبات حديثة على خوض حروب نظامية أو غير متماثلة.  في المقابل، تمتلك “قسد” بنية عسكرية منظمة، وتمويلاً ثابتاً، وخبرة ميدانية متراكمة، إلى جانب غطاء سياسي وعسكري خارجي.

وعند النظر إلى الخريطة السورية، يتضح حجم المأزق العسكري الذي تواجهه دمشق، حيث تحاصرها  قوات محلية مسلحة في الجنوب، وإسرائيل في الغرب، و”قسد” في الشرق، وخلايا تنظيم “داعش” المنتشرة في البادية ومناطق متفرقة شمالاً وجنوباً.  أي انخراط في حرب مفتوحة مع طرف واحد قد يفتح الباب أمام تحركات متزامنة من أطراف أخرى، مستفيدة من انشغال الدولة وضعف مركز القرار.

في هذا السياق، يبدو خيار التفاوض الذي اعتمده أحمد الشرع مع “قسد” – رغم بطئه وكلفته السياسية – الخيار الأقل خطورة،  فبحسب مصادر خاصة، لا يقتصر الخلاف مع “قسد” على مسألة الاندماج في وزارة الدفاع، بل يتجاوزها إلى رؤية سياسية أوسع، لأن “قسد” تسعى إلى شراكة فعلية في حكومة دمشق، وتطالب بتعديلات في الإعلان الدستوري، ومناصب محددة داخل السلطة التنفيذية، وتتمسك بمبدأ اللامركزية الإدارية لسوريا كلها، لا لمناطق سيطرتها فقط.

وتستند “قسد” في هذا المسار إلى مجموعة من أوراق القوة، منها إدراكها لغياب رغبة دمشق في الحرب، وسيطرتها على ملفات شديدة الحساسية مثل سجناء “داعش” ومخيم الهول، تحكمها بجزء أساسي من الموارد النفطية والزراعية، إضافة إلى شبكة علاقات سياسية تمتد من أوروبا إلى الولايات المتحدة، مروراً بإسرائيل وروسيا.

في المقابل، فإن فكرة إعادة إشعال صراع عسكري عبر العشائر لم تعد خياراً واقعياً، لأن معركة من هذا النوع قد تؤدي إلى سحب قرار الحرب والسلم من يد دمشق، وتفتح الباب أمام تشكل قوة عسكرية عشائرية يصعب ضبطها أو تفكيكها لاحقاً، بما يهدد ما تبقى من مركزية الدولة.

قد يجادل البعض بأن ما يجري في السويداء أو حلب شأن داخلي أو توتر محلي محدود. غير أن تكرار التزامن، وتشابك الفاعلين، وطبيعة الرسائل الإقليمية المتبادلة، تجعل هذا الطرح قاصراً عن تفسير الوقائع، فهاتان المنطقتان لم تعودا ساحتي اضطراب عرضي، بل تحولتا إلى أدوات ضغط مدنية–أمنية في صراع إقليمي معقّد، تُستخدم لرفع الكلفة السياسية، لا لفتح حرب شاملة.

كل ذلك يقود إلى خلاصة واضحة:  أحمد الشرع لن يعود لاستخدام الورقة ذاتها، فالسويداء وحلب اليوم ليستا مساحتي اختبار، بل جبهتان متقدمتان في لعبة توازنات دقيقة،  وأي خطأ في قراءة موقعهما أو وزنهما قد يجر دمشق إلى مواجهة متعددة المستويات، لا تملك أدواتها ولا تحتمل كلفتها

المدن

————————————

إسرائيل ووهم تقسيم سوريا!/ بندر الدوشي

26 ديسمبر ,2025

يقول الفيلسوف فريدريك نيتشه “من يحارب الوحوش عليه أن يحذر من أن يصبح هو نفسه وحشاً”. ويبدو أن إسرائيل، التي أمضت عقوداً في تحذير العالم من خطر حرب الوكلاء والميليشيات الإيرانية التي تعبث باستقرار الدول، قد سقطت أخيراً في الفخ ذاته. فبينما تدين تل أبيب طهران لزعزعتها استقرار المنطقة عبر أذرعها المسلحة، كشفت التقارير الأخيرة أنها تمارس اللعبة ذاتها في الجنوب السوري، لتتحول من محاربة الوكلاء والميليشيات إلى صانعة لهم، في مفارقة سياسية تعكس حجم المعاناة في منطقة الشرق الأوسط.

هذا ما كشفه تحقيق نشرته صحيفة واشنطن بوست قبل يومين عن برنامج إسرائيلي سري لتسليح وتمويل ميليشيات درزية في جنوب سوريا، وهو البرنامج الذي انطلق بعد أيام من سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024. حيث قامت إسرائيل بإسقاط أسلحة جوّاً شملت 500 بندقية، وذخائر، وسترات واقية، وصواريخ مضادة للدبابات، بالإضافة إلى أسلحة كانت قد صادرتها من حماس وحزب الله لصالح المجلس العسكري في السويداء، وغالباً ما تم ذلك عبر وسطاء من قوات سوريا الديمقراطية (قسد). كما قدمت رواتب شهرية تتراوح بين 100 إلى 200 دولار لنحو 3000 مقاتل، واستمرت في تقديم المساعدات غير القتالية.

يبرر المسؤولون الإسرائيليون هذه الخطوة بحماية الدروز السوريين الذين تربطهم صلات قربى بالمجتمع الدرزي داخل إسرائيل من مزاعم التهديدات المحتملة في ظل حكم الرئيس أحمد الشرع.

وما يبدو ظاهرياً أن إسرائيل تعتقد أنها بدعمها للميليشيات الدرزية سوف تخلق ثقلاً موازناً لدمشق، وهو في ظني جهد يهدف إلى تعقيد جهود الشرع الحثيثة والصعبة في توحيد البلاد وإعطاء ذريعة جديدة للجهات المتطرفة في سوريا وتقوية نفوذهم ضد الحكومة.

لسنوات طويلة، ظلت إيران تحت الإدانة الدولية والإسرائيلية بسبب استراتيجية الوكلاء والمتمثلة في تسليح حزب الله، والحوثيين، والميليشيات العراقية تحت ذريعة الدفاع عن الأقليات الشيعية، لكنها كانت تهدف إلى تقسيم وإضعاف الحكومات العربية وتعزيز نفوذ إيران. واليوم إسرائيل تستخدم المنطق ذاته لدعم الدروز في الجنوب السوري وبنفس الأهداف.

التحركات الإسرائيلية العبثية في سوريا تأتي وسط معاركها المستمرة ضد وكلاء إيران، والتي تكثفت منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 والذي أسفر عن مقتل أكثر من 1200 شخص وأشعل حروباً مستعرة على جبهات متعددة واستمرت حتى اليوم. والحق أن إسرائيل والدول العربية تضررت كثيراً من سياسة الوكلاء التي نفذتها إيران طوال العقود الماضية، لكن ما تفعله في سوريا اليوم هو تكرار لاستراتيجية حرب الوكلاء ذاتها التي تحاربها وتدينها باعتبارها مزعزعة للاستقرار.

النقاد، بمن فيهم محللون من كلية “كينجز كوليدج لندن”، يعتقدون أن دوافع إسرائيل أبعد ما تكون عن الدفاع عن الأقليات، وتبدو الاستراتيجية متسقة مع هدف طويل وقديم صرّح به وزير المالية الحالي الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش وهو تفكيك سوريا. وقد دعا مسؤولون إسرائيليون منذ عام 2015 إلى تقسيم سوريا إلى كيانات عرقية دينية، متصورين حكماً ذاتياً للدروز في جنوب سوريا.

لكن الوضع الجيوسياسي قد تغير؛ فبسبب تطرف الحكومة الحالية، تعيش إسرائيل عزلة دولية غير مسبوقة منذ نشأتها، والقادم سيكون صعباً في أحسن الأحوال مع الصحوة الأمريكية التي باتت ترى في إسرائيل راكباً بالمجان، وأصبحت تصرفاتها محل إدانة داخل أمريكا وفي أروقة الكونغرس. ووصل الدعم العالمي لإسرائيل إلى أدنى مستوياته التاريخية في عام 2025، حيث أظهرت استطلاعات الرأي هيمنة الآراء غير المؤيدة تجاه إسرائيل إلى 53% في مسوحات مركز “بيو”، ووصول صافي التأييد إلى مستويات متدنية قياسية، خاصة بين الناخبين الشباب والديمقراطيين. وحتى داخل الحزب الجمهوري، بدأت التصدعات تظهر بشدة؛ حيث انتقدت شخصيات سياسية وإعلامية بارزة المساعدات الأمريكية غير المشروطة لإسرائيل، وبدأوا بتسليط الضوء على نفوذها ولوبياتها داخل أمريكا تحت شعار “أمريكا أولاً”.

وقد حذر الرئيس ترمب علانية من هذا التحول مرتين؛ ففي مقابلة أُجريت في سبتمبر 2025، أشار إلى أن إسرائيل كانت تتمتع يوماً ما بـسيطرة كاملة على الكونجرس عبر اللوبي الخاص بها، ولكن الآن لم يعد الأمر كذلك. وفي حفل استقبال “الحانوكا” بالبيت الأبيض في 16 ديسمبر، صرح قائلاً: “إذا عدتم إلى 10 أو 12 أو 15 عاماً مضت، كان أقوى لوبي في واشنطن هو اللوبي اليهودي.. وكانت إسرائيل. اليوم لم يعد ذلك صحيحاً.. لديكم كونغرس على وجه الخصوص أصبح معادياً للسامية!”.

تصريحات صادمة لإسرائيل، لكن ترمب يريد تذكيرها بأن تأثيرها يتضاءل وأن الحماية التي وفرتها واشنطن لها على مدار عقود لم تعد مضمونة، حتى إنه وصل به الحد إلى وصف الكونغرس الأمريكي بأنه معادٍ للسامية.

السؤال ماذا يعني ذلك؟ والجواب إسرائيل منهكة، ومع تراجع الدعم الغربي التقليدي، تواجه عزلة متزايدة، وما كان مسموحاً سابقاً لم يعد كذلك أبداً، وبالتالي الاستمرار في سياستها العدائية تجاه سوريا عبر بناء الميليشيات والمواجهات يهدد بحبسها في صراعات كارثية ويعمق الاغتراب العالمي تجاهها. فالدروز مكون سوري أصيل، وكما صرّح الشيخ حكمت الهجري “الدروز جزء لا يتجزأ من سوريا ولن يكونوا قطعاً في لعبة الشطرنج الاستراتيجية الإسرائيلية”.

ولتأمين الاستقرار على المدى الطويل وضمان بقائها كما يتحدث عقلاؤها، يجب على إسرائيل التحول نحو التكامل مع جيرانها العرب عبر توسيع أطر اتفاقيات السلام، وانتهاج دبلوماسية إقليمية شاملة، وتطبيع العلاقات مع الدول الكبرى في المنطقة من خلال تنازلات متبادلة تهدف إلى تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.

محاولة تقسيم سوريا ورفض الحق الفلسطيني لا يعني أبداً ضمان أمن إسرائيل، على العكس سيعني جحيماً ممتداً وحروباً منهكة أبدية لا تنتهي، لكن هذه المرة من دون الدعم الغربي الذي تمتعت به طوال عقود مضت. ومن وجهة نظري أن الأمن الحقيقي لإسرائيل يتطلب دعم الحكم الشامل في دمشق، والتفاوض على مناطق منزوعة السلاح، والمساهمة في إعادة الإعمار دون تسليح الفصائل. استنساخ نهج الميليشيات تحت ذرائع حماية الأقليات هي مقامرة خطيرة لزعزعة الشرق الأوسط وتكراراً لنهج إيران، وهو جهد محكوم عليه بالفشل وسوف يؤخر السلام ويهدد استقرار المنطقة بأكملها بما فيها إسرائيل.

————————————–

 بين القدس المحتلة ودمشق.. محاور جديدة تتشكل شرق المتوسط/ إسطنبول – محمد جان

الجمعة 2025/12/26

في الوقت الذي احتضنت فيه دمشق الاثنين الماضي، وفداً تركياً رفيع المستوى ضم وزيري الخارجية هاكان فيدان، والدفاع يشار غولر، ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن. شهدت القدس المحتلة قمة أخرى جمعت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع نظيره اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس ورئيس قبرص نيكوس خريستودوليديس.

هذا التزامن في الزيارات وما تخللها من رسائل مباشرة ومبطنة من كلا الجانبين يشي بظهور بوادر صراع محاور جديد أكبر في شرق المتوسط، تتحجم أمامه مسائل عالقة كملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وتطبيقها لاتفاق 10 آذار وما يسمى بالحرس الوطني التابع للشيخ حكمت الهجري بالسويداء في سوريا.

محور أنقرة- دمشق

يسعى محور أنقرة- دمشق إلى تثبيت سيادة الدولة المركزية والتخلص من كافة التصنيفات العسكرية خارج إطار الدولة، فيما يتذرع محور تل أبيب- أثينا في المقابل، بالخشية من تصاعد النفوذ التركي في سوريا وفي ليبيا وفي غزة في ظل إصرار أنقرة على الانخراط في قوة الاستقرار الدولية المزمع تشكيلها للعمل في قطاع غزة.

وفي ظل هذا التضارب بالمصالح بين المحورين الجديدين في شرق المتوسط، تبقى ملفات مثل “قسد” والسويداء تفاصيل صغيرة محكومة بالتلاشي عندما تتوافق المصالح عاجلاً أم آجلاً على الطاقة وممراتها وطرق التجارة.

ومع اقتراب موعد انتهاء المهلة الممنوحة لتنفيذ اتفاق 10 آذار نهاية العام الحالي وبدء تلاشي مفعول “قانون قيصر” الذي كبل الاقتصاد السوري لسنوات، يبدو أن المحور التركي- السوري قد قرر الانتقال من مرحلة “الدبلوماسية” إلى “التنسيق الميداني”، والتي تجلت باجتماع أقطاب الخارجية والدفاع والاستخبارات في دمشق.

رسائل أنقرة الحاسمة

في المؤتمر الصحافي مع نظيره السوري، بدا وزير الخارجية التركية أكثر حسماً تجاه “قسد”، متهماً إياها بعدم إبداء جدية في محادثات الاندماج مع دمشق، وبالتنسيق مع إسرائيل.

ومن أنقرة جاءت تصريحات المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم عمر تشليك، الاثنين أكثر وضوحاً، حين وضع الخيار العسكري على الطاولة في حال عدم التزام “قسد” ببنود اتفاق 10 آذار، قائلاً: “لا نريد أن تصل الأمور إلى هذه المرحلة، لكن عندما تدعو الحاجة فسيتم التنفيذ من دون تردد”.

وفي إشارة واضحة إلى إسرائيل، قال تشليك: “من يشجع قسد على عدم تسليم السلاح أو لتصبح جيشاً داخل جيش ودولة داخل دولة، يرتكب أكبر إساءة بحق سوريا”.

ويعزز وصف وزير الخارجية التركية للزيارة بـ”المثمرة”، وتأكيده على “التعاون الاستراتيجي” مع دمشق، يعزز فرضية انتقال البلدين لمرحلة جديدة من العمل التنسيق الميداني المشترك.

نتنياهو واستحضار التاريخ

ولم يخلُ خطاب نتنياهو في المؤتمر الصحافي المشترك في القدس المحتلة من نبرة “التحدي التاريخي”، حيث وجه رسائل مبطنة إلى تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان بقوله: “من يحلمون بإعادة بناء الإمبراطوريات”، في إشارة واضحة إلى التحركات التركية في الجغرافيا السورية.

وجاء هذا التصعيد اللفظي بعد تقارير إعلامية تركية ويونانية عن لقاءات عسكرية رفيعة المستوى جرت في قبرص بين إسرائيل واليونان وبحثت إنشاء “قوة عسكرية مشتركة” برية وجوية وبحرية في شرق المتوسط.

ماذا تريد إسرائيل؟

تريد إسرائيل من وراء إنشاء محور جديد مع اليونان وقبرص في شرق المتوسط، محاصرة أنقرة، بعد تصاعد دورها الإقليمي لا سيما في سوريا، وإصرارها على الانخراط في قوة الاستقرار الدولية المزمع تشكيلها داخل قطاع غزة.

في لوحة إقليمية أوسع، تتقاطع فيها المسارات الدبلوماسية والأمنية في دمشق وتل أبيب، لتشكل ملامح مواجهة متجددة على النفوذ والطاقة والممرات التجارية في شرق المتوسط، يحضر المثل الهندي: “عندما تتصارع الفيلة يموت العشب” وفي سوريا الشعب.

المدن

———————————

تسليح سري وتدريبات مشتركة.. العلاقة بين “قسد” والسويداء وأسئلة عن الدور الإسرائيلي/ أحمد الكناني

26 ديسمبر 2025

أثار المقال الذي نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية، بعنوان “كيف تسعى الأنشطة الإسرائيلية السرّية في سوريا إلى عرقلة حكومتها الجديدة”، جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية نظرًا لما طرحته من معلومات حول ارتباطات مالية، تنظيمية، تدريبات مشتركة، بين قوات سوريا الديمقراطية والفصائل العسكرية في السويداء، كشف عنها مسؤولون إسرائيليون للصحيفة، إضافة إلى دعم عسكري وتسليح ممنهج للفصائل الدرزية بهدف خلق كيان موازي للحكومة يحمي حدود إسرائيل الشمالية.

إلا أن التصريحات الإسرائيلية للصحيفة لم تحمل في طياتها معلومات صادمة بقدر ما هي أوراق تٌلعب على المكشوف، خاصة وأن أنصار الانفصال في محافظة السويداء لم يخفوا ولائهم لإسرائيل ورفعوا علمها بشكل مباشر، إضافة إلى أن قوات سوريا الديمقراطية كشفت عن تنسيقها المباشر مع القيادات في السويداء عندما استضافت الشيخ حكمت الهجري في “كونفراس وحدة الموقف الكردي” في الـ 26 نيسان/ أبريل 2025، وعليه لا شك أن توقيت المقال، وطبيعة التصريحات الإسرائيلية تشير إلى توافقات سياسية وعسكرية بين السويداء وشمال شرق الفرات، بالتزامن مع نهاية مهلة اتفاق العاشر من مارس.

علاقة قديمة

وثقت العديد من التقارير الصحفية في الأعوام بين 2021 – 2024 خطوطًا مفتوحة برية بين قوات سوريا الديمقراطية ومحافظة السويداء، إذ أجرت الإدارة الذاتية تشاركية مدنية ودورات تدريبية في مجالات الحوكمة السياسية، والمجتمع وغير ذلك من الأهداف التنموية، إضافة إلى تغذية المتعاونين معها بشكل مستمر بالمحروقات، خاصة بعد أن قطع النظام السابق عن المحافظة مخصصاتها من المحروقات.

أخذت طبيعة التواصل بعد سقوط نظام الأسد شكلًا مغايرًا عما قبل، إذ تؤكد الأحداث السياسية تنسيقًا سياسيًا عاليًا بين قوات سوريا الديمقراطية، وما يسمى “الحرس الوطني” التابع لحكمت الهجري، وهو ما بدا واضحًا في حضور “الهجري” عن بعد بمؤتمر “وحدة الصف الكردي” في الـ 26 نيسان.

يؤكد مصدر كردي مطلع (رفض ذكر اسمه)، كان جزءًا من التدريبات في محافظة السويداء، أن التدريبات السابقة لم تتعد كونها مدنية ومجتمعية، نافيًا التفاصيل المتعلقة بتدريبات عسكرية للفصائل الدرزية، إذ لا يمكن أن تجري قوات سوريا الديمقراطية أي خطوة من هذا القبيل دون أن يكون للقوات الأميركية أي دراية بها، معتبرًا أن التقرير بالغ في حديثه حول تدريب عسكري لقسد، لافتًا إلى أن  الأحاديث عن مبلغ 24000$ تم إيصاله عبر قسد ثمنًا لملابس قوات الهجري، وتحويل نصف مليون دولار للسويداء، جميعها تشويه وفبركة للحقائق، حسب قوله.

وكذلك أكدت تصريحات رسمية مشابهة، صادرة عن قيادة “قسد” العسكرية، هذا النفي، ولكن مراقبين يرون أن ذلك لا يغير من حقيقة التنسيق وإطاره الجغرافي الممتد من الجنوب إلى الشمال، إذ أن توحيد الموقف السياسي بين المنطقتين يفضي حتميًا إلى موقف عسكري مشترك، انطلاقًا من الجنوب بقيادة إسرائيلية، وصولًا للشمال حيث قوات سوريا الديمقراطية، وفي طبيعة الأمر لن يتم التنسيق الجنوبي مع الشمال دون توجيهات مباشرة ورعاية إسرائيلية.

ورقة الدروز

لم يعد خفيًا أن إسرائيل تستخدم الدروز في الجنوب السوري كورقة ضغط على الحكومة السورية، وهو جزء من استراتيجيتها الاستيطانية القائمة على تعزيز النزعة الانفصالية، وإنشاء كيان موازي يضعف السيطرة المركزية لدمشق، إلا أن اللافت تصريحات المسؤولين الإسرائيليين حول تحركات التسليح السري التي بدأت بعد سقوط النظام بأيام، وهو ما يفسر تعنت الهجري منذ اللحظة الأولى في علاقته مع دمشق، وانحدار العلاقة وصولًا للأحداث الدامية في المحافظة، تموز/ يوليو، ووقوع مجازر عززت الشرخ الاجتماعي، وأظهرت الدور الإسرائيلي على العلن بقصف الجيش السوري والمواقع العسكرية بدمشق.

تشير التصريحات الأخير الصادرة عن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس حول عدم الانسحاب من أي ميلمتر في الأراضي السورية، إلى مشهد ضبابي غير مستقر في المنطقة الجنوبية، وهو أمر يعطي فرصة لقوات الهجري إقامة كيانات سياسية ومجالس محلية، وتعزيز نواة إدارية مستقلة ناضجة وبحماية إسرائيلية، وبذلك تحفظ إسرائيل التزاماتها تجاه الدروز، وتعزز الأمن على حدودها الشمالية، وفي نفس الوقت تخفف من السلطة المركزية للرئيس احمد الشرع.

اتصال جيوسياسي

بدأت العلاقة الممتدة من الجنوب السوري في السويداء، وصولًا لشمال شرق الفرات تنضج بشكل أكبر وتظهر إلى العلن، وهي علاقة جيوسياسية مدعومة إسرائيليًا وإن كان ذلك بشكل غير مباشر، إذ يمكن أن تفضي هذه العلاقة إلى تحقيق الأجندة الإسرائيلية من حيث تأمين “ممر داوود”، إضافة لحماية حدودها الشمالية، وإضعاف السلطة المركزية لدمشق، وجميعها عوامل تضعف من الثقل التركي في سوريا، إذ باتت التوترات التركية الإسرائيلية على سوريا تطفو بشكل أكبر على سطح الخلافات الإقليمية، وعليه يبدو أن أنقرة أكثر حرصًا على تنفيذ اتفاق العاشر من مارس وبشكل سريع، وإنهاء مثل هكذا تمدد وارتباط يؤثر عليها أمنيًا واستراتيجيًا.

ويرى المراقبون أن ثمة رسالة أراد مقال الواشنطن بوست إيصالها، متزامنة مع انتهاء المهلة المخصصة لتوقيع اتفاق العاشر من مارس، ووجود تلويح تركي بعمل عسكري، إذ يؤدي المقال لنتيجة مفادها وجود تنسيق سياسي عالي المستوى من الجنوب إلى الشمال وبدعم إسرائيلي، الأمر الذي يثني دمشق عن أي خطوة غير محسوبة تجاه قسد أو السويداء.

وعلى الرغم من الضغط الأميركي على إسرائيل للتهدئة في الجنوب السوري، يؤكد المسؤولون الإسرائيليون عدم ثقتهم بدمشق، وهو ما أوصله المبعوث الأميركي توماس براك لسوريا، إلا أن تقارير باتت تتحدث عن غياب فعالية الدور الأميركي في الصراع الحاصل جنوبًا، وعلى العكس ثمة امتعاض إسرائيلي من إدارة براك معتبرة إياه محسوبًا على أنقرة حليفة دمشق الرئيسية، ما يزيد الملف السوري تعقيدًا.

الترا سوريا

———————————

 دفاعاً عن سوريا/ علي حميدي

2025.12.26

يأتي تحقيق صحيفة واشنطن بوست الذي يتحدث عن دعم عسكري ومالي إسرائيلي للهجري في السويداء، في توقيت حساس عموما، ويتزامن مع مجاهرة غريبة تبديها بعض القوى في السويداء بعلاقاتها وتحالفها مع إسرائيل، بوصفها النصير والظهير الوحيد في معركة ضد سوريا، أو ما تسميه تلك القوى “معركة الانفصال” هذه المجاهرة لم تقف عند حدود الاعتراف بالدعم، بل وصلت إلى حد الفخر بالعلاقة مع إسرائيل، والترويج لها بوصفها مدخلًا لإقامة ما يُسمّى “دولة جبل الباشان”.

من موقعنا كسوريين، يحق لنا، بل من واجبنا التوقف عند المشهد برمته إضافة إلى ما ورد في التحقيق من معطيات، لم تنفها، أي جهة وازنة من الأطراف المعنية. وليس هذا من باب الدفاع عن الحكومة السورية أو الخصومة معها، بل من باب الحرص على سوريا والدفاع عنها بوصفها وطنًا. لهذا السبب ولخطورة التحالف مع من يحتل أرضنا الآن ويومياً، ينبغي التوقف طويلًا عند ما كشفه التحقيق عن جوانب من الدعم الإسرائيلي لقوى في الجنوب السوري، منذ الأيام العشرة الأولى التي تلت إسقاط نظام الأسد، أي قبل أي تطورات عسكرية أو سياسية لاحقة.

التحقيق ليس مجموعة أخبار وتصريحات عابرة عن علاقة تحالف أصبحت علنية، ولا فضيحة سياسية تُستثمر في السجالات الداخلية أو الخارجية، بل وثيقة تحذير من مسار خطير لا يليق بالوطنية السورية التي رفضت، تاريخيًا، الاحتلال الإسرائيلي بلا تردد، بغضّ النظر عن هوية الحكّام أو طبيعة الأنظمة. فكيف يصبح الاحتلال حليفًا؟ وكيف يُقدَّم كضامن لمستقبل أي فئة أو منطقة؟

إن ما نشهده اليوم يعيد إلى الأذهان مسار التحالف مع هذا الكيان الاستعماري التوسّعي وهو مسار لم يؤدِ يومًا إلا إلى نهايات مكلفة، ليست بعيدة، فإسرائيل هي نفسها التي نعرفها لم تتغير، بل ازدادت غلوًّا. هي تقوم على نظام فصل عنصري، وتطوّر هذا النظام ليغدو أداة دائمة في التعامل مع محيطها. ففي العقلية الإسرائيلية، يتحول التنوع الديني والمذهبي والقومي الذي تتميز به بلادنا إلى أوراق ضغط علينا، وتُختزل الهويات الفرعية في كونها وسائل نفوذ، لا قضايا عادلة تستحق الدفاع.

من هنا، فإن أي رهان على إسرائيل (عدوة السوريين جميعاً) هو رهان على قراءة خاطئة للتاريخ وللحاضر معًا. إسرائيل لا تبني سياساتها على حماية أحد، ولن تكون يومًا معنية بإعادة رسم الخرائط بدافع أخلاقي، بل وفق معادلة واحدة: أمنها، ومصالحها فوق كل اعتبار وهذه ضد أمننا ومصالحنا.

    من هذا المنطلق، فإن رفض أي شكل من أشكال التحالف مع إسرائيل ليس موقفًا سياسيًا مع حكومة بعينها، أو ضدها ولا اصطفافًا مع سلطة مركزية أو مشروع سلطوي، بل موقف وطني خالص، نابع من تجربة السوريين أنفسهم، الذين دفعوا أثمانًا باهظة لكل تدخل خارجي، ولكل رهان قُدِّم يومًا بوصفه حلًا

وبعد قراءة التحقيق، لا تعود التفاصيل المتعلقة بالسلاح أو الأموال أو الأسماء مهمة، فهذه لم تعد خافية. الأهم هو منطق التدخل والدعم. إسرائيل تتحرك منذ وقت مبكر وفق عقيدة أمنية ترى في أي سوريا موحّدة وقوية خطرًا يجب تطويقه وإضعافه أو تفكيكه. وهذا ما ينبغي الوقوف ضده، صفا واحدا بصرف النظر عن انتماءاتنا أو اصطفافاتنا السياسية.

 والوقوف ضد هذا المسار لا يتناقض، بأي حال، مع السعي إلى وطن واحد مستقر، يحمي أبناءه جميعًا، ويصون حيواتهم وكرامتهم، ويلبّي تطلعاتهم في الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية. ولهذا يجب أن تعمل الحكومة وتتحرك وكذلك الشخصيات السورية التي يهمها أمر الوطن، تحركا جديا لا تخالطه الشبهة في الموقف الواضح ضد أي عمل ينال من العدالة الحقيقية للسوريين جميعا، ويحميهم جميعا، وتعمل على تعزيز الثقة بالدولة ومؤسساتها من خلال مشروع وطني جامع يشعر الجميع أنهم جزء منه لا فراغ فيه تنفذ منه إسرائيل أو غيرها، ولنرفض رسميا وشعبيا رفضًا قاطعًا أي تواصل أو تحالف أو حماية إسرائيلية.

 كما أن هذا الموقف يفرض علينا الوقوف ضد أي مشروع تقسيم تفضّله إسرائيل، أو أي مشروع فوضى ترغب به. فهذه المشاريع لا تتحقق إلا عبر كيانات وأدوات مرحلية تُستخدم كورقة ضغط في لحظة تفاوضية، ثم يُتخلّى عنها بلا تردّد. وعندها، سيجد من راهن على هذا الدعم نفسه وحيدًا في مواجهة نتائج خياراته.

ولعلّ من المفيد هنا التفكير في التحقيق، الذي قد يخدم نشره بحد ذاته هدفًا تفاوضيًا لطرف ما. في سياق دولي يبدو يدفع، ظاهريا على الأقل، نحو وحدة البلاد واستقرارها، لا نحو تفكيكها.

من هذا المنطلق، فإن رفض أي شكل من أشكال التحالف مع إسرائيل ليس موقفًا سياسيًا مع حكومة بعينها، أو ضدها ولا اصطفافًا مع سلطة مركزية أو مشروع سلطوي، بل موقف وطني خالص، نابع من تجربة السوريين أنفسهم، الذين دفعوا أثمانًا باهظة لكل تدخل خارجي، ولكل رهان قُدِّم يومًا بوصفه حلًا.

سوريا، بتنوعها الديني والقومي، لا تحتاج إلا إلى عقد وطني عادل، ودولة قانون، ومواطنة متساوية، تُغلق الأبواب أمام تحويل الهويات إلى أدوات صراع.

التحقيق خطير، نعم، لكنه لا يقدّم جديدًا بالكامل، لأن الكثير مما ورد فيه بات يُقال ويُصرَّح به علنًا. لكنه يذكّرنا، بوضوح لا لبس فيه، بأن الخارج لا يمنح دعمًا مجانيًا، وأن إسرائيل بوصفها قوة احتلال ليست طرفًا، وأن أثمان الرهانات الخاطئة لا تُدفع دفعة واحدة، بل تُورَّث، وتتحول عبئًا على الأجيال القادمة.

أيًا كانت الخلافات أو التوافقات مع الحكومة أو مع أي سلطة، فالواجب هو رفض التحالف مع إسرائيل، والدفاع عن سوريا وطنًا واحدًا، لا ساحة تجارب أو تحارب، ولا رقعة شطرنج تُلعب عليها مصالح الآخرين.

تلفزيون سوريا

—————————-

حزام المناطق العازلة حول إسرائيل/ أرميناك توكماجيان

في أعقاب هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، حوّل الإسرائيليون حدود الدول المجاورة بما يصبّ في خدمة مصالحهم الأمنية.

 نشرت في 12 ديسمبر 2025

تقدّم مدوّنة “ديوان” الصادرة عن مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط وبرنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي تحليلات معمّقة حول منطقة الشرق الأوسط، تسندها إلى تجارب كوكبةٍ من خبراء كارنيغي في بيروت وواشنطن. وسوف تنقل المدوّنة أيضاً ردود فعل الخبراء تجاه الأخبار العاجلة والأحداث الآنيّة، وتشكّل منبراً لبثّ مقابلات تُجرى مع شخصيّات عامّة وسياسية، كما ستسمح بمواكبة الأبحاث الصادرة عن كارنيغي.

للمزيد من المعلومات

تخوض الترتيبات الأمنية في دول المشرق تحوّلًا كبيرًا، وتقف حدود المنطقة شاهدًا على ما يُحتمل أن يحدث في المستقبل. فقد أُرسيت الترتيبات القديمة في المقام الأول بفعل سعي إيران إلى الحصول على قدرة غير مُقيَّدة على مهاجمة إسرائيل، من خلال طمس الحدود الرسمية بين لبنان وسورية والعراق. وردّت إسرائيل من خلال اعتبار هذه الدول ساحات مفتوحة لتنفيذ هجماتها الانتقامية.

خلال السنة التي تلت هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وجّه الإسرائيليون ضربات موجعة إلى شبكة تحالفات إيران الإقليمية، فتحوّلت إسرائيل فعليًا إلى المهندس الأساسي لواقعٍ أمنيّ جديد آخذ في التشكّل. وعلى الرغم من أن تكريس هذا الوضع قد يستغرق سنوات، الأمر المؤكّد هو أن الترتيبات الجديدة ستترسّخ عبر تعزيز الحدود وتوسيع المناطق العازلة المحيطة بإسرائيل.

أدّت الانتفاضات العربية إلى انهيار حدود سورية، إضافةً إلى حدود الكثير من دول المشرق. فتدفَّق المقاتلون والأسلحة والأموال إلى سورية، ما أسفر عن اندلاع حربٍ أعادت تشكيل المناطق الحدودية في هذه الدولة وكذلك في دول الجوار. وهكذا، أصبحت سورية ساحةً مفتوحة أمام جميع الأطراف، لكن العامل الحاسم في تحديد المسار اللاحق كان سعي إيران إلى إضعاف الحدود الوطنية ونقل عملياتها إلى مناطق أقرب جغرافيًا من إسرائيل. فقبل هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، كان الإيرانيون ووكلاؤهم يتمتّعون بحرية تنقّل شبه مطلقة عبر الحدود العراقية السورية، ما مكّنهم من توسيع نفوذهم ليصل إلى جنوب دمشق والمنطقة المتاخمة لحدود الجولان. كذلك، تقدّموا بسهولة نحو الحدود اللبنانية، مع ورود تقارير عن بناء قدرات صاروخية في المناطق المحيطة بها. في غضون ذلك، أمعن حزب الله في طمس الحدود بين سورية ولبنان عبر الاضطلاع بدورٍ محوري في استراتيجية إيران المتمثّلة في تطويق إسرائيل بـ”حزام ناري”.

لقد أجّجت هذه التطوّرات قلق إسرائيل. لذا، نفّذت على مدى السنوات الأخيرة ما عُرف بمفهوم “الحملة بين الحروب”، مستهدفةً الأنشطة والأصول المرتبطة بإيران من العراق إلى لبنان. وتصاعدت وتيرة هذه العمليات تدريجيًا، إلّا أن قدرتها على وقف التوسّع الإيراني ظلّت محدودة. وأدّى تفضيل واشنطن في عهد إدارة أوباما التفاوض مع إيران، إلى جانب سيطرة روسيا على الأجواء السورية بعد العام 2015، إلى فرض قيودٍ على إسرائيل. لكن في أعقاب هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، شنّت إسرائيل حربًا متعدّدة الجبهات ذات هدفٍ مُعلَن هو إعادة تشكيل صورة جديدة للشرق الأوسط. وبعد أكثر من عامَين، تغيّرت معالم المشرق بشكلٍ كبير، وانهار محور المقاومة الموالي لإيران.

تندرج عملية إعادة تشكيل المناطق الحدودية في دول المشرق في صميم الترتيبات الأمنية الجديدة. مع ذلك، ثمّة فرقٌ جوهري بين الوضع الراهن وما كان سائدًا خلال السنوات الإحدى عشرة التي أعقبت اندلاع الانتفاضات العربية: فبدلًا من تفكيك الحدود، تسعى إسرائيل الآن إلى إعادة ترسيم هذه الحدود بما يخدم مصالحها الأمنية. والخطوة الأولى على مسار هذا التحوّل هي إصرار إسرائيل على دفع خصومها بعيدًا عن حدودها، مُستبدلةً ما يُعرف بـ “الحزام الناري” بـ”حزام المناطق العازلة”.

في غزة، كانت نية إسرائيل المتمثّلة في إنشاء منطقة عازلة على طول حدود القطاع واضحةً منذ البداية، إذ قامت بتدمير مساحات شاسعة من الأراضي على مسارٍ بعمق كيلومتر واحد تقريبًا على طول حدود قطاع غزة مع إسرائيل. وقد تم لاحقًا تبنّي هذا النهج رسميًا في إطار خطّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المكوّنة من عشرين بندًا، والتي تنصّ على انسحابٍ إسرائيلي تدريجي على ثلاث مراحل. وحتى لو تم تنفيذ المراحل الثلاث كافة، وهو أمرٌ غير محسومٍ إطلاقًا، من المتوقّع أن تحتفظ إسرائيل بمنطقة حدودية عازلة بعرض نحو كيلومتر واحد على الأقل.

وبالمثل، بعد التصعيد الذي شهدته الحرب على لبنان خلال العام 2024، لا تزال القوات الإسرائيلية تحتلّ مواقع على طول الحدود اللبنانية الجنوبية، مُخلِّفةً وراءها دمارًا شديدًا ما زال يحول دون عودة الحياة إلى طبيعتها، وأرضًا قاحلة تشكّل منطقةً عازلة بحكم الأمر الواقع. وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار للعام 2024، وتماشيًا مع قرار مجلس الأمن رقم 1701، تضغط إسرائيل لنزع سلاح حزب الله من جنوب نهر الليطاني، بينما يعيد هذا القرار التأكيد على مضمون القرار 1559 الذي يدعو إلى نزع سلاح الميليشيات في شتّى أنحاء البلاد. لكن الأصوات المتشدّدة في إسرائيل ذهبت أبعد من ذلك، معتبرةً أن نهر الأوّلي الواقع بالقرب من صيدا يجب أن يشكّل حدًّا مُحتملًا جديدًا لمنطقةٍ خالية من وجود حزب الله. وفي حال تطبيق القرار 1701 واتفاق وقف إطلاق النار للعام 2024، ستكون إسرائيل قد ضمنت على الأقلّ إلى شمالها منطقةً شاسعة مجرّدة من أيّ قدرات عسكرية لحزب الله.

أما في سورية، فتفصل منطقةٌ عازلةٌ بين القوات السورية والإسرائيلية في مرتفعات الجولان المحتلّة منذ العام 1974، حين حدّدت اتفاقية فضّ الاشتباك أيضًا سقفًا لأعداد الجنود ومستويات الأسلحة لدى الجانبَين. لكن الصراع السوري وسقوط الأسد قلبا رأسًا على عقب جزءًا كبيرًا من هذا الترتيب. فقد احتلّت إسرائيل أجزاء جديدة من سورية، بما في ذلك المنطقة العازلة التي أُقيمت بتفويضٍ من الأمم المتحدة، حيث تنوي البقاء “لفترةٍ غير محدودة”. وعلى الرغم من تنوّع المطالب الإسرائيلية في سورية، تدور جميعها حول فكرة المنطقة العازلة. فإلى جانب الجولان المحتل والمنطقة العازلة التي تُشرف عليها الأمم المتحدة، أفادت تقارير أن إسرائيل تمارس ضغوطًا من أجل إقامة منطقة أوسع منزوعة السلاح تمتدّ من دمشق وصولًا إلى الجولان. مع ذلك، ما من اتفاق حتى الآن حول المناطق العازلة مع سورية. بل وسّعت إسرائيل نشاطها العسكري في محيط مرتفعات الجولان، وفرضت تفوّقها الجوي، وأرغمت الجانب السوري على سحب أسلحته الثقيلة من جنوب البلاد.

إلى جانب توسيع المناطق العازلة، ثمّة نمط ثانٍ في المشهد الحدودي الآخذ بالتحوّل في المشرق، وهو السعي بخطى حثيثة نحو تأمين الحدود الدولية. فقد أضحت الحدود بين تركيا وسورية حاليًا أكثر تحصينًا من أي وقت مضى. ولم تعد الحدود العراقية السورية مفتوحةً أمام إيران وميليشياتها، بل جرى تأمينها من خلال شبكةٍ دفاعية متكاملة تضمّ جدارًا بطول 400 كيلومتر تقريبًا وخنادق، انطلق العمل بها في العام 2022 بهدف منع التسلّل من سورية. أما الحدود الشمالية للأردن، التي كانت في السابق معبرًا لتهريب الأسلحة والمقاتلين إلى داخل سورية، ثم تحوّلت إلى ساحة حملةٍ شرسة ضدّ تهريب المخدّرات والأسلحة إلى داخل الأردن (ووفقًا لمصادر مؤيّدة لإسرائيل، كان بعضها يتّجه إلى المناطق الفلسطينية)، فقد شهدت تراجعًا حادًّا في الأنشطة غير المشروعة. وتمثّل هذه التحوّلات مجتمعةً قطيعةً واضحة مع ما كان عليه الوضع خلال الصراع السوري.

أما أفضل السيناريوهات فهو ما قد يحصل على الحدود اللبنانية السورية، التي جرى تحديدها في العام 1923، لكن من دون استكمال ترسيمها بالكامل، وأضحت غير واضحة المعالم خلال الحرب السورية بسبب نشاط حزب الله على الأرض. ومنذ رحيل الأسد، أصبح وجود الحزب محصورًا في الجانب اللبناني. وشكّلت سورية ولبنان، بدعمٍ من المملكة العربية السعودية، لجنةً لتنسيق الشؤون الأمنية، وكبح التهريب، وتفادي وقوع اشتباكات بين البلدَين، في ظلّ التأكيد على ضرورة ترسيم الحدود رسميًا. ومع أن هذه العملية ستكون بطيئة، فمجرّد إطلاقها يُعدّ مؤشّرًا على انحسار النفوذ الإيراني. وتشير عودة الانخراط بين الدولتَين، بدعمٍ من السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل، إلى بذل مساعٍ لترسيخ نظامٍ حدودي يحول دون عودة الشبكات الموالية لإيران. صحيحٌ أن عملية ترسيم الحدود ستكون معقّدة، ولا سيما عند المثلّث الحدودي بين سورية ولبنان وإسرائيل، إلّا أن تعزيزها ثم ترسيمها رسميًا لاحقًا، سيسهمان في ترسيخ النظام الإقليمي الناشئ.

علاوةً على ذلك، ثمّة خطٌ فاصل أقلّ وضوحًا، ولكن ليس أقلّ أهمية، آخذٌ في التشكّل بين مناطق العمليات الإسرائيلية والتركية داخل سورية. فقد أسفر انهيار النظام الذي كانت تهيمن عليه إيران عن نشوء فراغ في السلطة باتت تملؤه راهنًا الولايات المتحدة والسعودية وتركيا وإسرائيل. وتجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين تركيا وإسرائيل، اللتَين تمتلكان أقوى جيشَين في المنطقة، يشوبها التوتّر، ليس بسبب غزة فحسب، بل أيضًا بسبب اختلاف تصوّراتهما ومصالحهما داخل سورية. هذا ولم يتضحّ بعد أين ستستقرّ الحدود بين مناطق عملياتهما في نهاية المطاف. على الصعيد الجغرافي، لا تبدو إسرائيل قلقةً من النفوذ التركي الراسخ في الشمال – الذي أضحى واقعًا ثابتًا الآن – إلّا أنها لن تتسامح مع انتشارٍ مماثل في الجنوب. لكن الجغرافيا ليست سوى جزء من القصة. فتدفّق الأسلحة التركية إلى سورية، ومقدار السيطرة الجوية الإسرائيلية، وإدارة القوات بالوكالة، جميعها عوامل ستسهم في تشكيل ملامح هذه الحدود التركية الإسرائيلية الناشئة. ومن المهم أن يتوصّل الطرفان إلى تفاهمٍ متبادل، من أجل توطيد أركان نظام ما بعد إيران وإرساء قدرٍ أكبر من الاستقرار في منطقة المشرق.

من شأن إعادة رسم حدود دول المشرق وفقًا لهذه الأنماط المتنوّعة أن تُعيد تشكيل الإطار الأمني للمنطقة. ففي شرقٍ أوسط يتشكّل على نحو متزايد وفقًا للتصوّر الإسرائيلي، من السهل تخيّل هذا المشهد: دولةٌ صغيرةٌ قوية ذات حدود مُحصّنة، ومناطق عازلة موسَّعة، وحدود مجاورة مُغلقة في وجه أي تدخّل خارجي، ضمن خريطة أوسع تحدّد أين تنتهي الحدود الاستراتيجية لإسرائيل، وأين تبدأ حدود أو مناطق عمليات جهاتٍ أخرى، وبخاصةٍ تركيا. ويُتوّقع أن تستفيد سورية ولبنان من بعض هذه التحوّلات. لكن من الواضح أيضًا أن هذه التغيُّرات تأتي على حساب الحقوق السيادية لتلك الدول أو المناطق (أي غزة وسورية ولبنان) التي كانت سابقًا خاضعة لسيطرة محور المقاومة.

—————————

 مؤشرات على تحولات استراتيجية سيئة على إسرائيل/ محمود سمير الرنتيسي

2025.12.26

هناك مؤشرات عديدة على تحولات في الوضع الاستراتيجي لدولة الاحتلال، على الرغم مما يروّجه قادة دولة الاحتلال الإسرائيلي من أن الوضع الاستراتيجي لإسرائيل “على ما يرام”. وقد جاءت هذه التحولات في سياق تداعيات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتُعدّ ضمن الضرر الاستراتيجي الذي أصاب دولة الاحتلال الإسرائيلي.

موافقة ترمب على بيع طائرات إف-35 للسعودية

وافق ترمب على بيع طائرات إف-35 إلى المملكة العربية السعودية من دون اشتراط التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يقلّص قدرة الاحتلال على استثمار التفوق التكنولوجي مقابل التطبيع. وعلى الرغم من الحديث عن فروق في النسخة، وأن السعودية حصلت على نسخة أقل تطوراً من المقاتلة النفاثة، فإن المقلق استراتيجياً يتمثل في استعداد واشنطن لتقليص الفجوة في تفوق إسرائيل على غيرها من دول المنطقة.

كذلك، فإن القانون الأميركي الذي يضمن التفوق النوعي لإسرائيل يصبح مفتوحاً على مطالب دول أخرى لاحقاً. ولعل الأخطر من ذلك أن حصول السعودية على هذه الطائرات سيفتح شهية دول أخرى، مثل مصر وتركيا والإمارات وغيرها، لدخول سباق تسلح أوسع، علماً أن المنطقة دخلت هذا السباق منذ مدة. ولم تعد لدى إسرائيل قدرة على وضع “فيتو” على السلاح الأمريكي المراد تصديره للدول العربية، وهذه وحدها مؤشر مهم وخطير على وضع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

في هذا السياق، إذا سقط مشروع التطبيع، فإن استراتيجية إسرائيلية أساسية تسقط معه، وهي إعادة دمج إسرائيل في المنطقة ضمن هذا المشروع. ولا يقتصر الأمر على المنطقة فحسب، بل يشمل العديد من مناطق العالم، إذ أُعيد تسليط الضوء على إسرائيل بوصفها دولة استعمارية منبوذة، لا دولة قابلة للدمج. وهذا يؤكد أن السابع من أكتوبر وما بعده أنتجا قيوداً بنيوية على محاولات إحياء التطبيع، ومن المأمول أن تكون الدول العربية مدركة لهذه الحقيقة.

وهذا الواقع يضع دولة الاحتلال أمام خيارين: إما دفع الثمن وتقديم تنازلات في إطار القضية الفلسطينية، أو الاستمرار في التعنت، بما يعنيه ذلك من زيادة الأعباء السياسية والاقتصادية على المستوى الاستراتيجي.

اعتذار نتنياهو

ظهرت اختلافات في المواقف بين الإدارة الأميركية ودولة الاحتلال الإسرائيلي في أكثر من قضية، ومن أبرز الأمثلة ما حدث بعد إجبار ترمب لنتنياهو على الاعتذار لقطر عقب قصف الدوحة، حيث جرى توقيع اتفاق دفاع استراتيجي بين الولايات المتحدة وقطر بعد وقت قصير من القصف الفاشل والغادر الذي استهدف اجتماع الوفد القيادي المفاوض لحركة “حماس” في الدوحة.

يُعدّ الاعتذار في السياسة أمراً رمزياً على الرغم من ثقله المعنوي الكبير، إلا أن هذا الاعتذار تحديداً مثّل إدانة لدولة الاحتلال، وإعلان انصياع لإرادة الولايات المتحدة بدرجة أكبر، ودليلاً إضافياً على حدود النفوذ الإسرائيلي في واشنطن. فقد جرى إملاء نص الاعتذار على نتنياهو، وفرض توقيته عليه، وبُثّ علناً، ما شكّل هزّة في صورته أمام جمهوره، وأحدث تأثيرات وردود فعل داخل تحالفاته اليمينية التي كانت تطالب بمزيد من القصف والبطش في الخارج، سواء ضد الوسطاء أو غيرهم.

تطور علاقات أردوغان وترمب

يُضاف إلى ما سبق أن صداقة ترمب مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تشهد تعاظماً، مع ضغط متنامٍ على إسرائيل لحثّها على تجنب القصف في سوريا. ويشير تطور هذه العلاقة إلى بروز دولة إقليمية قوية، هي عضو في حلف الناتو، يمكن أن تشارك في هندسة الملفات الإقليمية بالتعاون مع الإدارة الأميركية، بما لا يتوافق مع رغبات دولة الاحتلال الإسرائيلي، بل ربما يكون على حسابها في بعض هذه الملفات.

وفي هذا السياق، أشار ترمب إلى إمكانية إعادة إدماج تركيا في برنامج إف-35، وهو ما يهدد مرة أخرى التفوق الجوي لدولة الاحتلال. وتزداد الخطورة إذا أُخذ في الحسبان تطور الصناعات الدفاعية التركية، سواء في مجال المسيّرات أو غيرها. ولعل ازدياد قوة تركيا قد يجعلها نواة لمحور جديد في المنطقة لا تكون إسرائيل ضمنه، بل على النقيض منه، وهو ما يفسر كثافة النقد الصهيوني الموجّه مؤخراً لتركيا وللرئيس أردوغان.

في المقابل، تحاول دولة الاحتلال تقويض العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة من خلال تصوير تركيا على أنها أقرب إلى روسيا وإيران، وأن دورها يضعف الغرب عموماً. ولذلك نشهد تحالفات إسرائيلية جديدة مع أحزاب يمينية متطرفة في أوروبا تروّج الرواية ذاتها المعادية لتركيا.

وعلى الصعيد العملي، يبرز التحالف الثلاثي بين إسرائيل واليونان وقبرص كمحاولة لصدّ النفوذ التركي، ولا سيما في شرق البحر الأبيض المتوسط. وليس من الصعب تحليل هذا التحالف بوصفه أداة توازن في مواجهة الصعود التركي. ومرة أخرى يبدو هذا المحور ضعيفاً أمام تركيا، خاصة إذا استطاعت الأخيرة التعاون مع كل من مصر وسوريا الجديدة في صناعة توازنات جديدة، ما يجعل هذه المحاور الإسرائيلية أقرب إلى التشويش منها إلى صناعة معادلات استراتيجية حقيقية.

تلفويةن سوريا

——————————-

المبالغة في دعم كيان درزي في سوريا ليس من مصلحة إسرائيل

السويداء على طاولة مار ألاغو: رسائل التسريب وحدود الدور

مجدي الحلبي

تزامن تسريب معلومات الدعم المالي والعسكري لفصائل مسلحة في السويداء من قبل اسرائيل مع التحضيرات للقاء بنيامين نتانياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يكن حدثًا عابرًا، بل إشارة سياسية محسوبة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

قبيل اللقاء، تسعى إسرائيل إلى ترتيب ملفاتها الإقليمية بما ينسجم مع أولويات واشنطن، وتحديدًا منع فتح مسارات توتر جديدة قد تعقّد مساعي تثبيت التهدئة في أكثر من ساحة.

في هذا السياق، يكتسب ملف السويداء بعدًا يتجاوز الجغرافيا المحدودة. الحديث عن مراجعة إرسال الأسلحة أو الرواتب إلى مجموعات مسلحة ذات نزعة انفصالية يعكس تحوّلًا في المقاربة الإسرائيلية، تحت ضغط أميركي واضح، باتجاه حصر أي تواصل بالدعم الإنساني فقط، عبر قنوات دروز إسرائيل.

هذا التوجه ينسجم مع رؤية أميركية ترى أن تشجيع أي مشروع انفصالي في جنوب سوريا يهدد الاستقرار الهش، ويقوّض فرص التفاهمات الأمنية الأوسع مع دمشق.

دعم الدروز وأولويات أخرى

التسريبات التي نشرتها واشنطن بوست، ونُسبت إلى مصادر إسرائيلية، لا يمكن فصلها عن نقاش داخلي داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها. فثمّة قناعة متنامية بأن الاستثمار في كيان درزي مستقل أو شبه مستقل جنوب سوريا لا يشكل مصلحة استراتيجية لإسرائيل، بل قد يتحول إلى عبء سياسي وأمني، خصوصًا إذا تعارض مع مسار تهدئة أوسع تسعى واشنطن إلى فرض إيقاعه في المنطقة.

أما قيادات دروز إسرائيل، فيبدو موقفهم أكثر وضوحًا: دعم إنساني ومادي ومعنوي لأبناء الطائفة في جبل العرب، من دون تبنّي مشروع انفصال سياسي. وقد ساهمت التطورات الدامية داخل السويداء، بما فيها اقتتال داخلي وسقوط ضحايا من أبناء الطائفة نفسها، في دفع قيادات درزية وازنة إلى التراجع عن أي اندفاع انفصالي، والتنبيه إلى مخاطر فتنة داخلية قد تدمّر الجبل من الداخل.

هذا التحول ترافق مع دعوات صريحة لتفادي القطيعة مع دمشق، والسعي إلى تفاهمات تضمن الأمن وتمنع الانزلاق إلى صراع أهلي.

خطورة وأهمية توقيت التسريب

توقيت التسريب قبل لقاء نتانياهو وترامب يشي برسالة مزدوجة: أولًا إلى واشنطن، بأن إسرائيل مستعدة لتعديل سلوكها في الساحة السورية بما يتوافق مع الرؤية الأميركية للاستقرار؛ وثانيًا إلى الداخل الإسرائيلي، بترجيح كفة التيار الذي يفضّل التفاهمات الأمنية الهادئة على المغامرات التقسيمية.

وفي هذا الإطار، لا يبدو جبل الدروز عائقًا بنيويًا أمام أي ترتيب أمني مستقبلي بين إسرائيل وسوريا، بقدر ما هو ملف يجب احتواؤه وضبطه.

في المحصلة، ما جرى تداوله عن وقف الدعم في السويداء ليس سوى انعكاس لتحولات أوسع في خريطة الأولويات الإقليمية. إسرائيل، عشية لقاء مار ألاغو، تسعى إلى إغلاق هوامش التصعيد، والانتقال من سياسات اللعب على الأطراف إلى سياسات تثبيت الجبهات.

وبينما تتقدم ملفات كبرى كغزة وإيران في صدارة النقاش، يجري التعامل مع السويداء كجزء من معادلة الاستقرار لا كنقطة اشتعال جديدة، في انتظار ما ستكشفه التفاهمات التي قد تخرج من لقاء فلوريدا.

ايلاف

———————————-

 غارات أردنية تستهدف تجار المخدرات والسلاح بريف السويداء السورية

مصادر العربية: الغارات الأردنية استهدفت مواقع المهربين قرب قرية الشعاب

الرياض – العربية.نت

26 ديسمبر ,2025

أفاد مراسل “العربية” بشن الطيران الحربي الأردني، غارات جوية استهدفت تجار المخدرات والسلاح بريف السويداء قرية شعاب في ريف السويداء.

نشرت قناة “المملكة” الأردنية مشاهد لاستهداف مصانع ومعامل لتجار مخدرات، قالت إنها “تتخذ أوكاراً لانطلاق عمليات التهريب تجاه الأراضي الأردنية على الواجهة الحدودية الشمالية للأردن”.

وكانت القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، أعلنت في وقت سابق، تحييد عدد من تجار الأسلحة والمخدرات الذين ينظمون عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات على الواجهة الحدودية الشمالية للمملكة.

وذكرت، في بيان أوردته وكالة “بترا” الرسمية، أنها “قامت باستهداف عدد من المصانع والمعامل التي تتخذها هذه الجماعات أوكاراً لانطلاق عملياتهم تجاه الأراضي الأردنية”.

وأضافت القوات المسلحة الأردنية، في بيانها، أنه “تم تدمير المواقع المحددة بناءً على معلومات استخبارية دقيقة، وبالتنسيق مع الشركاء الإقليميين”.

العالم الليلة | غارات أردنية على السويداء.. والتفاصيل الكاملة لسقوط الطائرة الليبية

وكانت قناة “الإخبارية” السورية، ذكرت أن غارات نفذتها طائرات حربية أردنية استهدفت شبكة مهربي مخدرات في قرية “الشعاب” التي تسيطر عليها العصابات المتمردة شرقي السويداء.

واستهدفت الغارات الأردنية، بحسب القناة، “مستودعاً لتخزين السلاح للعصابات المتمردة في تل قليب ببلدة الكفر بريف السويداء الجنوبي”.

———————————

مقال الواشنطن بوست المعنون “كيف تسعى الأنشطة السرية الإسرائيلية في سوريا إلى عرقلة حكومة دمشق الجديدة”

فيه فصل المقال. الى جانب هذا المقال ولاستكمال الصورة، سيكون من المفيد العودة الى التقرير الاستقصائي الذي نشرته الجمهورية مطلع آذار الماضي حول نشاط خلدون الهجري في واشنطن ومشروع الانقلاب الذي فشل في تسويقه في أوساط أعضاء كونغرس أمريكيين، والذي يأتي هذا المقال على ذكره بدون تفاصيل.

أمام هذه الحقائق آن الأوان، للمخدّرين من الجماعة الدرزية في سوريا، للتوقف عن الهذيان والاستفاقة من تحشيشة الباشان وكل الهراء المتعلق بالانفصال..

تشعر إسرائيل بالريبة تجاه الرئيس أحمد الشرع، وهو مناضل إسلامي مخضرم، وقد قامت بتزويد ميليشيات معارضة لحكمه بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والأموال.

بقلم: جيري شيه، آري فلانزرايش، آدم شمس الدين، وإيلان بن تسيون

مقاطع مختارة من المقال:

القدس – تحت جنح الظلام، بدأت الطائرات المروحية القادمة من إسرائيل بالوصول إلى جنوب سوريا في 17 كانون الأول/ديسمبر 2024، أي بعد تسعة أيام من الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد.

وإلى جانب منصات المساعدات الإنسانية، كانت الشحنات تضم 500 بندقية، وذخيرة، ودروعًا واقية للجسم — جرى إسقاطها جوًا بشكل سري من قبل إسرائيل لتسليح ميليشيا درزية تُعرف باسم «المجلس العسكري»، وذلك بحسب مسؤولين إسرائيليين سابقين اثنين شاركا بشكل مباشر في هذا الجهد.

جاءت شحنات الأسلحة ردًا على الصعود المفاجئ لأحمد الشرع، وهو مناضل إسلامي كان يُعرف سابقًا باسمه الحركي “أبو محمد الجولاني”، والذي أطاح بنظام الأسد. وقد نظرت إسرائيل إلى الشرع بريبة عميقة، نظرًا لأنه قاد في السابق جماعة مسلحة كانت مرتبطة رسميًا، حتى قبل عقد من الزمن، بتنظيم القاعدة، الذي يعارض بشدة وجود إسرائيل. ولا يزال الشرع، حتى اليوم، يضم في صفوف مؤيديه مقاتلين متطرفين.

وبوصفها قوةً تزداد هيمنة في الشرق الأوسط، سعت إسرائيل إلى التأثير في مسار التطورات داخل سوريا من خلال دعم ميليشيات درزية حليفة لها، وذلك في إطار مسعى يهدف إلى إضعاف التماسك الوطني السوري، وفقًا لما أفاد به مسؤولون إسرائيليون حاليون وسابقون، وبالتالي تعقيد جهود الشرع الرامية إلى توحيد البلاد بعد حربها الأهلية الطويلة.

وكانت الإمدادات الإسرائيلية السرية جزءًا من جهد مستمر منذ فترة طويلة لدعم الطائفة الدرزية — وهي أقلية دينية لعبت تقليديًا دورًا في الحياة السياسية في عدد من دول الشرق الأوسط — بحسب ما قاله مسؤولون إسرائيليون حاليون وسابقون. وقد توصل تحقيق أجرته صحيفة واشنطن بوست إلى أن هذا الجهد لا يزال متواصلًا حتى اليوم.

بلغ تدفق الأسلحة ذروته في شهر نيسان/أبريل، بعد اندلاع اشتباكات بين مقاتلين دروز سوريين ومسلحين إسلاميين متحالفين مع الشرع. ثم بدأ هذا التدفق بالتراجع في آب/أغسطس، عقب تحوّل إسرائيل إلى مسار التفاوض مع الشرع، وظهور شكوك لدى مسؤولين إسرائيليين بشأن موثوقية الانفصاليين الدروز السوريين وإمكانية تحقيق أهدافهم.

ومع ذلك، لا تزال إسرائيل تنفذ عمليات إسقاط جوي لمعدات عسكرية غير فتاكة، مثل الدروع الواقية للجسم والمستلزمات الطبية، لصالح المقاتلين الدروز السوريين، الأمر الذي يقوّض فعليًا قدرة الشرع على تركيز السلطة، وفقًا لقادة دروز في سوريا ولمسؤول إسرائيلي سابق. كما يقوم إسرائيليون بتقديم مدفوعات شهرية تتراوح بين 100 و200 دولار لنحو 3,000 مقاتل درزي، بحسب ما أفاد به مسؤولان درزيان، وهو ما يعكس استمرار إسرائيل في الحفاظ على قوة موازِنة في مواجهة الحكومة السورية المركزية.

وأجرت صحيفة واشنطن بوست، في سياق إعداد هذا التقرير، مقابلات مع أكثر من عشرين مسؤولًا إسرائيليًا وغربيًا حاليين وسابقين، ومستشارين حكوميين، وقادة ميليشيات درزية، وزعماء سياسيين في سوريا وإسرائيل ولبنان. وقد تحدث العديد من الأشخاص الذين أُجريت معهم المقابلات شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، من أجل وصف الآليات الداخلية للدعم الإسرائيلي المقدم للدروز السوريين، والذي تضمن عناصر من التعاون السري لم يُعترف بها علنًا من قبل، ولم يُسبق الكشف عنها في تقارير إعلامية.

وتتمثل الاستراتيجية العامة للحكومة الإسرائيلية منذ سقوط الأسد في ضمان عدم بروز نظام يمتلك القدرة على تهديد إسرائيل على حدودها الشمالية الشرقية، ويعتقد المسؤولون الإسرائيليون أن واشنطن تتسم بالسذاجة حين تقبل إصرار الشرع على أنه تخلى عن آرائه المتطرفة.

ويعكس الدعم الإسرائيلي للدروز السوريين عدم ثقة إسرائيل بالشرع، فضلًا عن تاريخها الطويل من التدخل الهادئ في دولة مجاورة عانت لفترة طويلة من التفكك نتيجة الحرب الأهلية. وقد شكّلت مقاومة إسرائيل للسماح للشرع بتوحيد البلاد — بما في ذلك من خلال استمرار دعمها للدروز — مصدر توتر بين القدس ودمشق، وكذلك بين إسرائيل وإدارة ترامب، التي جعلت دعم الشرع ركيزة أساسية في السياسة الإقليمية للولايات المتحدة. ويراهن كثيرون داخل الإدارة الأمريكية، وكذلك في الكونغرس، على قدرة الشرع على إعادة الاستقرار إلى سوريا، بما يسهم في خفض التوترات في المنطقة الأوسع، ويفتح الطريق أمام عودة ملايين اللاجئين إلى ديارهم، ويساعد على تقليص النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.

في مقابلة حديثة أُجريت في واشنطن قبيل لقائه بالرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض، قال الشرع لصحفيي واشنطن بوست إن دعم إسرائيل للحركات الانفصالية تحرّكه «طموحاتها التوسعية»، وإنه ينطوي على مخاطر إشعال «حروب واسعة في المنطقة، لأن مثل هذا التوسع سيُشكّل تهديدًا للأردن والعراق وتركيا ودول الخليج».

غير أن الشرع أضاف أن إسرائيل وسوريا «قطعتا شوطًا جيدًا على طريق التوصل إلى اتفاق [لخفض التصعيد]»، معربًا عن أمله في أن تسحب إسرائيل قواتها من الأراضي التي استولت عليها في وقت سابق من هذا العام، وألّا «تمنح مساحة لأطراف أو فاعلين لا يريدون لسوريا أن تكون مستقرة».

ويقول مسؤولون إسرائيليون إنه، وعلى الرغم من انعدام ثقتهم بالشرع نظرًا لتاريخه السابق بوصفه قائدًا لجماعة تابعة لتنظيم القاعدة، فإن إسرائيل أظهرت قدرًا من البراغماتية من خلال تقليص نطاق دعمها للدروز السوريين، وخفض الضغط العسكري على سوريا، وإتاحة الفرصة للمفاوضات خلال الأشهر الأخيرة.

وبعد أن صافح ترامب الشرع للمرة الأولى في أيار/مايو، أوقفت إسرائيل في آب/أغسطس تدفق الأسلحة إلى الدروز، بحسب ما أفاد به مسؤولون إسرائيليون ودروز. وعلى الصعيد الداخلي، علّق المسؤولون الإسرائيليون مناقشات كانت تهدف إلى تحويل الدروز السوريين إلى ميليشيا مسلحة تعمل كوكيل لإسرائيل، وذلك في ظل مخاوف من الاقتتال الداخلي بين القيادات الدرزية السورية، ومن خطر تورط إسرائيل بعمق في الساحة السورية، وفقًا لمسؤولين إسرائيليين ومستشارين حكوميين.

وقال مسؤول إسرائيلي، واصفًا الدعم الإسرائيلي للدروز بأنه «محسوب بعناية»: «كنا نُقدّم المساعدة عندما كان ذلك ضروريًا بصورة مطلقة، ونحن ملتزمون بأمن الأقليات، لكن الأمر ليس كما لو أننا سننشر وحدات كوماندوز لتتمركز إلى جانب الدروز أو ندخل في عملية تنظيم وكلاء». وأضاف: «نحن نحاول أن نرى كيف ستتطور الأوضاع هناك، وليس سرًا أن الإدارة الأمريكية تميل بقوة إلى إبرام اتفاق.»

وأضاف المسؤول ذاته أن هناك إدراكًا متزايدًا داخل إسرائيل بأن ليس جميع الدروز قد التفّوا حول الزعيم الروحي للدروز السوريين، الشيخ حكمت الهجري، الذي قاد الدعوات إلى الانفصال عن دمشق بدعم إسرائيلي.

وردًا على طلب للحصول على تعليق رسمي إسرائيلي، قال مسؤول في الحكومة الإسرائيلية: «بعد هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر [التي نفذتها حماس]، إسرائيل عازمة على الدفاع عن مجتمعاتنا على حدودنا، بما في ذلك الحدود الشمالية، ومنع ترسّخ الإرهابيين والأعمال العدائية ضدنا، وحماية حلفائنا الدروز، وضمان أن تكون دولة إسرائيل بمنأى عن الهجمات البرية وغيرها من الهجمات القادمة من مناطق الحدود». وتحدث المسؤول شريطة عدم الكشف عن هويته، في حين رفض الجيش الإسرائيلي التعليق على هذا التقرير.

يرى بعض المحللين الإسرائيليين والأمريكيين أن الاستخدام الإسرائيلي المكثف للقوة العسكرية في سوريا، إلى جانب الجهود السرية الرامية إلى تعزيز النزعات الانفصالية الدرزية، كان ذا نتائج عكسية، وأسهم في تقويض العلاقات في مرحلة بدا فيها الشرع متحمسًا للتوصل إلى تهدئة دبلوماسية.

وقالت دانا سترول، وهي مسؤولة سابقة رفيعة في وزارة الدفاع الأمريكية خلال إدارة بايدن، درست الشأن السوري عن كثب: «هناك إحباط متزايد في واشنطن من أن التحركات الإسرائيلية كانت تعرقل أمرًا يتمنى معظم صانعي القرار في واشنطن وكل من في الشرق الأوسط أن ينجح: قيام سوريا مستقرة وموحّدة».

وقبل عدة أشهر من سقوط الأسد، كان مسؤولون داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية قد أدركوا بالفعل أن الشرق الأوسط ربما يقف على أعتاب تحولات كبرى وشاملة.

وقد أسهمت العمليات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية خلال عام 2024 في إضعاف الحلفاء الرئيسيين للأسد، أي إيران وحزب الله اللبناني، مما أدى إلى زيادة عزلته. وفي هذا السياق، سعى قادة دروز داخل إسرائيل إلى التواصل مع شخصية درزية سورية يمكنها المساعدة في قيادة نحو 700 ألف درزي في سوريا في حال انهيار نظام الأسد، بحسب ما أفاد به المسؤولان الإسرائيليان السابقان اللذان شاركا مباشرة في هذا الجهد. وقد وقع اختيارهم على طارق الشوفي، وهو عقيد سابق في جيش الأسد.

وتذكّر أحد هذين المسؤولين الإسرائيليين السابقين أنه جرى اختيار «عشرين رجلًا من ذوي الخبرة العسكرية، وتوزيع رتب ومهام عليهم، وبدء العمل على ما أُطلق عليه اسم ’ المجلس العسكري‘» في معقل الدروز بمحافظة السويداء في جنوب سوريا. وفي ذلك الوقت، كان المجلس العسكري، بقيادة الشوفي، يحظى بدعم الشيخ الهجري، وهو رجل دين درزي حاد الطبع يبلغ من العمر ستين عامًا، وُلد في فنزويلا، ودعا إلى إقامة كيان درزي يتمتع بالحكم الذاتي ومدعوم من إسرائيل، بحسب ما قاله أحد الأعضاء المؤسسين الآخرين في المجلس.

ولمساعدة الشوفي على ترميم مبنى قديم لاستخدامه مقرًا للقيادة، وشراء الزيّ العسكري والمعدات الأساسية، قام أعضاء دروز في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بتحويل مبلغ قدره 24 ألف دولار إليه عبر قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهي ميليشيا يقودها الأكراد وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات مع إسرائيل، وذلك بحسب ما أفاد به أحد المسؤولين الإسرائيليين السابقين. وأضاف المسؤول أن هذه الأموال كانت تهدف إلى إبقاء «المجلس العسكري» قائمًا إلى حين سقوط نظام الأسد. وفي الفترة نفسها تقريبًا، جرى إرسال ما يصل إلى نصف مليون دولار بشكل منفصل من قبل قوات سوريا الديمقراطية إلى المجلس العسكري، بحسب ما ذكره المسؤول الإسرائيلي السابق وقائدان درزيان في سوريا.

وفي إطار دعم القضية الدرزية، قامت قوات سوريا الديمقراطية أيضًا بتدريب دروز سوريين، من بينهم نساء، في مناطق خاضعة لسيطرتها في شمال سوريا — وهي علاقة ما زالت قائمة حتى اليوم، وفقًا لمسؤول كردي رفيع، وقائد درزي سوري، ومسؤول إسرائيلي سابق. ولم يرد متحدث باسم الجناح السياسي لقوات سوريا الديمقراطية على طلبات التعليق.

وفي هذه الأثناء، أعدّ الشيخ الهجري، الزعيم الروحي للدروز، خرائط لدولة درزية مستقبلية مقترحة تمتد حتى العراق، وطرح هذا التصور على الأقل أمام حكومة غربية كبرى واحدة في مطلع عام 2025، بحسب ما استذكره مسؤول غربي.

عندما سقط الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، عقب هجوم خاطف استمر 11 يومًا قاده الشرع وجماعته المسلحة «هيئة تحرير الشام»، سارعت إسرائيل إلى التحرك.

فورًا، دخلت القوات البرية الإسرائيلية إلى الأراضي السورية واستولت على مساحة تبلغ 155 ميلًا مربعًا، شملت مواقع إضافية على قمة جبل الشيخ، وهو موقع استراتيجي بالغ الأهمية يمتد على الحدود السورية–اللبنانية. وفي الوقت نفسه، شنّ سلاح الجو الإسرائيلي مئات الغارات الجوية على منشآت عسكرية سورية، بهدف حرمان الزعيم السوري الجديد من الوصول إلى الأسلحة. وضمن عشرة أيام، قام عقيد في القيادة الشمالية لجيش الدفاع الإسرائيلي باستنفار طائرات مروحية من طراز «أباتشي» لنقل بنادق وأموال ومساعدات إنسانية بهدف تعزيز قدرات الدروز، وفقًا لما أفاد به مسؤول إسرائيلي سابق.

بلغت شحنات الأسلحة ذروتها في أواخر نيسان/أبريل، في ظل مخاوف إسرائيلية من أن يكون المجتمع الدرزي عرضةً للخطر. ومع تصاعد التوترات الدينية في سوريا، اندلعت اشتباكات بين مسلحين إسلاميين داعمين لحكومة الشرع الجديدة ومقاتلين دروز، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى. وأعلن مسؤولون إسرائيليون، خشية أن يتعرض الدروز للاجتياح أو الحصار أو المجازر، تعهدات علنية بحماية هذه الأقلية.

وردّت إسرائيل بإرسال أسلحة مستخدمة في الغالب، كانت القوات الإسرائيلية قد حصلت عليها من مقاتلين قُتلوا من حزب الله وحركة حماس، بحسب ما أفاد به مسؤول إسرائيلي سابق، وقائد درزي في سوريا، ووسيط مالي. كما استذكر أحد قادة الميليشيات الدرزية السورية تلقيه بنادق قنص، ومعدات للرؤية الليلية، وذخيرة لمدافع رشاشة ثقيلة من عياري 14 ملم و23 ملم. ومن نظرائهم الأكراد، حصل بعض القادة الدروز أيضًا على صواريخ مضادة للدبابات وصور ميدانية مأخوذة من أقمار صناعية إسرائيلية، بحسب ما قاله قائدان درزيان في السويداء.

الدفع نحو تسليح وكيل محلي ودعم الدروز

على الأرض، أنشأت القوات الإسرائيلية ما أسمته «منطقة عازلة»، حيث وفرت للسكان الدروز في عشرين قرية «خشبًا، وبنزين، وديزل، وطعامًا، وقليلًا من الماء»، بالإضافة إلى تقديم العلاج الطبي في عيادة عسكرية أقيمت خارج قرية خضر الدرزية، وفقًا لما أفاد به مسؤول عسكري إسرائيلي.

داخل الحكومة الإسرائيلية، أنشأت وحدة تنسيق الأنشطة الحكومية في الأراضي (COGAT) التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية مكتبًا إداريًا جديدًا لتنسيق إرسال المساعدات الإنسانية وغيرها، بما في ذلك الأسلحة الخفيفة، إلى الدروز السوريين، بحسب ما صرح به حسون حسون، عميد إسرائيلي سابق وأمين عسكري رئاسي شارك في جهود المساعدة.

قاد حسون، الذي هو درزي ويجمعه قربى بالشيخ الهجري، فصيلًا داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يرى أن على إسرائيل أن تدعم الدروز السوريين كوكيل مسلح في سوريا بكل قوتها. وقال في مقابلة: «تحتاج إسرائيل إلى الانتقال إلى مرحلة أعلى والتصرف كقوة استراتيجية، تبني تحالفات مع جميع أنواع الناس والوكالات، وتحوّلهم إلى أشخاص مخلصين لها ولهم ولاء لها.»

دعم المسؤولون الإسرائيليون تسليح الدروز بناءً على اعتبارين رئيسيين، وفقًا لمسؤول إسرائيلي. أولًا، كانوا ينظرون بشكل عام إلى الجهود الأمريكية والأوروبية للعمل مع الشرع على أنها «ساذجة»، معتبرين أنه متطرف إسلامي لم يُصلح نفسه، ويشكل تهديدًا لإسرائيل إذا ما أتيح له اكتساب السلطة. ثانيًا، شعروا بواجب أخلاقي لحماية الإخوة السوريين من المجتمع الدرزي المؤثر في إسرائيل.

تصاعد الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للتدخل في سوريا في يوليو، بعد أن اشتبك مسلحون سنة مع قوات الحكومة السورية مرة أخرى مع الدروز في السويداء. وأدى العنف إلى مقتل أكثر من ألف شخص، بحسب منظمات حقوق الإنسان، وحصار قلب الأرض الدرزية. وردّ الجيش الإسرائيلي بقصف القوات السورية ووزارة الدفاع في دمشق.

تاريخ الدعم السري

تمتد مخاوف إسرائيل من استيلاء إسلامي على الحدود المجاورة — وتدخلها في سوريا — إلى سنوات عديدة. بعد أن غرقت سوريا في الحرب الأهلية عام 2011، دخل ضباط الجيش الإسرائيلي إلى سوريا لتدريب ميليشيات درزية، وقدموا الأسلحة والعلاج الطبي لمجموعات متمردة أخرى، غالبًا بالتنسيق مع الأردن والولايات المتحدة، وفقًا لثلاثة مسؤولين إسرائيليين سابقين.

رفض تمير هايمان، اللواء الإسرائيلي السابق ورئيس القيادة الشمالية التي تشرف على الجبهة السورية، مناقشة دعم إسرائيل الحالي للدروز، لكنه قال إنه خلال الحرب الأهلية السورية، ساعدت إسرائيل والأردن مجموعات اعتُبرت معادية للمتطرفين السنة المسلمين. وقال هايمان: «كان هناك اهتمام مشترك بين إسرائيل وهؤلاء المتمردين المحليين لمحاربة أو الدفاع عن الحدود الإسرائيلية ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وفي المقابل، قدمنا اللوجستيات التي شملت بشكل رئيسي العلاج الطبي في المستشفيات الإسرائيلية، والمياه، وإمدادات الغاز، وأحيانًا بعض الأسلحة».

يحذر المحللون الإسرائيليون اليوم من أن دعم دولة درزية مستقلة أو ميليشيا وكيلة يمثل مهمة مختلفة تمامًا عن التعاون معهم لتأمين الحدود الإسرائيلية. وأشار أحد المستشارين الحكوميين إلى أن إسرائيل لم يكن لديها «تجربة جيدة في جنوب لبنان»، حيث دعمت ميليشيا مؤيدة لإسرائيل تُعرف باسم جيش جنوب لبنان لعقدين من الزمن قبل أن تنهار أمام تقدم حزب الله عام 2000.

وأشار المستشار الإسرائيلي: «دعم دولة مستقلة سيخلق وضعًا تصبح فيه إسرائيل مضطرة الآن للدفاع عن سكان يبعدون حوالي 100 كيلومتر عن الحدود. إذا كان لدينا مصلحة هنا، فهي ليست خلق دولة دروزستان مستقلة».

كما أصبح المسؤولون الإسرائيليون أكثر حذرًا بشأن الصراعات الداخلية على السلطة التي ظهرت بين الدروز السوريين. ففي أغسطس، بادر الشيخ هاجري إلى أن يُعترف به كسلطة عسكرية شرعية وحيدة بين الدروز السوريين، واستبدلت «الحرس الوطني»، وهو ميليشيا جديدة يقودها الهجري وابنه سلمان، بالمجلس العسكري كجهة تتلقى الأسلحة من إسرائيل، وفقًا لقادة دروز سوريين ومسؤولين إسرائيليين سابقين شاركوا مباشرة في العملية.

أدى هذا التحرك إلى إشعال الانقسامات بين قادة الدروز. اتُهم شوفي، قائد المجلس العسكري السابق، بالتعاون مع الشرع ولجأ إلى الاختفاء، خوفًا من الاعتقال على يد رجال الهجري. وفي الوقت نفسه، وُجهت اتهامات للشيخ الهجري بالاختطاف ولابنه بالتعامل مع شبكات تهريب المخدرات الإقليمية، بما في ذلك حزب الله، وفقًا لمسؤول إسرائيلي سابق وقائد درزي في سوريا ووسيط مالي.

قال أحد المسؤولين الإسرائيليين السابقين المشاركين في الجهد: «الإسرائيليون يعلمون أنه ليس لديهم أحد للعمل معه على الجانب الآخر — بالتأكيد ليس على المدى الطويل».

في الأسابيع التي سبقت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، عندما كان المسؤولون الإسرائيليون يناقشون احتمال لقاء بين نتنياهو والشرع في نيويورك والذي لم يتحقق في نهاية المطاف، أوضح المسؤولون السوريون أنهم لا يرغبون في أن تسهّل إسرائيل الانفصال الدرزي، حسبما قال مستشار حكومي إسرائيلي. وأُشير إلى أن اتفاقًا أمنيًا مقترحًا بين إسرائيل وسوريا انهار جزئيًا بسبب مطالب إسرائيل بضمانات للدروز، بما في ذلك ممر إنساني مسوّر يمتد من إسرائيل إلى السويداء، أضاف المستشار.

اليوم، يقول المسؤولون الإسرائيليون وآخرون مطلعون على تفكيرهم إن الوضع في سوريا — وسياسة إسرائيل تجاه الدروز — لا تزال متقلبة. ففي نوفمبر، زار نتنياهو القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية المحتلة، وهو ما انتقدته سوريا بشدة باعتباره انتهاكًا لسيادتها. وطلبت إسرائيل خلال محادثات حول اتفاق أمني ثنائي أن يتم نزع السلاح من جنوب سوريا وألا تدخل القوات السورية السويداء دون تنسيق مسبق مع إسرائيل، وفقًا لمسؤول إسرائيلي سابق شارك في المفاوضات. وفي مقابلة مع صحيفة الواشنطن بوست، رفض الشرع مطلب إسرائيل بأن يتم نزع السلاح في المنطقة الواقعة جنوب دمشق.

كما ستواصل إسرائيل الدفع خلال محادثاتها مع الشرع من أجل «الاستقلال المؤسسي» للدروز، وفقًا لأحد المسؤولين الإسرائيليين، مضيفًا أن شحنات المساعدات من إسرائيل مستمرة لكنها أصبحت أصغر وأقل تواترًا.

وفي بيان رسمي، قال مسؤول حكومي إسرائيلي: «تتوقع إسرائيل أن تؤسس سوريا منطقة عازلة منزوعة السلاح من دمشق إلى منطقة العازلة، بما في ذلك المداخل إلى جبل الشيخ وقمة جبل الشيخ… من الممكن التوصل إلى اتفاق مع السوريين، لكننا سنتمسك بمبادئنا، بما في ذلك الحماية الدائمة لإخواننا وأخواتنا الدروز، الذين تعرضوا لمجزرة هذا الصيف في فظائع تذكر بأحداث 7 أكتوبر».

حتى أواخر سبتمبر، كانت المروحيات الإسرائيلية تنقل الأدوية والإمدادات العسكرية الدفاعية، بما في ذلك الدروع الواقية، إلى السويداء، وفقًا لقادة الدروز في سوريا ومسؤول إسرائيلي سابق. واستمر الدفع الشهري لنحو 3,000 مقاتل من الحرس الوطني، كما ذكر مسؤولان درزيان.

قالت كارميت فالينسي، خبيرة الشؤون السورية في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، إن تبني إسرائيل في البداية لبعض قادة الدروز الانفصاليين مثل الهجري قد تلاشى، وهناك شكوك حول ما إذا كان من الواقعي تقديم الكثير من المساعدات، مثل الكهرباء والمياه لدولة درزية منفصلة.

وقالت فالينسي: «يجب أن تعترف إسرائيل بأن هناك حدًا للمدى الذي ينبغي أن نتدخل فيه في الشؤون الداخلية، خاصة ونحن نجري حوارًا مع نظام يحاول التوصل إلى اتفاق أمني. وطالما هناك جمود ولم يتم التوصل إلى اتفاق أمني، أعتقد أن إسرائيل ستواصل دعم الدروز».

تُشير الملاحظات والتحليلات الإسرائيلية إلى أن تبني إسرائيل لدعم الدروز الانفصاليين في سوريا قد تضاءل مع الوقت، خصوصًا مع تزايد الشكوك حول مدى جدوى تقديم دعم مفرط، مثل الكهرباء والمياه لدولة درزية منفصلة. ويستمر التركيز الإسرائيلي على تحقيق توازن بين تقديم المساعدات والحفاظ على قدرة الدولة الإسرائيلية على التحكم في المخاطر الحدودية دون الانخراط المباشر في إدارة الشؤون الداخلية السورية.

ويؤكد المسؤولون الإسرائيليون أن السياسة تجاه الدروز في سوريا تظل ديناميكية وقابلة للتغير تبعًا للتطورات على الأرض، بما في ذلك محادثات الأمن الثنائية والتفاعل مع القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع. وتبقى إسرائيل ملتزمة بالحفاظ على حماية أقلياتها، وخاصة الدروز، الذين يُنظر إليهم كحلفاء طبيعيين في المنطقة، مع مراعاة الاستقرار الإقليمي ومنع أي تهديد مباشر لأمنها القومي.

كما تُشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن أي محاولات لإنشاء دولة درزية مستقلة أو ميليشيا تابعة لها كبديل عسكري ستشكل تحديات جديدة، بما في ذلك مسؤولية الدفاع عن سكان بعيدين عن الحدود المباشرة لإسرائيل، وهو أمر لم تختبره الدولة بشكل مباشر منذ تجاربها السابقة في جنوب لبنان مع الجيش اللبناني الجنوبي. ويُوضح المسؤولون أن الدعم الإسرائيلي يتم بحذر شديد، مع مراعاة التوازن بين حماية الأقليات ومنع تورط إسرائيل في صراعات داخلية معقدة.

وفي هذا السياق، شهدت قيادة الدروز في سوريا صراعات داخلية على السلطة، حيث سعى الشيخ هاجري في أغسطس إلى الاعتراف به كسلطة عسكرية شرعية وحيدة بين الدروز السوريين، واستبدل الحرس الوطني، الذي يقوده هو وابنه سليمان، بالمجلس العسكري كمستفيد من الأسلحة الإسرائيلية. وقد أدى ذلك إلى انقسامات بين القادة الدروز، حيث اتُهم طارق الشوفي، قائد المجلس العسكري السابق، بالتعاون مع الشرع ولجأ إلى الاختفاء خوفًا من الاعتقال على يد رجال الهجري. وفي الوقت نفسه، وُجهت اتهامات للهجري بعمليات اختطاف ولابنه بالتورط في شبكات تهريب المخدرات الإقليمية، بما في ذلك مع حزب الله، وفقًا لمسؤول إسرائيلي سابق وقائد درزي ووسيط مالي.

ويشير المسؤولون الإسرائيليون السابقون إلى أن إسرائيل تدرك أنها لا تملك حليفًا عمليًا طويل الأمد على الجانب الآخر، ولا يمكن الاعتماد على أي قوة درزية سورية بمستوى استراتيجي طويل الأجل. كما لم يُستجب لطلبات التعليق من قبل ثلاثة أشخاص مقربين من الهجري — وهم الابن والمستشار وابن الأخ — بينما لم يستجيب الشوفي أيضًا.

————————-

مقال “الجمهورية المذكور هو التالي ونشره موقعنا “صفحات سورية” في الرابط أسفل المقال

كيف انفجر الوضع من جرمانا إلى الإقليم/ عروة خليفة، رشا النداف

حديث عن تمرُّد مسلح في سوريا يؤجج الصراع على مركز القرار الدرزي في المنطقة

06-03-2025

        شهدت جرمانا يوم الجمعة الفائت أحداثاً بدأت بخلافاتٍ شخصية وانتهت إلى تفجير توتّرٍ في كامل الإقليم، حيث ساعدت الحادثة على ظهور توتّراتٍ سابقة إلى السطح، تشمل صراعاً على النفوذ في مناطق الدروز ضمن سوريا وفي المنطقة، كما كانت فرصةً مثاليةً بالنسبة لإسرائيل كي تًغذّي تصريحاتها حول «الحاجة لحماية الدروز في سوريا».

        يوم الجمعة الماضي 28 شباط (فبراير)، ونتيجة تصاعد الخلاف في المدينة، اضطر وجهاء ومشايخ من جرمانا، ومن ثمّ وجهاء وزعماء مجموعات عسكرية محلية من السويداء، إلى إصدار مواقف علنية، في محاولةٍ لتهدئة الاحتقان في المدينة، والذي عزّزته تصريحاتٌ إسرائيلية عن عزم دولة الاحتلال «التحرّك لحماية الدروز» في المدينة الملاصقة لدمشق، والتي ينتمي غالبية سكّانها الأصليين إلى الطائفة الدرزية، مع حضورٍ واسعٍ لأبناء مناطق وطوائف أخرى في واحدةٍ من أكثر المناطق اكتظاظاً في محيط العاصمة السورية.

        حاولت المرجعيات الدرزية في المدينة التأكيد فوراً على رفضها للبيانات الإسرائيلية، كما قال ربيع منذر، الناطق باسم مجموعة مدنية تُعرّف عن نفسها باسم «مجموعة العمل الأهلي في جرمانا»، في حديثٍ مع الجمهورية.نت قبل أيام، كما زار سليمان عبد الباقي وليث البلعوس وآخرون كممثلين عن بعض فصائل السويداء العسكرية، الرئيسَ السوري خلال المرحلة الانتقالية أحمد الشرع لـ«نقاش التطورات المتسارعة مع إسرائيل والتأكيد على تمسّك أبناء الجبل بوحدة الأراضي السورية ورفض أي تدخل خارجي». في المقابل، أشارت مصادر من السويداء إلى أنّ هذا التصعيد جاء نتيجة تصاعد الحديث عن تواصلٍ لبعض الأطراف في المحافظة مع إسرائيل، وهو ما اعتبرته تلك المصادر أمراً مرفوضاً بشكل قاطع.

        لم يتوقّف الأمر عند الحدود السورية، إذ أدّى تفجّر الخلاف والدخول الإسرائيلي على هذا الخط إلى تفعيل إنذاراتٍ كثيرة في المختارة، مقرّ الزعيم الدرزي اللبناني والرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، حيث أُعلِن يوم الإثنين الفائت عن اجتماعٍ طارئ للمجلس المذهبي الدرزي في لبنان، وخرج منه جنبلاط بتصريحاتٍ تتّهم شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز في إسرائيل موفق طريف بمحاولة احتكار تمثيل الدروز في المنطقة بدعمٍ من الصهيونية، وحذّر وليد جنبلاط من أنّ هذه اللحظة أخطر من السابع عشر من أيار، في إشارةٍ إلى الاتفاق الذي وصل إليه الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل مع الإسرائيليين عام 1983، بعيد غزوهم لبنان وإخراج منظمة التحرير منه في عام 1982. وخصّ جنبلاط في حديثه لبنان وسوريا، مُستثنياً الدروز في فلسطين. وتشير أدلّةٌ إلى أنّ الذي استدعى استنفار جنبلاط في لبنان «أكبر» من مجرد تصريحاتٍ أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخراً بخصوص الدروز في سوريا.

        من جهته، كان الشيخ موفق طريف قد أجرى مجموعةً من اللقاءات في العاصمة الأميركية واشنطن في الثالث عشر من شهر كانون الثاني (يناير) بداية هذا العام، ركّزت على أوضاع الدروز في سوريا بعد سقوط نظام الأسد. وقال طريف للصحفيين هناك: «إنّ حالة عدم اليقين في جنوب سوريا تتطلّبُ مشاركةً ومراقبةً دولية. لا يمكن تحقيق الاستقرار في سوريا دون ضمان استقرار وحقوق المجتمعات الدرزية التاريخية»، وذلك بحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية.

        وأجرى طريف بداية شهر آذار (مارس) الجاري زيارةً ثانيةً إلى واشنطن من أجل حضور أعمال مؤتمرٍ تنظّمه مجموعة ADL التي تنشط في قضايا محاربة معاداة السامية، وألقى خطاباً في الحدث إلى جانب آخرين من بينهم وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت.

        لكن ما يقف فعلياً وراء تصاعد الخلافات الدرزية والتوترات بين أبرز الفاعلين السياسيين والدينيين الدروز، والتي لم تكن جديدةً غير أنها ظهرت إلى العلن، هو حدثٌ جرى في العاصمة الأميركية واشنطن بداية شهر شباط (فبراير) الماضي، ويبدو أنّه تسرّب مؤخّراً إلى الدوائر السياسية في المنطقة.

        علمت الجمهورية.نت بأنّ خلدون الهجري، قريب الزعيم الديني في السويداء حكمت الهجري وممثّله في الخارج، التقى مسؤولين أميركيين في واشنطن خلال شهر شباط (فبراير) الماضي بصفته «ممثّلاً سياسياً للشيخ حكمت الهجري»، وعرضَ عليهم خطةً لتنفيذ تمرّدٍ مسلّح على حكومة أحمد الشرع، تقوده قواتٌ مرتبطةٌ بحكمت الهجري من السويداء، وبمشاركةٍ من قوات سوريا الديمقراطية في شرق سوريا ومجموعاتٍ علوية من الساحل السوري، وبدعمٍ إسرائيلي، بحسب ما قال خلدون الهجري في تلك الاجتماعات.

        وتحدّثت الجمهورية.نت مع خمسة مصادر سورية وأميركية، بعضها كان مُطّلعاً على تفاصيل الاجتماعات بشكلٍ مباشر، وبعضها عَلِمَ من خلال الدوائر المُقرّبة من الشيخ حكمت الهجري بتفاصيل الخطة التي عرضها خلدون الهجري، والتي لم تحظَ بموافقةٍ رسميةٍ من الولايات المتحدة حتى اللحظة، وفق ما أفادت به مصادر مُطلعة تحدّثت إليها الجمهورية.نت.

        لم يوضح خلدون الهجري خلال حديثه في الاجتماعات مَن هي تلك المجموعات التي تساندهم في الساحل ومدى جاهزيتها، كما لم يكن هناك أيُّ دليلٍ على وجود موافقةٍ نهائيةٍ من قوات سوريا الديمقراطية ولا على خطّةٍ تفصيليةٍ حول ما استعمل خلدون الهجري كلمة «انقلاب» لوصفه.

        وتواصلت الجمهورية.نت مع مستشارين لدى الشيخ حكمت الهجري للحصول على تعليقٍ حول هذه المعلومات، وتمّ توجيهنا للتواصل مع خلدون الهجري بشكلٍ مباشرٍ كونه الشخص المعنيُّ بالموضوع، وردّاً على المعلومات التي عرضناها قال خلدون الهجري للجمهورية.نت: «هذا أمرٌ طبيعيٌّ في السياسة. كل المواضيع قابلةٌ للطرح والنقاش». وأضاف في حديثه: «‎ولكن في الموضوع العسكري تحديداً، كان طرح إحدى الدول وليس طرح أحد المكونات السورية، و‎نحن طلبنا معرفة رأي الإدارة الأميركية في هذا الخصوص، وهل هي داعمةٌ لهكذا أمر. ‎وبالمجمل متوافقون مع الإدارة الأميركية في الرؤية حول إعطاء فسحةٍ للدبلوماسية والحوار، إذ لا يمكن القول إنّ كل الاعضاء في الإدارة الانتقالية صالحين، ولا يمكن القول عكس ذلك. ولكنّ التعنّت في اتخاذ رؤية أو قرار حول عدة تفاصيل يُعيدنا إلى الحقبة الماضية». وأكد خلدون الهجري في حديثه مع الجمهورية.نت على أنّه «لا يوجد أي تنسيق مع الأطراف السورية نحو حلول عسكرية في المرحلة الحالية، وإنما التوجّه فقط نحو الدبلوماسية والحوار لإنتاج حكومةٍ تشاركية وطنية ودستورٍ عصري يضمن حقوق وأمان جميع  المكونات السورية، دون إقصاء وبأقصى سرعةٍ ممكنة، وذلك قبل تفاقم الوضع إلى ما لا تحمد عقباه».

        ويمثّل خلدون الهجري المقيم حالياً في الولايات المتحدة الشيخَ حكمت الهجري خارجياً، وسبق له إجراء محادثاتٍ ولقاءاتٍ باعتباره «الممثّل الخارجي للشيخ حكمت الهجري»، تحديداً بعد انطلاق الاحتجاجات في السويداء ضد نظام الأسد البائد ووقوف الشيخ حكمت الهجري العلني إلى جانبها.

        من جهةٍ أخرى، أصدر ثائر منصور الأطرش، وهو حفيد سلطان باشا الأطرش، بياناً أول أمس الثلاثاء قال فيه: «لا تزال مخططات التفريق قائمة، وجاهزة في الأدراج، وتخرج منها عند الحاجة، وأداةُ تنفيذِ تلك المشاريع هو الكيان الصهيوني». وأضاف المهندس ثائر الأطرش، عضو تجمّع النداء الوطني الجامع في بيانه: «كما كان أهلنا على مدار تاريخ هذه المنطقة السيفَ المُدافعَ عن وحدة سورية، لن نقبل اليوم أن نكون الخنجر الذي يطعنها في خاصرتها. ونحن ندرك ذلك من موقع التأكيد على حقيقةٍ تاريخيةٍ ثابتة، وكلُّ صوتٍ مُغايرٍ لذلك لا يُمثّل إلا نفسه».

        وبحسب المصادر التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها بسبب «حساسية الموضوع» كما وصفت، فقد أجرى خلدون الهجري لقاءاتٍ مع أعضاء كونغرس ومسؤولين أميركيين، وذلك بعد أيامٍ من زيارةٍ أجراها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن في الثاني من شباط (فبراير)، حيث عرض نتنياهو خلال الزيارة «ورقةً بيضاء» إسرائيلية حول سوريا، وكانت وكالة رويترز قد نشرت تقريراً أكّدت فيه تقديم تل أبيب لتلك الورقة التي تنظر إلى التحالف السوري التركي كتهديدٍ لأمنها القومي.

        مصادر في واشنطن قالت للجمهورية.نت إنّ مسؤولين إسرائيليين قالوا بشكلٍ صريح للإدارة الأميركية إن  حكومة الشرع المتطرفة بحسب وصفهم، وبتحالفها مع تركيا، ستكون بصدد تشكيل جيشٍ يحارب إسرائيل خلال عشرين عاماً من الآن، وهو ما يُعدُّ التهديدَ الأبرز على أمن إسرائيل القومي في المنطقة.

        في ما يخص قوات سوريا الديمقراطية، وهي قواتٌ عسكرية يسيطر على القرار فيها حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، فقد قال مسؤولٌ عسكريٌّ فيها، وبالتوازي مع الاتصالات التي أجراها خلدون الهجري بداية الشهر الفائت، لقناة روداو إنّ قوات سوريا الديمقراطية «تحظى بقبول السويداء والساحل السوري». وأضاف محمود حبيب، الناطق باسم قوات الشمال الديمقراطي المنضوية في قوات سوريا الديمقراطية خلال حديثه للقناة التي تبث من إقليم كردستان العراق: «لدى كثيرٍ من الطوائف والإثنيات في سوريا ترحيبٌ بقوات سوريا الديمقراطية، وهي مقبولةٌ أكثر وتستطيعُ فرض السلم والأمن بدون عنف وبدون تمييز».

        وطلبت الجمهورية.نت تعليقاً من مجلس سوريا الديمقراطية حول المعلومات التي حصلت عليها وحول ورود اسمها في المسألة، ولكنّنا لم نحصل على إجابةٍ حتى لحظة نشر هذا التقرير.

        وفي اتصالٍ مع خضر الغضبان، القيادي في الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني الذي يترأسه تيمور جنبلاط، نجل الزعيم السياسي الدرزي وليد جنبلاط، أشار إلى أنّ الاجتماع الاستثنائي للمجلس المذهبي الدرزي عُقِد في سياق التصريحات الإسرائيلية، باعتبارها تُشكّل «عناوين عريضة لا يُمكن السماح بمرورها مرور الكرام». وأضاف الغضبان في حديثه مع الجمهورية.نت: «نتمنّى على قسد (قوات سوريا الديمقراطية) عدم التدخل في شؤون السويداء الداخلية، وأن تُبقي العلاقةَ مع مكونات سوريا ضمن إطار الدولة الموحدة»، مؤكداً على أنّ «أيّ سعيٍ لتشكيل ما يسمى تحالف الأقليات لا يصبُّ في مصلحة أحد». واعتبر الغضبان أنّ هذا «مخططٌ سعى إليه حافظ الأسد سابقاً وتصدّى له كمال جنبلاط، وهو سببُ الخلاف الرئيسي بين كمال جنبلاط وحافظ الأسد، والذي أدى إلى اغتياله».

        وأشار الغضبان في حديثه مع الجمهورية.نت إلى أنّ «هذا التحالف يصبُّ في مصلحة إسرائيل التي تهدف إلى تحويل الدول المحيطة بها إلى كياناتٍ مذهبيةٍ وطائفية متناحرة فيما بينها، في حين أنه لن يصبّ في مصلحة السوريين عموماً وحتى الكرد أنفسهم»، موكّداً على «حقّ الأكراد في طلب ضماناتٍ لحقوقهم في سوريا».

        ووجّه الغضبان رسالةً إلى شيخ عقل الطائفة الدرزية في إسرائيل موفق طريف عبر الجمهورية.نت، ردّاً على ادّعائه تمثيل دروز المنطقة، مؤكّداً على أنّ طريف «لم يكن يوماً حليفاً للدروز في لبنان ليكون اليوم حليفهم في سوريا». وقال الغضبان: «يريد الشيخ طريف اليوم تحويلَ الدروز من أصحاب أرض إلى حرس حدود. إذا كان هو يرتضي بذلك فنحن لن نرضى».

        من جهته، قال سعود الأطرش، وهو حفيد سلطان باشا الأطرش، في حديثٍ مع الجمهورية.نت إنّ مسألة طلب دعم إسرائيل أمرٌ مرفوضٌ رفضاً قاطعاً: «بالنسبة لنا كأبناء جبل العرب ومحافظة السويداء، فهذه القصة حتماً مرفوضة، وغير مقبولة على الإطلاق». وأكّد سعود الأطرش على أنّ «أبناء جبل العرب عبّروا عن رفضهم لهذه الفكرة، وكانوا ضدَّ هذه الأصوات الداعية لأيِّ شكلٍ من أشكال التعاون مع إسرائيل».

        كما علمت الجمهورية.نت بوجود حراكٍ شعبيٍّ واسعٍ يقوده أبناء المنطقة الجنوبية عموماً، وذلك للتنسيق بين محافظات الجنوب ومع باقي عموم سوريا لـ«خلق حالةٍ توافقيةٍ بين عموم السوريين والتّصدي لأيّ مشروعٍ قد يُؤثّر على وحدة سوريا، وذلك بخلق جسور تواصلٍ بين المدنيين بمعزلٍ عن الانقسامات التي يؤجّجها المتصارعون على النفوذ الشخصي»، بحسب ما قاله لنا أحد منسّقي هذه المجموعة والمتحدّثين باسمها. وأضاف المُنسّق في حديثه بأنّ «الشعب السوري المُنهك استطاع أن يحتشد ويبدأ بالتواصل فيما بينه لإعلاء صوتِه في حقه بتقرير مصيره وللتذكير بالثورة وأهدافها التي أعلنت عنها لحظة انطلاقها. الشعب السوري قرّر أن يتواصل مع بعضه عن طريق الشارع والحراك». وأشار المتحدث إلى أنّ هذه المجموعة بدأت حشدَ السوريين لتنفيذ احتجاجاتٍ ضد المخطط الإسرائيلي، وتحت شعار: «شعب واحد، مصير واحد».

        إلى ذلك، أشارت مصادرُ متقاطعة للجمهورية.نت، بالإضافة إلى مستشارين لدى الشيخ حكمت الهجري، إلى أنّ الحكومة السورية كانت على علمٍ بالاتصالات التي أجراها خلدون الهجري، وقامت بعدها بالتواصل مع الشيخ حكمت الهجري من خلال مندوبين عنها لإعلامه بذلك وسؤاله عن تفاصيل تلك الاجتماعات. بدوره، نفى الشيخ حكمت الهجري تلك التصريحات في حديثه مع مندوبي الحكومة السورية، وهو ما يتعارض مع ما أقرّ به السيد خلدون الهجري في حديثه مع الجمهورية.نت، ومع المعلومات التي أكّدتها المصادر المتقاطعة المُطّلعة على الاجتماعات التي أجراها خلدون الهجري.

        حاولت الجمهورية.نت التواصل مع مسؤولين في الحكومة السورية للحصول على تعليقٍ حول الموضوع، لكنّنا لم نحصل على جوابٍ حتى لحظة كتابة هذا التقرير.

كيف انفجر الوضع من جرمانا إلى الإقليم/ عروة خليفة، رشا النداف

———————————

 واشنطن تنتقد إسرائيل: تصريحاتكم الاستفزازية تُبعد الدول العربية

كاتس: إسرائيل تعتزم إقامة نوى استيطانية في شمالي قطاع غزة

الرياض – العربية.نت

26 ديسمبر ,2025

أبدت أوساط أميركية رفيعة امتعاضها من التصريحات الإسرائيلية المتلاحقة حول الاستيطان في قطاع غزة والضفة الغربية، واصفة إياها بـ«الاستفزازية».

وفقاً لموقع «واي نت» التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، وجهت هذه الأوساط انتقاداً شديداً للحكومة الإسرائيلية، ونقلت عن مصادر وصفتها بأنها تحتل مركزاً مرموقاً في البيت الأبيض، أن «التصريحات الاستفزازية لوزير الدفاع، يسرائيل كاتس، وغيره تضر بالتقدم المرجوّ في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام الشامل في الشرق الأوسط، وتبعد المزيد من الدول العربية عن الانخراط فيه، وعلى جميع الفرقاء الالتزام بما تعهدوا به لدعم هذه الخطة».

أعلن كاتس يوم الثلاثاء الماضي أنه سيقيم بؤر استيطان في المنطقة الشمالية من قطاع غزة، لكنه تراجع عن هذا التصريح عقب اعتراض أميركي، موضحاً أنه يقصد إقامة مواقع سكن عسكرية مؤقتة.

أعاد كاتس التأكيد على معنى قريب، معلناً يوم الخميس أن الجيش لن ينسحب أبداً من القطاع. بدا ذلك متناغماً مع تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي عاد ليؤكد موقف كاتس وغيره من المتطرفين في الحكومة، ويكشف النيات الحقيقية لهم تجاه غزة.

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب أنه ينوي الطلب من الرئيس ترامب، خلال لقائهما يوم الاثنين القادم في ميامي، موافقته على جعل الخط الأصفر حدوداً دائمة بين إسرائيل وقطاع غزة، مما يعني ضم 58 في المائة من القطاع وفرض السيادة عليه.

نُقل عن نتنياهو قوله إن «على العرب أن يفهموا أن من يقتل إسرائيليين يخسر أرضاً». وبذلك، يبرر نتنياهو تقدم الجيش الإسرائيلي في احتلاله غزة، من 53 في المائة عند وقف إطلاق النار إلى 58 في المائة اليوم.

في أعقاب ذلك، أكد الوزير كاتس يوم الخميس أنه لم يتراجع عن موقفه وأن إسرائيل تعتزم إقامة نوى استيطانية في شمالي قطاع غزة، مشدداً على أن إسرائيل «لن تخرج أبداً من أراضي غزة»، وأنها ستحتفظ داخل القطاع «بمنطقة أمنية واسعة» بحجة حماية البلدات الإسرائيلية في «غلاف» القطاع.

مخطط إسرائيلي لقضم مناطق جديدة من قطاع غزة عبر توسيع نطاق الخط الأصفر

أدلى كاتس بتصريحاته خلال مشاركته في مؤتمر التربية الذي نظمته صحيفة «مكور ريشون» اليمينية الاستيطانية، أمام جمهور اليمين الاستيطاني، قائلاً: «حتى بعد الانتقال إلى مرحلة أخرى، وإذا جرى نزع سلاح (حماس)، وتفكيك قدرات الحركة، فستكون هناك منطقة أمنية كبيرة داخل غزة. ففي الجزء الشمالي، ووفق رؤيتي، يمكن في المستقبل إقامة نوى استيطانية (نوى يشكلها شباب طلائعي محارب) بشكل منظم… هذا أمر مهم سيتعين القيام به».

في السياق نفسه، رفضت وزارة الخارجية الإسرائيلية إدانة صادرة عن 14 دولة لقرارها إقامة مستوطنات جديدة في الضفة الغربية، وزعمت أن الانتقادات «خطأ أخلاقي» و«تنطوي على تمييز ضد اليهود».

——————————-

==================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى