استملاك الأراضي في سوريا: من تشريع الظلم إلى ضرورة استرداد الحقوق/ سارة شموط

يناير 7, 2026
تُعدّ قضية استملاك الأراضي من أكثر القضايا تعقيداً وخطورة في التاريخ السوري الحديث، ليس فقط لما ترتّب عليها من خسائر مادية، بل لما حملته من انتهاك مباشر لحقوق البشر، وتحكّم جائر بمصائرهم وأرزاقهم. فالاستملاك الذي جرى في عهد العصابة الأسدية، وما سبقه من مراسيم التأميم، لم يكن في جوهره فعلاً قانونياً يهدف إلى تحقيق منفعة عامة، بل كان في كثير من حالاته تعبيراً عن أحقاد شخصية وتاريخية، وأداة للانتقام السياسي والاجتماعي، مكّنت مرتكبيها من التحكم في أرزاق الناس ومصائرهم، وتجريدهم من حقهم الطبيعي في الملكية.
لقد استُخدمت القوانين والمراسيم كغطاء لشرعنة الاستحواذ، لا لتحقيق العدالة. فأُفرغ مفهوم “المنفعة العامة” من مضمونه الحقيقي، وتحول إلى ذريعة لتجريد آلاف العائلات من أراضيها دون تعويض حقيقي، ودون أي اعتبار لكرامة الإنسان أو حقه في الاستقرار. ومن هنا، يصعب الحديث بصدق عن أي قرار استملاك خدم منفعة عامة فعلية، طالما أن هذه “المنفعة” تحققت على حساب حقوق البشر، وطالما أن المتضررين تُركوا بلا إنصاف، ولا جبر ضرر، ولا بدائل تحفظ لهم الحد الأدنى من العيش الكريم.
في مناطق عديدة من سوريا، ومنها مدينة التل وضاحية الشام، تجلّت هذه الممارسات بأوضح صورها. إذ لم تقتصر الانتهاكات على استملاك مجحف، بل تعدّت ذلك إلى اغتصاب أراضٍ خارج أي إطار قانوني، ووضع اليد عليها، ثم إقامة أبنية سكنية ومشاريع لصالح جهات متنفذة وشخصيات نافذة خلال مرحلة النظام البائد. وقد أدّى ذلك إلى خلق مظالم عميقة، ونزاعات قانونية طويلة الأمد، وشعور متراكم بالغبن وفقدان الثقة بالمؤسسات العامة.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن المطالبات المتكررة من الأهالي، والحراك المجتمعي السلمي، أسهما في إيقاف العمل في عدد من المشاريع المخالفة. ويُسجَّل في هذا الإطار شكرٌ وتقديرٌ لمحافظة ريف دمشق، ولمحافظ ريف دمشق، ولكافة الجهات الرسمية المعنية، على استجابتهم لهذه المطالب، واتخاذهم خطوات إيجابية لوقف التجاوزات، في خطوة تُعدّ مؤشراً مهمًا على إمكانية تصحيح المسار عندما تتوفر الإرادة والمسؤولية.
غير أن إيقاف المخالفات، على أهميته، يبقى خطوة أولى لا ترقى وحدها إلى مستوى الحل الشامل. فالمطلوب اليوم معالجة جذرية لهذا الملف على مستوى وطني، تضع حداً لتكرار هذه الانتهاكات، وتعالج آثارها الممتدة، وتعيد الاعتبار لحقوق المتضررين دون استثناء.
إن الحل الحقيقي يبدأ بالاعتراف الصريح بأن الاستملاك، في كثير من حالاته، كان أداة ظلم لا أداة تنمية، وبأن إعادة الحقوق ليست منّة ولا إجراءً استثنائياً، بل واجب قانوني وأخلاقي لا يسقط بالتقادم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تشكيل لجان مستقلة ذات صلاحيات حقيقية، تتولى دراسة هذا الملف بكل شفافية وجرأة.
ويُشترط في هذه اللجان أن تضم، إضافة إلى القضاة والخبراء القانونيين، ممثلين عن المتضررين أنفسهم، لا وكلاء عنهم، ليكون صوت الألم حاضراً، ولتُنقل معاناة المتضررين بصدق، لا بلغة التقارير الجافة. كما يجب أن تضم هذه اللجان علماء دين عُرفوا بالصلاح والورع، ليسهموا في إرساء ميزان العدل من منظور أخلاقي وشرعي، ويؤكدوا أن اغتصاب الأرض وأكل حقوق الناس محرّم شرعاً، ولا يمكن تبريره بقانون أو مرسوم.
وتقوم مهمة هذه اللجان على التمييز الواضح بين حالتين أساسيتين:
الأولى، الأراضي التي وُضع اليد عليها خارج نطاق الاستملاك القانوني، والتي يجب إعادتها إلى أصحابها الشرعيين دون قيد أو شرط، لأن أي تسوية خلاف ذلك تُعد شرعنة للأمر الواقع.
والثانية، الأراضي التي جرى استملاكها أصولاً أو أُقيمت عليها منشآت مشغولة يصعب إزالتها، حيث يُصار إلى تعويض عادل وحقيقي، سواء من خلال تعويض مالي منصف، أو عبر بدائل عقارية مناسبة، تحفظ حق المتضرر، ولا تُكرّس الظلم بصيغة أخرى.
وفي هذا الإطار، يبقى الأمل قائماً بأن يحظى ملف استملاك الأراضي بالاهتمام والرعاية اللازمة على أعلى المستويات، بما يضمن حمايته من أي ضغوط أو تدخلات، ويكفل استقلالية مساره وعدالة مخرجاته. ومن هنا، يتطلع كثيرون إلى أن يحظى هذا المسار برعاية مباشرة من الرئيس أحمد الشرع، بما يمثّله ذلك من مظلة سياسية مسؤولة تعزّز الثقة العامة، وتؤكد جدية الدولة في إنصاف المتضررين، وتقطع الطريق أمام أي محاولة لتمييع الحقوق أو الالتفاف عليها. فالقضايا ذات الأثر العميق على السلم المجتمعي لا تحتمل المعالجات الجزئية، بل تحتاج إلى إرادة واضحة تضع حقوق الناس في صدارة الأولويات الوطنية.
إن معالجة ملف استملاك الأراضي ليست مسألة إدارية أو تقنية، بل هي استحقاق وطني وأخلاقي، واختبار جدي لإرادة الإصلاح وبناء دولة القانون. فالدولة التي تسعى إلى استعادة ثقة مواطنيها، لا يمكنها أن تتجاهل مظالم بهذا الحجم، ولا أن تؤسس مستقبلها على أنقاض حقوق غير مستردة. إنصاف المتضررين، وإعادة الاعتبار لحق الملكية، يشكلان حجر الأساس لأي استقرار حقيقي، وأي حديث صادق عن العدالة وسيادة القانون في سوريا
الثورة السورية



