أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

الوطنيات الجديدة المشغولة بذاتها/ سمير الزبن

07 يناير 2026

لم تنجح ثورات الربيع العربي في إيجاد بدائل من الأنظمة التي ثارت عليها. وكانت الشعارات تدعو إلى عودة السياسة إلى البشر وحقّهم في المساهمة في تقرير أيّ سياسة تمارسها هذه السلطة أو تلك، وأيّ بلد يكون بلدهم. صحيحٌ أن الثورات العربية فشلت في تحقيق شعاراتها، ولم تستطع أن تملك نموذجها الجديد الصالح للتطبيق، ولم تملك مشروعها البديل، لكنها كانت كاشفةً هشاشة الدول التي شهدتها. وقد تبين أن هذه الدول لم تملك أيّ لاصقٍ وطنيٍّ بين تكويناتها الاجتماعية أو الطائفية أو العشائرية، أو غيرها من الروابط تحت الوطنية والمتناقضة معها في حالاتٍ كثيرة. وقد وجدت هذه الروابط مجالاً للخروج إلى النور في بلدانها بعدما كانت هذه التعبيرات مسموحةً في الواقع، وممنوعة من التعبير عن ذاتها علناً. أي أن هذه الروابط اعتُمدت من السلطات التي حكمت هذه الدول، واستخدمتها في تعزيز سلطتها والصراعات المضبوطة من السلطة للتحكّم في المجتمع. هذا كان واقع الديكتاتوريات التي حكمت هذه البلدان عقوداً، في حالات سورية وليبيا واليمن.

كشفت ثورات الربيع، من بين كثير كشفته، أن البلدان العربية بلدان “لا وطنية”، بمعنى أنها لم تعمل يوماً على تأسيس هُويّة وطنية تكون اللاصق الوطني بين المواطنين المتساوين. وكأنّ الهُويّة الوطنية شكّلت خطراً حقيقياً على السلطات في هذه البلدان، فعملت لإطلاق شعارات مُعلَنة “فوق وطنية”، بينما كانت مؤسّسات السلطة في هذه الدول تعمل بقواعد مختلفة؛ لأن السيطرة تحتاج إلى التعامل مع البنى الداخلية لبقاء السلطة السياسية المُتحكّم الوحيد في البلد. فكانت هذه السياسات تعمل على التشكيلات الطائفية والقبلية والعشائرية، وهي تشكيلات “تحت وطنية”. والحفاظ الفعلي على هذه التشكيلات يخدم السلطة؛ لأن هذا النوع من التشكيلات الاجتماعية من المستحيل أن يطوّر مشروعاً وطنياً يهدّد السلطات الديكتاتورية في هذه البلدان.

طرحت هذه الديكتاتوريات شعارات تتجاوز “الوطنية”، على اعتبار أن هذه الوطنية التي تقوم على تقسيم البلدان العربية هي وطنيات مرذولة ولا تتناسب مع مكانة ووزن الأمة العربية التي قسّمها الاستعمار. فكانت شعارات الوحدة الكاذبة من السلطات في كلٍّ من سورية والعراق وليبيا واليمن. رغم أن الوحدات التي حصلت لم تتجاوز الوحدة السورية ـ المصرية، التي سرعان ما انحلّت لأنها لم تملك أيّ مقومات غير المشاعر السورية التي حملت سورية إلى الوحدة للخلاص من انقساماتها، والتي تعاملت معها السلطات المصرية بمنطق الاحتلال أكثر منها بمنطق الوحدة. ولا نبالغ عندما نقول إن السلطة المصرية هي التي أسّست الدولة الأمنية في سورية، والذي جاء حزب البعث في ما بعد، وحوّلها إلى وحش أمني.

وعندما لا تنجح هذه الشعارات يتم التحول إلى غيرها. والرئيس السوداني الأسبق، جعفر نميري، نموذج الديكتاتور المتمسّك بالسلطة، فقد انتقل، حسب الهوى، من الاشتراكية إلى القومية إلى الإسلام، وأصبح في فترة رئاسته الأخيرة يعتبر نفسه “أمير المؤمنين”. ومثل هذه التحوّلات حصلت في كل الديكتاتوريات العربية، وكلٌّ بأدائه الشخصي: صدّام حسين، معمّر القذّافي، حافظ الأسد، علي عبد الله صالح.

المسألة الأخرى التي كشفتها ثورات الربيع العربي أن الديكتاتوريات العربية عملت على تحطيم بلدانها، ليس في لحظات الصدام فحسب، بل قبل ذلك بكثير. أي أن الديكتاتوريات العربية كانت الأسوأ على مستوى العالم. فهناك كثير من الديكتاتوريات التي حكمت بلداناً أخرى، لكن أيّاً منها لم يصل فيها تدمير بلدها إلى المستوى الذي حطمت به هذه الديكتاتوريات بلدانها. زالت ديكتاتوريات من أميركا اللاتينية ومن آسيا، لكن البلدان لم تتحطّم بسقوط هذه الديكتاتوريات كما جرى في العالم العربي. ويمكن القول إنه لو كلّف العدو تدمير هذه البلدان لما وصلت حالها إلى الحالة التي تُركت فيها هذه البلدان في كلٍّ من سورية واليمن وليبيا والسودان والعراق.

كل ديكتاتور من هؤلاء أصابته عقدة عظمة جعلته يرى نفسه أكبر من بلده، وأخذ يبحث عن دور إقليمي أكبر، مثل ضمّ صدّام حسين الكويت إلى العراق فجلب كارثةً ليس على العراق فحسب، بل على المنطقة بأسرها. أو كما فعل حافظ الأسد في تدخله السافر في لبنان وفي الوضع الفلسطيني، أو معمّر القذّافي في التدخل في هذا البلد العربي أو ذاك، أو في البلدان الأفريقية.

سقطت الديكتاتوريات وتركت بلدانها حطاماً، وتبيّن أن هذه البلدان لا تملك أيّ هُويّة وطنية، ولا جامعاً فعلياً بين كتلها الاجتماعية. ومع سقوط السلطة الممسكة بالخيوط انفرط عقد هذه الخيوط، وتقدّمت التشكيلات “تحت الوطنية” التي لا تملك أيّ هُويّة وطنية لتحتّل الساحة العامة، وتفقد القدرة على إيجاد جامع وطني يجمع هذه التشكيلات لإنجاز أساس يمكن بناء وحدة البلد عليه.

الوطنيات الجديدة التي حاولت الخروج من هذا الحطام، والتي لم تنجح بعد، تشتغل بذاتها؛ بمعنى أنها جميعاً لم تستطع، على خلاف تجاربها، أن تضع الأسس لهذه الوطنية الجديدة. وما جعلها تعتبر أن الانسحاب من القضايا الأخرى هو شكل الوطنية الجديد. فعندما لا تجد البلاد هُويّتها الوطنية الذاتية، فإنها لا تعرف ما الذي تفعله في القضايا الأخرى التي تؤثّر بشكل مباشر في هذه البلدان، حتى لو لم تعتبر قضايا وطنية؛ لأن هذه البلدان لم تحدّد بعد قضاياها الوطنية، حتى تحدّد القضايا التي تمسّ مصالحها.

بالتأكيد، تحتاج الدول المُحطَّمة إلى إعادة بناء الوطنية الجديدة، حتى لا تبقى التشكيلات “تحت الوطنية” هي المُتحكِّمة في هذه البلدان، ما يفقدها وحدتها، ويذهب بها إلى صراعات داخلية لا تنتهي إذا لم تذهب إلى التقسيم. لكن هذه التجارب المشغولة بذاتها أكثر ممّا هي مشغولة بالوطن فعلاً، لا يمكنها أن تذهب إلى بناء وطنية جديدة من دون أن ترى التشكيلات الأخرى وتجد المشترك بينها. كما أن الوطنية لا يمكن بناؤها من دون العمل على القضايا المؤثّرة والحاسمة؛ فلا يمكن اعتبار القضية الوطنية، كالاحتلال الإسرائيلي، موضوعاً خارجياً لا يمسّ الوطنية الجديدة، أو يمكن بناؤها على أسس طائفية “سنّية” في مواجهة الآخرين، كما في الحالة السورية.

الوطنية الجديدة هي المهمة الجديدة والملحّة للخروج من الخراب، لكن هذه الوطنية أساسها المواطن من دون تمييز بسبب الدين أو الطائفة أو القومية، والذي يجب أن يكون محور بناء هذه الوطنية، وإلا فلن تكون هناك أوطان في المنطقة.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى