العلاقات السورية-الأميركيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

بعد رفع العقوبات.. كيف هي مقاربة واشنطن للملف السوري في 2026؟ تحديث 08 كانون الثاني 2026

لمتابعة مكونات هذا الملف اتبع الرابط التالي:

العقوبات الأمريكية عن سوريا وطرق رفعها

لمتابعة مكونات هذا الملف اتبع الرابط التالي:

الشرع و المقاتلين الأجانب و “داعش

——————————–

 بعد رفع العقوبات.. كيف هي مقاربة واشنطن للملف السوري في 2026؟/ سونير طالب

2026.01.06

مع بداية عام 2026، لا يدخل السوريون عامًا جديدًا بالمعنى التقليدي للكلمة. لا احتفالات واسعة ولا وعود كبيرة، بل حسابات يومية أكثر إلحاحًا: سعر الخبز، عدد ساعات الكهرباء، واستمرارية العمل في اقتصاد بالكاد يتنفّس. في هذا السياق المعيشي الضاغط، يبرز القرار الأميركي المتعلق بإلغاء «قانون قيصر» بوصفه تطورًا يتجاوز طابعه الإجرائي، ليطرح سؤالًا أوسع مع مطلع العام الجديد: هل نحن أمام تحوّل فعلي في مقاربة واشنطن للملف السوري، أم مجرد إعادة ضبط للأدوات بهدف منع الانهيار من دون فتح أفق حل شامل؟

لم يكن القرار الأميركي المتعلق بإلغاء «قانون قيصر» مجرّد خطوة تقنية أو استجابة ظرفية، بل جاء ليعكس تحوّلًا أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع الملف السوري. فبعد سنوات من الاعتماد على العقوبات كأداة ضغط رئيسية، تبدو الولايات المتحدة وقد انتقلت إلى نمط مختلف من الانخراط، يقوم على إدخال العامل الاقتصادي في صلب إدارة الاستقرار، لا بوصفه مدخلًا لحل سياسي شامل، وإنما كوسيلة لضبط التدهور ومنع الانزلاق نحو فوضى أوسع.

هذا التحوّل لا يعني تبدّلًا في الأهداف الاستراتيجية الأميركية بقدر ما يعكس إعادة ترتيب للأدوات بما يتلاءم مع واقع بات أكثر استقرارًا نسبيًا وأقل قابلية للتجاهل. فالعقوبات، رغم تأثيرها العميق على الاقتصاد السوري، لم تُنتج تغييرات سياسية جوهرية، في حين أسهمت في تعميق التدهور المعيشي، وتآكل البنى الإنتاجية، وارتفاع كلفة الإدارة اليومية للاقتصاد، ما أوجد بيئة أكثر هشاشة على المستويين الاجتماعي والأمني..

في هذا السياق، يصبح إدخال الاقتصاد في المعادلة وسيلة لإدارة الاستقرار لا لإطلاق مسار تعافٍ اقتصادي شامل. فالمقاربة الأميركية لا تشير إلى استعداد لدعم إعادة إعمار واسعة أو فتح الباب أمام تدفّق استثمارات كبرى، بل تكتفي بالسماح بتحسينات تدريجية ومضبوطة في القطاعات الأساسية، بما يضمن استمرار عمل مؤسسات الدولة، ويحدّ من التدهور الذي قد يتحوّل إلى عامل تفجير أمني أو سياسي يصعب احتواؤه لاحقًا.

على المستوى العملي، لا تُترجم هذه التحوّلات إلى تغييرات دراماتيكية في حياة السوريين، بل إلى فروقات صغيرة ولكن ذات دلالة: ورشة أُعيد فتحها بعد سنوات من التوقف، معمل يعمل لساعات أطول، أو حيّ يستعيد جزءًا من خدماته الأساسية. هذه التحسينات المحدودة لا تعني تعافيًا اقتصاديًا، لكنها تُشكّل الفارق بين الانهيار الكامل والاستمرار الهش، وهو الفارق الذي يبدو أنه بات محور الاهتمام الأميركي في هذه المرحلة.

وتقوم هذه المقاربة على استخدام الاقتصاد كأداة تنظيم وضبط، من خلال التحكم بمسارات التمويل، وتوسيع أو تضييق هوامش الحركة أمام الفاعلين الاقتصاديين، وربط أي تحسّن ملموس بدرجة من الاستقرار الأمني والإداري. فبدل العقوبات الشاملة التي تُضعف الجميع من دون تمييز، تتيح هذه الآلية لواشنطن التأثير بشكل أكثر انتقائية، يسمح بتخفيف الضغوط في قطاعات محددة، مع الإبقاء على القدرة على التدخل والتعديل عند الحاجة.

ومن هذا المنظور، تُقرأ إعادة الإعمار في الحسابات الأميركية بوصفها وظيفة أمنية بلباس اقتصادي، أكثر منها مشروعًا تنمويًا. فإعادة تشغيل شبكات الكهرباء والمياه، وتحسين البنى التحتية الخدمية، وإطلاق مشاريع محدودة لتوليد فرص عمل، تُعدّ وسائل لتقليص دوافع الاضطراب الاجتماعي وتعزيز القدرة على الضبط، من دون الانخراط في مسارات اقتصادية واسعة يصعب التحكم بإيقاعها أو آثارها السياسية.

ينسجم هذا النهج مع ما تُسميه أدبيات بناء السلام وإدارة ما بعد النزاع بـ«إعادة الإعمار الوظيفية»، إذ لا تُطرح عملية البناء بوصفها مسارًا لإعادة هيكلة الاقتصاد أو معالجة اختلالاته البنيوية، بل كوسيلة لتقليص مصادر التوتر المرتبطة بانهيار الخدمات وتفكك البنية التحتية وارتفاع معدلات البطالة. وضمن هذا الإطار، تُستخدم مشاريع إعادة الإعمار المحدودة كأدوات لامتصاص الصدمات، لا كرافعات للنمو المستدام.

كما يرتبط هذا التصور بمفهوم «القدرة الدولتية الدنيا»، الذي يركّز على الحد الأدنى من الوظائف التي يجب أن تكون الدولة قادرة على أدائها كي تبقى قابلة للاستمرار: تشغيل المؤسسات الأساسية، تحصيل الإيرادات، تقديم الخدمات الحيوية، وضبط المجالين الأمني والإداري. وبهذا المعنى، يصبح دعم التحسينات الاقتصادية المحدودة جزءًا من استراتيجية الحفاظ على هذا الحد الأدنى، لا خطوة نحو بناء دولة قوية أو اقتصاد متماسك.

غير أن هذا المسار الاقتصادي يبقى وثيق الارتباط بالبعد الأمني، خصوصًا في ظل محاولات تنظيم «داعش» استغلال المرحلة الحالية لإعادة تثبيت حضوره. فالهجمات المحدودة التي شهدتها بعض المناطق لا تعبّر عن عودة التنظيم كقوة سيطرة، بقدر ما تعكس نمط «بقايا التمرّد»، الذي يسعى إلى اختبار الجاهزية الأمنية واستثمار أي فجوة ناتجة عن التحولات الاقتصادية أو الإدارية الجارية.

في أدبيات التمرّد المسلّح، يُشار إلى هذا النوع من العمليات بوصفه «إشارات استراتيجية»، تهدف إلى إرسال رسائل سياسية وأمنية عالية الدلالة ومنخفضة الكلفة. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تحركات التنظيم الأخيرة باعتبارها محاولة للعب دور «الفاعل المُفسِد»، أي الطرف الذي يسعى إلى تعطيل أي نمط مستقر من إدارة الأمن أو الاقتصاد، عبر رفع مستوى عدم اليقين وزيادة كلفة أي ترتيبات قائمة.

وفي مواجهة هذا التهديد، يبرز التنسيق الأمني المحدود بوصفه خيارًا عمليًا أكثر منه مشروعًا سياسيًا. فالتقاطع في المصالح بين واشنطن ودمشق في ملف مكافحة «داعش» لا يرقى إلى مستوى الشراكة ولا يلغي الخلافات البنيوية، لكنه يفرض أنماطًا من التعاون البراغماتي، تقوم على تبادل المعلومات وضبط مناطق محددة ومنع تحوّل بعض الجغرافيا إلى مساحات مفتوحة أمام التنظيم.

هذا النوع من التعاون يبقى محكومًا بسقوف واضحة وقابلًا للتعديل وفق تطوّر التهديدات. فالهدف الأميركي يظل مرتبطًا بحماية وجوده المحدود ومنع تمدّد التنظيم، في حين يتركّز الهدف السوري على تثبيت السيطرة الأمنية ومنع إعادة تشكّل الشبكات المسلحة. وبين هذين الهدفين، يتشكّل تقاطع مصالح مؤقت، لا يؤسّس لمسار سياسي جديد، لكنه يسهم في إدارة المخاطر القائمة.

في المحصلة، لا يمكن توصيف العلاقة الحالية بين واشنطن ودمشق بوصفها شراكة أو مصالحة، كما لا يمكن اختزالها في إطار صراع مفتوح. إنها علاقة إدارة ملف، تقوم على التعامل مع الوقائع كما هي، وعلى استخدام أدوات اقتصادية وأمنية محسوبة، من دون افتراض حلول كبرى أو تحوّلات جذرية.

ومع دخول عام 2026، يفرض هذا النمط من الانخراط سؤالًا مركزيًا: إلى أي مدى يمكن لإدارة الاستقرار أن تبقى بديلًا عن البحث في جذور الأزمة؟ وهل يكفي تخفيف التدهور ومنع الانفجار للحفاظ على استقرار طويل الأمد، أم أن الاستقرار الذي لا يفتح أفقًا سياسيًا واقتصاديًا أوسع يحمل في داخله بذور هشاشته؟ وبين إدارة المخاطر وتأجيل الحلول، يبقى السوريون عالقين في منطقة رمادية: لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي. فهل يكون عام 2026 امتدادًا لهذا التعليق الطويل، أم بداية لاختبار حدود هذه المقاربة نفسها؟

تلفزيون سوريا

——————————–

لقاء فلوريدا يعيد تأكيد دعم واشنطن لمسار سوريا الجديد.. تصريحات ترامب المتفائلة نحو تفاهمات أمنية جديدة؟/ مها سلطان

ديسمبر 31, 2025    

جدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمه لسوريا وللرئيس أحمد الشرع، قائلا: “نريد أن نرى سوريا تنجو، لذلك رفعنا العقوبات عنها”. وأعرب ترامب عن أمله في أن تتوصل سوريا و”إسرائيل” إلى تفاهم، مؤكدا أن الرئيس الشرع يعمل بجد للقيام بعمل جيد. ولم ينس ترامب التذكير بأنه متفائل حيال التوصل إلى هذا التفاهم.

تصريحات ترامب جاءت مساء أمس الأول (الاثنين) عقب لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في منتجع مارالاغو/فلوريدا، مضيفا أنه يحترم الرئيس الشرع وهو “شخص قوي تحتاجه سوريا، وعلاقتنا به جيدة”.

هذه التصريحات يجددها ترامب بصورة دائمة، ورغم أنها تصريحات سياسية بالدرجة الأولى، إلا أن لها وجها اقتصاديا لا يخفى على أحد، خصوصا إذا ما أخذناها في السياق الأساسي الذي يعمل عليه ترامب، وكان عنوانه الأهم رفع العقوبات عن سوريا لإطلاق مسار الازدهار و”النجاة” وفق تعبيره.

ولأنها تصريحات جاءت متزامنة مع حفل إطلاق العملة السورية الجديدة، كان من الطبيعي ربطها مع مسار اقتصادي يوسع خطواته، ربطا بتحقيق استثمار كامل لعملية رفع العقوبات عن سوريا، والحديث هنا عن إلغاء قانون قيصر الذي وقعه ترامب مؤخرا.

فريق واسع من المراقبين اعتبر أن هذا التزامن يصب بشكل غير مباشر في خدمة قرار تغيير العملة لتتكامل مع عملية إلغاء عقوبات قيصر، ما يعني أن سوريا قد تشهد في المدى المنظور انطلاقة فعلية لعملية إعادة الإعمار، على اعتبار أن ترامب سيركز في المرحلة المقبلة بصورة أكبر على المسار السياسي لإنتاج “تهدئة/تفاهم” مع “إسرائيل”. وإذا ما تحققت التهدئة أو التفاهم الأمني، فهذا سيقود حتما إلى تهدئة ميدانية تعيد رسم خطوط الاستقرار في الجنوب السوري، وصولا إلى انطلاق مسارات التنمية في بيئة أعمال صحية وسليمة مدعومة بتدفق استثمارات ومستثمرين.

على الأكيد لم تكن سوريا هي الملف الوحيد على طاولة لقاء ترامب- نتنياهو، هنا غزة واليمن وإيران وغيرها من ملفات المنطقة المعروفة، لكن سوريا تبقى نقطة ارتباط أساسية بينها جميعا، لذلك عندما يجدد ترامب تصريحاته الداعمة لسوريا ولرئيسها الشرع فإن الرسائل المتضمنة لا تخفى على أحد، إقليميا ودوليا.

ورغم النظرة السائدة بأن حلحلة هذه الملفات لن تكون ممكنة في المدى المنظور، باعتبار أنها تزداد تعقيدا وتشابكا، إلا أن تتبع مسار اللقاءات بين ترامب ونتنياهو لا بد من النظر إليه تراكميا بمفاعيله الميدانية، خصوصا لناحية تصريحات ترامب حول تأييده ضربة لإيران (أو أي منطقة أخرى) في سبيل وضع ملفات المنطقة على سكة التسويات.

هذه اللقاءات لا تتم بصورة اعتباطية، لمجرد اللقاء فقط. صحيح أنه لا يتم قول الكثير في نهاية كل لقاء، ولكن لا يمكن بأي حال اعتبار أنها لقاءات فاشلة، أو أنها بلا اختراقات. وحتى لو افترضنا أنها بلا جدوى، ولم يتم اتخاذ أي قرار فيها، فإن مجرد انعقاد لقاء بين ترامب ونتنياهو هو في مضمونه يوجه رسائل إلى من يعنيه الأمر، بأنه يبنى على الشيء مقتضاه، وأن أي قرار- مهما كان- يمكن اتخاذه بأسرع مما يتوقعه الخصوم.

تفاؤل ترامب

حول ذلك، يقول الكاتب والمحلل السياسي الدكتور، سليم الخراط، في حديثه لـ”الثورة السورية”: لا يمكن بأي حال النظر إلى لقاءات ترامب- نتنياهو بأنها لقاءات ثنائية تخص أميركا و”إسرائيل”. إدارة ترامب ترى اليوم أن هناك حاجة ماسة لاستقرار المنطقة، وسوريا بشكل خاص، وبناء على ذلك يكثف ترامب جهوده ولقاءاته، وحتى رسائله، بما فيها تهديداته المباشرة لإيران.

ويشير الخراط إلى تلك الثقة التي يتحدث بها ترامب حول إمكانية تحقيق “تفاهم” بين سوريا و”إسرائيل”، وهذا يعني أن هناك ما يتم البناء عليه، وبما يدفع ترامب للتفاؤل. عندما يقول ترامب إنه متفائل، فهذا ليس تصريحا من فراغ، فنحن اعتدنا عليه أن يسمي الأشياء بمسمياتها، ولا يتردد في إطلاق التصريحات الفجة جدا في كل اتجاه. وعليه، عندما يقول ترامب إنه “شخصيا” يبذل قصارى جهده في سبيل أن “تنجو” سوريا، فهذا قد يعني، بالتفسير العام، أن ترامب سيضمن شخصيا هذه النجاة.

هذا يقودنا، وفق الخراط، إلى المسألة الاقتصادية، كون ترامب يعمل في اتجاهين: سياسي-اقتصادي. التزامن بين تصريحات ترامب التي جدد فيها الثناء على عمل الرئيس الشرع وجهوده، مؤكدا احترامه له، وبين إطلاق العملة السورية الجديدة، ليس بالتأكيد تزامنا مقصودا، لكنه في أحد وجوهه جاء ليصب تماما في تعزيز قوة هذه الخطوة، أي قرار تبديل العملة. فإذا كانت القوة العظمى في العالم، الولايات المتحدة الأميركية، تعمل في سبيل إرساء استقرار سياسي في سوريا (بالتوازي مع الأمني) فإنها تعمل أيضا على تثبيت الخطوات الاقتصادية للقيادة السورية، ومنها العملة الجديدة.

ويتابع الخراط: “إذا ما افترضنا أن إدارة ترامب تدعم العملة السورية الجديدة، فهذا يعني أن لا مخاوف عليها، بمعنى أنه يمكن للسوريين أن يطمئنوا لمستقبل عملتهم وبلادهم. ما بعد إطلاق العملة الجديدة شهدنا الكثير جدا من التحليلات التي تضمنت بعض المخاوف والتحذيرات من ثغرات اقتصادية لناحية التمويل والتغطية والتكاليف… إلخ. هذه المخاوف والتحذيرات ستكون بلا قيمة إذا ما كانت العملة الجديدة (وأي خطوة اقتصادية لاحقة) مدعومة من الولايات المتحدة الأميركية”.

مركزية سوريا

ويوضح الخراط أنه عندما يتم النظر إلى السياسات الأميركية في عهد ترامب بصورة أبعد من سوريا، وأبعد من اللقاء مع نتنياهو، وغير نتنياهو، فإن هذا يسمح لنا بتوسيع التفاؤل. الأمر هنا لا يتعلق بسوريا فقط وما تعتمده من انفتاح سياسي-اقتصادي، بل يتعلق بأميركا نفسها التي ترى في سوريا حاليا نقطة مركزية لحلحلة العقد المستعصية في المنطقة. لذلك نرى أن ترامب ينطلق من سوريا (واستقرار علاقاتها مع “إسرائيل”/التفاهم الأمني) لتوجيه ما يريده من رسائل للفاعلين الإقليميين والدوليين (خريطة الحلفاء والخصوم التي تبدلت كليا مع سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024)، وهي خريطة لا تزال تخضع للتغير والتغيير وفق الرسائل آنفة الذكر التي يرسلها ترامب بين فترة وأخرى. هذه الرسائل نفسها تتغير وفق التغيير الذي تحققه إدارة ترامب على الأرض، لذلك نراها تزداد حدة، بعد أن اتسمت ببعض التهدئة عقب الضربات العسكرية المتبادلة بين إيران و”إسرائيل” منتصف حزيران الماضي.

إدارة ترامب تدعم بصورة كاملة “إسرائيل”، هذا أمر لا جدال فيه، وهذا ما ظهر مجددا في لقاء ترامب- نتنياهو، ولكن ترامب يسعى لأن يكون هذا الدعم نقطة تدعيم لسوريا، ليس بالضرورة إسرائيليا ولكن على المستوى الأميركي. صحيح أن الانتهاكات الإسرائيلية ما زالت قائمة بشكل يومي في الجنوب السوري، وصحيح أن “إسرائيل” تواصل دعم مجموعات خارجة عن القانون، إلا أن الجميع يعلم أن ما يجري هو من نوع مراكمة أوراق التفاوض المستقبلية. ولكن عندما تقتضي المصالح الأميركية أن تجنح “إسرائيل” إلى “التفاهم” مع سوريا، فإنها ستفعل، خصوصا إذا ما كانت المكاسب الإسرائيلية أوسع مدى في مواضع أخرى من المنطقة. من هنا يمكن لسوريا أن تحقق مكاسب، وأن تحفظ أمنها ووحدة أراضيها.

ويؤكد الخراط أن لقاء ترامب- نتنياهو هذه المرة لا بد أن يكون قد توصل إلى قرارات، وإن لم يتم الإعلان عنها عقب اللقاء. ويشير إلى أننا قد نشهد في المرحلة المقبلة تنفيذا لها، خصوصا ما يتعلق بسوريا. ليس بالضرورة أن يكون الهدف هو سوريا تحديدا، ولكن المصالح الأميركية (الإسرائيلية) في المنطقة باتت على المحك، أو لنقل باتت في المنعطف المناسب الذي يستدعي تنفيذ القرارات، لذلك نقول إننا مع بداية العام قد نشهد تطورات مهمة في سوريا وفي المنطقة، لأن وقتها قد حان.

استباق النتائج

هناك من يرى أن بإمكان سوريا، وفق الدعم الأميركي المعلن، أن تعتمد سياسة “نصف عزل” بينها وبين ما يربطها بقضايا المنطقة. على الأقل يمكن للقيادة السورية في المرحلة المقبلة أن تعكس الاتجاه الذي اتسمت به سياساتها في العام الماضي، أي عامها الأول في السلطة، فتنطلق من الداخل، بمعنى تركز على تدعيم الجبهة الداخلية. وهذا متعلق بشكل أساسي بالنهوض الاقتصادي من جهة، ومن جهة ثانية أن تتخلص من “العامل الإسرائيلي” الذي يعرقل أمنيا عملية النهوض الاقتصادي.

إذا كان لقاء فلوريدا دفع ترامب باتجاه إعلان التفاؤل بخصوص “التفاهم الأمني”، فهذا يعني أن هناك أرضية تفاهمات مهمة تم التوصل إليها. ترامب تحدث بوضوح، ويبقى أن تتم ترجمة التفاؤل بإجراءات على الأرض تمنع الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب السوري، وتنهي الدعم الإسرائيلي للجماعات الخارجة عن القانون. ووفق المراقبين فإن ترامب إذا ما كان جادا يستطيع مقايضة نتنياهو على أوراق كثيرة، أهمها “العفو” الذي يسعى إليه نتنياهو أمام المحاكم الإسرائيلية، حيث يتدخل ترامب بصورة مباشرة في هذه المسألة.

ويعود المراقبون إلى نقطة التحول الأساسية في التحول الأميركي تجاه سوريا، والتي تمثلت في اللقاء الذي جمع الرئيس الشرع مع ترامب في 10 تشرين الثاني الماضي. منذ هذا اللقاء والمسار السوري يشهد تسارعا مهما لناحية خطوات الانفراج واتساع التفاؤل. وكان ترامب وقع في 18 كانون الأول الجاري على إلغاء عقوبات قانون “قيصر”، التي تصنف بأنها الأكثر قسوة وشدة في التاريخ على مستوى العقوبات التي تفرض على الدول.

في ذلك اللقاء وصف ترامب الشرع بأنه رئيس قوي لدولة في منطقة صعبة من العالم. هذا التصريح شكل في وقته تحولا لافتا على مستوى تصريحات ترامب، كان له ما بعده لناحية متانة الدعم الذي يعلنه ترامب لسوريا. لنذكر هنا بموقفه عقب ما سمي “هجوم تدمر” في 11 كانون الأول الجاري، وما تلاه من ضربات أميركية شديدة وموسعة ضد معاقل ميليشيا “داعش” في وسط وشرق سوريا.

ميدان الجنوب

بالتزامن مع لقاء ترامب- نتنياهو، نشر موقع “يوراسيا ريفيو-eurasiareview” مقالا استعرض فيه ما سماه استراتيجية إسرائيلية ثلاثية المسارات في سوريا: صناعة وقائع ميدانية في الجنوب الغربي، والتأثير في التوازن الداخلي السوري عبر علاقات انتقائية مع مجموعات خارجة عن القانون، واستكشاف ترتيبات أمنية دبلوماسية على الأرض دون تحمل كلفة احتلال طويل الأمد.

ويرى الموقع أن التحول الأبرز كان في النصف الثاني من هذا الشهر، والذي تمثل في تزامن هذه المسارات، إذ ترافقت الأنشطة البرية في القنيطرة وفي محيط منطقة الفصل الخاضعة لرقابة الأمم المتحدة مع تجدد الاهتمام بالدعم السري لمجموعات خارجة عن القانون في السويداء، ومع نقاش إسرائيلي علني أكثر صراحة حول “اتفاق” مشروط بحزام منزوع السلاح عميق يمتد إلى ما وراء خطوط 1974، بزعم منع اقتراب فاعلين معادين، وقطع مسارات السلاح، ومنع إعادة ترسخ قوى متحالفة مع إيران.

ويضيف الموقع: تتفاعل هذه التحركات بإحكام مع الرقعة الإقليمية الأوسع. فالولايات المتحدة محورية لأنها تسعى إلى الاستقرار واستمرارية مكافحة “داعش”، وفي الوقت نفسه تستكشف إمكان إدماج القيادة السورية الجديدة في اصطفاف إقليمي أقل عدائية، ربما حتى كشريك.

ويتحدث الموقع عن 3 مخرجات محتملة قريبة الأمد لما قد ينتج عن لقاء فلوريدا: تفاهم أمني مدار، وهو المرجح، بحيث يكون متعدد الطبقات يتضمن استعادة جزئية لآليات وقف النار وقنوات تفادي الصدام. المخرج الثاني هو التوافق على جمود مطول وتطبيع الوقائع الميدانية. والثالث أن يقود المخرج الثاني إلى تصعيد بسبب سوء التقدير.

لكن، يبقى تصريح ترامب في بداية كانون الأول الأرضية الأبرز، إذ حذر “إسرائيل” من أي خطوات قد تزعزع استقرار الدولة وقيادتها الجديدة. وقال ترامب على منصة تروث سوشال: “من المهم جدًا أن تحافظ إسرائيل على حوار قوي وحقيقي مع سوريا – هذه فرصة تاريخية”، داعيًا إلى الامتناع عن أي أعمال من شأنها أن تزعج سوريا أو تعرقل عملية إعادة إعمار استراتيجية للبلاد. وأكد أن الهدف هو تجنب التصعيد والحفاظ على استقرار المنطقة.

الثورة السورية

———————————

2025: عام ترامب واستراتيجيته للأمن القومي/ موفق نيربية

لا يوجد ما يدلّ على أن هنري كيسنجر عانى من أي شكل من الخَرف في تسعينياته، ولا حتى في مئويته، لقد بقي مرجعاً للكثيرين في الرأي والمشورة، كما بقي استفزازاً مزمناً لآخرين أيضاً. هذه «التحية» تأتي بمناسبة الاستشهاد بما قاله حول دونالد ترامب، خلال الفترة الأولى لرئاسته: «قد تكون إحدى تلك الشخصيات التاريخية في العالم، التي تظهر بين الحين والآخر لتعلن نهاية حقبة، من خلال إجبار النظام الدولي القائم على مواجهة ضعفه، والتخلّي عن ادّعاءاته السابقة». أعتقد أن هذه الشهادة لا بدّ أن تدحض الملاحظات المستعجلة حول ترامب على الأقل، خصوصاً بعد أن بدأت سياساته وفلسفته السياسية تتبلور بالتدريج.

كان صدور استراتيجية الأمن القومي بنسختها الأخيرة (نسخته) إضاءة ممتازة على تلك السياسات. جرى التركيز في الاستراتيجية على القضايا الأكثر أهمية للمصلحة الوطنية الأمريكية، وعلى أن السلام تؤمّنه القوة وتأمين سلاسل الإمداد التي توصل إلى المعادن النادرة والحيوية للقوات المسلّحة، مع إعطاء أهمية خاصة للاقتصاد القويّ. كما تميل الاستراتيجية إلى إحياء وتكريس مبدأ عدم التدخل بما يموّه ميلاً لنوع جديد من الإمبريالية غالباً. وتدعو إلى «واقعيّة مرنة» لا يُستغرب فيها الانسحاب من ميدان صراع ما غير مفيد، أو يكلّف غالياً، معارضاً بذلك مبدأ المحافظين الجدد المتعلّق بالهيمنة المطلقة.

وتبرز في الاستراتيجية معالم نبرة معادية للمنظمات الدولية ولكل ما هو عالمي أو عولمي لمصلحة الأمة والدولة الأمة وملحقاتها القديمة، من حيث السيادة وتوازن القوى. وتترجم مبدأ «أولوية الأمم» هذا بإعطاء الأولوية للولايات المتحدة ومبدأ «أمريكا أولاً». تؤكد الاستراتيجية، بالاتّجاه ذاته: القديم المؤسّس- على ضرورة إعادة توطين الصناعة، بعد أن تمّ تصديرها إلى مناطق أخرى سابقاً. وفي الإدارة والتوظيف، تؤكّد على توجّهات برزت في أوائل العام للاعتماد على الكفاءة وحسب، مع التخلّي عن إضافات «العدالة» و»ضمان التعدْدية»، على سبيل المثال. كما وضعت الاستراتيجية أساساً لسياسات الإدارة الأمريكية الحالية في حقل التجارة الدولية، وضرورة منع الخلل في الموازين التجارية، ونقل التكنولوجيا، وما استغلّته القوى الدولية الأخرى، من تسامح الولايات المتحدة وعدم استفادتها من قوّتها التي تكلّفها غالياً.. هذا باختصار.

تبعت إعلان تلك المبادئ سلسلة من عواصف النقد، كانت إدارة ترامب قد حصّنت نفسها منها على طريقتها. من ذلك بروز التركيز على القوة العسكرية، وتهميش الدبلوماسية والقوة الناعمة، وما قد ينتج من ازدياد في حدة النزاعات والصراعات وعددها. كذلك انتُقد انتهاج مبدأ « أمريكا أولاً»، بما يعنيه من تفتّت التحالفات والشراكات مع الانفراد والعزلة. وتناول آخرون السياسات الاقتصادية والتجارة والمساواة، بين الخصوم والشركاء في فرض الرسوم الجمركية العالية والمرتجلة أحياناً، من حيث نسبتها المتغيّرة أيضاً. وبالطبع لم يكن هنالك أيّ توفير لسياسات ترامب في مجال البيئة وتغيّر المناخ، والمغامرة التي تُدخل بها العالم كلّه، وتهدّد أمنه واستقراره ومستقبله عموماً، على المدى المتوسّط أو الطويل على الأقل.. كما تناول المنتقدون سياسات الهجرة والحدود بتجلّياتها الفظّة، وتأجيجها لخطاب الكراهية، التي ستخلق مناخاً مواتياً للتطرّف بكل أشكاله، وتعزّز حظوظ اليمين الفاشي بالصعود أكثر وأكثر. أشار بعضهم أيضاً إلى مخاطر الانسحاب من الاتّفاقات والمنظّمات الدولية، وما يمكن أن يجرّه ذلك على عالم ما بعد الحرب الثانية وأخلاقياته في السلم والتعاون بين الأمم.

ومن حيث الشكل، انتقد كثيرون لهجة التصعيد والتوتير والفوقية، والتغييرات المفاجئة في السياسة، وإعطاء الأولوية للمكاسب السريعة والقصيرة الأجل على حساب الاستقرار العالمي وروح التعاون والدبلوماسية، على المدى الطويل.

في التطبيق، قسّمت الاستراتيجية العتيدة العالم إلى خمس مناطق، أعادت من خلالها تقسيم العالم من جديد. بذلك تمثل استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 تحولاً جذرياً، إذ تُعطي الأولوية لنصف الكرة الغربي (الأمريكتين) كأولوية قصوى شغلت 28% من القسم الخاصّ بتقسيمات المناطق الاستراتيجية، وتُوسّع نطاق مبدأ مونرو الموَجّه بالسبّابة المرفوعة إلى أوروبا، وأيّ أمل لها بعودة نفوذها في تلك المنطقة، وبإضافة «ملحق ترامب» لمكافحة الهجرة والمخدرات والنفوذ غير الأوروبي أيضاً، بما معناه «هذه لي من دون أيّ شريك». تليها في الأهمّية منطقة المحيطين الهندي والهادئ، التي شغلت أقلّ من النصف بقليل ووضعت الصين في مركز اهتمامها وتفصيلاته.

وبعد أن تأخذ افريقيا 14% بثرواتها المعدنية ممّا يُفترض أنّه حجم التركيز الاستراتيجي، ينخفض الاهتمام بأوروبا، التي لم تشغل إلّا 4% من النصّ المتعلّق بالمناطق الخمس التي أحاطت الاستراتيجية بها. أشار النصّ أيضاً إلى أن انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الكبير فيها يعود جزئياً إلى اللوائح الوطنية وعبر الوطنية التي تقوّض الإبداع وروح المبادرة. في حين يقابِل هذا التراجعَ أفقٌ قاتم يتمثّل في أفول حضاري!

كذلك، من المشاكل التي تواجهها أوروبا: أنشطة الاتحاد الأوروبي وهيئات أخرى عابرة للحدود التي تقوّض الحرية والسيادة وحرية التعبير وقمع المعارضة السياسية – في إشارة إلى مقاومة المدّ اليمينيّ المتطرّف، وانهيار معدلات المواليد، خصوصاً إلى سياسات الهجرة التي تُغيّر ملامح القارة وتُنشئ صراعات متفاقمة، وتؤدي إلى فقدان الهويات الوطنية والثقة بالنفس. «وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فستصبح القارة غير قابلة للتعرّف عليها خلال عشرين عاماً أو أقل. وفي ظل هذه الظروف، ليس من الواضح إطلاقاً أن دولاً أوروبية ستمتلك اقتصاداً وجيشاً قويين». بالمعيار الميكانيكي، تأخذ أوروبا اهتماماً أقل بقليل ممّا أخذه الشرق الأوسط، ورغم ذلك لا يزيد حجم معالجة «منطقتنا»، أو متابعتها كثيراً عن 5% من الفصل المتعلّق بمناطق العالم.

تشرح الوثيقة كيف كان الاهتمام الأمريكي مركّزاً في الشرق الأوسط لعقود، لأنه كان أكبر مورّد للطاقة في العالم، وساحة أولى للتنافس الدولي والصراعات القابلة للانتقال إلى بقية العالم، وحتى إلى الولايات المتحدة ذاتها. ثمّ تعددت مراكز إنتاج الطاقة، وتصدرت الولايات المتحدة العالم. وتابعت إدارة ترامب الاهتمام بإحياء التحالفات في الخليج ومع دول عربية أخرى، ومع إسرائيل من دون شك.

لكنّ مشاكل الشرق الأوسط قد تخافتت، وأصبحت أقل خطورة بكثير، مع ضرب قدرة إيران الاستراتيجية من خلال عملية «مطرقة منتصف الليل» التي قام بها ترامب في منتصف العام، ما أضعف أيضاً البرنامج النووي الإيراني.

وعلى الرغم من كون الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني ما زال معقداً « لكن بفضل وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن الذي تفاوض عليه الرئيس ترامب، تحقق تقدم باتجاه سلام أكثر ديمومة. كما أُُضعف أبرز داعمي حركة حماس»، أو لعلّهم انسحبوا من تموضعاتهم السابقة. وكان لافتاً ما جاء في النصّ حول سوريا أيضاً، وهي التي «تبقى مشكلة محتملة»، لكنها قد تستقر، «بدعم من الولايات المتحدة والدول العربية وإسرائيل وتركيا، وتستعيد مكانتها كطرف فاعل وإيجابي متكامل في المنطقة»… وبالطبع سوف يحتاج هذا إلى تكريس التطبيع- الإبراهيمي- في المنطقة، وتوسيع مساحته. عندئذ سوف يسود فيها السلام من جهة، وتتحمّل بنفسها أعباء حماية الممرات المائية ومصادر الطاقة ومكافحة الإرهاب. ومن هنا يبدو أن عنوان الفصل هذا قد جاء: «نقل الأعباء وتحقيق السلام»!

وسيظل للولايات المتحدة مصلحة رئيسية في «ضمان ألا تقع إمدادات الطاقة في الخليج في أيدي عدو معلن، وأن يظل مضيق هرمز مفتوحاً، وأن يبقى البحر الأحمر سالكاً للملاحة، وألا تصبح المنطقة حاضنة أو مصدّرة للإرهاب ضد المصالح الأمريكية أو الأراضي الأمريكية، وأن تبقى إسرائيل آمنة. وعلى الرغم من أنه تبقى المساهمة مهمّةً في مواجهة هذا التهديد على المستويين الأيديولوجي والعسكري، من دون الانخراط في عقود من حروب «بناء الأمم» الفاشلة.

ولو كان وارداً، لأُطلِق على العام هذا اسم «عام ترامب»، بعجائبه التي لا يعلم أحد إلى أين ستودي بالعالم، سلباً أو إيجاباً.

كاتب سوري

القدس العربي

———————————

شيفرون” ومنطقة الساحل.. الطاقة بوصفها مدخلًا لإعادة التموضع الدولي/ عزيز موسى

2 يناير 2026

في خطوة تتقاطع فيها الجغرافيا مع خطوط الطاقة الدولية، يبرز حضور شركة “شيفرون” الأميركية بوصفه إشارة تتجاوز الاستثمار الاقتصادي إلى أبعاد سياسية وجيوسياسية أوسع، فالاهتمام المتزايد بالساحل السوري بما يمتلكه من موقع استراتيجي وإمكانات طاقوية غير مستثمرة، تعيده إلى واجهة حسابات الشركات الكبرى وصنّاع القرار في شرق المتوسط، في سياق تحوّلات إقليمية تعيد ترتيب أولويات الطاقة والنفوذ.

عقدة الطاقة

تُظهر تجارب ما بعد النزاعات أن الاستثمارات الكبرى، ولا سيما في قطاع الطاقة، لا تتحرك بمعزل عن غطاء سياسي وحسابات استراتيجية. وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة الاجتماع الذي عُقد في 2 كانون الأول/ديسمبر في دمشق، بحضور الرئيس أحمد الشرع مع المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك ومسؤولين في شركة “شيفرون” بوصفه اجتماعًا تقنيًا فقط، بل كإشارة أولية إلى مسار تفكيك تدريجي للعزلة، تُستخدم فيه الأدوات الاقتصادية كبوابة لإعادة التموضع الدولي.

يرى الخبير والمستشار المصرفي، عامر شهدا، أن دخول شركة “شيفرون” إلى السوق السوري يجسد أهمية كبيرة في تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية استراتيجية، وينسحب ذلك على حل حزمة من المشكلات المالية والنقدية والاجتماعية، إضافة إلى ما يمنحه من وزن سياسي غير مباشر. وأشار إلى أن “شيفرون” هي شركة عالمية متعددة الجنسيات يعمل فيها 45 ألف موظف، غالبيتهم في الولايات المتحدة، تتمتع بحصة سوقية كبيرة على مستوى العالم من حيث إدارة عقود توزيع النفط والغاز وحفر الآبار وعمليات التكرير، تبلغ قيمتها السوقية 350 مليار دولار، ويقدّر العائد السنوي لاستثماراتها نحو 20%. وبالتالي، فإن الشركة بإمكانها تقديم الكثير لسوريا على صعيد تعزيز أمن الطاقة والنمو الاقتصادي والابتكار، بالإضافة إلى توفير طاقة موثوقة منخفضة الكربون وبأسعار معتدلة.

فيما يعتقد الباحث في قضايا الاقتصاد الكلي والمجتمعي، عبد العظيم المغربل، أن دخول “شيفرون” حتى لو بدأ كمباحثات هو إشارة “اعتماد” للسوق بأن قطاع الطاقة السوري أصبح قابلًا للتعامل مع شركة غربية كبرى، ما يرفع التوقعات حول عودة التمويل والخدمات التقنية. وأضاف أن التركيز على الساحل السوري يأتي من بوابة الاستكشاف البحري واحتمالات الغاز التي تعدّ أقل تعقيدًا من ملفات الحقول البرية شرقًا، التي تتداخل فيها السيطرة والأمن وسلاسل الإمداد، كما أنه يوفر ارتكازًا لوجستيًا (مرافئ وخدمات بحرية)، ويسمح ببناء بنية تحتية للطاقة يمكن أن تترجم سريعًا إلى تحسين كهرباء وصناعة إذا توفرت الشروط.

الساحل السوري: الموقع والفرصة

يؤكد الخبير شهدا أن الوجهة الأساسية للشركة هي الساحل السوري لوجود أربع بلوكات من النفط والغاز، إذ إن الشركة ستقوم بداية بعمليات استكشاف، في ظل المعلومات عن وجود بلوك مشترك بين سوريا ولبنان وإسرائيل وآخر بين سوريا وقبرص. وتتمثّل النقطة الأهم في اختيار الساحل، باعتباره عقدة المرور لخطوط الغاز والنفط بما يرتبط بالبعد الجيوسياسي، إضافة إلى وجود مجموعة من خطوط نقل الطاقة الأخرى (خط كركوك بين العراق وسوريا، الخط الموجود على بئر حيان في سوريا، إضافة إلى خط الغاز القطري) التي يرتبط تصديرها بالموانئ السورية. بالتالي، فإن هذه الخطوط تحتاج إلى إدارة احترافية، ويمكن للشركة أن تقوم بإدارتها من خلال إدارة عقدة الأنابيب والإشراف على تصدير الغاز الوارد منه، إذ إن سوريا تعد معبرًا أساسيًا لخطوط نقل الغاز والنفط ومنطقة جغرافية ذات بعد استراتيجي؛ وعليه، لا بد من وجود تفاهمات لتنظيم المشاريع المستقبلية التي تمتد في المنظور القريب وليس البعيد.

ويضيف شهدا أن أهم استراتيجيات الشركة تكمن في تعزيز أمن الطاقة، والذي سينعكس إيجابًا على الوضع الاقتصادي السوري، وبالتالي هذا يمكن من تسريع عجلة التعافي الاقتصادي عن طريق استثماراتها التي لا ترتبط بقطاع الطاقة فقط بل تمتد إلى قطاعات أخرى، إضافة إلى تحقيق النمو الاقتصادي، خاصة في قطاعات الزراعة والسياحة التي يعتمد عليها الساحل بشكل أساسي وشهدت تراجعًا خلال 14 عامًا الماضية.

ولفت شهدا إلى أن دخول “شيفرون” يأتي لتعويض هذه الخسارات ولتأمين فرص العمل لأبناء الساحل والقيام بمشاريع بنى تحتية، إذ إن 40% من العمالة ستكون من قبل الشركة، ما يوفر بالتالي آلاف فرص العمل ويخفض مستويات البطالة ويرفع الطلب الكلي على الاستهلاك، وهذا يدفع لضرورة تأمين البنى التحتية والخدمات لهم، إضافة إلى إقامة مشاريع لإنشاء مجمعات سكنية للعمال، وهذا يتطلب عمالة كبيرة على المستوى المهني والتقني والطاقوي.

كما تركز شيفرون على دعم الابتكار، إذ تمتلك مدارس وثانويات مهنية خاصة، تشمل كل ما يتعلق بقطاعات النفط والطاقة من إدارة وربط الأنابيب وتصدير النفط والآبار والمصافي والتكرير، وهذا يعني وجود حاضنة ثقافية مهنية يمكن تقديمها، إضافة إلى تبني الابتكارات التي تفتح آفاقًا علمية أمام الساحل السوري، وقدرة الشركة على توفير طاقة منخفضة الكربون، فسوريا لغاية اليوم ليس لديها رصيد كربوني.

ورأى شهدا أن التوسع بإنشاء مصافي للتكرير وتسييل الغاز يزيد من ضغط الانبعاثات الكربونية ويرفع رصيد سوريا الكربوني، بما يحقق موارد بمئات ملايين الدولارات، من خلال بيع الرصيد الكربوني لسوريا عن طريق منصة الكربون العالمية خاصة بعد حضور سوريا مؤتمر (COP30).

في المقابل، لفت الباحث المغربل إلى أن أي تقدم فعلي نحو الاستكشاف والتطوير قد ينعكس عبر زيادة توفير الغاز للكهرباء، وتخفيض كلفة الطاقة على المصانع والخدمات، وهذا أحد أسرع مسارات التعافي الواقعي في سوريا. وأضاف أن وجود شركة بحجم “شيفرون” يخلق “تأثير قاطرة”، بمعنى يجذب شركات خدمات ومقاولين وتمويلات مرافقة، ويقلل علاوة المخاطر لأن المستثمرين يميلون للاسترشاد بخطوة لاعب كبير. أما سياسيًا، فإن ملف الطاقة في شرق المتوسط مرتبط بالنفوذ الإقليمي، لذلك نجاح المشروع يتطلب غطاءً سياسيًا واستقرارًا لقواعد اللعبة، وإلا بقيت الاستثمارات رهينة الإشارات السياسية، لا الجدوى الاقتصادية فقط.

حسابات العبور وتحدياتها

يؤكد الخبير عامر شهدا أن استثمار سوريا لموقعها الجغرافي بإمكانية عبور خطوط نقل الطاقة العالمية يدفع بالضرورة نحو إيجاد استقرار سياسي وأمني، بالتالي حرص الدول الشريكة على عمليات الضخ ومد الأنابيب والحرص على استقرار الأمن، ما يجعل البلاد تمتلك ورقة ضغط سياسية من خلال النفط والغاز، نظرًا لارتباط الاقتصاد بالسياسة، وبالنظر لأهمية شركة “شيفرون” في الأسواق المالية الدولية، سينعكس ذلك إيجابًا من خلال ذكر اسم سوريا في الأسواق المالية العالمية.

واعتبر شهدا أن ذلك سيدفع باتجاه إمكانية اندماج البلاد بشكل أكبر مع النظام المالي العالمي، ورفع تصنيفها الائتماني السيادي، وفتح آفاق المراسلات المصرفية وتشجيع المصارف على تمويل التجارة الخارجية السورية، فضلًا عن الحصول على تمويلات ائتمانية طويلة الأجل، فالانعكاس على المستوى النقدي سيكون إيجابيًا، في حال تم إيجاد الإدارة السورية الصحيحة، وفي نسج شبكة علاقات سليمة مع المؤسسات والأسواق المالية العالمية.

ويضيف شهدا أن أهم التحديات التي ستواجه الشركة غياب الكوادر المؤهلة والقادرة على العمل ضمن هذا الحجم من الشركات، لا سيما فيما يخص عمليات ضخ الغاز والنفط لناقلات النفط، وهو ما يتطلب مهارات مهنية خاصة بريًا وبحريًا، لذلك يتم الاستفادة من مدارس الشركة ومعاهدها المهنية وتوقيع اتفاقيات شراكة مع الجامعات والمعاهد في الساحل لإنشاء كادر مهني للعمل، وبالتالي انعدام المخاطر في هذا الجانب، نظرًا لأن الشركة ملتزمة بتحقيق أمنها الذاتي بما يخلق استقرارًا اجتماعيًا وأمنيًا في الساحل.

أما على مستوى البيئة التشريعية والاقتصادية، فإن العقود الدولية تخضع للقانون الدولي وليس للقانون المحلي، وهذا يتبع لشروط العقد ومرجعية الفصل ومرجعية العقد والقضاء، ويمكن الرجوع لغرفة التجارة الدولية والاحتكام لأعراف التجارة العالمية وقانون العقود العالمي، في ظل أهمية ارتباطات الشركة وعلاقاتها. كما أن إلغاء “قانون قيصر” يُسهّل عمليات التحويل وبناء العلاقات مع المصارف السورية، وباعتبار أن أسواقها خارجية، فإن المخاطر معدومة على اعتبار أن أسواق التصريف خارجية، إلا في حال وجود تسويق داخلي، وهذا يستلزم بناء تشريعات جديدة من خلال مجلس تشريعي.

من جانبه، يختم الباحث عبد العظيم المغربل، حديثه مشيرًا إلى أن أكبر التحديات تتعلق بمخاطر السمعة والتأمين والتمويل البحري، وهذه عوامل قد تؤخر المشروع أو ترفع كلفته حتى قبل بدء الحفر. أما تشغيليًا، فتبرز تحديات البيانات الجيولوجية والخدمات البحرية والبنية التحتية، وحاجة لهيكل تعاقدي واضح لتقاسم الإنتاج والضرائب وحماية المستثمر وتسوية النزاعات، والحل يكون عبر إطار تشريعي شفاف وحديث، وعقود معيارية قابلة للتحكيم، نافذة واحدة للتراخيص، وضمانات مدفوعات وتحويلات ضمن قنوات ممتثلة، مع إدارة بيئية ومجتمعية تقلل الاحتكاكات.

—————————————

عودة “داعش”/ عبسي سميسم

28 ديسمبر 2025

بالتوازي مع العمليات المتتالية التي قامت بها القوى الأمنية في الحكومة السورية بالتعاون مع التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، ضد تنظيم داعش خلال الأيام القليلة الماضية، والتي أسفرت عن اعتقال كل من والي دمشق ووالي حوران في التنظيم، بالإضافة إلى القبض على خلايا للتنظيم في حلب، شهدت مناطق سيطرة الحكومة السورية نشاطاً ملحوظاً لـ”داعش” تجلّى بعمليات استهداف لعناصر من الجيش والأمن والجمارك السورية، بالإضافة إلى معلومات عن ظهور لعناصر التنظيم على بعض الطرقات في ريف محافظة إدلب الشرقي ونصب حواجز طيارة لمدة قصيرة للبحث عن منتسبين للجيش والأمن السوريين. كل ذلك يؤشر إلى استعادة التنظيم قدرته على التحرك ضمن الجغرافيا السورية، في الفترة التي تلت سقوط نظام بشار الأسد، وبشكل خاص في الفترة التي أعقبت انضمام سورية للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.

ولعل أبرز الأسباب التي ساعدت “داعش” على العودة بقوة إلى الساحة السورية، هي المرتبطة بالوضع الذي نشأ بعد سقوط نظام الأسد، وفي مقدمتها حل الأجهزة الأمنية، بما فيها أجهزة الأمن الداخلي وإنشاء منظومة أمن جديدة كلياً، لا تمتلك الكوادر البشرية ولا الخبرة الكافية للتعاطي مع الوضع الأمني المعقّد في البلاد. هذا الأمر ساعد التنظيم على التغلغل ضمن الجغرافيا السورية بشكل كبير وإعادة تشكيل خلايا في مناطق كان يصعب عليه اختراقها، فالمنظومة الأمنية السابقة رغم أنها كانت تقوم على القمع والاستبداد إلا أنها كانت قادرة على الضبط الأمني الذي يمنع اختراقات كبيرة للتنظيم. كما أن السرعة وعدم التدقيق بأفواج المنتسبين الجدد للمنظومة الأمنية الجديدة، ربما سمحا لـ”داعش” باختراق المنظومة الأمنية ذاتها. يضاف إلى ذلك انتشار السلاح العشوائي خارج إطار الدولة، وتراخي الدولة في سحب هذا السلاح لأسباب متعددة، ما مكّن التنظيم من امتلاك الأسلحة اللازمة للقيام بعمليات تستهدف الدولة ونقلها. ويبقى السبب الأهم في تنامي قدرة “داعش” هو ضعف الإمكانات والخبرة الاستخباراتية لدى الحكومة السورية، والتي غالباً ما تستعين بخبرة التحالف الدولي أو أجهزة استخبارات صديقة تقدم معلومات للدولة السورية وفق مصالحها.

هذه الأسباب وغيرها المرتبطة ببعض التنظيمات التي كانت حليفة لـ”هيئة تحرير الشام”، ولم يتناسب التغيير الحاصل في سورية مع أيديولوجيتها، تنذر بتنامي عمليات “داعش” وغيره من المجموعات الإرهابية ما لم تُعالج أسباب نموه، وما لم توجد آليات فعالة للقضاء عليه

العربي الجديد

———————————

معنى “داعش” بوصفه خطاباً/ محمد أبو رمان

28 ديسمبر 2025

ما تكشفه حادثة تفجير مسجد في حمص يوم الجمعة الماضي، في منطقة ذات غالبية علوية، وتبنّيها عبر ما تُسمّى “سرايا أنصار السُّنة” التي يُرجَّح أنها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أو امتداد له، وما تُشير إليه عملية تدمر قبلها (قُتل فيها أميركيون وجُرحوا، وبالرغم من أن “داعش” لم يتبنَّها صراحة، إلا أن بصمته الأيديولوجية حاضرة فيها)، لا يتوقف عند حدود العمليات نفسها، ولا عند عدد القتلى أو هُويَّة المُنفِّذين، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق بكثير: لماذا يبدو التنظيم قادراً دائماً على التسلل إلى لحظات الانتقال، والتقاط الفجوات، وتحويل الأزمات المُركَّبة إلى وقود تعبوي؟

المشكلة الأساسية في فهم “داعش” أنه ما زال يُختزَل في التنظيم نفسه، في عناصره وخلاياه وعملياته، بينما الحقيقة أنه لم يعد مجرّد بنية عسكرية يمكن تفكيكها، بل بات، قبل كلّ شيء، خطاباً. خطابٌ يتغذّى من الارتباك السياسي، ومن الشعور بالخذلان وغياب الدولة المكتملة، ومن صراع السيادات المفتوح. كلّما اتّسعت هذه الفجوات، وجد التنظيم فيها مساحةَ حياةٍ جديدة، حتى وهو مطارد ومحدود القدرة.

ولعلّ أحد الأسباب الرئيسة اليوم في تعزيز البيئة المُحفِّزة لتنظيم داعش، الدور الإسرائيلي، وخصوصاً في ظلّ حكومة بنيامين نتنياهو؛ إذ لم يعد مجرّد عامل خارجي يمكن وضعه بين قوسين. فالضربات المتكرّرة داخل الجغرافيا السورية، والتعامل مع سورية ساحةً مفتوحةً للرسائل الإقليمية، يترك أثراً سياسياً ونفسياً عميقاً في الداخل السوري؛ ليس لأن الشارع السوري يمنح “داعش” شرعيةً، بل لأن صورة الدولة القادرة على فرض سيادتها تتآكل، ولو تدريجياً. ولا يحتاج هذا التآكل “داعش” أكثر من الإشارة إليه، فالتنظيم لا يبني شرعيته على إنجازاته، بل على إخفاقات الآخرين.

في المقابل، تبدو المقاربة الأميركية لمكافحة الإرهاب أسيرة منطق تقني – أمني ضيّق: تركيز على الضربات، وعلى تفكيك الخلايا، وعلى إدارة الخطر، لا على إنهائه. هذه المقاربة قد تُضعف “داعش” عسكرياً، لكنّها لا تلامس الأسباب التي تجعله قابلاً للعودة. فالولايات المتحدة لا تتعامل مع “داعش” بوصفه نتيجة سياق سياسي واجتماعي معطوب، بل بوصفه ظاهرةً أمنيةً يمكن احتواؤها. وهنا المشكلة الكبرى.

الأصعب أن النظام السوري الجديد في وضع شديد الحساسية؛ فهو، من جهة، مضطرٌّ إلى الانخراط في الجهود الأميركية لمكافحة الإرهاب، ليس قناعة بالضرورة، بل لأن هذا المسار يشكّل بوابة الشرعية الدولية ومخرجاً من العقوبات التي تخنق الاقتصاد وتُضعف الدولة من الداخل. ومن جهة أخرى، يضعه هذا الانخراط في ظلّ استمرار الدور الإسرائيلي، مباشرة في مرمى خطاب “داعش”، الذي لا يحتاج سوى هذه الصورة ليُعيد تشغيل مفرداته التقليدية عن “التحالف مع الكفّار” و”الخيانة” و”الردّة”.

يجيد “داعش” هذا النوع من الاستثمار. وهو لا يخاطب المجتمع كلّه، بل فئة محدّدة، وغالباً مهمّشة أو مرتبكة أو غاضبة: شريحة من الشباب السوري التي لم تستطع التكيّف مع التحوّلات الكبيرة التي شهدتها البلاد بعد سقوط نظام الأسد، ولا مع تحوّلات “هيئة تحرير الشام”، واتجهت نحو خطاب أكثر براغماتية وأقلَّ راديكالية. هذا التحوّل، مهما كانت دوافعه السياسية، ترك فراغاً نفسياً وفكرياً لدى من اعتادوا خطاباً صدامياً واضح الحدود.

هنا يصبح الخطر الحقيقي أبعد من مجرّد عملية أو خلية. الخطر هو قدرة التنظيم على إعادة إنتاج نفسه بوصفه “معنى”، بوصفه خطاباً، وبوصفه حالةَ احتجاج عنيفة ضدّ واقع مرتبك. فما تحتاجه سورية اليوم ليس مكافحة الإرهاب فقط، بل استعادة فكرة الدولة نفسها: دولة تمتلك جيشاً وطنياً موحّداً، قادراً على فرض نفوذها في كامل الإقليم، لا دولةً تتقاسمها مناطق نفوذ ورعاة خارجيون. تقوية الجيش الوطني السوري وتوحيد السلاح تحت مظلّته ليسا مسألةً تقنيةً، بل مسألة سياسية وجودية. حين يشعر المواطن أن الدولة هي المرجعية الوحيدة، يتراجع خطاب التنظيمات تلقائياً.

في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل البعد السياسي والاجتماعي. فالشباب الذين يجدون أنفسهم خارج المعادلة، بلا أفق اقتصادي ولا معنى سياسي، سيبقون الفريسة الأسهل لأيّ خطاب متطرّف. فتح المجال العام، وإعادة الاعتبار لفكرة المواطنة، وخلق مسارات واقعية للاندماج والمشاركة، ليست ترفاً، بل جزء من الأمن الوطني.

العربي الجديد

———————————

هل يملك التحالف الدولي استراتيجية القضاء الكامل على “داعش”؟/ معاذ الحمد

بين الاستئصال والاحتواء: ماذا تريد واشنطن من تصعيدها العسكري في البادية السورية؟

2025-12-27

تتباين القراءات حول طبيعة العملية العسكرية الأميركية الواسعة الجارية في وسط وبادية سوريا، بين من يراها جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد للقضاء على تنظيم “داعش”، ومن يعتبرها رداً انتقامياً مضبوط الإيقاع وحدود الفعل. ففيما يؤكد مختصون أن الإطار القانوني الدولي لا يسمح بحملة استئصال شاملة ومفتوحة، يشير محللون عسكريون إلى امتلاك التحالف أدوات عملياتية تتيح له خوض عمليات طويلة الأمد، بينما يرى باحثون في الشؤون الدولية أن الهدف الأميركي يتركز على إضعاف التنظيم ومنع تمدده، لا القضاء النهائي عليه.

وهذا التباين يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما يجري في البادية السورية يمثل بداية حسم شامل ضد “داعش”، أم مجرد إدارة مدروسة للتهديد؟

هجوم تدمر: شرارة التصعيد وحدود الرد

جاء التصعيد العسكري الأميركي عقب هجوم استهدف قافلة مشتركة لقوات أميركية وقوات سورية حليفة قرب مدينة تدمر في 13 كانون الأول/ديسمبر الجاري، وأسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومترجم مدني وإصابة ثلاثة آخرين، في هجوم نُسب إلى خلايا مرتبطة بتنظيم “داعش” تنشط في البادية السورية.

ويرى الدكتور علاء النشوع، المحلل العسكري الاستراتيجي، في تصريحات لـ”963+” أن هذا الهجوم شكّل عامل تسريع لعمليات كانت أصلاً قائمة ضمن استراتيجية أميركية مستمرة منذ عام 2014، مؤكداً أن واشنطن تعتمد على الرصد الاستخباري طويل الأمد لتحركات التنظيم في البادية السورية وامتداداتها، وأن العمليات الأخيرة تأتي ضمن مسار تحجيم القدرات ومنع تنفيذ هجمات تهدد الاستقرار أو القواعد الأميركية.

في المقابل، يوضح المعتصم الكيلاني، المختص في القانون الدولي وحقوق الإنسان، في تصريحات لـ”963+” أن هذا النوع من الهجمات “يتيح قانونياً الرد الدفاعي المؤقت فقط، استناداً إلى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، مشدداً على أن الرد على هجوم مسلح يختلف جذرياً عن السعي إلى القضاء الكامل على تنظيم مسلح داخل دولة ذات سيادة”.

أما عصام خوري، كبير باحثي المركز التشيكي السلوفاكي للدراسات الشرقية، فيعتبر في حديثه لـ”963+” أن واشنطن أرادت من هذه الضربات “توجيه رسالة انتقام أولى عقب مقتل جنودها، أكثر من كونها إعلاناً عن معركة حسم نهائي”، لافتاً إلى أن توقيت العملية وأسلوبها “يعكسان رغبة في تثبيت الردع لا توسيع المواجهة”.

استئصال أم إضعاف ممنهج؟

أعلنت القيادة المركزية الأميركية إطلاق عملية واسعة استهدفت بنية “داعش” التحتية، شملت عشرات المواقع في البادية السورية باستخدام مقاتلات ومروحيات هجومية وذخائر دقيقة، في نطاق جغرافي امتد بين ريف الرقة الشرقي وريف دير الزور الغربي وريف حمص الشرقي.

ويؤكد النشوع أن هذا النمط من العمليات يعكس مقاربة عسكرية تقوم على استهداف القيادات ومراكز الثقل العملياتي بدل الانخراط في مواجهات ميدانية مفتوحة، معتبراً أن شلّ مراكز القيادة والإمداد كفيل بمنع التنظيم من إعادة بناء قدراته، حتى دون السيطرة المباشرة على الأرض.

لكن الكيلاني يحذّر من الخلط بين إضعاف تنظيم مسلح والقضاء الكامل عليه، موضحاً أن “الاستئصال يتطلب سيطرة أمنية طويلة الأمد، وملاحقة شاملة للبنية التنظيمية والفكرية، وهو ما يستلزم أساساً قانونياً دولياً أقوى، مثل تفويض صريح من مجلس الأمن أو موافقة رسمية من الحكومة السورية، وهو ما لا يتوافر حالياً”.

من جانبه، يرى خوري أن الاستراتيجية الأميركية “لا تهدف أصلاً إلى تفكيك داعش كتنظيم أيديولوجي، بل إلى منعه من السيطرة على مناطق هشة أمنياً أو موارد اقتصادية قد تمنحه استقلالية مالية”، مشيراً إلى أن “واشنطن تدرك صعوبة القضاء على تنظيم قائم على عقيدة دينية دون شراكة إسلامية معتدلة فاعلة على الأرض”.

رسائل القوة وحدود التأثير

شملت الضربات مناطق واسعة من البادية السورية، واستهدفت مخازن أسلحة ومقرات قيادة ومواقع لوجستية، وسط تقديرات بمقتل عدد محدود من عناصر التنظيم، بينهم قائد خلية للطائرات المسيّرة.

ويعتبر النشوع أن التركيز على الجغرافيا الصحراوية يعكس فهماً لطبيعة عمل “داعش”، الذي يعتمد على المساحات المفتوحة والفراغ الأمني، لافتاً إلى أن “توجيه ضربات دقيقة في هذه المناطق يحدّ من حرية حركة التنظيم ويمنع تحوله إلى تهديد عابر للحدود”.

في المقابل، يرى الكيلاني أن هذه الخسائر، مهما كانت مؤثرة عسكرياً، “لا تغيّر من الطبيعة القانونية للعمليات، التي تبقى محكومة بمنطق الرد الدفاعي، ولا ترقى إلى مستوى حملة استئصال مشروعة دولياً”.

أما خوري، فيربط بين حجم الخسائر المحدود وطبيعة الرسائل السياسية للعملية، معتبراً أن “الهدف هو تثبيت معادلة ردع إقليمية، لا فتح جبهة استنزاف جديدة، خصوصاً في ظل حسابات واشنطن المتعلقة بحلفائها وتوازناتها مع قوى إقليمية ودولية”.

نحو توسعة أم ضبط الصراع؟

أشارت تقارير إلى مشاركة سلاح الجو الأردني في ضربات ليلية، إضافة إلى معلومات عن عمليات مشتركة مع القوات السورية عقب هجوم تدمر.

يرى النشوع أن هذا التنسيق يعكس قدرة التحالف على بناء شبكة عملياتية إقليمية قادرة على دعم عمليات طويلة الأمد، مؤكداً أن التعاون الاستخباري والعسكري مع دول الجوار يشكّل عنصر قوة في مواجهة التنظيم.

لكن الكيلاني يشدد على أن “أي تنسيق غير معلن أو غير موثق قانونياً لا يمنح شرعية كاملة للعمل العسكري”، مؤكداً أن “غياب إعلان رسمي من الحكومة السورية يبقي العمليات في منطقة رمادية من حيث الشرعية الدولية”.

من جانبه، يقرأ خوري مشاركة الأردن كرسالة سياسية مفادها أن “قوى عربية إسلامية معتدلة ستكون شريكاً في رسم مستقبل أمني لسوريا خالٍ من الفكر الجهادي المتطرف”، معتبراً أن “هذا التوجه يخدم استراتيجية واشنطن في دعم قوى الاعتدال، لا فرض حسم عسكري شامل”.

إدارة التهديد أم القضاء عليه؟

تتقاطع آراء الخبراء الثلاثة عند نقطة أساسية: ما يجري في البادية السورية لا يرقى، حتى الآن، إلى مستوى حملة استئصال كاملة لتنظيم “داعش”. فبين القيود القانونية التي تحكم الفعل العسكري، والمقاربة العملياتية التي تفضّل الإضعاف على السيطرة، والحسابات السياسية والإقليمية التي تضبط سقف التصعيد، تبدو استراتيجية التحالف الدولي أقرب إلى إدارة التهديد ومنع تمدده، لا إنهائه جذرياً.

وعليه، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثّل هذه العمليات تمهيداً لتحوّل استراتيجي أوسع، أم أنها حلقة جديدة في سياسة الاحتواء طويل الأمد؟ الإجابة، وفق معطيات اللحظة، تميل إلى الخيار الثاني.

+963

———————————

 بين “عين الصقر” وسوريا الجديدة.. قراءة خارج منطق المؤامرة/ صهيب جوهر

2025.12.26

من السهل، في منطقة مثقلة بالهزّات والدماء، أن يُعاد تفسير كل حدث أمني كبير باعتباره جزءاً من لعبة دولية خفية، أو مؤامرة مُحكمة تُدار من غرف سوداء. لكن الأصعب، والأكثر ضرورة اليوم، هو تفكيك الوقائع كما هي، وربطها بسياقاتها السياسية والأمنية الحقيقية، بعيداً عن الإسقاطات الجاهزة. من هذا المنطلق، تأتي الضربات الجوية الأمريكية الأخيرة في سوريا، ضمن عملية أُطلق عليها اسم “عين الصقر”، كحدث يستدعي قراءة هادئة، لا تنكر الأسئلة المشروعة، لكنها ترفض الانزلاق نحو روايات تبريرية أو تبسيطية.

الولايات المتحدة أعلنت أن عمليتها استهدفت أكثر من سبعين موقعاً مرتبطاً بتنظيم الدولة الإسلامية، شملت بنى تحتية، ومخازن أسلحة، ومواقع نشطة للتنظيم. وترافق ذلك مع مشاركة مباشرة من سلاح الجو الأردني في ضرب أهداف للتنظيم جنوبي سوريا، في رسالة إقليمية واضحة حول استمرار التنسيق الأمني في مواجهة الخلايا المتبقية للتنظيمات المتطرفة. كما جاء التصعيد بعد هجوم مسلح في محيط تدمر أدى إلى مقتل جنديين أمريكيين ومترجم مدني، وهو ما شكّل، عملياً، نقطة التحول التي أطلقت الرد العسكري.

هنا بدأ السؤال التقليدي يتردد: إذا كانت واشنطن تعرف بوجود هذا العدد من الأهداف والمواقع النشطة، فلماذا لم تتحرك سابقاً؟ ولماذا عاد تنظيم الدولة إلى الواجهة الآن تحديداً؟ هذه الأسئلة، وإن كانت مشروعة، سرعان ما جرى تحميلها ما يفوق معناها، لتغذية سرديات تقول إن التنظيم يُترك لينمو حيناً، ويُضرب حيناً آخر وفق الحاجة السياسية.

غير أن التحليل الواقعي يُظهر صورة مختلفة. فالعقيدة الأمنية الأميركية، عبر الإدارات المتعاقبة، ثابتة إلى حد كبير: أي استهداف مباشر لأفراد أو أصول أمريكية يستدعي رداً سريعاً، قاسياً، وغير متناسب، ليس بالضرورة في إطار استراتيجية مكافحة شاملة، بل في إطار تثبيت الردع وإعادة رسم الخطوط الحمراء. وعليه، فإن عملية «عين الصقر» تُفهم أولاً كرسالة ردعية انتقامية، أكثر منها تعبيراً عن انتقال نوعي في استراتيجية الحرب على تنظيم الدولة.

هذا لا يعني أن التنظيم لم يكن موجوداً قبل ذلك، ولا أن الولايات المتحدة لم تكن على دراية بنشاطه، بل يعني أن التعامل معه كان جزءاً من إدارة مخاطر محسوبة، إلى أن تحوّل التهديد إلى استهداف مباشر للأميركيين. الفارق هنا جوهري بين جهد أمني طويل النفس، يحتاج إلى شراكات محلية وبناء قدرات، وبين رد عسكري فوري غايته الردع والقصاص.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل موقف الدولة السورية الجديدة، التي أعلنت التزامها بمحاربة تنظيم الدولة، ودعت صراحة الولايات المتحدة والتحالف الدولي إلى منع تحوّل الأراضي السورية إلى ملاذات آمنة للتنظيم. هذا الموقف لا يُقرأ كخطاب سياسي فقط، بل كإقرار واقعي بحجم التحدي الذي تواجهه دمشق في مرحلة انتقالية معقّدة، حيث ما تزال مؤسسات الدولة في طور إعادة البناء، وتفتقر إلى أدوات السيطرة الكاملة على الجغرافيا، خصوصاً في مناطق صحراوية شاسعة شكّلت تاريخياً بيئة رخوة لعمل التنظيمات المتطرفة.

إدارة الرئيس أحمد الشرع ورثت دولة منهكة، وأجهزة أمنية وجيشاً أعيد تشكيلهما في ظل ظروف استثنائية، وهو ما يفسّر محدودية الدور العسكري السوري في العمليات الأخيرة. لكن هذا الواقع لا يعني غياب الإرادة، بل يعكس فجوة قدرات مؤقتة، يجري العمل على معالجتها عبر مسار سياسي وأمني تدريجي، يراهن على استعادة الدولة لوظيفتها المركزية، لا على إدارة الفوضى أو التعايش معها.

أما المشاركة الأردنية، فهي امتداد طبيعي لدور عمّان في التحالف الدولي، ولحساسيتها الأمنية المباشرة تجاه الجنوب السوري. الأردن لم ينتظر الضربة الأميركية ليبدأ التحرك، بل كان منخرطاً في مواجهة أنشطة التهريب والتسلل عبر الحدود خلال الأشهر الماضية. غير أن مشاركته الجوية في «عين الصقر» حملت بعداً إضافياً: تأكيد الجاهزية، وتذكير بأن التنظيم يشكّل تهديداً مباشراً للأردن، الذي ما زالت ذاكرة حادثة إحراق الطيار الأردني حاضرة في وعيه الأمني والسياسي.

يبقى السؤال الأهم: هل تركت الولايات المتحدة فراغاً أمنياً سمح للتنظيم بالنشاط؟ جزئياً نعم، لكن ليس بدافع التوظيف، بل نتيجة تردد أوسع في حسم العلاقة مع الدولة السورية الجديدة. داخل واشنطن، تتقاطع رؤيتان: واحدة ترى أن دعم سلطة مركزية سورية قوية، مستقرة، وقادرة على ضبط أراضيها، يخدم المصالح الأميركية ويحدّ من تمدد الفوضى. وأخرى متشائمة، تفترض أن سوريا مقبلة على مرحلة عدم استقرار طويل، وتفضّل إدارة المشهد عبر توازنات محلية متناثرة، بما ينسجم مع القراءة الإسرائيلية للأمن الإقليمي.

حتى الآن، تبدو الكفة مائلة لمصلحة الرؤية الأولى، خاصة في ظل وجود إدارة أميركية تميل، على الأقل مرحلياً، إلى إعطاء فرصة للحكم الجديد في دمشق، مدعومة برغبة إقليمية في إعادة دمج سوريا اقتصادياً وسياسياً. من هنا، فإن استمرار تنظيم الدولة كتهديد كامن لا يخدم هذه المقاربة، بل يضعفها، ويفرض على واشنطن عاجلاً أم آجلاً الانتقال من منطق الضربات الظرفية إلى منطق الشراكة الأمنية الفعلية.

الخلاصة أن ما جرى في «عين الصقر» لا يؤسس لعودة تنظيم الدولة، ولا يؤكد نظرية إدارته من الخارج، بل يكشف هشاشة المرحلة الانتقالية، وحجم التحدي أمام سوريا الجديدة. والرهان الحقيقي اليوم ليس على الغارات، بل على قدرة الدولة السورية، بدعم إقليمي ودولي، على ملء الفراغ، واستعادة السيادة الأمنية، وتحويل محاربة الإرهاب من رد فعل خارجي إلى وظيفة سيادية داخلية. هنا فقط، يُغلق الباب فعلياً أمام التنظيمات المتطرفة، وتُسحب الذرائع من دعاة المؤامرة قبل غيرهم.

تلفزيون سوريا

———————————

قيادة في الظل وخلايا في العلن: كيف أعاد داعش تشكيل نفسه بعد سقوط الباغوز؟/ أحمد الجابر

تحولات “داعش” بين المركزية الخفية واستثمار الفراغ السوري

2025-12-26

بعد انهيار “دولة الخلافة” المكانية في الباغوز عام 2019، لم ينهزم تنظيم “داعش” بشكل حاسم، بل دخل في مرحلة جديدة من التحوّل الاستراتيجي والعملياتي التي تعكس قدرته على التكيّف والبقاء في بيئات غير مستقرة، على الرغم من فقدانه لسيطرته على الأراضي.

وتشير التقديرات الحديثة إلى استمرار وجود آلاف العناصر الفاعلين على الأرض في كل من سوريا والعراق، بالإضافة إلى آلاف آخرين محتجزين في السجون ومخيمات شمال شرق سوريا، ما يشكّل تهديداً أمنياً قائماً إذا ما أُتيح لهم الفرار أو إعادة التنظيم.

في سوريا، يشهد التنظيم عمليات تموضع وإعادة تنظيم عبر خلايا صغيرة وهجمات متفرقة، تتراوح بين عبوات ناسفة وهجمات ضد قوات الأمن أو أطراف مقاتلة، مع محاولات لاستغلال حالة الفراغ الأمني والسياسي المستمرة في بعض المناطق. كما أظهرت الأحداث الأخيرة تورط داعش في الهجوم الذي أسفر عن مقتل عسكريين أميركيين وسوريين بالقرب من تدمر في كانون الأول/ديسمبر الجاري.

وعلى الصعيد الدولي، ما زال تنظيم داعش قادراً على إلهام وتنظيم هجمات في الخارج من خلال هيكليته اللامركزية وأيديولوجيته التي تنتشر عبر الإنترنت، كما ظهر في هجمات وحشية في دول بعيدة مثل أستراليا، ما يؤكد أن نفوذه لا يزال قائماً رغم الخسائر الكبيرة في قدراته التقليدية.

هذه التطورات الأخيرة تؤكد أن تنظيم “داعش”، وإن تغيّر شكله الوظيفي من تنظيم يسيطر على الأرض إلى شبكة خلايا ومقاتلين متناثرين، لا يزال يشكل تهديداً أمنياً مركباً يتغذّى على الفراغات السياسية، الضعف الاقتصادي، والتراكمات الاجتماعية في سوريا والعراق وخارجهما. وتجعل تقاطعات هذه العوامل من تقييم خطر التنظيم مسألة تتجاوز مجرد عدّ الأفراد، لتشمل فهم طبيعة الشبكات، الأيديولوجيا، والعلاقات الإقليمية والدولية التي تسمح له بالاستمرار حتى عام 2025 وما بعده.

قيادة التنظيم وتحولاته بعد الباغوز

يقول حسن أبو هنية، الخبير في الجماعات الإسلامية بمعهد السياسة والمجتمع، والمقيم في الأردن، في حديثه لـ”963+”: إن هجمات تنظيم “داعش” في مناطق سوريا تعكس واقعاً معروفاً، إذ يشير إلى أن قيادة التنظيم موجودة أساساً في سوريا، ويضيف أن هذه القيادة هي التي تشرف على جميع الولايات الخارجية التابعة للتنظيم في إفريقيا وجنوب آسيا وفي العالم أجمع.

ويؤكد أن التنظيم، بعد أن خسر آخر جيب له في الباغوز عام 2019 وفقد السيطرة المكانية، تحول مباشرةً وبمرونة من تنظيم مركزي إلى تنظيم لا مركزي، غير أن هذه اللامركزية لا تعني غياب المركزية بالكامل، بل تعني وجود قرار مركزي مع تنفيذ لا مركزي، أي أن الأمر لا يُترك لكل خلية أو فرد ليعمل من تلقاء نفسه، كما يوضح.

ويتابع أبو هنية موضحاً أن التنظيم انتقل إلى نمط حرب الاستنزاف وحرب العصابات، بدلاً من الحرب الكلاسيكية التي كان يخوضها خلال فترة سيطرته المكانية. وينوه إلى أن التنظيم لا يزال يعمل بطريقة مركزية، رغم وجود خلايا تتمتع بنوع من الاستقلالية في التنفيذ، وليس في اتخاذ القرار.

ويشير إلى أن القرار يبقى مركزياً، وهو ما ينعكس بوضوح في الجهاز الإعلامي للتنظيم، ويمكن ملاحظته من خلال إصدارات مثل صحيفة “النبأ”، حيث يبين أن التنظيم يصدر أوامر وقرارات محددة تتعلق بالأهداف وأساليب الضرب، سواء في سوريا والعراق أو في بقية الفروع.

وفي السياق ذاته، يلفت أبو هنية إلى ظاهرة بدأت تتشكل في سوريا وقد تكون خطيرة، وهي ظاهرة “الذئاب المنفردة”، موضحاً أنها لا تتكون من خلايا منظمة، ولا ترتبط تنظيمياً بتنظيم “داعش”، لكنها قد تكون متأثرةً بأيديولوجيته أو مستاءةً من الواقع القائم.

ويعتقد أن ما حدث في تدمر في 13 كانون الأول/ديسمبر، والذي أسفر عن مقتل ثلاثة أميركيين، بينهم جنديان ومترجم، نفذه شخص متأثر بالفكر المتطرف، وليس بالضرورة مرتبطاً هيكلياً بالتنظيم.

ويضيف أن الأوضاع الحالية في سوريا، من تدهور اقتصادي، وغياب إعادة الإعمار، إضافةً إلى التوغلات الإسرائيلية وتعدد الأجندات، كلها عوامل تدفع كثيراً من الناس إلى الإيمان بأيديولوجيا تنظيم “داعش”، حتى دون وجود تواصل تنظيمي مباشر. ويرى أن التنظيم ما زال موجوداً في مناطق الفراغ الأمني، ويُقدَّر عدد عناصره ما بين ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف، إضافةً إلى خلايا أمنية داخل المدن.

ويؤكد أبو هنية أن التنظيم لا يحتاج إلى إعادة بناء نفسه، لأنه قائم بالفعل، ويشرف على ولايات خارجية، ولديه ميزانيات وبنية تنظيمية، وقيادة ممثلة بأبي حفص الهاشمي، إضافةً إلى مسيّرين أيديولوجيين ومصادر تمويل، مشدداً على أن جميع عناصر التنظيم الأساسية موجودة ولم تغب حتى تعود.

ويعتبر أن مستوى التهديد الذي يشكله “داعش” مرتبط بقدر التهديد الذي تواجهه سوريا نفسها، فكلما فشلت المراحل الانتقالية، ومع استمرار التدخلات الإقليمية والدولية، توفرت البيئة المناسبة لتنظيم الدولة وغيرها من التنظيمات.

ويشير إلى أن الأمور لا ترتبط بقدرات تنظيم الدولة وحدها، بل بالواقع السياسي والاجتماعي العام، مستشهداً بما حدث في الثورة السورية عام 2011، التي بدأت سلميةً، لكن العنف والتدخلات الخارجية أدت إلى ولادة “داعش” و”القاعدة” وعشرات الجماعات المسلحة.

ويختتم حديثه بالقول إن الخشية الحقيقية تكمن في حالة عدم اليقين السائدة في سوريا، وغياب الوضوح، ووجود الكيانات الانفصالية، والتدخلات الخارجية، والفقر، والبطالة، والبؤس، وكلها عوامل تساعد “داعش”، مؤكداً أن قوة التنظيم موضوعية وليست ذاتية، وأنه يستثمر في الاختلالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية القائمة.

تفكك التنظيمات وتوازنات القوة

يقول طلعت طه، المحلل السياسي وخبير الشؤون العربية، والمقيم في القاهرة، إن خلايا “داعش” أو التنظيمات “الداعشية” الموجودة حالياً في الأراضي السورية قد تكون على تنسيق مع تنظيمات أخرى في الأراضي العراقية.

ويشير لـ “963+” إلى أن بريطانيا قامت بتجريم هذه التنظيمات وفرضت عقوبات عليها وعلى أفرادها، بينما قامت الولايات المتحدة، إلى جانب القوات العراقية، ومع تغييب الدور السوري عن المشهد، بتتبع هذه التنظيمات وضربها.

ويرى طه أن التنظيم لا يزال منسقاً بشكل كبير، ويطرح تساؤلاً حول مصادر تلقيه السلاح والدعم المادي، في حال عدم وجود تغطية كبيرة له. ويشير إلى فرضية تقول إن الولايات المتحدة، كلما حاولت الخروج من المشهد، عادت التنظيمات للظهور، ما يدفع واشنطن للعودة مجدداً إلى المنطقة.

ويضيف أن الأمر تكرر في العراق، حيث حاولت أميركا الانسحاب فظهرت التنظيمات، كما تكرر في سوريا، إذ حاولت التراجع عن المشهد تحت ذريعة الدفاع عن الأراضي السورية والحكومة الجديدة، لكن مع بروز هذه الحكومة، عادت التنظيمات الداعشية للظهور، ما يبرر استمرار الوجود العسكري والسياسي الأميركي.

ويؤكد طه أن للتنظيم حالياً هيكلاً مركزياً، رغم أن هذه المركزية ما زالت مجهولة الاسم والقيادة، ولا يُعرف من يتولى زمام الأمور. ويشير إلى أن عدد التنظيمات انخفض، إذ كان يقارب الثمانين، ثم انشق منها أربع أو خمس تنظيمات أو ثلاث مجموعات أصبحت متصلةً ببعضها بهدف اكتساب قوة أكبر.

ويتابع أن تصاعد عمليات “داعش” ليس رداً مباشراً على الحملات العسكرية والأمنية ضده، كما يرى بأن التنظيم يحاول حالياً استجماع قواه أو إعادة تنظيم نفسه ليكون له دور أو وزن.

ويعتبر طه أن تنظيم “داعش” اليوم أقل قوةً مما كان عليه سابقاً، وأنه أصبح أضعف، كما تقلصت الحدود التي يمكنه التحرك عبرها أو استقطاب عناصر جدد من خلالها. لكنه، في الوقت نفسه، يؤكد أن له حضوراً لا يزال قائماً، ولا يمكن الجزم بأنه أضعف أو أقوى بشكل مطلق، لأن ذلك يرتبط بنوعية السلاح والعتاد والدعم الذي يمتلكه. حيث إن المسألة لا تتعلق بعدد الأفراد أو حجم التنظيمات، بل بما تمتلكه من أسلحة وعتاد ودعم خارجي.

+963

—————————–

 داعش وقسد.. أدوار متغيّرة في سوريا/ عدي محمد الضاهر

2025.12.26

منذ انحسار تنظيم داعش جغرافيًا في سوريا والعراق، ارتكب كثيرون خطأ التعامل مع هذا الحدث بوصفه نهاية التنظيم، في حين الواقع أن ما انتهى فعليًا هو شكل واحد فقط من أشكال داعش، أما التنظيم كفكرة ووظيفة فقد دخل مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة؛ مرحلة لا تقوم على السيطرة المكانية ولا على إدارة المدن، بل على استثمار الفوضى، وإعادة إنتاج التوتر، والعمل داخل المناطق الرمادية التي لم تُحسم سياسيًا ولا عسكريًا حتى الآن.

وفي الحالة السورية تحديدًا، لا يبدو أن داعش يتحرك وفق منطق “العدو البعيد” أو “العدو العقائدي” بقدر ما بات يتحرك وفق منطق اللحظة السياسية، مستهدفًا نقاط الضعف، ومبدّلًا خطابه وتكتيكاته بما يخدم بقاءه كفاعل مزعج.

فالتغير في خطاب التنظيم داخل سوريا، والذي يركّز على تصوير الحكومة السورية الجديدة بوصفها متعاونة مع الولايات المتحدة، ووصفها بمصطلحات مثل “الصحوات”، لا يمكن فصله عن محاولة واعية لإعادة إنتاج شرعية العنف داخليًا، وكسب ولاءات جديدة، وتحويل الصراع من مواجهة خارجية بين فاعلين أو أكثر إلى اقتتال داخلي طويل النفس. وهي استراتيجية معروفة في تاريخ التنظيمات المتطرفة عندما تخسر قدرتها على المواجهة المباشرة؛ إذ يصبح الهدف ليس السيطرة بل منع الاستقرار لتحقيق نفوذ.

وفي هذا السياق، تصبح لغة التهديد أداة تُستخدم لإعادة فرز المجتمع، وزرع الشك، ودفع الأطراف المحلية إلى صدامات تستنزف الجميع، وتخلق بيئة مناسبة لعودة التنظيم إلى قدرته على السيطرة المكانية.

التحول الخطابي وحالة اللاحسم

بموازاة هذا التحول الخطابي، لا يمكن تجاهل أن استمرار ظهور داعش في مناطق معينة من دون غيرها يرتبط بشكل وثيق بحالة اللاحسم في شمال شرقي سوريا على وجه الخصوص، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية، وتبقى السيطرة منقوصة، ويظل المجتمع المحلي محاصرًا بين قوى متعددة لا تمثل مشروعًا للعمل مع الدولة ولا تقدم أفقًا سياسيًا مستقرًا.

وفي مثل هذه البيئات تحديدًا تزدهر التنظيمات المتطرفة، لا لأنها قوية، ولا لأنها تملك حاضنة واسعة، بل لأن الدولة لم تنضج كاملًا بعد، ولأن الفراغ يسمح لها بالحركة.

فالمنطقة الواقعة تحت سيطرة قسد، مع وجود أميركي عسكري بلا توجه سياسي واضح، وتهديد تركي دائم من دون حسم، وغياب فعلي لسيادة الدولة السورية، تحولت إلى مساحة مثالية لنشاط خلايا صغيرة قادرة على تنفيذ عمليات أمنية محدودة داخل الجغرافيا السورية، لكنها ذات أثر إعلامي وسياسي كبير.

وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا من مجرد: هل داعش موجودة؟ إلى: كيف يُدار وجود داعش؟ ومن يستفيد من استمراره؟

وظيفة التنظيم

وهي أسئلة لا تُطرح عبثًا، خاصة في ظل ما يعرفه الباحثون اليوم عن حجم الاختراقات الاستخباراتية التي تعرضت لها هذه التنظيمات خلال العقد الأخير، حيث لم تعد كيانات مغلقة عقائديًا كما في بداياتها، بل شبكات مخترقة يتقاطع داخلها الإيمان الأيديولوجي مع الحسابات الأمنية ومع أدوار وظيفية مُجنّدة خارجيًا.

ومن هنا تبرز فرضيات لا يمكن الجزم بها، لكنها يصعب تجاهلها، حول إمكانية توظيف خطر داعش، أو على الأقل تضخيمه أو السماح بحركته ضمن سقوف معينة، كأداة ضغط سياسي وأمني، سواء لإرباك تركيا في حساباتها، أو لإرسال رسائل إلى دمشق، أو لإقناع واشنطن بأن جهة معينة هي الخيار الوحيد القادر على ضبط الفوضى ومنع انفجار أكبر.

وفي هذا الإطار تصبح داعش، أو بالأحرى “اسم داعش”، عنصرًا حاضرًا في لعبة توازنات غير معلنة، لا كعدو مطلق بل كتهديد مُدار يُستدعى عند الحاجة، وهو ما يفسر جزئيًا هذا الحضور المتقطع للتنظيم.

انتقائية الجغرافيا

وفي المقابل، يزداد الجدل حين يُطرح سؤال غياب داعش شبه الكامل عن ساحات قريبة جغرافيًا مثل إسرائيل، أو عن دولة مثل إيران، رغم الاختلاف الديني في الأولى والمذهبي في الثانية. وهو غياب غذّى سرديات واسعة عن الطبيعة الوظيفية للتنظيم.

فانتقائية الجغرافيا تكشف عن حقيقة أعمق، وهي أن داعش لا تعمل حيث تعلن عداءها الأيديولوجي فقط، بل حيث يُسمح لها بالعمل، وحيث تخدم حركتها بشكل مباشر أو غير مباشر توازنات إقليمية معقدة.

وفي هذا المعنى، يصبح داعش أقل شبهًا بتنظيم عقائدي مستقل، وأكثر شبهًا بأداة فوضى متنقلة تُستخدم لإشغال المنطقة، واستنزاف المجتمعات، ومنع أي مسار استقرار حقيقي، خاصة في دول منهكة كسوريا.

انتهاء صلاحية قسد

يمكن النظر إلى سلوك قسد بوصفه سلوك قوة تشعر بأن دورها الوظيفي يقترب من نهايته، أو على الأقل من تحوّل جذري لم يعد يضمن لها الموقع نفسه الذي شغلته خلال السنوات الماضية.

فالقوة التي بُني حضورها السياسي والعسكري أساسًا على كونها الشريك المحلي الأكثر فاعلية للولايات المتحدة في محاربة داعش، تجد نفسها اليوم أمام معادلة مختلفة تمامًا، حيث عادت قنوات التواصل بين الحكومة السورية الجديدة وواشنطن إلى الواجهة، ولو بصيغ حذرة وغير معلنة بالكامل، الأمر الذي يضرب جوهر الرواية التي اعتمدت عليها قسد لتبرير بقائها كقوة مستقلة عن الدولة، ويطرح سؤالًا وجوديًا حول ضرورتها في المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، تبدو مخاوف قسد مفهومة من زاوية سياسية بحتة؛ فحين تفقد أي قوة مسلحة وظيفتها الأساسية في ميزان القوى الدولي، تميل غريزيًا إلى البحث عن أوراق بديلة لإثبات أنها ما تزال لاعبًا لا يمكن تجاوزه.

ذريعة داعش

هنا تحديدًا تبرز محاولات زعزعة الاستقرار كخيار غير معلن، بوصفها وسيلة ضغط ورسالة مفادها أن إقصاء قسد أو تهميشها سيقود إلى فوضى أمنية لا ترغب بها الأطراف الدولية.

ومن هذا المنطلق يُقرأ الحديث المتزايد عن استخدام ورقة داعش، ليس بالضرورة عبر إدارة مباشرة، بل من خلال غضّ الطرف عن خلايا نائمة لإرباك الداخل السوري، أو لإرسال إشارات إلى الخارج بأن البديل عن قسد هو انفلات أمني واسع.

وتتقاطع هذه المقاربة مع تقارير وتحليلات غير رسمية تتحدث عن محاولات قسد أيضًا مدّ خطوط تواصل مع مجموعات مسلحة، ولا سيما في السويداء والساحل، ليس بالضرورة بهدف السيطرة، بل بهدف خلق نقاط توتر إضافية تُستخدم في لعبة شد الحبال على مستقبل سوريا.

الخاتمة

في الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذا السلوك عن منطق “تقاسم الكعكة” الذي يحكم المراحل الانتقالية في الصراعات الطويلة، إذ تحاول كل قوة فرض أمر واقع قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية شاملة لتحسين شروطها على طاولة التفاوض.

لكن المعضلة الأساسية تكمن في أن هذا السلوك يصطدم بشكل مباشر مع تطلعات شريحة واسعة من السوريين الذين أنهكتهم سنوات الدم والحرب، والذين باتوا يعوّلون اليوم أكثر من أي وقت مضى على إيقاف النزيف والانتقال إلى مسار سياسي هادئ يضمن حقوق جميع المكونات من دون استثناء، ومن دون ابتزاز أمني أو استخدام المدنيين كورقة ضغط.

وأخيرًا، فإن استمرار قسد في اللعب على حافة الفوضى، واستخدام أوراق داعش أو غيرها من شبكات التوتر، قد يمنحها مكاسب مؤقتة، لكنه في الوقت ذاته يراكم الغضب الشعبي عليها، ويضعها في مواجهة سردية وطنية آخذة في التشكل، سردية تقول إن سوريا، مهما طال نزيفها، لا يمكن أن تُدار إلى الأبد بمنطق التهديد والفزاعة، وأن الشعب الذي أسقط أشنع الأنظمة الدكتاتورية قادر، في غضون ساعات، على إسقاط أي منظومة تهدد أمنه واستقراره.

تلفزيون سوريا

———————————

ذا هيل: كمين تدمر يعيد سوريا فجأة إلى صدارة الأجندة العالمية

 أعاد الكمين الذي وقع قرب تدمر وأسفر عن مقتل جنديين أمريكيين إلى جانب مترجم مدني، سوريا فجأة إلى واجهة الاهتمام الدولي. فللمرة الأولى منذ سقوط نظام بشار الأسد قبل عام يُقتل أفراد من القوات الأمريكية داخل الأراضي السورية. هذا العمل الدموي، الذي نفّذه مسلح منفرد صنّفته القيادة المركزية الأمريكية عنصرًا في تنظيم “الدولة الإسلامية”، شكّل تصحيحًا قاسيًا للسردية المريحة التي روّجت لفكرة أن الصراع في سوريا يتراجع ويتجه نحو الانحسار.

وقد وقع الهجوم أثناء لقاء مهم مع قيادات في قوات الأمن السورية، مسلطًا الضوء على ثغرتين مترابطتين في البيئة التي بدت مستقرة نسبيًا في مرحلة ما بعد الأسد. الأولى تتمثل في قدرة بقايا تنظيم “الدولة الإسلامية” على الصمود، وإن بصورة محدودة. فعلى الرغم من فقدان التنظيم “خلافته” الإقليمية قبل سنوات وتراجع وتيرة عملياته منذ تغيير النظام، إلا أنه نجح في التكيّف متحوّلًا إلى تمرد لامركزي متحرك، أشبه بشبح يتخفى في المساحات الشاسعة غير الخاضعة للسيطرة في صحراء سوريا، مستغلًا الثغرات الأمنية ومناطق الفراغ.

أما الثغرة الثانية، والأكثر خطورة على المدى القريب، فتتجسد في هشاشة الجهاز الأمني السوري الذي أُعيد تشكيله مؤخرًا. إذ تشير تقارير إلى أن منفّذ الهجوم كان عنصرًا حديث الانضمام إلى الأجهزة الأمنية السورية، وقد رُصدت لديه ميول متطرفة قبل أيام فقط، ما يبرز حجم التحدي الكبير الذي تواجهه الحكومة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع.

فسوريا، التي لم يمر سوى عام واحد على خروجها من عقود من الحرب الأهلية والاستبداد، تحاول على عجل مأسسة قواتها الأمنية ورفع مستوى احترافيتها من خلال دمج فصائل متباينة، بينها مقاتلون سابقون في صفوف المعارضة. غير أن هذه العملية، بحكم طبيعتها، تبقى عرضة للاختراق، وقد تحوّل الأجهزة المكلّفة بتوفير الأمن إلى ما يشبه “حصان طروادة” للتطرف.

هذا التطور وضع تحديًا سياسيًا معقدًا أمام الرئيس دونالد ترامب. فقد دشّنت إدارته مؤخرًا تحولًا براغماتيًا في العلاقات مع دمشق، انتقلت فيه من العداء الصريح في عهد النظام السابق إلى تعاون حذر وداعم مع السلطات الجديدة. كما أن انضمام سوريا رسميًا في نوفمبر إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد “داعش”، عقب الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الشرع إلى البيت الأبيض، مثّل مكسبًا إستراتيجيًا مهمًا وإن كان بالغ الحساسية. وكان الانخراط العسكري المستهدف قرب تدمر تجسيدًا عمليًا لهذه الشراكة الجديدة.

تعهد الرئيس ترامب بـ”رد شديد الجدية” على الهجوم، وهو تعهد يلبي حاجة سياسية داخلية لإظهار الحزم والقوة. غير أن ترجمة هذا التعهد على الأرض تتطلب حذرًا في التعامل مع تعقيدات المشهد السوري الجديد. فاستجابة عسكرية واسعة قد تقوّض شرعية القيادة السورية الناشئة التي تسعى إلى تثبيت سلطتها وإظهار قدرتها على بسط السيادة.

في هذا السياق، يبدو أن خيارًا دبلوماسيًا مدروسًا قد يكون أكثر جدوى. فالإدانة السريعة التي صدرت عن الحكومة السورية الجديدة، وما أُعلن عن توقيف مشتبهين من تنظيم “داعش” خلال حملة أمنية لاحقة في حمص، يعكسان التزامًا حقيقيًا بالشراكة. وعلى الولايات المتحدة أن تستثمر هذه اللحظة للدفع نحو تعاون أعمق وأكثر بنيوية، يشمل تحقيقات مشتركة لتحديد شبكات تجنيد “داعش” داخل المؤسسات الأمنية السورية وتفكيكها، إلى جانب تبادل استخباري مستدام لمنع تكرار هجمات “الذئاب المنفردة” أو الهجمات من الداخل. مثل هذا النهج يعزز قدرة الدولة السورية، وهي الركيزة الأساسية للاستقرار طويل الأمد، وفي الوقت نفسه يبعث برسالة حزم واضحة من واشنطن.

وبالتوازي، يعيد كمين تدمر فتح نقاش شائك في واشنطن حول طبيعة الالتزامات الأمريكية طويلة الأمد. فوجود نحو ألف جندي أمريكي في سوريا، يتركز دورهم على مكافحة الإرهاب ودعم الحلفاء المحليين، يشكّل بحد ذاته عامل جذب لمثل هذه الهجمات. وبالنسبة لعائلات القتلى، يعود السؤال المؤلم حول جدوى انتشار مفتوح الأجل في منطقة لطالما سعت الولايات المتحدة إلى تقليص انخراطها فيها.

وتظل المعضلة الأمريكية واضحة وقاسية: انسحاب كامل وسريع قد يخلق فراغًا أمنيًا يستغله تنظيم “داعش” لإعادة تنظيم صفوفه والعودة بقوة، بما قد يستدعي تدخلًا أمريكيًا لاحقًا أكثر كلفة. وفي المقابل، فإن الإبقاء على وجود عسكري ثابت وطويل الأمد يعرّض القوات الأمريكية لهجمات متكررة تقوّض الدعم الشعبي للمهمة.

إن الطريق إلى الأمام يتطلب مزيجًا دقيقًا من الحذر والحزم. ينبغي أن يكون الرد متناسبًا ومحددًا، موجّهًا مباشرة إلى خلايا “داعش” المسؤولة عن التخطيط والتنفيذ، لا ردًا رمزيًا أو مفرطًا يهدد المكاسب السياسية التي تحققت خلال العام الماضي. والغاية النهائية يجب أن تتمثل في تمكين الحكومة السورية الجديدة من امتلاك أمنها والحفاظ عليه بنفسها. فمقتل جنديين أمريكيين ومترجم مدني تذكير قاتم بأن المخاطر، حتى في “حرب منسية”، لا تزال حاضرة بقوة، وأن معركة القضاء على الإرهاب ليست اندفاعًا خاطفًا، بل سباقًا طويل النفس، وأن التهدئة الهشّة في دمشق تتطلب إدارة استراتيجية دقيقة من واشنطن إذا أُريد لهذا السلام الهش أن يستمر.

القدس العربي”

———————————

تصاعد عمليات تنظيم الدولة الإسلامية في سورية بعد سقوط النظام.. بين اختبار الدولة واستراتيجية الاستنزاف/ نوار شعبان

نشر في 24 كانون الأول/ديسمبر ,2025

شكّل تصاعد نشاط تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سورية، بعد سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، تحدّيًا أمنيًا مركزيًا للحكومة السورية الانتقالية، حيث أفضى انهيار منظومة الحكم السابقة، بما رافقه من تفكّك مؤسسات جهاز الأمن، إلى نشوء فراغ حاولت السلطة الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، أن تملأه عبر مسار مزدوج، تمثّل في دمج الفصائل المسلّحة ضمن هياكل رسمية، والبدء في تأسيس نواة جيش جديد لبسط سيطرتها على الجغرافية السورية التي كان النظام السابق مسيطرًا عليها.

وعلى الرغم من تحقيق الحكومة الانتقالية جملةً من المكاسب السياسية الأولية، مثل تخفيف العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على الدولة السورية والعمل على إزالتها تدريجيًا، وفتح قنوات دبلوماسية مع أطراف إقليمية ودولية، والانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة (داعش)، فإنّ البيئة الأمنية ما تزال غير مستقرّة، وذلك بسبب وجود تهديدات مركّبة، تمثّلت في بقايا شبكات النظام السابق، ونشاط خلايا تنظيم (داعش) التي استغلّت المرحلة الانتقالية، في ظلّ عجز الدولة السورية عن بسط سيطرتها الميدانية على كامل الأراضي السورية، شمالًا وجنوبًا، واستمرار الخروقات الإسرائيلية المتكرّرة، برًّا وجوًّا. ما يشكّل اختبارًا لقدرة الدولة على فرض الاستقرار وبسط السيطرة الأمنية.

في هذا السياق، تقدّم هذه الورقة قراءة تحليلية لأنماط عمليات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مناطق سيطرة الحكومة السورية الانتقالية، بالاستناد إلى تحليل الهجمات المنفّذة خلال الفترة الممتدة من أيار/ مايو إلى كانون الأول/ ديسمبر 2025. وتسعى الورقة إلى الوقوف على دلالات هذه العمليات، وفهم أنماطها، والبحث في أهدافها، وحدود قدرتها على التحوّل إلى تهديد استراتيجي أوسع، في ظلّ الواقع السياسي والاقتصادي والعسكري المعقّد الذي تشهده البلاد.

وتتناول الورقة الأدوات التقنية التي قد تدعم جهود الحكومة السورية الانتقالية في مواجهة التنظيم، على المستويَين العسكري والأمني، وسبل التعامل الممكنة مع الخطاب المتطرف للتنظيم، ضمن استراتيجية تعتمد على الجمع بين توظيف أدوات الردع من ناحية، والمعالجة البنيوية لجذور العنف من ناحية أخرى. وتسعى الورقة إلى استشراف التهديدات المحتملة لتنظيم (داعش) خلال المرحلة المقبلة، استنادًا إلى المعطيات الميدانية والتنظيمية الراهنة، مع التأكيد أن ترسيخ الاستقرار في سورية يظلّ مرهونًا بقدرة الدولة على إنجاز إصلاحات أمنية عميقة، وتعزيز مسار العدالة الانتقالية، وتكريس شراكات دولية داعمة من دون المساس بالسيادة الوطنية.

أولًا: أنماط العمليات المسلّحة لداعش بين شهري أيّار وكانون الأول 2025

على الرغم من انحسار تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ميدانيًا، عقب سقوط النظام، فإن عملياته العسكرية لم تتوقف، واستمرّت بوتيرة متفاوتة، في أكثر من منطقة في سورية. ففي شمال شرق البلاد، حيث لا تزال ترتيبات السيطرة والأمن خارج نطاق سيطرة الحكومة السورية الانتقالية، نفّذ التنظيم ما يقارب 155 هجومًا، منذ سقوط النظام حتى اليوم[1]، بما يعكس قدرته على الحفاظ على بنية خلايا فاعلة في بيئات أمنية رخوة. وتكمن أهمية رصد العمليات التي قام بها تنظيم (داعش)، داخل مناطق سيطرة الحكومة السورية، في كونها تمثّل اختبارًا مباشرًا لقدرة الدولة على فرض الأمن وضبط المجال العام، ومنع التنظيم من إعادة التموضع داخل الجغرافيا الخاضعة لسلطتها.

وفي هذا الإطار، يُظهر رصد العمليات المنسوبة إلى تنظيم (داعش)، خلال الفترة الممتدة من أيار/ مايو حتى كانون الأول/ ديسمبر 2025، نمطًا تصاعديًا متدرّجًا في وتيرة الهجمات داخل هذه المناطق[2]، وذلك عبر انتقال التنظيم من ضربات متفرقة ذات طابع اختباري، إلى هجمات موجهة أكثر دقة، من حيث طبيعة الأهداف، ومن حيث توزعها الجغرافي. وقد تركّزت غالبية هذه العمليات على استهداف القوات الحكومية ومرافقها الأمنية، من خلال استخدام العبوات الناسفة والكمائن المسلّحة والاغتيالات المباشرة، بما يعكس تبنّي التنظيم استراتيجية استنزاف تهدف إلى إرباك الأجهزة الأمنية، واختبار قدرتها على فرض السيطرة، ولا سيّما في المناطق الطرفية والبادية السورية[3].

وتُظهر قراءة السجلّ العملياتي أن هناك نحو ثلاثين هجومًا توزّعت على محافظات عدة، وقد نالت محافظة دير الزور الحصّة الأكبر منها، حيث شكّلت الثقل الأبرز لهذه الهجمات، تليها محافظتا درعا وإدلب، ثم محافظات ريف دمشق وحمص وحماة ومدينة دمشق، على الترتيب. ويعكس هذا التوزّع قدرة التنظيم على التحرك ضمن مساحات جغرافية متباعدة، مستفيدًا من الفجوات الأمنية ومن تفاوت مستوى الضبط بين منطقة وأخرى. ومن الملاحظ أن هناك تنوّعًا في أنماط الاستهداف، شمل أهدافًا حكومية مباشرة، وأهدافًا مدنية، إضافة إلى ما صُنّف ضمن الأهداف المختلطة، مثل استهداف دوريات أو مواقع عمل حكومية ضمن بيئات غير عسكرية خالصة، في مسعًى لتوسيع الأثر النفسي للهجمات وعدم حصرها في نطاق أمني ضيق.

ومن حيث المقاربة القتالية، حافظ التنظيم على اعتماد أدوات عنف منخفضة الكلفة نسبيًا، كالعبوات الناسفة والاغتيالات الفردية والهجمات السريعة على الحواجز، مقابل محدودية العمليات الانتحارية التي تميّز بها نشاطه، باستثناء حالات محدودة ذات طابع رمزيّ. ويشير هذا النمط إلى استراتيجية قتالية تسعى من خلالها (داعش) إلى الحفاظ على قدرتها التنظيمية، وتقليل خسائرها البشرية، مع توجيه ضربات ذات أثر سياسي وأمني، في إطار استنزاف طويل الأمد، يستهدف تقويض قدرات الحكومة السورية، على المدى الطويل، وصولًا في نهاية المطاف إلى تحقيق مكاسب عسكرية محددة.

في هذا السياق، يبرز هجوم تدمر في كانون الأول/ ديسمبر 2025، بوصفه أخطر عمليات تنظيم (داعش)، نظرًا لطبيعته المركبة، ولكونه أسفر عن مقتل جنود أميركيين، في استهداف اجتماع أمني مشترك ضمّ ضباطًا من الجيش السوري الانتقالي ومستشارين عسكريين أميركيين في محيط المدينة[4]. وتأتي أهمية هذه العملية من كونها من أوائل عمليات (داعش)، عقب انضمام سورية رسميًا إلى التحالف الدولي لمكافحة التنظيم، الأمر الذي يمنح العملية بُعدًا يتجاوز الخسائر البشرية المباشرة؛ إذ سعى التنظيم من خلالها إلى إبراز هشاشة الشراكة الأمنية الوليدة، بين الحكومة السورية الانتقالية والتحالف، ورفع كلفة التعاون الدولي، والتشكيك بقدرة الحكومة على توفير بيئة آمنة لشركائها.

ومن جانب آخر، تؤكد هجمات التنظيم التي نُفّذت، خلال الأشهر الأخيرة من عام 2025، ولا سيما في تدمر وخان شيخون، انتقاله إلى استهداف مواقع ذات أهمية استراتيجية أعلى، شملت قوات حكومية ومحاور مواصلات حيوية، في محاولة واضحة لرفع كلفة المواجهة على الحكومة السورية، وإظهار أن تغيير السلطة السياسية لم يؤدِ تلقائيًا إلى تحييد التهديد الذي تمارسه (داعش) عبر عملياتها العسكرية. وفي المحصلة، يعكس هذا السجل العملياتي أن التنظيم، رغم تراجعه مقارنة بمراحل سابقة، لا يزال قادرًا على تهديد الاستقرار الأمني، وذلك باتخاذه نمطًا مرنًا يجمع بين الانتشار اللامركزي وتنوّع أدوات العنف واستغلال البيئات الهشّة. ويؤكد ذلك أن مواجهة هذا التهديد داخل مناطق سيطرة الحكومة السورية تتطلب استراتيجية متكاملة، لا تقتصر على الردّ الأمني المباشر، بل تشمل سدّ الفجوات الاستخباراتية، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين، وتحصين البيئات المحلية، بما يحول دون تمكّن التنظيم من إعادة إنتاج نفسه في سياق المرحلة الانتقالية[5].

ثانيًا: أدوات الحكومة السورية الانتقالية المحتملة في مواجهة (داعش)

تبرز حاجة الحكومة السورية الانتقالية، في مواجهة التهديد الذي يمثّله تنظيم (داعش)، إلى تطوير حزمة متكاملة من الأدوات الأمنية والسياسية والإعلامية، يمكن توظيفها أو تعميقها بهدف احتواء التهديد والحدّ من قدرة التنظيم على إعادة إنتاج نفسه. ويُفترض أن تقوم هذه الأدوات على مبدأ المعالجة متعددة المستويات، التي تجمع بين البعد الأمني الصلب، والمعالجة المؤسسية والفكرية والاجتماعية.

    تطوير القدرات الاستخباراتية والأمنية: يُعدّ ضعف البنية الاستخباراتية أحد أبرز الثغرات التي يمكن أن يستغلها تنظيم (داعش) في المرحلة الانتقالية، ولا سيما في ظل انهيار أجهزة النظام السابق وتفكيك شبكات السيطرة والتحكم التقليدية. ومن ثم، تبرز إمكانية أن تعمل الحكومة الانتقالية على إعادة بناء منظومة استخباراتية جديدة، تستند إلى أسس مهنية وحديثة، مع التركيز على العمل الوقائي، بدلًا من الاقتصار على الاستجابة اللاحقة للهجمات. وقد يشمل ذلك إنشاء جهاز مركزي للتنسيق في مجال مكافحة الإرهاب، وتطوير قدرات الرصد والتحليل المبكر، إضافة إلى بناء قواعد بيانات موحّدة تتعلق بالمشتبه بهم والخلايا النائمة. ويُعدّ اعتماد آليات تدقيق أمني صارمة للمجنّدين الجدد في الجيش والأجهزة الأمنية أداةً محتملة أساسية، تهدف إلى تقليص فرص الاختراق من الداخل، وهو تحدٍ مرجّح في سياق دمج فصائل وقوى مسلحة ذات خلفيات متباينة. وفي البعد الإقليمي، يمكن للحكومة أن تطوّر مستويات التعاون الاستخباراتي مع دول الجوار، خصوصًا ما يتعلق بتتبع تحركات العناصر العابرة للحدود، بغية الحدّ من قدرة التنظيم على الاستفادة من الجغرافيا المفتوحة والفراغات الحدودية.

    توظيف التعاون الدولي والمساعدات التقنية: يشكّل الانفتاح على التعاون الدولي أداة محتملة محورية في استراتيجية مواجهة (داعش)، لا سيّما في ظل محدودية الموارد والخبرات المحلية المتاحة في المرحلة الانتقالية. ويمكن للحكومة السورية الانتقالية أن تستثمر موقعها الجديد كشريك محتمل في مكافحة الإرهاب، للحصول على دعم تقني ولوجستي واستخباراتي، يشمل التدريب المتخصص لوحدات مكافحة الإرهاب، ونقل الخبرات في مجالات كشف العبوات الناسفة، والرصد الجوي، وتحليل البيانات. وقد يسهم هذا التعاون في تطوير قدرات الاستطلاع الجوي والاستخبارات التقنية، مع اعتماد نموذج يوازن بين الاستفادة من الدعم الخارجي والحفاظ على القرار السيادي الوطني. وعلى المستوى السياسي، يمكن ربط هذا المسار بجهود أوسع لتخفيف العقوبات الدولية، على أساس أن الاستقرار الأمني ومكافحة الإرهاب يمثلان شرطًا ضروريًا لإعادة الإعمار وجذب التمويل والاستثمار.

    إعادة هيكلة القطاع الأمني ودمج المقاتلين السابقين: من التحديات البنيوية التي تواجه الحكومة الانتقالية، احتمالُ استمرار التعدد في الولاءات والهياكل المسلحة. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى إجراء إصلاح شامل للقطاع الأمني، بوصفه أداة استراتيجية طويلة الأمد في مواجهة (داعش). وقد يشمل ذلك إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية والأمنية، وبناء عقيدة مهنية موحّدة تضع مكافحة الإرهاب وحماية المدنيين في صلب مهامها. ويمكن تطوير برامج إعادة تدريب ودمج للمقاتلين السابقين ضمن جيش وطني موحّد، مع التركيز على إعادة التأهيل المهني والعقائدي، وتجنّب إعادة إنتاج البُنى الفصائلية داخل مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، تبرز أيضًا أهمية تطوير جهاز شرطة محلية فاعل، يكون قادرًا على ضبط الأمن اليومي في المدن والبلدات، كي يخفف الضغط عن القوات العسكرية ويحدّ من المساحات التي قد تنشط فيها الخلايا النائمة.

    تعزيز المقاربة الاستباقية لتفكيك الخلايا النائمة: تُعَدّ الاستراتيجية الاستباقية أداة محتملة حاسمة في مواجهة تنظيمٍ يعتمد على خلايا نائمة تتحرّك بشكل لامركزي. ويمكن للحكومة الانتقالية أن تطوّر قدرات العمليات الخاصة والاستخبارات الميدانية، بما يسمح بتفكيك هذه الخلايا قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ. غير أن نجاح هذا المسار لا يرتبط بالبعد العسكري وحده، بل يتطلب معالجة البيئة الحاضنة التي قد يستفيد منها التنظيم. وفي هذا الإطار، تُعدّ السياسات التنموية المحلية، مثل تحسين الخدمات، وخلق فرص العمل، ومعالجة مظالم المجتمعات المهمّشة، أدوات غير مباشرة لكنها أساسية في تقليص قابلية التجنيد، ولا سيّما في المناطق الريفية والبادية التي شكّلت تقليديًا مسرحًا لنشاط التنظيم.

    بناء إطار قانوني وإعلامي مضاد لخطاب (داعش): إلى جانب الأدوات الأمنية، تبرز أهمية تطوير أدوات قانونية وإعلامية قادرة على تحجيم خطاب (داعش) ونزع شرعيته. ويمكن للحكومة الانتقالية أن توظّف مسار العدالة الانتقالية، بوصفه أداة مركزية لتقويض السرديات التي يتغذى عليها التنظيم، ولا سيما خطاب المظلومية والانتقام، حيث إن إرساء مبدأ المحاسبة الشاملة، سواء بحق عناصر التنظيم أو مرتكبي الانتهاكات من النظام السابق، من شأنه تقليص قدرة (داعش) على استثمار مشاعر الظلم. أما على المستوى الإعلامي، فيمكن تطوير خطاب مضاد، يستند إلى تفكيك الأيديولوجيا الداعشية، دينيًا وفكريًا، عبر إبراز قراءات دينية معتبرة تنقض سرديات التكفير والعنف، بالتوازي مع مراقبة الفضاء الرقمي الذي يستخدمه التنظيم للتجنيد والدعاية. ويُفترض أن تتكامل هذه الجهود مع الإنجازات الأمنية على الأرض، بحيث يُعاد بناء الثقة المجتمعية تدريجيًا في قدرة الدولة الجديدة على حماية مواطنيها.

ثالثًا: السيناريوهات المحتملة لمسار تهديد (داعش)

استنادًا إلى المعطيات الأمنية والسياسية الراهنة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمسار نشاط تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومستوى تهديده للحكومة السورية الانتقالية خلال العامَين المقبلين. وتنبع هذه السيناريوهات من إجراء قراءة تحليلية للواقع الميداني، ومن تحليل طبيعة التوازنات الأمنية القائمة، بالاستناد إلى اتجاهات نشاط التنظيم وأنماط تحركه، إضافة إلى مستوى التنسيق الدولي القائم في مواجهته.

    السيناريو الأول: تراجع كبير لتهديد التنظيم

يفترض هذا السيناريو نجاح الحكومة السورية الانتقالية، بدعم قوي ومتواصل من التحالف الدولي، في توجيه ضربات حاسمة لقدرات التنظيم خلال عام 2026. ويتحقق ذلك عبر تعزيز التعاون الاستخباراتي والتدريبي مع الولايات المتحدة، بما يرفع من كفاءة القوات السورية في ملاحقة الخلايا الإرهابية وتفكيك بنيتها التنظيمية. وفي هذا السياق، تتمكن دمشق من اعتقال أو تصفية معظم قيادات الصفين الأول والثاني في التنظيم، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع ملموس في عدد الهجمات، قد يصل إلى نحو 50% مع نهاية عام 2026. ويفترض هذا السيناريو نجاح الحكومة في تنفيذ إصلاحات أمنية داخلية فعّالة، تقلّص فرص تسلل العناصر المتطرفة إلى مؤسسات الدولة، وتُحصّن الجبهة الداخلية من الاختراق. ويرتبط هذا المسار أيضًا باستمرار الاستقرار السياسي الداخلي، وبتعزيز المصالحة الوطنية، بما يُضعف الخطاب الدعائي لتنظيم (داعش) ويجفف منابعه البشرية. ونتيجة لذلك، يتحول التنظيم إلى خطر أمني ثانوي، يمكن احتواؤه عبر أدوات الشرطة المحلية والاستخبارات، بما يشير إلى نهاية مرحلة التمرّد المسلح المفتوح.

    السيناريو الثاني: استمرار حرب استنزاف محدودة

وفق هذا السيناريو، تستمرّ هجمات التنظيم بوتيرة منخفضة نسبيًا، وتتركز في المناطق الريفية وأطراف البادية البعيدة عن مراكز المدن. وتنجح القوات السورية، بدعم من التحالف الدولي، في منع التنظيم من تنفيذ عمليات كبرى أو من السيطرة على مناطق حضرية، إلا أنّ التنظيم سيتمكّن في المقابل من إعادة تنظيم بعض صفوفه ضمن خلايا صغيرة تعتمد أسلوب الكرّ والفرّ. وفي هذا الإطار، يتحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، لا يستطيع التنظيم من خلالها تجاوز سقف معين من التهديد، وفي الوقت نفسه تعجز الحكومة عن القضاء التام عليه. ويظلّ الخطر ضمن جيوب معزولة، مع بقاء مستوى متوسط من الاضطراب الأمني، يتمثل في هجمات متقطعة على الحواجز أو عمليات اغتيال لشخصيات محلية. وقد يترافق هذا السيناريو مع حالة من الكرّ والفرّ السياسي، إذ قد تتراجع بعض الدول مؤقتًا عن دعم دمشق، ما يسمح بنشاط نسبي لـ (داعش)، ثم تعود للتعاون فتتراجع وتيرة الهجمات، من دون إحداث تغيير استراتيجي جوهري في المعادلة. وباختصار، يبقى (داعش) في هذا السيناريو شوكة أمنية مزمنة في خاصرة الدولة السورية، لكنه غير قادر على تقويض الاستقرار بشكل شامل.

    السيناريو الثالث: تصاعد خطير وعودة الفوضى

يمثل هذا السيناريو الاحتمال الأسوأ، حيث يتمكن تنظيم (داعش) من استغلال إخفاقات أمنية أو سياسية جسيمة، لتحقيق تصعيد نوعي يعيد شبح الإرهاب على نطاق مقلق. وقد يتحقق ذلك في حال فشل الحكومة في استكمال إصلاح أجهزتها الأمنية، أو في حال بقاء بعض الفصائل المسلحة خارج إطار الاندماج الكامل، أو استمرار ولاءات متعارضة داخل البنية العسكرية. وفي مثل هذا السياق، قد ينجح التنظيم في تنفيذ هجمات كبيرة داخل مراكز حضرية رئيسة، كدمشق أو حلب، توقع عشرات الضحايا، ما يزرع الفوضى ويؤثر في تماسك الدولة.

من جانب آخر، قد يؤدي اندلاع توترات طائفية، أو صدامات مع قوى أخرى، سواء مع قوات سوريا الديمقراطية/ قسد في الشمال الشرقي، أو مع إسرائيل في الجنوب، إلى فتح ثغرات يستغلها التنظيم لتوسيع نشاطه واستقطاب مجنّدين جدد تحت شعارات عدة، مثل “نصرة السنّة” أو مقاومة “العدو الصهيوني”. وفي هذا السيناريو، يُخشى من تآكل هيبة الحكومة الانتقالية وعجزها عن ضبط الأمن، وقد يؤدي ذلك إلى عودة الانقسامات الداخلية، وربما يؤدي إلى انهيار الدعم الذي يقدّمه التحالف الدولي. ومن أخطر الاحتمالات في هذا المسار، تسلّل التنظيم إلى قلب المؤسسات الأمنية نفسها، مستفيدًا من ضعف الرقابة، وتنفيذ هجمات من داخل أجهزة الدولة، بما يشكل صدمة كبرى ويقوّض الثقة العامة.

هذا السيناريو هو الأقلّ ترجيحًا، إلا أنه يظل ممكنًا في ظلّ وجود أطراف إقليمية معادية قد تعمل على زعزعة الاستقرار السوري. وهناك احتمال بأن تقوم إيران، الداعمة لميليشيات مرتبطة ببقايا النظام السابق، بتسهيل حركة فلول (داعش) بين العراق وسورية، بغية إرباك الحكومة الجديدة. وقد تجد (قسد) مصلحةً في تضخيم خطر (داعش)، لتبرير استمرار تمسّكها بنمط حكم ذاتي منفصل، وهو ما قد يضعف الجبهة الداخلية، ويفتح الباب أمام عودة العنف على نطاق أوسع.

خاتمة

تُظهر التطورات الأمنية في سورية بعد سقوط نظام الأسد أن مواجهة تنظيم متطرف، مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لا تُحسَم عبر معركة عسكرية واحدة أو من خلال إضعاف ميداني مؤقت؛ حيث بدا أن التنظيم يمتلك قدرة واضحة على التكيّف مع البيئات الهشّة، وعلى استغلال الفجوات الأمنية والمؤسسية التي رافقت المرحلة الانتقالية، ولا سيّما التأخير في بناء مؤسسات الدولة، وعدم اكتمال منظومات الضبط والحوكمة الأمنية.

في هذا السياق، اتجه نشاط التنظيم إلى إعادة إنتاج التهديد، وإثبات الحضور، والحفاظ على الاستمرارية، أكثر من السعي إلى تحقيق مكاسب عسكرية حاسمة. وقد كانت عمليات التسلّل وتنشيط الخلايا وتنفيذ الهجمات منخفضة الكلفة أدواتٍ رئيسة لاختبار قدرة الدولة السورية على فرض السيطرة وبسط الاستقرار، فضلًا عن استنزاف مواردها الأمنية، في ظل بيئة انتقالية تتسم بتعدد الفاعلين، وتعقيد المشهد الأمني والسياسي.

في المقابل، أعلنت الحكومة السورية الانتقالية اتخاذ خطوات جادة، وإن كانت غير مكتملة، على مسار إعادة بناء المؤسسات الأمنية، وتعزيز التنسيق الداخلي، وتطوير أشكال من التعاون الإقليمي والدولي. وفي هذا الإطار، لا ينبغي التقليل من أهميّة التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، ضمن إطار التحالف الدولي لمكافحة تنظيم (داعش)، سواء من حيث التقارب السياسي-الأمني مع واشنطن، الذي يكتسب طابعًا يتجاوز الاستجابة الظرفية المباشرة، أو من حيث إن هذا التحالف ركيزة أساسية في جهود الاحتواء خلال المرحلة الانتقالية. غير أن فاعلية هذا التعاون تظلّ رهنًا بقدرة الدولة السورية على إعادة تنظيمه على أسس مؤسسية واضحة، تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وبناء القدرات، وتقديم الدعم التقني، بما يعزز الاستجابة الوطنية ولا يستعيض عنها.

قد نشهد تراجعًا نسبيًا في وتيرة العنف في المرحلة المقبلة، إلا أن هذا التحسّن يظل أوليًا وهشًا وقابلًا للانتكاس، في حال تعثّر الإصلاحات الأمنية، أو استمرار الانقسامات المؤسسية، أو تأخّر استكمال بناء أجهزة الدولة القادرة على فرض سيادة القانون بشكل متوازن ومستدام. ومن ثم، فإن تحجيم خطر تنظيم (داعش)، وتقويض قدرته على إعادة إنتاج نفسه، لا ينبغي التعامل معه كغاية سريعة أو إنجاز قصير الأمد، بل كمسار قابل للتحقق على المدى الطويل، وهو مشروط بحدوث تقدّم تدريجي في بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، ومعالجة الأسباب البنيوية التي يستثمرها التنظيم في التجنيد والتغلغل. ويظلّ النجاح في هذا المسار مرهونًا بتكامل الأدوات الأمنية مع الإصلاح المؤسسي، واستمرار الشراكات الدولية ضمن مقاربة واقعية، تتجنب التهوين من التهديد أو المبالغة في تقدير منجزات المواجهة.

في المحصلة، تمثّل السنوات القليلة المقبلة اختبارًا حاسمًا لقدرة الدولة السورية الجديدة على منع عودة العنف المنظم، ووضع أسس استقرار أمني طويل الأمد، في سياق انتقالي معقّد لا يسمح بإجابات سريعة، لكنه يتيح، عبر إدارة متأنية ومراكمة تدريجية للقدرات، تضييق هامش الحركة أمام التنظيمات المتطرفة، ويمنعها من تحويل هشاشة المرحلة الانتقالية إلى فرصة لإعادة إنتاج الفوضى.

[1] وذلك بحسب عمليات الرصد والمتابعة التي يجريها فريق المركز.

[2] ISIL (ISIS) launches first attacks against new Syrian government, Jazeera English, Published on 30 May 2025, https://shorturl.at/03kfa

[3] تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” يستهدف الحكومة السورية الجديدة، معهد واشنطن للدراسات، 22 أيار/ مايو 2025، https://shorturl.at/RCx6p

[4] Three Americans killed by IS gunman in Syria, US military says, BBC, Published on 15 May 2025, https://shorturl.at/BgRZi

[5] هذه خلاصة تحليل البيانات التي جمعها فريق المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة.

تحميل الموضوع

مركز حرمون

——————————–

أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية، ووزارة التجارة الأمريكية، ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية اليوم نسخة معدلة من النشرة الإرشادية الثلاثية: تخفيف العقوبات وضوابط التصدير لسوريا، لتعكس إلغاء قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019

ملخص التعديل:

الأعمال المسموح بها مع سوريا؟🔹️

لم تعد الولايات المتحدة تفرض عقوبات شاملة على سوريا، وبالتالي لم تعد العقوبات الأمريكية تشكّل عائقًا أمام معظم الأنشطة التجارية المتعلقة بسوريا.

ألغى الكونغرس قانون قيصر والعقوبات الإلزامية المرتبطة به.

يُسمح بنقل معظم السلع الأمريكية ذات الاستخدام المدني الأساسي، بالإضافة إلى البرمجيات والتقنيات، إلى سوريا أو داخلها دون الحاجة إلى ترخيص.

القيود التي لا تزال قائمة؟🔹️

لا تزال العقوبات مفروضة على «أسوأ الأسوأ»: بشار الأسد ومعاونيه، ومنتهكي حقوق الإنسان، ومتاجري مخدر الكبتاغون، وغيرهم من الجهات الإقليمية المزعزعة للاستقرار.

تواصل الحكومة الأمريكية مراجعة تصنيف سوريا كدولة

 راعية للإرهاب.

لا تزال معظم البنود المدرجة في قائمة ضوابط التجارة (Commerce Control List) والمتجهة إلى سوريا تتطلب ترخيص تصدير أمريكي.

الخلاصة🔹️

يعمل الرئيس ترامب على الوفاء بالتزامه بمنح سوريا “فرصة للعظمة”، والسماح لها بإعادة البناء والازدهار من خلال رفع العقوبات الأمريكية وضمان المساءلة للجهات الضارة. وقد اعتمدت الحكومة الأمريكية سياسات ومواقف تنظيمية جديدة لتشجيع الشركات والبنوك الأمريكية، والمجتمع الدولي، والشعب السوري، والشركاء الإقليميين على المساهمة في استقرار سوريا مع حرمان الجهات الضارة من الموارد. ولتحقيق ذلك، ستنسق الحكومة الأمريكية مع القطاعين العام والخاص لتقديم التوجيهات لدعم هذه السياسات الجديدة. كما تحتفظ الحكومة الأمريكية بصلاحيات أخرى، بما في ذلك قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية وقانون إصلاح ضوابط التصدير لعام 2018، للحفاظ على تنفيذ التدابير الأمنية الوطنية عند الحاجة.

————————

تخفيف العقوبات وضوابط التصدير المفروضة على سوريا

صادر عن : وزارة التجارة- مكتب الأصول الأجنبية – وزارة الخارجية الاميركية

ديسمبر 2025

تتناول هذه الوثيقة التطورات المتعلقة بتخفيف العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، وذلك في إطار سياسة أمريكية مُحدَّثة تهدف إلى دعم استقرار سوريا ووحدتها وسلامها بعد سنوات طويلة من العقوبات الشاملة. وقد تم تحديث هذه التوجيهات في ديسمبر 2025، وفقًا لما ورد في إرشادات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية.

النقاط الرئيسية:

🇺🇸 تخفيف واسع للعقوبات الأمريكية على سوريا

في 13 مايو 2025، أعلن الرئيس الأمريكي عن توجه جديد يقضي برفع معظم العقوبات المفروضة على سوريا، بهدف إتاحة المجال أمام إعادة الإعمار وتحفيز النمو الاقتصادي.

وفي 30 يونيو 2025، صدر أمر تنفيذي أنهى الإطار العام لبرنامج العقوبات الشاملة، ما مثّل تحولًا جوهريًا في السياسة الأمريكية تجاه سوريا.

كما أشارت الوثيقة إلى إنهاء العمل بالعقوبات الإلزامية الواردة في قانون قيصر (Caesar Act)، وهو ما أسهم في إزالة عوائق كبيرة أمام الأنشطة الاقتصادية والتجارية.

ما أصبح مسموحًا بموجبه

 •لم يعد هناك حظر شامل على التعاملات التجارية بين الولايات المتحدة وسوريا.

 •أصبح بالإمكان تصدير معظم السلع المدنية، والبرمجيات، والتقنيات الأمريكية إلى سوريا دون الحاجة إلى تراخيص خاصة.

 •أُدخلت تخفيفات إضافية على ضوابط التجارة والتصدير لتسهيل المعاملات الاقتصادية المشروعة.

ما الذي لا يزال محظورًا أو خاضعًا للقيود

على الرغم من تخفيف العقوبات العامة، لا تزال الولايات المتحدة تُبقي على عقوبات محددة تستهدف فئات عالية الخطورة، من بينها:

 • بشار الأسد وعدد من الدائرة المقربة من النظام

 •الأفراد والكيانات المتورطة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان

 •شبكات تهريب المخدرات، بما في ذلك تجارة الكبتاغون

 •الجماعات المتطرفة والإرهابية

كما أن بعض المواد أو الكيانات المدرجة ضمن قوائم العقوبات الخاصة لا تزال تتطلب تراخيص تصدير محددة من الولايات المتحدة.

وتشير الوثيقة كذلك إلى أن الولايات المتحدة تواصل مراجعة تصنيف سوريا كـ دولة راعية للإرهاب.

إجراءات مصاحبة لتخفيف العقوبات

بحسب وثيقة OFAC، شملت الإجراءات المرافقة ما يلي:

 •إصدار الرخصة العامة رقم 25 (General License 25)، التي تسمح بإجراء معاملات محددة تتعلق بأشخاص أو كيانات خضعت سابقًا للعقوبات.

 •رفع تصنيف جبهة النصرة / هيئة تحرير الشام كمنظمة إرهابية أجنبية، وفق ما ورد في التحديث.

 •منح إعفاءات محدودة بموجب قوانين الأسلحة الكيميائية والبيولوجية للسماح بتقديم مساعدات إنسانية وتقنية معينة.

 •تسهيل إجراءات تراخيص التصدير للسلع ذات الاستخدام المدني، خاصة في قطاعات الاتصالات والطاقة والبنية التحتية.

⚠️ الخلاصة: تعكس هذه الوثيقة تحولًا ملحوظًا في السياسة الأمريكية تجاه سوريا خلال عام 2025، حيث انتقلت من نهج العقوبات الشاملة إلى مقاربة أكثر مرونة تهدف إلى تشجيع الانخراط الاقتصادي والدبلوماسي، مع الإبقاء على قيود صارمة تستهدف الأفراد والكيانات التي تُعدّ مصدر تهديد للأمن أو منخرطة في أنشطة غير مشروعة.

—————————-

==================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى