سوريا مُوَدِعَة عام 2025: لا فدرالية ولا حرب أهلية/ علي قاسم

الفكرة واحدة وإن تغيّرت الكلمات: القبول بمطلب محدد أو مواجهة الانقسام.. لكن السوريين الذين دفعوا أثماناً باهظة من دمائهم وكرامتهم لن يقبلوا أن يُخيَّروا مجدداً بين خيارين كلاهما مدمر.
الأربعاء 2025/12/31
قبل أن تكون علوي.. أنت سوري
بينما عام 2025 يلفظ آخر أنفاسه، شهدت مدن الساحل السوري حراكاً غير مسبوق؛ خرجت مظاهرات في مدن مثل اللاذقية وطرطوس وجبلة، تلبية لدعوة الشيخ غزال غزال، رئيس ما يُعرف بالمجلس الإسلامي العلوي الأعلى. رفع المتظاهرون شعارات تطالب بوقف الانتهاكات ضد أبناء الطائفة العلوية، وإطلاق سراح المعتقلين، وبعضها ذهب إلى المطالبة بنظام فيدرالي أو حكم ذاتي يضمن “تقرير المصير” للمنطقة.
وبرز على الجدران شعار جديد أثار جدلاً واسعاً: “فيدرالية أو حرب أهلية”. هذا الشعار بدا امتداداً مباشراً لشعار النظام القديم “الأسد أو نحرق البلد”، الذي مثّل منطق التهديد والابتزاز خلال سنوات القمع. الفكرة واحدة وإن تغيّرت الكلمات: إما القبول بمطلب محدد، أو مواجهة الفوضى والانقسام. لكن السوريين الذين دفعوا أثماناً باهظة من دمائهم وكرامتهم طوال عقد ونصف، لن يقبلوا أن يُخيَّروا مجدداً بين خيارين كلاهما مدمر: الفدرالية التي تعني عملياً تقسيم سوريا، أو الحرب الأهلية التي تعني استمرار النزيف.
الأحداث، التي تخللتها مواجهات أمنية أسفرت عن قتلى وجرحى، أتت في سياق توترات متراكمة منذ سقوط نظام بشار الأسد قبل عام، لتثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل سوريا كدولة موحدة. هل يمكن لمجتمع متداخل طائفياً وعرقياً، عاش قروناً في نسيج مشترك، أن يقبل بتقسيمه إدارياً دون أن ينزلق إلى مزيد من التفتت والصراع؟ وكيف تتقاطع هذه المطالب مع الخطاب العلماني الذي يدعو إليه بعض الأصوات نفسها، فيما تبدو المرجعية الدينية أداة لتعبئة سياسية؟
في الساحل حيث يشكل التداخل اليومي واقعاً لا يمكن تجاهله سيكون أي تقسيم وصفة لأزمة أعمق تحول الجيران إلى أعداء وتحول الخريطة الاجتماعية إلى خطوط تماس جديدة
عاش السوريون، على مدى قرون طويلة، في إطار وحدة اجتماعية عميقة رغم تنوعهم الطائفي والعرقي الغني. كانت المدن والقرى في الساحل السوري، مثل بانياس وجبلة واللاذقية، فسيفساء بشرية حقيقية، حيث يتعايش السنة والعلويون والمسيحيون والدروز جنباً إلى جنب، في أحياء مشتركة وقرى متداخلة. هذا التداخل لم يكن مجرد صدفة جغرافية، بل كان واقعاً يومياً يتجلى في الزيجات المختلطة، والأسواق المشتركة، والعلاقات الاجتماعية التي تجاوزت الحدود الطائفية. حتى في فترات التوتر التاريخي، حافظ المجتمع السوري على قدر من التماسك، مستنداً إلى هوية وطنية جامعة تجاوزت الاختلافات الدينية أو العرقية. ومع ذلك، جاء حكم عائلة الأسد ليوظف الطائفية كأداة سلطوية، مما أعطى انطباعاً مشوهاً بأن النظام يمثل طائفة بأكملها. في الواقع، كان ذلك النظام مشروعاً سلطوياً شخصياً وعائلياً، استغل الانتماء الطائفي لتعزيز السيطرة، دون أن يعكس بالضرورة إرادة الطائفة العلوية ككل. هذا الإرث الثقيل ترك جروحاً عميقة، غذت مخاوف وجودية لدى بعض الأوساط، خاصة بعد سقوط النظام وما تبعه من توترات أمنية وانتهاكات طالت مدنيين من مختلف الخلفيات.
المفارقة تكمن في أن بعض الأصوات التي ترفع اليوم شعارات الحكم الذاتي أو الفيدرالية، تصف نفسها بالعلمانية أو الوطنية، لكن مطالبها تبدو مبنية على الانتماء الطائفي أكثر من أي شيء آخر. كيف يمكن التوفيق بين خطاب يدعو إلى فصل الدين عن السياسة، وبين سعي إلى كيان إداري يعتمد على مرجعية دينية أو طائفية؟ هذا التناقض يكشف عن قلق وجودي مشروع، نابع من تجارب مؤلمة مثل الانتهاكات التي شهدها الساحل في آذار – مارس 2025، وأودت بحياة مئات المدنيين، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة. تحويل الدين أو الطائفة إلى أداة سياسية لتقسيم المجتمع يعيد إنتاج الانقسامات التي عانت منها سوريا طويلاً، ويفتح الباب أمام استغلال خارجي أو داخلي يهدد الاستقرار الهش. المطالبة بحقوق الأقليات أمر مشروع تماماً، بل هو أساس أي دولة ديمقراطية حديثة، لكن السبيل إليه يجب أن يكون عبر إطار وطني جامع، مثل دستور مدني يضمن المساواة والحماية للجميع، لا عبر كيانات منفصلة تعزز العزلة وتغذي الشكوك المتبادلة.
في الساحل السوري تحديداً، تبرز استحالة التقسيم الإداري على أساس طائفي بصورة أكثر وضوحاً. المنطقة ليست كتلة طائفية متجانسة، بل نسيج معقد من القرى والأحياء المختلطة، حيث يعيش السنة إلى جوار العلويين، والمسيحيون مع الدروز في بلدات مشتركة. لو حاول دعاة الحكم الذاتي رسم حدود واضحة، لوجدوا أنفسهم أمام مهمة مستحيلة: كيف تفصل قرية يتداخل فيها السكان طائفياً؟ وكيف تحدد أحياء مدينة مثل اللاذقية أو بانياس دون إجبار على تهجير قسري أو إعادة ترسيم ديموغرافي عنيف؟ التجارب التاريخية في مناطق مشابهة، سواء في الشرق الأوسط أو خارجها، تظهر أن مثل هذه المحاولات غالباً ما تنتهي بصراعات دامية، وانهيار للنسيج الاجتماعي الذي بني على مدى أجيال. في الساحل، حيث يشكل التداخل اليومي واقعاً لا يمكن تجاهله، سيكون أي تقسيم وصفة لأزمة أعمق، تحول الجيران إلى أعداء، وتحول الخريطة الاجتماعية إلى خطوط تماس جديدة.
سوريا التي عاشت قروناً كعائلة واحدة، رغم تنوعها الطائفي والعرقي، لا يمكن أن تُختزل في معادلة تهديدية جديدة. المطالب بالحقوق والعدالة مشروعة، لكن الطريق إليها لا يكون عبر تفتيت الدولة
البديل الوحيد القابل للاستدامة يكمن في رؤية وطنية جامعة، تبدأ بصياغة دستور جديد يحترم حقوق جميع المكونات ويضمن المساواة أمام القانون. هذا الدستور يجب أن يضع حداً لاستغلال الدين في السياسة، ويؤسس لمصالحة وطنية حقيقية تتجاوز آلام الماضي دون نسيانها. تجاوز إرث حكم الأسد، الذي لم يكن يمثل طائفة بأكملها بل مشروعاً سلطوياً فردياً، ممكن تماماً إذا اتفق السوريون على مبادئ مشتركة: وحدة الدولة، سيادة القانون، والحقوق المدنية للجميع. المصالحة لا تعني النسيان، بل بناء مستقبل يحمي الإنسان السوري بغض النظر عن انتمائه، ويمنع تكرار الانتهاكات التي طالت الجميع في مراحل مختلفة من الصراع.
في النهاية، تبقى الدعوات إلى حكم ذاتي طائفي انعكاساً لأزمة ثقة عميقة، نابعة من جروح حقيقية، لكنها ليست حلاً واقعياً بل مخاطرة بتفتيت ما تبقى من سوريا الموحدة. السوريون عاشوا كعائلة واحدة لقرون، رغم الاختلافات، وقادرون اليوم على استعادة هذه الوحدة إذا امتلكوا الإرادة الجماعية لبناء دولة مدنية ديمقراطية تحمي التنوع بدلاً من تقسيمه. يبقى السؤال المفتوح: هل تملك النخب السياسية والاجتماعية السورية، من مختلف المكونات، الشجاعة لتجاوز إرث الانقسام، وصياغة مشروع وطني يضع الإنسان في قلبه، لا الطائفة أو الخوف من الآخر؟ الجواب ليس في الشعارات وحدها، بل في القدرة على الحوار الوطني الشامل الذي يعيد الاعتبار لفكرة سوريا الجامعة، كضمانة لسلام دائم وكرامة مشتركة.
الحكم الذاتي قد يبدو للبعض مخرجًا، لكنه في الحقيقة باب إلى التفتيت. البديل هو دستور مدني، مصالحة وطنية، ورؤية جامعة تعيد الاعتبار لفكرة “سوريا الواحدة”.
سوريا التي عاشت قروناً كعائلة واحدة، رغم تنوعها الطائفي والعرقي، لا يمكن أن تُختزل في معادلة تهديدية جديدة. المطالب بالحقوق والعدالة مشروعة، لكن الطريق إليها لا يكون عبر تفتيت الدولة أو إعادة إنتاج منطق الحرب، بل عبر دستور مدني ومصالحة وطنية تعيد الاعتبار لفكرة “سوريا الواحدة”.
كاتب سوري مقيم في تونس
العرب



