سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

عام على انتصار الثورة في سوريا مقالات وتحليلات مختارة تحديث 08 كانون الثاني 2026

مراجعة هذا الملف اتبع الراط التالي:

عام على انتصار الثورة في سوريا

تحديث 06 كانون الثاني 2026

الثورة التي تجنبت العبور من ساحة الكونكورد/ د. نوار نجمة

يناير 6, 2026 

ظهر الرئيس أحمد الشرع في أحد متاجر العاصمة السورية دمشق يشتري بعض الحوائج وقد اختلطت عليه أوراق العملة السورية الجديدة مثلما اختلطت على كل السوريين، لكن الظهور بحد ذاته كان رسالة.

ربما الصفة المشتركة والأكثر أهمية التي تجمع كل أعداء الدولة السورية الجديدة الآن، هي العجز. العجز عن إنتاج أفكار مقنعة أو اتباع استراتيجيات فعالة. فالتخبط واللجوء إلى الدعاية وحملات التشويش الإعلامي هي سياسة من ليس لديه سياسة.

كان عبور العام الأول بعد التحرير هو الامتحان والتحدي الأصعب أمام الثورة السورية، وليست غريبة تلك الحملات التي تطال الرئيس الشرع، فهو الرجل الذي عبر بالشعب السوري خلال هذا العام وشكل قناعة للعالم بضرورة دعم هذه الدولة العتيدة .

لكني أعتقد أن أهم انجازاته هو أنه نجح في أن جنب الثورة السورية بعد انتصارها المرور من ساحة الكونكورد .

و لمن لا يعرف ساحة الكونكورد، فهي اليوم تلك الساحة الجميلة في العاصمة الفرنسية باريس، والتي تتوسطها مسلة فرعونية جلبها نابليون من مصر، وتنتهي إليها جادة الشانزيليزيه وتطل عليها حديقة التويليري من الخلف والبرلمان الفرنسي أو الجمعية الوطنية من الجهة اليمنى وكنيسة المادلين من الجهة اليسرى.

وهي الساحة التي يستعرض فيها رئيس الجمهورية الفرنسية جيشه العظيم كل عام في ذكرى الثورة الفرنسية، تتقدمه فرقة من طلاب فرنسا المتفوقين خريجي مدرسة البوليتكنيك الشهيرة.

و لكن في عالم الثورات، والعبور خلال المراحل الانتقالية، فلساحة الكونكورد قصة أخرى، فهي تلك الساحة الحزينة التي نصبت في وسطها مقصلة قطعت رؤوس أعداء الثورة الفرنسية في البداية، ثم قطعت رؤوس أبنائها. ودخلت في ذلك الزمن فرنسا عصرا سمي عصر الإرهاب، احتاج لشخصية يعقوبية قاسية مثل روبس بيير، ثم لشخصية حديدية أنهت الجمهورية الأولى كان اسمها نابليون بونابلرت.

الرئيس الشرع جنب سوريا متاهات الانتقام وجنبها متاهات الفوضى وانتقل بسرعة من العزلة الدولية إلى الأبواب المفتوحة. فأصاب أعداء الدولة بالصدمة ثم أصابهم بالعجز، فما وجدوا أمامهم طرقات إلا الحسابات الوهمية والشائعات والمظاهرات المليئة بالألغام، ومشاريعاً انفصالية انتحارية تسير في أنفاق مسدودة.

في الوقت الذي تسير فيه سوريا في طريق يتسع بالتدريج، وإن كان صعباً، لكن يستطيع كل متابع نزيه و محايد أن يرى النور في نهايته بوضوح.

الثورة السورية

———————————

==================

تحديث 05 كانون الثاني 2026

———————————

 سوريا 2025.. جغرافيا احتمالات لا تهدأ ووطن بلا خريطة/ عمر الخطيب

2026.01.05

يبدو العام الأوّل في سوريا بعد “الأسد”، أقرب إلى أنّ يكون مرآة عاكسة لأعماق أزمة هوياتية سورية كانت مؤجلة أو مسكوت عنها وانفجرت في وجه السوريين مرة واحدة.

ولا شك أنّ للسوريين الكثير ليتأملوه في العام الجديد، بعد أن ودّعوا عاماً يُعتبر الأوّل منذ 14 عاماً، الذي كاد أن يخلو من البراميل المتفجرة والغارات الجوية لولا تلك الإسرائيلية.

وبالرغم من أنّ 2025 كان هو العام الأوّل من دون “الأسد”، إلا أن إرثه الثقيل ظل يقض مضاجع السوريين طوال العام، إرث من الطائفية المؤدلجة والجغرافيا المتمردة واقتصاد يترنح تحت وطأة نسبة فقر بلغت 90% وفق تقديرات أممية (OCHA) صدرت في شباط/فبراير الماضي.

وإن كان العالم يحتفل في نهاية هذا العام بإنجازات غير مسبوقة في مجالات التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي، فإنّ سوريا تبدو قلقة على أعتاب عامها الجديد أمام دعوات التقسيم والتفكك وإسرائيل المتربصة جنوباً.

جغرافيا ممزقة.. السويداء من جبل العرب إلى دولة الباشان!

لطالما ارتأى كثيرون توصيف السويداء بأنّها المدينة ذات الخصوصية، ولكن يبدو أن تلك الصفة لم تعد مجرد شعار، بل تحوّلت إلى نمط حياة، وإن كانت الروايات حول بداية الشقاق تتعدد وتختلف بحسب راويها، إلا أنّ المشهد الختامي يبدو كافياً لتلخيص ما حدث في يوليو/تموز 2025.

فالمدينة التي احتضنت الثورة السورية الكبرى ضد المحتل الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي، تبدو اليوم تائهة بين دعوات تطالب باللامركزية والانفصال عن الوطن الأم، وبين محاولات خافتة للتهدئة حذّرت من الاستلقاء في ظل الحماية الإسرائيلية، وطرف ثالث نزع عن المحافظة سوريتها، دعوات الانفصال انتهت بإعلان دولة الباشان، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بدعم مسموم من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

وما بين هذا وذاك كانت النتيجة شقاقاً كبيراً وقع بين السوريين بهذا الشأن، واغتنمت اسرائيل الفرصة بعد أن قرّرت فجأة أنها حامية الدروز وأن قصف ساحة الأمويين في دمشق واحتلال أراض جديدة في سوريا هو “ضرورة لحماية الأقليات”، في مشهد جعل السوريين يتساءلون: “منذ متى أصبحت تل أبيب خالاً حنوناً للدروز؟”، في حين أصبحت “دولة الباشان” تبدو وكأنها مشروع كانتون طائفي برعاية طائرات “إف-35” ولا يمر إلا عبر تدمير سوريا.

الساحل.. بين الولاء للدولة ودعوات “يائسة” من موسكو

أما في الساحل السوري، الذي كان يراقبه الجميع ويترقبون اندلاع حرب أهلية فيه، فقد خيّب آمال هؤلاء المراهنين مع اختيار معظم أبنائه الولاء لسوريا، وبدت الأحداث المؤسفة التي عاشها الساحل في مارس/آذار 2025 عينة مما كان يمكن أن يحصل لو حدث الصدام، الذي يحرّض ويسعى إليه بعض أركان نظام الأسد من مخابئهم في روسيا ولبنان، كما كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير لها عن شبكات التمويه التابعة لما تبقى من الحرس القديم.

ولكن تعامل الحكومة السورية مع أبناء الطائفة العلوية في الساحل وفي أرياف حمص وحماة، خلال العام المنصرم، اتسم بكثير من الحيرة والعشوائية، وفقدان السيطرة على بعض العناصر التي سمتها بـ”المنفلتة”، ورغم الهدوء الظاهر إلا أنّ الأمر لا يخلو من دعوات خرجت للتمرد على الحكومة ومطالبات باللامركزية انضم فيها أصحابها إلى الشيخ حكمت الهجري في السويداء و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في الجزيرة السورية شمال شرقي البلاد، ولكن بقيت أصواتها أضعف من أن تؤثر على الطائفة بكليتها، خصوصاً أن الطائفة العلوية لا تتبع لرموز دينية ذات تأثير حقيقي.

“قسد”.. مفاوضات ومفاوضات ومفاوضات

بالانتقال إلى محافظات الجزيرة السورية الثلاث، الرقة والحسكة ودير الزور، نجد ملف “قسد” ما يزال واقفاً عند اتفاق مارس/آذار 2025، الذي وقّعته “قسد” مع الحكومة السورية، في حين مضت الأشهر اللاحقة في مفاوضات بلا نتيجة وتصريحات إعلامية حول التمسك باتفاق لم ينفذ منه أي بند حتى الآن، وبما أنّ الشيطان يكمن في التفاصيل وبعد كل هذه المفاوضات واللقاءات يبدو أن “اتفاق آذار” مليء بهذه الشياطين.

ففي حين تريد دمشق دولة واحدة بجيش واحد، تريدها “قسد” دولة واحدة بجيوش كثيرة، وبين الشيخ مقصود في حلب وحقول النفط في دير الزور، التي يقدّر إنتاجها بنحو 150 ألف برميل يومياً، يبدو أن اللامركزية التي تنادي بها “قسد” تعني: “خذوا أنتم العلم السوري، واتركوا لنا دفتر الشيكات”.

إسرائيل.. سهم “الباشان” أصبح احتلالاً

ومتابعة للمشهد السوري السوريالي، لا بدّ من التذكير بأنه لم يمر أسبوع تقريباً خلال 2025 من دون جولة أو جولات لطائرات الاحتلال الإسرائيلي فوق سوريا، وكانت إسرائيل شنّت بداية عملية عسكرية سمتها بـ”سهم الباشان”، عقب سقوط “الأسد” في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، نفذت خلالها مئات الغارات على قواعد ومستودعات عسكرية كانت تابعة لنظام المخلوع وإيران.

ولكن العملية تطورت إلى اعتداءات شبه يومية واحتلال عدة مناطق على طول الحدود مع الجولان المحتل، وتوسعت عمليات الاحتلال لتشمل خطف المواطنين السوريين، والدخول والتجوال داخل الاراضي السورية بحرية، وفي حين أكد قادة الاحتلال أنهم لا يعتزمون احتلال أراض جديدة، فإنّ القواعد العسكرية التي أقامها جيش الاحتلال في تلك المناطق تنبئ بخطر فقدان سوريا للمزيد من الأراضي.

سوريا: جغرافيا ترفض الاستقرار

ويبقى السؤال الأهم: أين المواطن السوري وحياته اليومية في ظل هذه الجغرافيا المتشظّية؟

لا شك أن المواطن السوري هو البطل الأبرز في 2025، فهو الذي اجتاز كل ما حدث في هذه السنة الطويلة والمتخمة بالأحداث متمسكاً بتفاؤله وبقدرته على البقاء والبناء، وظل يبحث عن ملامح حياة بين ساعات تقنين الكهرباء وتذبذب سعر الدولار موعوداً بانفراج قريب بعد رفع العقوبات.

وعندما لا يستطيع المواطن معرفة ما هو التهديد الأكبر: أهو في المروحيات الإسرائيلية المحملة بالأسلحة فوق السويداء أم قافلة مليشياوية من الفلول على طريق اللاذقية أو ربما في الجار، الذي يمكن أن يدخل على المنزل المجاور لارتكاب جريمة طائفية، فإنّ الحياة تتحوّل إلى متاهة مليئة بالفخاخ.

لكن وكما يقال فإنّ “إرادة الحياة تتغلب على كل شيء” ولعل هذه المقولة هي ما يفسر اندفاع مئات آلاف السوريين إلى الساحات والشوارع في 8 كانون الأوّل/ ديسمبر الفائت، للاحتفال بمرور عام على سقوط “الأسد”، ولعل تلك الجموع تقدم إجابة لكل الأسئلة حول مستقبل بلد يتنازعه الأمل ببدء حياة جديدة وآمال أخرى تبحث عن صيغ وعناوين لترسيخ زعامتها حتى لو أدى ذلك للانفصال وحروب متنقلة.

ينتهي عام 2025 وسوريا “لامركزية” في كل شيء إلا في الألم والتضخم، الجميع يريد أن يحكم نفسه، والكل يتطلع إلى دمشق ليحملها مسؤولية الفشل، وفي “بورتريه” هذا العام، تظهر سوريا كجسد يحاول أطرافه المشي في اتجاهات مختلفة، في حين الرأس يحاول إقناعهم بأن “الطريق واحد”.. حتى لو كان هذا الطريق مسدوداً بغارة إسرائيلية.

تلفزيون سوريا

———————————

==================

تحديث 04 كانون الثاني 2026

———————————

ما بعد الثورة.. عام تثبيت الدولة/ محمد نزال

يناير 4, 2026 

تواجه الثورات عقب إسقاط الأنظمة المستبدة، حالة من الارتباك السياسي على المستويين الداخلي والخارجي. إذ نادراً ما تتوحّد القوّة المسلّحة إلا في مراحل متأخّرة من الصراع، ما يفضي في مرحلة ما بعد الثورة إلى صراعات تدافع على السلطة والنفوذ، وعلى الصعيد الخارجي غالباً ما تخضع الدول الخارجة من الثورات لاستقطاب دوليّ حادٍّ، فتجد نفسها مضطرة للانحياز إلى أحد الأقطاب العالميّة منذ لحظة الانتصار، ويغدو توجّهها الخارجي انعكاساً مباشراً لطبيعة تحالفاتها وعلاقاتها خلال مرحلة الثورة وما قبلها.

غير أن الحالة السورية تبرز بوصفها تجربة سياسية وإنسانية استثنائية، فقد توحدت البندقية قبل تحقيق النصر وإسقاط النظام، الأمر الذي أتاح فرصة نادرة لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية متماسكة، وفي الوقت ذاته لم تنزلق سوريا الجديدة إلى منطق المحاور أو الاصطفافات الدوليّة و نجحت دبلوماسيتها في إعادة تعريف علاقاتها الخارجية وفق مقاربة تراعي المصلحة الوطنية العليا، دون الارتهان لأي قطب دولي أو الانخراط في صراعات لا تخدم أولوياتها الاستراتيجية.

انطلاقاً من ذلك يمكن توصيف العام الأول بوصفه عام تثبيت أركان الدولة، حيث تصدر قائمة الأولويات الوطنية؛ العمل الدبلوماسي وتعزيز القطاع الأمني بشقيّه الداخلي والاستخباراتي وإعادة بناء المؤسسة العسكرية، وقد شكّلت هذه الملفات القاعدة الصلبة لاستعادة الدولة قدرتها الوظيفية والسيادية قبل الشروع بأي مسار آخر، كما أولت اهتماماً في إصلاح المؤسسة القضائية وإعادة بناء المنظومة الإعلامية وفتح قنوات تواصل مع المجتمعات المحليّة عبر المحافظات، بما أسهم في تعزيز الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.

وفي هذا السياق خضعت المؤسسة العسكرية لعملية إعادة هيكلة شاملة شملت إعادة تنظيم منظومة القيادة والسيطرة، وتحديث البنية التنظيمية، وتنفيذ خطّة إعادة انتشار للقوات على الجغرافيا السورية، بما يحقّق التوازن العملياتي ويعزز الاستقرار الأمني، كما جرى اعتماد لائحة تنظيمية-سلوكية داخلية هدفت إلى ترسيخ الانضباط العسكريّ وضبط قواعد السلوك المهني، وتعزيز العقيدة الوطنيّة داخل صفوف القوات المسلحة.

وفي هذا الإطار يمكن فهم عدم إيلاء أولوية مماثلة لملفات أخرى خلال العام الأول، إذ إن تثبيت أركان الدولة واستعادة الحدّ الأدنى من التماسك السيادي كان يتقدم بالضرورة على سواه من الاستحقاقات، ولا سيما في ظلّ استمرار تهديدات الفلول وبروز محاولات انفصالية ومشاريع تفكيك بنيوي شكّلت مجتمعةً عوامل ضغط مستمرة على وحدة الدولة وسلامتها الإقليمية، وهو ما يفسر كذلك غياب الحياة السياسية بمعناها الواسع، لا سيما العمل الحزبي المنظم، في هذه المرحلة، إذ لا تزال البلاد تعيش طوراً انتقالياً معقداً يتداخل فيه مسار بناء الدولة مع حالة الحرب ومخاطر الانقسام، وتدخلات ومشاريع خارجية متعارضة.

وعليه فإن أي انفتاح سياسي شامل وبخاصة على مستوى التعددية الحزبية، يفترض توفر شروط موضوعية في مقدمتها استكمال الاستقلال الوطني، وإنهاء كل أشكال الاحتلال، واستعادة السيطرة الكاملة على كامل الجغرافيا السورية، ذلك أن الشروع في حياة حزبية قبل نضوج هذه الشروط من شأنه أن يحوّل التعددية السياسية إلى عامل هشاشة إضافي وتوظيف في صراعات تقوض عملية تثبيت الدولة بدل أن تدعمها.

ومع دخول العام الجديد، يتوقع أن تنتقل البلاد إلى مرحلة أكثر تقدماً تتمثل في استكمال بناء وإصلاح المؤسسات العامة والانطلاق الفعليّ بالمشاريع الاستثمارية، مستفيدة من رفع العقوبات وتحسّن البيئة الداخلية الجاذبة للاستثمار، غير أن نجاح هذا التحوّل يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على تجاوز البنى الإدارية التقليدية والبيروقراطية المعطّلة، عبر اعتماد آليات عمل مرنة، وأطر تشريعية وتنفيذية قادرة على مواكبة متطلبات التعافي الاقتصادي.

وفي هذا الإطار يتقاطع المسار الاقتصادي مع مسار السلم الأهلي والعدالة الانتقالية ولا سيما في ظلّ العمل الجاري على إصلاح المؤسسة القضائيّة ورفع جاهزيتها المؤسسية والقانونية لإطلاق هذا المسار، إذ تشكّل محاسبة كبار مجرمي الحرب، ضمن إطار قضائي وطني مستقل، ركيزة أساسية لترسيخ الثقة العامة، وإنهاء مناخ الإفلات من العقاب وإيقاف حالات الاستفزاز التي يتعرّض لها الشعب من قبل المجرمين، بما يوفّر أساساً متيناً للاستقرار السياسي والاجتماعي.

الثورة السورية

———————————

مجددًا.. نحو دولة الأقارب والمحاسيب/ غزوان قرنفل

تعود مجددًا إلى واجهة المشهد السوري الجديد ظاهرة المحسوبية وتغليب روابط القرابة، ولكن هذه المرة في سياق ما يفترض أنه “بداية جديدة” و”مرحلة تأسيسية” لدولة القانون والمواطنة وتكافؤ الفرص! بعد عقود من النهب والخراب.

فكل ما يجري على أرض الواقع يؤكد ذلك تمامًا، إذ نشهد تسلق الإخوة والأقارب وأبناء الدوائر الضيقة للمسؤولين الجدد إلى مواقع القرار العليا في الدولة، دون أي اعتبار يُذكر للكفاءة أو الخبرة أو المؤهلات العلمية والمهنية، ودون أدنى احترام لما يجب اتباعه من آليات قانونية للتوظيف وشغل المناصب والمواقع الإدارية، وكأننا في هذا البلد، بكل ما تحمله من جراح وتحديات وما عاناه هذا المجتمع المستنزف طوال عقود، لم نتعلم شيئًا من تلك الدروس القاسية.

إن تولي الأقارب والمحاسيب المناصب الحساسة لا يمكن توصيفه بكونه مجرد خلل إداري عابر، بل هو مؤشر بنيوي على طبيعة السلطة الحاكمة ورؤيتها للدولة، فالدولة التي تدار بعقلية العائلة أو الجماعة المغلقة لا يمكن أن تتحول إلى دولة مؤسسات، لأن المؤسسة بطبيعتها تقوم على معايير قانونية وإدارية واضحة، وقواعد تنافس ضمن سياق مبدأ تكافؤ الفرص، وعلى آليات رقابة ومساءلة، بينما تقوم المحسوبية على الثقة الشخصية، والولاء، والانتماء، وليس على الكفاءة والإنجاز.

الأخطر من ذلك أن هذا السلوك يعيد إنتاج النموذج الذي قاد سوريا أصلًا إلى الانهيار، فالنظام السابق لم يسقط فقط بسبب الاستبداد السياسي، ولا بسبب البطش الأمني فحسب، بل بسبب تحويل الدولة إلى شبكة مصالح عائلية وأمنية ضيقة ابتلعت الاقتصاد وأقصي فيها المجتمع، وهمشت الكفاءات، وجففت الحياة العامة.

اليوم، وبدل أن يكون ما جرى وما تغير يمثل قطيعة مع هذا الإرث، فإنه مع الأسف يبدو كامتداد له بأدوات جديدة وخطاب مختلف، فحين يتولى شقيق مسؤول، أو قريبه، أو صهره، منصبًا رفيعًا دون مسار مهني واضح أو مؤهلات مناسبة، فإن الرسالة التي يتم إرسالها للمجتمع تبدو واضحة وقاسية.. هذه الدولة ليست لكم، وهذه الفرص ليست متاحة أمامكم، والاجتهاد والخبرة لا قيمة لهما أمام رابطة الدم أو القرب من مركز القرار! هذه الرسالة كفيلة وحدها بتدمير أي أمل ببناء عقد اجتماعي جديد.

إن بناء الدولة بعد صراع مدمر لا يكون بالشعارات والكرنفالات الاحتفالية، بل بإجراءات عملية تعيد الثقة بين السلطة والمجتمع، وأول هذه الإجراءات هو اعتماد مبدأ تكافؤ الفرص والالتزام بموجباته، وفتح المجال العام أمام الكفاءات الوطنية بمختلف انتماءاتها، وإرساء معايير شفافة للتعيين والترقية، على عكس ما يحصل اليوم تمامًا من إغلاق متزايد للدائرة الحاكمة، وتكريس لمنطق الاستئثار والتفرد.

خلال عام واحد فقط من عمرها الافتراضي، أسست السلطة القائمة لانقسام وطني عميق، ليس فقط بسبب سياساتها الإقصائية وجموحها اللامحدود نحو التفرد، بل أيضًا بسبب غياب أي جهد حقيقي للمساءلة والمصالحة وترميم التصدع المجتمعي، فهي لم تقدم مجرد رؤية حتى لمشروع وطني جامع، ولا خطوات ملموسة لإعادة إدماج السوريين بعضهم مع بعض في دولة واحدة تحترم التنوع، بل على العكس قامت بتجييش السوريين وتأليب بعضهم ضد بعض، وغضت الطرف عن المذابح والانتهاكات التي ارتكبت بحق أقليات سعت لإخضاعها بقوة السلاح بدلًا من الحوار وتعزيز المشاركة، فكرست الانقسام ثم عززته أكثر عبر التعيينات، والخطاب الإعلامي، والممارسات اليومية، وكأن الانقسام بات أداة حكم وليس مشكلة يجب العمل على حلها.

إن استمرار هذا النهج ينذر بخراب جديد يضاف إلى الخراب القائم، فالدولة التي تدار بالمحسوبيات عاجزة عن تقديم الخدمات، وفاشلة في إدارة الأزمات، وضعيفة أمام التحديات، ومع الوقت تتحول إلى كيان هش، تفقد فيه الأطراف المختلفة شعورها بالانتماء وتبدأ بالبحث عن بدائل جغرافية أو طائفية أو مناطقية، وهنا يصبح التقسيم عاجلًا أو آجلًا نتيجة شبه حتمية، دون الحاجة لوجود مؤامرة خارجية كما يروَّج عادة.

الأدهى أن السلطة الحالية لا تظهر أي مؤشر على وعي هذا الخطر، ولا على رغبة حقيقية في تغييره، فلا مراجعات، ولا اعتراف بالأخطاء، ولا إشارات إلى نية ولا مؤشر إلى رغبة بإعادة بناء الثقة وفتح المجال العام إلا للمنتفعين والمطبلين، في رسالة إلى المجتمع أن المطلوب من السوريين هو القبول بالأمر الواقع حتى وإن كان هذا الواقع يقودهم إلى مزيد من التفتت أو حتى إلى ما يرونه إعادة إنتاج نفس البنية السلطوية التي ثاروا عليها، ولكن بلبوس جديدة.

إن دولة الأقارب والمحاسيب ليست مجرد خلل أخلاقي أو إداري أو قانوني، بل هي النقيض تمامًا لفكرة الدولة الحديثة، وإذا ما استمر هذا المسار فإن الحديث عن بناء مؤسسات سيبقى مجرد وهم ومحض هراء، وستظل سوريا عالقة في دائرة إعادة إنتاج الفشل، ولكن بأسماء جديدة ووجوه مختلفة لا أكثر.

عنب بلدي

———————————

==================

تحديث 02 كانون الثاني 2026

———————————

سوريا 2025: عثرات ومجازر وانفتاح/ صبحي حديدي

ثمة سلسلة تطورات شهدتها سوريا منذ مطلع سنة 2025، التي كانت قد طوت سنة سابقة بحدث أكبر مفصلي وتاريخي هو انحلال 54 سنة من نظام «الحركة التصحيحية» وانطواء حكم الأسدَين الأب والوريث؛ وتبدّل موازين القوى على الأرض مع هيمنة «تحرير الشام»، والفصائل العسكرية المنضوية في صفها أو المتحالفة معها؛ ورحيل مقاتلي «حزب الله» اللبناني والميليشيات المذهبية التي ساندت النظام، مترافقة مع انسحابات متعاقبة لقوى «الحرس الثوري» الإيراني؛ بتوسط ومساعدة من الجيش الروسي في قاعدة حميميم الساحلية وسواها، كما سيعترف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لاحقاً…

وتلك سلسلة يمكن أن تبدأ من «مؤتمر النصر»، أواخر كانون الثاني (يناير)، واجتماع غالبية عظمى من الفصائل العسكرية التي شاركت في عملية «ردع العدوان» ودخلت تباعاً إلى حلب وحماة وحمص والعاصمة دمشق، وبسطت سيطرتها لاحقاً على سائر سوريا؛ ما خلا مناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية ـ قسد»، وبعض أرجاء محافظة السويداء (التي سوف تشهد، أواخر شباط/ فبراير، مبادرة فصائل محلية درزية إلى تشكيل مجلس عسكري، وإرسال أبكر الإشارات حول مشروع حكمت الهجري الانفصالي). ذلك المحفل العسكري/ الفصائلي، كما قد تصحّ تسميته بسبب غياب تمثيل سياسي مدني، سوف يخرج بالنتيجة الأهمّ، التي لعلها كانت مرجوة من انعقاده أصلاً؛ وهي نقل أبو محمد الجولاني من قائد «هيئة تحرير الشام»، إلى أحمد الشرع الرئيس الانتقالي؛ ضمن مناخ بدا أقرب إلى إعلان بيعة جماعية منه إلى اجتماع تداولي انتخابي.

محطة ثانية، ضمن هذه السيرورة التي تخصّ تدابير السلطة الانتقالية، كانت الدعوة إلى مؤتمر «حوار وطني»، أُحيط بآمال عريضة ووعود مفصلية نحو التحوّل من صيغة الفصيل العسكري (الجهادي، أيضاً) إلى ركائز بنيوية مختلفة تكفل نشوء الدولة. وقد يتفق المرء أو يختلف حول مخرجات المؤتمر، الذي انعقد بالفعل أواخر شباط (فبراير) على مدى يومين، وما إذا كانت مخيبة للآمال، أم هي تمهد على أي نحو ملموس لانطلاق منهجية شراكة وطنية جامعة؛ لكن الثابت، الذي تجلى بوضوح لاحقاً، أن ذلك المؤتمر لم يشكل محطة انطلاق فاصلة، حتى عند مراكز السلطة الانتقالية، والشرع نفسه في مقام أوّل.

محطة ثالثة، ضمن سلسلة التدابير النوعية والفارقة ذاتها، كانت مبادرة الحكومة الانتقالية إلى إصدار إعلان دستوري أسند إلى الشرع صلاحيات واسعة، حتى إذا كان أوحى بمستويات مرنة، وأحياناً غامضة أو مبهمة عن سابق قصد، بصدد الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، في العلاقة مع رئيس الجمهورية؛ والمسألة الحساسة حول العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا، وبناء دولة المواطنة والحرية والكرامة سيادة القانون، وما يُسمّى «مبادئ الحكم الرشيد». الإعلان أيضاً استقرّ على تسمية «الجمهورية العربية السورية»، وتوصيف عَلَم البلاد، واختيار النظام الرئاسي حيث يترأس الشرع مجلس الوزراء؛ وحصر الإسلام ديناَ لرئيس الدولة، والفقه الإسلامي مصدراً للتشريع، والنصّ على أن حرية الاعتقاد مصونة والدولة تحترم جميع الأديان السماوية وتكفل حرية القيام بالشعائر والأحوال الشخصية للطوائف مرعية.

كذلك عُهد إلى الشرع بقرار تشكيل لجنة عليا لاختيار أعضاء مجلس الشعب والإشراف على تسمية هيئات فرعية ناخبة، ومنح الإعلانُ الشرعَ حقّ تعيين ثلث أعضاء المجلس (70 من أصل 210 مقاعد)، بهدف «ضمان التمثيل العادل والكفاءة». تلك الانتخابات، إذا جازت تسميتها هكذا بالفعل، جرت بالفعل مطلع تشرين الأول (أكتوبر)، في 49 دائرة انتخابية توزعت على 11 محافظة، وتأجلت في دوائر تابعة لمحافظات الحسكة والرقة والسويداء بسبب سيطرة «قسد» والهجري على مناطقها؛ وفاز بالمقاعد 119 عضواً، وتأجل انتخاب 21 لأسباب مختلفة. ولعلّ أوضح مؤشر على الأهمية الجزئية التي يمنحها الشرع لهذه الانتخابات، غير المباشرة أصلاً، هو أنه لم يصدر حتى الساعة لائحة بأسماء ثلث الأعضاء المتبقين؛ وبالتالي لم ينعقد المجلس العتيد بعد.

حصيلة المحاسن والمساوئ خلف هذه المحطات، وسواها في قطاعات سياسية ودستورية واقتصادية واجتماعية، وإيقاعات البطء أو التباطؤ أو التأخير المتعمد أو تأجيل الاستحقاقات أو شخصنة الأولويات… لا تطمس حقائق منجزات ملموسة واضحة سُجّلت باسم إدارة الشرع الانتقالية؛ خاصة من زاوية النظر إلى الحال السورية بمنظار مرحلة انتقالية ليس مطلوباً منها أن ترسم الملامح النهائية للدولة السورية الجديدة، خلال عام واحد أيضاً، أو تخرج بصياغات عليا ونهائية للتعاقد بين المواطن والسلطة، في الحقوق والواجبات. فليس خافياً أن السلطات الانتقالية تسلمت بلداً مُقعَداً ومخرباً ومدمراً ومنهوباً، وأنّ إنجازات مثل تحسين خدمات الكهرباء، وسعر صرف العملة الوطنية واستبدالها، وعودة نحو 1,2 مليون لاجئ سوري، ورفع سقف حرية التعبير كما لم يُرفع منذ عهد الانفصال سنة 1961، وسواها في مجالات أخرى عديدة، يتوجب أن تُحتسب لصالح الشرع وحكومته.

المستوى الآخر لما شهدته سوريا من وقائع جسيمة النتائج وبعيدة الأثر، هو مجازر الساحل السوري الكبرى مطلع آذار (مارس) والتي ذهب ضحيتها المئات من المدنيين أبناء الطائفة العلوية، وأفراد الفلول من أنصار النظام البائد، وعناصر الجيش والأمن وميليشيات «الفزعة». مجازر أخرى ليست أقلّ دموية وقعت في محافظة السويداء، واتخذت صفة مختلفة من حيث المضمون السياسي لأنها اقترنت بدعوة الهجري إلى الانفصال، ورفع أعلام دولة الاحتلال في شوارع السويداء، والتدخل الإسرائيلي الذي بلغ درجة قصف مقرّ رئاسة الأركان ومحيط القصر الجمهوري في العاصمة دمشق. وبصرف النظر عن الإدانة الواجبة، الفورية والمبدئية والقاطعة، لإراقة دماء الأبرياء على سبيل خدمة أجندات هنا وهناك، أو إشباع غرائز ثأرية وطائفية عشوائية عمياء؛ فإنّ من الخطأ الفادح إغماض الأعين وإغلاق العقول على ملابسات وجود مسألة علوية، وأخرى درزية، وثالثة كردية، في سوريا الراهنة؛ كما على امتداد تاريخها الحديث والمعاصر.

والأصل، كما تتوخاه هذه السطور، هو أنّ الطوائف والإثنيات ليست متجردة عن محتوياتها الصلبة، الطبقية والاجتماعية والتاريخية، قبل أن تكون عقائدية أو مذهبية؛ وأنّ ملايين السوريين، ممّن تعددت طوائفهم ومناطقهم ولغاتهم وأعراقهم وبيئاتهم الإثنية، هم أوّلاً مجتمعات وطبقات وفئات ومصالح وتناقضات وتحالفات. وفي سياق هذا المنظور فإنّ المقاتل في صفوف هذه المجموعة العشائرية المسلحة، أو تلك الميليشيا المذهبية، قد يرتكب جرائمه من باب الانقياد خلف الشيخ غزال غزال في اللاذقية وطرطوس، أو الهجري في السويداء وجرمانا، أو راية القبيلة والعشيرة هنا وهناك، أو هذا الفصيل الجهادي أو ذاك… لكنّ الحوافز الأعمق إنما ترتدّ إلى بنى تربوية وذهنية ومصلحية أشدّ تشابكاً وتشوّشاً، وتلك مخاطر كبرى قد لا يكون وقوعها مآلاً محتوماً؛ ولكنّ معالجة أسبابها، من الجذور أولاً، ليست أقلّ من استحقاق ملحّ.

يبقى مستوى أخير حققت خلاله إدارة الشرع الانتقالية مكاسب نوعية كبرى بدورها، بعضها اختراقي ومفاجئ من حيث الشكل والمضمون (كما في زيارة الكرملين، ثمّ البيت الأبيض)، وبعضها تاريخي (كما في إلقاء كلمة سوريا من منبر الأمم المتحدة)؛ ومعظمها تخدم معضلات سوريا الداخلية، السياسية والاقتصادية والتنموية، كما في توطيد العلاقات مع أنقرة والدوحة والرياض وعمّان وأبو ظبي؛ فضلاً عن خطوات ملموسة نحو تجديد اتفاقية فصل القوات مع الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، والتمييز بين اتفاقية أمنية وانخراط في التطبيع ومحور أبراهام.

سنة حافلة كانت، بعثرات التباطؤ الانتقالي، ومخاطر المجازر والاحتقانات الطائفية، ومكاسب الانفتاح الدبلوماسي؛ وثمة، بالتالي، كثيرٌ يدعو إلى استبصار واقعي، ونأي عن الشدّ الانفعالي والجذب العاطفي.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

—————————–

سوريا.. حصاد التحوُّلات الكبرى في 2025 وآفاق العام الجديد/ شام السبسبي

دمشق- شهدت سوريا في 2025 تحوُّلات غير مسبوقة منذ ما يزيد على 5 عقود، عقب سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024، ما فتح الباب أمام تغييرات سياسية واقتصادية عميقة وتحديات اجتماعية مؤجلة.

وسعت الحكومة الجديدة برئاسة أحمد الشرع لإعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي والاقتصادي، وترميم مؤسسات الدولة، ومعالجة التدهور المعيشي.

وداخليا، واجهت الحكومة صعوبات توحيد البلاد، وتعقيدات المصالحات الاجتماعية التي اصطدمت بتوترات طائفية أعاقت بناء الثقة، إضافة لمطالب شعبية متزايدة بالعدالة الانتقالية والحريات وكشف مصير المفقودين، وسط مراقبة دولية حذرة.

أما خارجيا، فشكّلت الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة تحديا كبيرا قوّض الاستقرار الهش وزاد الضغوط على مسار التعافي.

بشائر وقرارات

وشهد مطلع 2025 تنصيب قائد هيئة تحرير الشام (تضم مجموعة من فصائل المعارضة) أحمد الشرع، رئيسا لسوريا في المرحلة الانتقالية، في خطوة هدفت لملء الفراغ السياسي والإداري بعد انهيار النظام السابق.

وتلا ذلك سلسلة من القرارات:

    إبطال العمل بدستور 2012.

    حلّ حزب البعث ومجلس الشعب.

    تفكيك الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للنظام السابق.

    إعلان الشرع “خارطة طريق سياسية”.

كما حمل 2025 بشائر إيجابية، أبرزها:

    إلغاء قانون قيصر ورفع عقوبات أميركية ودولية.

    شطب “هيئة تحرير الشام” من قوائم الإرهاب ببعض الدول.

    رفع أسماء قيادات سورية من قوائم العقوبات الأممية.

ويبقى عام 2026 مفصليا، باعتباره اختبارا لقدرة الإدارة السورية الجديدة على تحويل هذه الفرص إلى استقرار مستدام، وتحقيق توازن بين متطلبات الداخل وتعقيدات الإقليم، وطي صفحة الصراع.

داخليا وخارجيا

وفي 25 فبراير/شباط 2025، انطلق مؤتمر الحوار الوطني، بمشاركة قوى سياسية واجتماعية، وفي مارس/آذار الماضي أُعلن رسميا الإعلان الدستوري المؤقت، وأعقبه تشكيل حكومة انتقالية في 29 من الشهر نفسه، مع إنشاء مجلس للأمن القومي.

إعلان

وشهدت البلاد في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تنظيم أول انتخابات لمجلس الشعب بعد التحرير، وفق نظام انتخابي مؤقّت وغير مباشر، لتشكيل سلطة تشريعية انتقالية.

وبالتوازي مع المسار الداخلي، نشطت الدبلوماسية السورية إقليميا ودوليا خلال العام الجاري، عبر زيارات رسمية إلى السعودية وقطر وتركيا، وأخرى إلى فرنسا وروسيا، وصولا لزيارة وصفت بالتاريخية إلى واشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم.

وإداريا، شرعت الإدارة السورية الجديدة بإعادة هيكلة واسعة شملت استحداث وزارتي “الطوارئ والكوارث” و”الرياضة والشباب”، ودمج وزارات الصناعة والتجارة والتموين.

وأقرت الحكومة زيادة على رواتب العاملين بنسبة 200%، وتبنّت سياسة تحرير الأسعار التي طالت الخبز والمشتقات النفطية والكهرباء، بالتوازي مع توحيد التعرفة الجمركية، وتعديل رسوم الواردات، وإحداث هيئة عامة للمنافذ والجمارك، إلى جانب إعادة هيكلة السفارات والبعثات الدبلوماسية لتحسين الأداء وتوحيد السياسات الخارجية.

إصلاحات وتحديات

وشهد الاقتصاد السوري مطلع 2025 مرحلة جديدة اتسمت بتحسن نسبي في سعر صرف الليرة (العملة الوطنية)، مع بقاء معدلات النمو ضمن نطاق محدود.

واتخذت الحكومة السورية خطوات وُصفت بالملموسة، أبرزها الإعلان عن جذب استثمارات خارجية بنحو 28 مليار دولار وفق تصريحات الرئيس الشرع، كما أبرمت صفقات لإعادة تأهيل البنى التحتية وقطاعي الطاقة والنقل، شملت مشاريع توليد الكهرباء، والطاقة الشمسية، وتطوير الموانئ والطرق.

وأُقر نظام ضريبي جديد يتضمن إعفاءات وحوافز للصناعيين، وأُدخلت تعديلات على قانون الاستثمار لتقديم تسهيلات وضمانات بعدم تدخل الحكومة، إضافة لإعلان استئناف التداول في سوق دمشق للأوراق المالية.

وماليا، أعلن مصرف سوريا المركزي إعادة الربط بنظام التحويلات الدولي “سويفت” بعد سنوات من العزلة.

وفي حين شكل ديسمبر/كانون الأول محطة بارزة مع توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قانون الموازنة الدفاعية لعام 2026 المتضمن إلغاء قانون قيصر، وسط توقعات بعودة تدريجية للاستثمارات السورية الخارجية، شريطة اقتران ذلك بإصلاحات اقتصادية حقيقية.

وحول آفاق 2026، يرى الباحث الاقتصادي، الدكتور فراس شعبو، أن رفع العقوبات يفتح الباب أمام الاستثمار والتمويل الدوليين، خصوصا في قطاعات البنى التحتية، مؤكدا أن بعض الاتفاقات الكبرى بدأ تنفيذها في الحدود الدنيا.

لكن شعبو يشدّد -في حديثه للجزيرة نت- على أن سوريا لا تزال في مرحلة استقرار لا تعاف، إذ يتطلب التعافي استقرارا ماليا ونقديا وسياسيا، وتحسين الدخل، وتعزيز الشفافية والحوكمة.

ويشير إلى وجود تحديات كبيرة، أبرزها:

    نقص التمويل المقدر بين 250 و300 مليار دولار.

    صعوبات الاندماج الكامل في النظام المالي الدولي.

    غياب التخطيط الشامل لإعادة الإعمار.

ويحذّر شعبو من إعادة إنتاج الفساد بأشكال جديدة رغم التقدم المؤسساتي القائم.

مسار المصالحات

وخلال 2025، بذلت الإدارة السورية الجديدة جهودا ملحوظة لبناء مسار المصالحة الاجتماعية، بدأت بإطلاق عمليات تسوية أمنية شملت تسوية أوضاع المجندين في جيش النظام السابق ممن لم يتورطوا في سفك الدماء، ودعوات لتسليم السلاح وحصره بيد الدولة.

إعلان

وفي مارس/آذار 2025، تعرض مسار المصالحة الاجتماعية والوطنية لانتكاسة، بعد اندلاع أعمال عنف واسعة في الساحل السوري أدت إلى مقتل 1400 شخص.

وحول تلك الأحداث، خلُص تقرير صادر عن لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة المعنية بسوريا إلى أن جرائم حرب ارتكبت على الأرجح من جانب كل من قوات الحكومة السورية الجديدة والمسلحين الموالين لنظام الأسد.

وشكل الرئيس الشرع لجنة تحقيق وطنية، أصدرت تقريرها النهائي في 22 يوليو/تموز الماضي، وأكدت حدوث انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، شملت القتل والقتل العمد والسلب وتخريب البيوت وحرقها والتعذيب والشتم بعبارات طائفية. وحددت اللجنة أسماء 265 من المتهمين المحتملين.

وبعد أحداث الساحل، أصدر الشرع أيضا مرسوما يقضي بتشكيل اللجنة العليا للسلم الأهلي، وحُددت مهامها بالتواصل المباشر مع أهالي الساحل، للاستماع إليهم، ودعمهم بما يضمن حماية أمنهم واستقرارهم، وتعزيز الوحدة الوطنية.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بدأت السلطات القضائية السورية أولى المحاكمات العلنية بحق متورطين في أحداث الساحل.

وشهد مارس/آذار الماضي أيضا، توقيع الحكومة في دمشق اتفاقا وُصِفَ بالتاريخي مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لإعادة إدماج مؤسساتها المدنية والعسكرية في إطار الدولة السورية الموحدة، وهو اتفاق اعتُبر خطوة نحو الوحدة الوطنية والتكامل بين مكونات المجتمع السوري المختلفة.

وبالعودة إلى مسار المصالحة الاجتماعية والوطنية، أصدر الرئيس الشرع، في مايو/أيار الماضي، مرسومين يقضيان بتشكيل “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” و”الهيئة الوطنية للمغيبين والمفقودين قسرا”.

ووفقا للمرسومين، تُكلَّف هيئة العدالة الانتقالية بإظهار الحقائق حول انتهاكات النظام السابق، ومحاسبة المسؤولين، وجبر ضرر الضحايا تمهيدا للمصالحة الوطنية. في حين تُكلَّف هيئة المغيبين والمفقودين بالكشف عن مصير المفقودين، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لذويهم.

وفي يوليو/تموز الماضي شهدت محافظة السويداء، جنوبي سوريا، موجة عنف، ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 814 شخصا، وإصابة أكثر من 903 آخرين بجروح متفاوتة، في حين قدرت مصادر أخرى عدد القتلى بأكثر من 1500.

وعلى خلفية الأحداث، شكّلت وزارة العدل لجنة تحقيق لكشف ملابسات ما جرى والانتهاكات المرتكبة، وإحالة المتورطين للقضاء.

وفي 17 سبتمبر/أيلول جرى توقيع “خريطة طريق لحل أزمة السويداء” بمشاركة الحكومة السورية والأردن والولايات المتحدة، استكمالا لاجتماعات سابقة في عمّان، وأكدت الخريطة وحدة الأراضي السورية ورفض أي مطالب انفصالية.

الحاجة للسلم

ويرى الإعلامي والباحث أيمن عبد النور، أن فرص تحقيق تقدم في المصالحة المجتمعية ما تزال قائمة، خاصة مع إعلان الحكومة أن 2026 “عام التنمية”.

ويقترح توسيع العنوان ليشمل “التنمية والتعارف”، باعتبار أن التعارف بين السوريين هو المدخل الأول للمصالحة وتجاوز الأحكام المسبقة التي خلّفها النظام السابق.

ويشير عبد النور إلى الحاجة الملحّة لتشكيل فريق مختص بالسلم الأهلي يتولى تعزيز القيم الجامعة، وبث رسائل الطمأنة، والحد من الخطاب التحريضي والطائفي، معتبرا ذلك شرطا أساسيا لإدارة التنوع المجتمعي في المرحلة المقبلة.

ويؤكد أن الإدارة السورية الجديدة لم تعد تعمل ضمن بيئة متجانسة كما كان الحال في إدلب قبل ديسمبر/كانون الأول 2024، بل تواجه واقعا مجتمعيا متنوعا ومعقدا، ما يستدعي زيادة الثقة في المكونات المختلفة، وتشكيل فريق مهني عالي الكفاءة لإدارة ملف السلم الأهلي وتمهيد الطريق لمصالحة مستدامة.

معضلة إسرائيل

ويبقى التحدي الأمني الأبرز أمام تلك الإدارة هو الخروقات الإسرائيلية المتواصلة للسيادة، لما تفرضه من واقع ميداني معقّد يهدد الاستقرار ويقوض أي تفاهمات محتملة.

إعلان

فمنذ سقوط النظام السابق، نفّذت إسرائيل أكثر من 1000 غارة جوية، بينها هجمات دامية كما جرى في بيت جن، وعملية “سهم باشان” التي استهدفت مئات المواقع العسكرية.

وشهد عام 2025 مئات عمليات التوغل البري في الجنوب، أسفرت عن السيطرة على مساحات واسعة، في خرق لاتفاق 1974، وتصاعد التدخل ليشمل قصف مواقع سيادية في دمشق.

وفي السياق، يرى الباحث في مركز جسور للدراسات، وائل علوان، أن عام 2026 سيشهد استمرارا في محاولات التوصل إلى تفاهمات بين الحكومة السورية وتل أبيب، لافتا إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو تميل لكسب الوقت، ما قد يدفعها إلى تنفيذ عمليات محدودة في سوريا.

ويقول علوان للجزيرة نت إن الضغوط الأميركية عامل أساسي لمنع الإخلال بالاستقرار الإقليمي، خاصة وأن مسار المفاوضات معقّد، وأن “إسرائيل تتعامل مع الحكومة السورية على اعتبارها ضعيفة، في حين تجد دمشق نفسها أمام شروط غير ممكنة ﻷنها تمس استقرار سوريا والجنوب عموما”.

ويبين علوان أن أوراق القوة السورية ترتكز في الضغط الأميركي والحاجة الإقليمية والدولية إلى الاستقرار في ما يخص الملف السوري الإسرائيلي، معتبرا أن الوصول إلى اتفاق أمني هو أولوية لدمشق وتل أبيب على حد سواء.

سيناريوهات

ومن جملة التحديات الأمنية التي تواجهها الإدارة السورية في طريق توحيد البلاد وفرض الاستقرار، تبرز عرقلة تنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس مع “قسد”، القاضي بدمج قواتها ضمن مؤسسات الدولة السورية.

وفي السياق ذاته، تشهد محافظات الساحل والسويداء خروج دعوات ذات طابع انفصالي تستند إلى مخاوف أمنية وطائفية بعد الأحداث الأخيرة في المنطقتين ما يشكل تحديا مباشرا لوحدة البلاد.

ويضاف إلى ذلك ملف الاتفاق الأمني مع إسرائيل، الذي يرى علوان أنه يراوح بين سيناريوهين:

    نجاح الضغوط الأميركية والدولية والتوصل إلى تفاهمات تؤدي إلى خفض مستوى التوتر الأمني ومنح الإدارة السورية هامشا أوسع للتركيز على تثبيت الأمن الداخلي وبسط سلطة الدولة.

    استمرار التعطيل الإسرائيلي وبقاء الجنوب ساحة مفتوحة للتصعيد، ودخول سوريا في مرحلة أكثر تعقيدا على الصعيدين الداخلي والخارجي.

    ما المخاطر والتحديات التي تواجه الاقتصاد السوري بعد قانون قيصر؟

    رفع قانون قيصر يفتح نافذة أمل للاقتصاد السوري، لكنه يكشف في الوقت ذاته هشاشة بنيوية عميقة تجعل التعافي مرهونا بإصلاحات مؤسسية ومصرفية طويلة ومعقدة.

    صور للاحتفالات الشعبية في سوريا برفع عقوبات قانون قيصر- المصدر: الإخبارية السورية @AlekhbariahSY علX

    هل تنجح واشنطن في عقد اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل؟

    تُعَد التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري محاولة لفرض واقع أمني جديد يتجاوز الحدود المتفق عليها تاريخيا، في ظل مساعٍ أميركية للتوصل إلى ترتيبات أمنية تمنع التصعيد العسكري بين الطرفين.

    سيناريوهات – سوريا وإسرائيل والترتيبات الأمنية المحتملة

    مصدر أمني يكشف للجزيرة نت تحييد خلية خطرة لتنظيم الدولة بإدلب

    في اعتقالها لخلية تابعة لتنظيم الدولة تؤكد الحكومة السورية جديتها في ملاحقة التنظيم وكل ما من شأنه أن يمنع الاستقرار بسوريا، ورغم ذلك يبدو أن تحديات جلية تواجه دمشق مع استمرار وجود داعمين للتنظيم.

    الوصول لمعلومات موثوقة ودقيقة أدى لاعتقال خلية تنظيم الدولة في إدلب (الجزيرة)

    منحة الكهرباء بعد 40 سنة عزلة.. هل بدأ البنك الدولي فتح خزائنه لسوريا؟

    منحة البنك الدولي للكهرباء في سوريا تمثل أول اختراق مالي دولي منذ عقود، وتفتح نافذة مشروطة لإعادة ربط الطاقة والتمويل وسط تفكيك تدريجي للعزلة واستمرار رهانات الاستقرار والإصلاح.

الجزيرة

——————

ماذا عن سوريا؟/ خير الله خير الله

02 يناير ,2026

شهدت 2025 تحوّلات كبرى وستكون سوريا، من دون مبالغة، حجر الزاوية لمرحلة جديدة في المنطقة للمرّة الأولى منذ العام 1979.

الثابت الوحيد إلى الآن، أي منذ رحيل بشّار الأسد إلى موسكو أنّ لا عودة إيرانيّة إلى سوريا. سيكون نجاح سوريا نجاحاً عربيّاً قبل أي شيء. سيكون تصحيح المسار الإشكالية الأبرز في المشهد السياسي السوري نظراً إلى أن التصحيح لم يعُد خياراً يُناقش، بل تحوّل إلى ضرورة قصوى، سواء جاء استجابة لمطالب داخليّة بالاستقرار، أو نتيجة إرادة دولية.

يظلّ الهدف الأساسي بناء سلطة وطنية جامعة، تعبّر عن إرادة السوريين جميعاً، وتعمل على جمع الشمل تحت مظلة مواطنة متساوية تحمي الجميع، وتجعل من الانتماء إلى سوريا الهوية العليا التي تعلو على أي انتماءات أخرى ذات طابع مذهبي أو طائفي أو قومي. هذا ما يدعو إليه أحمد الشرع علناً. وهو أمر يحتاج إلى خطوات عملية على أرض الواقع بغية التحوّل إلى نهج معتمد من السلطة الجديدة.

إنها معادلة تتعلق ببقاء سوريا دولة متماسكة. تتعلّق عملياً بالنجاح في امتحان ما بعد نظام آل الأسد الذي لم يمتلك أي شرعيّة من أي نوع في يوم من الأيام. لا يعود ذلك إلى أنّه ولد من رحم انقلابات عسكرية متتالية بدأت يوم الثامن من مارس 1963 فحسب، بل يعود أيضاً إلى أنّ نظام آل الأسد قام على فكرتين أساسيتين. كانت أولاهما الحصول على ضمانة أمنية إسرائيلية للنظام في مقابل تسليم الجولان الذي حصل في 1967 والثانية تكريس وجود طبقة تنتمي إلى طائفة بعينها تسيطر عملياً على المفاصل الرئيسية للبلد وتتحكم بها في مجالات الأمن والسياسة والاقتصاد…

من هذا المنطلق، فإن الخيار الإستراتيجي الأكثر واقعية في هذه المرحلة يكمن في السعي الحثيث لتعتمد الإصلاح وتغيير المسار.

تبرز هنا نقطة ضغط محورية، فالانفتاح الذي قامت به الإدارة السورية الجديدة، بخاصة مع الغرب، هو سلاح ذو حدين. فهو وإن كان يُرى كمنفذ للنجاة، فإنه في حقيقته قد يمثل فخاً أيضاً، إذ إن هذا الانفتاح لن يكون بلا ثمن. يشكّل هذا الانفتاح الدولي النافذة التي تُدخل من خلالها آليات الرقابة والحوكمة. هذه الآليات نفسها ستتحول مع الوقت إلى أدوات ضغط مستمرة لإجبار أي سلطة على مراجعة سياساتها وتعديل الأساليب، في حال أرادت الاحتفاظ بأي دعم أو اعتراف دوليين.

من هُنا يأتي الدور المحوري للسوريين والسوريات والمجتمع المدني السوري. فالمظلة الدولية القائمة، والقلق الأوروبي المُلح حيال مسألة استقرار سوريا واستمراره والذي ينبع في معظمه من قضية اللاجئين واللاجئين فقط توفّر فرصة تاريخية. سيكون على القوى التي يتشكّل منها المجتمع السوري استغلال هذا الاهتمام والضغط للدفع باتجاه تحقيق مطالب الشعب في الديمقراطية والتعددية والحكم الرشيد. يفترض أن يكون التركيز على تحويل المساعدات الدولية من مجرد منح لإطفاء الحرائق إلى أدوات للبناء المؤسسي المستدام، عبر ربط المنح والقروض الميسرة بمسارات موازية للإصلاح السياسي والرقابة المدنية، تقود نحو سوريا المنشودة. وسيدرك الشعب السوري أن التغيير ليس مخيفاً، فالدول تُبنى بالمؤسسات. بكلام أوضح، تبدو الحاجة إلى طلاق فعلي مع نظام آل الأسد وممارساته.

من الواضح أن الإدارة الحالية، ممثلةً بالرئيس أحمد الشرع وحكومته، بدأت تدرك، خطورة هذه المعادلة، ويدرك الرئيس السوري والحكومة التي شكّلها أن الاستقرار الحقيقي يحتاج مشاركة وطنية حقيقة، وأن تحقيق الشراكة الوطنية هو الضامن الوحيد لخلق بيئة جاذبة للاستثمارات العربية والدولية… وتوفير التمويل الضروري لإعادة الإعمار والتنمية. هذا الإدراك يبقى المدخل الواقعي الوحيد المتاح اليوم لإحداث التأثير والتغيير المرجو في سوريا.

يبقى أن اعتماد مسار إصلاحي يبقى المسار الواقعي الأوحد المتاح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سوريا، والسبيل الأوحد لوضع الحجر الأساس لمستقبل أفضل. إنه طريق شائك وصعب، لكنه الطريق الوحيد الذي يلتقي فيه منطق الضرورة القاسي مع بصيص الأمل في إمكانية ولادة سوريا جديدة.

في ضوء هذه الظروف، ستكون السنة 2026 سنة مفصلية لسوريا والمنطقة كلّها وعنواناً لامتحان يتلخص بسؤال في غاية البساطة: هل في استطاعة سوريا الطلاق مع نظام آل الأسد والفكرتين اللتين تحكمتا به؟

نقلا عن الراي

————————————

 ماذا يريد السوريون من عام 2026؟/ د. طلال المصطفى

2026.01.02

مع بداية عام 2026، ومرور عام على تحرير سورية من نظام الأسد البائد، يبدو السوريون أقل انشغالًا بالشعارات الكبرى التي هيمنت على خطابهم طوال خمسة عشر عامًا من الثورة، وأكثر تركيزًا على أسئلة الحياة اليومية: كيف نعيش بأمان؟ كيف نحافظ على كرامتنا؟ وكيف نضمن مستقبلًا لا يُعاد فيه تدوير العنف والظلم؟

لم تُلغِ سنوات الحرب الطويلة مطالب السوريين، لكنها أعادت ترتيب أولوياتها. فقد علّمتهم التجربة القاسية أن غياب الحوكمة والعدالة، والعيش الكريم، لا يؤدي فقط إلى الفقر، بل يسهم أيضًا في إعادة إنتاج الحرب ذاته. ومن هنا، يمكن فهم تطلعات السوريين لعام 2026 بوصفها سعيًا إلى استقرار عادل، لا إلى استقرار هشّ مفروض بالقوة.

الأمن أولًا… ولكن الأمن الشامل

لم يعد الأمن في المخيال السوري مجرد سيطرة عسكرية أو حضور أمني كثيف، بل أصبح مفهومًا متعدد الأبعاد يشمل السلامة الجسدية، والحماية القانونية، والأمن الغذائي، والأمان النفسي والاجتماعي. وفي مجتمع أنهكته الحرب والاعتقالات والانتهاكات والنزوح، لا يمكن لأي تعافٍ حقيقي أن يبدأ دون إنهاء العنف المنظّم، وضمان عدم عودة الممارسات القمعية التي مارسها النظام البائد، فضلًا عن ضمان حق اللاجئين والنازحين في العودة الطوعية الآمنة.  

إن استمرار هشاشة الأمن لا يعيق فقط جهود إعادة الإعمار، بل يقوّض إمكانية استعادة الثقة الاجتماعية والمؤسساتية، ويحوّل مشاريع التعافي إلى مدخل لدورة صراع جديدة، مما يبرز أن الأمن الشامل والمتعدد الأبعاد شرط أساسي لأي عملية تعافٍ مستدامة.

الكرامة المعيشية حجر الزاوية لأي تعافٍ مستدام

أدى الانهيار الاقتصادي الحاد في سورية، وتفكك منظومة الإنتاج، وتراجع القدرة الشرائية، إلى بروز فقر بنيوي واسع يحوّل الحاجات الأساسية إلى أدوات للضبط الاجتماعي، ويحوّل الأزمة المعيشية من ظرف طارئ إلى واقع يومي يهدد القدرة على الاستمرار. لذلك، لا يطالب السوريون في 2026 بطفرة اقتصادية سريعة، بل بحد أدنى من الكفاية: فرص عمل مستقرة، ودخل يحفظ الكرامة، وخدمات أساسية موثوقة.

وتشير تجارب ما بعد النزاعات إلى أن إعادة الإعمار، في غياب حوكمة شفافة وتمثيل عادل، تتحوّل إلى أداة لإعادة توزيع الثروة لصالح نخب اقتصادية جديدة، ما يزيد اللامساواة ويغذّي شعور الظلم. ومن هنا، تتضح العلاقة المباشرة بين الكرامة المعيشية وإصلاح بنية الحكم، لتصبح الكرامة، وليس السياسات الاقتصادية وحدها، حجر الزاوية لأي تعافٍ مستدام.

العدالة الانتقالية ضرورة وطنية

لا يكفي الحفاظ على الاستقرار الأمني لبناء سوريا ما بعد التحرير، فالتحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من إدارة مرحلة مؤقتة إلى تأسيس عقد اجتماعي جامع. وفي هذا السياق، تبرز العدالة الانتقالية كمدخل أساسي لترسيخ السلم الأهلي ومعالجة إرث الانتهاكات، لا كخيار انتقامي، بل كضرورة وطنية.

فالعدالة الانتقالية تقوم على كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، بما يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. أما القفز فوق هذا المسار، أو الاكتفاء بتسويات شكلية، فيُبقي الحرب حاضرًا في الذاكرة الجمعية ويُضعف أي عقد اجتماعي جديد. ومن دون عدالة، يبقى الاستقرار هشًا، وتظل الدولة عاجزة عن التحول إلى إطار جامع يطمئن السوريين ويحصّن البلاد من الانقسام.

جبر الضرر… ليس منّة، بل حق قانوني

لا تكتمل العدالة الانتقالية دون سياسات واضحة لجبر الضرر، تعترف بما لحق بالضحايا من أذى مادي ومعنوي، وتسعى إلى تعويضهم، ولو بالحد الأدنى الممكن. ويشمل ذلك المعتقلين السياسيين والرأي في عهد النظام البائد، وضحايا التعذيب، وعائلات الشهداء، الذين تحمّلوا العبء الأكبر من كلفة الحرب.

يتطلع السوريون إلى برامج تعويض مادي مباشرة، تشمل الدعم الصحي، وتأمين الدخل أو السكن، وتوفير فرص العمل، إلى جانب تعويض معنوي يتمثل في الاعتراف الرسمي بالضحايا، وردّ الاعتبار لهم، وإلغاء الأحكام والإجراءات التعسفية التي طالتهم. فالتعويض ليس منّة، بل حق قانوني يسهم في إعادة الإدماج الاجتماعي، ويمنع انتقال مشاعر الظلم إلى الأجيال القادمة، وهو عنصر أساسي لكسر دورة الحرب.

ملف المفقودين… التزام أخلاقي وإنساني

يُعد ملف المفقودين والمختفين قسرًا من أكثر الملفات إيلامًا وتعقيدًا في الحالة السورية، لما يحمله من أبعاد إنسانية ونفسية وقانونية. إذ لا تزال آلاف العائلات تعيش في حالة «تعليق وجودي» بين الأمل والفقدان، محرومة من حقها الأساسي في معرفة مصير أبنائها.

وعليه، يتمثل أحد المطالب الجوهرية للسوريين في عام 2026 في إنشاء آلية وطنية مستقلة وشفافة لمعالجة هذا الملف، تضمن الكشف عن مصير المفقودين، وتحديد أماكن الدفن، وتسليم الرفات حيث أمكن، وإصدار وثائق قانونية تتيح للأسر تسوية أوضاعها المدنية والاقتصادية. فالتعامل مع هذا الملف ليس مسألة سياسية قابلة للتأجيل، بل التزام أخلاقي وإنساني لا غنى عنه.

مجتمع مثقل بالصدمات… وضرورة التعافي النفسي والاجتماعي

أدت سنوات العنف الممتد إلى ارتفاع ملحوظ في الاضطرابات النفسية، والتفكك الأسري، وتآكل الثقة الاجتماعية، ما يمكن توصيفه بـ«الصدمة الجمعية». وتشير دراسات ما بعد النزاعات إلى أن تجاهل برامج التعافي النفسي والاجتماعي يعمّق الهشاشة المجتمعية ويؤجل فرص الاستقرار طويل الأمد.

في هذا السياق، يطمح السوريون إلى أن يكون عام 2026 بداية لمسار جاد لمعالجة آثار الحرب النفسية والاجتماعية، عبر سياسات عامة شاملة ومبادرات مجتمعية تعيد بناء الثقة، وتعزز رأس المال الاجتماعي، وتحدّ من أنماط العنف المكتسبة التي تهدد بإعادة إنتاج الحرب بأشكال جديدة.

الأجيال الجديدة… مستقبل على المحك

يشكّل الأطفال والشباب إحدى أكثر الفئات تضررًا من الحرب، سواء من حيث الانقطاع التعليمي، أو التهجير القسري، أو تشوّه الهوية والانتماء. ومن منظور تنموي، يرتبط مستقبل سورية بشكل مباشر بقدرتها على إعادة دمج هذه الأجيال ضمن منظومة تعليمية وتربوية مستقرة.

وعليه، يتمثل أحد أهم تطلعات السوريين في عام 2026 في توفير بيئة تعليمية آمنة وشاملة، تسهم في بناء رأس مال بشري قادر على تجاوز آثار الحرب، والمشاركة في إعادة بناء الدولة والمجتمع، بعيدًا عن التلقين والإقصاء.

السياسة: من القمة إلى الجذور

رغم الإرهاق العام الذي خلّفته سنوات الحرب الطويلة، يدرك السوريون أن تحقيق الأمن، والكرامة المعيشية، والعدالة، والتعافي المجتمعي، يبقى رهينًا بحل سياسي حقيقي وشامل يعالج جذور الأزمة، لا مظاهرها فقط. فالمطلوب ليس تسوية مؤقتة أو إعادة إنتاج توازنات القوة القديمة، بل مسار سياسي يؤسس لعقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات. الدولة التي يتطلعون إليها في عام 2026 ليست دولة شعارات أو ولاءات، بل دولة مؤسسات تخضع فيها السلطة للمساءلة، وتُصان فيها الحقوق والحريات، وتُدار عملية إعادة الإعمار باعتبارها أداة للإنصاف وإعادة الاندماج الوطني، لا وسيلة لإعادة إنتاج الإقصاء أو الهيمنة.

ما يريده السوريون من عام 2026 ليس معجزة استثنائية ولا وعودًا كبرى، بل استعادة حقهم في حياة طبيعية تأخرت طويلًا: أمن بلا خوف، وكرامة بلا إذلال، وعدالة تعترف بالضحايا وتنصفهم، ومستقبل لا يُعاد فيه تدوير المأساة بأشكال جديدة. هذه المطالب، في جوهرها، ليست طموحات قصوى، بل شروط الحد الأدنى لبناء مجتمع قابل للحياة بعد سنوات من العنف والانقسام.

تلفزيون سوريا

———————————

==================

تحديث 01 كانون الثاني 2026

———————————

 العدالة والهوية والتمثيل…هواجس السوريين في عام التحرير/ مصطفى الدباس

الأربعاء 2025/12/31

منذ سقوط نظام الأسد، تحولت وسائل التواصل من مساحة خائفة ومحاصرة، إلى الساحة الأوسع للتعبير عن المزاج السوري والمكان الأول الذي تظهر فيه الانفعالات الأولى، حيث يختلط الخبر بالصورة، والتسريب بالشائعة، والنقاش السياسي بالأحاديث اليومية.. وخلال هذا العام، برزت مجموعة من القضايا التي تكررت بشكل دائم في  في أحاديث السوريين مما جعلها الأكثر تداولاً بين السوريين، والأقدر على تلخيص أسئلتهم.

فلول الأسد والتكويع

منذ الأسابيع الأولى لسقوط النظام، ظهر مصطلح “فلول الأسد” في صفحات السوريين للإشارة إلى الضباط ورجال الأعمال والميليشيات المحلية والشخصيات الإعلامية والفنية التي أفلتت من المساءلة، أو عادت إلى الواجهة بأدوار جديدة وصفت بأنها “إعادة تدوير”، وظهر مصطلح “التكويع” لوصف كل شخصية كانت مدافعة عن النظام ثم سارعت إلى تبديل خطابها بعد سقوطه.

ملف فلول الأجهزة الأمنية ظهر على نحو خاص مع اسم فادي صقر، القائد السابق لميليشيا الدفاع الوطني في دمشق، المتهم بدور محوري في مجزرة حي التضامن العام 2013، والذي عاد اسمه بقوة في 2025 مع تقارير عن ظهوره في الحي ذاته بصفة “وجه مصالحة”، في ظل غضب عارم في مواقع التواصل من مشاهدته يتجول في سوريا، حسبما رصدت تقارير حقوقية وصفحات محلية.

بالتوازي، تحولت أخبار التسويات التي أجراها ضباط كبار من زمن الأسد إلى مادة شبه يومية، مثل اللواء طلال مخلوف، القائد السابق في الحرس الجمهوري، الذي أُشير إليه في تقارير متخصصة كمثال على تسويات تمنح بطاقات “حماية مؤقتة” لرموز أمنية سابقة، مما وسّع شعور قطاعات واسعة من السوريين بأن مرحلة ما بعد الأسد لم تحسم بعد مصير المتورطين من الأجهزة الأمنية الأسدية.

العدالة الانتقالية والبحث عن المفقودين

الملف الثاني الذي احتلّ مكاناً راسخاً في ترندات السوريين، كان العدالة الانتقالية، بوصفها مصطلحاً قانونياً ورغبة ملحة لعشرات آلاف عائلات المفقودين.. ومع وصول صور ووثائق جديدة من أرشيف “محاكم الميدان” ومعتقلات النظام السابق إلى الإعلام، ثم وسائل التواصل، صار النقاش حول العدالة الانتقالية مرتبطاً مباشرة بأسماء السجون، وبأسئلة من نوع من يُحاسب ومن يُعفى عنه وكيف تُعاد كرامة الضحايا؟

وشكل إنشاء “اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية” و”اللجنة الوطنية للمفقودين” من قبل الحكومة الانتقالية، نقطة تحول مؤسساتية، لكنه في الوقت ذاته غذى نقاشاً واسعاً في وسائل التواصل بين من رأى فيه خطوة أولى ضرورية، ومن اعتبره بطيئاً ومحدوداً ولا يمس كبار المتورطين.

ومع نهاية 2025، أطلقت وسائل إعلام دولية تحقيقات جديدة عن آلة القتل في سجون الأسد، استندت إلى عشرات آلاف الصور التي خرجت إلى العلن بعد سقوط النظام، ما أعاد صيدنايا إلى واجهة النقاش، وربط بين الأرشيف المصوّر والمقابر الجماعية المكتشفة في محيط دمشق، وحملات أهالي المفقودين المطالبين بتحديد أماكن الدفن قبل الشروع في أي مشاريع عمرانية في تلك المناطق.

مجازر الساحل و أمن العلويين

وحلت أحداث الساحل السوري  في قلب اهتمامات السوريين طوال العام بعد سلسلة من المجازر والاعتداءات التي استهدفت أحياء وقرى علوية، في سياق صراع مركب بين فلول النظام السابق وفصائل مرتبطة بالسلطات الجديدة، ومجموعات محلية مسلحة، إذ وثّقت تقارير صحافية وحقوقية موجات قتل طائفي في آذار/مارس ونيسان/أبريل 2025، خصوصاً في مناطق من ريف اللاذقية وبانياس، حيث قتل مئات المدنيين في أعمال انتقامية. وتحولت صور الجثث في الطرق ومقاطع الفيديو التي تظهر مجموعات مسلحة تهتف بشعارات انتقامية، إلى محتوى يومي في وسائل التواصل، وارتبطت بتقارير صحافية تحدثت عن دور مجموعات من فلول النظام في إشعال مواجهات، وعن ضعف قدرة السلطة المركزية على ضبط السلاح العشوائي، مما جعل الساحل نموذجاً لمناطق تنتقل من مظلّة الحماية الأمنية القديمة إلى فوضى سلاح يدفع المدنيون ثمنها مرة ثانية.

السويداء

السويداء بدورها، ظلّت حاضرة طوال العام 2025، امتداداً لحضورها في السنوات الأخيرة من حكم الأسد، لكن مع تحوّل نوعي بعد سقوطه وخصوصاً بعد أحداث شهر وعمليات قتل ذات بعد طائفي، ومواجهات بين مجموعات محلية وعشائر عربية مدعومة من السلطات، وبين هذه المجموعات نفسها أحياناً، مما جعل كل حادث إطلاق نار أو اغتيال أو اعتداء على حاجز، مادة فورية للجدل في منصات التواصل مع نقاش واسع حول موقع الدروز في سوريا الجديدة، وعلاقتهم بالسلطات في دمشق وشكل سوريا المستقبلية، وكيف تدار العلاقة بين السلطة الجديدة والمكونات غير السنية، وكيف يمكن منع انزلاق البلاد إلى دورة طويلة من الحروب المحلية.

خطف النساء

وبرز ملف العنف ضد النساء وخصوصاً من الطائفة العلوية  بقوة في 2025، بعد تقارير عن موجة جديدة من الخطف والاغتصاب في مناطق الساحل وحمص وحماة، استهدفت نساء علويات على خلفية طائفية وانتقامية، إذ وثّقت وكالات أنباء ومنظمات حقوقية عشرات الحالات بين شباط/فبراير وتموز/يوليو. ويحمل هذا الملف  طبقات من الذاكرة، لكنه في العام 2025، أخذ بُعداً مضاعفاً، لأن السياق هذه المرة هو ما بعد سقوط النظام، حيث يفترض أن تكون الدولة قادرة على حماية النساء ومحاسبة الجناة، مما جعل كل خبر عن حادثة جديدة شرارة لموجة غضب وتعاطف ونقاش في وسائل التواصل، بين من يركّز على الطابع الطائفي للجريمة، ومن يربطها بفشل أجهزة الأمن الجديدة ومن يحذّر من تحويل معاناة النساء إلى أداة لتبرير خطاب طائفي مضاد.

لم يغب سجن صيدنايا عن خطاب السوريين طوال العام، فالصور الجديدة التي نشرتها وسائل إعلام دولية عن منظومة الاعتقال والتعذيب والقتل بين 2015 و2024، مع الكشف عن عشرات آلاف الصور غير المنشورة سابقاً، أعادت السجن إلى واجهة النقاش، وربطت بين الأرشيف البصري والقصص التي ترويها عائلات المفقودين، وبين حملات المقابر الجماعية على أطراف دمشق.

في الوقت ذاته، أظهر تقرير مشترك بين منظمات سورية ودولية استمرار زيارات الأهالي لمواقع مقابر جماعية تم الكشف عنها بعد سقوط النظام، ومحاولتهم نبش القبور بأيديهم أحياناً بحثاً عن أثر لأحبائهم. وانعكست هذه المعطيات في وسائل التواصل في شكل حملات تضامن، ونقاشات حادة مع وزارة العدل الجديدة إثر تحذيرها من نشر صور الجثث المعذبة من دون موافقة الأهالي لحماية الخصوصية والكرامة، وهي خطوة رآها كثيرون محاولة لتقييد مساحة التوثيق الشعبية التي صنعتها صور قيصر وما لحق بها.

الطائفية والهوية

ويتقاطع كل ما سبق من ملفات في نهاية المطاف عند سؤال الطائفية والهوية، الذي احتل بدوره مساحة واسعة في نقاشات 2025، حيث وثقت تقارير بحثية وإعلامية صعود خطاب كراهية صريح في وسائل التواصل مع ربط مباشر بين ما ينشر، وما يقع على الأرض من اعتداءات وانتقامات متبادلة، وكأن سقوط نظام الأسد فتح الباب أمام أدبيات كانت مكبوتة، لكنها حذّرت في الوقت ذاته من أن غياب إطار واضح للعدالة الانتقالية، يسمح لدوامة الثأر بأن تتغذى على نفسها، وأن يتحول الفضاء الرقمي إلى غرفة صدى تعمق الصور النمطية القديمة بدل تفكيكها.

وعلت أصوات النقاشات التي يقودها ناشطون وناشطات من مختلف الخلفيات وتدعو إلى خطاب لا يختزل العلويين في صورة الجلاد، ولا الكرد في صورة الانفصالي، ولا الدروز في صورة “المتردد”، ويربط العدالة بمحاسبة الأفراد والمؤسسات، لا الجماعات ككل، وهي نقاشات باتت جزءاً من المشهد اليومي حتى إن كان تأثيرها على الأرض ما يزال محدوداً.

ضمن هذا كله، كان ملف الفنانين السوريين، وفي مقدمهم سلاف فواخرجي، أحد أكثر المواضيع تداولاً، بسبب دورهم في الترويج لخطاب النظام السابق، ثم في تبرير الجرائم أو إنكارها حتى بعد سقوطه، وتحولت قرارات نقابة الفنانين في دمشق بفصل فواخرجي من سجلاتها بسبب مواقفها السياسية، وتصريحاتها التي استمرت في تبرئة الأسد أو التخفيف من مسؤولية نظامه عن المجازر، إلى محور نقاش واسع في وسائل التواصل، بين من رأى في الخطوة شكلاً من أشكال العدالة الرمزية، ومن اعتبرها متأخرة أو شكلية، خصوصاً وأن فواخرجي لم تتراجع عن خطابها، وأكدت في عدة مناسبات تمسّكها بروايتها عن عائلة الأسد الفار.

الكهرباء

وبقيت الكهرباء واحدة من أكثر الملفات التصاقاً بالحياة اليومية، وبالتالي حضوراً في وسائل التواصل، إذ عاش السوريون عام 2025 بين وعود إصلاح قطاع الطاقة عبر اتفاقيات كبرى مع شركات قطرية وأميركية وتركية، وبين واقع تقنين قاس وارتفاعات في أسعار الكهرباء، حول فواتير الكهرباء إلى مادة غضب وسخرية في فايسبوك، في الوقت ذاته، استمرت قصص الأحياء التي تعتمد على المولدات والطاقات الشمسية، لتصبح هذه القصص جزءاً من السردية اليومية في وسائل التواصل، حيث تظهر الكهرباء كاختبار حقيقي لقدرة الدولة الجديدة على تقديم خدمة أساسية بعيداً عن الشعارات والوعود المؤجلة.

ذكرى التحرير

وفي الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2025، يوم الذكرى الأولى للتحرير، بدت سوريا كأنها تتعرّف من جديد إلى نفسها، حيث امتلأ الساحات بحشود ترقص وتغني وتسخر من الأسد تحت شاشات عملاقة وعروض جوية مرّت فوق مبنى التلفزيون. في ذلك اليوم تحديداً، ومع كل البث المباشر ومقاطع الفيديو التي أعادت تدوير المشهد في وسائل التواصل، ظهر أن السوريين رغم الخلافات العميقة حول العدالة والجيش والهوية، ما زالوا قادرين على الاجتماع حول لحظة واحدة تقول إن سقوط النظام كان بداية زمن آخر لا يريدون التفريط به.

اعتصامات الساحل

وجاءت اعتصامات الساحل في 28 و29 كانون الأول/ديسمبر بعد يومين من التفجير الإرهابي الذي استهدف مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب بحمص لتعيد العلويين إلى المشهد، وفتحت الباب أمام لحظة خوف جماعي، تحولت بسرعة من تضامن واحتجاج بعد دعوة من الشيخ غزال غزال  إلى ساحة قابلة للاشتعال بخطاب طائفي متوتر.وفي قلب المشهد، ظهر في تسجيل مصور أشخاص ملثمون وسط المتظاهرين، قالوا إنهم يتبعون “سرايا الجواد” و”سرايا درع الساحل”، بالتوازي مع كتابات وشعارات على الجدران تحمل تذكيرا بنظام الأسد، وعبارات تهديد من نوع “الأسد أو نحرق البلد”، مما دفع الحدث إلى منطقة رمادية بين احتجاج شارع، ومحاولة استثمار سياسي وأمني لصورة الشارع.

ومع توسع التجمعات، انزلقت بعض الاعتصامات إلى احتكاكات ورشق حجارة وإطلاق نار وأعمال شغب في اللاذقية ومحيطها، ووردت تقارير عن سقوط قتلى بينهم عنصر أمن، بينما تحدثت وزارة الداخلية عن اعتداءات نفذتها مجموعات مرتبطة بفلول النظام السابق، في وقت كانت فيه عبارات طائفية تنتشر في الشارع وعلى مواقع التواصل، وتعيد إنتاج مفردات تحريض قديمة، وتدفع النقاش كله إلى منطق “من يمثل من؟”، بدلاً من سؤال أبسط وأشد إلحاحاً، من يضمن حق الاحتجاج ويمنع تحويله إلى صراع أهلي ولماذا خرج الناس إلى الشوارع؟

المدن

———————————

 مع اقتراب انهيار “تحالف المهزومين”.. هل يحق للسوريين التفاؤل؟/ مصطفى إبراهيم المصطفى

2026.01.01

بمنظور المراقب المحايد، حقّقت الحكومة السورية خلال العام المنصرم الكثير من الإنجازات التي لم يكن أشد المتفائلين يتوقع أن تنجز بهذه السرعة القياسية.

ولكن في بلد خرج لتوه من حرب مدمرة أحرقت الأخضر واليابس؛ من الطبيعي ألا يشعر المواطن الذي أرهقه الفقر وانعدام الاستقرار على مدى أربعة عشر عاماً بفوارق تذكر، خاصة وأن أغلب تلك الإنجازات كانت على مستوى السياسة الخارجية، فالمواطن -عادة- لا يشعر بالفوارق إلا عندما يتحسن وضعه المعيشي.

ورغم أن النجاحات التي أنجزت تصنف أنها جاءت في سياق السياسة الخارجية، إلا أنها تبدو وبكل وضوح هي المقدمات التي لا بد منها من أجل إنعاش الاقتصاد، وبالتالي كان من المفترض أن نلمس بعض التفاؤل بالمستقبل القريب، لكن المواطنين -في غالبيتهم- تسيطر عليهم مشاعر القلق والتوجس من المستقبل، فمن هي الجماعات التي تبث الذعر والقلق بين المواطنين؟ وما هي دوافعهم؟ ومتى ينتهي دورهم الهدام؟

“تحالف المهزومين”

شكّل سقوط النظام البائد السريع والمفاجئ صدمة لكل السوريين، أخذت هذه الصدمة طابع المفاجأة السارة عند الأغلبية منهم، وتسبّبت بحالة من الهلع والذهول لدى الأفراد والجماعات المتضررة من سقوط نظام الإجرام.

ولكن، سرعان ما استعادت هذه المجاميع توازنها وأخذت تبث سمومها في محيطها الضيق أولا، ومن ثم في الفضاء العام، وبقدرة قادر جمعت المصالح المشتركة أعداء الأمس في تحالف واحد يمكن أن نسميه “تحالف المهزومين”.

وفي تناغم ملفت راحت تلك المجاميع تصدر خطاباً تضليلياً مشككاً بإنجازات السلطة وبمستقبلها في محاولة لخلق نبوءة ذاتية التحقق تحرض لدى المواطن سلوكاً مربكاً لسياسات الحكومة، خطاباً وتنبؤات تبث الذعر والتوجس لدى أغلبية المواطنين السوريين.

تشكّل هذا التحالف من بقايا فلول النظام البائد، وانضمت إليهم فئات وجماعات أخرى لم تكن تصنف بين المهزومين بداية، بل على العكس تماماً، فإحدى هذه الجماعات كانت تصنّف ضمن القوى الثورية المعتبرة، ولكن لدوافع غير واضحة تماماً، إلا أنّها تندرج في نطاق تضرر المصالح وجدت هذه الجماعات نفسها في “تحالف المهزومين”، وانخرط الجميع في ورشة عمل لا تتوقف عن تصدير كل ما هو مربك للحكومة ومعرقل لانطلاقتها، وهؤلاء أهدافهم معروفة؛ يريدون إسقاط السلطة أو إفشالها كحد أدنى.

لكن الملفت أن تيارا ممن كانوا محسوبين من بين مؤيدي النظام البائد -دون مصالح تذكر- يروجون الإشاعات التي يطلقها “تحالف المهزومين” واضعين أنفسهم في موقع الحليف السري، وهؤلاء بالتحديد هم من حير الكثيرين في تفسير دوافعهم السيكولوجية.

“جرح النرجسية الجماعية”

عندما تلجأ الأنظمة القمعية إلى استخدام العنف المفرط ضد معارضيها؛ تستبق ذلك بتهييء باقي المجتمع نفسيا لتقبل كل ما سوف يحصل مستقبلاً من قتل وإجرام، ويتم ذلك من خلال وسائل الإعلام بالإستناد إلى تقنيات نفسية معقدة.

تكون البداية بتجريد المعارضين من وطنيتهم واعتبارهم تهديد للأمن، وسبب الأزمات، وخطر على الهوية الوطنية، ثم يوصفون بالعدوانية والخطر الوجودي، ومن ثم يتم تبرير الجرائم التي ترتكبها السلطة على أنها واجب، أو دفاع عن النفس.

المهم في الأمر أن تعرض المواطن لهذا السيل من الضخ الإعلامي، يجعله مستلباً تماماً لروايات السلطة، ومن ثم ينخرط في تأييد إجرامها معتقداً أنه على صواب، وتظهر لديه بعض الأعراض الجانبية كازدراء الطرف الآخر واحتقاره، وشعوره بالتفوق عليه.

عندما يهزم الفريق الذي انتمى إليه هذا الفرد يصاب بما يسميه علماء النفس “جرح النرجسية الجماعية”، فالهزيمة لا تجرح القوة أو تؤذي المصالح فقط، بل الإحساس بالتفوّق والاستحقاق أيضا. ومن ثم يتحول الشعور بـ”كنا نستحق النصر” إلى كراهية للآخرين الذين “سرقوا النصر الذي نستحقه”.

من جهة أخرى، لا يحب هؤلاء أن يصدقوا ما تراه أعينهم، وإلا وجب عليهم الاعتراف بسذاجتهم وأن النظام البائد كان يخدعهم، فشعور المرء بأنه ساذج ليس مرفوضاً وحسب، إنما هو يهدد إحساس الفرد بقيمته الذاتية.

وبالتالي  -حسب علماء النفس- يبذل الناس جهدهم في محاولة تجنبه، وإحدى الحيل الناجعة لتجنب هذا الشعور هي التسليم بصحة شيء غير صحيح بدلاً من اعتراف المرء بأنه قد خدع، أو أنه كان ساذجاً.

تحالف هش في طريقه إلى الاضمحلال

إذا، يمكن القول: إنّ “تحالف المهزومين” تحالف بين مجاميع غير متجانسة بالعموم؛ تجمعهم “أحقاد المهزومين” التي توصف بأنها ليست مجرد شعور غضب عابر، بل حالة نفسية-اجتماعية مركّبة، غالباً ما تكون أخطر من الهزيمة ذاتها، فبعض الأفراد أو الجماعات يجدون صعوبة بالاعتراف بالهزيمة، ويفشلون في تحويل الألم إلى مراجعة أو تعلم، وبالتالي يتحول الألم إلى حقد ومن ثم إلى رغبة في التدمير.

المشكلة في هؤلاء أنهم ليسوا معارضين سياسيين، فلو كانوا كذلك ربما انضم إليهم الكثيرون، فالحكومة التي امتدحنا إنجازاتها في مقدمة هذا المقال لديها ما يكفي من الأخطاء والتوجهات التي تدفع الكثيرين -حتى من حاضنتها- لمعارضتها، إلا أن توجهات “تحالف المهزومين” وسلوكهم يجعلهم في موقع الاتهام، فهم فئة حاقدة تبحث عن الانتقام حتى ولو كان انتقاما رمزياً، لأنّ هذا التحالف نشأ بين جماعات غير متجانسة، وغير واضحة الأهداف كان تحالفا هشا، وبدأت ملامح تصدعه تظهر مبكرا؛ فالجميع بدأ يشعر أن الآخر يستخدمه كمطية لتحقيق أهدافه الخاصة.

لذلك، ومع وصولنا لنهاية العام، علينا أن نتوقع انهيارا تاما لهذا التحالف، خاصة وأن هذا التاريخ (نهاية العام) ارتبطت به الكثير من الوعود الخلبية التي صيغت خصيصا لمداعبة مشاعر الناقمين، فلا أحداث كبيرة حدثت ولا خوارق حققت أحلامهم.

كل ما هنالك أن الموعد حان لانسلاخ أهم أركان هذا التحالف عنهم وانخراطه مرغماً في تنفيذ بنود “اتفاق 10 آذار”، وهكذا، مع تراكم الخيبات والصدمات؛ يتوقع أن يتراجع زحم “تحالف المهزومين” وتنخفض فعالية الأداء لديهم وصولا إلى مرحلة اليأس، ومن ثم الاضمحلال مع بدايات العام الجديد.

ما زالت الحكومة السورية بحاجة إلى بضعة أشهر من أجل استكمال بعض الترتيبات الإدارية واللوجستية والقانونية، لذلك، فمن المتوقّع أن يبدأ المواطن السوري بتلمس آثار الانتعاش الاقتصادي والاستقرار الأمني مع النصف الثاني من العام المقبل 2026، هذا إن بقيت الأمور تسير على هذا المنوال، ولم تحدث مفاجأة غير متوقعة.

تلفزيون سوريا

———————————

الحكاية السورية بين التحرير وامتحان الدولة/ وائل مرزا

لم يكن لافتاً أن تختار مجلة الإيكونوميست سوريا «بلد العام» في الأسابيع الأخيرة من عام 2025 بقدر ما كان لافتاً توقيت الاختيار ومعناه. فالتصنيف لم يأتِ في بداية المسار بوصفه تفاؤلاً استباقياً، وإنما جاء في نهايته تقريباً، كخلاصةٍ سياسية – فلسفية لعامٍ مضطرب، مليء بالاختبارات. ولهذا، لم تقل المجلة إن سوريا أصبحت نموذجاً مكتملاً، وإنما أشارت، بدقة لغتها المعهودة، إلى بلدٍ انتقل من كونه مأساةً مغلقة إلى كونه تجربة مفتوحة على الاحتمالات. وهذا، في منطق التاريخ، انتقالٌ بالغ الصعوبة والأهمية.

خلال عام 2025، كانت سوريا ساحة للأحداث الكثيرة والحساسة، لكن الأهم هو أنها كانت مختبراً حقيقياً لفكرة الانتقال نفسها. فنحن بإزاء دولةٍ خرجت من نظامٍ مغلق، ومن حربٍ طويلة شوّهت الاجتماع والسياسة واللغة، ثم وجدت نفسها أمام سؤال لم يُختبر سابقاً: كيف تُدار الحرية حين لا تكون مُدرَّبة؟ وكيف تُبنى الدولة من دون أن تعود إلى صورتها القديمة؟ وهكذا، نشأت مفارقة العام كلّه متمثلةً في تضخّم التوقعات مقابل شحّ الصبر، سواء لدى الداخل أو الخارج.

على المستوى السياسي، كان 2025 عاماً كاشفاً بامتياز. فقد بدأت سوريا تستعيد موقعها تدريجياً في شبكات السياسة والاقتصاد، لكن هذه العودة لم تكن خطًّا مستقيماً. ففي عالم ما بعد الصراعات، لم تعد الشرعية تُمنح بالخطاب ولا بالنيات، وإنما تُقاس بما يمكن تسميته شرعية الأداء: كيف تتصرف الدولة تحت الضغط؟ كيف تدير الأمن؟ كيف تتعامل مع الاحتجاج؟ وكيف تفصل بين السياسة والعنف؟ هنا، بدأ العالم، والسوريون معه، يراقبون التفاصيل العديدة التي تصنع الفارق الكبير.

وفي قلب هذا المسار، شكّل رفع العقوبات بوتيرة قياسية، مقارنةً بتجارب دول خارجة من نزاعات مماثلة أحد أهم مفاصل العام. ففي حالات مثل إيران أو فنزويلا أو العراق بعد 2003، احتاج تفكيك منظومات العقوبات إلى سنوات طويلة من الاستنزاف والتجريب، وغالباً ما بقي جزئياً ومفتوحاً على الارتداد. أما في الحالة السورية، فقد جرى الانتقال، خلال شهور، من خطاب العزل إلى مسار رفعٍ تدريجي ومنظّم، استند إلى معادلة واضحة جوهرُها سلوكٌ سيادي مسؤول، قدر الإمكان، في الداخل، مقابل انفتاح محسوب في الخارج. لم يكن ذلك صدفة بقدر كونه نتيجة نجاح السياسة الخارجية السورية في تقديم نفسها بوصفها طرفاً عقلانياً قابلاً للاختبار، لا حالةً أيديولوجية مغلقة، تعتمد الوقائع لا الوعود، وتُدرك أن العالم لا يكافئ النيات وإنما يستجيب للسلوك القابل للقياس.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد برز ما يمكن تسميته «ارتباك ما بعد النجاة». فنحن هنا أمام مجتمعٍ عاش طويلاً بمنطق البقاء، ووجد نفسه مطالباً فجأة بإنتاج معنى جديد للحياة العامة. ارتفعت الأصوات، وتكاثرت المطالب، وتداخل المشروع بالمظلومية، والحق بالفوضى. وفي أكثر من منطقة، خرجت احتجاجات حقيقية على تهميش أو خوف أو سوء إدارة، لكن سرعان ما حاولت قوى أخرى اختطاف هذه المساحات وتحويلها إلى منصات عنف أو شعارات انفصالية. وهنا، واجهت الدولة أحد أصعب امتحاناتها متمثلاً في حماية الحق دون مكافأة الجريمة، وضبط الأمن دون الارتداد إلى منطق القمع.

في هذا السياق، شكّلت أحداث الساحل الأولى في آذار الماضي إنذاراً مبكراً لطبيعة التحديات المقبلة، ثم جاءت الأحداث الأخيرة فيه بوصفها تكراراً أكثر فجاجة للمحاولة نفسها. وذلك من خلال استثمار الهشاشة الانتقالية، وخلط الاحتجاج بالعنف، ورفع شعارات انفصالية بقصد جرّ الدولة إلى خطأ قاتل. غير أن الفارق بين الحدثين كان واضحاً. فقد ظهر أن الدولة تعلّمت، ولو ببطء، كيف تضبط سلوكها تحت الاستفزاز، وانتقلت من ردود فعل مرتبكة إلى إدارة أكثر وعياً للكلفة السياسية والأخلاقية.

ثم إن المسار نفسه تكرّر في السويداء، من بدايةٍ مثقلة بأخطاء جسيمة في التواصل والإدارة، سمحت بتضخم سرديات المظلومية، وصولاً إلى تصاعد سياسي انتهى عند لحظة كاشفة تمثّلت في تقرير واشنطن بوست الذي عرّى الطابع الانفصالي للتحركات وكشف شبكات الدعم والتنسيق. عند تلك النقطة، وجد الانفصاليون أنفسهم وقد علقوا على الشجرة، بشكلٍ لا قدرة لهم فيه على القفز إلى الأمام دون افتضاح، ولا إمكان للعودة إلى الخلف دون اعتراف بالخسارة. وبحيث لم يبقَ سوى النزول السياسي بعد أن تحوّل الرهان من ورقة ضغط إلى عبء فاضح.

إلى جانب ذلك، برز خلال العام تحدّي قسد بوصفه أحد أعقد ملفات السيادة. فالقضية لم تعد مسألة تفاوض إداري أو ترتيبات محلية، وإنما باتت اختباراً جوهرياً لقدرة الدولة على منع تكريس واقعٍ سياسي–عسكري موازٍ تحت عناوين اللامركزية أو محاربة الإرهاب. لكن ما يصبّ في صالح الدولة أن ما راكمته قسد خلال سنوات الحرب من أمر واقع، اصطدم في 2025 بحقيقة جديدة عادت فيها سوريا دولةً واحدة في نظر المجتمع الدولي، وبحيث صارت أي محاولة لتوسيع نموذج الانفصال الناعم خارج مناطقه تتحول، سياسياً، إلى عبء على أصحابها لا إلى ورقة قوة. هنا أيضاً، اشتغلت الدولة بمنطق الاستراتيجية لا التكتيك، واضعة الصراع في إطاره السيادي طويل الأمد، بدل أن تحصره في سجالٍ عسكري أو إعلامي قصير النفس.

أما سؤالُ المعنى فقد كان السؤال الأكبر. إذ يمكن القول إن 2025 كان عام الانتقال من سؤال «من انتصر؟» إلى سؤال «كيف نعيش معاً؟». وهو سؤال تتبلور الإجابة عليه بشكلٍ بطيء، ومؤلمٍ في بعض الأحيان، كونه يتطلب إعادة بناء الثقة لا فرضها، وإعادة تعريف الهوية لا اختزالها. من هنا اكتسبت الرموز الصغيرة معناها، بدءاً من استدعاء التنوع الحضاري السوري في الخطاب الرسمي، وصولاً إلى محاولات إعادة صياغة الوطنية بوصفها إطاراً جامعاً لا ساحة صراع. وهذه ليست مجرد إشارات تجميلية، وإنما هي محاولات لضرب جذور الانقسام بدل مطاردة أعراضه.

في المحصلة، لم يكن عام 2025 عاماً للانتصارات السهلة ولا للهزائم الواضحة حين يتعلق الأمر بالحكاية السورية الجديدة بعد التحرير. وإنما كان عاماً رمادياً بامتياز، لكنه رماديّ من ذلك النوع الذي يسبق تمايز الألوان. واختيار الإيكونوميست لسوريا «بلد العام» في نهاية هذا العام لم يكن شهادة حسن سلوك، بقدر كونه اعترافاً واعياً بأن ما جرى فيها يستحق المتابعة، كتجربة فريدة لدولة تحاول الخروج من التاريخ الدموي إلى تاريخٍ قابل للعيش. والدرس الأعمق في المسألة أن الدول لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، وإنما بما تفعله في مواجهة ظروفٍ صعبة، وبقدرتها على تحويل الأزمات إلى دروس، والضغوط إلى معايير، والضرورات إلى فرص.

صحيحٌ أن سوريا في عام 2025 لم تصل بعد، لكنها بدأت تسير.

كاتب من سوريا

القدس العربي

———————————-

==================

تحديث 31 كانون الأول 2025

———————————

في ضرورة انتقال الإدارة السورية إلى “شرعية البناء”/ مروان قبلان

31 ديسمبر 2025

تحكم معظم النظم التي تأتي نتيجة ثورات شعبية أو انقلابات عسكرية بـ”شرعية الهدم”، التي يُطلق عليها أحياناً اسم “شرعية التغيير” أو “الشرعية الثورية”. ذلك أن الثورة، وفق كل التعريفات الشائعة، تشتمل على تغيير جذري وعنيف يطاول القيم السائدة في مجتمع ما، ومؤسّساته السياسية، وبنيته الاجتماعية، وسياساته العامة، وعلاقاته الدولية. والثورة لا تُعدّ، بهذا المعنى، ثورةً إلا إذا نجحت في إنجاز هدم القديم، ومن ذلك تستمدّ شرعية حكمها المبكّر؛ إذ يَمْحَض الناس عادةً تأييدهم لجماعة الحكم الجديدة لأنها خلّصتهم من نظام فاسد ظالم جثم على صدورهم طويلاً، وبثّت لديهم الأمل بإمكانية التغيير نحو الأفضل.

المشكلة أن عمر هذه الشرعية يكون عادةً قصيراً؛ إذ سرعان ما ينسى الناس، أو يرغبون في نسيان الماضي وتجاوزه والانعتاق من أسره، يحدوهم الأمل في ترجمة طموحاتهم نحو المستقبل لهم ولجيل جديد من أبنائهم، لا يريدون أن يعيش التجارب نفسها. وكلّما ابتعد الناس عن لحظة سقوط النظام القديم، تلاشت “شرعية الهدم” التي جاءت بالنظام الجديد، ما لم يُسارع هو نفسه إلى تجديدها بحيث تبقى مستندةً إلى الرضا العام، ما لم يرغب في اللجوء إلى العنف والقهر للاحتفاظ بالسلطة، والتحوّل، من ثمّ، بمرور الزمن، إلى نسخة ما من النظام الذي أسقطه.

ولإدراكها ذلك، تختار أكثر النظم الانقلابية أو الثورية الانتقال إلى شرعية دستورية – قانونية، أداتها الرئيسة الانتخاب؛ لذلك غالباً ما تنظّم اقتراعات عامّة خلال فترة قصيرة نسبياً من بلوغها الحكم، سواء كانت الانتخابات متصلة ببناء الدولة ومؤسّساتها ونظامها السياسي والاقتصادي (الدستور)، أو بتولّي حكمها (انتخابات برلمانية ورئاسية). ويكون الهدف، في جميع الأحوال، إشراك الناس في تحمّل المسؤولية، والحصول على تفويض شعبي لقيادة البلاد وفق برنامج سياسي – اقتصادي معيّن.

بعض النظم، كما النظام الحالي في سورية، يتهيّب الشرعية القانونية لأسبابٍ بعضها قد يكون مرتبطاً بمواقف أيديولوجية من الديمقراطية وسيادة الشعب، وبعضها الآخر قد يكون مرتبطاً بالخوف أو عدم الثقة بأن تعكس الانتخابات العامة مستوى الدعم الحقيقي في المجتمع؛ لذلك تجده متمسّكاً بـ”شرعية الهدم”، وجوهرها، بحسب النسخة السائدة في الساحة اليوم، تخويف الناس (في حال تلاشي دعمهم للسلطة الجديدة) من إمكانية عودة النظام السابق بممارساته البشعة. وهذا ما يفسّر احتفاء السلطة الجديدة ومواليها بأيّ تقرير صحافي يبرز ذلك، من نوع ما نشرته أخيراً “نيويورك تايمز” و”رويترز” عن محاولات رموز من النظام السابق تنظيم تمرّد في الساحل، وما نشرته “واشنطن بوست” عن الدعم الذي تقدّمه إسرائيل لتيار حكمت الهجري في السويداء. لا يساورنا شكّ في صحّة المعلومات التي أوردتها هذه التقارير الصحافية، وفيها بالتأكيد ما يقلق، لكن المبالغة في إبرازها تفيد أيضاً في تخويف الناس، ودفعهم إلى الاستمرار في الالتفاف حول السلطة الجديدة، وتقبّل أيّ شيء تفعله، حتى لو كان فيه ضرر، بمبرّر عدم عودة النظام السابق.

تفهم السلطة الجديدة مدى كره الناس للنظام البائد وخوفهم من احتمالية عودته (مع أنها صفرية تقريباً)، وهي تحرص لذلك على تذكيرهم يومياً تقريباً بفضلها في إسقاطه. وقد تحوّل عملها هذا إلى ما يشبه الأسطورة المؤسّسة لحكمها وشرعيتها، لكن هذه الاستراتيجية بلغت مداها تقريباً، كما تدلّ المؤشّرات. وفي ظلّ تخوفها من الشرعية الدستورية، لا تملك السلطة الجديدة بديلاً من الانتقال من “شرعية الهدم” إلى “شرعية البناء”.

بعد زوال المعوقات السياسية والقانونية الدولية التي تمنع ذلك، وآخرها إلغاء قانون قيصر، ينتظر السوريون تحسّناً في أوضاعهم الأمنية والمعيشية، وفي مستوى الخدمات، ونجاحاً أيضاً في جذب الاستثمارات الخارجية، وتوحيد البلاد. ورغم المستوى الكارثي الذي ترك عليه النظام البائد البلد، فإن الناس لن يعودوا بعد فترة مستعدّين لسماع تبريرات ماضوية في حال العجز عن ترجمة طموحاتها إلى وقائع ملموسة، بل ستحمّل السلطة الجديدة المسؤولية في تهيئة الظروف التي تسمح بذلك.

خلاصة القول: استمدّ النظام الجديد شرعيته خلال العام المنصرم (2025) من نجاحه في إسقاط القديم. فإذا فشل في إحداث تغيير إيجابي ملحوظ في حياة السوريين خلال العام المقبل (2026)، فالأرجح أنه سيبدأ بفقدان دعمهم، لأن التخويف ليس استراتيجية بقاء، بل تكتيكات آنية صلاحيتها محدودة. ولأنه لا يمكن فصل الأمن عن الاقتصاد، وكليهما عن المسار السياسي، فالأولى أن يبدأ التفكير برؤية وطنية متكاملة لمستقبل البلاد، قبل أن يضيق الناس ذرعاً بالأسطورة المؤسّسة للنظام الجديد.

العربي الجديد

———————————

سوريا في 2025: عام التحولات الكبرى.. والمرحلة الانتقالية العالقة/ أغيد حجازي

30 ديسمبر 2025

شكّل عام 2025 سلسلة من التحولات السياسية والأمنية الحادة في سوريا، بدأت مع مؤتمر النصر الذي عُقد في 29 كانون الثاني/يناير، بحضور قيادات الفصائل العسكرية، وأسفر عن تعيين أحمد الشرع رئيسًا للمرحلة الانتقالية، وحلّ الجيش والأجهزة الأمنية ومجلس الشعب، إلى جانب تعليق العمل بدستور عام 2012، في خطوة دشّنت مرحلة سياسية جديدة في البلاد.

وفي سياق محاولة ضبط المرحلة الانتقالية سياسيًا، عُقد مؤتمر الحوار الوطني في 24-25 شباط/فبراير، بهدف التوصل إلى حلول توافقية حول مستقبل المرحلة المقبلة. غير أن المؤتمر واجه انتقادات واسعة، إذ اعتبره كثيرون غير شامل، وأنه عُقد على عَجَل، ولم يلبِّ التوقعات المعقودة عليه، لتبقى الدعوات مستمرة لعقد حوار وطني أوسع، دون أن يتحقق ذلك حتى نهاية العام.

أمنيًا، شهدت البلاد تصعيدًا خطيرًا في 6 آذار/مارس، حين هاجمت مجموعة مسلحة عناصر من الأمن العام في محافظتي اللاذقية وطرطوس، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات أسفرت عن سقوط قتلى من الجانبين. وأعقب ذلك وصول تعزيزات عسكرية كبيرة، بالتزامن مع دعوات للنفير العام باتجاه الساحل، ما أسفر عن مجازر وانتهاكات واسعة بحق المدنيين. وقدّرت اللجنة المعنية بأحداث الساحل عدد القتلى بنحو 1500 شخص، فيما قالت مصادر أخرى إن الرقم يصل إلى نحو 5000 قتيل، بحسب صحيفة “لوموند” الفرنسية، إضافة إلى تسجيل عمليات حرق للمنازل وتكسير للمحال التجارية والممتلكات الخاصة.

وبعد أيام من تلك الأحداث، وُقّع اتفاق 10 آذار/مارس بين الرئيس الشرع والقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” مظلوم عبدي، متضمنًا ثمانية بنود تنص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما يشمل المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز. ورغم تشكيل لجان تنفيذية لمتابعة الاتفاق، لم يُتوصل حتى نهاية العام إلى صيغة نهائية، واقتصر التقدم على تبادل رسائل ومقترحات، وسط ترقّب لاحتمالات التمديد أو التوصل إلى اتفاق جديد أو الانزلاق نحو مواجهة عسكرية.

دستوريًا، وقّع الرئيس الشرع في 13 آذار/مارس إعلانًا دستوريًا من 53 مادة، حدّد مدة المرحلة الانتقالية بخمس سنوات، ومنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة. وبعد ذلك، وفي 29 آذار/مارس، شُكّلت أول حكومة انتقالية، خلفًا لحكومة الإنقاذ في إدلب، وضمت 23 وزيرًا دون تعيين رئيس وزراء، حيث تولّى الرئيس بنفسه إدارة أعمال الحكومة. وتسلّم وزارات السيادة، الداخلية والخارجية والدفاع والعدل، شخصيات سبق أن شغلت مواقع ضمن “هيئة تحرير الشام”، إلى جانب استحداث ودمج وزارات جديدة، من بينها وزارة الرياضة والشباب ووزارة الطوارئ والكوارث.

وشهد 29 نيسان/أبريل تصعيدًا جديدًا، مع هجوم مسلح نفذته مجموعات عشائرية على مدينتي جرمانا وصحنايا، عقب انتشار مقطع صوتي مزوّر نُسب إلى أحد أبناء الطائفة الدرزية، تضمّن إساءة لرموز دينية إسلامية. وتبع ذلك محاولة من قوات الأمن الداخلي ووزارة الدفاع للدخول إلى المدينتين، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من الطرفين.

وتفاقمت الأوضاع في 13 تموز/يوليو، إثر إشكال على أحد الحواجز على طريق دمشق–السويداء، بين عنصر من العشائر المنتسبين إلى الأمن العام وأحد أهالي السويداء، ليتحوّل سريعًا إلى اشتباكات واسعة. وأرسلت الحكومة قوات لفض النزاع، غير أن الفصائل المحلية منعت دخول قوات الأمن إلى المحافظة، التي شهدت لاحقًا انتهاكات ومجازر بحق المدنيين. وفي ظل هذا التصعيد، تدخلت قوات الاحتلال الإسرائيلي بذريعة حماية الدروز، ما دفع الحكومة وهيئة الأركان في دمشق والقصر الجمهوري إلى إيقاف العمليات وسحب الجيش والأمن. وأعقب ذلك اعتداءات طالت البدو والعشائر من قبل فصائل محلية في السويداء، وأسفرت عن تهجيرهم، إلى جانب تهجير سكان القرى الغربية للمحافظة.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، جرى توقيع اتفاق عمّان كخارطة طريق من سبعة بنود لحل أزمة السويداء، برعاية أمريكية، إلا أن أيًا من بنوده لم يُنفذ حتى نهاية العام.

سياسيًا ودبلوماسيًا، التقى الرئيس الشرع في 14 تموز/يوليو الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمرة الأولى في العاصمة السعودية الرياض، قبل أن يلتقيه للمرة الثانية في البيت الأبيض في 10 تشرين الثاني/نوفمبر، في زيارة تُعد الثانية له إلى الولايات المتحدة بعد إلقائه كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 أيلول/سبتمبر. كما زار موسكو، حيث التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 10 تشرين الأول/أكتوبر.

أمنيًا، شهد 22 حزيران/يونيو تفجيرًا انتحاريًا استهدف كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بريف دمشق، تبنته جماعة “سرايا أنصار السنة”، وأسفر عن مقتل 25 شخصًا وإصابة أكثر من 60 آخرين، ليكون التفجير الانتحاري الوحيد خلال العام، وثاني تفجير يتبنّاه الفصيل نفسه بعد تفجير مسجد الإمام علي في حي وادي الذهب بريف حمص في 26 كانون الأول/ديسمبر، ما أدى إلى مقتل ثمانية أشخاص وإصابة 22 آخرين.

وعقب تفجير المسجد، دعا رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، الشيخ غزال غزال، إلى تظاهرات تنديد بالهجوم، مطالبًا بإطلاق سراح المعتقلين واعتماد الفيدرالية واللامركزية السياسية. وخرجت التظاهرات في 28 كانون الأول/ديسمبر، حيث وقع إطلاق نار، قالت وزارة الداخلية إنه نفذته فلول النظام، وأدى إلى مقتل أحد عناصر الأمن العام. كما شهدت المدن مسيرات مضادة لمؤيدي السلطة، واندلعت اشتباكات بالأيدي والأسلحة البيضاء، فيما أفادت مصادر محلية بأن قوى الأمن الداخلي أطلقت النار على المتظاهرين واعتقلت عددًا منهم، لا سيما عند دوار الأزهري في اللاذقية. وأعلنت وزارة الصحة تسجيل أربع وفيات و108 إصابات، من بينهم عنصر في الأمن الداخلي.

وتُعد هذه التظاهرات الثانية التي دعا إليها غزال، بعد احتجاجات سابقة على خلفية أحداث زيدل في ريف حمص، التي اندلعت عقب مقتل رجل وزوجته وكتابة عبارات طائفية على منزلهما، ما دفع أقارب المقتول من عشيرة بني خالد إلى مهاجمة أحياء مدنية والاعتداء على ممتلكاتها، قبل أن يتبيّن لاحقًا أن الجريمة وقعت بدافع السرقة، دون تسجيل وفيات في تلك الاحتجاجات.

تشريعيًا، جرت في 5 تشرين الأول/أكتوبر أول انتخابات غير مباشرة عبر لجان فرعية شكّلتها اللجنة العليا للانتخابات المعيّنة من قبل الرئيس الشرع لانتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشعب، على أن يعيّن الرئيس الثلث المتبقي. غير أن العملية لم تشمل السويداء، الخاضعة لسيطرة ما يُعرف بالحرس الوطني، ولا مناطق شمال شرقي الفرات الخاضعة لسيطرة “قسد”، كما لم يُعيَّن الثلث الرئاسي، ليبقى مجلس الشعب غير مكتمل حتى نهاية العام.

وفي 18 كانون الأول/ديسمبر، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرار إلغاء “قانون قيصر”، الذي فرض عقوبات على سوريا منذ عام 2019، عقب موافقة مجلسي النواب والشيوخ، لتنتهي بذلك العقوبات بشكل نهائي، بعد أن سبقتها بريطانيا والاتحاد الأوروبي وكندا ودول أخرى برفع العقوبات المفروضة على النظام السابق في عهد الأسد الأب والابن.

وفي 19 آب/أغسطس، أعلنت الوكالة السورية للأنباء “سانا”، للمرة الأولى، عن لقاء جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع وفد إسرائيلي في باريس، برئاسة مستشار ووزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، وفق مصادر عبرية، التي أشارت أيضًا إلى لقاءات سابقة غير معلنة. وتمحورت المباحثات حول بحث توقيع اتفاق أمني بين الحكومة السورية وقوات الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن تتوقف لاحقًا لعدة أسباب، أبرزها طلب “إسرائيل” فتح ممر إنساني من الجولان السوري المحتل إلى السويداء، وهو ما رفضته الحكومة السورية، إضافةً إلى استقالة ديرمر.

وفي السياق الإسرائيلي، اندلعت اشتباكات في 28 تشرين الثاني/نوفمبر بين قوات الاحتلال الإسرائيلي ومجموعات محلية تصدت لمحاولة توغل داخل بلدة بيت جن بريف دمشق، وأسفرت عن استشهاد 13 سوريًا وإصابة 25 آخرين، بينهم أطفال ونساء، إضافة إلى نزوح عشرات الأهالي نتيجة القصف المكثف. وتُعد هذه الاشتباكات الثانية من نوعها بعد تلك التي شهدتها بلدة كويا في ريف درعا في 25 آذار/مارس، وأسفرت عن استشهاد خمسة سوريين إثر قصف مدفعي أعقب المواجهات.

في المحصلة، عكس عام 2025 مرحلة انتقالية شديدة التعقيد في سوريا، اتسمت بتداخل المسارات السياسية والأمنية والدستورية، من دون أن تنجح السلطة الجديدة في تثبيت معادلة مستقرة لإدارة البلاد. فعلى الرغم من الخطوات الكبرى التي أُعلنت، من حلّ المؤسسات القديمة وتشكيل حكومة انتقالية وإطلاق مسارات حوار واتفاقات داخلية وخارجية، بقيت معظم هذه الاستحقاقات معلّقة أو منقوصة التنفيذ، فيما طغت الأزمات الأمنية والانقسامات المحلية والتدخلات الخارجية على المشهد العام.

ومع نهاية العام، بدت سوريا واقفة عند مفترق طرق مفتوح على احتمالات متناقضة، بين محاولة استكمال بناء سلطة مركزية جديدة، أو الانزلاق إلى مزيد من الهشاشة والصدامات، في ظل غياب تسوية وطنية شاملة قادرة على احتواء التناقضات الداخلية وفرض حدّ أدنى من الاستقرار الأمني.

الترا سوريا

———————————

الخطاب المنتظر في العام الجديد/ سيلفا كورية

ديسمبر 31, 2025    

تستحق صورة بشار الأسد المحروقة في مظاهرات العلويين الأخيرة أن تكون من إحدى اللقطات اللافتة في نهاية العام، غابت صورته هذه عن وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، التي فاضت بسيل من الاتهامات بين طرفين غاضبين يتبادلان الشتائم والتخوين، ويتولى كل فريق دعم سرديته بكثير من الصور والفيديوهات، متجاهلاً كل ما يناقضها.

 ربما أراد بعض المتظاهرين الذين حرقوا صورة الطاغية الهارب أن يقولوا: “نحن لسنا فلول، ولسنا أيتام الأسد” هذه رسالة تحتاج إلى توقف، وربما تكون نقطة انطلاق لإعادة التفكير في الخطاب السياسي الوطني.

يقابلها رسالة أخرى مؤلمة مكتوبة بدم شهيد الأمن العام، سامي الشغري، الذي يقول والده في لقاء مصور بعد ساعات قليلة من رحيله: “حمام الدم هذا يجب أن يتوقف فلا أحد مستفيد من الطرفين”.

ماذا لو التقطت الدولة هذه الرسائل جميعها، وعملت على صياغة خطاب جديد يعكس آمال جميع السوريين؟ ربما يكون هذا هو التحدي الحقيقي الذي يجب أن نواجهه في عام 2026. لأن كل شيء يبدأ من اللغة، وما نحتاجه اليوم هو إنتاج لغة جديدة للتواصل، لغة تشمل الجميع، لغة تصنع الحوار وتعيد إنتاج السياسة التي غابت لعقود طويلة.

في نيويورك، حين سُئل الرئيس أحمد الشرع عن رسالته لمؤيديه، قال: “أنا رئيس كل السوريين” كانت هذه الإجابة تعكس فطنة وإيجابية كبيرة، فماذا لو حمل العام الجديد أيضاً ترجمة حقيقية لهذه الكلمات في جميع الميادين؟ ترجمة في الإعلام، في المؤسسات، في الجيش، في البرلمان، وفي الأحزاب، ترجمة في العدالة والقانون والتنمية التي يجب أن تشمل جميع السوريين.

ماذا لو تحولت هذه الكلمات إلى سياسات فعلية تُترجم على الأرض في شكل قوانين وبرامج تضمن المساواة و العدالة لكل فئات الشعب السوري؟

سوريا اليوم، الخارجة من جحيم القمع والصمت لعقود طويلة، لا تزال تحمل إرثها الثقيل، هذا الإرث يضاف إليه جراح جديدة.

ما حدث في الساحل من انتهاكات وأعمال قتل، وما تلاها في السويداء من تكرار للمشهد الدموي المنفلت سببا قطيعة وجدانية مع جزء من السوريين، كلها تفاصيل تزيد من تعقيد الواقع، ومع التعديات اليومية الإسرائيلية في الجنوب، تتراكم التحديات وتزداد الضغوط.

هذا الواقع يجعل الكثيرين يشعرون وكأن سوريا تقف على حافة بركان. يومياً على شاشة الإخبارية السورية وغيرها من شاشات التلفزة محللون وصحفيون يطلقون تحذيرات من انزلاق البلاد إلى دورة جديدة من العنف، وعلى الهواء مباشرة يستمع الجمهور إلى هويات ما قبل وطنية تتعارك، ويحاول كل واحد أن يثبت مظلومية جماعته ويغيب الهم الوطني الواحد، بينما يسيطر على المشهد الدعوات للمطالبة بـ”الفيدرالية” في بعض المناطق، وبـ”الانفصال” في مناطق أخرى، فيما مهلة الاتفاق مع قسد قد شارفت على الانتهاء، ما يزيد من ضبابية المستقبل والأفق المتاحة للحل.

إذا كان هناك شيء واضح مع نهاية العام وبداية آخر، فهو أن سوريا بحاجة حقيقية إلى نقاش سياسي عميق، وحوار وطني أكثر جدية وأصدق تمثيلاً، نقاش يخرج من دائرة الانقسامات الطائفية والمناطقية، ويُركّز على القيم الحقيقية للمواطنة. قد لا تكون العديد من الأطراف مستعدة لبدء هذا النقاش، وهذا أمر مفهوم، لا سيما أن مصالحها الفئوية تتقاطع مع استمرار حالة الفوضى وانعدام الأمن.

ولكن من غير المفهوم لماذا تتأخر الدولة في إطلاق مشروعها الوطني، خاصة وأنها نجحت في إدارة المشروع الدبلوماسي والعلاقة مع المجتمع الدولي، لمَ لم تُطلق بعد هذا المشروع في البيت الداخلي، في عمق المجتمع المدني؟ وتستعيض عوضاً عنه بتكريس الطوائف وممثليها من رجال الدين.

من غير المفهوم أيضاً أن يستمر تعطيل المجلس التشريعي في انتظار اكتمال تعيين الثلث المتبقي من أعضائه. إن هذا التعطيل لا يعكس الإرادة السياسية الحقيقية لإنهاء حالة الجمود. كما أن استمرار تعطيل مسار العدالة الانتقالية وبناء سياسات السلم الأهلي من خلال القفز فوق حقوق الضحايا يعتبر عقبة أمام بناء الثقة الوطنية.

في بداية عام 2026، لا ينتظر السوريون ما سيقوله الفلك والأبراج عن حظهم في العام الجديد، فالكل يعرف أن المهمة ليست سهلة، لكن نقلة جديدة أكثر ثباتاً ووضوحاً نحو الأمن والاستقرار والعدالة والمشاركة والانفتاح على السوريين بوصفهم أفراداً أحراراً متنوعي الرؤى السياسية، لا بوصفهم مكونات وطوائف، وليسوا كذلك فلول وانفصاليين، وما سيتبع ذلك من دوران العجلة الاقتصادية، بات نقلة ضرورية ينتظرها ويستحقها الجميع.

الثورة السورية

———————————

==================

تحديث 29 كانون الأول 2025

———————————

سورية 2026/ معن البياري

30 ديسمبر 2025

يغادر العام 2025 سورية وكأنه كان عشرة أعوام فيها، من فرط ما احتشدَت شهورُه وأسابيعُه وأيامُه بوقائعَ وأحداثٍ ومستجدّاتٍ تتابعت بإيقاعاتٍ، واعدةٍ ومزعجةٍ ومقلقةٍ ومفرحةٍ ومتعبةٍ ومُطمئنةٍ ومحرجةٍ ومرتبكةٍ ومبشّرة، وغير هذه كلها من أوصافٍ ونعوت. استقرّت السلطة لهئية تحرير الشام التي كانت في عداد التكوينات التي جرى الإعلان عن حلّها، في مؤتمر إعلان انتصار الثورة، في خواتيم الشهر الأول من العام الذي يرحل. ثم كان الإعلان الدستوري الذي استحقّ بعضَ ما قوبل به من انتقاداتٍ ومؤاخذات. ثم تتالت زيارات الرئيس المؤقت، أحمد الشرع، عواصم عربيةً وأجنبية، وقد سوند فيها بما لم يكن متخيّلاً (إلى درجة الاستحالة) أن يحوزها شخصُه، بماضيه الجهادي المعلوم، وبالمكافأة المالية التي خُصّصت لمن يُرشد إليه. وكانت الذروة خطابه ممثلاً الجمهورية العربية السورية في الأمم المتحدة، واستقبال الرئيس ترامب له في البيت الأبيض. وداخليّاً، مع الأحوال الاقتصادية شديدة الصعوبة، وترهّل بنياتٍ تحتيةٍ عديدة، وآمالٍ شعبيةٍ عريضةٍ تستعجل الانجازات، ظلّ الحال الأمني، الهشّ في بعض مفاصله، وتربّص مجموعات فلولٍ وإرهابٍ داعشيٍّ وغيره، وكذا الاشتباكات المتقطّعة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وجاءت أحداث الساحل ثم السويداء لتؤكّدا أن ثمّة اختلالاتٍ عميقةً في الأداء الأمني للمؤسّستين العسكرية والشرطية، وأن ثمّة حاجةً قصوى لتأهيلٍ آخرَ للمنتسبين إليهما.

ليست هذه السطور لاستعراض المعلوم مما شهده السوريون في بلدهم في العام الذي ينصرف، وإنما لتبيّن آمالهم التي يرجون تحقّقها في العام الذي يستقبلونه، 2026. ولأن هذه الآمال (والأشواق) غزيرة، يمكن الإتيان هنا على بعضٍ من أولويات الأولويات أمام الاجتماع السوري، السياسي والامني والمعيشي. ومنها التطلّع إلى تلبية السلطة الطلب الذي ألحّت عليه نخبٌ واسعةٌ في العام الذي انقضى، عقد مؤتمر حوار وطني موسّع، تشارك فيه حساسياتٌ ثقافيةٌ وفكريةٌ وسياسيةٌ متنوّعة، لصياغة مسار سورية المشتهى، بالتوازي مع شغل البرلمان الذي لم يكتمل أعضاؤه (بغضّ النظر عن وجهات النظر في كيفية تشكيله) على صياغة دستورٍ من الملحّ أن يخضع لنقاشٍ عمومي، ثم لاستفتاءٍ شعبيٍّ عليه. كما أن من تلك الأولويات الذهاب بكل مهنيّة عاليةٍ نحو إجراءات العدالة الانتقالية، الباهظة الأهمية، بعد مأسستها وتشكيل فرقٍ مختصّةٍ تفتح الملفات وتصوغ الأنظمة وتحدّد الآليات، وكلها أمورٌ ليست هيّنة، ولا يجوز فيها الارتجال ولا الانتقائية ولا التسرّع. أما الشاغل المعيشي، الاقتصادي، فقد ظلّ يقال إن العمل لا يتوقف في تحسين عجلة الإنتاج والتشغيل وتوفير فرص العمل ورفع الدخول وتجويد الخدمات ووقف الغلاء وتيسير التأمينات الاجتماعية والنهوض بقطاعات الصحّة والتعليم والإسكان وغيرها، وسيبقى هذا كله من التحدّيات الدائمة على جدول أعمال السلطة وأجهزتها.

ولن يُغفل عن حسم الحساب والعقاب في الوقائع الدامية، والتي تركت جرحاً صعباً، في الساحل السوري، فإذا كانت عجلة المحاكمة تدور، بعد تقرير لجنةٍ تقصّت الحقائق يتوفّر على كل عناصر المعقولية والنزاهة والجدّية، فإن المرتقب في العام الذي تعبُر إليه سورية أن يحدّد القضاء كل المسؤوليات، ويعيّن عقوباته الموثقة على كل من اقترف انتهاكاً وجُرماً في تلك الأثناء. وليس بعيداً عن هذا الشأن، يشتهي السوريون قفل ملفّ السويداء، والذي أخطأ الجميع فيه، أو على الأصح ارتكب الجميع خطايا فيه، على أن الخطيئة الأعظم تُعلن عن نفسها، عندما يتأكّد أن قوة أمر واقع هناك تختطف المدينة، وتراودها أوهام الانفصال السخيفة، ولا تستحي من التعاون المسلّح مع العدو الصهيوني، والذي لم نكن في حاجةٍ إلى صحيفة اميركية لتُخبرنا عن دعم مالي وعسكري لها. والمنتظر في العام الجديد أن تنشط جهودٌ عمليّةٌ وإجرائيةٌ مغطّاة بإسنادٍ عربيٍّ يتمثل في دخول دول عربية في هذا الملف شديد الحساسية، فبيانات الدول العربية عن وحدة سورية وسيادتها على كامل ترابها يلزمها انخراطٌ مصريٌّ وسعوديٌّ وأردنيٌّ وخليجيٌّ في جهدٍ منظورٍ في هذا الاتجاه، بتنشيط وساطاتٍ واتصالاتٍ مع مختلف التمثيلات في السويداء، وكذا مع كل التفاصيل الخاصة بالسلطة النافذة التي تسيطر على مناطق حيوية في شرق البلاد، وتسمّى قوات سوريا الديمقراطية. وقد حان الوقتُ لأن تنتهي سورية تماماً من كل المراوحة الظاهرة في هذا الملف المُربك، والذي لا شك يعطّل المضي المنشود إلى الدولة السورية المشتهاة… والتي يُرتجى في 2026 أن تقترب أكثر وأكثر.

العربي الجديد

———————————

Deterrence of Aggression Film About the Liberation of Syria| فيلم ردع العدوان

فيلم ردع العدوان

——————————-

لحظات رائعة لاسقاط تمثال حافظ الأسد في بلدة دير عطية بريف دمشق

اسقاط تمثال حافظ الأسد في بلدة دير عطية

———————-

سورية 2025… دولة في طور التشكل/ عمر كوش

28 ديسمبر 2025

كان عام 2025 مختلفاً بالنسبة إلى سورية والسوريين، إذ شكّل سقوط نظام الأسد قبل عامٍ الحدث الأبرز في تاريخ سورية الحديث، لأنه دشّن خلاص السوريين من أعتى أنظمة الديكتاتورية. وبدأت سورية مع سقوطه تغيير وجهها ووجهتها تماماً، وإنتاج صورة مختلفة للسلطة والدولة عن صورها السابقة، والسير نحو تحقيق دولة القانون والمواطنة التي ما يزال يحلم بها غالبية السوريين، الدولة التي ثاروا من أجل تشييدها، ولم يتردّدوا في تقديم تضحيات جسام في سبيلها.

أبرز ما حمله 2025 أن سورية دولة في طور التشكّل. فالخطاب الرسمي للسلطة الجديدة، لا سيّما خطاب الرئيس السوري أحمد الشرع، يتحدّث بلغة الدولة لا بلغة الفصائل. وهو لا يكلّ عن توصيف سورية الجديدة بأنها دولة قانون، تبحث عن الاستقرار والتعافي، وإعادة إعمار ما دمّره نظام الأسد، وإعادة بناء المؤسّسات، وتحقيق العدالة الانتقالية، واستعادة موقع سورية الإقليمي. ولم ينقطع عن السعي إلى عقد تفاهمات واتفاقات تضمن مصالح سورية. واتبع سياسة واقعية في توجهه نحو الخارج، فيما توجّه بخطاب جامع نحو الداخل، مع الحفاظ على مساحاتٍ واسعةٍ للحريات العامّة.

يقلّل بعضهم من الاستناد إلى الخطاب واللغة في السياسة، ويعتبرون أن السلطة الجديدة، والشرع، في سورية تلجأ إلى لغة ناعمة من أجل أن تتمكّن، قبل أن تنقلب على السوريين، ويستندون في ذلك إلى المثل الشعبي “تمسكّن حتى تمكّن”، ويريدون منه التدليل على خبثها ومكرها ودهائها. غير أن هذا الادعاء مردود، إذ يحيل على النيّات المبيّتة والغيبيات، ولا يستحقّ النقاش. فمن المهم جدّاً تحليل خطاب أيّ سلطة، ومعرفة اللغة التي تعتمدها، لأن تحليلها وتفكيكها يعرّيان بنية الخطاب، ويسهمان في إظهار تركيبة العقل الذي يصدر منه، وما يسعى إليه في المستقبل.

لمس السوريون خلال 2025 أن زمن الملاحقات والاعتقالات والرمي في غياهب أقبية السجون والمعتقلات قد انتهى، وأن بلادهم تحاول دخول طور جديد في سعيها إلى تشييد مستقبل أفضل. ولم يخلُ الأمر من وقوع أخطاء تسببت بانتهاكات جسيمة استدعت تشكيل لجان تحقيق، لكنّها أثّرت كثيراً على النسيج الاجتماعي وضربت التعايش بين السوريين. ويرتكز همّ الإدارة الجديدة على رسم صورة جديدة للدولة، التي تريد طيّ صفحة الاستبداد وسنوات الحرب المديدة، وذلك بالابتعاد عما ساد خلال حقبة الاستبداد، حين حوِّلت سلطاتُه الدولة إلى مجرّد مزرعة لآل الأسد وأزلامه وزبانيته، ووظّفتها أداةً للسيطرة على المجتمع السوري والتحكم به، وحوّلت غالبية السوريين إلى مجموعات من الرعايا والأرقام الهامشية، تعيش بالقوة في كيان مغلق يسوده الخوف وتحكمه المافيات والعصابات. ولم تتوانَ تلك العصابات عن تدمير الدولة والبلاد حين بدأت ثورة السوريين عام 2011.

ليست الصورة ورديةً تماماً في سورية خلال عام 2025، كما يحاول تصويرها المطبّلون للسلطة الجديدة والمتزلّفون لها والانتهازيون، كما أنها ليست مظلمةً حالكة السواد، حسبما يحاول تصديرَها كارهو السلطة الجديدة والحاقدون عليها والناقمون. فالواقع يشي بحصول متغيّرات عديدة، بعضها إيجابي وبعضها الآخر سلبي. وأكبر منجز بالنسبة إلى غالبية السوريين إسقاط نظام الأبد والخلاص منه، لأنه كان كابوساً مرعباً جثم على صدورهم عقوداً طويلة.

تحققت إنجازات ونجاحات خلال العام المنصرم، وشهدت إخفاقات كذلك، لكن البلاد ما تزال تقف على مفترق طرق، وما زالت التحدّيات كثيرة وصعبة. ومن الضرورة بمكان أن يأخذ السوريون مصيرهم بأيديهم، لأن بلادهم بحاجة ماسّة إلى تضافر جهودهم وهي تمرّ بمرحلة تؤهّلها لتقرير مصيرها بأيدي أبنائها من مختلف المشارب والأطياف، واستكمال إسقاط نظام الأسد وجعله واقعاً متعيّناً يتجسّد في دولة القانون والمؤسّسات، التي لا تُبنى إلا بالاعتماد على كفاءات السوريين.

ما زالت الدولة السورية بحاجة إلى تشريعات وقوانين واضحة لضبط عمل مؤسّسات الدولة وموظّفيها؛ لذلك لا بدّ من الإسراع بتشكيل مجلس النواب، والعمل على تشكيل لجنة دستورية من المختصّين تبدأ بصياغة الدستور السوري المستقبلي، قبل عرضه على الاستفتاء العام لاحقاً.

أضحت مهمة بناء مؤسّسات الدولة ملحّةً مع دخول المرحلة الانتقالية في سورية عامها الثاني، وتمثّل مطلباً ضرورياً بالنسبة إلى السوريين. فعلى الرغم من مساعي الحكومة السورية لترميم مؤسّسات الدولة، إلا أنها ما تزال ضعيفةً، وبعضها شبه مشلول، وبحاجة إلى كوادر مؤهّلة وخبرات كثيرة، لا سيّما المؤسّستين الأمنية والعسكرية اللتين تحتاجان مزيداً من الكوادر والخبرات، بغية تحقيق الأمن والأمان للسوريين كافّة.

يصعب تقديم تقييم نهائي لتغيّرات معيشة السوريين خلال عام 2025، بالنظر إلى التركة الاقتصادية الكارثية التي ورثتها السلطات الجديدة عن نظام الأسد البائد. ولا يمكن إحداث قفزاتٍ نوعيةٍ في معيشة السوريين خلال عام، لأن الاقتصاد المدمّر يحتاج إلى عملية ترميم شاملة، ويتطلّب عملاً تراكمياً لسنوات. ومع ذلك، هناك بعض التحسّن في الخدمات والبنية التحتية، وقد انخفضت نسبة التراجع السنوي في مستوى معيشة السوريين. وهناك رهانات كثيرة على تحسّن أكبر بعد إلغاء العقوبات المفروضة على سورية، لا سيّما عقوبات قانون قيصر، الذي يسير نحو الإلغاء النهائي.

عاشت سورية عامها الأول من دون نظام الأسد، لكنّها ما تزال دولةً في طور التحوّل، وتسعى لأن تكون دولةً خرجت من محنتها، وتنتظرها مهام كثيرة لا تنحصر في ترميم البنى التحتية المدمّرة، ولا في كلفة الإعمار التي تتجاوز مئتي مليار دولار على أقلّ تقدير، فالمؤسّسات تحتاج إلى إعادة تأسيس، فيما العدالة الانتقالية لا تزال مطلباً مؤجّلاً، وتُعدُّ المدخل الأساس لدولة القانون، وبالتالي فإن تجاهلها يؤدّي إلى استمرار جراح الماضي، ورغبة الضحايا في الانتقام، ورغبة المتورّطين في زعزعة الاستقرار. فضلاً عن حالة الاستقطاب المجتمعي التي تهدّد السلم الأهلي، وتنذر بأن أيَّ خلاف بين السوريين يمكن أن يتحوّل إلى أزمة كبرى، مثلما حدث في الساحل السوري والجنوب، حينما تحوّلت المطالبات السياسية إلى نزاعات مفتوحة. ولا يغيب عن جملة التحدّيات عودة ظهور العصبيات العشائرية والطائفية والإثنية، الأمر الذي يؤكّد أن سورية بحاجة ماسّة إلى عمل سياسي وثقافي وإعلامي يهدف إلى ترسيخ فكرة أن الشعب هو مصدر السلطات.

العربي الجديد

————————————

شيفرة النهوض السوري بعد عام مضى/ نضال منصور

28 ديسمبر 2025

أفاق العالم قبل عام على نبأ هروب الرئيس بشّار الأسد من دمشق وسيطرة قوات المعارضة، بقيادة هيئة تحرير الشام، على مقاليد السلطة في سورية. كانت الصور من هناك أشبه بالحلم، بعد نحو 14 عاماً على حربٍ دموية قادها نظام الأسد ضدّ الجماهير التي طالبت بالحرية والعدالة.

لم يكن متوقّعاً سقوط النظام بين ليلة وضحاها، وأن تصل قوات هيئة تحرير الشام، بقيادة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقاً) إلى القصر الرئاسي، وتُحكِم سيطرتها في أيام على معظم التراب السوري، ويصبح الشرع، الذي كان مُصنَّفاً إرهابياً، رئيساً لسورية تُفتح له الأبواب، ويُستقبل في عواصم العالم يسعى إلى تغيير سورية بعد خمسة عقود من الاستبداد، وبعد بحور من الدم سالت من السوريين لمواجهة نظامٍ لا أقلّ من أن يوصف بأنه ديكتاتور.

زرت في الصيف الماضي دمشق لاستكشاف الحال، رغم تحذيرات بأن الوضع ليس آمناً، خصوصاً بعد أحداث الساحل السوري والسويداء. ولكنك منذ لحظة وصولك إلى الحدود الأردنية السورية تشعر بالتغيير؛ فالفساد الذي عرفناه عقوداً في المعابر الحدودية السورية اختفى، وخلال دقائق تنجز ختم جواز سفرك من دون مضايقات أمنية أو دفع رشىً للعبور.

في دمشق، كل شيء هادئ، والحركة اعتيادية، ولا تلمس وجود حواجز أمنية أو مضايقات. وأكثر ما يلفت الانتباه أن الناس تُجاهر بآرائها، بعد أن شاع طويلاً أن “السوريين لا يفتحون أفواههم إلا عند طبيب الأسنان”، كنايةً عن الخوف من الكلام في زمن النظام المخلوع. وخلال لقاءات مع صحافيين وقادة مجتمع مدني، تدرك أن المكسب الأول لإسقاط النظام حرية التعبير للشعب السوري، التي فقدها وغابت منه سنين طوالاً. تجوّلتُ في أحياء دمشق وشوارعها، ولم ألحظ أن الأمن السوري الجديد (مجموعات هيئة تحرير الشام) بلحاهم المميّزة موجودون بشكل لافت، أو أنهم يفرضون على أهل الشام أنماطاً من السلوك.

رغم الاستقرار الأمني، ظلّ سؤال المستقبل مقلقاً لدى معظم من التقيتهم. الجميع يخشون هشاشة الوضع الأمني، ويبدون مخاوف من صراعات تتكرّر كما حدث في الساحل والسويداء. وهم يعلمون أن هناك من يعمل ويراهن على صراعٍ أهلي وتقسيم سورية، وفي المقدّمة إسرائيل التي احتلت 400 كيلومتر إضافية من الأراضي السورية، وتحاول دعم جماعات متمرّدة في السويداء تروّج الانفصال، وتستغيث بالجيش الإسرائيلي لحمايتها.

حقّقت السلطة السورية الجديدة في عام نجاحاتٍ لا يمكن إنكارها؛ فقد أحرزت اختراقات سياسية بارزة، وحلّ الرئيس الشرع ضيفاً في البيت الأبيض، وأُسقط قانون قيصر، وفُتحت الأبواب لعلاقات واعدة مع السعودية. وفي الوقت نفسه، لم تُغلق دمشق الباب أمام روسيا، صديق نظام الأسد، وتقترب حالياً أكثر نحو بكين. والتحدّيات التي تواجه النظام كثيرة، والتركة التي خلّفها النظام السابق تحتاج سنوات لحلحلتها، وموارد اقتصادية كبيرة للتغلّب عليها. لكن الرئيس الشرع يبشّر السوريين بأنه استطاع تحقيق نمو اقتصادي يبلغ 1%، واستقطاب 28 مليار دولار استثمارات عام 2025، والأهم عودة أكثر من مليون لاجئ سوري في عام.

ليس التغلب على الخراب في سورية سهلاً، ولن يتحقّق بعصا سحرية؛ فالبنى التحتية متهالكة، والبيوت مدمّرة، والناس مسحوقون اقتصادياً، والتوجّس بين مكوّنات المجتمع صاعقُ انفجارٍ معلّق. وبعد سنوات من الاستبداد، خلّفت آلافاً من المفقودين والقتلى، ومتوقّع أن تسكن عقلية الانتقام لدى فئات مجتمعية تريد الثأر من نظامٍ استباح كرامتها الإنسانية. وقد يكون التورّط في مثل هذه الاتجاهات والأفعال مقتلاً يعصف بأحلام دولة المؤسّسات والمواطنة والعدالة وسيادة القانون. وما لم تتحرّك الدولة السورية، بحزم وجدّية، لتطبيق العدالة الانتقالية، فإن الانفلات يهدّد استقرار الدولة ويعرّضها للمخاطر.

أول الاختبارات بعد عام على سقوط نظام الأسد منع الإفلات من العقاب في أحداث الساحل السوري والسويداء، وأي أحداث أخرى. والمطلوب إنفاذ توصيات لجان تقصّي الحقائق، ومساءلة من يثبت تورّطهم، سواء كانوا من السلطة أو ممَّن يُسمّون “فلول النظام السابق”. وتبقى مهمّة المجتمع المدني السوري الرقابة على التطبيق، والتأكّد من التزام السلطة مبدأ سيادة القانون.

يفتح العالم أبوابه للنظام الجديد في سورية، وفي الوقت نفسه يراقبه، ولا يُلغي أو يستبعد المخاوف من توليفته وتاريخه. وهناك من يجاهر بأنه “إذا كان الجولاني/ الشرع قد استطاع خلع بزّته الجهادية والتحوّل إلى قائد براغماتي، فمن يضمن سيطرته على مجموعاته الأيديولوجية التي ينظر بعضهم إليه باعتباره مرتدّاً خان مبادئهم؟”. ولهذا تخضع مسيرة التحوّلات في الدولة السورية للتقييم والمراجعة، وليس لدى القادة الجدد في السلطة شيك على بياض؛ هم تحت المجهر، وحسابهم يجري خطوةً بخطوة.

في هذه الظروف الصعبة، تبدي الحكومة السورية حراكاً سياسياً لكسر الحواجز وفكّ العزلة التي أطبقت على سورية طويلاً، وتستمرّ في سياسة ضبط النفس في التعامل مع الاستفزازات والخروقات والجرائم الإسرائيلية. والأكيد أن النظام الحالي، كما سلفه، لن يغامر في مواجهة إسرائيل مهما فعلت، لكن المؤكّد أنه لن يطبّع علاقاته معها. وفي أحسن الأحوال، قد ينجز اتفاقاً أمنياً إذا وافقت تل أبيب على الانسحاب من الأراضي التي احتلتها مقابل ضمانات سورية وبرعاية أميركية.

يحظى نظام الشرع بدعم إقليمي مؤثّر؛ فهو تحت الرعاية التركية الكاملة، وقطر تسانده سياسياً واقتصادياً. والملاذ الآمن لسورية الجديدة محطّة الرياض، التي يعتبرها الشرع بوابته إلى العالم وجواز سفره إلى الشرعية الدولية. لم تنته المخاطر بمرور عام على تسلّم السلطة. والشيفرة للنهوض والاستقرار بناء التفاهمات والتوافقات الوطنية في الداخل السوري، والاستباق بمنع اشتعال الحرائق، بدءاً من ملفّ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وليس انتهاءً بالسويداء.

العربي الجديد

——————————-

الطريق إلى سوريا 2026/ عالية منصور

آخر تحديث 27 ديسمبر 2025

نودع عاماً ونستقبل عاماً جديداً. وفي سوريا لم يكن العام كأي عام، عام مضى على سقوط مملكة الخوف ونهاية حقبة استمرت أكثر من نصف قرن حكم خلالها الأسد الأب والولد سوريا بالحديد والنار، وحولا الجغرافيا السورية إلى مقبرة جماعية، وحولا الشعب السوري إلى طوائف وقبائل تخشى بعضها البعض.

تحقق الكثير في سوريا خلال عام، بدأت سوريا عملية الاندماج مع المجتمع الدولي ومحيطها العربي، وزار رئيسها أحمد الشرع البيت الأبيض لأول مرة والتقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد لقاءين سبقا الزيارة، حضر الجمعية العامة للأمم المتحدة كأول رئيس سوري منذ عقود يخطب من على منبر الأمم المتحدة، زار موسكو والتقى بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وحظي باستقبال لافت رغم الدور الروسي في سنوات الثورة السورية الداعم للأسد والمشارك في الحرب على السوريين، رفعت العقوبات عن سوريا بما في ذلك ذكر عقوبات قيصر، ولأول مرة منذ عام 1979 سوريا من دون عقوبات. لكن عام 2025 لم يكن عاماً وردياً على سوريا والسوريين، ولا يبدو أن عام 2026 سيكون أفضل كثيراً إن لم تسارع السلطة باتخاذ خطوات فورية لوقف الانزلاق المجتمعي والتدهور الأمني.

أبى عام 2025 أن يغادر دون تفجير دموي بمسجد علي بن أبي طالب بحمص راح ضحيته عشرات المصلين بين ضحايا وجرحى، تفجير استهدف الطائفة العلوية ولكنه استهدف أيضاً مفهوم الدولة والوطن.

عام شهدنا فيه محاولة انقلاب في الساحل السوري تلتها مجازر راح ضحيتها أكثر من ألف مدني معظمهم من أبناء الطائفة العلوية، شهدنا أيضاً صراعاً سياسياً في السويداء مع شيخ العقل حكمت الهجري ومؤيديه انزلقت الدولة فيه إلى معركة عسكرية وانتهاكات جسيمة بحق مدنيين من طائفة الموحدين الدروز.

نستطيع القول إن فلول النظام السابق هم من بدأوا المعركة في الساحل، كما نستطيع القول إن نية الهجري بالصراع مع دمشق وعلاقته مع إسرائيل قد بدأت قبل دخول قوات الأمن إلى السويداء مصحوبة بفزعة العشائر، ولكن هذا لا يغير من حقيقة أن مجازر ارتكبت بحق العلويين والموحدين الدروز، والأهم من هذا وذاك وما يجب أن تدركه السلطة أن مسؤوليتها تكمن في حماية جميع مواطنيها وضمان أمنهم وسلامتهم.

أثناء خروجه من قاعة الاجتماعات في الأمم المتحدة في نيويورك، سألت الزميلة في قناة “الحدث” ناديا البلبيسي الرئيس السوري أحمد الشرع: “ماذا تقول لمؤيديك؟” فأجابها أنا رئيس كل السوريين وأتوجه للجميع وليس فقط للمؤيدين، دل هذا الرد على حنكة وسرعة بديهة يتمتع بهما الشرع بشهادة معظم من التقاهم.

بعد عام على سقوط الأسد، صار لزاماً على السلطة أن تنتقل من عقلية المنتصر إلى عقلية الضامن، من عقلية تمثيل فئة من السوريين، إلى تمثيل جميع السوريين، من عقلية بعض ممن هم في السلطة اليوم الذين يطالعوننا بين الحين والآخر بتصريحات فئوية إلى العقلية التي تحدث بها الشرع مع “الحدث” في نيويورك.

في عام 2025 تم الاتفاق مع “قوات سوريا الديمقراطية”، وشارف العام على نهايته ولا يبدو أن الاتفاق سيدخل حيز التنفيذ في أي وقت قريب.

عادت “داعش” لتطل برأسها من جديد في سوريا، وإن كانت سوريا قد انضمت إلى التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، إلا أن هزيمة الفكر الداعشي يحتاج إلى أكثر من مجرد عمل أمني وعسكري.

اختارت الهيئات الناخبة أعضاءً من المجلس التشريعي، ولكن مضى بضعة شهور ولم يعين الرئيس باقي الأعضاء وما زال المجلس التشريعي معطلاً، دون أن نعرف سبب هذا التعطيل في وقت تحتاج فيه البلاد إلى سن التشريعات والقوانين لإطلاق عجلة البناء، بناء الدولة والمؤسسات قبل الحجر.

ويبقى أبرز ما واجهته سوريا خلال عام 2025 هو الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والتوغل الإسرائيلي واحتلال أجزاء جديدة من الأراضي السورية، أكثر من 400 توغل وأكثر من 1000 اعتداء، ومع ذلك يبقى ما تقوم به الحكومة السورية من اعتماد الرد الدبلوماسي والإصرار على التوصل إلى اتفاق أمني “عين العقل”، فسوريا لا تحتاج إلى معارك وحروب جديدة وهي المثقلة بالجراح والدماء.

وقد تكون الأولوية اليوم على الصعيد الخارجي هي بالضغط بكل الوسائل للتوصل إلى اتفاق أمني مع تل أبيب، ليس فقط لوقف اعتداءاتها وانسحابها من الأراضي التي احتلتها منذ الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، ولكن لكف يد العبث الإسرائيلي عن الداخل السوري، فقد كشفت تقارير صحافية أجنبية من “واشنطن بوست” إلى “نيويورك تايمز” وغيرهما عن دور إسرائيل في الأحداث الأمنية الكبرى في سوريا.

وإلى أن يتوصل الجانبان إلى هذا الاتفاق، على السلطات السورية الكثير من المهام الصعبة والضرورية، والتي لن تحل محلها الاحتفالات والمهرجانات، وأولها بناء جيش وقوى أمنية على أسس وطنية، تحمل مسؤولياتها تجاه جميع السوريين بمختلف انتماءاتهم، وإطلاق مسار المحاسبة والعدالة بشكل جدي وحقيقي يليق بسوريا ودماء الضحايا، كل الضحايا.

عام مضى تحقق خلاله الكثير، تحقق ما لم نكن نتوقع أن يتحقق خلال عام واحد، ولكن سوريا تحتاج إلى المزيد وتحتاج أولاً إلى وحدة السوريين وإشراكهم في إعادة بلدهم بعد عقود كانت خلالها الدولة مخطوفة على يد نظام الأسدين.

عام واحد لا يكفي للخروج من حالة اللادولة والانقسام التي تسبب بها حكم الأسدين، عام واحد لا يكفي للانتقال من “المزرعة” إلى الدولة، ولكن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة وقد خطونا خطوات، وصار لزاماً التركيز على الداخل السوري ليتحول شعار “سوريا أولا” إلى خارطة طريق لجميع السوريين.

المجلة

————————–

دول أو ساحات: الشرق الأوسط اليوم بين مسارين/ إبراهيم حميدي

آخر تحديث 27 ديسمبر 2025

يقف الشرق الأوسط عند مفترق طرق. تتقاطع الأزمات الممتدة وتحتدم المنافسات مع تحولات إقليمية ودولية عميقة، لتطرح سؤالا وجوديا على عدد من دوله: أي طريق نسلك؟ وأي دولة نريد؟

في سوريا ولبنان والسودان وليبيا واليمن والصومال وغيرها، لا يدور الصراع حول السلطة أو الموارد فحسب، بل حول شكل الدولة نفسها. معناها، ووظيفتها، وحدودها. إنها صراعات على تعريف الكيان السياسي: من يملك الشرعية؟ ومن يحتكر العنف؟ وما الحدود؟ ولصالح أي عقد اجتماعي تُدار المجتمعات؟

هناك مساران يتبلوران بوضوح، لكلٍ منهما أنصاره، ولكلٍ مخاطره وتداعياته بعيدة المدى.

المسار الأول هو تعزيز الدولة الوطنية. دولة واحدة ذات سيادة كاملة، وشرعية أممية، بحدود معترف بها، وجغرافيا موحدة، وهوية وطنية جامعة لا تلغي التعددية بل تستوعبها. تحتفي بالتنوع. تقوى بالاختلاف. جيش واحد. دولة مؤسسات تحتكر السلاح. تعيد الاعتبار للقانون والمواطنة، وتفصل بين الولاءات الأولية– الطائفية أو الدينية أو القبلية أو المناطقية – وبين الانتماء الوطني.

هذا المسار صعب ومجهد. يتطلب تسويات مؤلمة وإصلاحات عميقة وتجاوز اختبارات كثيرة، لكنه وحده القادر على إنتاج استقرار مستدام، وإخراج المجتمعات من دوامة الحروب المفتوحة، وإعادة إدماجها في النظامين الإقليمي والدولي بوصفها دولا، لا ساحات صراع.

أما المسار الثاني، فهو مسار الأقاليم والتفكك والإدارات المتعددة، سواء جرى تسويقه تحت عناوين فيدرالية فضفاضة، أو حكم ذاتي غير منضبط، أو كأمر واقع تفرضه قوى السلاح. قد يبدو هذا المسار، للبعض، أقل كلفة على المدى القصير، ويمنح جماعات محلية شعورا بالأمان أو السيطرة، لكنه في جوهره يؤسس لدول ضعيفة، مفتوحة على التدخلات الخارجية، وعاجزة عن إنتاج سيادة فعلية أو شرعية أممية أو تنمية مستقرة. سيناريو ينتج مسرحا للصراعات، لا دولة تنسج الاتفاقات.

في سوريا، يتجلى هذا التناقض بوضوح بين منطق إعادة بناء الدولة المركزية الجامعة، ومنطق مناطق النفوذ التي تُدار بقوى الأمر الواقع، وتُبقي البلاد معلّقة بين الحرب والتسوية ومسرحا لتنافس اقليمي ودولي.

وفي اليمن، أدّى تحدي الدولة إلى تشابك الصراع الداخلي مع تغلغل دول بعيدة عابرة للحدود ومهددة للشرعية لترهن مصير البلاد في “وحدة الساحات”. بات غياب الدولة ودعم الميليشيات العامل الأبرز في إطالة أمد الحرب وفتح أبواب الدعوات الأحادية للانفصال.

أما ليبيا، فتمثل نموذجا صارخا لدولة غنية بالموارد وفقيرة بالمؤسسات وهاربة من الانتخابات، حيث قاد تعدد مراكز القوة المسلحة إلى شلل سياسي دائم وتقاسم نفوذ لا ينتج استقرارا. بلاد معلقة بين غربها وشرقها.

وفي السودان، أعاد انهيار التوافق على الدولة الوطنية فتح أسئلة الهوية والسلطة والمركز والأطراف والأقاليم، في سياق يهدد وحدة الكيان ذاته. تتمدد الميليشيات وتصدر  أصوات الانقسام ونسخ “دولة الجنوب”. وفي لبنان، يتمدد سؤال الجيش والميليشيات على جسد دولة ضعيف مفتوح أمام الصراعات والغارات.

وتكشف تجربة الصومال، على امتداد عقود، أن إدارة التفكك لا تعني الخروج منه، وأن غياب الدولة المركزية يرسّخ شهوة الانفصال أكثر مما يخلق بدائل مستدامة، ويفتح المجال لتحول البلاد إلى ساحة صراع إقليمي. اعتراف إسرائيل بـ”أرض الصومال” يظهر محاولات إضفاء شرعية خارجية على كيانات الأمر الواقع، لأغراض جيوسياسية.

تُظهر هذه التجارب وغيرها، أن انهيار الدولة لا يُنتج كيانات مستقرة، بل فراغا تتسابق لملئه الميليشيات، والاقتصادات السوداء، والتدخلات الخارجية. كما أن تحويل التعدد الاجتماعي والثقافي إلى حدود سياسية صلبة لا يحل الإشكال، بل يعيد إنتاجه بأشكال أكثر تعقيدا وحدّة.

المنطقة ليست بحاجة إلى خرائط جديدة ولا أقاليم طارئة بقدر حاجتها إلى عقد اجتماعي جديد داخل الدول القائمة. عقد يعترف بالتنوع، ويضمن الشراكة، ويعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، من دون كسر الدولة أو تفريغها من مضمونها السيادي.

الشرق الأوسط اليوم بين مسارين، والاختيار ليس نظريا ولا مؤجّلا. إنه قرار يُتخذ يوميا في السياسات، وفي موازين القوة، وفي قدرة النخب على تقديم الدولة بوصفها حلا لا عبئا.

فإما دول تتجدد وتستوعب مجتمعاتها، أو كيانات تتشظى وساحات تُدار بالأزمات. والتاريخ، كما الجغرافيا، لا يرحم التردد.

المجلة

———————-

تراجع المشروع الإيراني… ماذا عن سوريا؟/ خيرالله خيرالله

الحل في بناء سلطة وطنية جامعة تعبّر عن إرادة السوريين جميعا وتجعل من الانتماء إلى سوريا الهوية العليا التي تعلو على أي انتماءات ذات طابع مذهبي أو طائفي أو قومي.

الدول تُبنى بالمؤسسات لا بالأشخاص

الاثنين 2025/12/29

كانت السنة 2025 سنة تراجع المشروع التوسّعي الإيراني في المنطقة. كان خروج سوريا من السيطرة الإيرانية أبرز دليل على هذا التراجع. تنتظر المنطقة في السنة 2026 تحولات كبرى في مقدّمها ما سيتمخض عنه. ستكون سوريا، من دون مبالغة، حجر الزاوية لمرحلة جديدة في المنطقة للمرّة الأولى منذ العام 1979 عندما أقام آية الله الخميني “الجمهوريّة الإسلاميّة” الإيرانية، رافعا شعار “تصدير الثورة”. تراجع المشروع الإيراني… ماذا عن سوريا ومستقبلها؟

الثابت الوحيد إلى الآن، أي منذ رحيل بشّار الأسد إلى موسكو، أنّ لا عودة إيرانيّة إلى سوريا. سيكون نجاح سوريا نجاحا عربّيا قبل أي شيء. لكنّ مشكلة هذا النجاح تكمن في أنّه ليس مضمونا خصوصا في ضوء الحاجة إلى تصحيح المسار الذي اختارته السلطة السورية المؤقتة الحالية برئاسة أحمد الشرع. سيكون تصحيح المسار الإشكالية الأبرز في المشهد السياسي السوري نظرا إلى أن التصحيح لم يعد خيارًا يُناقش، بل تحول إلى ضرورة قصوى، سواء جاء استجابة لضغوط داخليّة مطالبة بالاستقرار، أو نتيجة إرادة دولية لا تُمنح شرعيتها ومواردها إلا مقابل ضمانات فعلية وحقيقية للإصلاح.

السنة 2026 ستكون سنة مفصلية لسوريا والمنطقة كلّها وعنوانا لامتحان يتلخص بسؤال في غاية البساطة: هل في استطاعة سوريا الطلاق مع نظام آل الأسد والفكرتين اللتين تحكمتا به؟

يظلّ الهدف الأساسي تجاوز الشكل الحالي للسلطة في اتجاه جوهر جديد، أي نحو بناء سلطة وطنية جامعة، تعبّر عن إرادة السوريين جميعًا، وتعمل على جمع الشمل تحت مظلة مواطنة متساوية تحمي الجميع، وتجعل من الانتماء إلى سوريا الهوية العليا التي تعلو على أي انتماءات أخرى ذات طابع مذهبي أو طائفي أو قومي. هذا ما يدعو إليه أحمد الشرع علنا. إنه أمر يحتاج إلى خطوات عملية على أرض الواقع بغية التحول إلى نهج معتمد من السلطة الجديدة.

تكمن المُعضلة في أصل هذه السلطة، فهي لم تنبثق من إرادة شعبية عبر انتخابات ديمقراطية، وبالتالي تفتقر إلى الشرعية السياسية التقليدية. هذا الواقع صعب إلغاؤه، بل يفرض التعامل معه بمنطق براغماتي، كي تكون بوصلة العمل في اتجاه تحقيق المصلحة العليا للبلاد واستقرارها. هذه معادلة وجودية تتجاوز بكثير الأشخاص والكيانات الفاعلة الحالية، بما فيها الإدارة الحالية وجماعة “هيئة تحرير الشام”. إنها معادلة تتعلق ببقاء سوريا دولة متماسكة. تتعلّق عمليا بالنجاح في امتحان ما بعد نظام آل الأسد الذي لم يمتلك أي شرعيّة من أي نوع في يوم من الأيام. لا يعود ذلك إلى أنّه ولد من رحم انقلابات عسكرية متتالية بدأت يوم الثامن من آذار – مارس 1963 فحسب، بل يعود أيضا إلى أنّ نظام آل الأسد قام على فكرتين أساسيتين. كانت أولاهما الحصول على ضمانة أمنية إسرائيلية للنظام في مقابل تسليم الجولان الذي حصل في 1967 والثانية تكريس وجود طبقة تنتمي إلى الطائفة العلويّة تسيطر عمليا على المفاصل الرئيسية للبلد وتتحكم بها في مجالات الأمن والسياسة والاقتصاد.

من هذا المنطلق، فإن الخيار الإستراتيجي الأكثر واقعية في هذه المرحلة الحرجة لا يتمثل في السعي لإسقاط هذه السلطة، لأنه مسار محفوف بمخاطر الفوضى العارمة داخليّا وإقليميّا، بل في السعي الحثيث لإجبارها على إصلاح نفسها وتغيير مسارها.

 تبرز هنا نقطة ضغط محورية، فالانفتاح الذي قامت به الإدارة السورية الجديدة، بخاصة مع الغرب، هو سلاح ذو حدين. فهو وإن كان يُرى كمنفذ للنجاة، فإنه في حقيقته يمثل فخا وضعت السلطة نفسها فيه، إذ أن هذا الانفتاح لن يكون بلا ثمن. يشكّل هذا الانفتاح الدولي النافذة التي تُدخل من خلالها آليات الرقابة والحوكمة. هذه الآليات نفسها ستتحول مع الوقت إلى أدوات ضغط مستمرة لإجبار السلطة السورية الحالية على مراجعة سياساتها وتعديل أساليب حكمها، في حال أرادت الاحتفاظ بأي دعم أو اعتراف دوليين.

إن فرض مسار إصلاحي على السلطة الحالية، رغم كل صعوباته وتعقيداته، مع الأساس المتطرف الذي انبثقت منه سلطة الشرع، يبقى المسار الواقعي الأوحد المتاح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه

من هنا يأتي الدور المحوري للسوريين والسوريات والمجتمع المدني السوري. فالمظلة الدولية القائمة، والقلق الأوروبي المُلح حيال مسألة استقرار سوريا واستمراره والذي ينبع في معظمه من قضية اللاجئين واللاجئين فقط توفّر فرصة تاريخية. سيكون على القوى التي يتشكل منها المجتمع السوري استغلال هذا الاهتمام والضغط للدفع باتجاه تحقيق مطالب الشعب في الديمقراطية والتعددية والحكم الرشيد. يفترض أن يكون التركيز على تحويل المساعدات الدولية من مجرد منح لإطفاء الحرائق إلى أدوات للبناء المؤسسي المستدام، عبر ربط المنح والقروض الميسرة بمسارات موازية للإصلاح السياسي والرقابة المدنية، تقود نحو سوريا التعددية والديمقراطية المنشودة. من خلال عمليات الضغط الهادئ سيدرك الشعب السوري أن التغيير ليس مخيفا، وأن فكرة “السلطة الدائمة” هي وهم أسطوري مثل الغول والعنقاء والخل الوفي، فالدول تُبنى بالمؤسسات لا بالأشخاص. بكلام أوضح، تبدو الحاجة إلى طلاق فعلي مع نظام آل الأسد وممارساته.

من الواضح أن الإدارة الحالية، ممثلةً بالرئيس أحمد الشرع وحكومته، بدأت تدرك، ولو متأخرةً، خطورة هذه المعادلة، معادلة السعي إلى”السلطة الدائمة”. يدرك الرئيس السوري والحكومة التي شكلها أن الاستقرار الحقيقي يبقى وهما بلا مشاركة وطنية حقيقية، وأن تحقيق الشراكة الوطنية هو الضامن الوحيد لخلق بيئة جاذبة للاستثمارات العربية والدولية… وتوفير التمويل الضروري لإعادة الإعمار والتنمية. هذا الإدراك، رغم كونه ما زال ضعيفا، يبقى المدخل الواقعي الوحيد المتاح اليوم لإحداث التأثير والتغيير المرجو في سوريا.

إن فرض مسار إصلاحي على السلطة الحالية، رغم كل صعوباته وتعقيداته، مع الأساس المتطرف الذي انبثقت منه سلطة الشرع، يبقى المسار الواقعي الأوحد المتاح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سوريا، والسبيل الأوحد لوضع حجر الأساس لمستقبل أفضل. إنه طريق شائك وصعب، لكنه الطريق الوحيد الذي يلتقي فيه منطق الضرورة القاسي مع بصيص الأمل في إمكانية ولادة سوريا جديدة.

في ضوء هذه الظروف، ستكون السنة 2026 سنة مفصلية لسوريا والمنطقة كلّها وعنوانا لامتحان يتلخص بسؤال في غاية البساطة: هل في استطاعة سوريا الطلاق مع نظام آل الأسد والفكرتين اللتين تحكمتا به؟

إعلامي لبناني

العرب

—————————-

إرث الدولة السورية المتوحّشة/ ميادة سفر

30 ديسمبر 2025

استيقظ السوريون في سبعينيّات القرن الماضي على ولادة نظام جديد فرض سيطرته بالقوة، منهياً عهود الانقلابات التي عانت منها البلاد في مرحلة ما بعد الاستقلال. وتمكّن حافظ الأسد وفريقه من فرض أنفسهم وتعزيز حكمهم، من خلال نظام قائم على القمع الأمني والعنف السلطوي والاعتقال وتكميم الأفواه، ومنع أيّ شكل من المعارضة. ومع الوقت، تحوّل الخوف جزءاً من الحياة اليومية للسوريين؛ فلم يعد العنف الذي تستخدمه السلطة أداةً للسيطرة على المواطنين فحسب، بل صار أسلوباً ومصنعاً لإنتاج الطاعة والخضوع الجماهيري وتقديم “أسمى آيات الولاء” للقائد والحزب الحاكم. لم تكن سورية في ذلك الزمن وما تلاه تشبه ما كانت عليه، بل أصبحت وفق ما أطلق عليها المفكر الفرنسي ميشيل سورا “الدولة المتوحّشة”، التي ستورّث التوحش للأجيال المقبلة.

لم يقتصر هذا الإرث على العنف متمثّلاً بالقمع والاعتقال والتخويف، بل امتدّ إلى المجتمع عبر تفكيكه وشرذمته وإعادة قولبته وإنتاجه طائفياً ومذهبياً وعرقياً وقومياً، لينتج بذلك هُويَّةً مشوّهةً وأرضاً خصبة للتطرّف والتوحّش. وما نشهده اليوم ليس إلا سلسلةً من تراكمات طويلة لم تتمكّن السلطات الحالية من القضاء عليها، ولا حتى تهذيبها. يبدو أن السلطات التي تعاقبت على البلاد تمكّنت، بشكل أو بآخر، من تطبيع العنف داخل المجتمع؛ فالأفراد الذين نشؤوا في ظلّ تلك الممارسات تحوّل العنف لديهم أمراً طبيعياً، وفي بعض الأحيان حتمياً، ضمن سلسلة من مظلومياتٍ بدأت تتكشّف منذ لحظة سقوط نظام الأسد. لم يكن هذا السقوط حدثاً منفصلاً عن السياق التاريخي للبلاد، بل كان نتيجة سنوات متراكمة من الاستبداد والعنف والفساد، أنهكت الأفراد والمؤسّسات وتآكل النظام من داخله، وتحوّل، في نهاية المطاف، عبئاً حتى على الدولة الداعمة له.

لم يتوقّف العنف في سورية على مدى عقود من حكم عائلة الأسد، بل استمرّ بأشكال جديدة مع اندلاع الحراك في 2011 من قصف وتهجير واعتقال؛ وهي ممارساتٌ شكّلت امتداداً للإرث القديم بتجربة جديدة، مع حرب استمرّت أكثر من عقد، وحمّلت السوريين عبئاً مضافاً وذاكرة مزدوجة تعيد إنتاج العنف بعد تبادل الأدوار، من دون أن تتمكّن من أخذ العِبر والتعلّم من دروس الماضي والحاضر لتفادي انتقالها إلى المستقبل مع الأجيال الجديدة.

يبدو واضحاً، بعد عام على سقوط نظام الأسد، أن سورية لم تتمكّن من الانتقال إلى مرحلة سلمية وإعادة بناء وترميم ما ورثته من العهد السابق. فلم يتوقّف العنف ولا التحريض عليه من كل الأطراف، بمن فيهم بعض المقرّبين من السلطة الحالية من إعلاميين ومحلّلين وسياسيين وعسكريين وغيرهم. وعلى الرغم من جهودٍ يبدو أنّ رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع يبذلها في سبيل إعادة التعايش والتآلف بين مكوّنات المجتمع السوري، من خلال لقاءاته ودعواته وأحاديثه التي يحاول عبرها التوجّه إلى كل السوريين، أيّاً كان انتماؤهم، والتأسيس لعقد جديد يشمل أطياف الشعب السوري كافّة، فإنّ تلك الجهود لا تلبث أن تصطدم بحائط الطائفية والمذهبية والعرقية والأحقاد المتوارثة التي يبثّها بعضهم، وتنتشر كالنار في هشيم الواقع السوري عبر منصّات التواصل الاجتماعي، لتزيد من تعقيد المشهد المعقّد أساساً.

شكّل سقوط النظام والانتقال إلى السلطة الجديدة تحوّلاً في طبيعة القهر؛ فبعد عقودٍ من العيش في ظلّ الخوف من الاعتقال والقتل، وجد السوريون أنفسهم أمام شكل جديد من الخوف، مغلّف بصبغة طائفية دينية، يعيد تشكيل الحياة اليومية عبر التدخّل في كثير من التفاصيل، كلباس المرأة وحضورها، وصولاً إلى فرض خطاب معيّن يتكئ على مرجعية طائفية. وقد أتاح ذلك المجال لكثير من مكوّنات المجتمع لإعادة التموضع في كانتونات طائفية وعشائرية وقومية، الأمر الذي أسهم في استمرار وتيرة العنف وتزايدها وتفاقم أزمة الانتماء.

يكشف البحث عن إرث الدولة السورية المتوحّشة أن التوحّش كما قال ميشيل سورا: “ليس حدثاً عابراً بل بنية يمكن أن يُعاد إنتاجها بأشكال مختلفة، وليس نتاج شخص مستبدّ ظالم فحسب. فقد ترك النظام السابق خلفه مجتمعاً ممزّقاً، وهُويَّة مشوّهة، ومؤسّسات هشّة على حافة الانهيار، فاقمتها التصرّفات والانتهاكات التي مورست خلال عام من سقوط الأسد، ليظلّ الخوف معشّشاً في النفوس، ويغيب المشروع الوطني، ويصبح بناء دولة مدنية تضمّ كل السوريين حلماً يشوبه كثير من الضبابية”. ويبقى التعويل على قدرة السوريين على مواجهة إرث التوحّش وتحويله درساً للأيام المقبلة، أم سيبقى العنف سيّد الموقف وينسف كل ما ناضلوا من أجله؟ تقول حنّة أرندت: “أخطر ما في العنف أنه يخلق عالماً لا مكان فيه للحرية”.

ويبقى السؤال: هل سيتمكّن السوريون من التحرّر من إرث الدولة المتوحّشة؟ سؤال معلّق إلى أن تتخذ السلطات، بأشكالها السياسية والاجتماعية والدينية كافّة، موقفاً حاسماً تجاه ما جرى ويجري حتى اليوم، وتأخذ العدالة الانتقالية مسارها الصحيح.

العربي الجديد

—————————–

==================

تحديث 27 كانون الأول 2025

———————————

في الحصاد السوري 2025/ عبير نصر

27 ديسمبر 2025

في الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام الأسد، يقف السوريون أمام لحظةٍ تاريخيةٍ تستدعي التأمل العميق؛ لا لشيءٍ إلا لسرعة التغيير وفجائيته، وبغرض اللحاق به لتأطير نتائجه والاستفادة من مكاسبه. يجب فتحُ فصلٍ جديد من التساؤلات العميقة حول سوسيولوجيا السوري وعلاقته بالدولة والمجتمع. وهذه فضيلة الحدث ومزيّته، بهدف عبور البرزخ الضيّق بين ذاكرة الحرب الدموية وحلم الدولة المُشتهى؛ بينما يظلّ الشعور قائماً بأن عاماً واحداً لا يكفي لتفكيك مداميك “مزرعة الأسد” وإبطال مفاعيل سطوتها، وسط مشهد داخلي ملتهب تتجاذبه الاضطرابات الأمنية والخلافات السياسية، وتفاقمه الأزمات الإنسانية.

ومن الضرورة بمكان التذكير بمدى عمق الحفرة التي وجد السوريون أنفسهم فيها لحظة التحرّر؛ وهي فجوة متنامية تشكّل خطّ الصدع الأول الذي يرسم مسار البلاد المُقبل، ومن المحتمل أن تُفضي إلى تبديلٍ نوعي في أولويات “أجندة الانتقال”. فالمؤيّدون احتفوا بالإنجازات “الخجولة” للحكومة الجديدة، وعدّوها محطّات فارقة، بعد وسم الرئيس السوري المؤقت بـ”المخلِّص المُقدَّس”. أمّا المنتقدون، فيرون بداية تفاعل عميق بين الديني والسياسي لا يمكن فهمه إلا في إطار عملية بناءٍ عبثية، تترك آليات الرقابة والمساءلة غائبةً على نحوٍ لافت. في موازاة ذلك، تُرصَد أنماط مقلقة من العنف الانتقامي في سياقاتٍ تُعيد تعريف السوريين على أساس الانتماء المذهبي والعرقي، في غياب استراتيجيةٍ متكاملةٍ للعدالة الانتقالية. وكلُّ مُكوِّنٍ سوري يلهث في ماراثون استباقي وقائي لاختيار التحالف أو المواجهة، ودافعيته الذاتية لذلك إحساسُه بالتهديد داخل مهاترات طائفية لا طائل منها، فاتحاً أبوابَ صراعٍ وجودي مجّاني بدلاً من بناء شراكة وطنية حقيقية.

ومهما يكن من أمر، الذاكرة السورية مثقلة بدوافع الكراهية في أكثر أشكالها توحّشاً وشهوانيةً للانتقام، فيما تفتقر السلطة الجديدة إلى خطّةٍ ناجعةٍ لإدارة التنوّع؛ تتبنّى إصدار الفتاوى الدينية في أمور السياسة من دون مراجعة فكرية جادّة، تُلغي مفهوم التقدير الاجتهادي للترجيح بين المصالح والمفاسد. أمّا التحريض الإعلامي الممنهج فيعزّز الخوف المُتبادَل بين المُكوِّنات السورية بصورةٍ خطيرة، تدعمه الأحداث الوحشية من مجازر طائفية هنا وهناك، إلى خطابات إعلامية تُشيطن جماعات بعينها، وتجفّف منابع التعايش بكلّ غوايتها الجاذبة، في إطار المغالبة لا المشاركة، وصولاً إلى التغيير الديمغرافي لبعض المناطق.

ونتيجة لهذه الوقائع القاسية يدخل السوريون فصلاً جديداً من “مديح الكراهية الشعبوية” الذي لم ينبت من العدم، إنما من ميكانيزم العنف الرمزي والمادّي لنظام الأسد، الذي عزّز الشروخ الوطنية وهدم الجسور. وكلُّ مكوّن يمتحن الآخر من منظور التهديد أو الأمان؛ يتملّكه مزاج طائفي محموم أقرب إلى “أخلاقيات اليأس العدمي”، يستحضر شهية السعار الطائفي على حساب شجاعة التفكّر والتعقّل.

المشهد السوري الراهن بالتأكيد شديد التعقيد، بينما تسير عملية الانتقال السياسي بخطى بطيئة أدخلتها مرحلةَ جمودٍ لغياب المسارات الواضحة، فضلاً عن تهديداتٍ أمنية وضعت العلاقة بين المركز والأطراف على حافّة الحوار المتشنّج عن نمط حكمٍ “لامركزي” مستقبلاً. في المقابل، كثيرٌ من المكوّنات الدينية والقومية ينظر بريبة إلى الحكومة الجديدة باعتبارها عودة محتملة لهيمنة إسلامية خالصة، وسط شيوع مظاهر تطرّف شاذّةٍ عن المجتمع السوري المنفتح، في وقتٍ يدور الحديث عن اتفاقٍ مُعلَّق مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وبرلمان إقصائي، وإعلانٍ دستوري انتقالي مصدره الرئيسي للتشريع هو الفقه الإسلامي، وحوار وطني عجول أفرز توصيات غير ملزمة… إلخ. وسط هذا كلّه يقف السوريون أمام سؤال جوهري: هل يقود حكم هيئة تحرير الشام إلى عقد اجتماعي جديد، أم إلى إعادة إنتاج شكل آخر من ممالك العبث والفوضى؟

وبالتساوق مع ما تقدّم، ثمّة ما يشي بأنّ الآمال العريضة التي وضعها السوريون على الإدارة الانتقالية قد تخبو تدريجياً، رغم أنها لا تتحمّل مسؤولية تآكل الجذور البنيوية للدولة السورية. خارجياً، بالتأكيد تحرّرت البلاد من عزلةٍ خانقة، وأُعيد فتح قنوات انتهت إلى رفع عقوبات قانون قيصر بالكامل. وعليه، وإذا كانت الدبلوماسية أبرز نجاحات المرحلة الانتقالية، فلم يعد ممكنًا تأجيل معالجة الثغرات الداخلية، بينما المخاطر تتزايد من تحوّل الإحباط الشعبي المتنامي إلى شرخٍ سياسي حاد. ولعلّ الارتباك الحالي ينطلق من واقعٍ شديد الهشاشة، ما يدفع مراقبين للإشارة إلى أنه لا يجب قياس الإنجاز بالتقدّم إلى الأمام، وإنما بمنع الانزلاق المستمرّ إلى القاع. فالنسيج السياسي السوري مهلهل، والمشكلة أخلاقية أكثر منها سياسية، أمّا الوجوه التي تتسيّد الفضاء العام فمتواضعة الخبرات، في حين أنّ مهامها جسيمة.

في “سورية الجديدة” (بعد إصدار مجلس الأمن قراراً يقضي بشطب اسمَي الرئيس المؤقّت أحمد الشرع ووزير الداخلية من قائمة العقوبات الدولية، محاكاةً للقرار 2254 مع إدخال عنصر ردعي جديد يرتبط بالبند السابع من ميثاق الأمم المتحدة) يتنازع السوريون بين احتضان التغيير وانعدام اليقين؛ خصوصاً أن الجدل لم ينتهِ بعد حول ما فعله الإسلام السياسي في بلدان مثل مصر وتونس. فالإجابة عن جلّ الأسئلة المصيرية لا تزال غير واضحة لدى القيادات الجديدة التي تتعامل مع مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان بصفتها طلاسمَ مبهمةً؛ لذا نرى ترتيبات تنهار تلو أخرى، واتفاقات متناقضة، وشخصيات تختفي بعد الانتشار. وهذا طبيعي للغاية، بل ومتوقّع في حالة السيولة غير المنضبطة داخل تنظيم شديد المركزية والانغلاق، تلتبس عليه الحدود الفاصلة بين الدعَوي والسياسي، مراهناً على استعراض فائض القوة من دون استيعاب التحوّلات الديناميكية المتسارعة ما بعد حكم الأسد. على سبيل الذكر: بعد تنظيم فعّاليةٍ في حلب لإحياء ذكرى طوفان الأقصى، ثم إلغائها، ردّدت قواتٌ من الجيش السوري الجديد شعارات داعمة لغزّة خلال عرضٍ عسكري نظّمته وزارة الدفاع في إطار فعّاليات الذكرى السنوية الأولى للتحرير. ما شكّل، في الحالتَيْن، حساسيةً كبيرةً لدى إسرائيل التي لوّحت بـ”حتمية” الحرب مع سورية، على اعتبار أنّ أطماعها ليست ذاتيةً صِرفةً فقط، وإنما جزءٌ منها حربٌ بالوكالة عن قوى غربية تدرك الأهمية الاستراتيجية لسورية؛ التي، ولأنها مفتاحٌ لأيّ تغيّرات جوهرية في قلب المنطقة، لم تنقطع عنها الحروب يوماً.

وقد توجد الظروف الحالية مسوّغاتٍ ملحّةً (حماية “الأقليات” ومحاربة مليشيات جهادية تكفيرية) للدفع بسيناريو التقسيم؛ بدلالة توعّد الرئيس الأميركي بالردّ القاسي على مقتل جنديَّيْن أميركيَّيْن وإصابة آخرين إثر هجومٍ في تدمر نفّذه عنصرٌ في جهاز الأمن العام، يُرجَّح امتلاكه أفكاراً متطرّفة، بحسب متحدّثٍ في وزارة الداخلية السورية. ليأتي إعلان وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، بدء عملية “عين الصقر” على مواقع تنظيم داعش في سورية… إلخ.

ختاماً، لن تقف الدهشة عند السرعة والطريقة التي أسقطتْ نظام الأسد، بل في إجهاض نشوة السوريين في ظلّ موسم جديد من التنافس المحتدم على النفوذ والسيطرة؛ تتقاطع فيه التحدّيات الجسيمة مع الفرص العظيمة. مودّعين عاماً مفصلياً في تاريخ سورية حمل عناوين بارزة: “فزعات” العشائر، حلف “الأقليات”، “أكثرية أُموية” متشنّجة، “أقلية” حاكمة متشدّدة…، تكشف جميعها ما بطن من “الألغام السورية” وما ظهر. فارتدادات زلزال سقوط الأسد ستخربط إحداثيات الكيان السوري وتشوّهه ما لم تنتقل الحكومة الجديدة من موقع استغلال رصيد المظلومية “السُّنية” إلى استراتيجية سياسية براغماتية تبني الثقة مع الداخل السوري وتقلّص المواجهة مع خارجه، لتغدو النقيض الكلّي للنظام السابق بفساده واستبداده.

العربي الجديد

—————————–

 بين السيادة والدعم الدولي.. هل تنجو سوريا؟/ حمدان العكله

2025.12.27

تمرُّ سوريا اليوم بمنعطف تاريخي يتجاوز في دلالاته حدودها الجغرافية والسياسية، حيث يراقب العالم ولادة إدارة سورية جديدة تحمل على عاتقها مهمة شبه مستحيلة، تتمثَّل في ترميم ما دمَّرته سنوات الحرب، وإعادة لُحمة المجتمع الذي أصابته انقسامات عميقة، وبناء مؤسسات دولة أنهكها الصراع والانقسام على المستويات السياسية والاقتصادية والإدارية.

غير أنَّ نجاح هذه التجربة لا يتوقَّف على كفاءة الأداء الداخلي وحده، مهما بلغت درجة الإرادة الوطنية أو صدقية الخطاب السياسي المعلن. إذ يرتبط هذا النجاح ارتباطاً عضوياً بـالإرادة الدولية، ففي عالم تحكمه المصالح المتشابكة وتوازنات القوة المتبدِّلة، لا يمكن لأيِّ انتقال سياسي أن يصمد أو ينجح دون حدٍّ أدنى من الاعتراف الدولي، والدعم الاقتصادي الحقيقي، والغطاء السياسي الذي يؤمِّن له عبوراً آمناً نحو الاستقرار، ويمنحه القدرة على الاستمرار في بيئة دولية شديدة التقلُّب، تتغيَّر فيها التحالفات، وتتمُّ إعادة صياغة الأولويات باستمرار.

أولاً- محرِّكات الإرادة الدولية

ينطلق اهتمام المجتمع الدولي بسوريا الجديدة من حسابات واقعية بحتة، لا من منطلقات أخلاقية أو إنسانية مجرَّدة، فاستقرار سوريا بات ضرورة ملحَّة للأمن الإقليمي والدولي على حدٍّ سواء، إذ إنَّ استمرار هشاشتها السياسية والأمنية يفتح الباب مجدَّداً أمام عودة التنظيمات العابرة للحدود، التي تجعل الشرق الأوسط وأطرافه الأوروبية في حالة استنفار دائم، سواء على المستوى الأمني أو الاستخباراتي أو حتى التشريعي، مع ما يرافق ذلك من كلفة مالية وسياسية متزايدة. ويتقاطع هذا البعد الأمني بصورة مباشرة مع ملف اللجوء الذي تحوَّل، مع مرور الوقت، من أزمة إنسانية طارئة إلى عبء سياسي واقتصادي مزمن على الدول المستضيفة، وأصبح عاملاً مؤثِّراً في سياساتها الداخلية وخطاباتها الانتخابية، ما جعل البحث عن بيئة سورية آمنة تسمح بعودة طوعية وكريمة لملايين اللاجئين خياراً استراتيجياً لا يمكن تجاهله أو تأجيله. وإلى جانب ذلك، يدرك الفاعلون الدوليون أنَّ إخراج سوريا من موقع “ساحة الصراع بالوكالة” وتحويلها إلى دولة مستقرة وفاعلة من شأنه أن يخفِّف من حدِّة الاستقطاب الجيوسياسي، ويعيد رسم توازنات إقليمية أكثر هدوءاً، ممَّا يقلِّل من كلفة الصراعات المفتوحة ويعزِّز منطق الاستقرار طويل الأمد على مستوى المنطقة بأسرها.

ثانياً- تحدِّيات التقاطع الدولي

رغم هذا الإدراك العام لأهمية الاستقرار، تواجه الإدارة السورية الجديدة تحدِّياً بالغ التعقيد يتمثَّل في التوفيق بين أجندات دولية متناقضة ومصالح متشابكة يصعب جمعها في مسار واحد أو رؤية متجانسة. فصراع النفوذ ما يزال حاضراً بقوة في المشهد السوري، الأمر الذي يفرض على دمشق تبنِّي سياسة متوازنة تقوم على النأي بالنفس، وتجنُّب الانخراط في محاور إقليمية أو دولية متصارعة، مع السعي في الوقت ذاته إلى إعادة تعريف موقع سوريا بوصفها مساحة للتلاقي الاقتصادي والتعاون الإقليمي، بعيداً عن التجاذب السياسي والصدام غير المباشر. وفي موازاة ذلك، تبرز معادلة الإعمار والإصلاح بوصفها اختباراً حسَّاساً للقدرة على إدارة العلاقة مع الخارج، إذ تشترط الجهات المانحة مستويات عالية من الشفافية والحكم الرشيد وربط الدعم بإصلاحات مؤسسية واضحة وقابلة للقياس، بينما تسعى الدولة السورية إلى حماية سيادتها ومنع تحوُّل المساعدات إلى أدوات ضغط سياسي أو وصاية غير مباشرة تمسُّ القرار الوطني. أمَّا الملف العسكري، فيظلُّ من أعقد الملفات وأكثرها حساسية، إذ يتطلَّب الوصول إلى تفاهمات دولية دقيقة ومتدرِّجة تضمن انسحاباً منظَّماً للقوى الأجنبية، ممَّا يعزِّز سيادة الدولة ويحول دون نشوء فراغ أمني قد يعيد إنتاج الفوضى بأشكال جديدة وأكثر تعقيداً.

    الإدارة السورية الجديدة لا تتحمَّل مهمة إعادة ترتيب السلطة فحسب، إنَّما تجسِّد عهداً جديداً بين وطن يرفض الفناء، وعالمٍ أدرك – ولو متأخِّراً – أنَّ استقرار المنطقة يبدأ من استقرار دمشق.

ثالثاً- استراتيجيات كسب الثقة الدولية

أمام هذا المشهد المعقَّد، لا يكفي التعويل على النوايا الدولية وحدها أو الرهان على تبدُّل المزاج السياسي العالمي، بل يتطلَّب الأمر استراتيجية سورية واضحة ومتماسكة لكسب الثقة وتحويل الدعم المشروط إلى شراكة مستدامة طويلة الأمد. ويبدأ ذلك بتبنِّي دبلوماسية قائمة على الكفاءة، تعتمد على نخب تكنوقراطية محترفة قادرة على مخاطبة العالم بلغة المصالح والقانون الدولي، وتقديم صورة دولة مسؤولة وقابلة للشراكة، وقادرة على الوفاء بالتزاماتها، بعيداً عن الخطاب الإنشائي أو الوعود غير القابلة للتنفيذ. كما تمثِّل الشفافية المالية ركيزة أساسية في هذا المسار، من خلال إنشاء أطر مؤسسية وصناديق سيادية لإعادة الإعمار تخضع لرقابة وطنية ودولية، تضمن نزاهة التدفقات المالية وتحدُّ من الهدر والفساد، وتعزِّز الثقة المتبادلة بين الدولة السورية وشركائها الدوليين. غير أنَّ العامل الأهم يظلُّ في تقوية الجبهة الداخلية عبر مصالحة وطنية حقيقية وشاملة، إذ إنَّ تماسك المجتمع والدولة يمنح الإدارة الجديدة قدرة تفاوضية أعلى، ويحول دون استثمار الانقسامات الداخلية في إضعاف القرار الوطني أو فرض إملاءات خارجية تتناقض مع المصلحة العامة.

ختاماً، الإدارة السورية الجديدة لا تتحمَّل مهمة إعادة ترتيب السلطة فحسب، إنَّما تجسِّد عهداً جديداً بين وطن يرفض الفناء، وعالمٍ أدرك – ولو متأخِّراً – أنَّ استقرار المنطقة يبدأ من استقرار دمشق. إنَّ نجاح هذه الإدارة هو ثمرة العناق المنتظر بين إرادة دولية استعادت شيئاً من بوصلتها الأخلاقية، وإرادة وطنية صقلتها سنوات النار فخرجت أكثر صلابة ووعياً. إنَّها لحظة تاريخية ينبغي بناؤها على تطلعات مستقبلٍ يتوق فيه السوريون إلى السلام والعدالة والكرامة، حيث تثبت سوريا للعالم أنَّ أصعب الأزمات يمكن أن تلد حلولاً عظيمة عندما تتلاقى الإرادات الصادقة وتتَّحد الأهداف النبيلة.

تلفزيون سوريا

———————————

سوريا الجديدة وتحدي الهوية | سنجق عرض | حسام جزماتي

سوريا الجديدة وتحدي الهوية.. حديث الهوية في سوريا سابقا والآن، في حلقة جديدة من برنامج “سنجق عرض”

———————————

بعد عام من سقوط الأسد: بناء البشر بدل الحجر أولوية/ أميمة عمر

تهيمن على محادثات إعادة الإعمار قضايا الطرقات والجسور والمباني. لكن إن أراد العالم إعادة إعمار سوريا بحق، فسيبدأ هذه المهمة من داخل الغرف الصفية وملاعب المدارس

السبت 27 ديسمبر 2025

إذا كان العالم يريد حقاً إعادة بناء سوريا، فليبدأ من المدارس وساحات اللعب حيث يتعلّم الأطفال الإيمان بمستقبلهم (أ ف ب/ غيتي)

ملخص

التعليم في سوريا لم يكن ترفاً في زمن الحرب، بل ما أنقذ الأطفال من الانكسار وحفظ قدرتهم على الحلم وسط القصف والنزوح. واليوم، بعد عام على سقوط النظام، لا يمكن بناء مستقبل البلاد ولا إعادة إعمارها فعلياً إلا بالبدء بالمدارس والمعلمين قبل الإسمنت.

كان عام 2011، وكانت الحرب في سوريا بدأت لتوها. كنا نسمع عن قصف مدن أخرى، لكننا كنا نعتقد بصدق أن مدارس حلب أكثر أماناً للأطفال من بيوتهم. كان الملعب مكتظاً. كنا أنهينا الدروس للتو وسمحنا للأطفال بالخروج إلى الاستراحة. كنت أقف مع معلمين آخرين نراقبهم وهم يركضون ويلعبون. بدا الأمر كأنه يوم عادي آخر.

ثم سمعنا صوت الطائرة يقترب. بدأنا ننادي الأطفال ليعودوا إلى صفوفهم. لا أذكر لحظة الارتطام بوضوح. كل ما أذكره هو ألم مفاجئ في صدري وأذني، ثم لا شيء. وعندما فتحت عيني، كان الغبار في كل مكان، وصوت صراخ الأطفال يملأ الأجواء. كان بعضهم ممدداً على الأرض، ووجوههم مغطاة بالغبار والدماء. اندفع الآباء إلى الداخل وهم يصرخون بأسماء أبنائهم وبناتهم. في ذلك اليوم، لم يعد ستة أطفال إلى منازلهم.

هذا الشهر، يمر عام كامل على سقوط نظام الأسد الذي قصف ذلك الملعب. يتحدث الناس اليوم عن إعادة الإعمار: عن الطرق والجسور والمباني. وبالطبع، نحن في حاجة إلى أسقف لا تتسرب منها المياه، وإلى مستشفيات غير مدمرة. لكن بعد 14 عاماً من التعليم في ظل الحرب، أعرف أمراً قد يغفله كثير من المخططين في عواصم بعيدة: التعليم ليس أمراً ثانوياً. بالنسبة إلى الأطفال، هو لا يقل أهمية عن الغذاء والمأوى في إنقاذ حياتهم، ويجب أن يكون في صلب إعادة بناء سوريا.

أدركت ذلك أولاً في منزلي. بعد الهجوم، أبقى الآباء أطفالهم في البيوت لأسابيع. وكنت أنا أيضاً خائفة من إعادة ابني ذي الأعوام السبعة إلى المدرسة. لكن خوفه وقلقه لم يتراجعا، بل ازدادا. اشتاق إلى أصدقائه، وكان يريد أن يلعب ويضحك كما في السابق. إبقاؤه محبوساً في الداخل لم يجعله أكثر أماناً.

لذلك، قررنا نحن مجموعة من المعلمين تحويل منازلنا إلى صفوف دراسية. استقبل كل واحد منا ما بين 10 و15 طفلاً في غرفة الجلوس. واصلنا إعطاء الدروس، وحاولنا أن نوفر لهم قدراً من الروتين. ساعد ذلك قليلاً، لكنه لم يكن كافياً. كان الأطفال في حاجة إلى ما هو أكثر من دفاتر التمارين وأوراق العمل.

عندها أدركنا نقطة مهمة. لا يحتاج الأطفال إلى كتب وألواح فحسب. بل يحتاجون إلى بعضهم بعضاً. وهم في حاجة إلى مشاركة مخاوفهم- ونسيانها لبعض الوقت. والمدرسة ليست مكاناً مخصصاً للعلامات والاختبارات فحسب. بل هي نافذة يتنفس الأطفال من خلالها ويعيشون طفولتهم مجدداً، وهي المكان الذي يخرجون فيه من واقع الحرب لبضع ساعات يدخلون فيها عالماً مختلفاً يحيكونه من القصص والقصائد والأغاني والألعاب والدروس.

قبل الحرب، كنت أعمل في التدريس منذ أكثر من 20 عاماً. كنت أحب عملي، لكنه كان أيضاً روتيناً: وظيفة تبدأ في السابعة صباحاً وتنتهي في الثالثة بعد الظهر. أدرس حصصي، أتقاضى راتبي، وأعود إلى المنزل. بعدما أصاب ذلك الصاروخ ساحة المدرسة، تغير كل شيء. لم أعد مجرد موظفة. شعرت بأنني على خط المواجهة. كان هناك نظام يريد أن ينتزع من أطفالنا حقهم في التعلم وفي الشعور بالأمان. وكان دوري أن أدافع عن هذا الحق، وأن أضمن أن يتمسك الأطفال به، مهما كانت الظروف.

لقد أثبتت أعوام الحرب صحة ذلك. فالتعليم في زمن النزاع ليس ترفاً يمول “بعد انتهاء الطوارئ”. إنه ما يبقي الأطفال صامدين في قلب الطوارئ نفسها. يمنحهم الاستقرار وإحساساً بالحياة الطبيعية. ويقول لهم ببساطة: ما زال لكم مستقبل.

وعندما كان المانحون يرسلون الغذاء والخيام، كنا ممتنين، لكنني تمنيت لو أن عدداً أكبر منهم أدرك أن المدرسة قد لا تقل أهمية لبقاء الطفل على قيد الحياة من سلة غذائية.

منذ ذلك اليوم، واصلنا حمل هذه المسؤولية على رغم الغارات الجوية المتواصلة والشتاءات القاسية وحالات النزوح، والقلق الذي لا ينتهي. أنشأنا صفوفاً دراسية تحت أشجار الزيتون وفي الخيام، وحتى داخل الكهوف. ولم يعد التعليم مجرد مهنتنا، بل صار وسيلتنا لإبقاء أطفالنا متماسكين من الداخل.

أستحضر اليوم أسماء أطفال كثر كانوا بالكاد قادرين على الكلام من شدة الخوف عندما اندلعت الحرب. أما اليوم، فقد أصبح بعضهم في الجامعة، وبعضهم الآخر يشارك بالفعل في قيادة وبناء سوريا الجديدة. لولا المدارس التي أبقيناها مفتوحة على رغم كل الصعاب، لما كان لدينا هؤلاء الشبان والشابات. التعليم هو السبب الكامن الذي يجعل هذا العام الأول من التحرير يبدو بداية، لا خاتمة لانهيار طويل.

لكن الأمل وحده لن يعيد بناء نظامنا التعليمي. فالحرب لم تلحق الضرر بالمباني فحسب، بل أنهكت المعلمين، وخلفت صدمات نفسية لدى الأطفال، ودفعت ملايين التلاميذ إلى خارج المدارس. وإذا كان لهذه الذكرى أن تحمل أي معنى، فلا بد أن ينتقل التعليم من هامش الموازنات والمؤتمرات إلى صلبها.

 وهذا العمل يبدأ بالمعلمين. نحن في حاجة إلى استثمار طويل الأمد في التدريب، بحيث يمتلك كل معلم الأدوات اللازمة لتقديم دروس قوية، ودعماً عاطفياً داخل الصفوف. نحتاج إلى إرشاد يستجيب لواقع كل منطقة، وإلى دعم نفسي للمعلمين أنفسهم. فلا يمكن مطالبة معلم مثقل بالصدمات، ومتدني الأجر، ومستنزف القوى، بأن يشفي جيلاً بأكمله.

يجب أن ينعكس الاعتراف بدور المعلمين أيضاً في رواتبهم. فإذا كانت السلطات الجديدة والمانحون الدوليون يؤمنون حقاً، كما يقولون، بأن الأطفال هم مستقبل سوريا، فعلى أجور المعلمين وظروف عملهم أن تعكس هذا الإيمان. وفي كل خطة لإعادة الإعمار، ينبغي تخصيص حصة عادلة ومحمية من الموازنة للمدارس، ورواتب المعلمين، وتدريبهم، لا أن يُترك للفتات بعد رصد موازنات الطرق ومحطات الكهرباء.

وخلال الوقت نفسه، نحن في حاجة إلى جهد جاد، مدعوم من المانحين، يستهدف الأطفال – الذين أصبح كثير منهم اليوم بالغين – ممن انقطعوا عن التعليم خلال أعوام الحرب. لا يمكن ببساطة شطبهم ووصمهم بأنهم “جيل ضائع”. إنهم يستحقون برامج تعليمية تمنحهم فرصة ثانية تتلاءم مع ظروف حياتهم، وتساعدهم على القراءة والكتابة بثقة وتكسبهم مهارات تقود إلى عمل حقيقي. وينبغي التعامل مع تمويل هذا النوع من التعليم التعويضي بوصفه أولوية عاجلة، لا مشروعاً هامشياً يلتفت إليه فقط عندما يتوافر فائض في الأموال.

على امتداد الـ14 عاماً الماضية، عملت منظمات محلية ودولية معنا كي نبقي أبواب المدارس مشرعة وندرب المعلمين ونصلح الغرف الصفية. ومع تحول التركيز اليوم إلى إعادة الإعمار، ينبغي ألا تتلاشى هذه الشراكة، بل أن تتعمق، مسترشدة بخبرة أولئك الذين لم يغادروا الصفوف يوماً.

بعد عام على التحرير، قد يتركز كلام السياسيين على الأسمنت والصلب والمشاريع الكبرى. لكن من موقعي أمام السبورة، فأرى أولوية مختلفة. 14 عاماً من الحرب حاولت كسر أطفالنا، لكن التعليم ساعدهم على الوقوف من جديد. وإذا كان العالم يريد حقاً المساعدة في إعادة بناء سوريا، فعليه أن يبدأ من حيث سقطت القنابل أولاً: من ساحات اللعب والصفوف الدراسية، حيث لا يزال أطفالنا يحاولون، كل صباح، أن يؤمنوا بأن لهم مستقبلاً.

———————————–

==================

تحديث 26 كانون الأول 2025

———————————

إرهابي في البيت الأبيض؟/ د. ابتهال الخطيب

السياسة مكب نفايات، لا شك في ذلك، هي كومة من المتناقضات والنفاقات والجرائم والحقارات التي تتجمع فوق بعضها ليجلس الأقوياء على قمتها مزهوين بجميل صنيعهم وعظمة إنجازاتهم، متباهين بطهارة مقاصدهم وبياض أياديهم، في حين ينظر لهم الجميع من أسفل الكومة، مختنقين بفظاعة الرائحة المتسللة من عفنها، موجوعة أعينهم من «عين الشمس» الضاربة أعلاها، مكسورة قلوبهم مما يعرفون، وأكثر، مما يعرفون أنهم لا يعرفون. كلنا نعرف الكومة، نعرف كيف تكونت، نشم الرائحة التي تفوح منها، نعرف من يجلس أعلاها وكيف وصل للجلوس أعلاها، ندرك تماماً أنه كلما زادت المتناقضات، وكلما ارتفعت درجة النفاق، وكلما تراكمت الجرائم، كبر جسد الكومة، وارتفع ممتطيها للأعلى درجة، كل جريمة بدرجة شمالاً.

لكن هناك من المتناقضات السياسية ما يفزع الروح، ما يقتل الأمل في الإنسانية برمتها، مثل مثلاً سفالة الموقف الحكومي الأوروبي، أصحاب موشحات حقوق الإنسان، تجاه جريمة الإبادة المستمرة لحد الآن في غزة وعلى أرض فلسطين برمتها، أو مثلاً فظاعة الصمت والقبول الأمريكيين والعالميين لرئيس مثل ترامب، مفضوح جنسياً، مدان أخلاقياً، مجرم سياسياً، مسيء تصريحياً، واضح عنصرياً، مريض ذهنياً، أو مثلاً فداحة التناقض العربي الذي كان تجاه الثورتين البحرينية والسورية، الشيعة يرونها ثورة في البحرين ويرفضون مثيلتها في سوريا، والسنة يرونها ثورة في سوريا ويرفضون شبيهتها في البحرين، وهو ما يوصلنا لسوريا وعجائبية استمرار التناقض الداخلي الفادح على صفحة أحداثها، وذلك بعد سقوط انتظرناه طويلاً لطاغية مرعب وانتصار تأملنا خيره مديداً لثورة كانت حلماً بعيد المنال.

كنت، ومازلت، من أكثر المحتفين بالثورة السورية على الرغم مما أعرف عن الأصول التي قد توصف بالإرهابية للبعض من ثوارها، وعلى الرغم مما أعرف من تاريخ قائدها، هذا الرجل الذي لم يفلح شكله وشخصيته وحديثه الكاريزماتيين جميعاً من أن ينسونا بداياته المشبوهة التي سبق أن كتبت عنها مقالاً كاملاً ها هنا في قدسنا العربي. وكعادتي مع محيطي بعد كل حدث مزلزل في وطننا العربي، اصطدمت بقوة وحدة مع البراغماتيين من المحيطين، هؤلاء الذين أرادوا سرقة الفرحة الأولية لسقوط الطاغية وتحرير الأسرى من السجون وانفضاض الغيمة الثقيلة المظلمة لأسرة الأسد عن سماء سوريا. أردت أن أفرح، رغم ما يقول لي العقل والمنطق وهؤلاء البرغماتيون، أردت أن أصدق أن الثورة حقيقية، وهي كذلك، وأن الطاغية سقط، وهو كذلك، وأن النجاح ممكن في هذه البقعة الغريبة من العالم، بقعتنا الشرق أوسطية المنكوبة.

إلا أن عقلي ومنطقي، ومن مكان بعيد خافت، كانا يلحان ويلحان، على عادتهما البغيضة، يصران أن الثورة النظيفة تحتاج لبداية صحيحة وأشخاص نظاف المنبع والمقصد، أن هذا السقوط لأسرة الأسد قد يفتح باب الطائفية، أن هذه الثورة المستحقة قد تقطع إمدادات السلاح عن حماس وحزب الله، واجهتي المقاومة الفلسطينية، وأن هذه الثورة المنتظرة هي واقعياً مدعومة وبشدة من الحكومة الأمريكية لسد الممر السوري إلى حماس وحزب الله، وأن ثمن هذه الثورة سيكون تجريد المقاومة الفلسطينية من قواها، وأن الموضوع كله لعبة ابتلعناها نحن عن طيب خاطر تحت ضغط الأمل المُلح بسقوط طاغية وتحرير شعب.

ولم لا، ألا يستحق الشعب السوري فرصته كذلك؟ هل عليه أن يدفع ثمن استمرار المقاومة الفلسطينية زجاً وتعذيباً في السجون وقمعاً ونهباً لخيرات البلد؟ من حق الشعب السوري أن يتحرر، من حقه أن يكون براغماتياً كذلك في خياراته ويبدأ بمصلحته، ولكن ماذا لو كانت المصالح متشابكة، ماذا لو كان سقوط المقاومة الفلسطينية يعني سقوط المستقبل السوري؟ وهكذا أدور في دوائري المغلقة، عقلي يذهب ويجيء، يحاجج بلا اقتناع ويفرح بتوجس ويحتفي وهو يقمع صوته الداخلي.

ورغم أن سعادتي بسقوط الأسد مازالت تفوق مخاوفي وأحزاني تجاه كل الخسارات الأخرى، إلا أن التناقض والنفاق الملقين في وجوهنا اليوم في المشهد السياسي السوري يبدوان كأنهما صفعات متتالية عارمة القوة على وجوهنا المتفاجئة الساذجة. أحمد الشرع ينتصر بالثورة، يحرر المعتقلين والمسجونين، أمريكا تستمر في ضرب سوريا، أمريكا لا تزال تضع أحمد الشرع على رأس قائمة المطلوبين الإرهابيين، أحمد الشرع يزور واشنطن ويدخل البيت الأبيض ويتبادل أطراف الحديث الودود مع ترامب، ترامب لا يزال يفجر مواقع سورية، أحمد الشرع يحتفي بارتفاع العقوبات عن سوريا، جنديان أمريكيان يموتان على الأراضي السورية، ترامب يقصف مواقع عسكرية سورية. أحمد الشرع ودونالد ترامب صديقان. أحد يفهمنا القصة.

أتفهم الرضوخ تحت ثقل الأمل، تحت وطأة الرغبة العارمة بالتحرر وتحقيق شيء من العدالة والأمان، سبق أن عشنا ككويتيين تجربة الرضوخ حين انهارت الأحلام تحت وطأة الغزو العراقي للكويت، وحين تبعثرت مشاعر الأمان والثقة حين تخلى عنا أقرب الناس لنا، فكان الوجود الأمريكي هو المنقذ، وكانت الاستعانة بالعالم الغربي هي المَنفذ، وكانت تلك خطوة مؤثرة ومغيرة لوجه المنطقة كلها بلا شك. هل كان الوضع متناقضاً، إلى حد كبير نعم، هل يُقارن تناقضه بالتناقض المعاصر، إلى حد بعيد لا، فلا يوجد ما يفغر الفاه أكثر من تناقض الموقف الغربي الحقوقي تجاه الفلسطينيين سوى تناقض الصداقة السورية مع أمريكا الترامبية، فيما أمريكا تقصف سوريا، وفيما أحمد الشرع لا يزال على رأس قائمة الإرهابيين المطلوبين، وذلك إبان زيارته للبيت الأبيض.

لو أن الزمن عاد، لبقيت على ذات الموقف، ولتمنيت الثورة السورية مهما كان ثمنها، ولتضاربت مع العقلانيين مهما بلغت قوة حجتهم، فالأمل في الخلاص، والعدالة والأمان يفوقان كل منطق وحجة. سوريا تستحق ثورة ناجحة، أهلها يستحقون التخلص من الطاغية مهما كان الثمن. لكن كل هذه الأمنيات والمشاعر لا تخلو من شوائب الخوف من المستقبل، التوجس من طائفية قد تبدو آخذة في التفشي، والارتعاب من علاقة مشبوهة مشوهة لرئيسين غريبين في توافقهما وتناقضهما، علاقة محملة بأخطاء الماضي ومعجونة بثمن ثقيل يبدو سيُدفع في المستقبل. الله معك يا سوريا، ينجح ثورتك ويدحر أعداءك داخليهم قبل خارجيهم، آمين.

القدس العربي

————————-

==================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى