إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

عن نقاش المواطنة والأقليات في سورية/ سميرة المسالمة

05 يناير 2026

أكثر ما يعني أيَّ كاتب عندما ينقل عنه كاتب آخر، له مكانته في الفضاء العام، أن يدعم ما ينسب إليه بجمل واضحة، يشير إليها، لا أن ينسب إليه ما لم يقله، وقد لا يكون فكّر فيه. وهذا ينطبق عليَّ أيضاً، حين يردّ عليَّ كاتب له احترامه وتقديره من القرّاء الكرد. فعندما تناولت موضوع دولة مواطنين لا دولة مكوّنات وطوائف (“العربي الجديد”، 22/12/2025)، عنيتُ بوضوح ضرورة تحوّل الدولة السورية إلى دولة مواطنين، بتمكين حقوق مواطنة متساوية لجميع السوريين، بغضّ النظر عن انتماءاتهم الإثنية والطائفية، بما يتضمّن ذلك الحقوق الفردية والجمعية، أي المدنية والإثنية، وهذا بيَّنتُه مراراً في مقالات ومقابلات سابقة، إذ لا يمكن الحديث في كل مقالة عن كل شيء.

القصد أن حديثي عن تمكين الكرد السوريين من حقوق المواطنة، على عادة الخطابات السياسية السائدة، لا ينبغي أن يُلغي أو يحجب حقوقهم الجمعية الإثنية. فكما أن السوريين العرب ينتمون إلى أرومة إثنية أكبر، هي العربية، ينتمي الكرد إلى أرومة إثنية أكبر هي الكردية، أي الأمة التي لم يتح لها إنشاء دولة خاصّة بها، ما أدى إلى توزّع الكرد بين عدة دول. وهو الأمر الذي حصل للعرب أيضاً بتوزّعهم في دولٍ عديدة، في الجغرافيا والسياسة، وهو ما قادهم إلى التأقلم ضمن الواقع المتاح، ما أدّى إلى ظهور الدولة الوطنية بتركيبتها التعدّدية، والتي لا تلقى معارضةً إلا من أصحاب النظريات القومية الشعاراتية، كما كان حال حزب البعث العربي الاشتراكي.

وفي ما يخصّ الحقوق الجمعية للكرد السوريين المواطنين فهي تتعلّق بتمكينهم من حقوقهم الثقافية والتراثية والتاريخية، بما في ذلك حقّهم في التمثيل السياسي، وتطوير هُويَّتهم مواطنين وجماعةً، وهذا لا يتعارض مع دولة المواطنة التي أنادي بها. وربّما كانت أفضل صيغة لذلك يفترض أن يلحظها الدستور السوري مستقبلاً، إن في صيغة التمثيل النسبي على الصعيد الوطني، أو صيغة الجمع بين التمثيلين، الوطني والنسبي، صيغتَيْن تضمنان تمثيل مجمل مكوّنات أيّ شعب، على قاعدة أنه شعب يتألّف من مواطنين. فهاتان الصيغتان تحصّنان الشعب من طغيان أيّ أكثرية على أيّ أقلية؛ إذ في دولة المواطنين الديمقراطية لا توجد أقليات وأكثريات منمّطة وفقاً لجماعات إثنية أو طائفية، وإنما توجد أكثريات وأقليات تبعاً للاختلافات في المصالح والأولويات الطبقية والسياسية.

للأسف، فات الكاتب صلاح بدر الدين، الشخصية الكردية المعروفة، في سجاله مع ما طرحتُه من أفكار (“أعلى درجات التمثلية القومية… تعقيباً على سميرة المسالمة”، “العربي الجديد”، 26/12/2025)، أنني أتحدّث عن واقع سوري “متعيّن”، إذ هيمنت السلطة السابقة على الدولة، وحالت دون قيام مجتمع المواطنين، ووضعت مكوّنات الشعب في مواجهة بعضها لتقديم نفسها حاميةً للأقليات، ما أثار مشاعر الخوف والحذر والكراهية بين السوريين، وهو ما زلنا نُعانيه، وما نحتاج إلى سنوات للتخلّص من تركته البغيضة. وعندي، أن شرط التحرّر من ذلك الوضع، وتلك التركة، يتأسس على إيجاد نقيضها، أي إقامة دولة المؤسّسات والقانون، ودولة المواطنين الأفراد الأحرار والمستقلّين والمتساوين، ففي هذه الدولة فقط يمكن للأفراد التعبير عن ذاتهم الفردية والجمعية بطريقة حرّة.

لم أنكر، في مقالتي، واقع وجود مكوّنات إثنية وطائفية، لكنّني في تلك الحيثية أميّز بين أمرَيْن: وجود الطوائف والإثنيات، وهو أمر يعبّر عن ظاهرة اجتماعية وثقافية تاريخية لا يمكن نفيها، وتوظيف الطوائف والإثنيات في الصراعات السياسية التي يغلب عليها البُعد الهُويَّاتي، بعيداً عن مصالح الأفراد المُكوِّنين لها، بل حتى ضدّ مصالحهم وأولوياتهم، وحتى مشاعرهم. لأن التنميط الجماعي الطائفي والإثني يأتي على حساب الفرد، وهذا ما يُفترض إدراكه؛ أي إنني أحذّر من الوقوع في فخّ الصراع الهُويَّاتي، وأدعو إلى دخول عصر المواطنة، وهذا أكثر ما يحتاج إليه السوريون كي يصبحوا شعباً، على تنوّعهم وتعدّديتهم التي يُفترض أن تشكّل عامل إثراء وحيوية لهم، وليس عامل تنازع وتصدّع.

لنلاحظ أن التسلّط والتفتيت الطائفي والإثني الذي نجح فيه النظام البائد طاولتْ عدواه قطاعات من المعارضة أيضاً، ومثقّفين معارضين من الجهات كلّها، سواء ممن يدعون إلى اللامركزية أو الفيدرالية، أو الذين يرفضون الفيدرالية، لأن النظام ضدّ تمكين حقوق المواطنة، كما هو حال من يرفضها اليوم، في الشكل الذي سبق أن شرحته.

والنظام الأسدي لم يرسّخ الهُويَّات الفرعية احتراماً لتنوّع المجتمع، بل استغلّها لتعزيز انقسامه، وبثّ الشكوك والخوف بين مكوّناته، وتحويل الطوائف إلى أدوات حماية لنظامه، لا أطرافاً في وطن موحّد. وعليه، الردّ على هذا الاستغلال لا يكون بإلغاء وجود الهُويَّات أو القفز فوقها، بل بإدماجها في إطار عقدٍ وطنيٍّ جامع يرسّخ المواطنة، لا بديلاً من الهُويَّات، بل ضامناً لاحترامها وعدالة تمثيلها، إذ لا تعني المواطنة الحقّة ذوبان الهُويَّات، بل تعني المساواة بينها، ورفض تفوّق واحدة على أخرى، كما تعني ضمان حرية أفراد أيّ مكوّن من طغيان فئة دينية أو طبقية أو عشائرية.

هذا يعني أيضاً ألا تسمح الدولة بإقامة دول هُويَّاتية داخلها، بل يعني بناء مجتمع من المواطنين يضمن لكل مكوّن حقّه الكامل من دون تمييز في التمثيل، لكن على قاعدة المواطنة المتساوية في داخله وفي المجتمع السوري. فالبديل الوحيد لخطاب المكوّنات هو خطاب دولة مواطنة متساوية، تكفل للجميع، أفراداً ومكوّنات، المساواة ومنع التهميش وعدالة التمثيل.

الآن، إذ أقدّر للأستاذ صلاح بدر الدين اهتمامه بمقالتي، الأمر الذي أتاح لي فرصة توضيح بعض الالتباسات، فإنني كنت أتوقّع منه ألا يقوّلني ما لم أقله، لأن هذا يُعدُّ “تزويراً للحقيقة”. مثلاً، لم أطلب في مقالتي من الكردي أن “يتطهّر بالتجرّد من قوميته، وبتحوّله إلى سوري مفيد”. ولم أقل إنه “لا يمكن أن تكون كردياً ووطنياً في آن، بل يجب أن يتحوّل الكردي إلى عربي” لينال شرف المواطنة؟ إذ لم يأت ذلك عندي قط، ولا أفكّر على هذا النحو. أيضاً، لم أقل “في ما يخصّ العلوي أو الدرزي فإن التحوّل سنّياً هو الطريق إلى الوطنية”. لا أعرف لماذا كتب ذلك ونسبه إلي؟ فهل هذا ما يدور في ذهنه عن كل عربي يكتب في الشأن العام؟ علماً أن مقالي واضح تماماً، وعلماً أنني أميّز أننا، السوريين في الجغرافيا السورية، نتألّف من هُويَّات متعدّدة: إثنية وطائفية ومناطقية وطبقية وثقافية ومهنية.

أخيراً، أودُّ أن أنبّه إلى أن الكاتب سها عن الهدف الذي حاول مقالي المذكور التركيز فيه، وهو يتلخّص في ثلاث مسائل: أنّ قوة سورية الحقيقية في داخلها، أي في شعبها، مع أهمية الخارج. وأن أيَّ علاج لأيّ مشكلة سورية، مهما كانت معقّدة ومتراكمة، يُفترض أن يتأسّس على الحوار والحلول السياسية والقانونية، في حين أن المواجهة واستجرار الحلول الأمنية لا يفيد أيَّ طرف، وإنما يفاقم المشكلة. وأن المشاركة السياسية القائمة على المواطنة المتساوية في دولة المؤسّسات والقانون هي التي تُحصِّن سورية وشعبها، وهي التي تعزّز مكانتها أكثر من أيّ شيء آخر.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى