التدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعلاقات السورية-الأميركيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

مسألة المقاتلين الأجانب و داعش في سورية تحديث 08 كانون الثاني 2026

لمتابعة مكونات هذا الملف اتبع الرابط التالي:

العقوبات الأمريكية عن سوريا وطرق رفعها

لمتابعة مكونات هذا الملف اتبع الرابط التالي:

الشرع و المقاتلين الأجانب و “داعش

—————————————————–

 تفكيك البُنى الأهلية في سوريا: توزيع النفوذ وتعارض المصالح/ ماهر اسبر

يحاول هذا البحث مقاربة المسألة السورية لا من ناحية تمظهراتها السياسية المباشرة، ولا من خلفياتها الهوياتية الدينية أو الطائفية، بل من زاوية البُنى الأهلية التاريخية العابرة للعصور، بما حملته من وعيٍ لذاتها، وإحساسها بالتهديدات الوجودية لها، وحضورها في المجال العام، وما يتفرّع عن ذلك من مصالح اقتصادية وسياسية. وهي بُنى لم تتوقّف عن إعادة إنتاج ذاتها والتكيّف مع كل مرحلة تاريخية، مع احتفاظها بجوهرها العميق.

ينطلق البحث من فرضية أن المعضلة السورية، كما تكشّفت عبر القرن الأخير بما شهده من تحوّلات وانقلابات وحروب، ليست أزمة نظام سياسي بعينه، ولا نتيجة مباشرة للتدخلات الخارجية، ولا حصيلة أخطاء النخب “مهما كان موقعها في السلطة أو في معارضتها”، بل هي نتاج تصادمٍ طويل الأمد بين أنماط وبُنى اجتماعية، لكلٍّ منها أساليبها وقدرتها الخاصة على السيطرة، أوالتكيّف، أوالتخريب.

وانطلاقاً من هذا الإطار، جرى تنظيم البحث على أربعة أجزاء (الجزء الأول يُنشر على قسمين)، ينتقل فيها التحليل من الجذور الأقدم إلى الصيغ الأحدث، ومن الأنماط العارية لفرض النفوذ لدى كل جماعة، إلى قوالبها وتمظهراتها الأيديولوجية والسياسية المعاصرة. يبدأ الجزء الأول بتفكيك البداوة وتحليل بنيتها الاجتماعية منذ ما قبل الميلاد وصولاً إلى التنظيمات الجهادية الحديثة. وينتقل الجزء الثاني إلى جماعة الإخوان المسلمين (طائفة داخل الطائفة) بوصفها التعبير الأيديولوجي الأبرز عن محاولة إنتاج هيمنة سنّية حديثة من داخل الطائفة نفسها، عبر احتكار التمثيل وإعادة تعريف الدولة والمجتمع على أساس عقائدي خاص. أما الجزء الثالث، فيتناول البرجوازية السنّية المدينية وتكيّفها ثم تحالفها مع مختلف السلط، بوصفها شريكاً بنيوياً في استدامة أنماط الحكم، مفضّلةً الاستقرار وحماية المصالح على المغامرة السياسية..

يُختتم البحث بالجزء الرابع الذي يتناول صعود الأقليات، حيث جرى دمجها ضمن إطار واحد مع الأحزاب الحداثية القومية واليسارية، (مع التأكيد على أن البُنى الطائفية والإثنية، من حيث التكوين النظري والتحليل البنيوي، لا تتطابق مع بُنى الأحزاب الحداثية ذات الطابع القومي أو اليساري، غير أن التجربة السورية أفرزت، على مستوى الممارسة السياسية والاصطفاف الواقعي، تداخلاً وظيفياً بينها، نتج عن اندماجٍ عملي لا عن اختزالٍ نظري أو إلغاء لتعدّد البُنى وأشكالها. ويأتي هذا الدمج بوصفه توصيفاً لتحوّلات السلوك السياسي وأنماط التحالف كما تجلّت تاريخياً، لا بوصفه حكماً معيارياً أو تسويةً تحليلية بين تكوينات مختلفة في أصل نشأتها ووظيفتها)، بل استناداً إلى ما أظهرته من أنماط متكرّرة في السلوك السياسي والتحالفات. ويبيّن هذا الجزء أن كثيراً من التمايزات بين الأقليات ليست دينية أو إثنية بقدر ما هي سياسية ووظيفية، وأن انخراطها في مشاريع حداثية مستوردة حمل في طيّاته (خطأً إبستمولوجياً)، تمثّل في محاولة إسقاط قوالب فكرية وسياسية مستوردة على واقع اجتماعي لم يُنتج شروطها التاريخية وأن عملية نقل المعرفة “غير الأمينة وغير الناضجة” انعكست سلباً عليها.

لا يحمل هذا البحث سردية اتهامية ولا دفاعية، ولا يسعى إلى توزيع المسؤوليات الأخلاقية أو خلق سلّم قيمي، بل يهدف إلى فهم الكيفية التي تفاعلت بها هذه البُنى الاجتماعية المختلفة، في إنتاج المعضلة السورية، وتحويلها مراراً من مشروع عقد اجتماعي إلى ساحة صراع.

وهو، في جوهره، محاولة لقراءة سوريا من تحت، من طبقاتها العميقة، لا من سطوحها السياسية.

الجزء الأول

البداوة ـ القديمة/الجديدة

القسم الأول:

«تبدأ بلاد العرب، من جهة بابل، بمنطقة مايسيني. وأمام مايسيني، من جانب، تمتد صحراء العرب، ومن الجانب الآخر تقع المستنقعات (…) إن البلاد ذات هواء فاسد، وضبابية، وتخضع في الوقت نفسه للأمطار وللحرارة الحارقة، ومع ذلك فإن منتجاتها ممتازة».

بالعودة إلى ما يورده جواد علي في كتابه “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام”، نجد أن أقدم ذِكر موثّق لكلمة “عرب” ورد في نقش آشوري يعود إلى عهد الملك شلمنصّر الثالث (القرن التاسع قبل الميلاد)، حيث جاء ذِكر قائد اسمه “جنديبو العربي”. يدلّ ذلك على أن المصطلح كان يُطلق آنذاك على جماعات بدوية قائمة على تخوم حدود آشور. ويبيّن جواد علي أن لفظة “عرب” لم تكن في الأصل اسماً لشعب ذي هوية ثابتة، بل دلالة لغوية وجغرافية تشير إلى سكّان الصحراء والبادية ـ أي كل من امتهن نمط العيش البدوي الصحراوي ـ دون النظر إلى الانتماء العرقي أو الإثني، اسماً للذين ارتبطوا منذ البدء بنمط متحرك غير قار. وقد ظهرت الكلمة بصيغ متعددة في النقوش القديمة مثل ــ Aribi وArubu وUrbi وArabaai وMatu Arabi ــ وكانت بمعظمها مرتبطة بمنطقة بادية الشام وشمال جزيرة العرب. استخدم الآشوريون والبابليون هذه التسميات للدلالة على شعوب غير مستقرة ومتحركة تقطن الأطراف الجغرافية، وكانوا يميّزون بينهم وبين الحضر والسكان المستقرين في المدن.

وما يمكن استنتاجه هنا، أن حتى لفظتي “حضارة” و “بداوة” لم تولدا كمفهومين مجرّدين، بل كصفتين، مثل كثير من أصول المجرّدات، اشتُقّتا مكانياً من واقع الشام نفسه، حيث ميّز سكان سوريا بين “الحضارة/الحضري” (أي المدني المستقر في البلدة) و”البادية/البدوي” (أي الجائل خارجها). كان مصطلحا البداوة والحضارة إذاً في بداياتهما حدّاً جغرافياً قبل أن يتحولا لاحقاً إلى مفاهيم مجردة.

وحتى في العهدين اليوناني والروماني، احتفظت الكلمة بدلالتها الجغرافية الصحراوية، إذ كانت تشير إلى كل من عاش في الصحراء أو على هامش العمران ـ بما في ذلك مناطق الطور وسيناء وشبه الجزيرة العربية ـ دون تحديد قومي دقيق. من هنا، يؤكد جواد علي أن اسم “عرب” تطوّر تاريخياً من وصف اجتماعي/جغرافي لحياة البداوة إلى هوية إثنية في عصور لاحقة، وقد ساعد على ترسيخ هذا التحوّل تبلور الكيانات السياسية العربية في الحيرة وتدمر ومملكة كندة، ثم قدوم الإسلام الذي منح الاسم بُعداً دينياً ولغوياً جامعاً.

يشير الجغرافي الإغريقي سترابون، في مؤلّفه “الجغرافيا” (القرن الأول قبل الميلاد)، إلى مناطق في تخوم الصحراء السورية تقطنها قبائل بدوية، كانت تمارس الغزو والتنقل على هوامش الحواضر، وهي المناطق التي ستعرف لاحقاً في المصادر الرومانية والبيزنطية باسم “أرض السَّراسين”، ومنذ إشارته تلك وبلاد الشام مسرح لا يهدأ للصراع بين الحضارة والبداوة: بين من بنى المدن ونظّم الحقول والأسواق، ومن تربّص بالقوافل لينقضّ عليها ثم يذوب في الرمال. يصف المؤرخ الروماني أميانوس في القرن الرابع الميلادي ـ عجز الجيوش الرومانية الثقيلة عن مطاردة تلك القبائل العربية المُغيرة. ويعلّق بأن خيول الروم لا تقوى على العطش ولا على هجير الصحراء، بينما جمال العرب تصبر وتميز فيه بين دروب السراب ودروب السبيل. كانت البادية درعاً يحمي الغزاة وسيفاً مسلطاً على رقاب الحواضر، حصناً طبيعياً يتّقي به البدوي بأس الإمبراطوريات، وحاجزاً صحراوياً تتحطّم عليه محاولات الانتقام. وفي هذا المشهد من التاريخ، نشأت مدن مثل تدمر وبُصرى الشام وأفاميا ودورا أوروبوس (دير الزور) والرُّها (إديسّا/أورفة) والبتراء على حدود ما سُمّي لاحقاً بالبادية الشامية. لم تكن تلك المدن محض مراكز حضرية عابرة، بل وُلدت من رحم تحالفات بين الإمبراطوريات الكبرى (روما وفارس ـ تركيا وإيران الحاليتين) وبين زعامات قبلية بدوية ضُمن ولاؤها عبر إشراكها في جزء من المنافع التجارية والسياسية.

التحالفات الفدرالية:

مدن حدود الصحراء

أدركت روما مع توسّعها شرقاً واحتكاكها المباشر بقبائل العرب أن القوّة العسكرية وحدها عاجزة عن فرض الاستقرار على تخوم الصحراء. لذلك اعتمدت سياسة التحالف المشروط عبر معاهدات فويدوس (Foedus) اتحادية، منحت الولاء مقابل الاستقلال النسبي. وقد تجسّدت سياسة روما تلك عبر عدة نماذج بارزة في المدن التي مثّلت حدود الصحراء السورية آنذاك وهي:

تدمر (Palmyra) حظيت تدمر في القرن الثالث الميلادي بسيادة محلية واسعة رغم تبنّيها رسمياً كمستعمرة رومانية (Colonia) عام 212م. وبعد أزمة القرن الثالث، منحت روما زعيمها أذينة (أوديناتوس) زوج زنوبيا، لقب حامي الشرق الروماني (Dux Romanorum)، فوضعته فعلياً حاكماً للبادية الشامية لصدّ الأخطار الفارسية. مثّل ذلك مثالاً حياً على فويدوس متوازن يحقق مصلحة الطرفين. فعندما أعلنت تدمر استقلالها المؤقت بقيادة الملكة زنوبيا، كانت تستند إلى إرث هذه العلاقة الفدرالية ولم تقطع خيط الولاء الرفيع لروما إلا حين اشتدّ عودها. هذا التحالف المزدوج سمح لزنوبيا لاحقاً أن تبني إمبراطورية قصيرة الأجل، صهرت حولها القبائل العربية في وجه النفوذ الروماني والفارسي معاً، وإن كان مُلكها العريض لم يُعمر طويلًا.

بُصرى الشام (Bostra) كانت حاضرة دولة الأنباط العربية إلى أن ضمّها الرومان بالكامل عام 106م وأعلنوها عاصمةً لإقليم العربية البترائية. ورغم استيعابها إدارياً وعسكرياً في المنظومة الرومانية، ظلّت القبائل البدوية في جوارها، مثل الجماعات التي عُرفت بالصفائية نسبة لجبل الصفا (جبل العرب حالياً)، متمتعة بتحالفات عسكرية خاصة مع روما منذ القرن الثاني الميلادي. حصلت تلك القبائل على امتيازات محلية وحرية حركة مقابل تأمين طرق التجارة الصحراوية. وحين ضعف نفوذ روما في أواخر القرن الثالث، استغلّت زنوبيا الفرصة واندفعت بقواتها مع حلفائها من القبائل العربية وبدعم من فئات متعددة في المنطقة، شملت نُخباً مثقفة من الأوساط الآرامية والهيلينية/اليونانية و”انتلجنسيا” شرقية، إلى جانب جماعات ناقمة على الحكم الروماني من سكان الشام (من بينهم سريان ويهود) لإسقاط بُصرى حوالي عام 270م تقليصاً للنفوذ الروماني المتراخي هناك. ويُبيّن ذلك كيف أن السياسة القبلية متقلّبة الولاءات كانت قادرة على إسقاط المدن حين تختلّ موازين القوى والمصالح.

الرُّها (Edessa) بقيت مدينة الرها (أورفة الحالية) لقرون مفترق طرق رئيسي بين روما وفارس، وتناوبت عليها الاجتياحات والولاءات بين الإمبراطوريّتين. اعتُبرت الرها منذ أواخر القرن الأول قبل الميلاد ضمن دائرة النفوذ الروماني لكنها تمتعت بوضع أقرب إلى “الشريك الفدرالي” منه إلى المقاطعة الخاضعة تماماً. تقلّب انحياز ملوكها بين روما وفارس تبعاً لميزان القوى والمصالح. وحين كان يعتلي عرشها حاكم يميل ولاؤه إلى الفرس، كانت روما ترسل جحافلها لعزله وتنصيب من هو موالٍ لها، في مشهد يؤكد هشاشة شبكة تلك التحالفات. لقد كان ولاء مدن الحدود مشروطاً ومرتبطاً بمصالح القبائل والقوى المحلية بقدر ارتباطه بإملاءات روما أو فارس.

دورا أوروبوس (Dura-Europos) على ضفاف الفرات، أسسها السلوقيون كحصن أمامي، ثم تعاقب عليها الفرثيون فالرومان. مثّلت الثغر الشرقي الذي يحمي حدود الإمبراطورية من تغلغل الفرس وغارات القبائل البدوية معاً. ورغم وجود حامية رومانية دائمة فيها، تكشف الحفريات الكتابية أن إدارة الأمن اعتمدت على منصب محلّي عُرف بـال”عربارخ” (Arabarches) كما ورد في بعض الوثائق البردية، كان زعيما قبلياً خوّلته روما تنظيم شؤون القبائل وجمع الضرائب وتأمين الحدود، ضمن نظام فدرالي ضمني فهمت فيه روما أن حماية الأطراف لا تتحقق إلا بتحالف مع من يسكنها.

البتراء (Petra) عاصمة الأنباط ومدينة التجار، وقد احترفت سياسة الحياد بين القوتين المتصارعتين (الروم والفرس، واللذين كانوا ومازالوا “يَغلِبون ويُغلَبون” بعضهم بعضاً على مر التاريخ في أرض الشام). تعلّمت البتراء أن ماء الصحراء أثمن من الذهب، فحفر أهلها خزانات سرّية تحت الصخور لا يهتدي إليها سواهم، ينتظرون عدوّهم حتى يُنهكه العطش ويستبدّ به الظمأ، ثم يخرجون له من قلب الصحراء مثل أشباح خاطفة ليغيروا ويغنموا، ولا يتركون خلفهم سوى الغبار.

الجزيرة السورية

وتُظهر أدبيات التكوّن الاجتماعي في الجزيرة السورية، كما عند محمد جمال باروت، أن التداخلات اللغوية والثقافية في تخوم الشام والجزيرة كانت أقدم وأكثر تعقيداً من سردية (الوافد المتأخر)، وأن الحضور العربي كان سابقاً على الإسلام ومندمجاً في شبكات العمران والتجارة والحدود.

 وهو وجود يزعزع السردية الشائعة في بعض الروايات العربية والإسلامية التي صوّرت العرب كوافدين لم يدخلوا الشام ويصبحوا مؤثرين فيها إلا مع الفتح الإسلامي. غير أنّ هذا (الفتح)، الذي جرى تضخيمه في المخيال الجمعي بوصفه نقطة بداية حاسمة، بات من الضروري إعادة النظر في حقيقته كما صوّرتها الرواية الإسلامية الرسمية، وكما أعادت إنتاجه لاحقاً روايات خصوم تاريخيين للعرب والمسلمين ـ كالسريان واليهود وغيرهم ـ الذين وجدوا مصلحة في تأكيد صورة العرب كدخلاء وغزاة، لا كسكان أصليين أو شركاء في التكوين الحضاري للمنطقة.

كما تدلّ قراءات متعددة في الأدبيات التاريخية والأنثروبولوجية الحديثة على ضرورة مراجعة السردية التقليدية التي تقدّم العرب كوافدين دخلوا بلاد الشام أو الأندلس فجأة مع “الفتح الإسلامي”، وتُصوّر هذا الفتح بوصفه لحظة فاصلة في التكوين التاريخي للمنطقة. نجد أن جواد علي في “المفصّل” كرر وأكد على وجود عربي أصيل في المشرق العربي، يعود إلى ما قبل الميلاد، يتجلّى في النقوش والوثائق والممارسات اللغوية والاجتماعية، وهو ما ينقض الرواية القائلة إن العرب ظهروا فجأة مع الإسلام كمكوّن طارئ أو غازٍ. وفي السياق نفسه، قدّم الباحث الإسباني إغناسيو أولاغويي (Ignacio Olagüe) أطروحة مثيرة للجدل في كتابه (Les Arabes n’ont jamais envahi l’Espagne)، نفى فيها حدوث “فتح عربي” خارجي للأندلس، معتبراً أن ما جرى هو تحوّل داخلي تدريجي في البنية الدينية والثقافية لشبه الجزيرة الإيبيرية، جرى تأطيره لاحقاً بوصفه (غزواً) بفعل التأريخ الكنسي والإسلامي الرسمي، أي أن الطرفين المتخاصمين اشتركا في رواية سردية مخالفة للحقيقة التاريخية.

أما في الحقل الأكاديمي الغربي المعاصر، فقد قاد كل من باتريشيا كرونه ومايكل كوك مراجعة جذرية للسردية الإسلامية الرسمية، في كتابهما (Hagarism: The Making of the Islamic World)، حيث يجادلان بأن ما يُعرف بالفتح كان تحالفاً سياسياً في الأصل عربياً/يهودياً واشترك به معهم سريان من أهل المنطقة من السكان البلاد الأصليين ضد السلطات الرومانية والنخب الهلنسيتة التي كانت حاكمة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وأن الإسلام ذاته تشكّل لاحقاً كهوية روحية ودينية بعد صعود العرب عسكرياً.

ويُكمل هذا المسار باحثون مثل فريد دونر وفيلهفرد مادلونغ وجيرالد هواتينغ وألبرخت نوت ولورانس كونراد، الذين قاموا بتحليل البنية السردية لكتب الفتوح الإسلامية التقليدية، مشيرين إلى تكرار نمطي شديد يُضعف من صدقية تلك السرديات كمصادر مباشرة. وتتلاقى هذه القراءات مع ما طرحه الكاتب البريطاني توم هولاند في كتابه In the) (Shadow of the Sword، حيث يقدّم نقداً شاملاً لفكرة (الفتح)، ويدعو لإعادة قراءة ظهور الإسلام ضمن سياق التفكك الإمبراطوري للشرق الأدنى، لا كسردية دينية فجائية ومكتملة.

المفكرون العرب

إن هذه الحقيقة التاريخية، التي تكاد تكون جليّة حدّ الإبهار، والتي لم تَغِب عن أعين الباحثين المعاصرين في علم التاريخ والأنثروبولوجيا كما أستطردت في المقطع السابق، لامسها بعض المفكرين العرب في قراءاتهم النقدية للتراث أو بعض الفقهاء العرب في مروياتهم، وإن بطرق متفاوتة المباشرة. بل إن طه حسين، في كتابه “في الشعر الجاهلي”، أشار بشكل مباشر إلى ضرورة إعادة فحص السرديات السائدة حول العرب قبل الإسلام، بوصفها نتاجاً لموروث أسطوري أكثر منها انعكاساً لمعطيات التاريخ والوثيقة، وهو المؤلف الشهير الذي تم تكفيره من أجله طوال حياته.

رغم كل ذلك، فإن الوعي العام في المنطقة، سواء بين المسلمين أو بين أتباع الديانات الأخرى، ظلّ بعيداً عن تمثّل هذه الحقيقة أو إدراك تبعاتها التاريخية والسوسيولوجية. ويعود ذلك بالطبع إلى قوة السرديات الكبرى التي شكّلت الهوية الدينية والقومية الحديثة، والتي قامت على ثنائيات “الوافد والأصيل، والغزو والتحرر”، بدلاً من النظر إلى التاريخ كعملية تداخل حضاري متراكمة تعكس أنماط الاستقرار والتنقّل في المشرق، لا مجرد قطيعة بين زمنين.

وعودةً إلى موضوع الفقرة الرئيسة فقد كانت الصحراء إذن حداً سياسياً مرناً أكثر منه جغرافياً ثابتاً. وقد استطاعت الإمبراطوريات المتعاقبة عبر تلك المعاهدات الفدرالية أن تستوعب قوة البداوة وتحولها إلى شبكة دفاعية متحرّكة. كان الهدف تحقيق معادلة توازن طويلة الأمد من دون كلفة الاحتلال المباشر على الدوام. وفي المقابل، استفادت القبائل وزعماء التخوم من استقلال ذاتي واسع ومن عَطايا ومخصّصات قبلية أبقت لهم مكانتهم ونفوذهم. هكذا تمّ تدجين البادية حيناً بالسيف وحيناً بالدينار، لكن بقي ولاء تلك التحالفات معلّقاً بمدى قدرة روما وورثتها على الوفاء بالتزاماتها وردع أعدائها. وكلما ضعفت قبضة المراكز، عادت البادية وقاطنوها لفرض كلمتهم من جديد.

ظهور “داعش”

سوف ننتقل في القسم اللاحق ألفي عام، من الإمبراطورية الرومانية حتى العصر الحالي، فترة ظهور تنظيم داعش، وهذا الانتقال ليس بسبب نقصٍ أو خطأٍ في المنهج أو فجوةٍ في السياق، بل هو تأكيدٌ تحليلي على أن البنية لم تتغيّر لدى العشائر. فمهما كرّرنا التنقّلات في تاريخ البداوة والعرب في بلاد الشام طوال ألفَي عام، لوجدنا أن النموذج ذاته يتكرّر، كمسارٍ اجتماعيّ صلب يعيد إنتاج نفسه كلّما تبدّلت الأسماء والرايات. إذ حافظت العشائر البدوية، عبر الأزمنة المتباعدة، على بنية داخلية واحدة تقريباً، وعلى سلوكٍ سياسيّ يمكن التعرّف إليه بسهولة مهما تغيّر السياق، وعلى منطقٍ ثابت في إدارة المصالح والولاءات، ما يوحي بأن الذي تبدّل هو أشكال السلطة المحيطة بها، لا البنية التي تتحرّك من داخلها. وهذا التشابه لا يشير إلى “استمرار فكر” أو عقيدة بعينها، بقدر ما يكشف عن استمرار بنية اجتماعية/اقتصادية/سياسية لم يجد أفرادها أنفسهم خارجها يوماً، لأنها كانت، في الفضاء الصحراويّ شديد الخطورة، شرط البقاء وأداة الحماية ونظام توزيع المنافع في آنٍ واحد، حيث لا يكفل “القانون” شيئاً إذا غاب السلاح وغابت شبكات القرابة.

لقد مرّت هذه البنية بتحوّلات كبرى: من الحكم الروماني ومحاولة زنوبيا بناء كيانٍ إمبراطوريّ حدودي، إلى مجيء الإسلام، ثم الصراعات الأموية والعباسية، والانقسامات المذهبية، وتفتّت الدول إلى كياناتٍ وسلالات، فالفاطميين، ثم المرحلة التي سبقت العثمانيين وما تلاها، وصولاً إلى الفرنسيين، فسلطة البعث، وانتهاءً باللحظة الراهنة، حيث تتجلّى السلطة الحالية بوصفها خليطاً من أدواتٍ متراكبة “عشائرية ـ سلفية ـ طائفية فاشية ـ إسلامية ـ دكتاتورية فردية وعصبوية..” ومع ذلك، إذا أزحنا طبقة الخطاب وتأمّلنا منطق الفعل نفسه، سنلاحظ أن البنى العشائرية لم تغيّر سلوكها البنيوي إلا على مستوى السطح: تتبدّل مفردات الشرعية، ويتغيّر لباس التحالف، وتختلف أسماء الجبايات، بينما تبقى الديناميكيات التي تأسست عليها ــ علاقات القوة والمصلحة والولاء والحماية هي نفسها، وهي التي تحسم القرار في النهاية. والمفارقة الأشد دلالة أنه حتى الإمبراطوريات الكبرى، من الرومان إلى العثمانيين، وبينهما الإمبراطوريات الإسلامية العربية، هي التي اضطرت في معظم الأحيان إلى التكيّف مع هذه البنى أكثر مما استطاعت تفكيكها، فمحاولات تغييرها انتهت غالباً إلى استيعابها أو توظيفها بدل تذويبها. ويكفي أن يلاحظ القارئ العبارة الباردة المتكررة في المصادر التاريخية (استخدم الأمير العشيرة الفلانية ضد الجهة الفلانية)، حيث تظهر العشيرة لا كطرف سياسي مستقل، بل “كجهاز إداري” قادر على إعادة التموضع وفق ميزان القوة والمصلحة. وحتى أن الإسلام نفسه، قد اعتمد في مستوى التشريع السياسي وآليات الحكم، على التنظيمات القائمة، فهو لم يدخل فراغاً اجتماعياً، بل اشتغل على أسس العشائر نفسها، وأعاد صوغها، وقام بتمكينها، فإذا تأمّلنا في أنماط الإدارة المبكرة وتسلسل القيادة، سنرى كيف جرى إدخال منطق العصبية والبيعة والولاء في قوالب جديدة، لا لأن العقيدة أنتجت هذه البنية، بل لأن البنية القديمة وجدت في النظام الجديد لغة أوسع لتبرير ذاتها والاستمرار. والمقصود هنا ليس مسائل الإيمان أو الاعتقاد، بل التشريع وأساليب الحكم وإنتاج السلطة وتوزيعها، أي ذلك المستوى الذي يكشف بوضوحٍ أن المسألة لم تكن يوماً عجز الأفكار الحديثة عن الاختراق، بل رسوخ بنية اجتماعية لم تجد، حتى اليوم، ما يعادلها في تأمين المصالح والحماية خارج منطقها.

——————————-

الجزء الثاني

 تفكيك البُنى الأهلية في سوريا: “داعش” وأخواتها/ ماهر اسبر

يقدم القسم الثاني من سلسلة تفكيك البُنى الأهلية في سوريا، نظرة على البنية الاجتماعية للبدو واستغلالهم لأدوار وظيفية تخدم السلطة في سوريا من دون أن تخدم مصالحهم، وصولاً إلى علاقتهم بتنظيم “داعش” وتأمين بيئة حاضنة له. كما يغوص في الأصول الدينية والاجتماعية التي أنبتت “داعش”، ويعالج تمدده كحالة وظيفية منطلقة من ركيزة اجتماعية محلية.

“فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه؟ فقال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نبتغي العزة بغيره”.

ابن كثير، البداية والنهاية، أحداث سنة 18 هـ .

لا يقدّم هذا الجزء تفسيراً أمنياً لعودة التنظيم أو بقائه، بل تفسيراً اجتماعياً بنيوياً، فـ”داعش” كما أفترض لا تعيش لأن لديها عقيدة أو مقاتلين فقط، بل لأنها تعيش داخل بنية اجتماعية ترى فيها استمراراً مألوفاً لتاريخها. ومن دون تفكيك هذه البنية، سيبقى التنظيم “أو ما يشبهه” احتمالاً مفتوحاً على الزمن ودائم التحقق في الجغرافيا السورية.

لقد عانت المناطق الشرقية، وسكّانها عموماً، ولا سيما العشائر البدوية، من تهميشٍ طويل الأمد مارسته جميع الحكومات المركزية المتعاقبة منذ نشوء الدولة السورية، حيث فرضت نخبٌ مدنية ثم عسكرية بحقهم شكلاً فَجّاً من العنصرية وسياسات الحرمان على مدى عقود، ما أفضى في النهاية إلى إقصائهم عن أي مكاسب حقيقية نتجت عن عمليات العصرنة أو التحوّل الحضاري أو التحديث. كانت مناطقهم تُنهَب حين تكون خصبة، ويُقمع أهلها ويُسحقون حين تُجدِب، وبالعودة إلى بدايات إنشاء الجمهورية السورية من العشرينات حتى بدايات الستينات، تُظهر بوضوح أن أكثر المناطق التي استُبيحت وارتُكبت فيها أوسع الجرائم من قِبل المتنفذين حينها الذين اصطلح على تسميتهم ب”البرجوازية السورية”، كانت مناطق العشائر البدوية وتجمعاتها أكثر حتى من مناطق الأقليات كما شاع لاحقاً في السرديات السياسية، وهو أمر موثّق حتى في بعض محاضر ونقاشات البرلمان السوري طوال تلك الفترة.

البدو والبعث

ثم بعد وصول حزب البعث إلى السلطة، (حزب المهمّشين)، جرى إعادة توظيف البدو بأسوأ صورة ممكنة، إذ غُزيت حماة بقوات متعددة، إلا أن روايات أهل حماة أجمعت على أن “الشوايا” كانوا الأكثر وحشية بحقهم، ثم نكّل حافظ الأسد وبعده ابنه بشار باللبنانيين عبر “الشوايا” عندما كان يتم فرز أغلبهم الى لبنان لأداء الخدمة العسكرية هناك. ثم، مع أول انتفاضة محدودة في السويداء ضد بشار الأسد في بدايات تسلّمه الحكم، أُنيط بالبدو دور مواجهة الدروز، بعد أن كانت الانتفاضة في أصلها مواجهة بين النظام والدروز كما هو موثّق، فتم تحييد النظام عن واجهة الصراع، ثم لاحقاً، استُخدم البدو في أحداث الكورد سنة 2004.

بهذا المعنى، لم يكن الدور الذي وُضع فيه البدو داخل منظومة حكم الأسد سوى دور العصا الأغلظ التي تُشهر عند الحاجة، وتُلقى جانباً بعد انتهاء المهمة. ودون الحاجة إلى تعداد ما فعله لاحقاً أحمد الشرع، يمكن فهم كيف جرى، خلال عام واحد فقط، تحشيد واستخدام نفس العصا في الساحل والسويداء ومناطق سيطرت قسد، في استمرارٍ لاستخدام البنية البدوية العشائرية بنفس طريقة النظام السابقة وبصورة أكثر كثافة وكلفة، وفق أرقام السلطة الحالية نفسها، فقد وقع في “الغزوة” التي تمت على مناطق الدروز “دون بقية المناطق” أكثر من 700 قتيل، غالبيتهم العظمى من أبناء العشائر.

وبما أن حال عشائر البادية استمر على هذا الوضع، فإن “العزّة” والقيمة التي وفّرها لها التنظيم بدت، في هذا السياق، أنجعَ مداواةٍ لوعيها الجريح، وتعويضاً مناسباً لها عن “المهانة” التي أنزلها بها الآخرون، حيث إن تنظيم الدولة منحها موقعاً يحقّق لها التسييد الرمزي، ويُمكّنها من استعادة كرامتها.

البدو وداعش

يقول تنظيم “داعش” في بيان نشرته صحيفة النبأ في آب/أغسطس 2021: “أن أودية الشّام باتت الآن قواعد عسكريّة ومدارس للقانون … وأن المقاتلين في البادية باتوا في مرحلةٍ قريبة من تلك التي عاش فيها إخوانهم في وادي العراقِ في الماضي… والتي شكّلت مخيّماتهم الغارقة في أعماق الصحراء، بعد سنواتٍ، خطوةً رئيسيّةً باتجاهِ المدن وتجديد بنية الدولة الاسلاميّة”.

منذ ولادة تنظيم “داعش” جرى نسبه إلى آباء كُثُر، غير أنّ التنظيم اعتبر نفسه الابن الشرعي الوحيد لبيئة العشائر البدوية، وقدّم ذاته بوصفه تطويراً لها وتجسيداً راديكالياً مُعولماً لمنطقها، كما حمّلها “رومنسيّة” قصص وفقه الجهاد العالمي في النصف قرن الأخير، وقام بتحديث أدواته من دون أن يمسّ بصلب هذه البنية.

في السياق السوري، ظلّت البداوة حاضرة بوصفها نمط تنظيم اجتماعي فعّال، يتعايش مع “الدولة” حيناً، ويعمل تحت سطحها طوال الوقت، فمن المعلوم الآن أن خلايا التنظيم أخفت خلال تقهقرها الأخير كميّاتٍ هائلة من الأموال النقدية والأسلحة والذخائر فيما يُسمّى “الدفائن”. بعضها كُشف لاحقاً وضُبطت فيه ملايين الدولارات مع أسلحة، والكثير منها اختيرت مواقعُه في مُغُر وكهوف في جبال البادية وامتداداتها “الجبال التدمرية – جبال البلعاس – جبال البشري والشومري”. هذه الكهوف تُسميها العامة “المُغُر أو الجباب الرومانية”، وقد استُخدمت تاريخياً منذ العصر الروماني وما قبله لإخفاء المؤن والغنائم، وكملاذات اختباء محصّنة في عمق الصخر. إن تنظيم “داعش” اليوم يستثمر الإرث البدوي القديم ذاته، في بيئة جغرافية خصبة للاختباء، فيدفن “كنوزه” من الأسلحة والنقود هناك ليعود إليها عند الحاجة، ويؤوي في مغاوره الرومانية المقاتلين الفارّين.

ومن مخابئهم هذه، يقوم مقاتلو التنظيم بالإغارات والغزوات، يفرضون الخوات والمكوس، ويجمعون الزكاة، ويسرقون المواشي. ومع أن البداوة ليست في جوهرها حركة دينية، إلا أن هذه البنى العشائرية، التي تُعدّ اليوم حاضنةً للتنظيم، وجدت فيه أداة لتحقيق “مصالحها”، وفي عقيدته مبرِّراً للسلب والنهب والاغتصاب وخطف الأطفال والنساء، بل تحولت بقدرة التنظيم هذه الأفعال لتصبح جهاداً في سبيل الله يؤجرون عليه، كما أنها جعلت من أبناء العشائر سادة على مهاجرين “أوروبيين شقر وأميركيين سود” جاؤوا ليضحّوا بحياتهم في سبيل رفعة هؤلاء السادة.

البدو في الإسلام

ܩܪܫܐ. ولفظها قَرْشَا. (qaršā) –  انعقد/ تجمع / تصلّب

J. Payne Smith – A Compendious Syriac Dictionary

اعتُبرت قبيلة قريش سيدةَ القبائل، واعتُبرت لغتُها هي اللغةَ المقدّسة كما هو معروف، وفي الفقه الإسلامي حُصرت الخلافة بها، ولذلك كان جميع الخلفاء بحاجة إلى نسبٍ قرشي إن أرادوا لأنفسهم تمثيلاً لصلب العقيدة الإسلامية السلفية. ومن هنا عُرفت أسماء جميع قادة داعش منتهيةً بـ”القرشي”.

في لسان العرب لابن منظور تُورَد معاني قريش على النحو الآتي: (وتَقَرَّشَ القومُ: تَجَمَّعوا بعد تَفَرُّق)، و(سُمِّيَت قريشٌ قريشًا لتَقَرُّشِها بعد تَفَرُّق). ويُضاف إلى ذلك مصطلح (قَرْشَا) في السريانية، الذي نذهب إلى أنّ أصل التسمية (قريش) بالعربية قد أُخِذَ منه.

تشيرمصادر متعددة لفقهاء إسلام تاريخيين ومعاجم عدّة إلى أن قريش ذاتها لم تكن، في أصل تشكّلها، أكثر من تحالفٍ سياسي. وتلتقي مع هذا الطرح قراءاتٌ غربية حديثة، كما لدى (Crone, Cook, Donner)، التي ترى أن قريش لم تكن جماعة نسب مغلقة، بل تحالفاً سياسياً–تجارياً، وأن (القُرَشيّة) كانت هوية قابلة للاكتساب عبر الاندماج في شبكة السلطة والمصالح، قبل أن يُعاد لاحقاً تأطيرها فقهياً بوصفها شرطاً عقدياً للخلافة، بحيث إن كل من دخل ضمن هذا التحالف، ولو كان من أواسط آسيا، سُمّي قرشياً.

لا يمكن مقاربة ظاهرة داعش من دون العودة إلى أصول الإسلام نفسها، ولا إلى السياق الذي جاء فيه بوصفه ديناً (مُتمِّماً لما قبله) لا قاطعاً معه. غير أن من أهم ما ثبّته الإسلام، كان البنية التراتبية والقبلية في المجتمع القبلي الذي نشأ فيه. فقد أقر الإسلام بأغلب عهود القبائل العربية السابقة عليه (إيلاف قريش)، ورفع كثيراً منها إلى مرتبة القداسة، سواء عبر النص أو عبر الممارسة السياسية والفقهية اللاحقة. ورغم الحديث الشهير (دعوها فإنها منتنة)، إلا أنّ التدقيق التاريخي والفقهي يُظهر أن البنية البدوية داخل الإسلام، جرى تقنينها وإعادة تنظيمها وتقديسها ضمن شروط جديدة.

هذه البنية القبلية أو العشائرية ظلّت، على امتداد التاريخ الإسلامي، موضع شدٍّ وجذبٍ دائمين بين منطق الدين ومنطق العصبية، إلا أنّها كانت في الوقت نفسه، مادة الإسلام الأولى وحامله الاجتماعي الأساسي. ومن هنا، يصعب على المتبحّر في تاريخ الإسلام وفِقْهه أن يفصل بين الإسلام والقبائل العربية، أي أن ينظر إلى الإسلام بوصفه دينهم المجرد، وإلى العرب بوصفهم مجرد حاملٍ له. العلاقة بين الطرفين عضوية وعلاقة تأسيس متبادل.

بنية حاضنة

هل يمكن مقاربة وفهم تنظيم “داعش” من خلال نظرية “الارتكاز الاجتماعي” للحركات السياسية أو التنظيمات المسلحة، (تفترض نظرية الارتكاز الاجتماعي أن الحركات السياسية والأيديولوجيات ليست كيانات مستقلة بذاتها، بل تعبيرات منظَّمة عن بنية اجتماعية قائمة، وأن قدرتها على النشوء والاستمرار والتوسع مرهونة بوجود حاضنة اجتماعية توفّر الموارد، والشرعية، والكوادر، والمعنى).

تقول النظرية أن أي حركة، مهما بدت أيديولوجية أو عقائدية في خطابها، لا يمكن أن تنشأ أو تستمر خارج بنية اجتماعية حاضنة تعبّر عن مصالحها وتوتراتها.

وإن أردنا اختبار داعش وحواضنها وفق هذا المنظور “الماركسي”، فلا تُعدّ هنا الأيديولوجيا سبباً أولياً في ذاتها، بل تشكّل تعبيراً فوقياً عن بنية اجتماعية/اقتصادية محددة، قوامها مجتمعات مهمّشة، ذات تنظيم عشائري تقليدي، عاشت طوال تاريخها في ظل “دول صورية” شديدة المركزية، وتآكل اقتصادها المحلي “الذي كان بغالبه ريعياً/رعوياً”، ما أفرز حاجة موضوعية إلى إطار يعيد توزيع القوة والموارد ولو بالعنف.

من زاوية فيبرية، يمكن قراءة “داعش” كتحالف مصالح اجتماعية متعدّدة توحّدها شرعية من نمط خاص، فهي ليست شرعية عقلانية ولا تقليدية، بل مصلحة مستلهمة من “يوتوبيا أُخروية”، تُنتِج وتوزّع العائد عبر أقنية الإيمان والنسب. هنا لا تعمل العقيدة بوصفها منظومة إيمانية مجرّدة، بل كآلة تمنح “قيمة مادية” للتديّن، تُحوِّل المؤمنين إلى “عمّال”، والعشائر والأعراق والجماعات إلى “طبقات”.

إن هذا التوافق بين منظّري جهاد عالميين وشيوخ عشائر، ومقاتلين محليين، وشبكات جهادية عابرة للقارات مهمتها التمدد وتوسيع التعبئة إلى بعدٍ أُممي، هذه التشكيلة “العالمية” لا تنفي الجذر الاجتماعي، بل تقوم عليه. إذ يجري تصدير نموذج محلّي متجذّر في بنية عشائرية إلى فضاءات أخرى تشترك في غياب الدولة أو هشاشتها، وفي تفكّك الاجتماع السياسي.

وعليه، فإن البعد العالمي لـ”داعش” لا يناقض كونها نتاجاً لبنية اجتماعية محددة، بل يمثّل توسيعاً وظيفياً لها. فالتنظيم يظل، في جوهره، حركة ذات ارتكاز اجتماعي محلي، تستخدم الخطاب الأممي والإرهاب العابر للحدود كأدوات استراتيجية لتعظيم النفوذ، لا كبديل عن قاعدتها البنيوية الأصلية. بهذا المعنى، لا يمكن تحليل “داعش” بوصفها ظاهرة دينية أو أمنية فقط، بل كعرض مركّب لأزمة اجتماعية/سياسية عميقة في مجتمعات بعينها، جرى تعميمها عالمياً.

في التحليل الاجتماعي والسياسي لعلاقة الحركات السياسية بالبُنية الاجتماعية التي نبتت منها، يبرز رابط تحليلي لا يمكن فصله عن دورة الاقتصاد ومصالح تلك البُنى نفسها. فالحركات السياسية لا تنمو خارج الترب الاجتماعية، بل تظهر كتعبير عن مصالح اجتماعية داخل بنية الإنتاج وتوزيع الموارد. السياق الغربي الحديث وكمثال، أفرز بنيتين واضحتين، البنية العمالية أو الطبقية، التي انبثقت عنها الأحزاب الاشتراكية بمختلف تياراتها، كما أفرزت المركزية الأوروبية أفكاراً قومية تراوحت بين الوطنية المدنية والعنصرية العرقية. غير أن جميع هذه الحركات، على اختلافها، كانت لها في النهاية بنية اجتماعية احتضنتها وشكّلت شرط وجودها.

البعد الميتافيزيقي

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ۝ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) – سورة الصف.

في أيديولوجيا “داعش”، لا يشكّل البعد الميتافيزيقي (الغيبي) مجالاً متعالياً عن الواقع المادي، فـ”الله” ليس مفارقاً، بل هو حاضر، وإن كان حضوره ليس بـالمعنى الصوفي “الحلول”، بل يعمل الميتافيزيقي هنا بوصفه وسيطاً يُحوِّل المجرّد إلى غير مجرّد، ويُستخدَم كأداة تنظيم وسيطرة داخل صراع فيزيقي (دنيوي) ملموس على السلطة والموارد. هنا يصبح للتدين عائد مادي ولو كان أخروياً، التعويض لدى “داعش” ليس روحياً، بل مادياً، فلكل عمل أجر.

بهذا المعنى، فالجنة، كما تُقدَّم في هذا الخطاب، ليست وعداً أخلاقياً مؤجلاً، بل بنية مصلحية مكتملة، تُشكّل إجابةً عن المخاوف الوجودية، وتعويضاً عن الحرمان، وضماناً للكرامة والسلطة واللذّة والانتصار، بما يتجاوز اليوتوبيا البشرية نفسها بمراحل. وهنا تتحوّل الميتافيزيقا إلى اقتصاد رمزي، أو عملة رقمية “بتكوين فاحش الفائدة والقيمة” وبالغة الكفاءة، تُنتج حوافز أقوى من أي مقابل مادي دنيوي يمكن تخيله.

داخل التنظيم، يظهر صراع بنيوي بين فئتين متداخلتين لا متناقضتين، الفئة الأولى هي “العقائدية” وهم المنتسبون الذين يتحركون بدافع إيماني صريح، يرون في الجهاد والخلافة تحقيقاً للخلاص الفردي والاصطفاء الإلهي. هؤلاء يعملون ضمن ما يمكن تسميته العقل الميتافيزيقي التعبوي، حيث يُختزل العالم باليوم الآخر.

الفئة الثانية هي “المصلحية” وهم المنتسبون الذين ينخرطون في التنظيم بدوافع تتعلق بالسلطة، والغنيمة، والحماية، والانتقام، والمكانة الاجتماعية. وهؤلاء لا يقفون خارج الخطاب الإيماني، بل يستخدمونه كلغة شرعية لتبرير مصالحهم وتحقيقها، فيندمج الفيزيقي بالميتافيزيقي في جسم واحد، وحالة طقوسية واحدة.

العلاقة بين الفئتين تنتج توتراً لكنه لا يؤدي إلى صراع صفري “إلا في شواذ قليلة حيث قام التنظيم بإعدام أفراد منه بتهمة الغلو”. فالعقائدي هنا يمنح الشرعية والاندفاع، والمصلحي البراغماتي يؤمّن الاستمرارية والتنظيم والقدرة على السيطرة. ويمكن توصيف هذا التداخل مفهومياً بوصفه تديين المصلحة أو تسليع الإيمان.

وعليه، فإن التوفيق بين الفئتين هو ما يقود التنظيم، وفي الحالتين لا يعمل الإيمان هنا كحالة روحية، بل كأداة لتحقيق المصالح، بتحوبل الأنفس وموتها إلى أصل قابل للتداول.

منبت التنظيم

هناك تحليلات ركزت على أن الأساس في تنظيم “داعش” هو الخطاب، وأخرى حللته من زاوية الموروث الديني الإسلامي وأن سبب ظهورها هو الفشل في إصلاحه، وهناك من تناولها من زاوية الاقتصاد والتهميش. وأكثر التفسيرات صفاقةً تلك التي سعت إلى نسبها إلى “مؤامرات مخابراتية”، سواء أُسندت هذه المؤامرات إلى إيران أو أميركا أو إسرائيل أو نظام الأسد، وهي قائمة لا تنتهي ساق بها إسلاميون كُثُر وأفلاكهم، أو على اعتبار أنها مجرد نتيجة لفراغ أمني عراقي بعد انهيار نظام صدام، وأن ضباط المخابرات الذين فقدوا مواقعهم وجدوا في داعش تعويضاً عن مكانتهم السابقة.

كل ذلك قد يصح جزئياً، إلا أن ما يعمي الأبصار عن الحقيقة، كما ندّعي هنا، هو تقديم الإجابات المقتطعة أو الحقائق الجزئية بوصفها حقائق كلية نهائية، بما يحجب الوقائع الأكثر رسوخاً، وهي المنابت الاجتماعية للتنظيمات الجهادية.

إن الافتراض الذي يحاول نسب التنظيم إلى هذه الحركة أو ذلك الحزب، “حتى أن هناك من اعتبره مجرد استعارة للحداثة بشكل ما”، هو استخفاف بقدرة التنظيم ومفكريه على اختلاق نموذج له تأصيل تاريخي اجتماعي قبلي في بنيته وسلفي في عقيدته. فالتنظيم أصولي قولاً وفعلاً، باطناً وظاهراً، وهو لا يرفض الحداثة الغربية فحسب، بل كما هو معروف فإنه يرفض التحديث من داخل الثقافة الإسلامية نفسها. فالسلفية هنا ليست عودة إلى الأصول الفقهية والتشريعية فقط، بل إلى الأصول الهيكلية والإدارية والتنظيمية للبنى المنتجة لها. ومن يقترح أي تطوير ليس في المجال الفقهي الديني، بل حتى ولو كان على مستوى البنية الاجتماعية والتراتبية “الطبقية” داخل العالم الداعشي، وإن كان من كبار قادة التنظيم، يُعد مبتدعاً في فكر التنظيم، ويمكن لأصغر عنصر في التنظيم لديه علم بسيط في العقيدة أن يتهمه بالابتداع، وحكم المبتدع هنا هو القصاص، أو ربما اتهم بما هو أخطر “الخوراج”، والعبث بالبنية هنا يعد أخطر من العبث بالعقيدة، لأن أكبر الانشقاقات التي حدثت في تاريخ الأسلام، كانت بالتحديد بسبب هذه الطروحات، وهناك اتفاق على أن السبب الرئيس الذي أدى لثورة الخوارج هو رفضهم لأن تحصر الخلافة في قريش، بينما كان مثلاً خلاف الشيعة مع الأمويين هو عدم حصر الخلافة في آل البيت “علي وسلالته” بينما بنو أمية جعلوا الخلافة في قريش.

يعود هذا النقص في التحليلات إلى أن كثيراً من الغربيين الذين تصدروا لهذه المهمة عجزوا عن فهم الكتب الأصولية الإسلامية، أو فك “طلاسم” خطابات قادته وأخلاط عناصره من مهاجرين أجانب ومهاجرين عرب وعشائر محلية، فهذه الأمور استعصى فهمها وتفكيكها حتى على كثير من العرب. وغالباً ما حاول مفكرون عرب من خلفيات متنوعة غير إسلامية تحليل الظواهر الإسلامية، إلا أنهم واجهوا الصعوبة نفسها، فكتب أغلبهم قراءات ناقصة، مقتصرة على تصوراتهم وخلفياتهم، لا على الوقائع ذاتها.

في المقابل، فإن المفكّرين الإسلاميين الذين تعلّموا في المدارس الشرعية، وخالطوا أنماط المتديّنين، وجادلوهم أو “باهلوهم”، وهم الأقدر على قراءة النصوص وتحليل داعش، كانوا الأكثر علماً بأن هذه البنية تمثّل، في أحد أوجهها، المجتمع العشائري الإسلامي في صورته “الأكثر نقاءً” ونصوصه المؤسسة، إلا أنهم إمّا جبنوا أو زاغوا عن قول الحق. بعضهم توهّم أنه يدافع عن دينه أو طائفته عبر إلصاق هذه التهمة بالأغيار، في محاولة لنفيها عن جوهر الإسلام وعن أنفسهم، فأسقط في أيديهم، وانقلب فعلهم هذا ليصبّ في قناة “داعش” بدل أن يُنقِص منها، وقد كان من السهل على منظّري داعش إبطالها، ونسب أنفسهم إلى الإسلام في صيغته “الأنقى”، وكما وردت في المراجع المعتمدة، على نحو جعلهم أكثر تصالحاً مع ذواتهم وأكثر انسجاماً مع خطابهم.

أمّا من تجرّأ من رجال الدين المسلمين على الدعوة إلى التصحيح، وهم قِلّة، فقد جرى تشويههم أو قتلهم أو اغتيالهم معنوياً.

تنظيم “داعش” ليس طارئاً على الإسلام، بل هو منتج مستند إلى نصوص قائمة، ومُتبنّى من بُنية اجتماعية حاضنة. ومن هنا، فإن مواجهة “داعش” لا تستقيم عبر نزعها عن سياقها الديني أو الاجتماعي.

المدن

—————————

كيف تلتقي «القاعدة» وإيران في سوريا؟/ عبد الرحمن الراشد

 8 يناير 2026 م

عودة نشاط تنظيمات «القاعدة» في سوريا تعيدنا لقراءة الأحداث التي جلبت «القاعدة» لسوريا منذ البداية. نعم، هي «القاعدة» وليست «القاعدة».

التنظيم ككيان الذي ولد واستقر في أفغانستان دمره الأميركيون رداً على هجمات سبتمبر (أيلول) 2001، وهربت معظم قياداته وعاشت سراً تحت سقف إيران. تفرّق جيشه وتشظى التنظيم إلى خلايا عملت مع مَن كان يؤمّن لها الأرض والدعم وتتشارك معه في الأهداف.

احتمال أن إيران ونظام بشار الأسد المهزوم خلفها يبدو صعب التخيل، فـ«القاعدة» و«داعش» جماعات مؤدلجة شديدة العداء لهم، إنما الوقائع عديدة أثبتت تخادمها مع أنظمة مثل نظام الأسد و«فيلق القدس» الإيراني.

بعد غزو الولايات المتحدة العراق نشط تنظيم «القاعدة» تحت عناوين جديدة، صار أشهرها «داعش». لأربع سنوات، أي إلى عام 2007 تزامناً مع انخراط إيران وسوريا في العراق. وظيفة سوريا كانت منصة عبور للمقاومة وإدارة شبكات لوجيستية بدعم من «الحرس الثوري». كان يتم استقبال وتدريب آلاف صغار العرب الذين تم توجيههم لمحاربة الأميركيين والشيعة.

قد يكون من العسير هضم هذا التناقض، أن تقوم طهران بدعم جماعات سنية تستهدف الأميركيين والشيعة في العراق.

حينها كانت إيران بيَدٍ تقدّم الدعم لواشنطن لتقوم بما عجزت هي عنه وهو إسقاط نظام صدام حسين، مستفيدة من إحجام معظم الدول العربية حينها عن التعاون مع العراق الجديد.

وبيدٍ أخرى كانت تموّل عمليات المقاومة العراقية و«القاعدة». في الواقع لم تكن طهران تتبنى استراتيجية متناقضة بل تسير في خطوط متعرجة نحو هدف محدد وواضح، يخدم في النهاية مصلحتها العليا، أولاً مساندة إسقاط صدام، ثم إخراج الأميركيين، وثالثاً دفع الشيعة نحو حضنها، والهدف الأخير هو الهيمنة على العراق.

وقد نفّذ المهمتين الثانية والثالثة الآلافُ من المتطوعين العراقيين والعرب المخدوعين دعائياً. كانوا يجهلون أنهم يعملون في مشروع سوري – إيراني. تقريباً كل المقاومة العراقية و«الجهادية» في الخارج كانت تتجمع وتتدرب وتتسلل من داخل الأراضي السورية إلى أرض «الجهاد» عبر محافظات عراقية مثل الأنبار وصلاح الدين. لم يكن صعباً تقفي الأثر السوري. فسوريا حينها بلد حديدي، وكان يقال مجازاً، يستحيل أن تمر من سمائه ذبابة من دون معرفة النظام، فكيف دخله عشرات الآلاف تسللوا من أنحاء المنطقة. هذه الموجات حملت السلاح وتدربت في نشاطات منظمة نحو أهداف مرسومة في العراق.

لم يكن سهلاً علينا أن نستنتج أن سوريا خلف هذه الجماعات ضمن عمليات مشتركة مع طهران. فك اللغز المعقد استغرق حلّه من الأميركيين نحو 4 سنوات، نظام إيراني شيعي متطرف يتعاون مع جماعات سنية متطرفة. كان ذلك خارج تصورهم.

وقد نجح الإيرانيون في تسويق سرديات مضللة حول مَن خلف الجماعات «الجهادية» بمعلومات جزئياً صحيحة. استشهدوا بمواقف الدول الإقليمية السياسية المضادة لواشنطن في العراق كدليل على النوايا. وبنوا التهمة على الهوية، حيث إن أعداداً كبيرة جاءت من اليمن والخليج وتونس مما سهل توجيه اللوم إلى هذه البلدان، وقد ردد التهم وزير الدفاع الأميركي حينها دونالد رامسفيلد.

حقق استهداف المسلحين مزارات شيعية فتنة طائفية سهلت على إيران دفع الشيعة نحو ممثليها من الزعامات الدينية ضد الزعامات الشيعية «الأميركية». انتصرت بندقية الجماعات «الجهادية» والمقاومة العراقية في خدمة الأهداف الإيرانية، أصبح العراق بغطاء عسكري أميركي مختبئ في معسكرات أسمنتية، وتم تسليم حكم بغداد لجماعات موالية لإيران بمَن فيهم سياسيون سُنّة. ولعب خطاب المعارضة بمنع المكونات السنية والأخرى من المشاركة السياسية في العمليات الانتخابية والإدارة المحلية واستهدفت كل مَن خالفها. حقق ذلك لإيران كل ما تريده في غضون خمس سنوات دموية.

بشار كان مقتنعاً بأن الدور التالي عليه بعد إسقاط نظام صدام، مع أنه لم توجد هناك دلائل على ذلك. العكس هو الصحيح حيث كانت واشنطن تعتبر سوريا ضمن المجال الأمني لإسرائيل، التي كانت تعارض أي نشاط قد يزعزع نظام الأسد. وقد أكد لي حينها مسؤول أميركي أن «الاعتبار الإسرائيلي» أحد أسباب تأخر الأميركيين في تنفيذ عمليات مضادة داخل سوريا إلى 2008.

الصورة صارت أكثر وضوحاً في واشنطن بعد اكتشاف وثائق سنجار، وهي سجلات تفصيلية للمقاتلين، ومعلومات عن دور «فيلق القدس» في إدارة المقاومة العراقية و«الجهاديين».

إعلامياً، نسجت الجماعات الإسلامية خطاباً سياسياً خدع الرأي العام العربي لسنوات طويلة وها هي تعود لتفجير الأوضاع في سوريا لإضعاف نظام أحمد الشرع لصالح إيران.

الشرق الأوسط

—————————

 لماذا لم تطح أميركا بالأسد كما فعلت بمادورو؟/ إياد الجعفري

الأحد 2026/01/04

إنه سؤال الساعة لدى شريحة واسعة من السوريين المنشغلين، كسواهم من شعوب العالم، بتتبع المشهد الدرامي لاعتقال الرئيس الفنزويلي وعقيلته، من جانب القوات الأميركية، وتغيير المشهد السياسي في واحدة من أبرز دول أميركا اللاتينية، في غضون ساعات. ويتضمن السؤال -من جانب معظم من يطرحه- تشكيكاً بالنوايا الأميركية حيال سوريا، بالذات. انسياقاً، كما هو المعتاد، وراء نمط التفكير المؤامراتي، المتجذر في العقلية السورية.

ويورد طارحو هذا السؤال نماذج أخرى من التدخل الأميركي المباشر للإطاحة بحكامٍ، كما حدث مع صدام حسين في العراق، ومعمر القذافي في ليبيا. وهو ما لم يحدث في سوريا. وفي الإجابة على هذا السؤال: “لماذا لم تطح أميركا بالأسد بعيد 2011؟”، يفترق السوريون، وفق خلفياتهم. فأنصار النظام السابق وفلوله، سيخبرونك أنهم فعلوا ذلك بشكل غير مباشر عبر دعم “المعارضة العميلة”. وأن “صمود الأسد” أخّر لحظة السقوط. أو أن “العميل” الذي تريد أميركا إيصاله إلى سدة السلطة، لم يكن جاهزاً بعد. وعلى الضفة المقابلة، يخبرونك أن أميركا، ومن خلفها اللاعب الإسرائيلي، أرادوا لسوريا أن تمرّ في هذا المسار الطويل من الاقتتال والتدمير والذي أنتج شرخاً مجتمعياً هائلاً، يتطلب ربما عقوداً لرتقه. فهم أرادوا “تدمير سوريا”. لا كبنيان مادي فقط، بل كبنيان بشري أيضاً.

وفي الإجابتين، نقاط ضعف جليّة. ففي الأولى، يتجاهل “أنصار النظام وفلوله” حجم الأدلة التي توالت على مدار عقد ونصف، والتي أكدت عدم رغبة أميركا في التدخل المباشر لإسقاط الأسد. فالتدخل المباشر لمقاتلي حزب الله في سوريا، وغض الطرف الإسرائيلي عن ذلك، ومن ثم التدخل المباشر للميليشيات المحسوبة على إيران، وغض الطرف الأميركي عن ذلك، وصولاً إلى التدخل المباشر لروسيا تحت أنظار الأميركيين، كلها أدلة جليّة على أن واشنطن لم تكن راغبة في بذل الموارد الكافية للتحكم بالمشهد السوري. فواشنطن اكتفت خلال عقد ونصف، بلجم تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، والسيطرة على الثلث “الشمالي الشرقي” من سوريا، لوضع موطئ قدم، يتيح التأثير في الواقع السوري ومستقبله، لا التحكم فيه. والفارق كبير بين (التأثير، والتحكم). وقد بقي الأسد في دمشق، لسنوات، آمناً من أي تهديد إسرائيلي أو أميركي جدّي، إلى أن خلطت عملية طوفان الأقصى في تشرين الأول 2023، كل الأوراق، وحرقت سنوات من مبدأ التعايش وفق قواعد لعبة في حرب باردة، بين المحور الإيراني وإسرائيل. فتغيّر المشهد تماماً.

أما الإجابة الثانية، التي تتحدث عن رغبة أميركا في “تدمير سوريا”، فهي غير منسجمة منطقياً مع ما نراه الآن من احتضان أميركي للنظام القائم في دمشق، ودعمه في توفير فرص لإعادة إعمار البلاد، وتحقيق الاستقرار فيها. وهو احتضان يتماشى مع نظيره الأوروبي والإقليمي، ويتعارض مع الرغبة الإسرائيلية.

بطبيعة الحال، من الصعب تفنيد كل بنود النقاش المبني على عقلية تخضع لنظرية المؤامرة. ففي شتاء 2024، نشرت دورية “تبيّن” الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، دراسة “حول نظرية المؤامرة”، خرجت فيها بجملة خلاصات، من بينها، أن نظريات المؤامرة غير قابلة للدحض. وهذا ما عُرف عنها منذ أمد طويل. مما يجعل الاشتباك مع كل منها، قضية مرهقة. ويراه كثير من الباحثين، مضيعة للوقت.

لكن، هل من إجابات موضوعية لسؤال: “لماذا لم تطح أميركا بالأسد كما فعلت بمادورو؟”. بالتأكيد، هناك. إحداها، تلك المتعلقة بالنفط. ففي حالات التدخل الأميركي المباشر، في العراق، ليبيا، وفنزويلا، نجد القاسم المشترك: احتياطي ضخم من النفط. والرئيس الأميركي دونالد ترامب، بصراحته المباشرة والفجة، لم يخف ذلك. قالها، بصريح العبارة، بخصوص فنزويلا. وكما نعلم، فهذا البلد يحتوي أكبر احتياطي نفطي في العالم. وحالات العراق وليبيا، تندرجان في موضع قريب من هذا السبب أيضاً. فالبلدان ضمن قائمة الدول العشر التي تملك أكبر احتياطيات نفطية في العالم. إلى جانب إيران كذلك. فالعين على هذه الأخيرة. فماذا عن موضع سوريا من هذا العامل (النفط)؟ نذكر هنا تصريحاً قديماً لوزير الخارجية السوري الأسبق، وليد المعلم. ورغم أن لهذا الأخير تصريحات عديدة مثيرة للسخرية، بعيد 2011، إلا أن من بين أكثر تصريحاته موضوعية، تلك التي قال فيها إن نظام الأسد لا يخشى غزواً غربياً -أميركياً- لأنه لا يوجد نفط في سوريا، كالذي لدى ليبيا.

بطبيعة الحال، سيجيبنا أتباع “نظريات المؤامرة”، أن سوريا تطوف على بحيرات من النفط والغاز والثروات الباطنية. لكن المصادر الغربية لا تكشف ذلك. ومرة أخرى، يصعب تفنيد هذه النظريات، نظراً لرفض أصحابها النقاش داخل دائرة المصادر المتعارف عليها. ففي هذه المصادر، نعلم أن احتياطي سوريا المؤكّد من النفط، نحو 2.5 مليار برميل. بينما احتياطي ليبيا يتجاوز 48 مليار برميل، واحتياطي العراق يتجاوز 145 مليار برميل، أما احتياطي فنزويلا فيتجاوز303 مليار برميل. وهنا، يمكن ملاحظة ضآلة دور النفط في سوريا، كعامل جاذب لتدخل عسكري خارجي لأسباب اقتصادية. وقد يستدل البعض بتصريح قديم لترامب، عام 2019، حينما قال إنه يتوقع أن تجني بلاده ملايين الدولارات شهرياً من عائدات النفط في سوريا طالما بقيت القوات الأميركية هناك. وقد قال ترامب ذلك التصريح في معرض تبريره للتراجع عن قرار الانسحاب من سوريا، بعد أن تعرّض لضغوط من المخابرات ووزارة الدفاع، دفعته للإبقاء على بضعة مئات من الجنود الأميركيين في شمال شرق سوريا، للحفاظ على موطئ القدم الذي يوفّر لواشنطن القدرة على التأثير بالمشهد السوري. وهو ما تجني واشنطن ثماره الآن، عبر النفوذ الذي تملكه على “قسد”، وقدرتها على تحديد إن كان شمال شرق سوريا سيعود لسيطرة العاصمة، أم لا.

لم يكن بقاء أميركا في شمال شرق سوريا، هدفه النفط. فإيراداته كانت -ولا تزال- مخصصة لتمويل “قسد”. التي تحصل أيضاً، فوق التمويل الناجم عن النفط، على تمويل سنوي من وزارة الدفاع الأميركية.

بطبيعة الحال، هناك أسباب أخرى غير النفط، تقف وراء إطاحة واشنطن بمادورو. فالنفط هو رأس جبل الجليد، الذي يحبذ ترامب التذرع به لتبرير توريط بلاده في حروب خارجية، لا يريدها الشارع الأميركي، خصوصاً من أنصاره. لكن هناك أسباب أخرى، أبرزها، الحاجة لاستعادة “الهيبة الأميركية” التي تضعضعت دولياً خلال السنوات العشر الفائتة. ومن هنا نفهم الانخراط الأميركي في عمليات عسكرية خاطفة كما حدث ضد إيران في حزيران الفائت، وضد فنزويلا، قبل يومين. هي الحاجة لإثبات فردانية القوة الأميركية في مواجهة الصعود الصيني، بصورة خاصة. وتسجيل النقاط على خصوم واشنطن في بكين وموسكو، بإزالة حليف جديد لهم، كان يقبع في “الحديقة الخلفية” لأميركا.

وبالمقارنة بين فنزويلا وسوريا، في معيار المصلحة الأميركية، تبدو المسافة شاسعة للغاية. فسوريا لم تملك الإغراء الاقتصادي، ولم تشكّل التهديد الأمني، الذي يتطلب تدخلاً مباشراً للإطاحة بنظام حكمها السابق. لذا اكتفى الأميركي باحتواء فوضاها، ببضعة مئات من الجنود.

المدن

———————————————

تحييد قيادات كبيرة.. هل يمهد التنسيق مع التحالف للقضاء على “داعش” في سوريا؟/ أحمد العكلة

1 يناير 2026

في خطوة تعكس تحولًا في ديناميكيات مكافحة الإرهاب في سوريا، أعلنت مصادر أمنية سورية عن تنفيذ عمليتين أمنيتين ناجحتين ضد تنظيم داعش أسفرتا عن اعتقال ما يُعرف بـ “والي دمشق” ومقتل “والي حوران”، بالتنسيق مع التحالف الدولي.

وفقًا لمصدر في وزارة الداخلية السورية تم تنفيذ العملية الأولى في ريف دمشق، حيث أُلقي القبض على المدعو طه الزعبي، الملقب بـ”أبو عمر طبية”، الذي يُعتبر متزعم التنظيم في العاصمة، إلى جانب مساعديه، مع ضبط أسلحة وأحزمة ناسفة.

وأكد المصدر الأمني السوري أن “التنسيق مع التحالف الدولي كان حاسمًا في نجاح العملية، حيث قدم التحالف دعمًا استخباراتيًا ولوجستيًا، مما يعكس التزامًا مشتركًا بمحاربة الإرهاب دون حدود سياسية”.

وأضاف أن هذه العمليات تأتي ضمن سلسلة من الضربات الاستباقية لتفكيك خلايا داعش في مناطق مثل داريا والمعضمية والكسوة، التي شهدت نشاطًا متزايدًا للتنظيم في الآونة الأخيرة.

وفي حديث لموقع “الترا سوريا”، يقدم المستشار الاقتصادي والدبلوماسي طارق نعمو، الذي يحمل خبرة أمنية سابقة في مكافحة الإرهاب بالتعاون مع الحكومة البريطانية، تحليلًا مفصلًا حول تأثير التنسيق الأمني بين سوريا والولايات المتحدة ضد تنظيم “داعش” على العلاقات الثنائية.

يؤكد نعمو أن هذا التنسيق يمثل تحولًا وظيفيًا يعتمد على النتائج الميدانية، لا التصريحات السياسية. ومن خلال تجربته في ملفات مكافحة الإرهاب مع الحكومة البريطانية، يؤكد نعمو أن أي تنسيق أمني فعال ضد “داعش” لا يقاس بالكلام السياسي، بل بقدرته على تحقيق نتائج ميدانية ملموسة، وإنشاء آليات تعاون مؤسسية واضحة، مع الاستدامة في الأداء. في هذا السياق، يُنظر في واشنطن إلى أي انضمام رسمي لسوريا إلى التحالف الدولي كتحول وظيفي عملي، لا رمزي سياسي.

ويضيف أن “ما يهم الإدارة الأميركية والكونغرس ليس الإعلان نفسه، بل النتائج الفعلية، مثل: تقليص قدرة التنظيم على إعادة التموضع، تفكيك شبكاته المالية واللوجستية، وإقامة شراكات أمنية منضبطة تحمي المعلومات دون تسييسها. من الناحية الواقعية، لا يؤدي هذا التنسيق تلقائيًا إلى رفع شامل للعقوبات الاقتصادية، لكنه يفتح مسارًا جديدًا لإعادة التقييم التدريجي”.

وبحسب نعمو “تشير التجارب الغربية في العراق وأفغانستان وأوروبا إلى أن العقوبات تُراجع عندما تتحول الدولة المعنية من “عامل خطر” إلى “شريك أمني قابل للاختبار”. لذا، يُعد المسار الأكثر قابلية للتطبيق هو التخفيف التدريجي والمشروط للعقوبات، بدءًا بالقطاعات الخدمية والإنسانية، وتوسعًا مع تحقيق مؤشرات أداء واضحة في مكافحة الإرهاب، غسل الأموال، ضبط الحدود، والشفافية المؤسسية.

تعزيز المصداقية أمام الكونغرس

يُعتبر اعتقال قيادات ميدانية بارزة ومقتل شخصيات قيادية في “داعش” إشارة إيجابية أولية من منظور أمني بحت. ومع ذلك، تؤكد خبرة نعمو في التعامل مع المؤسسات التشريعية الغربية أن الكونغرس لا يقتنع بـ”الضربة الواحدة” كدليل كافٍ، بل يبحث عن نمط وسلوك مستدام. وما يعزز المصداقية فعليًا أمام الكونغرس هو تقديم هذه العمليات ضمن سياق استراتيجية وطنية لمكافحة الإرهاب، لا كأحداث منفصلة؛ إظهار قدرة الدولة على الانتقال من استهداف القيادات إلى تفكيك الشبكات المتعلقة بالتمويل والتجنيد والتهريب والدعاية؛ وربط العمليات الأمنية بإجراءات قانونية وقضائية واضحة، مما يطمئن المشرعين إلى أن المعالجة مؤسسية لا أمنية فقط. أما الخطوة التالية، فهي الانتقال من “إثبات النية” إلى “إثبات القدرة”، عبر إطلاق خطة زمنية محددة لمكافحة “داعش” تتضمن مؤشرات أداء؛ فتح قنوات تنسيق فني محدودة مع شركاء دوليين تركز حصريًا على الإرهاب؛ وتعزيز التعاون في ملفات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (AML/CFT)، التي تعتبر نقطة حساسة في أي نقاش داخل الكونغرس.

إن توسع المهمة تدريجيًا خارج إطارها الأصلي هو أخطر ما يهدد أي تعاون دولي، ولذلك، حسب نعمو، فإن الحفاظ على السيادة السورية يتطلب مقاربة ذكية غير تصادمية، تشمل الضمانات العملية تعريفًا ضيقًا وواضحًا للمهمة يقتصر على مكافحة “داعش” دون ربطها بملفات سياسية أو عسكرية أخرى؛ اتفاقيات تنسيق مكتوبة تحدد النطاق الزمني وآليات تبادل المعلومات وحدود التدخل؛ بناء القدرات الوطنية في الاستخبارات وضبط الحدود والتحقيق المالي بدلًا من الاعتماد على حلول خارجية طويلة الأمد؛ وفصل الأمن عن النفوذ، حتى لا يُستخدم ملف الإرهاب كأداة ضغط سياسي داخلي أو إقليمي.

وتابع: “تثبت التجارب أن الدول التي نجحت في الحفاظ على سيادتها ضمن شراكات أمنية دولية هي تلك التي تعاملت مع التعاون كوسيلة لتعزيز مؤسساتها، لا كبديل عنها”.

يرى نعمو أن المرحلة الراهنة تشكل فرصة نادرة لإعادة ضبط العلاقة السورية الأميركية على أساس عملي لا أيديولوجي. يمكن أن يكون التنسيق ضد “داعش” مدخلًا لإعادة بناء الثقة الأمنية، وأداة لتعزيز الاستقرار دون المساس بالسيادة. لكن ذلك يتطلب وضوحًا في الأهداف، وانضباطًا في التنفيذ، وشجاعة سياسية للانتقال من منطق العزل إلى منطق الاختبار القائم على النتائج. فالأمن يُقاس بالأفعال، والشراكات تُبنى على الأداء، والسيادة تُصان حين تكون الدولة قوية بمؤسساتها.

تطور في إدارة التهديد

في تصريحات خاصة لموقع “الترا سوريا”، أكد العقيد والمحلل العسكري مصطفى الفرحات أن التنسيق مع التحالف الدولي في العمليات ضد فلول تنظيم “داعش”، سواء في ريف دمشق أو غيره، يعكس تطورًا في إدارة التهديد أكثر مما يشير إلى حسمه نهائيًا.

وأوضح الفرحات أن “داعش” لم يعد تنظيمًا ذا بنية عسكرية مركزية، بل تحول إلى خلايا متنقلة تستثمر في الفراغات الأمنية وفي التداخل الجغرافي بين مناطق النفوذ المختلفة.

وأشار الفرحات إلى وجود مناطق متعددة في سوريا، بما في ذلك الجنوب وشمال شرق البلاد، إضافة إلى المناطق التي تسيطر عليها الدولة السورية، مع عدم نسيان وجود ميليشيات في منطقة الساحل السوري. وأكد أن هذا التداخل بين المناطق يصعب جدًا عملية القضاء على “داعش”، سواء بالنسبة للدولة السورية أو للتحالف الدولي الذي يضم نحو 90 دولة تحارب هذا التنظيم.

وبحسب المحلل العسكري، فإن بروز نشاط للتنظيم في محيط مناطق حضرية مثل داريا والمعضمية لا يدل فقط على استمرار التهديد، بل يكشف أيضًا عن محدودية قدرة الدولة على فرض سيطرة أمنية شاملة، في ظل وجود ميليشيات مسلحة خارج إطارها، سواء في الجنوب السوري أو الشمال، أو تلك المدعومة بأجندات خارجية. وأضاف أن هذا الواقع يخلق بيئة مثالية لعمل التنظيم، الذي يتغذى أساسًا على تعدد مراكز القوى وتضارب المرجعيات الأمنية. وخلص الفرحات إلى أن هذه العمليات تندرج ضمن سياسة الاحتواء والضربات الموضعية، لكنها تبقى غير كافية لتحقيق إنهاء جذري للتهديد، ما لم تُستكمل ببسط سيطرة الدولة الكاملة على الأرض، وهو الشرط الأساسي والحاسم في أي معركة ضد تنظيم بحجم وتعقيد “داعش”.

أوضح العقيد مصطفى الفرحات أن التحدي الأبرز لا يكمن في نقص القوة النارية، إذ إنها متوفرة لدى التحالف الدولي، بما في ذلك القوة الجوية الضاربة وصواريخ كروز وكافة الوسائط القتالية.

وأكد أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب السيطرة الميدانية، مع وجود ميليشيات مسلحة خارج سيطرة الدولة، إضافة إلى تدخلات خارجية تدعم هذه التشكيلات، كما في الجنوب حيث يدعم نتنياهو ميليشيات خارجة عن سيطرة الدولة، مما يحول دون بناء منظومة أمنية وطنية متماسكة قادرة على ملاحقة التنظيم بشكل متواصل ومستدام.

وأشار الفرحات إلى أن “داعش” يعتمد اليوم على بيئة معقدة قوامها فراغات أمنية في مناطق النفوذ المتداخلة، وحواضن اجتماعية هشة ناتجة عن الفقر وانعدام الاستقرار. وأضاف أن هذه البيئة دائمًا ما تكون خصبة لإنتاج نماذج التطرف، إذ إن الفقر والظلم والدكتاتوريات تخلق بطبيعتها أشكالًا من التطرف كرد فعل.

كما لفت إلى وجود شبكات التهريب والتمويل العابرة للمناطق في سوريا، وحتى الأردن يشترك في مكافحة هذه الظاهرة. وفي هذا الإطار، يمكن للتنسيق السوري-الأميركي أن يكون فعالًا فقط إذا انتقل من التعاون التكتيكي المؤقت إلى شراكة استخباراتية واقعية تقوم على تبادل المعلومات التقنية والإنذار المبكر، دون المساس بمبدأ السيادة الوطنية. ومع ذلك، فإن هذا التنسيق سيظل محدود الأثر ما لم يُستكمل بدعم سياسي وأمني يتيح للدولة السورية بسط سيطرتها على شرق البلاد، وهي البيئة التي تسمح للتنظيم بإعادة إنتاج نفسه.

ضربات نوعية لكنها غير كافية

في سياق العمليات الاستباقية وتأثير مقتل قيادات التنظيم، أكد العقيد مصطفى الفرحات أن تصفية قيادات ميدانية بارزة، مثل ما يُعرف بـ”والي حوران”، تمثل ضربة نوعية للبنية القيادية للتنظيم، وغالبًا ما تؤدي إلى إرباك مؤقت وتفكك جزئي لبعض الخلايا.

وأضاف أن التجربة مع “داعش” تثبت أن هذه التنظيمات تمتلك قدرة عالية على التكيف، وقد تلجأ إلى عمليات انتقامية محدودة لإعادة تثبيت حضورها الرمزي والمعنوي.

غير أن الإشكالية الأعمق، بحسب الفرحات، لا تتعلق بالأفراد بقدر ما تتعلق بالبيئة الحاضنة للصراع، إذ إن الحسم الحقيقي لا يتحقق عبر الاستهداف الجوي وحده.

الترا سوريا

———————————

 الأبعاد الأمنية والرسائل المحتملة.. التفجير “الانتحاري” في حي باب الفرج من يخدم؟/ عمر حاج حسين

2026.01.02

أعاد التفجير الانتحاري الذي وقع في حي باب الفرج وسط حلب فتح ملف الأمن في المدينة، بعدما تزامن مع أجواء احتفالات رأس السنة، وأثار موجة واسعة من التفاعل على المنصات الرقمية، ترافقت مع شهادات عن حالة صدمة في الشارع وإشادة بتصرف أحد عناصر الشرطة الذي قُتل أثناء تصديه لمنفذ الهجوم، إذ جاء التفجير في محيط يضم عدداً من الكنائس، ما عزز الترجيحات بأن الهدف كان موقعاً دينياً مكتظاً خلال المناسبة.

وبحسب المعطيات الأولية التي تم تداولها، فإن المشتبه به حاول الوصول إلى إحدى الكنائس وهو يرتدي حزاماً ناسفاً، قبل أن يتم الاشتباه به من قبل نقطة تفتيش قريبة، فتتم محاصرته ويتجه لتغيير مساره، لتنتهي العملية بتفجير نفسه، ما أدى إلى مقتله ومقتل عنصر من قوى الأمن.

وأعلنت وزارة الداخلية أن منفذ التفجير مرتبط بتنظيم داعش، مؤكدة أن العملية تندرج ضمن أسلوب الهجمات الانتحارية الهادفة إلى ضرب الاستقرار وإحداث بلبلة خلال الفعاليات العامة.

رسائل منظمة لا أعمال فردية

وفي هذا الإطار، يقول الباحث في الشؤون الأمنية، محمد الحسين، لموقع تلفزيون سوريا، إن التفجيرات التي تشهدها البلاد في هذه المرحلة الدقيقة تأتي في سياق محاولة واضحة لاستثمار الظرف الحرج الذي تمرّ به، مؤكداً أن المستفيد الأبرز من هذه العمليات هو تنظيم داعش، الذي يسعى إلى إثبات حضوره وإعادة إنتاج نفسه أمنياً وإعلامياً.

وأوضح الحسين أن ارتباط هذه التفجيرات بتوقيت سياسي وأمني حساس يعكس رغبة التنظيم في إرسال رسائل مفادها أنه ما يزال قادراً على الحركة والاختراق، لاسيما بعد انخراط الحكومة السورية في التحالف الدولي لمحاربته، وهو ما دفع التنظيم إلى محاولة الرد عبر نقل المعركة إلى الداخل وتنفيذ عمليات نوعية تستهدف مناطق مدنية ودينية على حد سواء.

وأشار الباحث إلى أن التاريخ الأمني في المنطقة يظهر أن التنظيمات المتطرفة غالباً ما اتجهت إلى تبني التفجيرات التي تضرب أماكن العبادة أو المناطق ذات التنوع الديني، بهدف خلق فتنة داخلية وتوتير العلاقة بين المكوّنات الاجتماعية، معتمدة على أسلوب الصدمة لإحداث أثر واسع يتجاوز الموقع الذي وقع فيه التفجير.

ما جرى ليس عملاً فردياً بل منظماً ومخططاً

وبيّن الحسين أن تركّز عدد من التفجيرات في مدينة حلب على وجه الخصوص يعود إلى عوامل متداخلة، منها تركيبتها السكانية المتنوعة وحساسيتها الأمنية، إضافة إلى أن بعض المناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش سابقاً قد تشكّل أرضية مناسبة لوجود خلايا نائمة، يمكن أن تتحرك عند تلقيها إشارات أو أوامر خارجية، مؤكداً أن هذا الاحتمال وارد ويستدعي متابعة أمنية دقيقة.

وأكد أن المعطيات المتوافرة تشير إلى أن ما يجري ليس عمليات فردية أو ردود فعل عفوية، بل يرتبط ببنية تنظيمية تعمل على التخطيط والرصد واختيار الأهداف، مستبعداً في الوقت نفسه أن تكون هذه العمليات مجرد مبادرات شخصية، لأنها تتطلب تجهيزات لوجستية ومتابعة ميدانية، ما يرجّح وجود خلايا صغيرة تتحرك بسرية عالية.

وأضاف الحسين أن تزامن هذه التفجيرات مع حوادث أمنية في مناطق أخرى، مثل البادية وتدمر ومناطق ريفية، يعزز فرضية عودة نشاط خلايا مرتبطة بالتنظيم، تعمل وفق أسلوب “الذئاب المنفردة” أو المجموعات الصغيرة، بهدف إنهاك الأجهزة الأمنية وإشغالها في أكثر من مكان في الوقت نفسه.

وختم الباحث في الشؤون الأمنية تصريحه لموقع تلفزيون سوريا بالتأكيد أن الهدف الأساسي لهذه العمليات هو خلق بلبلة عامة وزعزعة الاستقرار الداخلي، ومحاولة ضرب النسيج الاجتماعي، ودفع الشارع نحو حالة من الخوف والتوتر، مشيراً إلى أن مواجهة هذا النوع من التحديات تتطلب جهداً استخبارياً دقيقاً ومتابعة مستمرة للخلايا النائمة التي تحاول إعادة نشاطها عبر استغلال الظروف الراهنة.

خلطاً متعمداً للأوراق

بدوره، يقول المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو في تصريح لموقع تلفزيون سوريا، إن التفجير الانتحاري في باب الفرج يأتي لصالح كل من يجد في الفوضى الأمنية والعبث بالأمن الداخلي فرصة وملاذاً لاستمراره، وذكر في مقدمتهم تنظيم داعش، ثم “الفلول”، إضافة إلى “قسد”.

وأضاف أن “تعطيل مسارات النهوض وتجميد عجلة التنمية، خاصة في عام 2026 الذي أعلنته الإدارة السورية الجديدة عاماً للعمل التنموي، يصب في صالح هؤلاء”.

وأشار سعدو إلى أن كل من يسعى لعدم الانضواء ضمن مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، ويستند إلى وجود ما يسمى تنظيم داعش، يجد مصلحة مباشرة في استمرار مثل هذه العمليات الإرهابية.

وأكد أن محاولات استهداف الكنائس في ليلة رأس السنة الميلادية تعكس رغبة هذه الجهات في إحداث شروخ في النسيج المجتمعي ودفع البلاد إلى مسارات داخلية وخارجية معقدة، بما قد يعيد ملفات الدعم الخارجي ورفع العقوبات إلى المربع الأول، عبر الإيحاء بأن الإرهاب ما يزال قائماً وأن البلاد غير مهيأة للبناء أو إعادة الإعمار.

وأوضح سعدو أن التفجير يشكل خلطاً متعمداً للأوراق وبعثرة للمشهد الأمني، مع محاولة تصوير مدينة حلب على أنها غير قادرة على التعايش بين مكوّناتها، لافتاً إلى أن هذه الأحداث تُستثمر إعلامياً من قبل أطراف تتربص بالواقع السوري من “فلول” وجهات داعمة لهم، إضافة إلى “قسد” ومن يقف معها.

وختم بالقول: “السيناريوهات التقسيمية ستفشل، وهناك عمل جدي على إنهائها، مع تعزيز إجراءات الضبط الأمني، ولن تنجح محاولات التفتيت، في ظل الإصرار الشعبي والحكومي على المضي نحو بناء سوريا واحدة موحدة”.

تفجير انتحاري في باب الفرج

وشهدت مدينة حلب مساء الخميس والذي صادف 31 كانون الأول، تفجيراً انتحارياً عند بوابة قصب في حي باب الفرج، أسفر عن مقتل شرطي أثناء إحباط الهجوم ومنفذ العملية.

ووقع التفجير في منطقة تضم عدة كنائس، من بينها كنيسة السيدة وكنيسة الأربعين شهيد، ما أثار مخاوف حول استهداف الأماكن الدينية خلال احتفالات رأس السنة.

وأوضحت المصادر أن المشتبه به كان يخطط لتفجير إحدى الكنائس باستخدام حزام ناسف، ويُرجح أن الهدف كان كنيسة الأربعين شهيد، إلا أن نقطة تفتيش في المكان أربكت تحركاته، وأثارت شكوك عناصر الشرطة، ما دفع المهاجم لإطلاق النار على أحد عناصر الأمن قبل أن يتمكن آخر من الإمساك به، ليقدم حينها على تفجير نفسه، ما أدى إلى مقتله ومقتل الشرطي الذي واجهه.

يشار إلى أن الحادثة أثارت تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر المغردون عن صدمتهم وغضبهم من استهداف المدنيين، كما تداولوا صورة الشرطي محمد مساط الذي ضحّى بنفسه لحماية المدنيين، وشيّع بمراسم رسمية وشعبية مساء الأربعاء، في مشهد أظهر حجم التعاطف الشعبي مع قصته.

ويعكس التفجير الانتحاري في باب الفرج استمرار التحديات الأمنية في حلب، وسط جهود متواصلة من الأجهزة الأمنية لتعزيز الضبط ومنع أي محاولات استهداف للنسيج الاجتماعي والمناسبات العامة.

تلفزيون سوريا

———————————

سوريا على خطى “تجربة الأفغان” فهل تنجو من إرث الإرهاب؟/ طارق علي

تسرعت في إلحاق عشرات آلاف المقاتلين من دون التثبت من هوياتهم وخلفياتهم لتضمن عدم إعادة إنتاج العنف التكفيري

الجمعة 2 يناير 2026

حتى الآن يتداول السوريون باستغراب تصريحات أدلى بها وزير الثقافة السوري قبل أيام عقب لقائه نظيره الأفغاني حين أمعن غزلاً بتجربة الأفغان التي وصفها بـ”الناجحة” من خلال إعادة بناء أفغانستان بعد الخراب، وأشار المسؤول السوري إلى أن تجربة أفغانستان “مثالية، وقابلة للاستلهام والتطبيق في سوريا”، خصوصاً، والكلام للوزير نفسه، أن “تقارب الرؤى بين البلدين عامل مهم جداً”.

لم يكن مقتل الجنديين الأميركيين رفقة المترجم أواسط ديسمبر (كانون الأول) 2025 في مدينة تدمر وسط سوريا حدثاً عابراً في الملف السوري، أو مجرد خطأ آني يمكن تجاوزه والمرور فوقه عبر بيان مقتضب يمتص الحادثة بفداحتها بخاصة أن منفذ الهجوم كان عنصراً في الأمن العام السوري ويرتبط بخلفيات أيديولوجية متطرفة كما اعترفت وزارة الداخلية السورية لاحقاً.

المكان نفسه أعطى بعداً إضافياً للحادثة، فعلى مدى أعوام ارتبط اسم تدمر بمواجهات شرسة وطويلة مع تنظيم “داعش” من قبل الجيش السوري السابق وحلفائه من الروس وغيرهم، إضافة إلى تطويق التنظيم على جبهات في مدارات أوسع من قبل التحالف الدولي وقوات “قسد”، حتى إن وسائل إعلام وصفت الفعل بغير المتوقع والمفاجئ من جهة النتيجة والفاعل والتبعات.

تلك الحادثة فتحت أبواب التساؤلات حول صدقية الرواية التي تجعل الفعل فردياً مجرداً من إطاره العام المرتبط بالتشكيل البنيوي الراسخ حالياً داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية في سوريا، مع ملاحظة محاولة الاحتواء السريع للموقف على الصعيدين الداخلي والخارجي سياسياً وأمنياً وعسكرياً وإعلامياً وحتى في المسارات الدبلوماسية وما يرتبط بذلك من تعهدات مبرمة سابقاً في إطار دخول سوريا إلى نادي مكافحة الإرهاب الدولي.

على رغم ذلك لم تنجح محاولة الاحتواء السورية السريعة للموقف من حجب السؤال المركزي الذي تم تداوله كثيراً: هل ما حصل كان فعلاً استثناءً، أم هو حدث قابل للتكرار كنتيجة طبيعية لعدم فحص خلفية منتسبي القوات المسلحة سابقاً؟

الهوية قبل السلاح

مع اعتراف السلطات السورية أن منفذ العملية عنصر لديها وكانت هناك نية لفصله لاحقاً من الجهاز الأمني لكن الأمر تم تأجيله بسبب ظروف تتعلق بيوم العطلة الرسمي، سرعان ما اتجهت الأنظار نحو تفكيك هوية القاتل الذي لم يقترن فعله بامتلاك السلاح وحسب، إنما بخلفيته العقائدية التي على رغم ثبوتها تمكن من حجز مكان له في صفوف الأمن.

سوريا الجديدة بعد سقوط نظامها السابق كثيراً ما تسرعت في تنسيب عشرات آلاف المقاتلين الجدد من دون التثبت من هوياتهم وخلفياتهم الماضوية السابقة لتضمن في الأقل عدم إعادة إنتاج العنف التكفيري، فـ”داعش” الممزق سابقاً توزع أفراده على الخريطة منخرطين في نشاط جماعات قتالية أخرى لكنهم ظلوا يحتفظون بركائز العقائد المتطرفة ذاتها.

يتساءل المتخصص الأمني مصطفى الحاج حول تلك الحادثة بالتحديد إذ يصفها بالمؤشر الأخطر في العمر الباكر لوجود سوريا في التحالف الدولي بقوله: “هل تم اختبار هذا الجندي وغيره قبل التنسيب، فكرياً وعقائدياً وذهنياً ونفسياً وصلاحيته للخدمة التي تخوله حمل السلاح؟ هل رأت السلطة أنّ الحاجة إلى ملء الشاغر الأمني أكثر إلحاحاً مما رأته تفصيلاً ثانوياً حول ماضيه الذي لم يخضع للتدقيق؟ النتيجة كانت أن انتقاء معيار السرعة في البناء أهم من الكلفة اللاحقة، والآن ندفع الكلفة”.

عجالة تجاوزت العقيدة

حل الجيش السابق في لحظة سقوط النظام أواخر 2024 وضع السلطات الجديدة أمام واقع يدق فيه الزمن المتسارع ضربات إيقاعه بقسوة على مجريات تأسيس دولة من مرحلة الصفر على رغم الاستناد إلى المقاتلين الأساسيين الذين أسقطوا النظام “هيئة تحرير الشام”، لكن تعدادهم بأي شكل لم يكن كافياً لملء فراغ مؤسساتي شامل على مستويات الجيش والأمن والشرطة وبقية الإدارات.

كان القادمون من إدلب يملكون قواماً عسكرياً كافياً لإدارتها لكنّه بلا أي شك غير كافٍ لإدارة سوريا كاملة، ومع حال الفراغ الأمني ومخاوف تمدد الفوضى وانتشار “داعش” وتحركات معادية من دول أو جماعات إقليمية مختلفة كان لا بد من سد هذا الباب عبر الإعلان عن أسرع دورات تنسيب عسكرية مشهودة، بعضها استغرق أياماً قليلة فقط قبل تخريج دفعاته، وكانت تلك الدورات متزامنة أو بينها فواصل زمنية قصيرة جداً، وكان الهدف حشد أكبر قدر ممكن من القوة المتحركة على الأرض، وفي الوقت ذاته القوة المضمون ولاؤها لمصلحة السلطة الجديدة، فكانت وما زالت تلك القوات من مكون سوري واحد، مع استبعاد تام لبقية المكونات الدينية والطائفية والعرقية.

يقول العقيد المتقاعد حيّان العاص الذي أنهى خدمته عام 2010 في قواعد التدريب العسكرية للجيش المحلول وقتذاك أن “السلطات الجديدة لم تراع شروط التكنيك والتكتيك العسكرية والكفاءة القتالية والانضباط التنظيمي والحيوي للدورات التي قامت بتخريجها، والوقت هو الذي كان السيف في ذلك، وفق ما وصلنا وما بات معروفاً أن تلك الدورات فعلياً لم تركز على الجانب العملي بكل ما يتطلب من جهد ومعارف بقدر ما ركز على الدروس النظرية الشرعية الدينية، وكذلك لم يخضع أولئك المنتسبون حينها لتمحيص في العقيدة والخلفيات الفكرية والمسارات الأيديولوجية السابقة لهم، لذا نعم يمكن جداً أن يكون كثير من عناصر ‘داعش’ الآن في صفوف القوات العسكرية، ‘داعش’ هي فكرة متطرفة وإن تغير اسمها، تعمل على التكفير وتقديم النص على العقل، فليس خلافنا على تسميتها، بل على تفكير الأشخاص المحاكين لها أسلوباً وفكرةً، فمن فجر مسجد الإمام علي في حمص قبل أيام من ‘سرايا أنصار السنة’، لكنّه نفذه بطريقة ‘داعش’، إذاً، مشكلتنا ليست في التسمية، بل في اجتثاث منظومة الفكر تلك كاملة”.

من الحزام الناسف إلى اللباس الرسمي

مرت دول كثيرة بتجارب مشابهة تتعلق بإعادة تأهيل متمردين يحملون أفكاراً تخريبية، وهو ما يعبر عنه أستاذ علم السياسة عمر حامد بقوله “اليوم لا يستطيع أحد وحتى السلطة نفسها الجزم بطبيعة ونوعية المتطرفين داخلها أو تعدادهم، هذا أمر حساس ونسبي للغاية، ليس مهيمناً تماماً ولا منظماً على أسس ثابتة، ومن الأكيد أن ثمة عناصر ما زالت تتبنى الأفكار المستوردة من تنظيمات كـ’داعش’ و’القاعدة’ وهي موجودة اليوم، ولا أتحدث على صعيد الشكل الخارجي لهم، بل المكنون الداخلي القابل للانفجار، وظهر في أحداث عدة خلال عام 2025، في الساحل والسويداء وجرمانا والأشرفية وتفجير كنيسة مار الياس بدمشق وتفجير مسجد الإمام علي بحمص، وإن كان شيء منها لا يرتبط بالمؤسسات العسكرية مباشرةً، لكنه يرتبط بملف الإرهاب المعمم ذاته”.

ويكمل: “عدا عن منهجية سلوك الانتقام والثأر وهذا بالطبع لا ينسحب على الجميع، وربما على قلة فقط، لذا قلت إنه ليس نمطاً مهيمناً، المشكلة اليوم في الخبايا، في من انتقل من ارتداء الحزام الناسف للزي الرسمي أو البدلة العسكرية، أو في أولئك الذين باتوا ينظرون للرئيس وفريقه على أنه يخرج من الملة بانفتاحه على الغرب وبراغماتيته وإثبات نفسه كقائد لبلد يرتكز على مؤسسات قدر استطاعته، وبالمناسبة، تمكن أفراد كثر على الأرض من الاقتراب من محاولة إفشاله في مشروعه، وهنا تتضح بعض الفجوة بين القاعدة والهرم”.

عشق النموذج الأفغاني

حتى الآن يتداول السوريون باستغراب تصريحات أدلى بها وزير الثقافة السوري قبل أيام عقب لقائه نظيره الأفغاني حين أمعن في التغزل بتجربة الأفغان التي وصفها بـ”الناجحة” من خلال إعادة بناء أفغانستان بعد الخراب، وأشار المسؤول السوري إلى أن تجربة أفغانستان “مثالية، وقابلة للاستلهام والتطبيق في سوريا”، خصوصاً، والكلام للوزير نفسه، أن “تقارب الرؤى بين البلدين عامل مهم جداً”.

يرى الدبلوماسي السابق أحمد إسماعيل أن تلك التصريحات خطرة في مضمونها، قائلاً إن “سوريا اليوم احتارت وحيرت العالم معها بأي نموذج ستقتدي، ووزير الثقافة على الدوام يطالعنا بمفاجآت غير متوقعة، وبجدارة كان على الدوام محط الحدث في 2025 بتصريحاته، اليوم سوريا التي انضمت لحلف مكافحة الإرهاب ما الذي تريده من أفغانستان لتحاكي تجربتها وهي المحكومة بسياق ديني تشددي مؤسس لجماعات عابرة للحدود ومهددة لدول العالم وملجأ سابق ولاحق لحركات شكّلت خطراً عالمياً على الدول الكبرى نفسها”، ويضيف، “ما قاله وزيرنا ليس مجاملة دبلوماسية، بل هو اقتراب من فكرة تتعلق بدمج المؤسسة الأمنية والعقيدة الدينية ضمن منظومة واحدة، كل واحدة منها تستمد شرعيتها من دعم الأخرى، وفي هذه الحال يغيب المعنى الوطني – القومي الجامع، ليحل مكانه الفكر الأيديولوجي المنبثق عن المرجعية الموحدة، وأي وزير هو منصب سياسي وكلامه يؤخذ في الاعتبار، وعليه يجوز تفسير كلام وزير الثقافة على أنه رفض ضمني لفصل الإيمان الذاتي عن وظيفة السلاح”.

بين الداخل والخارج… خطاب ازدواجي

حرصت السلطة السورية ما استطاعت على تقديم خطاب خارجي متوازن يراعي مطالب الدول التي تؤدي دوراً أساساً في الملف السوري غربياً وعربياً، وضمن ذلك قدرتها على أن تكون شريكاً فاعلاً في حفظ الاستقرار الإقليمي والعالمي ومكافحة الإرهاب، وقد تمكنت في أكثر من مكان أن تبلي حسناً، وبخاصة بعد حادثة مقتل الجنود الأميركيين في تدمر، واشتراكها مع قوات التحالف في قصف ومداهمة أوكار “داعش” والقبض على عناصر منهم وتحييد آخرين، وفي أتون كل ذلك تمسكت السلطة بوعود قطعية للدول الفاعلة بأنها قطعت صلتها بماضيها.

لكن على الصعيد الأدنى من القرار السيادي في الداخل السوري تبدو الأمور أكثر تشعباً وإرباكاً، فالخطاب الديني ما زال سائداً وينحو باتجاه تكتلات منظمة ضمن حركات عقائدية تبدو ثابتة ويستدل عليها في الأقل من فرق الغرباء والمقاتلين الأجانب ومن أخطرهم الإيغور والتركستان والفرنسيون وجنسيات أخرى بالطبع، وفي ظل هذا الواقع على الأرض الذي يبدو بعيداً من شكل الجيوش النظامية يبدو تقديم صورة مغايرة للخارج أصعب في أحيان أخرى، ومن ذلك تنبثق ازدواجية ترتبط بعاملين متناقضين: السعي الحثيث خلف نيل شرعية أممية، والحفاظ على داخل سوري متماسك أيديولوجياً من باب التحسب لأي طارئ.

عوامل الفشل والنجاح

يرى مراقبون مطلعون على ملف انخراط سوريا في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب أنه مرهون بجملة شروط للنجاح، على رأسها توفير تدريب عملي وعملياتي مكثف للعناصر الأمنية في سياق حماية المدنيين وإدارة التكتيك والعمليات العسكرية والأزمات والتعامل الاستخباري الدقيق مع كل موقف على حدة، ضمن حدود تنفيذية واضحة على الأرض، إلى جانب تدعيم وجود هيكل رسمي إداري واضح وشفاف مما يضمن هامشاً يضيف راحة للشركاء الدوليين، يترافق ذلك مع تنسيق أمني – ميداني – سياسي مع الشركاء الإقليميين والعالميين وفق القواعد الأساسية المعمول بها لمكافحة الإرهاب.

أما عن عوامل الفشل فتبدو بالنسبة إلى المراقبين مرتبطة بغياب المرجعية الموحدة واستمرار الحال الفصائلية المنفردة التي يطغى عليها الجانب الإداري المستقل وكذلك الجانب الديني – الشرعي فوق الأولوية العسكرية بما يؤثر في الانضباط العام وتبني سلوكيات متعاكسة لا تحقق الأهداف النهائية، يضاف إلى ذلك عدم إيجاد خطة دقيقة لمراجعة خلفيات المقاتلين الموجودين حالياً الذين كانوا ضمن جماعات مصنفة إرهابية حتى وقت قريب، وقد يكون العامل الفارق الإضافي هو اتساع بؤرة التوتر الطائفي داخل أرجاء البلاد وجرّ المكونات للتصارع عوضاً عن إمساك المجتمع للانطلاق منه كقاعدة ثابتة نحو مكافحة الإرهاب عبر تقديم السلطة نفسها كشريك موثوق وضامن وقادر في بيئته الداخلية وبنيته الأساسية.

الخلاصة في سؤال: هل ستقدر سوريا أن تكون شريكاً موثوقاً في محاربة الإرهاب؟ والجواب يعتمد على السياسة السورية نفسها في مقاربة الملف لئلا يكون النجاح شرطياً أو ظرفياً، وذلك عبر معالجة مكامن الخلل البنيوي ليكون نجاحاً كاملاً، وإلا فإن المشروع بأسره سيبقى معرضاً للفشل في أي مرحلة، وذلك الفشل سيعيد السلطات السورية الحالية خطوات إلى الوراء على مستوى الموثوقية الدولية والشرعية الداخلية.

———————————

ملف سجناء “داعش”: أزمة أمنية مدارة بلا أفق حل/ رامي شفيق

ملف سجناء “داعش”: أزمة أمنية مفتوحة على المجهول

2025-12-31

يمثّل ملف سجناء تنظيم “داعش“ ومخيمات عائلات عناصره في شمال وشرق سوريا واحداً من أكثر الملفات تعقيداً وخطورة في المشهد السوري الراهن، ليس فقط بسبب طبيعته الأمنية، بل بفعل تشابكه العميق مع الحسابات السياسية الدولية والإقليمية، وارتباطه المباشر بمستقبل الاستقرار في سوريا والمنطقة. فهذه السجون والمخيمات، التي تضم آلاف المقاتلين وعشرات الآلاف من النساء والأطفال المؤدلجين، لم تعد مجرّد قضية إنسانية أو أمنية مؤقتة، بل تحوّلت إلى عقدة استراتيجية مؤجلة، تُدار بمنطق الاحتواء لا الحل، وسط غياب واضح لأي أفق دولي جاد لإنهائها.

ويأتي هذا الواقع في ظل حالة من الجمود الدولي والارتباك السياسي الذي يحيط بالملف منذ سقوط آخر جيوب التنظيم الجغرافية في الباغوز عام 2019. فعلى الرغم من مرور أكثر من خمس سنوات على هزيمة “داعش” عسكريًا، لا تزال هذه السجون والمخيمات تمثل إحدى أخطر بؤر التوتر ومصادر التهديد الأمني المستمر، محليًا وإقليميًا ودوليًا، في ظل تراجع الاهتمام الدولي، وتفضيل العديد من الدول إبقاء المشكلة خارج حدودها بدل التعامل معها بشكل مباشر.

ملف أمني أم ورقة سياسية؟

في هذا السياق، يرى نصرالدين إبراهيم، سكرتير الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا، في تصريحات لـ”963+” أن جوهر الإشكالية لا يكمن فقط في الطبيعة الأمنية للملف، بل في طريقة التعاطي معه سياسياً. فبحسب إبراهيم، لا يُدار ملف معتقلي “داعش” ومخيمات عائلاتهم بوصفه قضية أمنية أو إنسانية فحسب، بل يُستخدم كورقة سياسية شديدة الحساسية، في ظل غياب الاعتراف الدولي بالإدارة الذاتية، وتشابك هذا الملف مع تعقيدات الصراع السوري الأوسع. هذا الواقع، وفق إبراهيم، أسهم في تكريس حلول جزئية وهشة، جرى اعتمادها كبديل عن حل شامل ومستدام.

ويتقاطع هذا الطرح مع قراءة الباحث في شؤون الحركات الجهادية حسن أبو هنية، الذي يؤكد لـ”963+” أن هذا الملف معروف ومعقّد منذ خسارة “داعش” آخر جيوبه الجغرافية، حيث باتت السجون والمخيمات تضم اليوم نحو 8500 مقاتل أجنبي وعربي، إضافة إلى ما يقارب 40 ألفًا من عائلاتهم، معظمهم من النساء والأطفال. ويرى أبو هنية أن هذا الحجم الهائل من المحتجزين يجعل من الملف أحد أعقد التحديات الأمنية في المنطقة، في ظل غياب أي رغبة دولية حقيقية لإغلاقه.

تنصّل دولي وحسابات داخلية

ويُجمع المتحدثون على أن التنصّل الدولي يشكّل العامل الأكثر تأثيراً في استمرار الأزمة. فبحسب أبو هنية، فإن الاستعدادات التي قامت بها بعض الدول، سواء في الاتحاد الأوروبي أو في العالم العربي، لاستعادة رعاياها كانت بطيئة ومحدودة للغاية، فيما لا تزال الغالبية العظمى من الموجودين في السجون والمخيمات من السوريين والعراقيين دون محاكمات أو برامج دمج أو إعادة تأهيل.

ويشرح أبو هنية أن الدافع الأساسي وراء هذا التردد هو سياسي بالدرجة الأولى، إذ ترى العديد من الدول الأوروبية أن استعادة هؤلاء قد تترتب عليها مخاطر أمنية داخلية، ما يجعل من الصعب إيجاد مسؤول سياسي مستعد لتحمّل هذه الكلفة.

ويضيف أن الإدارة الأميركية، ولا سيما خلال الولاية السابقة للرئيس دونالد ترامب، طالبت مراراً الدول باستعادة رعاياها، نظراً لقلة عدد المقاتلين الأميركيين، إلا أن تلك الدعوات لم تلقَ استجابة تُذكر.

من جانبه، يرى إبراهيم أن هذا التنصل الدولي فرض عبئاً أمنياً وسياسياً ثقيلاً على مناطق شمال وشرق سوريا، ودفع الجهات المعنية إلى اتباع سياسة “إدارة الأزمة” بدل العمل على إنهائها بشكل فاعل، سواء عبر مسارات قانونية واضحة أو حلول سياسية شاملة.

مأزق القانون والمحاكمات

قانونيًا، تتبدّى الأزمة بوصفها معضلة شبه مستعصية. فالكاتب السوري فراس علاوي يلفت في تصريحات لـ”963+” إلى أن هذا الملف تحكمه اعتبارات سياسية وأمنية معقدة، في ظل غياب قوانين واضحة في دول الأصل، ولا سيما الأوروبية، يمكن الاستناد إليها لإعادة المقاتلين ومحاكمتهم. ويؤكد أن هذه الإشكالية تشكّل العائق الأول أمام أي مسار قانوني أو سياسي جاد لمعالجة الملف.

ويضيف علاوي أن جزءاً كبيراً من عائلات المقاتلين يعاني من إشكاليات قانونية إضافية، تتعلق بغياب الجنسية أو عدم اكتمال البيانات الشخصية، سواء بسبب استخدام أسماء حركية خلال فترة الانخراط في التنظيم، أو غياب أسماء الآباء، ما يخلق صعوبات لوجستية وأمنية وسياسية في آن واحد.

كما يشير إلى أن عدم وجود اتفاقيات بين دول الأصل والحكومة السورية، التي لا تسيطر أصلاً على هذه السجون والمخيمات، يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل أي حل محتمل مؤجلاً.

ويعزّز أبو هنية هذا الطرح بالإشارة إلى فشل المقترحات التي طُرحت خلال السنوات الماضية، سواء لإنشاء محاكم دولية أو خاصة، أو لتولي دول إقليمية مثل العراق محاكمة هؤلاء، بسبب غياب الضمانات المتعلقة بالمحاكمة العادلة، والخلافات السياسية بين الأطراف المعنية.

تهديد أمني متجدد وبيئة حاضنة للتطرف

أمنياً، يحذّر المتحدثون من أن استمرار الوضع الراهن يحوّل السجون والمخيمات إلى بيئة مثالية لإعادة إنتاج التطرف. فبحسب إبراهيم، فإن بقاء هذه المواقع دون حلول جذرية يعني توفير بيئة خصبة لإعادة إنتاج الفكر المتطرف، ولا سيما بين الأطفال الذين نشؤوا داخل هذه المخيمات في ظل غياب التعليم والبرامج التأهيلية.

ويذهب أبو هنية إلى توصيف المحتجزين بأنهم يشكلون اليوم ما يشبه “جيش احتياط” لتنظيم “داعش”، مشيرًا إلى أنهم أصبحوا أكثر تشدداً وتطرفاً في ظل الفوضى والاختلالات القائمة في سوريا.

ويستحضر في هذا السياق هجوم التنظيم على سجن الصناعة في كانون الثاني/يناير 2022، والذي استمرت المعارك خلاله لأسابيع، باعتباره نموذجاً حياً لقدرة التنظيم على استثمار أي فراغ أمني.

ويرى فراس علاوي أن الخطر لا يقتصر على إعادة إنتاج الأيديولوجيا المتطرفة داخل السجون والمخيمات، بل يمتد إلى احتمالات الهروب، سواء لعناصر فردية أو مجموعات، في حال حدوث تغيّرات في الوضعين الجيوسياسي أو الأمني، محذراً من أن هؤلاء يشكّلون “قنابل موقوتة” إذا لم يتم التعامل معهم بشكل جذري.

محاكم دولية مؤجلة وصراع سياسي مفتوح

سياسياً، يلفت محمد أرسلان، السياسي السوري، في تصريحات لـ”963+” إلى أن الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديموقراطية طرحت مرارًا مبادرة إنشاء محكمة دولية لمحاكمة عناصر “داعش” المعتقلين، ولا سيما القيادات والأمراء منهم، إلا أن معظم الدول تجاهلت هذه الدعوات بشكل واضح، في تنصّل وصفه بالفاضح من المسؤوليات القانونية والأخلاقية.

ويضيف أرسلان أن بعض الدول فقط استعادت رعاياها وقامت بمحاكمتهم، فيما لا تزال الغالبية تتعامل مع الملف بسياسة “غضّ الطرف”، مفضّلة ترك المعتقلين يواجهون مصيرهم المجهول.

كما يشير إلى أن الخلاف حول مصير هؤلاء لا يقتصر على البعد الدولي، بل يمتد إلى صراع داخلي مع الحكومة السورية التي تطالب بتسليم المعتقلين، وهو ما ترفضه الإدارة الذاتية رفضاً قاطعاً.

وتتقاطع قراءات المحللين عند خلاصة واحدة: ملف سجناء “داعش” ومخيمات عائلاتهم لم يُغلق لأنه لا يُراد له أن يُغلق. فغياب الإرادة الدولية، وتضارب الحسابات السياسية، وانعدام الأطر القانونية، كلها عوامل تُبقي هذا الملف مفتوحاً على احتمالات خطيرة، تجعل منه أحد أخطر التهديدات الكامنة للأمن المحلي والإقليمي والدولي، في انتظار لحظة انفجار قد تعيد “داعش” إلى واجهة المشهد، لا كدولة، بل كفكرة وتنظيم عابر للحدود.

+963

——————————-

نشاط “داعش” في البادية السورية.. معضلة طويلة الأمد/ عمار زيدان

البادية السورية: الملاذ الأخير لـ”داعش”

2025-12-30

تحدياتٌ أمنية مازالت مستمرة مع تواصل نشاط تنظيم “داعش” في البادية السورية إلى يومنا هذا، رغم هزيمته عسكرياً وفقدانه السيطرة على مساحات واسعة في سوريا والعراق عام 2019. حيث مازالت البادية السورية بما تتميز به من اتساع جغرافي وطبيعة صحراوية معقدة بيئة ملائمة لعمل خلايا التنظيم بأسلوب حرب العصابات، مستغلاً الفراغات الأمنية وتشتت الجهود العسكرية.

وتشير المعطيات الميدانية إلى استمرار نشاط عناصر “داعش” في البادية السورية بوتيرة متقطعة ولكن مؤثرة. فوفق العديد من التقديرات الأمنية والتقارير التي نشرتها وكالات ووسائل إعلام محلية وأجنبية خلال السنوات الأخيرة تم تسجيل عشرات الهجمات في مناطق البادية الممتدة بين محافظات حمص ودير الزور والرقة وسط وشرقي البلاد، استهدفت في معظمها نقاطاً عسكرية وأرتال إمداد، وحقول طاقة وصهاريج لنقل المحروقات حيث نفذت معظم هذه العمليات بأسلوب الكمائن والهجمات الخاطفة، ما يعكس تحول التنظيم من السيطرة المكانية إلى استراتيجية الاستنزاف الأمني.

ويُقدر عدد عناصر تنظيم “داعش” في سوريا بحوالي ألفي عنصر لايزالون نشطين خصوصاً في مناطق البادية الممتدة في محافظات دير الزور والرقة والحسكة، وفق تقارير صادرة عن المركز الإعلامي لقوات سوريا الديموقراطية. فيما تحدثت مصادر أمنية محلية وتقديرات ميدانية إلى أن الرقم قد يكون أعلى، حيث يتراوح بين ألفين وخمسمائة وثلاثة آلاف عنصر في البادية السورية.

وفي هذا السياق، يقول الدكتور مروان شحادة الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، إن منطقة البادية المعروفة بمساحتها الشاسعة الممتدة إلى الأراضي العراقية في صحراء الأنبار إلى أن تصل لمدينة البو كمال وريف دير الزور وغيرها من الأماكن الحدودية بين سوريا والعراق بالإضافة لامتدادها إلى تدمر تجعل من الصعب السيطرة على خلايا التنظيم التي تحتاج إلى قوات كبيرة ومعدات متطورة وتنسيق عالي المستوى.

ويضيف شحادة لـ “963+”: “الجيش السوري في عداده الحالي لا يتجاوز 40 ألف عنصر وهذا العدد غير كافٍ لتغطية المناطق التي تسيطر عليها الحكومة حيث أن الحكومة السورية تحتاج إلى 200 ألف عنصر لبسط السيطرة على مناطقها أما فيما يتعلق بالصحراء فمن الصعب السيطرة عليها في الوقت الراهن باعتبارها منطقة رخوة أمنياً وعسكرياً لذلك تجد خلايا “داعش” تتحرك في هذه المنطقة بحرية كما يوجد في هذه المنطقة مخازن أسلحة ومخابئ وأنفاق للتنظيم وهنا يمكن القول إن البادية هي الملاذ الأكثر أمناً للتنظيم على مدار السنوات الماضية وأرجح أن يكون ذلك أيضاً خلال الفترة المقبلة.

بدروه، يؤكد الصحفي سليمان المحمد في تصريحات لـ “963+”، أن نشاط “داعش” في البادية السورية لم ينخفض بشكل ملموس خلال السنوات الماضية بل كان التنظيم يعتمد في المرحلة السابقة على الكمائن والمجموعات الصغيرة مبتعداً في الوقت نفسه عن المواجهة المباشرة وكل ذلك نتيجة مجموعة من العوامل الميدانية والتنظيمية.

ويشير المحمد إلى أن هناك أسباباً عديدة تقف وراء بقاء تنظيم “داعش” على نشاطه في البادية بينها تعدد القوى المسيطرة في البلاد فالوجود العسكري في البادية يتوزع بين أطراف عدة مع اختلاف الأولويات والتنسيق المحدود، ما يخلق سيطرة تنظيمية لهجمات خاطفة، كما أن التركيز العسكري في كثير من الأحيان ينصب على المدن المأهولة، بينما تترك الصحراء بتغطية أمنية وعسكرية أقل بكثير وهو ما يحدث فعلاً. كما يعتمد “داعش” في البادية على استراتيجية حرب الاستنزاف، حيث يعمل ضمن خلايا صغيرة مستقلة تماماً، بما في ذلك طرق الإمداد ونقاط التفتيش، دون الحاجة إلى مراقبة أراضٍ أو إدارة مدن كبيرة.

ويشدد الصحفي السوري على أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية في سوريا مازالت ملائمة وتسهل على التنظيم إيجاد متعاونين معه أو مصادر دعم لوجستي يضاف إلى ذلك قدرة “داعش” على جمع المعلومات الدقيقة في البادية حيث أن الطبيعة هناك مفتوحة مما يسهل من الاستهدافات أيضاً والقدرة على المناورة وهو ما اعتاد عليه التنظيم في السنوات الماضية من خلال معرفته بالطبيعة هناك بشكل جيد واعتماده على شبكات تهريب قديمة ومسارات غير رسمية لتأمين الحركة والإمداد بالشكل المناسب

+963

———————-

العنف بوصفه خطابًا اجتماعيًا: قراءة سوسيولوجية للتفجيرات في سوريا/ مهيب الرفاعي

29 ديسمبر 2025

لا ينبغي قراءة التفجيرات التي تستهدف دور العبادة بوصفها حوادث أمنية فحسب، بل باعتبارها تدخلات مباشرة في النسيج الاجتماعي نفسه، إذ لا تكمن آثارها الأعمق في نطاق الدمار المادي أو عدد الضحايا، بل في المعاني التي تنتجها، والمخاوف التي تعيد توزيعها، وإعادة الاصطفاف الاجتماعي التي تفرضها على المجتمع. فالعنف هنا، ومن منظور اجتماعي–سوسيولوجي، يؤدي وظيفة تواصلية قبل أن يكون أداة إكراه؛ إذ يكون التفجير في آنٍ واحد رسالة إلى عدة جماهير، بحيث يوجّه إلى الجماعة المستهدفة (أبناء الطائفة العلوية) رسالة مفادها أنها مرئية، مكشوفة، وغير محمية؛ ويخاطب الجماعات الأخرى بأن الحدود الطائفية أو الرمزية قابلة للاختراق في أي لحظة؛ ويختبر الدولة عبر الإيحاء بأن احتكارها للأمن قابل للتحدي.

يبعث تفجير وادي الذهب في حمص إلى المجتمع ككل رسالة أشد خطورة مفادها أن الحياة اليومية، بما فيها العبادة والتجمع والثقة، قابلة للانهيار، ويحوّل اختيار التوقيت (صلاة الجمعة) والمكان (فضاء ديني ذي رمزية عالية) الفعل من عنف عشوائي إلى رسالة مشفّرة داخل الفضاء الطقوسي، تستهدف تعطيل الروتين الاجتماعي المشترك وتقويض الإحساس بالأمان في أكثر لحظاته قداسة، وبذلك لا يعتدي التفجير على الأجساد وحدها، بل على الحياة الجماعية ذاتها.

إنتاج الخوف بوصفه بنية ممنهجة

لا يُختزل الخوف الذي تُنتجه التفجيرات، وفق التحليل السوسيولوجي، في كونه استجابة نفسية لحظية لحدث صادم، بل يُفهم بوصفه عملية اجتماعية مركّبة تُصنَّع وتُوزَّع ويُعاد إنتاجها داخل المجتمع بمرور الوقت. فالعنف هنا لا يكتفي بإحداث رعب آني، بل يعمل على تسييس الخوف وتحويله إلى مورد اجتماعي يُعاد توظيفه في إعادة تنظيم العلاقات والهويات وأنماط السلوك. ومع تكرار هذا النوع من الاستهدافات (كنيسة مار الياس في دمشق، مسجد علي بن أبي طالب في حمص، كنيسة السيدة العذراء في الزبداني)، يصبح الخوف شعورًا جمعيًا؛ إذ يتوقف الأفراد عن تقييم المخاطر بوصفهم ذواتًا مستقلة، ويبدؤون في تفسيرها عبر انتماءاتهم الجماعية، فيُعاد تعريف من هو الآمن ومن هو المهدَّد على أساس الهوية الطائفية أو الدينية أو المناطقية. في هذه اللحظة، لا يعود الخطر احتمالًا فرديًا، بل يتحول إلى خاصية جماعية تلتصق بمجتمع بعينه، وتنتقل بين أفراده عبر السرديات والشائعات ووسائل التواصل الاجتماعي والذاكرة الجمعية.

يعيد هذا الخوف المُنتَج تشكيل السلوك اليومي بعمق، إذ تُفرَغ الفضاءات العامة من وظيفتها الاندماجية التي تنادي بها الحكومة الجديدة في دمشق، وتتحول أماكن العبادة والأسواق والأحياء المختلطة من ساحات تفاعل إلى نقاط توتر، فيُعاد تنظيم الحركة والتنقل واللقاء وفق منطق تجنّب لا وفق منطق مشاركة. ومع الوقت، تتآكل الثقة الاجتماعية الأفقية، ويحل محلها حذر دائم من الآخر القريب، أي الجار أو الشريك في الفضاء العام، لا بوصفه فردًا، بل بوصفه حاملًا لهوية محتملة الخطر. في هذه البيئة، يتشكل ما يمكن تسميته بـالقلق الاستباقي “anticipatory anxiety”، حيث يتصرف الناس كما لو أن العنف وشيك دائمًا، حتى في غياب أي مؤشر مباشر، فيُلغون المناسبات، ويغيّرون مساراتهم اليومية، ويعيدون تعريف “الطبيعي” بوصفه وضعًا مؤقتًا قابلًا للانهيار في أي لحظة.

على المدى الأبعد، يؤدي هذا المسار إلى ما يمكن وصفه بأمننة الحياة اليومية “Daily Securitization”، أي إخضاع تفاصيل العيش العادي، من اختيار وقت الصلاة، وطريق الذهاب إلى العمل، ونوعية العلاقات الاجتماعية، وصولًا إلى اللغة المستخدمة في الفضاء العام، لمنطق إدارة المخاطر لا لمنطق الثقة والتعايش. هنا، لا يعود الأمن في سوريا وظيفة مؤسساتية فحسب، بل يتحول إلى عبء اجتماعي مُلقى على الأفراد والجماعات، فيُجبرهم على بناء استراتيجيات ذاتية للحماية والانكفاء. وبهذا المعنى، يصبح الخوف ذاته بنية حاكمة تعيد إنتاج العنف رمزيًا حتى في غياب التفجير، لأنه يُبقي المجتمع في حالة استعداد دائم للصدمات، ويمنع عودة الإحساس بالاستقرار بوصفه شرطًا أساسيًا لإعادة بناء الحياة الاجتماعية والسياسية.

الطائفية كعملية اجتماعية مُنتَجة

لا تُفهم الطائفية في هذا المسار بوصفها خاصية متجذّرة في البنية الثقافية للمجتمع أو نتيجة حتمية للاختلاف الديني، بل بوصفها عملية اجتماعية–سياسية مُتدرجة تُفَعَّل وتتعزز في سياقات العنف وعدم الاستقرار. فالتفجيرات التي تستهدف جماعات بعينها في سوريا لا تكتفي بإحداث صدمة أمنية أو إنسانية، بل تؤدي دورًا أعمق يتمثل في إعادة ترسيم حدود الهوية داخل المجتمع، بحيث يُعاد تقديم الانتماء الديني بوصفه المؤشر الاجتماعي الأول الذي يُعرّف الأفراد ويحدد موقعهم في شبكة الخوف والحماية والاشتباه. ومع تكرار هذا النمط من العنف، تتراجع الانتماءات الوطنية والمدنية والمهنية أمام ثقل الهوية الطائفية، التي تتحول تدريجيًا من عنصر ثقافي متنوع إلى إطار تفسيري شامل تُقرأ من خلاله الأحداث اليومية والعلاقات الاجتماعية.

في هذا السياق بالتحديد، تعمل التفجيرات على دفع المجتمعات المحلية إلى تبنّي قراءة طائفية للواقع، حيث تُعاد صياغة الوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية ضمن سرديات دينية مبسّطة، تختزل أسباب غياب العدالة الانتقالية وضعف الدولة في منطق الانتماء الطائفي وحده. وبهذا الاختزال يجري تحميل الهوية الدينية وظيفة تفسير كل أشكال العنف، ما يمنح الطائفية قدرة عالية على الانتشار بوصفها لغة جاهزة للفهم والتعبئة. ويتسارع هذا المسار عمومًا في المجتمعات الانتقالية التي تعاني من هشاشة مؤسساتها، وضعف الثقة بالقانون، وغياب سردية وطنية جامعة قادرة على استيعاب الاختلاف، إذ يصبح اللجوء إلى الهوية الجماعية الضيقة وسيلة لتعويض الفراغ المؤسسي ولإنتاج شعور بالمعنى والانتماء في بيئة يسودها القلق وعدم اليقين؛ ويدفع جماعات موتورة وطائفية (مثل سرايا أنصار السنة) إلى الاستفراد بالمشهد تحت حجج المظلومية السنية والرغبة بالانتقام وتعويض 14 عامًا على الأقل من القتل الممنهج.

ومع الوقت، تتحول الطائفية من ردّ فعل على العنف الذي انتهجه نظام الأسد وشبيحته، إلى بنية اجتماعية قائمة بذاتها، تُعيد تنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات، وتحدد من هو موضع ثقة ومن هو موضع ريبة، ومن يستحق الحماية ومن يُنظر إليه كتهديد محتمل. في هذه المرحلة، لا تعود الطائفية مجرد انعكاس للعنف، بل تصبح أحد محركاته الأساسية، لأنها تُغذّي دوائر متبادلة من الخوف والانغلاق والتمترس الهوياتي. وبهذا المعنى، يمكن القول إن الطائفية ليست سببًا أوليًا للعنف بقدر ما هي نتاج تراكمي له، لكنها، بعد تبلورها، تتحول إلى أداة فعّالة لإدامته، وتقويض إمكان إعادة بناء المجال العام على أسس المواطنة والعيش المشترك.

تآكل الثقة الاجتماعية وعودة منطق الحماية الذاتية

تؤدي الهجمات التي تستهدف الفضاءات الرمزية، كدور العبادة، إلى إلحاق ضرر بالثقة الأفقية، أي الثقة المتبادلة بين المواطنين، أكثر مما تُضعف الثقة العمودية بالدولة ذاتها؛ وهنا لا يُعاد تعريف الخطر بوصفه تهديدًا خارجيًا مجردًا، بل بوصفه احتمالًا كامنًا داخل النسيج الاجتماعي نفسه، ما يجعل الجار مصدر ريبة، والعلاقة اليومية محل شك، والتفاعل العادي مشوبًا بالحذر. ومع هذا التحول، تزدهر الشائعات والسرديات التآمرية بوصفها آليات بديلة لتفسير الواقع، في ظل غياب معلومات موثوقة أو ثقة مستقرة وعدالة موزّعة، فتُعاد قراءة الأحداث عبر مخيال جماعي مشحون بالخوف والاشتباه. كما تفقد الفضاءات التي كانت تاريخيًا محايدة واندماجية كالحارات والأسواق، والمساجد، والكنائس، وأماكن اللقاء العام، وظيفتها الاجتماعية الجامعة، وتتحول إلى نقاط توتر أو أماكن يُعاد تصنيفها هوياتيًا، مثل تصنيف حي وادي الذهب على أنه علوي، شيعي بالعموم، وهدف مستحق لأبناء الطائفة السنية ممن يمتلكون سلاحًا وقدرة على الضرر.

وفي موازاة هذا الانهيار في الثقة الأفقية، تفتح التفجيرات الرمزية المتكررة الباب أمام عودة ما وصفه تشارلز تيلي في أطروحته “صناعة الحرب وبناء الدولة” بـ”بُنى الأمن الذاتي” أو مجتمعات الحماية، وهي أشكال تنظيمية غير رسمية تنشأ حين يشعر الأفراد والجماعات بأن وعد الحماية المتساوية الذي يفترض أن تقدمه الدولة لم يعد مضمونًا (كانت على أيام نظام الأسد تسمى اللجان الشعبية). في هذه الظروف، لا تنشأ الجماعات المسلحة المحلية، وشبكات الحماية غير النظامية، ومنطق الأمن القائم على الهوية الطائفية بدافع حب العنف أو الرغبة في الصدام، بل بوصفها استجابات اجتماعية لشعور متزايد بعدم اليقين وانعدام الأمان. غير أن هذه الاستجابات، رغم طابعها الدفاعي الظاهر، تحمل أثرًا تراكميًا خطيرًا، إذ تُعيد توزيع العنف خارج إطار الدولة، وتُضعف احتكارها المشروع للقوة والعنف بحسب مفهوم سلافوي جيجك، وتحوّل الأمن من حق عام إلى مورد خاص تديره الجماعات لنفسها. ومع مرور الوقت، يُفضي هذا المسار إلى تقويض الشرعية طويلة الأمد للدولة، لأن قدرتها على تمثيل جميع مواطنيها بوصفهم متساوين في الحماية تصبح موضع شك، ويُعاد تنظيم المجتمع على أساس منطق “الحماية مقابل الولاء”، لا على أساس المواطنة والقانون.

الذاكرة الجمعية والاستقطاب

تعيد التفجيرات الطائفية في سوريا تفعيل الصدمة الجمعية الكامنة في المجتمعات الخارجة من النزاع، حيث لا يُستقبل الحدث بوصفه واقعة جديدة فحسب، بل كامتداد مباشر لتجارب عنف سابقة لم تُعالَج جذريًا ولم يحاسب منفذوها. في هذا السياق، ينهار الحاجز الزمني بين الماضي والحاضر، فتندمج الذكريات المؤلمة مع اللحظة الراهنة، ويُعاد استحضار الإحساس بأن ما جرى سابقًا يعود بصيغ جديدة ومنفذين جدد وفق منطق الانتقام، ما يمنع المجتمع من الانتقال إلى أفق زمني لما بعد الثورة.

تُسهم هذه الهجمات في تسريع عملية الاستقطاب الرمزي وإعادة رسم الحدود الأخلاقية داخل المجتمع، حيث يدخل الفضاء العام في مرحلة فرز قِيمي صارم؛ فتصبح الإدانة، وتوقيتها، وجهتها (وزارات الإعلام والداخلية والخارجية) ونبرة الخطاب المستخدمة، مؤشرات اجتماعية ذات دلالة عالية، تُستخدم لتحديد مواقع الأفراد والجماعات أو ردعهم ضمن خريطة الانتماء والمواطنة أو العداء، بينما يُعاد تأويل الصمت أو التردد بوصفه تواطؤًا أو اصطفافًا ضمنيًا.

تكتسب هذه الديناميات خطورتها القصوى في المجتمعات الانتقالية، حيث تكون المؤسسات ضعيفة أو قيد التشكل، والسرديات الوطنية المشتركة غير مستقرة، وآليات العدالة والمساءلة محدودة أو غير مكتملة. ففي المجتمعات المستقرة، تمتص المؤسسات الصدمة وتحتوي آثارها عبر القانون والخطاب العام والضمانات الاجتماعية، أما في المجتمعات الانتقالية، فإن الصدمة تُمتص اجتماعيًا، أي تُحمَّل على الأفراد والجماعات أنفسهم. في غياب مؤسسات قوية، ورواية جامعة، وعدالة موثوقة، يتحول العنف من حدث استثنائي إلى منظّم اجتماعي يعيد ترتيب الهويات، ويشكّل الخوف، ويعيد رسم الاصطفافات السياسية، بما يجعل المجتمع ذاته ساحة الصراع الأساسية، لا مجرد ضحيته.

الطائفية بوصفها عنفًا لغويًا إلكترونيًا

لا يمكن التعامل مع السرديات التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي عقب التفجير؛ من قبيل الادعاء بأن العلويين لا يصلّون، وبالتالي التشكيك في وجودهم داخل المساجد يوم الجمعة، بوصفها سوء فهم ديني أو جهلًا دينيًا بريئًا، بل يجب قراءتها سوسيولوجيًا باعتبارها آلية كلاسيكية من آليات الإقصاء الطائفي، وأداة خطابية تؤدي وظائف خطيرة في آن واحد. فهذه السرديات لا تدخل في نطاق النقاش الديني، بل تعمل كـسلاح لغوي يعيد رسم الحدود الاجتماعية والأخلاقية، ويحدّد من يملك حق الانتماء إلى الفضاء المقدّس، ومن يُنظر إليه كدخيل أو متطفل أو متملق. في هذا السياق، يتحول السؤال الظاهري حول الصلاة إلى ممارسة ضبط للحدود الاجتماعية، يُعاد من خلالها تعريف من يُعد مسلمًا حقيقيًا، ومن يستحق الوصول المشروع إلى أماكن العبادة، ومن تُمنح له الحماية الأخلاقية عند تعرّضه للعنف. والنتيجة المباشرة لهذا الخطاب هي نزع الشرعية بأثر رجعي عن الضحية؛ إذ يُخفَّف وقع الجريمة أخلاقيًا عبر التشكيك في أهلية الضحايا أنفسهم، فيُعاد تأطير العنف بوصفه أقل صدمة، أو أقل استحقاقًا للتضامن ولتصنيف “شهيد”، وهو نمط معروف تاريخيًا في سياقات العنف الطائفي لا سيما في العراق في المدة بين 2004 و2007.

وتستند هذه السرديات إلى اختزال جماعة اجتماعية كاملة في نمط ديني واحد جامد، وتجاهل التنوّع الداخلي الواسع في الممارسات والاعتقادات، إذ تتعامى عن حقيقة أن العلويين والشيعة السوريين، كغيرهم من الجماعات الدينية، ليسوا كتلة متجانسة، وأن التدين يتفاوت بينهم بحسب الطبقة الاجتماعية، والمنطقة، والجيل، والتجربة الشخصية، وأن كثيرين منهم يؤدون الصلاة، ويرتادون المساجد، ويشاركون في الطقوس الإسلامية، فيما لا يفعل آخرون، تمامًا كما هو الحال بين السنّة أنفسهم أو حتى أبناء الديانة المسيحية. غير أن الدقة الواقعية ليست هي ما يهم في هذا الخطاب، بل وظيفته الاجتماعية؛ إذ يعمل على تجميد الهوية في قالب صارم، وتحويلها إلى معيار إقصائي جاهز، يُستخدم لتبرير نفي الانتماء، وتقليص دائرة التعاطف، وتهيئة المجال لتطبيع العنف الرمزي وتغليبه على منطق الدولة، الذي غالبًا ما يسبق العنف المادي أو يرافقه. وبهذا المعنى، لا تُنتج هذه السرديات معرفة دينية، بل تُنتج حدودًا أخلاقية جديدة تُقصي جماعات بأكملها من فضاء الحماية والاعتراف، وتحوّل اللغة ذاتها إلى أداة من أدوات الصراع الطائفي.

نفي الطقس بوصفه نفيًا للإنسانية

لا تُفهم المشاركة في الطقوس الدينية بوصفها ممارسة تعبدية فحسب، بل باعتبارها أحد مداخل الانتماء الأخلاقي إلى الجماعة، أي علامة على الاعتراف الاجتماعي بالإنسان كعضو شرعي في الفضاء الرمزي المشترك. من هذا المنطلق، فإن الخطاب الذي يشكك في أحقية جماعة ما بالصلاة أو الوجود في المسجد باستخدام عبارات من قبيل “العلوية ما بيصلوا ليش كانوا بالمسجد؟” أو “أول مرة منعرف إنو العلوية بيصلوا” أو “المسيحيون كانوا يصلوا ويحتفلوا بالأعياد وقت الغوطة تنقصف”، لا يعبّر عن رأي ديني، بل يؤدي وظيفة أخطر تتمثل في نزع الانتماء الأخلاقي والشرَفي للموت في المسجد عن الضحايا. فالمعنى الضمني لهذا الخطاب لا يقف عند حدود التشكيك في الممارسة الدينية، بل يمتد إلى القول إن هؤلاء لا ينتمون أصلًا، وإن وجودهم في المكان المقدّس يحمل طابع الخداع أو التسلل أو “التكويع الديني”، وإن معاناتهم نفسها موضع شك أو ريبة.

بهذا المعنى، يجري تحويل الضحية من إنسان متألم إلى كيان ملتبس أخلاقيًا، ويُعاد النظر في استحقاقه للتعاطف والحماية. ويُعد هذا الشكل من الخطاب مثالًا واضحًا على التجريد الرمزي من الإنسانية، وهو منطق عُرف تاريخيًا في سياقات العنف الجماعي، حين يُعاد توصيف الفئات المستهدفة بعبارات توحي بالتمويه أو الاحتيال، مثل الادعاء بأنهم يتخفّون بملابس مدنية، أو يختبئون بين المصلّين، أو يزيفون هويتهم الدينية؛ وهي كلها بالمناسبة استراتيجيات كان يعتمدها الشبيحة في توصيف أبناء المناطق السنية أيام حكم نظام الأسد. هذه اللغة لا تبرر العنف بشكل مباشر، لكنها تمهّد له أخلاقيًا، إذ تُضعف الحاجز القيمي الذي يمنع استباحة الجماعة، وغالبًا ما تسبق، في التجارب التاريخية، سياسات العقاب الجماعي أو التسويغ الاجتماعي للاعتداءات الواسعة.

فضاء لتبرير ما بعد العنف

تكتسب السرديات التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي السورية بعد التفجيرات خطورتها من توقيتها بقدر ما تكتسبها من مضمونها؛ إذ تظهر هذه الخطابات عقب وقوع العنف لا قبله، ما يجعلها جزءًا من عملية اجتماعية تُعرف بـإنتاج المعنى بعد العنف. عمومًا، يولّد العنف صدمة أخلاقية وارتباكًا قيميًا داخل المجتمع، وتأتي السرديات الرقمية لتخفيف هذا الاضطراب عبر إعادة ترتيب المسؤوليات وتبسيط التفسير؛ لكن بدل مواجهة السؤال الجوهري المتعلق بسبب العنف وسبب استهداف مسجد أو مكان عبادة وسبب القتل بالأساس، يجري تحويل النقاش نحو الضحايا أنفسهم، وإعادة توجيه اللوم بطريقة غير مباشرة من الفاعلين إلى المستهدفين وماضيهم وارتباط بعضهم سابقًا بنظام الأسد. بهذا المعنى، لا تعمل هذه الخطابات على تفسير الحدث، بل على امتصاص الصدمة الأخلاقية التي يخلّفها، من خلال إزاحة المسؤولية وإعادة صياغة الجريمة بوصفها نتيجة ملتبسة أو مفهومة اجتماعيًا. هذا الإزاحة لا تُبرّر العنف صراحة، لكنها تُفرغه من بعده الإجرامي، وتحوّله إلى واقعة قابلة للتشكيك والتأويل، وهو نمط معروف في مجتمعات شهدت عنفًا طائفيًا متكررًا، حيث يصبح النقاش حول “سلوك الضحية” بديلًا عن مساءلة الجناة.

تطبيع الطائفية الإلكترونية

ما يتداول في هذا السياق على المنصات الرقمية لا ينتمي إلى حقل المعرفة الدينية المنهجية، بل إلى ما يمكننا تسميته بالتدين الشعبوي؛ أي مجموعة من التصورات المبسّطة والمجزوءة التي تُنتَج خارج أي سياق علمي أو فقهي، وتُستخدم كأدوات جاهزة للتصنيف والإقصاء. يتميز هذا التديّن بكونه سطحيًا، ومشحونًا عاطفيًا، وقابلًا للتسييس السريع، ومنفصلًا عن الممارسة الدينية الحقيقية كما تُعاش في الحياة اليومية. وهو يزدهر خصوصًا في البيئات المنقسمة، حيث تكون المؤسسات ضعيفة، والسرديات الوطنية غير مستقرة، ومستويات الانفعال والغضب مرتفعة. في مثل هذه الظروف، تتحول وسائل التواصل إلى فضاء يُمكّن الأفراد العاديين من لعب دور منظّرين صغار للطائفية، يعيدون إنتاج منطق الإقصاء والاصطفاف من دون الحاجة إلى تنظيمات أو هياكل أيديولوجية واضحة. وبهذا، لا يعود الخطاب الطائفي حكرًا على الجماعات المتطرفة المنظمة، بل ينتشر أفقيًا داخل المجتمع، ويتحوّل إلى ممارسة يومية تُسهم في تطبيع العنف الرمزي، وتمهّد بصمت لإعادة إنتاج العنف المادي.

الأخطر من هذا هو تحول الخطاب إلى خطاب سخرية من الضحايا وطوائفهم والتشفي منهم، إذ يتخذ الخطاب الطائفي على وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا غالبًا شكل النكات والسخرية والأسئلة المواربة والميمز، لكنه في التحليل السوسيولوجي يُعد من أخطر حوامل الكراهية، لأنه يطبّع الإقصاء ويخفض العتبة الأخلاقية للاعتراض، ويتيح التنصّل من المسؤولية بحجة الكوميديا السوداء أو ما شابه. في السياق السوري ما بعد الثورة، حيث الهويات هشّة والخوف مرتفع والثقة ضعيفة، تتحول هذه السرديات من تعبيرات لغوية إلى قوى فاعلة تقوّض المصالحة، وتشجّع الانكفاء الجماعي، وتُضفي شرعية ضمنية على منطق الحماية الذاتية. وفي جوهرها، لا تناقش هذه السرديات الدين أو السلوك، بل تؤدي وظيفة أخطر تتمثل في نفي الأهلية الأخلاقية عن جماعة بعينها، عبر إعادة تعريفها كفئة أقل استحقاقًا للحماية والتعاطف، ما يجعل الخطاب الطائفي الرقمي شرطًا اجتماعيًا ممهِّدًا للعنف لا مجرد انعكاس له.

ميغافون

———————————

حجّة الإرهاب: بين ضرورة محاربة “داعش” وفخّ التدجين/ غاندي المهتار

2025-12-30

مخطئ من لا يرى في انضمام سوريا للتحالف الدولي ضد “داعش” ضرورة أمنية – اقتصادية ملحة لحكومة الرئيس السوري أحمد الشرع. عسكرياً، تعاني القوات السورية الجديدة نقصاً في التكنولوجيا والقدرات الاستخباراتية اللازمة لملاحقة خلايا “داعش” التي عادت لتنشط في البادية السورية وجنوب البلاد. وقد لمسنا في كانون الأول/ديسمبر الجاري تصعيداً كبيراً في العمليات العسكرية “المنسقة” بين دمشق والتحالف، أثمرت غارات جوية أميركية على نحو 70 موقعاً للتنظيم وسط سوريا، ومداهمات مشتركة، وتصفية أو اعتقال عشرات القيادات في التنظيم.

تسعى دمشق اليوم إلى تحقيق أهداف تتجاوز البعد العسكري للمسألة، في مقدمها انتزاع شرعية دولية ما زالت تفتقر إليها، ستسعى تالياً إلى رفعها لمستوى “الشراكة الموثوقة”. وبهذا، يمكن دمشق أن تسحب البساط من تحت أقدام “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) بسهولة أكبر، ما دامت حجة محاربة الإرهاب التي تتمسك بها “قسد” ساقطة “في يد الحكومة”.

ولا ننسى أن الشرع أدرك جيداً في رحلته الأميركية الجديدة أن لا تدفق للاستثمارات من دون استقرار تام للوضع الأمني، وتطبيع العلاقات مع القوى الكبرى، وهذا ما توفره مظلة التحالف الدولي.

لكن… الثمن باهظ على ما يبدو. ففخ التدجين الاستراتيجي منصوب على بوابة دمشق، ولعبة السيطرة الأميركية – الإسرائيلية مستمرة. وفي مصطلح “التدجين” يكمن جوهر المقاربة الغربية – الأميركية تجاه دمشق. فبدلاً من محاولة إسقاط الشرع والغرق في فوضى سورية عارمة، اختار محور واشنطن – تل أبيب الاحتواء الفعال، أي تحويل الرئيس السوري من زعيم متمرد بنجم صاعد إلى “وكيل أمني” مقابل بقائه في السلطة، في لعبة مستعادة من أيام حافظ الأسد. إنها مقاربة أميركية قائمة على واقعية قاسية يحب دونالد ترامب ممارستها، خصوصاً مع العرب.

بعد لقاء الرياض الشهير في أيار/مايو الماضي، كان المطلوب أميركياً من الشرع ضبط المقاتلين الأجانب المنتمين لتنظيمات جهادية عابرة للحدود أو ترحيلهم، والاندماج في “اتفاقيات أبراهام” بتطبيع العلاقات مع إسرائيل أو على الأقل الدخول في اتفاقيات أمنية ملزمة تضمن هدوء الجبهة الجنوبية، وفتح ملفات الأمن السوري لأجهزة الاستخبارات الغربية لملاحقة فلول “القاعدة” و”داعش”. كان رفع العقوبات الاقتصادية في حزيران/يونيو الماضي “جزرة” واشنطن، فيما رفعت تل أبيب “عصا” التوغل العسكري ودعم الانفصاليين الدروز في الجنوب، بعدما ساءها أن يتهمها الشرع بـ “محاربة الأشباح وخلق الفتن في السويداء”. لم يكن هذا الاتهام ظلماً، فإسرائيل تلعب ورقة “الأقليات” كأداة تدجين قوية عبر السويداء، وهدفها منع دمشق من بسط سيطرتها الكاملة على الجنوب السوري، ما يجعلها بحاجة دائمة للتفاوض مع تل أبيب لضمان استقرار النظام العام.

ما سبق كله لا ينفي أن تغلغل الفكر الجهادي في بنية الدولة السورية الجديدة هو التحدي الأكبر لاستقرار النظام. فبينما يحاول الشرع تقديم نفسه “رجل دولة معتدل”، يبقى صلب القوة العسكرية التي يعتمد عليها مكوناً من عناصر وفصائل تشربت الفكر السلفي الجهادي سنوات طوال. وحين توصلت الحكومة السورية في نيسان/أبريل الماضي إلى اتفاق مع الولايات المتحدة لدمج المقاتلين الإيغور والأوزبك والقوقاز في الجيش بدلاً من ترحيلهم، بحجة “منعهم من نشاطات إرهابية عابرة للحدود”، وبضمان تحويلهم إلى “سلفية مدخلية” تقوم على طاعة عمياء للحاكم ليكونوا “أدوات طيعة” في يد الدولة، وجد تنظيم “داعش” ثغرة للعودة من خلالها: الاستثمار في “خيانة” الشرع لقومه… فأطلق حملة إعلامية وأيديولوجية شرسة لتفكيك حاضنة الدولة، متهماً الشرع بـ “نقض البيعة” و”العمالة للصليبيين”، بلغة دينية تداعب مشاعر مقاتلين أحبطتهم صور الشرع في أحضان دونالد ترامب. ولترجمة حملته هذه أفعالاً، تراجع عن السعي إلى “سيطرة مكانية” مفضلاً التخريب الاجتماعي لاستنزاف النظام، ما يبرر للتحالف الدولي تدخله بشكل أوسع، وهذا يعني المزيد من تدجين الشرع وإضعافه، وحتى التخلص منه ما دام فاشلاً في ضبط الأمور. وحتى يتم للتنظيم ما يريده، مجرد الحديث عن عودة “داعش” يخيف رأس المال “الجبان” ويُبعده عن سوريا، فيسقط رهان الشرع على أن الرخاء الاقتصادي المامول هو مفتاح تجاوز الأزمات الأيديولوجية والطائفية، خصوصاً أن دمشق تقدم نفسها منصة للتعاون والنمو، وممراً تجارياً استراتيجياً لسلاسل التوريد بين الشرق والغرب. أي هجوم كبير لـ”داعش” يعيد البلاد إلى نقطة الصفر، فيكون الشرع وحيداً أمام غضب شعبي مدني – أيديولوجي – جهادي لا يرحم.

*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+

+963

———————————

داعش”.. اختراق الأمن يهدد المعركة!/ عمار عبد اللطيف

اختراق صامت يهدد المعركة مع “داعش”… تسلل التنظيم إلى الأجهزة الأمنية السورية

2025-12-29

تتصاعد المخاوف الأمنية في معركة القضاء على تنظيم “داعش” من خطر لا يقل جسامة عن التحديات العسكرية المباشرة، يتمثل في احتمال اختراق الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للحكومة السورية الانتقالية من قبل خلايا التنظيم، حيث ينظر إلى هذا الخطر بوصفه أحد أبرز التهديدات التي قد تقوض فعالية الجهود المبذولة لمحاربة التنظيم، خصوصاً في مرحلة تتسم بإعادة هيكلة المؤسسات، وتسريع عمليات الدمج لعناصر مسلحة سابقة ضمن أجهزة الدولة الجديدة.

ومع تعقّد الخارطة الأمنية وتعدد القوى المسلحة التي خضعت، جزئياً أو كلياً، لعمليات دمج ضمن مؤسسات الحكومة الانتقالية، برزت تساؤلات جدية حول مستوى التدقيق الأمني الذي رافق هذه العمليات، فسنوات الصراع الطويلة وتداخل الولاءات المحلية والإيديولوجية، أوجدت بيئة خصبة لتسلل عناصر متشددة أو متعاطفة مع تنظيم “داعش” إلى صفوف القوات الأمنية والعسكرية، مستفيدة من الفوضى الإدارية والحاجة الملحّة لملء الفراغ الأمني.

وأعاد التنظيم، رغم خسارته السيطرة الجغرافية الواسعة التي كان يتمتع بها في السابق، تموضعه على شكل خلايا نائمة وشبكات سرية تعتمد على الاختراق والعمل من الداخل، ويشكل اختراق المؤسسات الأمنية التابعة للحكومة الانتقالية خطراً مضاعفاً، كونه يمنح التنظيم القدرة على الوصول إلى معلومات حساسة، وتعطيل العمليات العسكرية، وتوجيه ضربات دقيقة في توقيتات حرجة.

مسار إعادة البناء

يقول الباحث السياسي السوري عبد الرحمن ربوع، المقيم في العاصمة المصرية القاهرة إن مسار إعادة بناء المؤسستين الأمنية والعسكرية في سوريا لا يبدو أنه يسير وفق المخطط المرسوم والقواعد الموضوعة، وأن عمليات دمج بعض الفصائل وتجنيد عناصرها لا تتوافق أبداً مع معايير الدمج والتجنيد المعتمدة.

ويضيف في حديث لـ”963+”، أن برامج التدريب والتأهيل التي جرى اعتمادها أثبتت فشلها وقصورها، وعجزها عن تخريج دفعات من الضباط والمجندين القادرين على أداء مهامهم باحترافية، وأن هذا الواقع يترافق مع عشوائية وتخبط واضحين، ناجمين عن قلة الخبرة وضعف التراتبية وهشاشة القواعد الموضوعة لإدارة الضبط والربط داخل المؤسستين، الأمر الذي ينعكس سلباً على الأداء العام والانضباط المؤسسي.

ويشير الباحث إلى وجود تسلل واضح لعناصر متطرفة إلى المؤسستين الأمنية والعسكرية، وأن لهذا التسلل أسباباً عديدة، في مقدمتها دمج الفصائل السابقة، واعتماد التجنيد على أسس القرابة والجوار والوساطة، وأن هذه الممارسات تخل بالمعايير الموضوعة، وتعرض مؤسستي الأمن والجيش لأخطار مدمرة، وتفتح الباب على مصراعيه لتفككهما مع أول اختبار حقيقي.

ويتابع ربوع أن العام الجاري 2025 شهد عشرات الوقائع التي تعكس هذه الظاهرة، فعلى الصعيد الأمني، يقول إن جرائم خطيرة وقعت وتسببت بمقتل ووفاة العديد من الموقوفين بسبب سوء المعاملة داخل المخافر والدوائر والسجون والمعتقلات، فضلاً عن التجاوزات التي حدثت أثناء المداهمات والاقتحامات.

جدل بقضايا دينية

أما على مستوى المؤسسة العسكرية، فيؤكد ربوع أن المشهد لا يقل خطورة، موضحاً أن الأمور وصلت إلى حد وقوع صدامات داخل الثكنات بين المتطوعين الجدد على خلفية نقاشات وجدال حول قضايا دينية، ويرافق ذلك وجود تغلغل واسع للفكر المتطرف داخل بعض الوحدات، وأن ذلك يهدد البلاد في أي لحظة بتكرار أحداث الساحل والسويداء.

ويرى ربوع أنه لا توجد وصفة سحرية لحل هذه المعضلات المعقدة، لكنه يوضح أن تفعيل وتعزيز صلاحيات وأدوار الضباط المنشقين، الذين أُعيد العديد منهم إلى مواقعهم الأمنية والعسكرية، قد يساهم في بناء مؤسسة أمنية ومؤسسة عسكرية على الشكل اللائق، إضافة إلى أن جهود التدريب والتأهيل الخارجية التي تتم في دول أخرى سيكون لها أثر بالغ في بناء شرطة وجيش محترفين.

ويشدد الباحث، على أن الكليات الأمنية والعسكرية يجب أن تكون على مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقها، من خلال تخريج ضباط وصف ضباط مؤهلين بالقدر الكافي، بما يضمن منع تسرب التطرف إلى هاتين المؤسستين، وحماية البلاد من مخاطر أمنية مستقبلية.

الاختراق خطر حقيقي

يحذر الباحث في العلاقات الدولية وشؤون الإرهاب الدولي، شريف الدواخلي، من أن اختراق الأجهزة الأمنية والعسكرية يشكّل خطراً حقيقياً على جهود الحكومة السورية الانتقالية في محاربة تنظيم “داعش”، وأن عدداً من الحوادث الأخيرة يؤكد وجود اختراق فعلي داخل المؤسسات الأمنية في المرحلة الراهنة.

ويقول الدواخلي إن الهجوم الذي استهدف دورية أميركية ـ سورية مشتركة، يوم 13 كانون الأول/ ديسمبر، قرب مدينة تدمر في قلب البادية السورية، وأسفر عن مقتل عسكريين اثنين ومدنيين أميركيين، إضافة إلى إصابة ثلاثة جنود وعنصرين من الأمن السوري، يشكّل دليلاً واضحاً على هذا الاختراق.

ويضيف في حديث لـ”963+”، أن خطورة الحادث تتضاعف مع الكشف عن أن منفذ الهجوم كان من عناصر الأمن الداخلي التابع للحكومة الانتقالية، ما يؤكد وجود خلل عميق في عملية إعادة بناء الأجهزة الأمنية عقب حل الجيش السابق وإعادة ترتيب المؤسسة الأمنية والعسكرية اعتماداً على فصائل مسلحة بعضها متشددة دينياً.

ويشير الدواخلي إلى أن من أبرز أسباب الاختراق الأمني والعسكري أن عملية دمج الفصائل المسلحة المتشددة كانت شكلية وصورية، إذ احتفظ كل فصيل بكيانه التنظيمي وأفكاره دون تغيير حقيقي، إضافة إلى أن تعيين مقاتلين أجانب في مناصب قيادية ضمن الأجهزة الأمنية والعسكرية زاد من تعقيد المشهد.

ويوضح أن هذا الهجوم يُعد الأول الذي يسقط ضحايا أميركيين منذ إسقاط نظام الأسد، والأول أيضاً منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع العام الحالي، كما يأتي في سياق انفتاح أميركي غير مسبوق على دمشق، ومساع لإعادة تشكيل الجيش السوري.

ويرى الدواخلي أن هذا الهجوم لن يؤثر سلباً على مستوى التنسيق الأمني والاستخباري بين دمشق وواشنطن، بل يرجح أن يؤدي إلى تعزيز هذا التنسيق، على اعتبار أن سوريا في مرحلتها الانتقالية تمثل حليفاً قوياً لواشنطن في الوقت الراهن.

ويؤكد، أن التنظيم يتجه نحو تصعيد عملياته ضد القوات الحكومية وقوات التحالف الدولي معاً، في محاولة لإثبات أنه لا يزال قادراً على تنفيذ هجمات مؤثرة داخل مناطق خاضعة لسيطرة دمشق، وأن التنظيم نجح على ما يبدو في اختراق قوات الأمن الداخلي، مستغلاً الحاجة الملحة لزيادة أعداد القوات لضبط الأمن، وما رافق ذلك من عدم تشديد كاف في التدقيق بخلفيات المنتسبين الجدد.

ويخلص الدواخلي إلى أن منع إعادة بناء نفوذ التنظيم داخل القوات الأمنية والعسكرية يتطلب حصر لوائح المنتمين إلى التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها “داعش”، وهي لوائح يقول إنها متوفرة بالفعل لدى الأجهزة الأمنية، ويترافق ذلك بإمكانية تعقب هذه العناصر عبر الرصد والمراقبة المستمرة.

+963

————————————–

 سرايا أنصار السنة: القناع الوظيفي لتأمين “الجسر البري” الإيراني في سوريا الجديدة/ ضياء قدور

2025.12.28

دخلت سورية منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 مرحلة “السيولة الأمنية” الفائقة، حيث تحاول القوى المتضررة من التغيير، وعلى رأسها طهران وشبكات “الفلول” الأمنية، إعادة هندسة المشهد عبر أدوات وظيفية تتشح بعباءة “السلفية الجهادية”. ومن خلال التتبع الدقيق لنشاط ما يُعرف بـ “سرايا أنصار السنة”، نجد أنفسنا أمام كيان “مُخلّق” استخباراتياً، يسعى بوضوح لجعل سورية “دولة غير قابلة للحكم”، وفق ما أشار إليه الخبراء في تقاريرهم الأخيرة.

السقوط الإعلامي المريب

النقطة الأكثر إثارة للريبة، والتي تمثل خرقاً فاضحاً لكل “البروتوكولات” الجهادية المتعارف عليها، هي قناة التواصل الإعلامي التي اختارها التنظيم للتعريف بنفسه. ففي 21 مايو 2025، نشرت صحيفة “النهار” اللبنانية مقابلة مطولة مع “أبو الفتح الشامي”، المسؤول الشرعي في السرايا. إن المعهود في الحركات الجهادية الحقيقية (مثل القاعدة وداعش) هو الازدراء التام للصحافة “العلمانية” أو “التابعة للأنظمة”، والاكتفاء بالمنصات المشفرة مثل “تيليجرام” أو وكالاتها الخاصة.

إلا أن خروج “أبو الفتح الشامي” للحديث إلى صحيفة لبنانية عريقة يحمل دلالات استخباراتية لا تخطئها بصيرة الخبير. فمن خلال هذه المقابلة، سعى التنظيم لبث الرعب في الداخل اللبناني عبر التهديد بالتمدد نحو طرابلس ومحاربة “الأقليات”. هذا الخطاب يصب حرفياً في مصلحة السردية الإيرانية التي يحتاجها حزب الله لتبرير بقاء سلاحه ونفوذه كضرورة لمواجهة “الخطر التكفيري” القادم من سوريا. إن هذا الانكشاف الإعلامي، وفق تحليل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، يثير تساؤلات جدية حول ما إذا كان التنظيم مجرد “عملية إعلامية” أو واجهة لخدمة أجندات قوى إقليمية.

جغرافيا “الجسر البري” وخيوط طهران في البوكمال

لا يمكن فهم استراتيجية السرايا من دون النظر إلى خارطة انتشارها التي تتركز بذكاء في “المناطق الوسطى” (حمص وحماة) والساحل. هذه المناطق تمثل العصب الحيوي لـ “الجسر البري” الإيراني الذي يربط طهران ببيروت عبر البوكمال، وهو الممر الاستراتيجي لتهريب الأسلحة والأموال إلى حزب الله.

في ديسمبر 2025، أعلنت وزارة الداخلية السورية عن ضبط شحنة صواريخ مضادة للطائرات من طراز SAM-7 (MANPADS) في منزل بمدينة البوكمال، كانت معدة للتهريب خارج البلاد. إن وجود هذه الأسلحة في مناطق ينشط فيها “أنصار السنة” يعزز فرضية أن التنظيم يعمل كـ “ستار أمني” أو “فوضى منظمة” تغطي على تحركات الميليشيات المرتبطة بإيران وفلول النظام. ووفقاً لتقارير معهد دراسات الحرب (ISW)، فإن نشاط هذه المجموعات يساهم في خلق “فراغ أمني” تستغله طهران لإعادة بناء شبكاتها الاستراتيجية بعد خسارتها للنظام المركزي في دمشق.

لغة “الفلول” وركاكة القناع

من الناحية المهنية واللسانية، تلفت نظري البيانات التي يصدرها التنظيم، والتي تتسم بـ “ركاكة لغوية” واستخدام مفرط للغة العامية السورية، وهو ما وثقه الباحث عبد الرحمن الحاج في تحليلاته المنشورة عبر موقع “عنب بلدي”. التنظيمات الجهادية الحقيقية تُقدس اللغة العربية الفصحى وتستند إلى خطاب شرعي متماسك، في حين يبدو خطاب السرايا وكأنه كُتب في أروقة الفروع الأمنية السابقة التي تحاول تقمص دور الجهاديين ولكنها تفشل في إخفاء لهجتها وهويتها الحقيقية.

ويرى الدكتور عبد الرحمن الحاج أن “سرايا أنصار السنة” هي “تنظيم وهمي” يديره فلول النظام السابق، ويهدف توقيت بياناته (مثل التزامن مع زيارات الرئيس السوري أحمد الشرع الخارجية) إلى إرسال رسائل للمجتمع الدولي، وخاصة روسيا، بأن “الأقليات” مستهدفة تحت الحكم الجديد، وهو ما يخدم دعاية الفلول وإيران.

استراتيجية “الشيطنة” وضرب النسيج الاجتماعي

اعتمد التنظيم “كتيب تعليمات” يركز على استهداف الأقليات لزعزعة استقرار الحكومة السورية، وهو ما أكده المحلل “روب غيست بينفولد” في تحليله لشبكة الجزيرة، مشيراً إلى أن هدف التنظيم هو جعل سورية غير مستقرة. عمليات مثل تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق (يونيو 2025) الذي أدى لمقتل 25 شخصاً، وتفجير مسجد الإمام علي في حمص (ديسمبر 2025) الذي استهدف المصلين العلويين، هي عمليات مصممة بدقة لشيطنة الحكومة السورية دولياً وإظهارها كعاجزة عن حماية التنوع السوري.

معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، في تحليله لمجزرة كنيسة مار إلياس، أشار إلى أن السلطات في دمشق وواشنطن تملك ما يكفي من المعلومات لتعزيز التعاون الأمني ضد هذه الخلايا التي قد تكون “جماعة واجهة” لداعش أو منشقين عن هيئة تحرير الشام عادوا للتطرف لخدمة مصالح مشبوهة. إن التناقض في تبني العمليات، حيث تنسبها الداخلية لداعش في حين تتبناها السرايا، يشير إلى رغبة التنظيم في “الصعود الإعلامي” وتوفير غطاء لأطراف أخرى.

الخلاصة: المواجهة الأمنية الشاملة

بناء على ما سبق لا تبدو “سرايا أنصار السنة” تنظيما متطرفا نشأ من رحم المعاناة، بل هي “ظاهرة أمنية مُخلقة” تتقاطع فيها مصالح طهران التي تريد تأمين ممراتها اللوجستية، مع مصالح فلول النظام الذين يهدفون لإطالة أمد الفوضى. وتواصل قادة التنظيم مع الصحافة اللبنانية، وتزامن عملياتهم مع ضبط شحنات الأسلحة الإيرانية في البوكمال، وركاكة خطابهم التي توحي بإدارة استخباراتية، كلها أدلة دامغة تؤكد هذا الارتباط.

كمختص أمني، أرى أن مواجهة هذا التهديد تتطلب:

    تفكيك شبكات الفلول: ملاحقة الضباط السابقين الذين يوفرون المعلومات والغطاء لهذه الخلايا.

    تأمين الحدود: السيطرة الكاملة على ممر البوكمال-حمص لقطع “خط الأكسجين” اللوجستي لإيران.

    المواجهة المعلوماتية: استباق عمليات “العلم الزائف” عبر كشف الارتباطات المشبوهة للتنظيم بالاستناد إلى الأدلة الميدانية واللسانية التي وثقتها مراكز الأبحاث المختلفة.

إن سوريا في عام 2025 تقف أمام اختبار حقيقي لسيادتها، وفهم المحركات الحقيقية لـ “سرايا أنصار السنة” هو الخطوة الأولى لضمان استقرار البلاد وحماية نسيجها الاجتماعي من هندسة الفوضى العابرة للحدود.

————————

 عن مصادر الإرهاب وسبل مواجهته سورياً/ سميرة المسالمة

الاثنين 2025/12/29

تمر سوريا بمرحلة انتقالية صعبة ومعقدة، على صعيد الدولة أو المجتمع أو الأفراد، خصوصاً في المجالين الأمني والسياسي الداخليين، ما يعني أنها ليست مرحلة انتقالية طبيعية، أو عادية، كتجارب بلدان أخرى خاضت حروباً خارجية أو داخلية، وانتهت بفوز طرف واحد على آخر، وامتلاكه زمام الأمور، كما انها ليست حالة انتقال من سلطة الى سلطة، بل هي أكبر وأخطر وأكثر تعقيداً من كل ذلك.

سقط نظام “الأبد” الذي تحكم بالبلد أكثر من خمسة عقود، نعم، سقط فجأة، بعد 14 عاماً من بداية ثورة آذار في عام 2011، وبعد صراع مع أطراف سورية عديدة، لم تكن تمتلك أجندة أو أهداف واحدة في مواجهته، حتى نال منها اليأس.  لهذا، ما حدث في 8/ ديسمبر كانون الثاني من عام 2024 بجهود- شبه خالصة- لجبهة تحرير الشام (النصرة سابقاً) كان أشبه بزلزال، قلب كل الموازين، في السياسة والثقافة والاقتصاد، وعلاقة الناس بالدولة، وببعضهم البعض كمجموعات وأفراد، وبتعريفهم لذاتهم، ولاصطفافاتهم، الفردية والجمعية.

وما يحدث اليوم من نزاع على السلطة تقوده أطراف داخلية متعددة (بعضها يتحرك بناء على أجندات ورغبات سلطوية محلية ضيقة، وبعضها له مصالح تتقاطع مع جهات خارجية)، ضد الحكومة السورية الجديدة التي تحاول بسط سيطرتها الأمنية والمؤسساتية على كامل الأرض السورية، يسهم بشكل مباشر في تعطيل الاستقرار المطلوب على مختلف المستويات والقطاعات لتحريك عجلة مسار التعافي، ما يعني أن التحديات الداخلية في سوريا باتت أكثر إعاقة من التحديات الخارجية، التي تجاوزت السلطة الحالية معظمها  بنشاط رئاسي ودبلوماسي مرموق، وبرغبة عربية وإقليمية ودولية غير مسبوقة، لتهدئة الوضع السوري وتعزيز استقراره.

إلا أن الاستخدام السلبي للتنوع الطائفي والاثني السوري، من قبل الأطراف المتصارعة أسهم في تحويل هذا التنوع إلى أداة لترويع السوريين، حيث باتت التفجيرات الإرهابية الدموية أشبه “بصندوق بريد” تستخدمها المجموعات المتطرفة (لا يختصر التطرف على الدين) كشكل من أشكال إعلان التمرد على الدولة، من جهة، كما تستخدمها الأذرع المحلية للجهات الخارجية من جهة أخرى، لبث الفوضى والخوف بين السوريين، ولمنع تشكل الدولة المستقرة، ما يخدم استمرار رغبة دول إقليمية بالتدخل تحت عناوين الدفاع عن مجموعات تعنيها، أو أخرى تحاربها.

لا شك أن العمليات الإرهابية من مثل تفجير كنيسة مارإلياس في منطقة الدويلعة (22/6)، وقتل عناصر من قوات الأمن السوري وجنود أميركيين في تدمر (13/12)، والتفجير الإرهابي الذي طال مسجد الإمام علي في حمص (26/12)، تشكل عاملاً إضافياً لخلق حاجز نفسي عند بعض المكونات المجتمعية، ما يمنعها من الاندماج مع محاولات الدولة لردم الخلافات التي نشأت في عهد النظام السابق، وذلك للمضي في جسر ما خلفته سياساته من تفاوت حقوقي بين المواطنين، وافتقاد الشعور بالمواطنة المتساوية، الأمر الذي يستدعي من الدولة  وضع آليات عمل لإعادة بناء الثقة بين السوريين، على صعيد الأفراد والجماعات وترسيخ متطلبات العيش المشترك، للتخلص من التعصب الهوياتي والتطرف الأيديولوجي، وكل الامراض التي كرسها وعززها النظام القمعي السابق.

إن مجمل هذه التشوهات المجتمعية تشكل بيئة خصبة مواتية للاستغلال، وهذا فعلياً ما يحدث اليوم في الساحل والسويداء ومناطق متفرقة من تلك التي تحكمها “قسد”، حيث يستغل بعض المتضررين من سقوط النظام الظروف الصعبة للفئات المهمشة تاريخياً، لإثارة الفتن بهدف تقويض عملية الاستقرار، كما يضاف إلى ذلك دور العناصر والتشكيلات المتطرفة “المحلية والأجنبية”، التي تؤجج الخلافات الداخلية، عبر اللعب على واقع انعزالي “مصطنع” للطوائف، والتحريض المتبادل بينها، واستثمار ذلك في عمليات إرهابية تستهدف فيها رموز السوريين الدينية والقومية لإيقاع الفتنة بينهم.

وأمام هذا الواقع المعقد، بما ينطوي عليه من تداخلات خارجية وخلافات المحلية، لا يبدو أمام الدولة السورية سوى الاستمرار في سياسة الاحتواء لكل الطوائف السورية، لتحصين البلد، من محاولات التخريب بكل اشكالها، وضمنها من العمليات الارهابية، ويقوم هذا النهج على الحصانة الداخلية، والشرعية المجتمعية. وهذه، تبناها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في حواره مع شخصيات من الطائفة العلوية، حيث أكد أن الدولة تقوم على قواعد المواطنة المتساوية، والثقة المتبادلة، والقابلية للعيش المشترك في دولة قانون ومؤسسات.

هذه الأساسيات ليست شرطاً لمكافحة الإرهاب فحسب، بل هي من شروط بناء الدولة والمجتمع. فالقصد أن محاربة الارهاب تبدأ، أو تتأسس على تحصين الداخل، وجعل المجتمع يرفض الانسياق وراء التهم الجاهزة للتحريض على الدولة، لأن المواجهة تقوم على أسس سياسية واقتصادية وثقافية وقيم اخلاقية، تسبق أي خطط امنية، رغم أهمية الأخيرة وضرورة تكثيفها، والحزم في تنفيذها

————————–

 “سرايا أنصار السنة”: واجهة “داعش” المولودة في سوريا

الأحد 2025/12/28

تعد مجموعة “سرايا أنصار السنّة” التي تبنّت الجمعة الهجوم الدامي على مسجد في حي علوي في مدينة حمص، مجموعة متطرفة ناشئة، تعارض بشدة أداء الرئيس السوري أحمد الشرع، ويرجح محللون أنها تشكل “واجهة” لتنظيم “داعش”.

متى برز اسمها؟

برز اسم المجموعة على نطاق واسع في 22 حزيران/يونيو حين تبنّت هجوماً نفذه انتحاري داخل كنيسة في دمشق، أسفر عن مقتل 25 شخصاً.

وقالت في بيان حينها في “تلغرام”، إن العملية جاءت “بعد استفزاز” من مسيحيي دمشق “في حق الدعوة وأهل الملَّة”. ونفت اتهام السلطات لتنظيم “داعش” بالوقوف خلف الهجوم.

وتبنّت المجموعة الجمعة الهجوم على مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب في مدينة حمص، مما أسفر عن ثمانية قتلى. وتعهّدت بأن هجماتها “سوف تستمر في تزايد، وتطال جميع الكفار والمرتدين”.

 مخاوف الأقليات

وتفاقم هجمات مماثلة مخاوف الأقليات في سوريا، في حين تضعها السلطات في سياق “زعزعة استقرار” البلاد.

ويقول الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى هارون زيلين لوكالة “فرانس برس”، إن الهجوم على المسجد هو “الأكبر” منذ هجوم الكنيسة. ويشرح: “يستخدمون هذا النوع من الهجمات لتجنيد المزيد من المقاتلين”، مضيفاً: “لذا سنرى إن كان حدثاً معزولاً كسابقه (الكنيسة)، أم أنهم قادرون على الحفاظ” على نسق متواصل من العمليات على غرار تنظيم “داعش”.

جذور المجموعة ومواقفها

تظهر مراجعة حساب المجموعة في “تلغرام”، والذي يحظى بأكثر من أربعة آلاف متابع، تأسيسه في الثامن من حزيران/يونيو، بقيادة أبو عائشة الشامي. لكن المجموعة أعلنت عن نفسها ككيان مستقل منذ مطلع العام، بعدما تخلى الشرع عن ماضيه الجهادي، مما فاقم عداءها له.

وإلى جانب هجومي الكنيسة والمسجد، تبنّت المجموعة عمليات اغتيال قالت إنها طاولت أشخاصاً مرتبطين بالحكم السابق. كما تبنت حرق غابات في الساحل السوري، معقل الأقلية العلوية، خلال الصيف.

معارضة للشرع

ولا تتوفر أي تقديرات عن عدد مقاتليها. وتضم “سرايا أنصار السنة” في صفوفها، وفق محللين، قادة وعناصر سابقين من “هيئة تحرير الشام”. وتظهر غالبية منشوراتها معارضتها لأداء الشرع وحكومته “المرتدة”. تصفه حيناً بـ”الخائن” الذي “انبطح لاسرائيل”، وتحالف مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وتحمل عليه “ارتماءه في أحضان التحالف الصليبي”، في إشارة إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، والذي اعلنت سوريا انضمامها إليه أخيراً.

وتكشف المجموعة من خلال معارضتها للسلطة عن مواقف دينية متشددة. فتنتقد استناده إلى قوانين وضعية لحكم البلاد عوضاً عن أحكام الشريعة الإسلامية، وتتهمه بـ”الارتداد عن ثوابت الدين” وتخليه عن “الجهاد”.

أي ارتباط بتنظيم “داعش”؟

في عدد من منشوراتها، تبدي المجموعة تعاطفها مع التنظيم المتطرف وتنديدها بعمليات التحالف الدولي والسلطات السورية التي تطاول عناصره. وعقب هجوم في منطقة تدمر (وسط) أسفر الشهر الحالي عن مقتل ثلاثة اميركيين، نفّذه عنصر من قوات الأمن السورية ونسبته واشنطن إلى التنظيم، أكدت المجموعة في أحد منشوراتها أنها مع التنظيم لمواجهة “حكومة الردة الجولانية”، التي تعهدت بمحاسبة المتورطين في الهجوم.

ويعرب زيلين عن اعتقاده بأنها “تشكل واجهة لتنظيم الدولة الإسلامية”، و”من المحتمل وجود روابط” بينهما، مضيفاً: “إنها جزء من عمليات التضليل الإعلامي التي يتبعها التنظيم لإخفاء قوته الحقيقية”، ومن أجل جذب عناصر جدد تحت مسمى “أكثر حيادية وأقل إثارة للنفور” من التنظيم بحد ذاته.

 أدبيات “داعش” الإعلامية

وتستحضر “سرايا أنصار السنّة” أدبيات التنظيم في صياغة بياناتها، لكنها تنفي الانتماء اليه. ففي بيان نشرته السبت على تلغرام، أوضحت قيادتها “نحن جماعة مستقلة إداريا، لكننا نلتقي معهم (التنظيم) في العقيدة والمنهج”.

وأضافت: “لو كانت هناك بيعة لأعلناها جهاراً ولن يزيدنا ذلك إلا فخراً، فهي الدولة التي أعلنت الخلافة… وثبتت أمام تحالف 89 دولة والفصائل والتنظيمات والجماعات المرتدة، فلم تبدّل ولم تداهن”.

————————-

محاربة الإرهاب.. هل تحل الأزمة بين دمشق و”قسد”/ سلطان الإبراهيم

2025-12-29

شكّل انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” خلال زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع لواشنطن في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خطوة فارقة في سوريا بعد أكثر من عشر سنوات على تأسيس التحالف وبدئه عمليات عسكرية على الأراضي السورية، بالتعاون مع قوات سوريا الديموقراطية (قسد) الشريك على الأرض، ما يمهّد لمرحلة جديدة في مكافحة التنظيم وملاحقة خلاياه، وقد يفتح الباب لتوحيد القرار السوري بهذا الشأن، وحلحلة ملفات أخرى لا تزال عالقة في مسار الأزمة التي عاشتها البلاد على مدى أكثر من 14 عاماً.

وبعد لقاء ترامب والشرع في واشنطن، قال المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك في منشور على منصة “إكس”، إن سوريا انضمت رسمياً للتحالف الدولي، في خطوة تعد إطاراً تاريخياً يرمز لانتقالها من مصدّر للإرهاب إلى شريك في مكافحته”، معتبراً أن “الحكومة السورية الانتقالية ستساعد بنشاط في مواجهة وتفكيك خلايا داعش، والحرس الثوري الإيراني وحماس وحزب الله اللبناني وغيرها من الشبكات، لتصبح شريكاً ملتزماً في الجهد العالمي لإحلال السلام”.

وتحارب قوات سوريا الديموقراطية، تنظيم “داعش” على الأرض في سوريا بالتعاون مع التحالف الدولي، وقضت عليه عسكرياً في آخر معاقله بريف دير الزور شرقي البلاد عام 2019، وتقول إنها ستواصل ملاحقة ومحاربة خلايا التنظيم ومنعه من إعادة تشكيل نفسه مجدداً، وأعربت عن ترحيبها بانضمام سوريا إلى التحالف الدولي، وأنها “ملتزمة بتطوير التعاون مع جميع الأطراف التي تحارب الإرهاب، في كل ما يخدم أمن المنطقة والعالم”.

ويؤمل أن تقود خطوة انضمام سوريا للتحالف الدولي، إلى المساعدة في حل ملفات أخرى عالقة كاتفاق العاشر من آذار/ مارس الموقع بين الحكومة الانتقالية و”قسد”، وبالتالي انضمام الأخيرة للجيش السوري، وإمكانية الاستفادة من خبراتها التي اكتسبتها على مدى العقد الماضي في محاربة التنظيم، بما يسهم بالقضاء عليه نهائياً وتفكيك خلاياه وشبكاته التي لا تزال تعمل على الأرض السورية، وهو ما تتوقعه الولايات المتحدة، التي ترى أن دمج “قسد” بمؤسسات الدولة السورية يمثل أحد أهم الخطوات لجعل الحرب ضد تنظيم “داعش” وطنية وشاملة، بحسب ما نقلت صحيفة “إندبندنت” الأسبوع الماضي.

الاندماج مصلحة وطنية

يؤكد الكاتب الصحفي والباحث السياسي حسام نجار المقيم في بولندا، على أن “الاندماج بين الجيش السوري وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) هو مصلحة سورية بالدرجة الأولى خاصةً أن الحكومة السورية تحظى برعاية ودعم أميركي، والحرب على الإرهاب ليس الغاية فقط بل هو هدف آني ومؤقت لتنظيف الأرض السورية من كل عوامل الإرهاب والبدء بالعمل لتنمية وتطوير سوريا لتأخذ موقعها الطبيعي الجيوسياسي الهام، لذلك عملية الاندماج يجب ألا تعيقها بعض الخطوات التنفيذية، وإنما يجب النظر إليها كأساس عمل وبناء وحماية”.

ويشدد نجار في تصريحات لـ”963+”، على أن “مصير الطرفين هو أن يكونا وحدة واحدة لمصلحتهما معاً وليس من باب الترف، فطالما أن هذا الاندماج يعطيهما الحصانة ويتم وفق آليات صحيحة فلا خوف من ذلك، وسيشكل ذلك رأس حربة ضد تنظيم داعش نتيجة التناغم بين الجانبين، اللذين خبرا قتال التنظيم بعدة مستويات، وعندما يتم توزيع القطاعات وإجراء دراسة مسبقة لخطوات داعش يمكن القضاء عليه وعلى الخلايا النائمة التابعة له”.

توحيد القوى ضد الإرهارب

وبشأن أهمية انضمام سوريا للتحالف لتوحيد القرار السوري، يعتبر مدير مؤسسة “كرد بلا حدود” كادار بيري، أنه “من المهم جداً أن تكون الخطوة الأولى للسورين هي توحيد قواهم في محاربة الإرهاب، لما تمتلكه قوات سوريا الديموقراطية من مقومات في هذا الشأن، بحيث يكون هناك تعاون استخباراتي من الحكومة السورية الانتقالية للوصول بأن تكون سوريا خالية من الإرهاب، وتكون هذه بداية ثقة بين الطرفين”، لكنه يشير خلال تصريحات لـ”963+”، إلى أن “الحكومة يبدو أنها غير قادرة على محاربة الإرهاب بالشكل المطلوب لوجود ما يمكن تسميته بالآفات داخلها، حيث توجد مجموعات وقيادات مصنفة إرهابية، لذلك فإن المدخل يكون بتعاون دمشق استخباراتياً مع قسد، لتسهيل عملية بناء الثقة بالمستقبل بين الأطراف السورية وصولاً إلى بناء جيش سوري جديد لكل السوريين”.

والأسبوع الماضي، أطلقت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) عملية عسكرية ضد “داعش” في سوريا أطلقت عليها اسم “عين الصقر”، استهدفت أكثر من 70 موقعاً للتنظيم في محافظات دير الزور والرقة وحمص، واستخدمت فيها طائرات مقاتلة ومروحية ومدفعية، للاستهداف الدقيق لمواقع البنية التحتية ومخازن الأسلحة التابعة للتنظيم.

تفاهمات وتوضيح شكل العلاقة

ويوضح الباحث في مركز “جسور” للدراسات وائل علوان، أنه “يمكن أن تعزز الحرب ضد الإرهاب من وصول الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) إلى بعض التفاهمات، أو على الأقل عملية تطبيع أكثر في شكل العلاقة، لكن لا يعتقد أن تكون مكافحة الإرهاب وحدها كافية لوحدها للوصول إلى مسار وحدة القرار السوري، وإلى اندماج حقيقي بين الطرفين”، معتبراً خلال تصريحات لـ”963+”، أنه “في حال التعاون بين الجانبين بمحاربة الإرهاب، فسيتعزز العمل المشترك وآليات التواصل المهمة والتي لن تكون إلا بإشراف ورعاية أميركية كاملة، أي أن واشنطن ستكون ضابطة الإيقاع في العلاقة التعاونية”.

ويشير، إلى أن “عملية الاندماج الكامل لقوات سوريا الديموقراطية بالدولة السورية تتطلب أكثر من التعاون في ملف من الملفات، رغم أن هذا الملف أساسياً وهاماً ومعقداً”، مؤكداً أن “تأثير وانعكاس ملف محاربة الإرهاب هو كبير على الملفات، حيث أنه من الممكن أن يقوي فرص تفاهمات أكبر ضمن اتفاق آذار/ مارس 2025، لكن يبقى الدور الأميركي أساسي في ذلك على اعتبار أن قسد هي حليف تقليدي بمكافحة الإرهاب في سوريا”.

وبشأن مدى فعالية انضمام سوريا للتحالف الدولي في جهود محاربة “داعش”، يرى نجار أن “وجود الجيش السوري ضمن التحالف يعطي ميزة كبيرة وقوة لاعتبارات عديدة، حيث أن التنظيم كان يختبئ في عدة أماكن، لكن الآن أصبح محارباً من الجميع، ولدى الجيش السوري المبرر القوي لملاحقته بكل مكان وبالتالي سيتم حصره في منطقة محددة وتوجيه الضربات له بكثافة”، لافتاً إلى أن “قوة التحالف ستكون منصبة على المعلومات الاستخباراتية والإمداد وعمليات الإنزال بالمناطق الصعبة نتيجة الخبرة الميدانية لديهم، وهذا حتماً سيؤدي إلى تسهيل عملية التوافق والتوأمة بين الجيش وقسد”.

انعكاس إيجابي

ويوضح بيري، أن “الحكومة السورية الانتقالية كانت واضحة منذ البداية بأنها لا تستطيع محاربة الإرهاب على الأرض بل ستتعاون استخباراتياً، وهذا التعاون سيكون له بالتأكيد انعكاس إيجابي على الملفات الأخرى كتطبيق اتفاق العاشر من مارس بكل بنوده وليس البند المتعلق باندماج قسد بالجيش، بل أيضاً شكل الدولة وغيرها، لكي نصل إلى الدولة المنشودة التي تمثلنا جميعاً كسوريين”.

وكانت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) قد قالت في بيان على موقعها الرسمي الأسبوع الماضي، إن القوات الأميركية والقوات السورية الشريكة، نفذت نحو 80 عملية منذ تموز/ يوليو الماضي، للقضاء على عناصر إرهابية بينها خلايا لـ”داعش”، أسفرت عن إلقاء القبض على 119 عنصراً ومقتل 14 آخرين خلال الأشهر الستة الماضية، ما أحبط جهود التنظيم لإعادة ترتيب صفوفه وشن هجمات على مستوى العالم، وذكر قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، أن “هذه العمليات في سوريا بالغة الأهمية لمنع داعش من إعادة تنظيم نفسه وتشكيل تهديد كبير، وهو نوع من المكاسب الأمنية الملموسة التي يمكن تحقيقها على الأرض من خلال التعاون الوثيق مع القوات السورية”، مشدداً على أن “القوات الأميركية ستواصل العمل مع شركائها السوريين لملاحقة شبكات داعش”.

ومن جانبها، أعلنت قوات سوريا الديموقراطية الأسبوع الماضي، أنها نفّذت عملية أمنية أسفرت عن تفكيك خلية تابعة لتنظيم “داعش” في قرية الحصان بريف دير الزور شرقي البلاد، وأوضحت في بيان نشر على منصة “فايسبوك”، أن العملية التي نفذت في ريف دير الزور الغربي جاءت استناداً إلى معلومات استخباراتية دقيقة ومتابعة مستمرة، معربة عن تقديرها للقوات الأميركية وقوات التحالف الدولي، على الضربات الجوية والصاروخية الدقيقة التي استهدفت أوكار تنظيم داعش في عملية “عين الصقر” شرقي سوريا.

———————————

من الكنيسة إلى الجامع: سرايا أنصار السنة واستراتيجية الصدمة الطائفية

29 ديسمبر 2025

تفجير مار الياس

مشهد من التفجير الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس بدمشق، 22 حزيران/يونيو (مواقع التواصل)

أغيد حجازي

أغيد حجازيكاتب وصحافي

لم تكن العمليتان اللتان تبنّتهما “سرايا أنصار السنة” مجرد هجومين دمويين عابرين في سجل العنف السوري الممتد، بل شكّلتا لحظتين فاصلتين في مسار تنظيم غامض يتعمد الظهور عبر الصدمة، ويختار أهدافه بعناية فائقة. تفجير انتحاري داخل كنيسة في ريف دمشق، ثم تفجير عبوة ناسفة داخل مسجد في ريف حمص، كلاهما في توقيت ديني حساس، وكلاهما أعادا فتح ملف تنظيم لا يملك جغرافيا واضحة ولا بنية معلنة، لكنه يملك قدرة عالية على توظيف الرمزية الدينية لإنتاج أثر سياسي وأمني يتجاوز حجم الفعل نفسه.

اللافت في هاتين العمليتين ليس فقط استهداف دور عبادة لمكوّنات دينية مختلفة، بل الرسالة الكامنة خلف هذا الاختيار: تحويل أماكن يفترض أن تكون محايدة ومحمية اجتماعيًا إلى ساحات صراع، وضرب الشعور بالأمان الجماعي في عمقه. فبين كنيسة تُستهدف أثناء القداس، ومسجد يُفجّر أثناء صلاة الجمعة، يفرض التنظيم نفسه لاعبًا يسعى إلى إعادة تعريف خطوط التماس بين مكونات المجتمع السوري، مستثمرًا في هشاشة اللحظة الانتقالية، وفي تراكمات الخوف والانقسام.

من هنا، لا يمكن قراءة عودة “سرايا أنصار السنة” إلى الواجهة بوصفها مجرد نشاط أمني محدود، بل كجزء من نمط جديد من العنف منخفض الكلفة مرتفع التأثير، يطرح أسئلة مفتوحة حول طبيعة التنظيم، وحدود علاقته بتنظيم “داعش”، وأسباب تجاهل السلطات الرسمية لوجوده، والأهم: المخاطر التي يحملها هذا النوع من التنظيمات على ما تبقى من نسيج اجتماعي هش في سوريا.

عمليتان بدلالات رمزية: الكنيسة والجامع في مرمى الاستهداف

التفجير الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس في منطقة الدويلعة بريف دمشق بتاريخ 22 حزيران/يونيو أسفر عن ارتقاء 22 شخصًا. أما العملية الثانية فكانت تفجيرًا داخل مسجد علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب بريف حمص في 26 كانون الأول/ديسمبر، وأدى إلى ارتقاء 8 أشخاص.

من حيث الرمزية، تحمل العمليتان دلالات لافتة؛ فالأولى استهدفت كنيسة، والثانية مسجدًا، ما يعني أن دور العبادة لمكوّنات مختلفة، مسيحية وعلوية، باتت ضمن بنك الأهداف. ويأتي ذلك في سياق سبق أن أعلنت فيه السرايا تبنيها تفجيرات طالت مقامات دينية علوية في الساحل السوري.

كما أن طبيعة العمليتين لا تتطلب بنية عسكرية منظمة، إذ يكفي انتحاري واحد لتنفيذ تفجير داخل كنيسة، وشخص واحد لزرع عبوة ناسفة داخل مسجد، ما يجعل الكلفة البشرية واللوجستية منخفضة مقابل أثر أمني وسياسي كبير.

توقيت محسوب وتبنٍ إعلامي مثير للجدل

نُفذت العمليتان في توقيت بالغ الدقة؛ إذ وقع تفجير الكنيسة يوم الأحد أثناء القداس، وهو يوم الصلاة الرئيسي لدى المسيحيين، فيما وقع تفجير المسجد يوم الجمعة أثناء الصلاة، أي في ذروة التجمع الديني. وقد ساهم هذا التوقيت في رفع عدد الضحايا وتعظيم الأثر النفسي للعملتين.

جاء تبنّي عملية الكنيسة بشكل مفاجئ ودون أي إنذار مسبق، وفي وقت لم يكن التنظيم قد برز إعلاميًا بعد، وكانت تلك أول عملية انتحارية يتبناها. في المقابل، سبقت عملية تفجير المسجد إشارات غير مباشرة، إذ نشرت السرايا على قناتها في “تلغرام” بتاريخ 16 من الشهر نفسه عبارة “خلال الأيام القادمة ستكون هناك مفاجآت من العيار الثقيل”. وبعد التفجير مباشرة، عند الساعة 12:29، أعادت نشر العبارة ذاتها مرفقة بوسم “سرايا أنصار السنة”، قبل أن تصدر بيانًا رسميًا بعد ساعات أعلنت فيه أن العملية نُفذت “بالتعاون مع جماعات أخرى”، من دون الإفصاح عن هوية الجهة المتعاونة معها.

ورغم التبني العلني، لم توجه الأجهزة الأمنية في الحالتين اتهامًا مباشرًا للسرايا. ففي تفجير الكنيسة، أنكرت وزارة الداخلية وجود تنظيم يحمل هذا الاسم واعتبرته وهميًا، وجرى توجيه الاتهام إلى تنظيم “داعش”. أما في تفجير المسجد، فلم تُعلن الحكومة السورية حتى الآن اتهام أي جهة، ما يعكس سياسة تجاهل رسمي للتنظيم بدل الاعتراف بوجوده والتعامل معه.

فالاعتراف العلني بوجود تنظيم جديد يعني منحه مكانة فاعل أمني مستقل، وهو ما قد يحقق له أحد أهم أهدافه. وفي هذا السياق، قد يكون التجاهل محاولة لحرمانه من الزخم الإعلامي ومنع تحوّله إلى اسم راسخ في الوعي العام، خصوصًا في مرحلة ظهوره الأولى.

كما أن الإقرار بوجود تنظيم جديد ظهر فجأة ونفّذ عمليات نوعية يعني ضمنيًا الاعتراف بمفاجأة الأجهزة الأمنية، ويدل على فشلها في اكتشافه أو التعامل معه مسبقًا، إذ إن تنفيذ عمليتين في قلب تجمعات دينية حساسة يعكس وجود فجوة أمنية خطيرة.

تشابه أيديولوجي مع داعش وتنظيم بلا جغرافيا

لا تختلف “سرايا أنصار السنة” عن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” سوى في الاسم، إذ يتشابه الطرفان في الشعارات والأفكار والتكفير الطائفي. حتى البنية التنظيمية وألقاب القيادات متقاربة، حيث يعرّف التنظيم عن قائده العام باسم أبو عائشة الشامي، والشرعي العام أبو الفتح الشامي، والمسؤول الشرعي أبو سفيان الدمشقي. كما يتطابق تصميم البيانات من حيث الألوان والشكل، وظهر في آخر بيانات السرايا لأول مرة اسم “مؤسسة دابق الإخبارية”، في مقابل “وكالة أعماق الإخبارية” التابعة لداعش، ما يعكس التشابه المطلق بينهما.

وفي أحد بياناتها الأخيرة، قالت السرايا حول علاقتها بداعش: “بخصوص ما يُثار حول علاقتنا بالدولة الإسلامية، فنحن جماعة مستقلة إداريًا، لكننا نلتقي معهم في العقيدة والمنهج. ولو كانت هناك بيعة لإعلانها جهرًا، ولن يزيدنا ذلك إلا فخرًا”.

الظهور الرسمي الأول للتنظيم كان في 1 شباط/ فبراير 2025، مع تبنيه عملية أرزة في ريف حماة التي أودت بحياة 15 شخصًا من الطائفة العلوية. كما أعلن مسؤوليته عن عمليات قتل وحرق خلال أحداث آذار في الساحل، وتموز في السويداء، إضافة إلى تفجير مقامات دينية علوية وحرق غابات في الساحل السوري، وهذا يتناسب مع أهدافه المعلنة بحسب بيان السرايا التأسيسي: “.. هجماتنا ستكون هجمات ذئاب منفردة وليس لدينا مكان تمركز ولا مقرات، ونحن قوة لامركزية وبفضل الله نحن قادرون على المهاجمة بكل زمان ومكان، سنقتل ونشرّد ونهجّر، قادمون بالسكاكين.”

لا تتوفر معلومات دقيقة عن عدد أفراد التنظيم أو أماكن انتشارهم. وبحسب ما قاله الشرعي العام أبو الفتح الشامي في أحد الحوارات الصحفية، فإن المنتسبين ينحدرون من خلفيات متعددة، بينهم منشقون عن “هيئة تحرير الشام”، وآخرون من فصائل مختلفة، إضافة إلى مدنيين التحقوا لاحقًا.

ويؤكد الشامي أن التشكيل كان موجودًا قبل سقوط النظام، لكنه خرج إلى العلن لأن “الخفاء أصبح عائقًا”، معتبرًا أن أولوية المرحلة هي استهداف ما يسميه “طوائف الردة”.

تشكّل عمليات “سرايا أنصار السنة” نموذجًا للتنظيمات التي تستثمر في الضربات عالية الأثر ومنخفضة الكلفة، مستهدفة البنية الاجتماعية والدينية الحساسة في سوريا. مثل هذه التفجيرات لا تقتصر تداعياتها على الخسائر البشرية، بل تسهم في تعميق الشرخ بين المكونات السورية، وتعزيز شعور التهديد الوجودي لدى الأقليات، في لحظة تسعى فيها أطراف متعددة إلى إعادة رسم خريطة البلاد سياسيًا وجغرافيًا. وفي ظل غياب معالجة أمنية وسياسية واضحة، يبقى خطر هذا النمط من التنظيمات مرشحًا للتصاعد.

الترا سوريا

———————————

داعش” المراد له أن يكون غولاً/ رشا عمران

“داعش” بعد الأسد: تنظيم بلا “خلافة” لكنه حاضر في كل الجغرافيا

2025-12-29

بعد سقوط “الخلافة” الداعشية في عام 2019 بقي التنظيم متواجداً ضمن خلايا صغيرة لا مركزية تنتقل من مكان إلى آخر بشكل علني أحيانا وسري أحياناً أخرى. مع سقوط نظام الأسد ازدادت عمليات التنظيم تواتراً وازداد تنقله من مكان لآخر، وإن كان مستقره الأشهر في البادية بمدينة تدمر تحديداً مستفيداً من تضاريس الصحراء الواسعة ليتمكن من التمويه ومن الاختباء والتنقل والقيام بعمليات القتل أو التفجير التي لم تتوقف أيضاً منذ سقوط نظام الأسد، خصوصاً مع إعلان “هيئة تحرير الشام” حل نفسها بعد استلامها الحكومة، وإعلان تحالفها مع الولايات المتحدة الأميركية لمحاربة الإرهاب المتمثل بـ”داعش”.

لكن التنظيم لا يكتفي بالبادية فقط، هو ينتقل بعملياته “الإرهابية” من دير الزور إلى حلب وريفها إلى إدلب والرقة وحتى حمص ودرعا وريف دمشق، في كل هذه المناطق ثمة خلايا نائمة لـ”داعش” تنتقل متخفية وتقوم بعمليات مباغتة تستهدف عناصر الأمن السوري الجديد والمدنيين، بينما تبدو كل محاولات القضاء على هذا التنظيم نهائياً فاشلة، فلا قسد التي تحمل لواء محاربة “داعش” منذ زمن طويل ولا الولايات المتحدة وقوات التحالف ولا الحكومة الجديدة استطاعت أن تحد من عملياته، نسمع أخباراً عن اعتقالات هنا وهناك أو عن إنزال أميركي لاعتقال أو استهداف شخصية تنتمي للتنظيم دون أن نعرف من هي تلك الشخصية ولا من هم المعتقلون أو المقتولون في عمليات محاربة التنظيم التي يقال إنها تجري على قدم وساق.

وقبل أسابيع وأثناء عقد لقاء أمني عسكري في مدينة تدمر يضم ضباطاً أميركيين قام أحد عناصر الأمن المكلفين بالحماية بتنفيذ هجوم وقتل ضابطين أميركيين والمترجم المرافق للوفد (لم يتم الحديث عن الضحايا السوريين) وهو ما قامت أميركا بالرد عليه في عمليات عسكرية قد تستمر لمدة قد تفوق الشهر كما صرح مصدر رسمي أميركي. هل هذه الحادثة تعني أن هناك اختراق للتنظيم في صفوف عناصر الحكومة الجديدة؟ في الحقيقة إن إيديولوجية التنظيم لا تختلف سوى بتفاصيل بسيطة عن إيديولوجية معظم الفصائل الجهادية التي انضمت إلى وزارة الدفاع مؤخراً: خلفت الحرب الطويلة في سوريا افتراقاً كبيراً في مفاهيم عديدة كالوطنية والعدالة والإيمان بالله، ظروف الحرب واللجوء والعيش في المخيمات أو في محيط لا يوجد فيه أي مختلف وأجيال لم تتح لها الفرصة أصلا لترى شيئا مختلفا عما يحيط بحياتها، كما أن المظلوميات المتراكمة لدى السوريين خلفت حقداً مستداماً كان يتغذى طائفياً ومذهبياً طيلة مدة الحرب سواء من قبل النظام السابق أو من قبل الفصائل المسلحة رغم أن من قاموا بعمليات القتل والتصفية والإجرام كانوا من كل المكونات السورية دون استثناء.

لو افترضنا أن المجتمع الدولي لم يفرض على الحكومة التشاركية الفعلية في السلطة والدولة، أي بناء جيش وجهاز أمن من كافة السوريين هذا أيضاً يعني تغيير عقيدة الجيش الحالية وتبديلها من عقيدة دينية إلي عقيدة وطنية، وهو ما يلزمه خطاب رسمي وإعلامي جديد ومختلف يترافق مع تجريم الطائفية وخطابها الشعبي ووقف التحريض الطائفي ويعني أيضاً وضع خطط تعليمية جديدة تتعامل مع التاريخ السوري بوصفه تاريخ شكلته كل المكونات السورية. كما أنه يعني إعادة تعريف الثقافة وتفعيل دورها في المجتمع وفي بناء الدولة بوصفها الحجر الرئيس في عملية البناء، نحكي هنا عن الإنتاج الثقافي المستقل والرسمي علي كل المستويات هذه بكل الأحوال خطوات طويلة الأمد للنجاة بالأجيال السورية من حالة التطرف وعقيدة تكفير المختلف.

لكن سوريا بحاجة اليوم لحلول إسعافية تمنع تمدد داعش وتفكيره في المجتمع وفي مفاصل الدولة وعقيدتها، وتوقف عمليات القتل العشوائية هذا يحتاج إلي تنسيق دولي وإقليمي لإلزام الحكومة الجديدة بسحب السلاح من المدنيين وتوحيد خطابها نحو جميع السوريين. ويتطلب تعزيز الأمن المعلوماتي القادر على رصد وتعقب الخلايا وكشف أماكن تواجدها ومعرفة ارتباطات أفرادها ضمن المجتمع، عمليات مثل هذه قد تكون أكثر نفعاً من العمليات العسكرية غير المدروسة. يتطلب أيضاً تفعيل قنوات الحوار بين قوات سوريا الديموقراطية والحكومة المؤقتة بقصد تبادل المعلومات حول التنظيم وأشباهه كون قسد معنية بهذا الأمر منذ وقت طويل، واشتراك قسد والحكومة السورية مع قوات التحالف والعراق والأردن ولبنان ليس فقط لضرب داعش بل أيضاً لمنع تدفق المقاتلين والجهاديين عبر الحدود. كما أنه يتطلب إيجاد حل مستدام لملف عائلات التنظيم المعتقلين في سجون قسد ووضع نظام قضائي فعال وعادل يفرض الرقابة القانونية على الجميع.

أما الخطوة الأكثر أهمية في ملف محاربة “داعش” فتكمن في ترسيخ الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ذلك أن داعش يستثمر في الفوضى وفي الفراغ السياسي والأمني وفي الانهيار الاقتصادي المسبب لمزيد من الفقر الذي يشكل البؤر المناسبة تماماً للفكر المتطرف بكافة أشكاله.

باختصار فإن القضاء على “داعش” لا يكون فقط بعمليات عسكرية تزيد في المظلومية التي يعرف التنظيم كيف يستغلها بجدارة، بل الأهم يكون في إرادة الحكومة المؤقتة بالتغيير الحقيقي والانتقال السلمي الديموقراطي لبناء دولة المواطنة عبر الحوار الحقيقي مع كل مكونات الشعب وعبر نبذ العصبوية المذهبية والاصطفاف الطائفي ومنطق الغلبة الدينية التي تنسف الهوية الوطنية والانتماء الوطني، داعش ليست غولاً كما يراد لها أن تبدو، هي في النهاية تنظيم مصنع في قبو ما يسهل التخلص منه حينما تتوافر الإرادة الدولية.

*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+

+963

—————————–

عودة “داعش”/ عبسي سميسم

28 ديسمبر 2025

بالتوازي مع العمليات المتتالية التي قامت بها القوى الأمنية في الحكومة السورية بالتعاون مع التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، ضد تنظيم داعش خلال الأيام القليلة الماضية، والتي أسفرت عن اعتقال كل من والي دمشق ووالي حوران في التنظيم، بالإضافة إلى القبض على خلايا للتنظيم في حلب، شهدت مناطق سيطرة الحكومة السورية نشاطاً ملحوظاً لـ”داعش” تجلّى بعمليات استهداف لعناصر من الجيش والأمن والجمارك السورية، بالإضافة إلى معلومات عن ظهور لعناصر التنظيم على بعض الطرقات في ريف محافظة إدلب الشرقي ونصب حواجز طيارة لمدة قصيرة للبحث عن منتسبين للجيش والأمن السوريين. كل ذلك يؤشر إلى استعادة التنظيم قدرته على التحرك ضمن الجغرافيا السورية، في الفترة التي تلت سقوط نظام بشار الأسد، وبشكل خاص في الفترة التي أعقبت انضمام سورية للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.

ولعل أبرز الأسباب التي ساعدت “داعش” على العودة بقوة إلى الساحة السورية، هي المرتبطة بالوضع الذي نشأ بعد سقوط نظام الأسد، وفي مقدمتها حل الأجهزة الأمنية، بما فيها أجهزة الأمن الداخلي وإنشاء منظومة أمن جديدة كلياً، لا تمتلك الكوادر البشرية ولا الخبرة الكافية للتعاطي مع الوضع الأمني المعقّد في البلاد. هذا الأمر ساعد التنظيم على التغلغل ضمن الجغرافيا السورية بشكل كبير وإعادة تشكيل خلايا في مناطق كان يصعب عليه اختراقها، فالمنظومة الأمنية السابقة رغم أنها كانت تقوم على القمع والاستبداد إلا أنها كانت قادرة على الضبط الأمني الذي يمنع اختراقات كبيرة للتنظيم. كما أن السرعة وعدم التدقيق بأفواج المنتسبين الجدد للمنظومة الأمنية الجديدة، ربما سمحا لـ”داعش” باختراق المنظومة الأمنية ذاتها. يضاف إلى ذلك انتشار السلاح العشوائي خارج إطار الدولة، وتراخي الدولة في سحب هذا السلاح لأسباب متعددة، ما مكّن التنظيم من امتلاك الأسلحة اللازمة للقيام بعمليات تستهدف الدولة ونقلها. ويبقى السبب الأهم في تنامي قدرة “داعش” هو ضعف الإمكانات والخبرة الاستخباراتية لدى الحكومة السورية، والتي غالباً ما تستعين بخبرة التحالف الدولي أو أجهزة استخبارات صديقة تقدم معلومات للدولة السورية وفق مصالحها.

هذه الأسباب وغيرها المرتبطة ببعض التنظيمات التي كانت حليفة لـ”هيئة تحرير الشام”، ولم يتناسب التغيير الحاصل في سورية مع أيديولوجيتها، تنذر بتنامي عمليات “داعش” وغيره من المجموعات الإرهابية ما لم تُعالج أسباب نموه، وما لم توجد آليات فعالة للقضاء عليه

العربي الجديد

———————————

معنى “داعش” بوصفه خطاباً/ محمد أبو رمان

28 ديسمبر 2025

ما تكشفه حادثة تفجير مسجد في حمص يوم الجمعة الماضي، في منطقة ذات غالبية علوية، وتبنّيها عبر ما تُسمّى “سرايا أنصار السُّنة” التي يُرجَّح أنها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أو امتداد له، وما تُشير إليه عملية تدمر قبلها (قُتل فيها أميركيون وجُرحوا، وبالرغم من أن “داعش” لم يتبنَّها صراحة، إلا أن بصمته الأيديولوجية حاضرة فيها)، لا يتوقف عند حدود العمليات نفسها، ولا عند عدد القتلى أو هُويَّة المُنفِّذين، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق بكثير: لماذا يبدو التنظيم قادراً دائماً على التسلل إلى لحظات الانتقال، والتقاط الفجوات، وتحويل الأزمات المُركَّبة إلى وقود تعبوي؟

المشكلة الأساسية في فهم “داعش” أنه ما زال يُختزَل في التنظيم نفسه، في عناصره وخلاياه وعملياته، بينما الحقيقة أنه لم يعد مجرّد بنية عسكرية يمكن تفكيكها، بل بات، قبل كلّ شيء، خطاباً. خطابٌ يتغذّى من الارتباك السياسي، ومن الشعور بالخذلان وغياب الدولة المكتملة، ومن صراع السيادات المفتوح. كلّما اتّسعت هذه الفجوات، وجد التنظيم فيها مساحةَ حياةٍ جديدة، حتى وهو مطارد ومحدود القدرة.

ولعلّ أحد الأسباب الرئيسة اليوم في تعزيز البيئة المُحفِّزة لتنظيم داعش، الدور الإسرائيلي، وخصوصاً في ظلّ حكومة بنيامين نتنياهو؛ إذ لم يعد مجرّد عامل خارجي يمكن وضعه بين قوسين. فالضربات المتكرّرة داخل الجغرافيا السورية، والتعامل مع سورية ساحةً مفتوحةً للرسائل الإقليمية، يترك أثراً سياسياً ونفسياً عميقاً في الداخل السوري؛ ليس لأن الشارع السوري يمنح “داعش” شرعيةً، بل لأن صورة الدولة القادرة على فرض سيادتها تتآكل، ولو تدريجياً. ولا يحتاج هذا التآكل “داعش” أكثر من الإشارة إليه، فالتنظيم لا يبني شرعيته على إنجازاته، بل على إخفاقات الآخرين.

في المقابل، تبدو المقاربة الأميركية لمكافحة الإرهاب أسيرة منطق تقني – أمني ضيّق: تركيز على الضربات، وعلى تفكيك الخلايا، وعلى إدارة الخطر، لا على إنهائه. هذه المقاربة قد تُضعف “داعش” عسكرياً، لكنّها لا تلامس الأسباب التي تجعله قابلاً للعودة. فالولايات المتحدة لا تتعامل مع “داعش” بوصفه نتيجة سياق سياسي واجتماعي معطوب، بل بوصفه ظاهرةً أمنيةً يمكن احتواؤها. وهنا المشكلة الكبرى.

الأصعب أن النظام السوري الجديد في وضع شديد الحساسية؛ فهو، من جهة، مضطرٌّ إلى الانخراط في الجهود الأميركية لمكافحة الإرهاب، ليس قناعة بالضرورة، بل لأن هذا المسار يشكّل بوابة الشرعية الدولية ومخرجاً من العقوبات التي تخنق الاقتصاد وتُضعف الدولة من الداخل. ومن جهة أخرى، يضعه هذا الانخراط في ظلّ استمرار الدور الإسرائيلي، مباشرة في مرمى خطاب “داعش”، الذي لا يحتاج سوى هذه الصورة ليُعيد تشغيل مفرداته التقليدية عن “التحالف مع الكفّار” و”الخيانة” و”الردّة”.

يجيد “داعش” هذا النوع من الاستثمار. وهو لا يخاطب المجتمع كلّه، بل فئة محدّدة، وغالباً مهمّشة أو مرتبكة أو غاضبة: شريحة من الشباب السوري التي لم تستطع التكيّف مع التحوّلات الكبيرة التي شهدتها البلاد بعد سقوط نظام الأسد، ولا مع تحوّلات “هيئة تحرير الشام”، واتجهت نحو خطاب أكثر براغماتية وأقلَّ راديكالية. هذا التحوّل، مهما كانت دوافعه السياسية، ترك فراغاً نفسياً وفكرياً لدى من اعتادوا خطاباً صدامياً واضح الحدود.

هنا يصبح الخطر الحقيقي أبعد من مجرّد عملية أو خلية. الخطر هو قدرة التنظيم على إعادة إنتاج نفسه بوصفه “معنى”، بوصفه خطاباً، وبوصفه حالةَ احتجاج عنيفة ضدّ واقع مرتبك. فما تحتاجه سورية اليوم ليس مكافحة الإرهاب فقط، بل استعادة فكرة الدولة نفسها: دولة تمتلك جيشاً وطنياً موحّداً، قادراً على فرض نفوذها في كامل الإقليم، لا دولةً تتقاسمها مناطق نفوذ ورعاة خارجيون. تقوية الجيش الوطني السوري وتوحيد السلاح تحت مظلّته ليسا مسألةً تقنيةً، بل مسألة سياسية وجودية. حين يشعر المواطن أن الدولة هي المرجعية الوحيدة، يتراجع خطاب التنظيمات تلقائياً.

في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل البعد السياسي والاجتماعي. فالشباب الذين يجدون أنفسهم خارج المعادلة، بلا أفق اقتصادي ولا معنى سياسي، سيبقون الفريسة الأسهل لأيّ خطاب متطرّف. فتح المجال العام، وإعادة الاعتبار لفكرة المواطنة، وخلق مسارات واقعية للاندماج والمشاركة، ليست ترفاً، بل جزء من الأمن الوطني.

العربي الجديد

———————————

 “سرايا أهل السنة” كمحاولة لتكريس الانقسام الطائفي في سوريا

الجمعة 2025/12/26

تبنت  عملية تفجير مسجد علي بن أبي طالب، في وادي الذهب بمحافظة حمص، جهة  تُسمي نفسها “لواء أنصار السنة”، في رغبة واضحة لتحميل التفجير حمولة الطائفية. السرايا نفسها كانت قد تبنت تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق في حزيران/يونيو الماضي.

وبالرغم من قلة المعلومات التي يقدمها هذا التنظيم عن نفسه، فلا ينبغي التعامل مع البيان الذي أصدره، كخبر ثانوي أو تفصيل إعلامي مكمّل للحدث، بل بوصفه طبقة تفسيرية أساسية تكشف طبيعة الرسالة التي أراد التنظيم بثّها، وتوضح كيف تتحول التفجيرات من عمليات قتل إلى عمليات فيها معنىً طائفي، ومعنىً سياسي، ومعنىً مرتبط بإدارة الخوف في لحظة انتقالية.

و”لواء أنصار السنة” كتسمية، ليست تسمية بريئة، طالما الاسم نفسه مُحمّل تاريخياً في الذاكرة الجهادية السلفية، بوظائف محددة، منها الإيحاء بالدفاع عن أهل السنة بوصفهم جماعة مهددة، واستدعاء قاموس “الانتقام من العلويين و الشيعة” و”محاربة البدع والرافضة”، ومن ثم توفير غطاء شرعي مسبق لأي عنف يستهدف جماعات بعينها تحت عنوان التطهير العقَدي أو الرد على العدوان.

أداة تعبئة

حتى لو افترضنا أن التنظيم حديث التشكيل أو محدود القدرات أو بلا حضور ميداني واسع أو ليس له أرشيف بين التنظيمات الجهادية الكلاسيكية في سوريا أو لبنان، فإن اختيار الاسم يبقى أداة تعبئة بحد ذاته، لأنه يختصر الهدف في ثنائية جاهزة ومقولبة مفادها “نحن ممثلو السنة” مقابل “العلويين والشيعة هدف مشروع”، وبذلك يُسقط التعقيد السياسي والاجتماعي السوري لصالح سردية دينية تبسيطية تُسهِّل القتل وتسهِّل التحريض في آن واحد.

تكتسب هذه النقطة أهمية مضاعفة في مرحلة إعادة ظهور تنظيم “داعش”، حيث تعاني التنظيمات الجهادية من أزمة هوية وسردية معاً؛ لا سيما وانها فقدت جزءاً كبيراً من الحاضنة، وتراجعت قدرتها على احتكار السلاح والوجود والمعنى في الشارع السنّي بعد تجربة الخراب التي أنتجتها “داعش”، لا سيما في مدن تدمر وحمص ودير الزور والرقة ذات الأغلبية السنية، وتواجه تشديداً أمنياً إقليمياً يجعل العمل التنظيمي التقليدي أصعب وأكثر كلفة.

إعادة تسويق الجهاد

لذلك تصبح العودة إلى الاستهداف الطائفي المباشر محاولة لإعادة تسويق الجهاد الطائفي كمنتج جاهز سهل الفهم، وسريع الانتشار، ويستطيع أن يخلق ضجيجاً إعلامياً يفوق حجم القوة الحقيقية على الأرض. هنا تحديداً ينبغي قراءة التبني بوصفه استراتيجية إعادة شحن سردية الحماية والانتقام، واستقطاب عناصر متطرفة عبر وعد الهوية، وإثبات الوجود إعلامياً كفاعل قادر على خلط الأوراق في المدن المختلطة أو الحساسة.

غير أن الأخطر يتجاوز الحسابات الجهادية الضيقة، لأن هذا النوع من العمليات يضرب لبّ السياسة الانتقالية في سوريا؛ على اعتبار أنه ينسف أي خطاب وطني جامع عبر إجبار المجتمع على العودة إلى تعريف نفسه كطوائف قلقة لا كمواطنين، ويضع الدولة الجديدة أمام فخ كلاسيكي هو فخ الأمن مقابل الحماية الحقوق، أي دفعها إما إلى رد فعل أمني قاسٍ قد يُقرأ بوصفه انتقائياً أو موجّهاً، أو إلى تردد يُفسَّر كعجز وفشل في الحماية.

وفي الحالتين، يتم تقويض شرعية الدولة الناشئة وتقليص قدرتها على بناء احتكار مشروع للقوة والعنف والسلاح، لأن التفجير لا يقتل الضحايا فحسب، بل يزرع سؤالاً وجودياً في رأس الجماعات المستهدَفة قائماً على فكرة الحماية، وعندما يصبح الجواب الاجتماعي هو أننا سنحمي أنفسنا بأنفسنا، ستكون سوريا  أمام إعادة إنتاج منطق الميليشيا بوصفه ضمانة، أي أمام استعادة الشروط التي تجعل الحرب ممكنة مجدداً.

دلالات “السرايا”

ومن هنا، لا تُختزل دلالة “لواء أنصار السنة” في كونها جهة تبنّت عملية، بل في كونها آلية لإعادة إدخال الطائفية إلى قلب المجال العام عبر قناع ديني، وبما يفتح الباب أيضاً لتدويل الملف الطائفي من جديد؛ إذ أنه حين تستهدف دور العبادة وتُعرَّف الضحايا بطوائفهم، تتحول القضية بسرعة إلى ملف حماية الاقليات وخطر التطرف وتهديد الاستقرار؛ وهي مفردات تُستدعى خارجياً بسهولة لتبرير التدخل السياسي أو الأمني أو حتى تشكيل شبكات نفوذ جديدة تحت مظلة الحماية. وعلى هذا الأساس، يصبح تبنّي العملية جزءاً من هندسة الأزمة الطائفية في البلاد، لا مجرد إعلان مسؤولية يختبر المجتمع، ويختبر الدولة، ويختبر الحدود الفاصلة بين الأمن والعدالة، ويعيد إنتاج شروط الانقسام بوصفه بيئة مثالية لكل من يريد تخريب المسار السوري بعد بشار الأسد؛ سواء كان فاعلاً جهادياً حقيقياً، أو جهة وظيفية تستعير قناع السلفية الجهادية لتفجير الداخل بأقل تكلفة وبأعلى أثر.

المدن

————————–

 “سرايا أنصار السنة”.. فصيل جهادي متشدد.. حاربته تحرير الشام/ إدلب – أحمد العقلة

السبت 2025/12/27

تبنى فصيل يسمي نفسه “سرايا أنصار السنة”، الهجوم الذي استهدف مسجداً في حي وادي الذهب في مدينة حمص، والذي راح ضحيته 8 قتلى وأكثر من 20 مصاباً.

وقالت الجماعة، في بيان منسوب لها، إن الهجوم نُفّذ باستخدام عدد من العبوات الناسفة، بالتعاون مع جماعة أخرى لم تُسمِّها، مؤكدة أن هجماتها ستبقى مستمرة.

وكانت “سرايا أنصار السنة” قد تبنّت، في حزيران/يونيو الماضي، الهجوم على كنيسة مار إلياس في منطقة الدويلعة بدمشق، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 25 شخصاً وإصابة العشرات.

“سرية أبو بكر”

وقال مصدر أمني لـِ “المدن”، إن اسم “سرايا أنصار السنة” برز على الساحة السورية أواخر شهر كانون الأول/ ديسمبر 2024، وذلك عقب ظهورها الأول تحت مسمى “سرية أبو بكر الصديق”، قبل أن تقوم الجماعة لاحقاً بتغيير اسمها إلى مسماها الحالي “أنصار السنة”.

وأضاف المصدر أن الجماعة تُعد من التشكيلات الجهادية المسلحة ذات المرجعية السلفية الجهادية المتشددة، إذ تتبنى خطاباً طائفياً حاداً ومعادياً لعدة مكونات دينية.

وأشار إلى أن الجماعة أُسست على يد شخص يُعرف باسم “أبو صهيب الأنصاري”، وهو قائد سابق في تنظيم “داعش”، إلى جانب انضمام عناصر وشخصيات سبق لها العمل ضمن فصائل جهادية مختلفة، الأمر الذي يعكس امتداداً فكرياً وتنظيمياً لتيارات متشددة سابقة، وإن بأسماء جديدة.

وتابع أن “سرية أبو بكر الصديق” تشكّلت عام 2017 في ريف إدلب، ونفّذت عدة عمليات تفجير استهدفت أرتالاً تركية متمركزة في قواعد عسكرية بريف إدلب، كما هاجمت دوريات روسية-تركية على طريق أريحا في الريف ذاته.

وأوضح أن “هيئة تحرير الشام” قامت حينها باعتقال عدد من أفراد المجموعة عقب استهداف رتل تركي في ريف إدلب، فيما بقي عدد آخر من أفرادها، ليقوموا لاحقاً بتشكيل هذا الفصيل.

ويُشار إلى أن التحقيقات الأولية تفيد بأن الانفجار الذي وقع في مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب بمدينة حمص، نجم عن عبوات ناسفة زُرعت داخل المسجد.

المدن

——————————

ما بعد تفجير حمص: كيف نُحصّن سوريا ضد الفتنة/ علي قاسم

الخوف الطائفي هو ما يريده منفذو التفجير وهو ما يجب أن نرفضه جميعًا. الرد يجب أن يكون سوريًا جامعًا: لا انتقام، لا عزلة، لا شيطنة، بل تضامن وتكاتف وتجاوز.

تجاوز مثل هذه الحوادث لا يكون بالإنكار

الجمعة 2025/12/26

في لحظة صلاة، وفي حيّ وادي الذهب بمدينة حمص، انفجرت عبوة ناسفة داخل مسجد الإمام علي بن أبي طالب، لتعيد إلى الواجهة مشهدًا مألوفًا ومؤلمًا في الذاكرة السورية: مشهد الدم الممزوج بالخوف، والعبادة الممزوجة بالريبة، والحيّ الذي كان يومًا ما رمزًا للتعايش، يتحول إلى ساحة لتصفية الرسائل الطائفية. لم يكن التفجير مجرد عمل إرهابي معزول، بل كان فعلًا رمزيًا يستهدف ما تبقى من نسيج اجتماعي هش، ويستغل إرثًا طائفيًا زرعه النظام السوري في عهد الأسد الأب والأسد الابن على مدى عقود، ليبقى حاضرًا في كل لحظة ضعف، وكل فراغ سياسي، وكل ارتباك أمني.

إن ما جرى في حمص لا يمكن فصله عن السياق السوري العام، ولا عن التاريخ الذي جعل من الطائفية أداة حكم، ومن الخوف وسيلة للسيطرة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، حين رسّخ حافظ الأسد نظامًا يقوم على تحالفات أمنية وطائفية، كان واضحًا أن الهوية الوطنية ستُستبدل تدريجيًا بهويات فرعية، وأن الولاء للدولة سيتحول إلى ولاء للطائفة، أو للزعيم، أو للمؤسسة الأمنية. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، انفجرت هذه التراكمات دفعة واحدة، وتحولت المدن المختلطة مثل حمص إلى ساحات حرب أهلية مصغّرة، حيث الجار يخشى جاره، والمصلّي يخشى المسجد، والمواطن يخشى الدولة.

اليوم، وبعد أن تغيّرت ملامح السلطة، وسقطت كثير من الأقنعة، لا تزال سوريا تعاني من آثار تلك المرحلة، ومن محاولات إعادة إنتاجها بوسائل جديدة. التفجير الأخير في حمص ليس مجرد رسالة دموية، بل هو محاولة لإعادة تفعيل الخوف الطائفي، ولتذكير الأقليات بأنهم مستهدفون، ولتغذية سردية تقول إن الأمن لا يتحقق إلا بالتحصّن داخل الهوية الطائفية، لا بالانفتاح على الهوية الوطنية. وهنا، تقع المسؤولية الكبرى على النخب السورية، وعلى صناع القرار، وعلى كل من يملك منبرًا أو سلطة أو تأثيرًا، لأن الصمت في مثل هذه اللحظات ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في ترسيخ الانقسام.

إن تجاوز مثل هذه الحوادث لا يكون بالإنكار، ولا بالاكتفاء بالإدانة، بل يتطلب فعلًا سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا متكاملًا. أولًا، يجب أن يكون هناك خطاب رسمي واضح يرفض التوظيف الطائفي للحادث، ويُدين الجريمة بلغة وطنية لا مذهبية، ويُظهر أن الدولة تحمي جميع مواطنيها دون تمييز. هذا الخطاب يجب أن يصدر من أعلى المستويات، وأن يُترجم إلى سياسات فعلية، لا إلى بيانات عابرة. ثانيًا، يجب أن تُجرى تحقيقات شفافة في الحادث، وأن تُعلن نتائجها للرأي العام، وأن يُحاسب أي تقصير أمني أو إداري، لأن غياب المحاسبة هو ما يغذي الشك، ويُضعف الثقة، ويُشجع على التكرار.

لكن الأمن وحده لا يكفي. يجب أن تكون هناك مبادرات مصالحة مجتمعية حقيقية، تبدأ من حمص وتمتد إلى باقي المدن المختلطة. لقاءات بين وجهاء الأحياء، مشاريع شبابية وفنية تعيد بناء الثقة، برامج تعليمية تُعيد تعريف المواطنة، وتُعلّم الأجيال أن الانتماء للطائفة لا يتناقض مع الانتماء للوطن، بل يجب أن يكون جزءًا منه. يجب أن يشعر المواطن السوري، أيًا كانت طائفته، أن الدولة تحميه لأنه مواطن، لا لأنه ينتمي إلى جماعة معينة. وهذا يتطلب إعادة بناء العقد الاجتماعي من جديد، على أساس المساواة والعدالة والكرامة.

إن النخب السورية، من مفكرين وصحفيين ورجال دين وناشطين، عليهم دور محوري في هذه المرحلة. عليهم أن يرفضوا الانجرار وراء الخطاب الطائفي، وأن يُعيدوا صياغة سردية وطنية جديدة، تُعيد الاعتبار للإنسان السوري، وتُعيد تعريف الهوية السورية على أساس المواطنة لا المذهب. عليهم أن يُذكّروا الناس بأن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم، وأن الألم السوري واحد، وأن الدم الذي يُسفك في مسجد الإمام علي هو نفسه الذي سُفك في كنيسة السيدة، وفي جامع خالد بن الوليد، وفي كل مكان عبادة تحوّل إلى ساحة حرب.

إن الخوف الطائفي هو ما يريده منفذو التفجير، وهو ما يجب أن نرفضه جميعًا. الرد يجب أن يكون سوريًا جامعًا: لا انتقام، لا عزلة، لا شيطنة، بل تضامن وتكاتف وتجاوز. يجب أن نُحصّن المجتمع السوري من الداخل، عبر بناء مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وإعلام مسؤول، وتعليم يُعلّم التفكير النقدي لا التبعية. يجب أن نُعيد الاعتبار للمدن المختلطة، وأن نُعيد الحياة إلى أحيائها، وأن نُعيد الثقة بين سكانها، لأن سوريا لا يمكن أن تُبنى من جديد إذا بقيت مقسّمة بين طوائف ومذاهب وهويات متصارعة.

إن ما جرى في حمص يجب أن يكون لحظة وعي، لا لحظة خوف. يجب أن يكون بداية لسردية جديدة، لا استمرارًا لسردية قديمة. يجب أن يكون مناسبة لإعادة تعريف سوريا، لا لإعادة إنتاج ماضيها. وعلى الحكومة السورية الجديدة أن تُدرك أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة، بل بالعدالة. وأن الاستقرار لا يأتي من السيطرة، بل من الثقة. وأن بناء الدولة لا يكون عبر تحصين الطوائف، بل عبر تحصين المواطن. وأن المصالحة لا تكون بين الطوائف، بل بين الإنسان والدولة.

في النهاية، لا يمكن لسوريا أن تنهض إذا بقيت أسيرة الخوف. ولا يمكن لها أن تتجاوز مآسيها إذا لم تُواجه جذورها. والتفجير في حمص، رغم ألمه، يمكن أن يكون بداية جديدة، إذا أحسنا الإصغاء لصوت الإنسان قبل صوت الطائفة، وإذا اخترنا أن نكون مواطنين لا أدوات، وأن نكون شركاء لا خصوم، وأن نكون أبناء وطن واحد، لا أبناء مذاهب متناحرة. هذه هي مسؤولية النخب، وهذه هي مسؤولية الدولة، وهذه هي مسؤوليتنا جميعًا. لأن سوريا تستحق أن تُبنى من جديد، على أساس الحياة، لا على أنقاض الخوف.

كاتب سوري مقيم في تونس

العرب

————————

 تفجير “وادي الذهب” في حمص.. اختبار أمني أم تحرك تكتيكي محدود؟/ عمر حاج حسين

2025.12.27

أعاد تفجير مسجد “الإمام علي بن أبي طالب” في مدينة حمص، والذي أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص وإصابة 20 آخرين، تسليط الضوء على التحديات الأمنية التي تواجه المدن السورية الكبرى، ومخاطر استغلال التنظيمات المتطرفة والفلول للفراغات الأمنية، وخاصة أن مدينة حمص تقع في موقع استراتيجي يربط الشمال بالجنوب ومفتوح على البادية، كما أن قربها من الساحل يجعل أي اهتزاز أمني فيها ذو أصداء واسعة على المستويين الداخلي والخارجي، ما يضاعف حساسية التعامل مع أي تهديد محتمل.

وتتميّز المدينة بتركيبة اجتماعية معقدة، تجمع بين أهالي مهجّرين وذوي شهداء وعناصر سابقين للنظام المخلوع عادوا إلى الحياة المدنية بعد الاستفادة من العفو الحكومي، ما يجعلها بيئة مغرية لإحداث اضطراب داخلي.

“رسالة لـ جسّ النبض”

يقول العميد في وزارة الدفاع السورية، عمار الواوي، لموقع تلفزيون سوريا، إن تفجير حمص يأتي في إطار محاولات قديمة متجددة لنقل الفوضى إلى المدن الكبرى، معتبرا أن ما يميّز العملية هو توقيتها لا مكانها، وأنها أقرب إلى (جس نبض أمني)، ومحاولة للتشويش على الاستقرار الداخلي أكثر من كونها بداية مسار تصعيد واسع.

وأوضح الواوي أن اختيار مسجد في توقيت صلاة الجمعة لا يعكس تحوّلا عقائدياً لدى المنفذين بقدر ما هو “خيار تكتيكي منخفض الكلفة”، مبيناً أن الإجراءات المشددة حول الأهداف الحساسة ذات الرمزية العالية دفعت منفذي الهجوم إلى الاتجاه نحو هدف أقل حماية، مع التعويل على الأثر النفسي والاجتماعي وإضفاء غلاف ديني طائفي على العملية، بينما الهدف الحقيقي هو إحداث صدمة عامة بأقل إمكانيات ممكنة.

وأشار إلى أن العملية لا يمكن فصلها عن باقي الهجمات التي شهدتها البادية والمدن، لأن البصمات المتطابقة غالبا ما تدل على جهة واحدة تدير الفوضى وتقتات عليها، لافتاً إلى أن الأطراف المعادية تحاول خلط الأوراق سياسياً وأمنياً عبر استهداف المدنيين وإرباك الداخل، واختبار قدرة المنظومة الأمنية على الاحتواء السريع والاستجابة.

وبشأن المؤشرات الاستخبارية السابقة للتفجير، قال الواوي إن “مثل هذه العمليات تسبقها عادة تحركات مشبوهة ومتابعات لسيارات غير نظامية أو سلوك طرق فرعية”، لكنه لا يعتقد بوجود إنذار واضح لم يُلتقط، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية تتعامل مع أي إشارة حتى وإن كانت مضللة، وأن ما جرى هو استثمار من المنفذين في لحظة انشغال نسبي وتعدد للملفات الأمنية، أكثر منه نتيجة خلل بنيوي في المتابعة.

وأشار إلى أن ما حدث في حمص يعكس “توحشاً” ويأساً لدى الجهات المنفذة التي تعجز عن استهداف مواقع محصنة، مرجحاً سيناريو محاولات تفجيرية متقطعة لا ترقى إلى حملة منظمة، داعيةً إلى رفع وتيرة العمل الاستخباري الوقائي وتعزيز الرقابة على الخلايا الصغيرة والنائمة لقطع مسار التصعيد مبكرًا.

اختبار أمني للشرطة والأمن الداخلي

وأوضح العميد الواوي أن التفجير يُقرأ بدرجة كبيرة بوصفه عملية استطلاع بالقوة أو “استطلاع بالفعل”، موضحاً أنّ الهدف لم يكن إحداث أكبر قدر من الخسائر، بل تنفيذ فعل محدود يسمح للجهة المنفذة بجمع أكبر قدر ممكن من المعطيات الواقعية.

ولفت إلى أن هذا النوع من العمليات يهدف إلى اكتشاف سرعة الاستجابة الأمنية وانتشار القوى في المكان، وطريقة التعامل الميداني في الدقائق والساعات الأولى، وآليات البحث والتحري وجمع الأدلة، ونمط التحقيق اللاحق، وطبيعة الإجراءات التي تتخذها أجهزة الشرطة والأمن العام، إضافة إلى رصد ردّ فعل الشارع والرأي العام وحدّة الخطاب الاجتماعي والإعلامي.

وأشار إلى أن طبيعة الفعل، من حيث محدودية الهدف وانخفاض كلفته العملياتية، تدل على أنه اختبار واقعي أكثر منه ضربة استراتيجية، لأنه يتيح للمنفذين استخلاص دروس عملية يمكن البناء عليها لاحقاً في اختيار الأهداف وتوقيت التنفيذ وتفادي نقاط القوة الأمنية التي ظهرت خلال الاستجابة.

وذكر أن التفجير يحمل في الوقت نفسه بعدا ضاغطا، لأنه يزرع الشك والقلق في البيئة الاجتماعية، معتبرا أن ما جرى ليس نهاية الفعل بل محاولة لجمع معلومات ميدانية قد تُستثمر في عمليات لاحقة إذا لم تُقطع هذه الدورة مبكرًا عبر استجابة أمنية هادئة وتحقيق محكم وخطاب عام منضبط.

الواوي: التفجير لا يرتبط بقرار استراتيجي كبير

وقال الواوي: “إن التفجير لا يرتبط بقرار استراتيجي كبير ولا يشكل رداً مباشرا، موضحا أن ما جرى عبارة عن رسائل موجّهة في ثلاثة اتجاهات أساسية”.

وبيّن أن تنظيم “داعش” كان قد استهدف عناصر من التحالف الدولي قرب تدمر، وأن التأثير العسكري لذلك الهجوم كان محدوداً، لكنه يُسوّق له كإنجاز داخلي بهدف القول لأنصاره إنهم ما زالوا قادرين على العمل الميداني، مشيرًا إلى أن تفجير حمص يأتي في السياق ذاته.

وأضاف أن الرسائل تشمل الدولة عبر الإيحاء بأن المنفذين يراقبون ويستفيدون من أي حالة انشغال، كما تشمل الشارع عبر التأكيد على أنه لا يوجد استقرار كامل، فضلاً عن رسالة داخلية لأنصار التنظيم مفادها أن التنظيم لم ينته وما زال قادرًا على الضرب.

وأكد أن ما يجري لا يعني فتح جبهة واسعة ولا يعكس قدرة على تصعيد حقيقي، بل هو نشاط يعمل على الهامش وفي اللحظات الرمادية التي يتوزع فيها الجهد الأمني على أكثر من ملف.

اختيار حمص مرتبط بمركزيتها

وأوضح الواوي أن “اختيار حمص ليس صدفة، فهي مدينة مركزية في قلب البلاد، تربط الشمال بالجنوب وتفتح على البادية وقريبة من الساحل، ما يجعلها عقدة جغرافية، وأي اهتزاز أمني فيها ينعكس على أكثر من اتجاه في وقت واحد”.

وأوضح أن “حمص اجتماعيا مدينة متنوعة وغنية، ولديها تاريخ طويل من التعايش، وقد دفعت ثمنا كبيرا خلال الثورة السورية وقدّمت عددا كبيرا من الشهداء، كما عاد إليها في السنوات الأخيرة كثير من الأهالي المهجّرين وذوي الشهداء، في حين عاد بعض عناصر النظام البائد والعسكريين إلى الحياة المدنية بعد الاستفادة من العفو الحكومي”.

وأشار إلى أن هذا الخليط يجعل المدينة، في نظر التنظيم المتطرف، منطقة (رخوة) قابلة للاستثمار، ليس لأن أهلها ضعفاء، بل بسبب تعقيد تركيبتها الاجتماعية، بحيث يمكن لأي شرارة أن تُستغل لمحاولة ضرب البنية الداخلية، مؤكدا أن التنظيم لا يبحث عن مواجهة مباشرة بل عن تفجير احتقان داخلي وفوضى.

وأضاف أن هذه الفوضى تمنحه بيئة مناسبة للحركة، لأنها تضعف الرقابة المجتمعية وتفتح الباب أمام التجنيد تحت عناوين الثأر أو الخوف أو الحماية الذاتية، لافتا في الوقت نفسه إلى أن المنطق الجغرافي يلعب دوراً، فحمص مفتوحة على البادية، ما يمنح التنظيم هامشا لوجستيًا للحركة أو الإمداد أو الاختفاء حتى لو لم يظهر ذلك بوضوح الآن.

“ليست حربا بالوكالة بل تقاطع مصالح”

وبيّن الواوي في حديثه مع موقع تلفزيون سوريا، أن ما يجري على الأرض لا يعكس حربًا بالوكالة بالمعنى التقليدي، موضحاً أن الصورة لا تتعلق بتنظيم يعمل منفردا ولا بشبكة خارجية مكشوفة تقوده بشكل مباشر، بل بأدوات محلية تتحرك ضمن هامش محسوب وتختار أهدافاً حساسة وتضرب بتوقيت يخدم أكثر من طرف دون أن تترك بصمات واضحة.

وبيّن أن هذا النمط أقرب إلى (خادم) منه إلى حرب بالوكالة، إذ لا توجد غرفة عمليات واحدة ولا قيادة موحدة، بل تلاقي مصالح ظرفي بين أطراف متعددة تلتقي على هدف إرباك الداخل وضرب الاستقرار.

وأضاف أن التنظيم المتطرف يمتلك عدة خيارات مفتوحة في هذا السياق، من بينها التخادم مع فلول النظام المخلوع عندما تتقاطع الأهداف، وكذلك التخادم مع تنظيمات انفصالية مسلحة مثل تنظيم الـPKK من دون وجود عقيدة مشتركة، وإنما على أساس تقاطع مؤقت في المصالح.

وأشار إلى إن الحصيلة النهائية تصب في مصلحة تنظيم داعش الذي أتقن خلال السنوات الأخيرة استثمار أي حالة فوضى أو صراع جانبي لإعادة إنتاج نفسه بصورة جديدة، مستفيدًا من هذا النوع من البيئات المضطربة.

تسييس توقيت التفجير

وذكر العميد الواوي أن تزامن تفجير حمص مع المواسم الدينية والاجتماعية ليس تفصيلا عابرا، بل جزء من الحساب السياسي والأمني للعملية، موضحاً أن التنظيمات المتطرفة تختار هذه الفترات لأنها لحظات ذات كثافة رمزية واجتماعية عالية، يكون فيها المجتمع في حالة انفتاح وفرح ومحاولة للتعافي والاندماج بعد سنوات الحرب، في حين تحرص الدولة على إنجاح هذا التلاحم وترسيخ صورة الاستقرار والانضباط.

وأضاف أن الاستهداف في هذا التوقيت يحقق عدة أهداف متداخلة، أبرزها إشغال الواقعين الأمني والعسكري وخلق حالة اضطراب عامة، وتحقيق أثر نفسي وسياسي كبير من دون الحاجة إلى تصعيد عسكري واسع، إلى جانب ضرب صورة الاستقرار القابل للحياة، التي تعمل الدولة على تثبيتها، وإرباك العلاقة بين الأمن والمجتمع عبر إشاعة شعور بعدم اليقين.

وأشار إلى أن الرسالة سياسيا لا تقتصر على القول إن العنف ممكن، بل تتجاوز ذلك إلى الإيحاء بأن الزمن نفسه قابل للاختراق، وأن على الدولة أن تحمي الحياة اليومية بقدر حماية الجغرافيا، بينما يسمح هذا التوقيت عسكريا بفرض إيقاع ردّي على الأجهزة الأمنية بدل تركها تعمل وفق جدولها الاستباقي المعتاد.

وأكّد أن المقصود هو تسييس التوقيت أكثر من عسكرة الحدث، فالمنفذ لا يراهن على حجم العملية بقدر ما يراهن على قدرتها على التشويش على المزاج العام داخليًا وخارجيًا، خصوصًا في فترات يُفترض أنها مخصّصة للتماسك الاجتماعي لا للقلق الأمني.

المرحلة المقبلة ستشهد تصعيداً متقطعاً

ورجّح العميد أن المرحلة المقبلة بعد تفجير حمص لن تتجه نحو تصعيد واسع، بل نحو تصعيد متقطّع ومحسوب، موضحا أن التنظيمات المتطرفة لا تمتلك حاليا القدرة ولا البيئة الملائمة لشن حملة كبيرة داخل المدن، لكنها قادرة على تنفيذ أفعال محدودة تبقي مستوى التوتر قائماً وتمنع ترسيخ الإحساس بالاستقرار.

وأضاف أن سيناريو موجة قصيرة ومنضبطة من العمليات الصغيرة يبقى احتمالاً قائماً لكنه أقل ترجيحاً، ويهدف عادة إلى إيصال رسالة سياسية أو أمنية محددة ثم التراجع السريع لتفادي الاستنزاف أو الرد الأمني الواسع، في حين يبقى سيناريو الحملة العملياتية المنظمة داخل المدن ضعيفًا بسبب غياب الحواضن الاجتماعية وارتفاع كلفة العمل في بيئة حضرية خاضعة لرقابة أمنية ومجتمعية متزايدة.

وأكد أن قطع هذا المسار مبكراً لا يتحقق عبر التصعيد الإعلامي أو الإجراءات الاستعراضية، بل من خلال حزمة متكاملة من الخطوات، في مقدمتها تعزيز الأمن الاستباقي الذكي وتفكيك الخلايا الصغيرة وشبكات الدعم اللوجستي، وعدم الاكتفاء بملاحقة المنفذين بعد التنفيذ، إلى جانب إدارة هادئة ومدروسة للحدث تمنع تضخيمه أو توظيفه طائفيًا أو سياسياً.

وأشار إلى أهمية تحصين المجتمع عبر خطاب رسمي موحّد يحدّ من الشائعات، واستكمال بناء المؤسسات الأمنية والشرطية، وتسريع إعادة دمج العناصر والضباط المنشقين ضمن مؤسسات الدولة لتعزيز الخبرة والانتشار والثقة، إضافة إلى تفعيل قنوات التبليغ الشعبي عن أي تحركات مشبوهة، والتعاون المنظم مع الإعلام للتخفيف من الأثر النفسي للحدث وحرمان التنظيم المتطرف من هدفه الأساس المتمثل في تضخيم الخوف وزعزعة الإحساس بالأمان.

التفجير يخدم مصالح متعددة

بدوره، قال المحلل العسكري أسعد الزعبي لموقع تلفزيون سوريا إن التفجير لا يمكن نسبه منذ البداية إلى جهة محددة، مؤكداً أن العملية تخدم مصالح كل الأطراف التي تسعى إلى زعزعة الاستقرار الداخلي.

وأضاف الزعبي أن الجهات المستفيدة متعددة، بما في ذلك تنظيم داعش، وكذلك أطراف محلية لها تاريخ في استخدام التفجيرات داخل المساجد لتحقيق أهداف سياسية وأمنية، موضحاً أن مثل هذه العمليات لها سابقة واضحة في سوريا وأيضاً في مناطق أخرى مثل أفغانستان، حيث استهدفت جماعات متطرفة مماثلة أماكن دينية بهدف تحقيق أثر نفسي ومجتمعي واسع.

وأشار إلى أن المؤشرات التي سبقت التفجير، من تبادل تحذيرات بين شخصيات محلية وقيادات دينية، تعكس وجود توترات وخلافات داخلية تم استثمارها في تنفيذ العملية، لافتاً إلى أن المستفيد الأكبر من الحادث هم الأطراف التي ترغب في توظيف هذه الخلافات لتبرير تحركات سياسية أو أمنية، أو لإعادة ترتيب تحالفاتها.

ولفت إلى أن اختيار حمص تحديداً ليس صدفة، فهي مدينة مركزية تربط الشمال بالجنوب، وتفتح على البادية، وتشكل نافذة استراتيجية نحو لبنان ومناطق نفوذ حزب الله وإيران، ما يعطي أي عملية وقع فيها بعداً رمزيًا وجغرافيًا واسع الأثر.

وأوضح الزعبي أن التركيبة الاجتماعية المعقدة للمدينة، التي تضم مهجّرين وذوي شهداء وأعضاء سابقين في النظام المخلوع، تجعلها بيئة مناسبة لتفجير الاحتقان الداخلي، بما يتيح للجهات المنفذة تحقيق تأثير مزدوج على الأمن والمجتمع، من دون مواجهة مباشرة، وبأقل كلفة عملياتية ممكنة.

تفجير حي وادي الذهب في حمص

وقضى 8 مواطنين على الأقل وأصيب ما لا يقل عن 18 آخرين إثر انفجار عبوات ناسفة داخل مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب بمدينة حمص، وفق ما أفاد مراسل تلفزيون سوريا.

ونقلت الوكالة عن مدير مديرية الإحالة والإسعاف والطوارئ في وزارة الصحة السورية نجيب النعسان، أن الانفجار الذي وقع في أثناء صلاة الجمعة، أسفر عن “ارتقاء 8 أشخاص وإصابة 18 آخرين” في حصيلة غير نهائية، مشيراً إلى أن الجرحى جرى نقلهم إلى مستشفى كرم اللوز بحمص لتلقي العلاج.

وأفاد مصدر أمني لـ “سانا”، بأن التحقيقات الأولية تفيد بأن الانفجار في مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب بحمص ناجم عن عبوات ناسفة زُرعت داخل المسجد.

وتبنّت ما تُعرف بـ”سرايا أنصار السنة”، هجوم حي وادي الذهب في مدينة حمص والذي راح ضحيته نحو 8 قتلى وأكثر من 20 إصابة.

وقالت الجماعة عبر بيانٍ منسوبٍ لها إن الهجوم نُفّذ باستخدام عدد من العبوات الناسفة بالتعاون مع جماعة أخرى لم تسمّها، مؤكدةً أن هجماتها ستبقى مستمرة.

وكانت “سرايا أنصار السنة” قد تبنت في حزيران الماضي الهجوم على كنيسة مار إلياس في الدويلعة بدمشق والذي أسفر عن مقتل أكثر من 25 شخصاً وإصابة العشرات.

عرقلة مسار الدولة الجديدة

سبق أن قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى تعليقاً على تفجير حي وادي الذهي في حمص، “بات واضحاً للجميع تلاقي الفلول والدواعش والعملاء على هدف واحد، هو عرقلة مسار الدولة الجديدة عبر زعزعة الاستقرار وضرب السلم الأهلي وتقويض العيش والمصير المشترك للسوريين على مرّ العصور”.

وأضاف في منشور على منصة إكس، “إنّ السوريين اليوم مدعوون أكثر من أي وقتٍ مضى لمواجهة الأفكار الهدّامة والتكفيرية ورفض التبعية للمشاريع الخارجية والالتقاء على دولة المواطنة التي تتّسع للجميع”.

ودان مستشار الرئيس السوري للشؤون الإعلامية، أحمد موفق زيدان، أمس، الهجوم الذي استهدف المصلين اليوم الجمعة في مسجد “علي بن أبي طالب” بحمص، واصفاً إياه بـ”العمل الجبان والخسيس”.

وأكد زيدان عبر حسابه في (إكس)، أن هذا العمل “لن يُثني من عزيمة الدولة السورية في ملاحقة المرتكبين والمخططين”.

وأضاف زيدان: “تحالف المتضررين من الاستقرار، عليه أن يفهم أن عهد الفوضى والاستثمار فيه قد ولّى”، كما وجّه المستشار “العزاء لذوي القتلى، والشفاء العاجل للجرحى”.

تلفزيون سوريا

—————————-

ثغرات الانتقال الأمني في سوريا تعيد فتح المجال أمام تنظيم داعش

انتقال أمني ناقص في سوريا يمنح داعش فرصة للتمدد والتموضع

سيطرة أمنية هشة

الأحد 2025/12/28

دمشق- في أعقاب انهيار نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، دخلت سوريا مرحلة انتقالية بالغة التعقيد، كان يفترض أن تشكّل بوابة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها الأمنية على أسس جديدة. غير أنّ الواقع الميداني سرعان ما كشف أن هذا الانتقال الأمني جرى على نحو متعجل، مثقلاً بإرث سنوات من التفكك، ومفتوحاً على ثغرات بنيوية عميقة، أعادت بشكل غير مباشر فتح المجال أمام تنظيم داعش ليستعيد حضوره كحركة تمرد قادرة على الاختراق والضرب في اللحظة المناسبة.

ولم تكن المهمة التي واجهتها السلطات السورية الجديدة سهلة. فالدولة التي ورثتها لم تكن دولة مؤسسات بالمعنى التقليدي، بل مساحة جغرافية تتقاسمها قوى مسلحة متعددة الولاءات، من فصائل محلية وقوات كردية ومجالس عسكرية مناطقية، وصولاً إلى بقايا شبكات النظام السابق.

وفي هذا السياق، اتجهت القيادة الانتقالية إلى خيار بدا براغماتياً للوهلة الأولى: الإسراع في تشكيل قوات أمن داخلية قادرة على بسط الحد الأدنى من السيطرة، ولو على حساب معايير التدقيق الصارمة والتدرج المؤسسي.

وحمل هذا الخيار، الذي أعطى الأولوية للانتشار السريع وملء الفراغ، في داخله بذور الخلل. فاستيعاب آلاف المقاتلين السابقين في وحدات أمنية جديدة، من دون عمليات تدقيق أمني معمقة أو إعادة تأهيل فكرية ومهنية كافية، خلق بيئة رخوة قابلة للاختراق.

وتقول الباحثة جو أدتونجي في تقرير نشرته مجلة ذو كونفريسشن إن تنظيم الدولة الإسلامية وجد في ذلك فرصته. فالتنظيم الذي فقد منذ عام 2019 قدرته على السيطرة المكانية وإدارة “دولة” بالمعنى المباشر، كان قد أعاد صياغة استراتيجيته ليصبح تنظيماً تمردياً مرناً، يبحث عن الشقوق داخل الهياكل الأمنية الهشة لا عن المدن والعواصم.

وشكّل الهجوم الذي استهدف القوات الأميركية قرب تدمر مثالاً كاشفاً على هذا التحول. فالمنفذ لم يكن مقاتلاً متسللاً من الصحراء فحسب، بل فرداً نجح في الاندساس داخل جهاز أمني ناشئ، مستفيداً من ضعف آليات الفرز والمراقبة.

ولم يكن هذا الحدث مجرد اختراق أمني عابر، بل مؤشر على خلل أعمق في طبيعة الانتقال نفسه: انتقال يسعى إلى إنتاج الأمن بسرعة، من دون أن يملك بعد القدرة المؤسسية على حمايته من التآكل الداخلي.

وتتعاظم خطورة هذه الثغرات في ظل المشهد الأمني السوري المجزأ. فبعد عام على سقوط النظام، لا تزال البلاد تدار وفق منطق “الأمن المتعدد”، حيث تحتفظ قوى مختلفة بهوامش واسعة من الاستقلال العسكري والأمني.

ويضعف هذا الواقع سلاسل القيادة، ويعقّد المحاسبة، ويجعل التنسيق بين الأجهزة أمراً بالغ الصعوبة. وفي مثل هذه البيئات، تزدهر التنظيمات المتطرفة، لأنها تجيد الحركة في المناطق الرمادية، حيث لا سلطة كاملة ولا فراغ مطلق.

ويدرك تنظيم الدولة الإسلامية هذه المعادلة جيداً. لذلك لم يعد هدفه استعادة السيطرة على مدن كبرى أو إعلان “خلافة” جديدة، بل تقويض شرعية الدولة الانتقالية عبر ضربات نوعية مدروسة. فكل هجوم ناجح، وكل عملية اختراق، تضعف ثقة السكان المحليين بقدرة الدولة على حمايتهم، وتثير شكوك الشركاء الدوليين في أهلية المؤسسات الأمنية الجديدة. ومن هنا، يصبح الإرهاب أداة سياسية بامتياز، لا مجرد عنف أعمى.

وتلعب الجغرافيا تلعب دوراً حاسماً في هذه المعادلة. فالمناطق الصحراوية الواسعة في وسط سوريا، الممتدة حول تدمر، لا تزال تمثل فضاءً مثالياً لحركة التنظيم.

المعركة الحقيقية تدور اليوم حول سدّ ثغرات الانتقال الأمني، وبناء جهاز قادر على الصمود أمام الاختراق، لا مجرد الانتشار.

وتحولت هذه المناطق، التي عجزت الدولة السورية تاريخياً عن ضبطها الكامل، اليوم إلى مسرح مفتوح لعمليات الكر والفر، مستفيدة من ضعف البنية اللوجستية للقوات الحكومية وصعوبة فرض رقابة دائمة على مساحات شاسعة قليلة السكان. ومع استمرار هشاشة التنسيق بين القوى المختلفة، تصبح هذه المناطق خزانات تهديد كامنة.

وفي المقابل، تجد الحكومة الانتقالية نفسها عالقة بين ضغوط متناقضة. فمن جهة، يطالب الشركاء الدوليون، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، بجهاز أمني محترف وموثوق، قادر على منع الاختراق وحماية العمليات المشتركة.

ومن جهة أخرى، يفرض الواقع الداخلي قيوداً صارمة؛ إذ إن أي حملة تطهير واسعة أو إعادة هيكلة جذرية قد تهدد التوازن الهش بين الفصائل المسلحة التي يعتمد عليها الاستقرار النسبي في بعض المناطق.

ويوّلد هذا التناقض شللاً جزئياً في القرار، وهو بالضبط ما يسعى تنظيم الدولة الإسلامية إلى استغلاله.

وإضافة إلى ذلك، فإن الحوادث الأمنية الكبرى تمنح خصوم الحكومة الانتقالية، سواء من بقايا النظام السابق أو من القوى المناطقية المنافسة، ذخيرة سياسية للتشكيك في قدرتها على إدارة الملف الأمني.

وقد يدفع ذلك إلى تصاعد الدعوات نحو نماذج حكم لامركزية أو ترتيبات أمنية ذاتية، ما يعني عملياً مزيداً من التفكك، ومزيداً من الفرص أمام التنظيمات المتطرفة لتوسيع هامش حركتها.

وفي هذا السياق، لا يمكن فهم عودة نشاط تنظيم الدولة الإسلامية بمعزل عن فشل الانتقال الأمني في التحول من منطق الطوارئ إلى منطق بناء المؤسسات. فالأمن لا يُختزل في عدد العناصر المنتشرين أو سرعة الاستجابة، بل في جودة النظام الذي يحكم عملهم، وفي وضوح العقيدة الأمنية التي توجههم، وفي وجود آليات رقابة ومساءلة تقلل من فرص الاختراق والانحراف. و ما دامت هذه العناصر غائبة أو ناقصة، سيظل التنظيم قادراً على التسلل والتأثير.

ولا يكمن الخطر الحقيقي فقط في العمليات التي ينفذها تنظيم الدولة الإسلامية، بل في الأثر التراكمي لهذه العمليات على مسار الانتقال برمته. فكل هجوم ناجح يعمّق الإحساس بعدم الأمان، ويؤخر الاستثمار وإعادة الإعمار، ويقوض الثقة الدولية في قدرة سوريا الجديدة على أن تكون شريكاً مستقراً. وهنا يتحول الإرهاب من تهديد أمني إلى معوق سياسي واقتصادي طويل الأمد.

وتكشف تجربة العام الأول بعد سقوط النظام أن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية عسكرياً لم تكن سوى خطوة أولى. المعركة الحقيقية تدور اليوم حول سدّ ثغرات الانتقال الأمني، وبناء جهاز قادر على الصمود أمام الاختراق، لا مجرد الانتشار.

وما لم تنتقل السلطات السورية من إدارة الأزمة إلى إصلاح جذري ومتدرج للقطاع الأمني، سيبقى التنظيم قادراً على إعادة إنتاج نفسه بأشكال مختلفة، مستفيداً من كل فجوة، وكل تردد، وكل حل مؤقت. وفي بلد خرج لتوه من حرب مدمرة، قد تكون هذه الثغرات أخطر من العدو نفسه.

—————————-

 سرايا أنصار السنة: القناع الوظيفي لتأمين “الجسر البري” الإيراني في سوريا الجديدة/ ضياء قدور

2025.12.28

دخلت سورية منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 مرحلة “السيولة الأمنية” الفائقة، حيث تحاول القوى المتضررة من التغيير، وعلى رأسها طهران وشبكات “الفلول” الأمنية، إعادة هندسة المشهد عبر أدوات وظيفية تتشح بعباءة “السلفية الجهادية”. ومن خلال التتبع الدقيق لنشاط ما يُعرف بـ “سرايا أنصار السنة”، نجد أنفسنا أمام كيان “مُخلّق” استخباراتياً، يسعى بوضوح لجعل سورية “دولة غير قابلة للحكم”، وفق ما أشار إليه الخبراء في تقاريرهم الأخيرة.

السقوط الإعلامي المريب

النقطة الأكثر إثارة للريبة، والتي تمثل خرقاً فاضحاً لكل “البروتوكولات” الجهادية المتعارف عليها، هي قناة التواصل الإعلامي التي اختارها التنظيم للتعريف بنفسه. ففي 21 مايو 2025، نشرت صحيفة “النهار” اللبنانية مقابلة مطولة مع “أبو الفتح الشامي”، المسؤول الشرعي في السرايا. إن المعهود في الحركات الجهادية الحقيقية (مثل القاعدة وداعش) هو الازدراء التام للصحافة “العلمانية” أو “التابعة للأنظمة”، والاكتفاء بالمنصات المشفرة مثل “تيليجرام” أو وكالاتها الخاصة.

إلا أن خروج “أبو الفتح الشامي” للحديث إلى صحيفة لبنانية عريقة يحمل دلالات استخباراتية لا تخطئها بصيرة الخبير. فمن خلال هذه المقابلة، سعى التنظيم لبث الرعب في الداخل اللبناني عبر التهديد بالتمدد نحو طرابلس ومحاربة “الأقليات”. هذا الخطاب يصب حرفياً في مصلحة السردية الإيرانية التي يحتاجها حزب الله لتبرير بقاء سلاحه ونفوذه كضرورة لمواجهة “الخطر التكفيري” القادم من سوريا. إن هذا الانكشاف الإعلامي، وفق تحليل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، يثير تساؤلات جدية حول ما إذا كان التنظيم مجرد “عملية إعلامية” أو واجهة لخدمة أجندات قوى إقليمية.

جغرافيا “الجسر البري” وخيوط طهران في البوكمال

لا يمكن فهم استراتيجية السرايا من دون النظر إلى خارطة انتشارها التي تتركز بذكاء في “المناطق الوسطى” (حمص وحماة) والساحل. هذه المناطق تمثل العصب الحيوي لـ “الجسر البري” الإيراني الذي يربط طهران ببيروت عبر البوكمال، وهو الممر الاستراتيجي لتهريب الأسلحة والأموال إلى حزب الله.

في ديسمبر 2025، أعلنت وزارة الداخلية السورية عن ضبط شحنة صواريخ مضادة للطائرات من طراز SAM-7 (MANPADS) في منزل بمدينة البوكمال، كانت معدة للتهريب خارج البلاد. إن وجود هذه الأسلحة في مناطق ينشط فيها “أنصار السنة” يعزز فرضية أن التنظيم يعمل كـ “ستار أمني” أو “فوضى منظمة” تغطي على تحركات الميليشيات المرتبطة بإيران وفلول النظام. ووفقاً لتقارير معهد دراسات الحرب (ISW)، فإن نشاط هذه المجموعات يساهم في خلق “فراغ أمني” تستغله طهران لإعادة بناء شبكاتها الاستراتيجية بعد خسارتها للنظام المركزي في دمشق.

لغة “الفلول” وركاكة القناع

من الناحية المهنية واللسانية، تلفت نظري البيانات التي يصدرها التنظيم، والتي تتسم بـ “ركاكة لغوية” واستخدام مفرط للغة العامية السورية، وهو ما وثقه الباحث عبد الرحمن الحاج في تحليلاته المنشورة عبر موقع “عنب بلدي”. التنظيمات الجهادية الحقيقية تُقدس اللغة العربية الفصحى وتستند إلى خطاب شرعي متماسك، في حين يبدو خطاب السرايا وكأنه كُتب في أروقة الفروع الأمنية السابقة التي تحاول تقمص دور الجهاديين ولكنها تفشل في إخفاء لهجتها وهويتها الحقيقية.

ويرى الدكتور عبد الرحمن الحاج أن “سرايا أنصار السنة” هي “تنظيم وهمي” يديره فلول النظام السابق، ويهدف توقيت بياناته (مثل التزامن مع زيارات الرئيس السوري أحمد الشرع الخارجية) إلى إرسال رسائل للمجتمع الدولي، وخاصة روسيا، بأن “الأقليات” مستهدفة تحت الحكم الجديد، وهو ما يخدم دعاية الفلول وإيران.

استراتيجية “الشيطنة” وضرب النسيج الاجتماعي

اعتمد التنظيم “كتيب تعليمات” يركز على استهداف الأقليات لزعزعة استقرار الحكومة السورية، وهو ما أكده المحلل “روب غيست بينفولد” في تحليله لشبكة الجزيرة، مشيراً إلى أن هدف التنظيم هو جعل سورية غير مستقرة. عمليات مثل تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق (يونيو 2025) الذي أدى لمقتل 25 شخصاً، وتفجير مسجد الإمام علي في حمص (ديسمبر 2025) الذي استهدف المصلين العلويين، هي عمليات مصممة بدقة لشيطنة الحكومة السورية دولياً وإظهارها كعاجزة عن حماية التنوع السوري.

معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، في تحليله لمجزرة كنيسة مار إلياس، أشار إلى أن السلطات في دمشق وواشنطن تملك ما يكفي من المعلومات لتعزيز التعاون الأمني ضد هذه الخلايا التي قد تكون “جماعة واجهة” لداعش أو منشقين عن هيئة تحرير الشام عادوا للتطرف لخدمة مصالح مشبوهة. إن التناقض في تبني العمليات، حيث تنسبها الداخلية لداعش في حين تتبناها السرايا، يشير إلى رغبة التنظيم في “الصعود الإعلامي” وتوفير غطاء لأطراف أخرى.

الخلاصة: المواجهة الأمنية الشاملة

بناء على ما سبق لا تبدو “سرايا أنصار السنة” تنظيما متطرفا نشأ من رحم المعاناة، بل هي “ظاهرة أمنية مُخلقة” تتقاطع فيها مصالح طهران التي تريد تأمين ممراتها اللوجستية، مع مصالح فلول النظام الذين يهدفون لإطالة أمد الفوضى. وتواصل قادة التنظيم مع الصحافة اللبنانية، وتزامن عملياتهم مع ضبط شحنات الأسلحة الإيرانية في البوكمال، وركاكة خطابهم التي توحي بإدارة استخباراتية، كلها أدلة دامغة تؤكد هذا الارتباط.

كمختص أمني، أرى أن مواجهة هذا التهديد تتطلب:

    تفكيك شبكات الفلول: ملاحقة الضباط السابقين الذين يوفرون المعلومات والغطاء لهذه الخلايا.

    تأمين الحدود: السيطرة الكاملة على ممر البوكمال-حمص لقطع “خط الأكسجين” اللوجستي لإيران.

    المواجهة المعلوماتية: استباق عمليات “العلم الزائف” عبر كشف الارتباطات المشبوهة للتنظيم بالاستناد إلى الأدلة الميدانية واللسانية التي وثقتها مراكز الأبحاث المختلفة.

إن سوريا في عام 2025 تقف أمام اختبار حقيقي لسيادتها، وفهم المحركات الحقيقية لـ “سرايا أنصار السنة” هو الخطوة الأولى لضمان استقرار البلاد وحماية نسيجها الاجتماعي من هندسة الفوضى العابرة للحدود.

—————————-

الخبير عدنان الكناني : هناك قواعد جديدة للتعامل مع داعش في سوريا

الخبير عدنان الكناني: داعش يلفظ أنفاسه الأخيرة والبادية آخر معاقله في سوريا

عمار زيدان     

2025-12-28

برز تنظيم “داعش” كأحد أخطر الظواهر التي أثرت بشكل مباشر على الواقع السياسي والاجتماعي والأمني في سوريا، وجاء هذا الظهور قبل سنوات نتيجة تداخل معقد لعوامل داخلية وخارجية بينها ما عاشته البلاد من صراع مسلح والتدخلات الإقليمية والدولية يضاف إلى ذلك استغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية.

وفي مرحلة معينة شكلت سوريا بيئة خصبة لتمدد “داعش” خاصة مع اتساع رقعة النزاع وغياب الاستقرار حيث استطاع التنظيم فرض سيطرته على مناطق واسعة، وطرح نفسه كقوة بديلة مستخدماً خطاباً دينياً متطرفاً يقوم على الإقصاء والعنف. وقد ترك هذا الوجود آثارًا عميقة على المجتمع السوري، شملت تفكك النسيج الاجتماعي، ونزوح الملايين، وتدمير البنية التحتية.

وبعد الإعلان عن القضاء على الوجود الجغرافي لتنظيم داعش في سوريا عام 2019، ساد اعتقاد بأن هذا التنظيم قد انتهى كخطر فعلي، إلا أن الواقع أثبت أن هزيمته العسكرية لم تعني اختفاءه الكامل. فداعش كغيره من التنظيمات الإرهابية المتطرفة، يعتمد على بنية مرنة قادرة على التكيّف مع المتغيرات، والانتقال من السيطرة الميدانية إلى العمل السري، مستفيداً من الثغرات الأمنية والأزمات السياسية والاجتماعية.

ويعيش تنظيم “داعش” في الوقت الراهن مرحلة مختلفة عن تلك التي أعلن فيها “دولته”، حيث بات يعتمد على خلايا متناثرة ونشاط محدود يهدف إلى إثبات الوجود وعدم الاستقرار. ويستغل “داعش” حالة الفوضى في بعض المناطق وضعف التنسيق الأمني إضافة إلى أوضاع المخيمات والسجون التي تضم آلاف المقاتلين السابقين وعائلاتهم، باعتبارها بيئة قابلة لإعادة إنتاج الفكر المتطرف وسط مخاوف من عمليات الاختراق التي ينفذها التنظيم وهو ما حدث في هجوم تدمر قبل أيام وأسفر عن مقتل جنود سوريين وأميركيين.

وفي حوار خاص لـ “963+” مع الخبير الأمني والعميد المتقاعد عدنان الكناني تحدث فيه عن طبيعة الحرب ضد داعش في سوريا واستمرار نشاط التنظيم المتطرف في البادية والدور الجديد للتحالف الدولي في القضاء على الإرهاب بالمنطقة إلى جانب العديد من الأسئلة.

وفي ما يلي الحوار كاملاً:

هل تغيرت طبيعة الحرب ضد داعش في سوريا؟

في الماضي كان التنظيم المتطرف مدعوم من عدة دول ويتحرك بأريحية ولديه المعرفة التامة بقواعد اللعبة داخل سوريا والبيئة الآمنة والتمويل لكن الآن أصبح ضعيفاً بعد الحرب ضده من قبل التحالف الدولي الذي بات لديه خبرة كبيرة بالتعامل مع هذا التنظيم المتطرف وفي الوقت الحالي أصبح هناك قوات دولية داعمة للقوات الأمنية السورية لذلك بات تنظيم داعش الإرهابي يقاتل في جبهات مختلفة وأسلوب قتاله وطرق تمويله وتنقلاته أصبحت مكشوفة تماماً من قبل الاستخبارات الغربية والتحالف الدولي والولايات المتحدة الأميركية التي باتت تعرف تماماً كيف يتحرك هذا التنظيم لذلك يمكن القول إن التنظيم فقد القواعد الأساسية له في سوريا وأصبح بلا غطاء وهو محارب داخلياً ودولياً لذلك طبيعة الحرب ضد هذا التنظيم المتطرف أصبحت الآن شرسة وربما هي علامات تنذر بنهايته في الداخل السوري.

هل الولايات المتحدة الأميركية والتحالف الدولي يتجهان نحو القضاء على التنظيم بشكل نهائي في المنطقة؟

نعم من خلال التحركات والضربات الأخيرة والعمليات العسكرية التي قامت بها القوات الأميركية تحت مسمى “عين الصقر” ومن الواضح جداً أن الإدارة الأميركية تعرف تماماً أين يتواجد التنظيم وبالتالي وجهت ضربات مؤثرة جداً واستطاعت من خلالها أن تدمر مقرات ومستودعات وأسلحة كانت مدفونة بشكل ربما يعتقد التنظيم أنها غير مكشوفة لكن مايبدو استطاعت المخابرات الأميركية كشفها ووجهت الضربات ضد هذه الأوكار في صحراء البادية.

ويبدو أن تنظيم داعش الآن يلفظ أنفاسه الأخيرة حيث من الواضح أن التحالف الدولي والولايات المتحدة لديهم قواعد جديدة في التعامل مع التنظيم من خلال العمل المزدوج والمشترك بين الإدارة السورية الجديدة وهو مابرز خلال الأسابيع الماضية من خلال عمليات عدة مهمة ومؤثرة.

لماذا لا تزال البادية السورية الأرض الخصبة لنشاط داعش بعد سنوات من إعلان القضاء عليه في سوريا؟

هناك قواعد أسست لهذا التنظيم المتطرف في هذه المناطق وهناك ملاذات آمنة وهناك من يغطي تحركات التنظيم وأيضاً هناك من جعل هذه الأراضي مكاناً آمناً يستطيع التنظيم من خلالها الانطلاق وتنفيذ العمليات في أماكن ومناطق متفرقة لكن هذه المنطقة هي آخر ما تبقى لتنظيم داعش الإرهابي كما أن نشاط الجهاز الأمني والاستخباراتي ضعيف نوعاً ما في هذه المناطق وأقل من أماكن أخرى و التجمعات في هذه المنطقة هي مجتمعات مغلقة لذلك يصعب على الأجهزة الأمنية اختراقها ويمكن القول إنه من الصعب للغاية التعامل مع هذه المناطق الشاسعة وربما يحتاج ذلك إلى فترة زمنية أطول.

من الصعب معالجة التنظيم فكرياً في تلك المنطقة وستبقى هذه المناطق قنابل موقوتة ممكن أن تتفجر في أي زمان. أعتقد أن هذه المناطق سيكون التعامل معها عسكرياً أسهل من التعامل فكرياً.

كيف تنظر إلى استمرار سجون داعش ومخيمات عوائل التنظيم في شمال شرق سوريا والتي توصف بأنها “ملفات معقدة”؟

بالفعل هي “ملفات معقدة” هناك الكثير من الأشخاص الذين تم التلاعب بعقولهم. هذه الأماكن هي خطيرة للغاية وأطلقت عليها سابقاً بأنها عبارة عن حقل ألغام يمكن أن ينفجر في أي لحظة لذلك التعامل مع هذه السجون والمخيمات هو أمر بالغ الصعوبة وتحتاج لأن يكون هناك خبراء في علم النفس والإصلاح والمنظمات الدولية والإنسانية تستطيع أن تتعامل مع هذا الملف بالرغم من صعوبته. وأرى بأن استقطاب جزء من عوائل داعش للعراق وتحديداً إلى مخيم جزعة هو خطير للغاية حيث يتعرض هؤلاء لرفض مجتمعي.

 هجوم تدمر كان نتيجة اختراق ضمن صفوف القوى الأمنية.. ما مدى خطورة هذه الاختراقات للقوات الأمنية والعسكرية وانعكاساتها على محاربة داعش؟

إذا تحدثنا عن هجوم تدمر الذي كان نتيجة اختراق ضمن صفوف القوى الأمنية السورية. طبيعة الهجوم الذي استهدف اجتماع يضم قيادات عسكرية وأمنية سورية وأميركية ويبدو أن المهاجم كان من ضمن الذين قدموا مع القوات الأمنية السورية وحاول أن يدخل إلى غرفة الاجتماع ليقوم بعملية انتحارية ضد المجتمعين وهو ما يعتبر بالغ الخطورة في جهود مكافحة الإرهاب والقدرة على التحصين من عمليات الاختراق التي ستؤدي بالتأكيد لضعف كبير في تلك العمليات مقابل تصاعد قوة التنظيم الذي يسعى إلى تنفيذ ضربات خاطفة ومؤثرة. فالعمليات الانتحارية بالنسبة لداعش هي عمليات طبيعية وهنا تكمن خطورة هذا التنظيم لذلك أعتقد أنه من الضروري عدم وجود هؤلاء الذين يحملون الفكر المتطرف ضمن المؤسسة الأمنية والعسكرية السورية.

هل الحرب على الإرهاب وداعش قد تؤدي إلى توحيد الأطراف السورية كافة؟

بالتأكيد إذا كان هناك إعلام وفوائد إعلامية تُظهر بأن القتال ضد هذا التنظيم سيؤدي إلى تحقيق الأمن والاستقرار في البلاد وأن مايفعله داعش هو فكر متطرف اجتماعياً ودينياً وأخلاقياً وعسكرياً ومن المهم أيضاً التأكيد على خلو المنتسبين إلى الجيش والأمن السوري من أفكار تؤيد داعش مع العمل على تحقيق التغذية العكسية والتحول من حالة إلى حالة أخرى بهذا الاتجاه وهو ما يحتاج إلى توجيه إعلامي على المستويين المحلي والدولي بالتالي يجب أن يكون هناك حرباً على الإرهاب فكرية قبل أن تكون عسكرية. الحرب العسكرية ضد التنظيم ربما تأتي بنتائج عكسية لكن الحرب الفكرية ستوحد الصف السوري ويكون هناك وحدة اجتماعية تؤدي إلى إنهاء التنظيم من الناحية الفكرية وهو الأهم.

 +963

 —————————–

هل تغيرت طبيعة الحرب ضد “داعش”؟/ أحمد الجابر

“داعش”: معركة سوريا الجديدة بين الضربات الأمنية واختبار بناء الدولة

2025-12-28

على الرغم من مرور أكثر من عقد على صعود تنظيم “داعش” وسقوط ما عُرف بـ”الخلافة”، فإن التنظيم لم يغادر المشهد السوري، بل عاد ليشغل موقعاً مختلفاً، أقل صخباً لكنه أكثر تعقيداً. ففي نهاية عام 2025، تبدو المواجهة مع التنظيم وقد دخلت مرحلة جديدة، عنوانها الأساسي هو انتقال “داعش” من السيطرة المكانية إلى العمل الشبكي، ومن المعارك المفتوحة إلى الضربات الخاطفة، مستفيداً من الجغرافيا المفتوحة، والتداخل الأمني، والتحولات السياسية التي تمر بها سوريا في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق.

خلال الأشهر الأخيرة، شهدت مناطق البادية ووسط سوريا، ولا سيما محيط تدمر، تصاعداً ملحوظاً في الهجمات والكمائن التي نفذها التنظيم، وأسفرت إحداها عن مقتل جنود أميركيين وسوريين. هذه التطورات دفعت الولايات المتحدة إلى إطلاق حملة جوية موسّعة تحت اسم عملية “عين الصقر”، استهدفت عشرات المواقع التابعة للتنظيم. بالتوازي، كثّفت القوات السورية والأجهزة الأمنية عملياتها داخل المدن، في محاولة لمنع تمدد الخلايا النائمة إلى المراكز السكانية.

غير أن هذه العمليات الأمنية والعسكرية تجري في سياق أوسع وأكثر تعقيداً، حيث تحاول الإدارة السورية الجديدة إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد الفصائل المسلحة، وإعادة صياغة علاقتها مع التحالف الدولي ودول الإقليم. وفي هذا السياق، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل تكفي الضربات الأمنية لاحتواء التنظيم، أم أن المعركة باتت مرتبطة بمسار أعمق يتصل ببناء الدولة والاستقرار السياسي؟

المقاربة الأمنية وحدود الفعالية

في قراءة لطبيعة المواجهة، يقول الدكتور رامي الخليفة العلي، الكاتب الصحفي والباحث في الفلسفة السياسية في جامعة باريس، في حديثه لـ”963+”، إن “المعالجة الأمنية وحدها لملف تنظيم داعش لن تكون كافية للقضاء عليه، إذ لا يمكن أن تقتصر المواجهة على البعد الأمني فقط، بل يجب أن تكون هناك مقاربة شاملة تعمل على أكثر من مستوى”.

ويضيف أن “تنظيم داعش استفاد بشكل كبير من غياب الدولة، ومن حالة الضعف والانهيار التي سيطرت على المنطقة بعد انهيار الدولة العراقية نتيجة الغزو، إضافةً إلى عوامل أخرى متعددة”، مشيراً إلى أن “وجود دولة قوية، ووجود دولة عادلة، إلى جانب حالة من الاستقرار السياسي، كلها عوامل أساسية ولا غنى عنها للقضاء بشكل كامل على الفكر المتطرف، ومنه بطبيعة الحال تنظيم داعش”.

في السياق نفسه، يضع مصطفى أمين عامر، الباحث المصري والمتخصص في شؤون الجماعات المتطرفة والإرهاب والمقيم في القاهرة، التعاون الإقليمي في صلب المعركة، قائلاً إن “القضاء على تنظيم داعش، وعلى العناصر المتطرفة داخل سوريا، لا يمكن أن يتم دون تعاون إقليمي حقيقي”.

ويضيف لـ”963+” أن “هذا التعاون أمر لا بد منه خلال الفترة القادمة، خاصةً في ملف المقاتلين الأجانب، الذي يتطلب تنسيقاً واسعاً مع دول الإقليم”.

العمليات العسكرية الأميركية: استمرارية أكثر منها تحوّل

على مستوى التدخل الأميركي، يرى العلي أن ما يجري اليوم لا يمثل قطيعة مع الماضي، إذ يقول إن “طريقة التعاطي مع تنظيم داعش لم تكن غائبة في السابق، إذ كانت هناك على الدوام غارات جوية، وفي بعض الأحيان عمليات ميدانية يتم خلالها اعتقال عدد من المطلوبين المنتمين إلى الجماعات الراديكالية، وكانت هذه العمليات تُنفذ في الغالب من قبل الولايات المتحدة الأميركية”.

ويضيف أن “العمليات الأميركية الأخيرة ضد تنظيم داعش لا تمثل تغييراً جذرياً في طبيعة المواجهة، بل هي استمرار للنهج نفسه”.

في المقابل، يقدّم مصطفى أمين عامر قراءة تفصيلية للآليات الأميركية، قائلاً إن “الولايات المتحدة لم تغيّر من سياسة الغارات الجوية، إذ لا تزال هذه الغارات جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأميركية، حيث لا تعتمد واشنطن على التواجد البري المباشر إلا في عمليات إنزال محدودة، كما حدث في مقتل البغدادي وخلفائه”.

ويضيف أن “التصعيد الأخير، الذي شمل عشرات الغارات، جاء في إطار الرد على مقتل جنود أميركيين”، مشيراً إلى أن “الأرقام المعلنة تخدم بالأساس الرأي العام الأميركي، بينما تبقى تفاصيل المواقع والخسائر غير واضحة حتى الآن”.

التحولات السياسية: من العزلة إلى الشراكة

في موازاة المسار العسكري، يبرز المسار السياسي بوصفه عاملاً حاسماً في إعادة تشكيل المعركة. ويقول الدكتور رامي الخليفة العلي إن “التغيير اللافت يكمن على المستوى السياسي، ويتمثل في التعاون مع دمشق”.

ويوضح أن “هذا الأمر لم يكن ممكناً أو قابلاً للتطبيق في ظل وجود النظام السابق، بينما أصبح اليوم ممكناً بسبب البراغماتية التي ينتهجها السيد أحمد الشرع في إدارة المرحلة الحالية”.

ويضيف أن “التطورات السياسية الأخيرة أثرت بشكل كبير في المشهد السوري، ولولا هذه التطورات لما عادت سوريا إلى موقعها الإقليمي والدولي”.

كما يشير إلى أن “قرار الانضمام إلى التحالف الدولي لمقاومة تنظيم داعش يأتي في إطار إعادة سوريا إلى المجتمع الدولي وإلى محيطها العربي، والعمل على بناء سوريا بالتعاون مع مختلف الأطراف، ولا سيما دول الخليج”.

توحيد الفصائل: اختبار داخلي صعب

على الصعيد الداخلي، يربط العلي بين نجاح المواجهة ومسار بناء المؤسسات، قائلاً إن “سوريا بدأت تخطو خطوات جدية للانتقال من حالة الفصائلية إلى مشروع بناء الدولة”.

ويشرح أن “الدولة تسعى إلى تغيير ديناميكيات الصراع بين الفصائل، والعمل على احتوائها والقضاء عليها عبر توحيد الفصائل ضمن جيش سوري موحد، وقوات أمنية موحدة”.

ويضيف أن “خلال الفترة الماضية كانت هناك خطوات جيدة من قبل الإدارة الجديدة تمضي في هذا الاتجاه”.

ويرى أن “هذا المسار سيغيّر كثيراً من طبيعة وديناميكيات التعاون بين سوريا والأطراف الأخرى، وكذلك من حجم الحضور السوري في مواجهة تنظيم داعش وفي مواجهة الفكر المتطرف”.

الأدوار الإقليمية: تعاون ناقص وتناقض مصالح

في المقابل، يقدّم مصطفى أمين عامر قراءة نقدية للدور الإقليمي، قائلاً إن “دور تركيا في هذا الصراع ليس دورًا موضوعيًا، بل هو دور منحاز وله أهداف محددة”.

ويضيف أن “تركيا لا تنظر إلى الصراع من زاوية مكافحة الإرهاب بقدر ما تسعى إلى القضاء على قوة وطنية داخل الساحة السورية، وهي القوى الكردية”.

ويشير إلى أن “تركيا تمتلك نفوذاً واسعاً داخل الجيش السوري من خلال فصائل مثل الحمزات وغيرها”. وفي الوقت نفسه، يلفت إلى أن “دور كل من العراق والأردن يُعد دوراً مهماً ومحوريا”، موضحاً أن “العراق يمتلك تجربة مباشرة في مواجهة داعش، بينما يمثل الأردن عنصراً استراتيجياً ولوجستياً بالغ الأهمية، ولا سيما في مناطق الجنوب”.

وفي قراءة لسلوك التنظيم، يقول عامر إن “التطورات السياسية خلقت نوعًا من الإصرار والتصميم لدى تنظيم داعش على توسيع عملياته داخل الداخل السوري”.

ويضيف أن “انضمام الإدارة السورية الجديدة إلى التحالف الدولي شكّل حافزًا إضافيًا للتنظيم لتوسيع عملياته”.

ويتابع أن “التنظيم يسير على خطين متوازيين: خط التعاون الاستخباراتي واستهداف خلاياه، وخط توسّعه في عملياته واستراتيجياته”.

وفي ختام قراءته، يقول عامر إن “تنظيم داعش يعيد تموضعه وينشر خلاياه في معظم الجغرافيا السورية”. محذراً من “قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات مستقبلية، واستقطاب ذئاب منفردة حتى من داخل المؤسسات الأمنية”.

ويضيف أن “البنية الأمنية الهشة لا تزال قابلة للاختراق والتطرف، ما يجعل المواجهة المقبلة أكثر تعقيدًا وخطورة”.

——————

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى