سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

“هل زرت الشام؟”: عيد التحرير والمنفى السوري المزدوج!/ عمّار المأمون

30.12.2025

 هناك محاولة دوماً من قِبل “المنفيّين” لضبط “الصورة” التي يمتلكونها عن سوريا الداخل، من أولئك الذين عاشوا فيها واختبروا “التحرير”، وهنا المفارقة، نسخة سوريا التي يُسرَق فيها تمثال برونزي لقدّيس من دمشق القديمة، مختلفة عن سوريا التي يختبرها من هم هناك!

تعدّدت الاحتفالات بسقوط بشّار الأسد في العاصمة الفرنسية باريس، وفي كلّ مرّة تختلف الوجوه والمنظّمين. إذ تحوّل شهر كانون الأوّل/ ديسمبر إلى زمن “فرح” تشوبه الريبة، البعض يحتفل بسقوط النظام، لا بوصول أحمد الشرع إلى السلطة، والبعض الآخر يحتفل بـ”المناسبتين” معاً، وآخرون خصوصاً من العلويين والدروز، لم يشاركوا في الاحتفالات بسبب المجازر التي شهدها الساحل السوري والسويداء.

سوريو الخارج أطياف تصل حدّ التناقض، ناهيك بفئة مُختفية؛ موظّفو السفارة ومؤيّدو الأسد، هؤلاء، نراهم جمعاً في مظاهرات ضدّ “أبو محمّد الجولاني” فقط.

مؤخّراً، أُقيم في باريس حفل “عيد التحرير”، نظّمته جمعيّة “سمايل يوناتيد”، التي سبق أن نظّمت احتفالاً العام الماضي للمناسبة نفسها، الجمعيّة ذات الصبغة “المحافظة”، رعت حفلاً أحياه المؤدّون: وصفي المعصراني، وموسى مصطفى، وأحمد القسيم، وتيسير غليون (صقر حمص)، كما ألقى كلمات كلّ من عمر الشغري وجهاد عبدو، إلى جانب هادي العبد الله ومحمّد فيصل، الذين جاءوا من سوريا خصيصاً لهذا الحفل.

الحفل المنظّم ضمن إيقاع مضبوط، شهد توجيه الشكر لشهداء الثورة السورية، ودعوة لتكفّل أيتام فقدوا ذويهم بسبب بطش الأسد، واستعاد الجمهور الأناشيد والأغاني التي أثارت الرغبة في البكاء والرقص على حدّ سواء، كما شهدنا احتفاءً بـ”إعلاميي الثورة السورية”، والجهود التي قدّموها لنقل الحقيقة.

 حفل مضبوط الإيقاع امتدّ لساعات، اكتشف خلاله بعض السوريين وجود سوريين آخرين لا يشبهونهم، ونقصد دون حذلقة، لقاء بين سوريين مُحافظين وأولئك الذين يُختزل وصفهم في فرنسا بـ”العلمانيين”، عالمان شبه منفصلين بدأت رحلة تعارفهما على بعضهما بعضاً بعد سقوط النظام.

اللافت في الحفل، هو الإشارة المتكرّرة  إلى الذين عجزوا عن زيارة سوريا بسبب “الأوراق”، والتعقيدات البيروقراطية التي تُعيق سفرهم، فأوّل سؤال يطرحه السوريون على بعضهم بعضاً بعد التعارف: “هل زرت الشام؟”.

الإجابة بـ”ليس بعد”، سببها إمكانيّة خسارة حقّ اللجوء بزيارة سوريا، والتخوّف من أن الزيارة الاستثنائية التي تتاح للاجئين السياسيين، قد تهدّد طلبات حصولهم على الجنسيّة. العجز عن الزيارة أيضاً سببه “قوّات سوريا الديمقراطية”، فالكثيرون من سكّان المنطقة الشرقية، لا يستطيعون زيارة منازلهم بسبب “الأوراق”، لكن هذه المرّة “التعقيدات” مصدرها “قسد”، والحاجة إلى كفيل من “سكّان المنطقة”، كي  يتمكّن أحدهم من زيارة منزله. وضعيّة تُختصَر بعبارة قالها لي أحدهم: “سوريا لم تتحرّر كلّها”.

سحر “العودة إلى المنزل”

غرباء وأصدقاء في الحفل، والأحاديث تدور حول زيارة سوريا، بل ضرورة عدم ترك البلاد “لهم”، هناك تخوّف من العائدين أشبه بسوّاح، فوسط الأهازيج والفرح والدبكة، يتكرّر بين الحضور سؤال: “كم بقيت في سوريا؟”، أو “هل ستزورها مرّة أخرى؟”، هذا السؤال يُخفي وراءه تصنيفاً أو بصورة أدقّ، نفياً للتصنيف، فمن وجهة نظر البعض، لم يعد هناك مبرّر لعدم العودة و”العمل” في سوريا، والأخيرة شديدة الغموض، خصوصاً حين يُتجاهل قصداً الشكل السياسي والاقتصادي في البلاد، نعم بإمكان الناس قول ما يشاءون، لكنّهم ممنوعون (إلى الآن) من تشكيل أحزاب ذات ثقل سياسي!

 يتلمّس الذين ما زالوا منفيّين  أخباراً من القادمين من “هناك”، أحاديث حول ما يرونه على الشاشات، كأن يسأل أحدهم الآخر: “هل فعلاً مُنع ارتداء الشورتات؟”.

 هناك محاولة دوماً من قِبل “المنفيّين” لضبط “الصورة” التي يمتلكونها عن سوريا الداخل، من أولئك الذين عاشوا فيها واختبروا “التحرير”، وهنا المفارقة، نسخة سوريا التي يُسرَق فيها تمثال برونزي لقدّيس من دمشق القديمة، مختلفة عن سوريا التي يختبرها من هم هناك!

الحاجة إلى الكلام والاستماع من “القادمين”، تحوّلت إلى ضرورة في ظلّ الحرب الإعلامية التي تشهدها سوريا، وتمييع الحقيقة حدّ الهزل الفاحش، ناهيك بأن الكثيريين ممّن زاروا سوريا وعادوا إلى أوروبا، أشبه بمن مسّهم السحر، اختلفت الكثير من مواقفهم ومبادئهم، لم يعد الهدف، العدالة والمساواة، وحقوق المرأة والمثليين، وإقامة دولة ديموقراطية وغيرها من المبادئ والمفاهيم التي عملوا عليها لأكثر من 14 عاماً، فالأمر الآن يتمحور حول الإغراق في الشفقة، والتأكيد أن سوريي الداخل، بحاجة إلى قوت يومهم، في تجاهل تامّ للتغييرات التي تشهدها مؤسّسات الدولة السورية، وإعادة بناء الاقتصاد وغياب التمثيل السياسي وعدم البدء بمسار العدالة الانتقالية.

 هؤلاء، الذي تجاوزوا أزمة “المنفى” وعادوا إلى “المنزل”، لم يعد لديهم طاقة لا على “الثورة” فقط، بل فقدوا القدرة على التمسّك ببعض المبادئ التي خرجت الثورة لأجلها، بصورة ما، هم أمام تحدّي مساعدة السوريين على النجاة، لا مواجهة السلطات الجديدة وانتزاع الحقوق منها.

أزمة “المنفى المزدوج”!

هذه التساؤلات وسط الاحتفال وأناشيد وصفي المعصراني وأحمد القسيم، تكشف بدقّة عن طبقة جديدة من السوريين. هم أولئك العالقون في “المنفى المزدوج”، لا هم قادرون على العودة، بينما “مجتمعاتهم” من السوريين المحيطين بهم عادوا، وأضحوا قادرين على زيارة “المنزل”، والمكوث في بيوتهم، وتتبّع حيواتهم القديمة لتلمّس ما بقي منها.

أزمة المنفى المزدوج إدارية بامتياز للحفاظ على حقّ اللجوء والإقامة، لحين نيل الجنسيّة أو تبديل نوع الإقامة، هؤلاء حبيسو المنفيين، يعرفون سوريا من الشاشات، وأحاديث من عادوا، هم عالقون في “الخارج”، تصلهم سوريا دون الإيقاع اليومي لما تشهده، جرعات مكثّفة على وسائل التواصل الاجتماعي، والريلات والأخبار والتحقيقات الاستقصائية، هؤلاء المتّهمون بأنهم “موتورون” أو مفرطون في مبادئهم، تتكرّر أمامهم عبارة: “انزلوا إلى الشارع وتأمّلوا وجوه الناس، حينها سيتغيّر كلّ شيء”.

المنفى المزدوج أعاد تعريف مفهوم “المنزل”، البيوت والحيوات التي تأسّست في المنافي بهدف الاستقرار النهائي، بعد إيمان يائس بأن الأبد الأسدي لن يسقط، وجدت نفسها مهدّدة منذ انطلقت عمليّة “ردع العدوان”، وحين هروب بشّار الأسد، عادت “الحياة” إلى المنازل القديمة، سوريون كانوا مؤمنين بأنهم لن يروا أحبابهم، ولن يرثوا أهاليهم، وجدوا أنفسهم أمام حدث مفصلي: “البلد رجعت إلنا”.

 تحوّلت منازل المنفى بعد سقوط النظام إلى مساحات مؤقّتة، إذ كُسر مفهوم الابتعاد عن الوطن نفسه، وفككت النوستالجيا إلى سوريا لحظة التقاط صورة  في ساحة الأمويين، ليتحوّل كثير من السوريين من منفيّين/ لاجئين إلى مغتربين، وعلى النقيض، ظهرت فئة جديدة، الهائمون في العواصم الأوروبية، لا هم يستطيعون العودة ومن حولهم عادوا، هؤلاء لم يمسسهم “سحر التحرير”.

سوريا النحيب لا السياسة!

لم يحضر في الحفل ممثّلون رسميون عن السلطات في سوريا، إلا إن أردنا الحديث عن جهاد عبدو، الممثّل السوري والمدير العامّ للمؤسّسة العامّة للسينما، الذي ألقى كلمة سريعة عن ضرورة بناء البلد على رغم كلّ شيء، مقدّماً للحضور ما يشبه درساً في الوطنية، متحدّثاً عن “تصفيته أعماله في هوليوود والعودة إلى سوريا”.

 هنا نحن أمام مفارقة، سابقاً كانت زيارة سوريا زمن الأسد تطبيعاً مع النظام، ليُنفى من يزور البلاد من “الثورة ” ويشكَّك في مبادئه، اليوم، وبعد سقوط النظام، من لم يزر سوريا يُتّهم بأنه لا يحقّ له الكلام، كونه ليس على الأرض، وتصل المبالغة أحياناً حدّ القول: “إن لم تعجبك بلادنا فابقَ حيث أنت”.

بصورة ما، الدعوة للعودة إلى سوريا هي دعوة للانهماك باليومي واللامتناهي من المشكلات، دعوة للنشاط الإغاثي والنحيب الجنائزي، ومحاولة لملمة الجراح بعيداً عن الفاعلية السياسية المعطّلة من قِبل الحكومة، أو مواجهة الانتهاكات الحالية، يتماشى ذلك مع تبريرات تتعلّق بالعنف الحالي بوصفه شأناً عابراً بصورة أدقّ، لا جديد فيه، والحلّ المطروح لـ”كلّ” المشكلات: “أنشئ منظّمة!”.

خطاب نزع الفاعلية عن مزدوجي المنفى، أعاد رسم خرائط الانتماء، خصوصاً أن فئة كبيرة من السوريين “لم تتحرّر”، ونقصد هنا الكثير من سكّان المنطقة الشرقية، بصورة ما. سوريا التي يتمّ الحديث عنها موجودة في مراكز المدن الكبرى، دمشق وجزء من حلب، مساحات لم تتعرّض للتدمير والقصف، من عاد هم من طبقة محدّدة اقتصادياً واجتماعياً، تعيش ضمن مساحات جغرافية اختُزلت سوريا بها، أمام كيلومترات الدمار والحطام والمقابر الجماعية، ناهيك بأن هناك من بين أطياف العائدين والمنفيّين، سوريين منسيّين، منهم القاطنون في مخيّم الزعتري مثلاً، هل سيزور هؤلاء منازلهم؟ أم سيعودون إليها؟

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى