رحيل عماد الأرمشي… وحيرة الدمشقي بين المؤرخ والحكواتي/ إبراهيم الجبين

الثلاثاء 2025/12/30
لا يزال صوته يتردّد في أذني حتى هذه اللحظة. قبل ليلتين مضتا فقط كنت أصغي إليه وهو يحدّثني كطفلٍ عن مشروع جديد من مشاريعه الكبيرة التي كان يحلم بتحقيقها في دمشق التي عاد إليها بعد سنوات طويلة من الاغتراب. قال إن شخصيات مثل أسماء الأسد حرصت على إبعاده عن حقل التأثير في ما يتعلق بدمشق وتاريخها بينما صدّرت شخصيات هزيلة كانت تعيش على ما تلقيه لها من فتات. وقال غاضباً إن مثل هذا الواقع لا يجب أن يستمر في زمن الحرية بعد إسقاط نظام الأسد.
عرفتِ الشام عماد الأرمشي كما عرفه محبّوها ورواد ومتابعو السوشال ميديا في السنوات الماضية. باحثاً ومؤرخاً ومرمماً للصور القديمة. مهتماً بأدق التفاصيل من الباب إلى البستان إلى قصور المدينة ومدارسها وطوالع الماء فيها وصولاً إلى تحولاتها السياسية والاجتماعية.
فتح عينيه وسط أسرة تعود جذورها إلى جد شهير هو لالاه مصطفى باشا الجد الذي يجمع عماد الأرمشي بأسرة مردم بك الدمشقية المعروفة. ولهذا الباشا في دمشق جامع شهير يحمل اسمه كما له في قبرص جامع مماثل.
أسرة القرمشي كانت من الأسر التي اشتهرت بقادتها وأمرائها في العصر المملوكي ومن بعده العثماني في حلب ودمشق ومصر التي تولى منهم فيها الطنبغا سيف الدّين القرمشي الظَّاهِرِيّ برقوق منصب أتابك مصر.
ولد عماد الأرمشي في العمارة داخل سور دمشق عام 1951 وكبر في حي سوق ساروجة الذي يحسن أن نصفه بكلماته ومشاهداته حيث حارة العبيد إلى الشمال الغربي من مدينة دمشق، ضمن محلة حارة الورد وسُميت المنطقة بأسرها بحارة الورد لوجود “حكر الورد” بها، وكانت المنطقة بأسرها تشرب من مياه عين صافية باردة تُدعى عين الكرش وتبعد هذه العين عن جامع القرمشي شمالاً حوالي 500 متر جنوب شرق ساحة السبع بحرات، وللأسف جفّت هذه العين وغارت مياهها مع الزمن وانحسرت المياه التي كانت تغذي جامع القرمشي بحارة الورد القريب من سينما السفراء حالياً. أصل بناء جامع القرمشي لم يكن مسجداً على الإطلاق، بل تحوّل إلى مسجد في العهد العثماني، وأصله مكتب أيتام، أي روضة للأيتام بتعبير عصرنا، بناه كعمل خيري ووقف عليه الأمير شرف الدين عمر ابن الأمير الكبير ألطنبغا القرمشي نائب دمشق في العهد المملوكي. واسم ألطنبُغا Altın-Boğa من الأسماء التركيّة ويعني “الظبي الذهبي”، وأما الكنية “قرمش” فليست موجودة في اللغة التركية الحديثة، بل في التركية القديمة وتعني (الوشق) وهو نوع من الفهود التي تعيش في آسيا. وفي الكتابة الأثرية الموجودة في جامع القرمشي ما يدل على أنه وقف لجميع قرى “عانوت” المعروفة قرب صيدا، ممّا يدلّ على أنه كان ذا قيمة وأهمية كبيرتين.
رافق عماد والدته وكان يلازمها في تجوالها في حارات الشام القديمة كي “أستنشق عبق الشام الأموية” كما كان يقول. أما والده محمد شحادة الأرمشي فكان من طبقة المثقفين الدمشقيين وكان موظفاً في مدرسة “الفاروق بالعمارة” قبل أن يصبح مديراً لمدرسة ابراهيم هنانو بنوري باشا، ثم مفتشاً في الرقابة والتفتيش، ثم مراقباً في البرلمان السوري.
وكان للأسرة أملاك وأوقاف عديدة في دمشق واسطنبول قرب الجامع الأزرق. ومن بين الشخصيات المعروفة من أبنائها كان اللواء عبد الرحمن الأرمشي، مدير إدارة المهندسين الأسبق في الجيش السوري. وفي الشام مقام كبير لمحمد القرمشي مردم بك في سويقة السنانية في التربة المردمية. ومع عهد الانتداب الفرنسي تم تغيير اسم العائلة من القرمشي إلى الأرمشي.
درس عماد الأرمشي التاريخ في جامعة دمشق وفي الوقت ذاته عمل في سلك التدريس قبل أن يصبّ جهوده على توثيق كل ما يمكن توثيقه من تفاصيل مدينة دمشق وتاريخها الاجتماعي والسياسي والعمراني ومشروعه الكبير “موسوعة دمشق الشام” وهي أول وأضخم عمل موسوعي من نوعه وحجمه ومنهجه باللغة العربية عن تاريخ مدينة دمشق، أعلن عن إطلاقها عام 2003 وتمتاز بحصر المعلومات التاريخية والاجتماعية والثقافية العمرانية والمعمارية لمدينة دمشق، مدعمة بالصور والمعلومات منذ القرن الثامن عشر وحتى اليوم.
ضمّت موسوعة الأرمشي الفريدة أكثر من 50 ألف مادة بحثية شاملة المصطلحات والمواقع والأوابد والخرائط والمخططات الهندسية، “كي يتم الحفاظ على إرث هذه المدينة الخالدة من الطمس والتلاعب بجغرافيتها وديموغرافيتها والحفاظ على إرثها للأجيال القادمة” على تعبير الأرمشي.
خلال العشريتين الماضيتين تقاطعت حياتي مع عماد الأرمشي في خطط عديدة كان أبرزها الهمس الخفي حول ما يجب تسليط الضوء عليه من معالم الشام، والتي كانت عرضة للنهب والتخريب والتدمير المستمر على يد نظام الأسد والمافيات التابعة له. وحين شرعتُ في كتابة روايتي “الخميادو” أقدمتُ على مغامرة تقنية ربما لم يسبق لكاتب التورط فيها، حين جلبت من الواقع شخصاً حياً، وجعلته يخالط شخصياتي الخيالية فيجلس معها ويحاورها وتحاوره، عبر تقنية الهولوغرام. ولم يكن ذلك الشخص سوى عماد الأرمشي الذي اقتنع بحرارة تلك الشخصيات وصدّق أنها شخصيات حية من لحم ودم، وأخذ يتعامل بجدية مع أسئلتها حول دمشق ومدرجها الروماني المدفون، وبعد ذلك ضمّنت تلك الحوارات، كما هي، بين دفتي الكتاب مع الخرائط والتفاصيل. دون أن أنسى وصية عماد الأرمشي المستمرة “أرجو أن لا تلفت أنظار الأوباش أكثر إلى وجود بعض الآثار تحت أرض دمشق، فيقوموا بتخريبها ونهبها.. اتركها محفوظة مصانة للأجيال القادمة”.
وحين أسّسنا مؤسسة دمشق للثقافة والفكر والفنون والتنمية مطلع العام 2012، نوري الجراح وأنا، كان عماد الأرمشي في طليعة المتحمّسين لفكرتها، رفقة نخبة بارزة من الكتاب والمفكرين والمؤرخين والفنانين والعلماء والاقتصاديين. وكاد يطير فرحاً بمشروعنا لإعادة الحياة إلى بيت عبدالرحمن باشا اليوسف والذي وقعنا حوله اتفاقية شراكة وتعاون مع وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح ومديرية الآثار والمتاحف ويشرف عليه الدكتور هشام الذهبي اليوم، قام الأرمشي بتحضير وثائق البيت وصوره لإعادة بنائه وترميمه تمهيداً لتحويله إلى مركز إشعاع حضاري وثقافي واجتماعي وتدريبي في قلب سوق ساروجة في دمشق القديمة، لإرساء نموذج لتعميمه على كافة المدن والمحافظات السورية.
أما آخر ما تحدّثنا حوله، قبل وفاته بأيام وساعات، فكان كلام الأرمشي عن الملك النعمان بن هدد الثاني الآرامي الذي ذكرته التوراة، وكان قائد جيوش ملك آرام دمشق في زمن يهورام، الذي أصيب بالجذام ونصحه الأطباء بالاغتسال في نهر الأردن لكنه قال لهم “أليس ابانة وفرفر نهرا دمشق احسن من جميع مياه اسرائيل اما كنت اغتسل بهما فأطهر” وقد عملنا على دراسة تاريخ الملك النعمان، وأفاد في ذلك المؤرخ الكبير الصديق الدكتور أحمد إيبش الذي كانت تلك العبارة من العهد القديم تفتنه دوماً، لا سيما وأنها تشير إلى نهري دمشق “أبانة – بردى” و”فرفر – الأعوج”، كان إيبش يبيّن ذلك في الوقت الذي يتاح له، بسبب انهماكه في إعداد “موسوعة الجامع الأموي الكبير في دمشق” التي استغرق في تأليفها أكثر من عشرين عاماً وستصدر قريباً مع أكثر من خمسة ألاف صورة بعدسته وتوثيقه.
كتب عماد مشروعاً عظيماً لإعادة بناء بيت الملك الآرامي في منطقة “القعاطلة” قبالة الباب الشرقي لدمشق، بأحجار سور دمشق المتساقطة، وتحويله إلى موقع سياحي قريب من كافة الرموز والمواقع الدينية والتاريخية في تلك المنطقة لجذب السياح والقادمين إلى سوريا من كافة أنحاء العالم. وقمنا في مؤسسة دمشق بإعداد المشروع وتقديمه إلى وزير الثقافة الذي تبناه بترحيب وعناية مع الإشادة بصاحب الفكرة والتقدير لدوره الكبير.
لم يكن عماد الأرمشي شخصاً عابراً في تاريخ دمشق وبلاد الشام. كان امتداداً للبديري الحلاق وابن عساكر وابن طولون وأمثالهم، ولم يكن مؤرخ سلطة رخيصاً يكتب التاريخ كما يمليه عليه من يدفع له ومن يأمره بتكييفه حسب مصالحه، وهي حالة لا تزال ماثلة أمام أعيننا تعبر من عهد الأسد إلى ما بعد الأسد.
لقّبه البعض بالحكواتي وكان هذا يحز في نفسه، كما كان يقول لي، فقد أحب لقب المؤرخ أكثر، وبين المهمّتين لم يكن عماد الأرمشي يتوقف عن العمل ونشر وتحليل الصور القديمة والفيديوهات التي يشرح فيها عن كل مبنى في دمشق.
وحين عاد إلى دمشق روى لي بغصة خنقت حنجرته عن انطباعاته عن زيارته لمدينته، وعن أنه لم يتمكن من لقاء المسؤولين رغم محاولته التواصل معهم. فرجع حزيناً إلى منفاه، لكن الأمل لديه بقي سريع الاشتعال ينتظر شرارة مهما كانت صغيرة، تأتي من دمشق التي خسرت أمس واحداً من أبرز حراسها وعشاقها، ولعلّ أخطر ما يقوله رحيل عماد الأرمشي أننا لا نعوّض غياب هؤلاء الحراس، وإنما حين نتلفت حولنا لا نجد سوى لصوص التاريخ والآثار والترهّل الإداري وعدم الاستجابة والتباطؤ الجاهل بما بين أيدينا من ثروات لا تقدّر بثمن.
رحل صديقي وبطل روايتي.. لكن لا بدّ أن دمشق الآن تبكيه وتتوعّد بغضب أن تحفظ سيرته وأحلامه.
المدن
——————————————–
محمد عماد الأرمشي… محارب الجرّافة بالوثيقة/ ختام غبش
06 يناير 2026
ودّعت دمشق في آخر أيام 2025 المؤرخ محمد عماد الأرمشي (1951-2025) ابن حي العمارة وحارس ذاكرة دمشق. الحاصل على إجازة في التاريخ من جامعة دمشق 1977.
ما يمنح كتابات الأرمشي فرادتها ذلك الطابع السردي للتاريخ، فالحكايات عنده رصينة يمليها صوت حكواتي يعيد إحياءها، تسندها صور نادرة توثق زواياها وتدعمها. الأبطال في مدوّناته ليسوا سلاطين أو قادة عسكريين، بل هم الجيران، الحمام، السبيل، الجامع، النهر والحجر. تأخذ الحكايات القارئ كما لو أنه في رحلةٍ يطوف خلالها جغرافيا المكان، متحرّراً من رتابة الحروف وجفافها.
يتقاطع أسلوب الأرمشي مع إرث المؤرخين الكبار الذين رسموا بكلماتهم خطوات القارئ، مثل شمس الدين بن الزيات المتوفى 814هـ /1441م، في موسوعته “الكواكب السيّارة في ترتيب الزيارة”، وفيها ما يشابه الوصف البصري التوثيقي للمكان ومعالمه التاريخية، إلا أن المؤرّخ الأرمشي أضاف صوته الرقيق ودعم الوصف بالمادة البصرية التوثيقية.
يروي الأرمشي حكايته المسبوكة بالذاكرة، والحجر المسفوك تحت مسنّنات الجرافات، تبدأ خريطته من مسقط رأسه في حي العمارة وصولاً إلى “ساروجة” وامتدادها الذي بات يكنى “بعين الكرش” تيمناً بعين ماء صافية كانت تسقي أهالي الحي، ومنها رتّب الزمن تبعاً للصروح والعمائر الجليلة في دمشق التاريخية، مستعيداً بوادر المجزرة العمرانية والتاريخية التي نالت وجه دمشق.
واجه قطاع الآثار والتراث تاريخياً كارثة حقيقية تمثلت في سحق النسيج العمراني للمدن التاريخية تحت شعارات “التطوير والحداثة”، فمنذ القرن التاسع عشر، اكتسحت المخطّطات الاستنساخية ومشاريع التمدن العشوائي عراقة الماضي، مستبيحةً حرمة الزمن. لقد جرى التعامل مع الذاكرة المكانية بوصفها رقاع شطرنج خالية، يتسابق فيها المستثمرون بدعم سياسي، لتحويل الهوية المعمارية الأصيلة إلى أرباح مالية طائلة على أنقاض التراث المحلي.
الأداة الأبرز التي يقارع بها المختصون بالتراث هؤلاء السماسرة هي منظومة “التوثيق”، فالتوثيق فعل مقاوم للجرّافات ولأطماع مشاريع البناء، وهو ما شكل عبر التاريخ العنصر الأهم لتمايز المدن القديمة وفي تحديد سمات الاختلاف الأساسي فيما بينها. ومن هنا تأتي أهمية مشروع الأرمشي الذي كان قد بدأه في العام 2003، استشرافاً مبكراً لمدّ جارف يهدّد الهوية العمرانية لدمشق، ويمسح عنها رمزيتها ودورها العمراني والمعماري في التاريخ. وهو الأمر الذي استحوذ مساحة كبيرة في كتاباته التوثيقية، التي كرّس خلالها جهده لنقد مشروع إيكوشار المدمّر في سبعينيات القرن العشرين، عندما شق قلب مدينة دمشق بمشروع شارع الثورة، الذي رافقته عمليات الاقتلاع للدور والأضرحة والمدارس التاريخية التي اختزنت عناصر معمارية وزخارف لا تعوض.
ما لا يوثق يسهل هدمه، لذا كرّس مشروعه لجمع ما أمكن من صور وخرائط ومخططات وتحويلها إلى خط دفاع أخير يحمي رمزية المدينة مما يتربصها من معاول التغيير الديمغرافي والمعماري. خاصة مع سياسة الإهمال التي سلكها نظام الأسد الابن وإفساح المجال لمشاريع التغوّل الإيراني وما رافقها من حرائق مريبة راح ضحيتها العديد من الدور الهامة التي كان آخرها منزل والي الحج عبد الرحمن اليوسف، إضافة إلى توسيع مقام السيدة رقية على حساب مساحات بيوت دمشقية عريقة.
في جانب آخر، لم يشأ الأرمشي استعراض كنوز دمشق وعمائرها الغنية، بل كان يخشى عليها من “لعنة التنقيب الجائر” والنهب السلطوي، لقد رأى في الاكتظاظ السكاني لدمشق القديمة نوعاً من الحماية العفوية التي حالت دون وصول أيدي العبث إلى كنوز تحتية. وخير مثال على ذلك “بيت العقاد” المملوكي (المعهد الدنماركي لاحقاً)، الذي صمد بفضل ورثته، ليخفي تحت أساساته مدرجات مسرح روماني يعود للقرن الأول قبل الميلاد. هذا المسرح، الذي شهد ازدهار الدراما والطقوس الدينية أكثر من خمسة قرون قبل أن يحرمه الإمبراطور جوستنيان عام 529 للميلاد، ظلّ محفوظاً بفعل تراكم الطبقات البشرية فوقه.
كشف الأرمشي أن أسماء الأسد أقصته من المشهد الثقافي، واستطاعت أن تؤسس لشبكة استخباراتية هدفها الاستحواذ على ملف الآثار. لعبت أسماء قبل الثورة دوراً في استقطاب شخصياتٍ عديدة في هذا المجال إلى الأمانة السورية للتنمية. استقطبت ملايين الدولارات مستغلةً ترويج الغرب لها “وردة في الصحراء”. امتدت السيطرة نحو التكية السليمانية. قلب دمشق التاريخية، فهجّرت الحرفيين وأغلقت معامل الزجاج والنول، لتُحكم قبضتها على سوق “الأغاباني” التراثي، موظفةً مآسي عوائل الضحايا غطاءً إنسانياً لمشروعها الاستثماري، ما أدّى إلى تجريف الهوية الحرفية لصالح شبكة المنتفعين.
في قلب دمشق، حيث تتشابك فوضى الزحام مع ضجيج الحداثة، يطرح السؤال نفسه: هل يلحظ المارة تلك القباب الأيوبية، أو المقرنصات المتربعة بين خشب مطواع وحجر أبلق؟ هل تستوقفهم مئذنة السنانية الرشيقة كقلم مبريّ والمطلية بالقاشاني الأخضر؟ في “حلبة السباق الحزين” هذه، يغطي غبار اليوم على جمال العمائر التاريخية، وهنا برز دور الباحث عماد الأرمشي حارساً للذاكرة المنسية.
قرّر الأرمشي ألّا ينعزل في بطون الكتب، بل تتبع مسالك العامة حيث يسكنون اليوم: في منصّات التواصل الاجتماعي. لم يكن مجرد ناقل للمعلومة، بل كان “مرمماً افتراضياً”؛ فإذا هُدم جدار أو غُيبت مئذنة، استل من أرشيفه الصورة الأصلية ليشرح للناس فداحة ما فقدوه. عبر “فيسبوك” و”يوتيوب”، أعاد ترتيب المكان في وعي المتلقي، ناشراً عبق “حارة الورد” و”النوفرة” وصولاً إلى مدارس الصالحية وتكايا ركن الدين، محوّلاً المرور العابر بالمدرسة الشامية إلى قراءة بصرية في حنايا قبابها.
أعادتنا حكاياته الرقمية إلى زمن الجدّات؛ بصوت رخيم وصور “أبيض وأسود” تلم شمل الهوية الممزقة، كحكايته عن “طوفان بردى” التي جسدت نبض المدينة. لم يوثق الأرمشي تاريخ النخبة، بل حمى “تاريخ الناس” من أن يُسحق تحت أقدام التحديث المشوه. وأمام سنوات الحرب والنهب، أدرك أن الكتب الورقية قد تحترق، فجعل من الفضاء الرقمي بنكاً احتياطياً، وزع من خلاله ذاكرة الشام على آلاف الأجهزة، مما جعل محو هذا التاريخ مستحيلاً تقنياً.
في نهاية المطاف، تتجلى وحدة صلبة بين المؤرّخ وجوهر الصراع مع السلطة والزمن؛ فالمواجهة هي نفسها، سواء كانت الأداة مِعولاً يدوياً أو جرافة عملاقة. … رحل محمد عماد الأرمشي، لكنه ترك أرشيفاً ضخماً، سيبقى حافظاً أميناً للمدينة، والأنظمة الحاكمة لها.
العربي الجديد



