أرشيف الأسد يفتح جراح المجتمع السوري.. من أخبر عنك؟

الاثنين 2025/12/29
بعد عام كامل على انهيار نظام بشار الأسد وفراره إلى روسيا في كانون الأول/ديسمبر 2024، بدأت تظهر إلى العلن تفاصيل دقيقة عن البنية العميقة لأجهزة القمع التي حكمت سوريا لعقود.
وكشف تحقيق استقصائي أجرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، استند إلى أكثر من ألف صفحة من وثائق المخابرات العسكرية السورية، كيف بُني نظام أمني لم يعتمد فقط على السجون والتعذيب، بل على تفكيك المجتمع نفسه، عبر تحويل الأقارب والجيران والأزواج إلى أدوات رقابة ووشاية.
الوثائق عُثر عليها داخل مجمع أمني شديد التحصين في منطقة كفرسوسة وسط دمشق، قرب ساحة الأمويين، بعد أن اقتحمته فصائل المعارضة في الأيام الأخيرة قبل سقوط العاصمة. بعضها كان مخزناً خلف جدار سري، وبعضها الآخر تُرك مكدساً على مكاتب ضباط فروا على عجل، تاركين خلفهم أسلحة شخصية، زجاجات كحول، أكواب شاي نصف ممتلئة، وسجائر منطفئة.
الخوف في أدق تفاصيل الحياة
وتكشف الوثائق أن أجهزة الاستخبارات السورية – بفروعها الأربعة الرئيسية – لم تكن تلاحق فقط المعارضين المسلحين أو الناشطين السياسيين، بل راقبت المجتمع على مستوى دقيق للغاية: أحاديث داخل المنازل، مكالمات هاتفية، نشاطات دينية، منشورات على وسائل التواصل، وحتى التعبير عن الفرح أو التواصل مع أقارب في الخارج.
ووفق التحقيق، فإن هذه المنظومة تشبه، من حيث بنيتها وتأثيرها النفسي، أجهزة القمع في ألمانيا الشرقية زمن “الشتازي” أو جهاز الشرطة السرية السوفياتي، حيث يصبح كل فرد محتملاً أن يكون مراقَباً أو مراقِباً في الوقت نفسه.
الطريق من المنبر إلى القبو
في قلب هذا الأرشيف، تبرز قضية الإمام عبدو خروف، التي تختصر آلية القمع بكاملها. وهو شيخ ستيني معتدل، كان يخطب في مسجد الإخلاص بحي فقير في دمشق، وأكدت عائلته أنه ابتعد عن السياسة منذ سنوات طويلة، واكتفى بإلقاء خطب دينية معتمدة من وزارة الأوقاف، لكن في تموز/يوليو 2020، استدعاه ضابط مخابرات بحجة المساعدة في حل نزاع محلي بين عائلتين، وما إن وصل إلى المكان المحدد، حتى جرى اعتقاله ونقله إلى مجمع أمني وسط العاصمة. هناك، في سجن تحت الأرض، خضع للتحقيق، ولم يخرج حياً.
ولم تتسلم العائلة جثمانه. وبعد أسابيع من الانتظار، حصلت زوجته على وثيقة رسمية من السجل المدني تُفيد بوفاته منتصف آب/أغسطس 2020، من دون ذكر سبب الوفاة.
الوشاية من داخل العائلة
ولم تظهر الإجابة عن سؤال “لماذا اعتُقل؟” إلا بعد سقوط النظام. إذ كشفت الوثائق أن اسم الإمام ورد خلال التحقيق مع ابن عم بعيد له، كان معتقلاً في المكان ذاته، واتُهم بالانتماء إلى فصائل المعارضة.
بحسب الوثيقة الأمنية، فإن ابن العم ذكر اسم خروف كمسهل ديني للمعارضة المسلحة في بدايات الثورة، وهو ما نفاه الرجل بشدة لاحقاً، مؤكداً أنه لم يذكر اسم قريبه أبداً، حتى تحت التعذيب.
لكن بالنسبة لعائلة الإمام، فإن الوثيقة حسمت الشكوك التي رافقتهم لسنوات، وأكدت أن الوشاية – سواء كانت قسرية أم متعمدة – كانت السبب المباشر لموته.
ويوضح التحقيق أن كثيراً من الملفات الأمنية بُنيت على اعترافات انتُزعت بالقوة. وأكد أشخاص وردت أسماؤهم في الوثائق للصحيفة أنهم وُضعوا أمام أوراق جاهزة للتوقيع، دون السماح لهم بقراءتها، بعد تعرضهم للضرب والصعق الكهربائي والتعليق من الأطراف.
رغم ذلك، كانت هذه الاعترافات تُستخدم لاحقاً كأدلة رسمية لتبرير الاعتقال أو الإعدام أو الإخفاء القسري.
البيت ساحة مراقبة
وتعتبر قضية الممثل فراس الفقير، إحدى القضايا الأكثر قسوة في التحقيق، حيث اكتشف أن المخابرات دخلت منزله عبر زوجته. وكان الفقير قد واصل العمل في التلفزيون الرسمي رغم تحفظاته السياسية، فيما ظل ينتقد النظام في جلسات عائلية خاصة، وأظهرت الوثائق أن زوجته سجلت هذه الأحاديث وسلمتها للأجهزة الأمنية، وأن الأخيرة طلبت منها تأجيل الطلاق بهدف الاستمرار في جمع المعلومات عنه. وأشار تقرير أمني رسمي إلى أن الزوجة “لا تستطيع تحمل الإساءة للقيادة السياسية العليا”، هذه الحالة تكشف كيف لم يكن القمع مقتصراً على الشارع أو السجن، بل امتد إلى أكثر المساحات خصوصية.
مركز التعذيب الممنهج
ويعود الجزء الأكبر من الوثائق إلى الفرع 215 التابع للمخابرات العسكرية، أحد أكثر الفروع شهرة بسوء سمعته. وأكدت شهادات معتقلين سابقين ومسؤولين منشقين أن هذا الفرع كان محورياً في سياسة “كسر المجتمع”.
وقال مسؤول طب شرعي عسكري سابق إن وحدته كانت توثق يومياً بين ثلاث إلى عشر جثث قادمة من الفرع خلال سنوات الحرب الأولى، معظمها تحمل آثار كسور في الجمجمة، حروق، وصدمات كهربائية.
مراهقون في طاحونة الاعترافات
ومن بين الملفات التي كشف عنها تحقيق الصحيفة الأميركية، قصة شاب اعتُقل وهو في السابعة عشرة من عمره عام 2014، وأُجبر تحت التعذيب على الاعتراف بالانتماء إلى فصيل مسلح. اليوم، بعد سقوط النظام، يعمل الشاب في جهاز أمني تابع للحكومة الجديدة، لكنه لا يزال يعيش مع آثار تلك التجربة.
و يبيّن التحقيق كيف أنتجت هذه الاعترافات القسرية سلسلة جديدة من الاتهامات والشكوك المتبادلة، حتى بين من كانوا في صف واحد ضد النظام.
ولم تقتصر الشبكة الاستخباراتية على السوريين فقط. الوثائق تظهر مراقبة دقيقة لتحركات بعثات الأمم المتحدة، بما في ذلك أسماء أعضاء الوفود، أرقام هوياتهم، أماكن إقامتهم، ومسارات تنقلهم. مسؤولون أمميون أكدوا أن هذه الوثائق تثبت ما كانوا يشكّون فيه طوال سنوات عملهم في سوريا.
إرث ثقيل وعدالة مؤجلة
وبعد عام على سقوط النظام، لا يزال السوريون يحاولون فهم ما جرى، ومن خان من، ومن كان ضحية نظام لا يترك مجالاً للاختيار. وبالرغم من أن الحكومة الجديدة أعلنت نيتها فتح تحقيقات في جرائم النظام السابق، لكن الوثائق تشير إلى أن المهمة ستكون معقدة، في ظل تشابك المسؤوليات، وكون كثير من الوشاة كانوا أنفسهم ضحايا تعذيب.
ويقول الابن الأكبر للإمام عبدو خروف، لم تُنهِ الوثائق الألم، لكنها أنهت الشك. يقول ابنه الأكبر: “كنا ننتظر دليلاً. الآن نعرف أنه لم يرتكب أي ذنب”.
ولا يوثق تحقيق “وول ستريت جورنال” فقط جرائم نظام، بل يشرح كيف يمكن لدولة أن تحكم عبر تدمير الروابط الإنسانية، وترك مجتمع كامل يعيش، حتى بعد سقوط جلاده، تحت ظل سؤال واحد: من كان يراقبني؟.



