الشباب المسيحي في سورية… مطالب وآمال وتحديات/ ريمون القس

06 يناير 2026
منذ اللحظات الأولى لسقوط النظام البائد، لم يقف مسيحيُّو سورية موقف المراقب بل اتَّصفت آراؤهم عن تسارع الأحداث بالجرأة، ولم يُخْفِ معظمهم فرحه بالتحرُّر من منظومة النير التي طاولت جرائمها جميع أطياف الشعب السوري، وانخفضت بسقف أحلام الشباب المسيحيين إلى مستوى “سفرة سريعة بعد التخرُّج حتَّى لو كانت للهفا، المهم ما أبقى بها البلد”.
بدأت ملامح التفاؤل بعد إسقاط نظام الأسد تبرز بوضوح مصحوبة بآمال عريضة بدولة تحترم القانون وترفض التعسُّف والحيف وإن كانت هذه الآمال مشوبة بمخاوف وهواجس يرى الشباب المسيحي بأنَّها مشروعة، بعد كل ما تعرَّضوا له من مآسٍ وقهر في سورية وعموم المنطقة.
وعلى غرار معظم السوريِّين، عانى مسيحيُّو سورية الأمرَّين خلال سنوات الحرب؛ في الجزيرة الفراتيَّة انخفضت أعدادهم بنسبة تصل إلى 90% (وفق تقديرات ناشطين محليّين) بسبب استنزاف الموارد البشريَّة والهجرة القسريَّة؛ فخسرت البلاد أطباء ومهندسين وحقوقيِّين ومُبتكِرين وكتَّاب وفنَّانين… بمئات الآلاف، وعلى ضفاف الخابور خلت قرى الآشوريِّين من سكَّانها الأصليِّين، بعد ما تعرَّضوا له من مجازر، وأُفرِغت حواضر؛ مثل مدن دير الزور والميادين والرقَّة من الرعيَّة، بعد أن كانت منارات للديانة المسيحيَّة ومزاراً للحجيج يقصدها المؤمنون من مختلف الدول؛ من اليونان وتركيا وأرمينيا وشرق أوروبَّا، فضلاً عن الزيارات الداخليَّة لمسيحيِّي الداخل؛ من سريان وآشوريِّين وأرمن.
أين اختفى مسيحيُّو الرقَّة؟ وأين شباب المالكيَّة (ديريك) وعامودا وتل أبيض وعين العرب (كوباني) وعفرين؟ ولماذا انخفض تعداد مسيحيِّي حي الحميديَّة الحمصي العريق إلى أقل من النصف؟ وكذلك الحال في أحياء الأرمن والعزيزة والسليمانيَّة والسريان الحلبيَّة؟ وينسحب السؤال الاستنكاري إلى حواضر الساحل وضيعه، وإلى أحياء الشام العتيقة.
“نحن أبناء الأرض”… “نحن ملحها”… “نحن سكَّانها الأصليون”… “نحن نسل يسوع”… “جذورنا ضاربة في تاريخ البلاد”… “سوريانا.. نحن أصل تسميتها”… “ترابها مشبع بدماء شهدائنا”… عبارات فخورة ممزوجة بالمرارة، تكاد تسمعها أينما حللتَ في عموم الجغرافيا السوريَّة، بلغات ولهجات متنوِّعة، من مسيحيِّين؛ مغتربين، أو ممَّن فضَّلوا البقاء رغم الظروف القاهِرة، يرفضون نعتهم بـ”الأقلِّيَّة” ويصرُّون على أنَّهم مواطنون أصيلون.
بعد التحرير، رصدت “سورية الجديدة” حالات كثيرة لشبَّان سوريين مسيحيِّين، تركوا بلاد الاغتراب، وما تقدِّمه من ميزات، وعادوا إلى مدنهم السوريَّة؛ ليصرِّحوا بثقة: “عدنا لنشارك في بناء الدولة الجديدة”، فضلاً عن تفكير كثير منهم بالعودة في المستقبل القريب، ومن باتت فكرة الهجرة العكسيَّة والعودة إلى سورية واردة بقوَّة في خططهم المستقبليَّة، ومرهونة بالدرجة الأولى بالاستقرار الأمني، والأمان الاقتصادي، واحترام الحرِّيَّات العامَّة.
مؤسَّسة “وعي” المعنيَّة بمساعدة الشباب على التمسُّك بجذورهم المسيحيَّة وهويَّتهم السوريَّة، وإيجاد موقعهم الحقيقي والمؤثِّر في ثقافة مجتمعهم وتراثه. أطلقت حملة إلكترونيَّة لرصد آراء الشباب المسيحي عقب التحرير؛ تحت عنوان “سورية لوين؟ كيف يرى الشباب المسيحي سورية المستقبل؟” وفيها نظمت مؤسَّسة وعي لقاءات وأيضاً ما يشبه الاستبيان للوقوف على آمال وطموحات ومخاوف الشباب المسيحي، ورؤيتهم لمستقبل البلاد، وشكل الدولة التي يتمنُّونها.
وأجمعت آراء مئات المشاركين في الحملة (من ذكور وإناث) على عشر نقاط محوريَّة؛ لعلَّها تصل إلى مستوى برنامج متكامل؛ سياسي/ اجتماعي/ اقتصادي، عن نظرتهم للمستقبل؛ فطالبوا بدولة يحكمها القانون، ودولة ديمقراطيَّة مدنيَّة تحترم التعدُّديَّة السياسيَّة وليس المحاصصة الطائفيَّة، ودولة تلتزم بالمواطنة والعيش المشترك والتعدُّديَّة الإثنيَّة والدينيَّة والثقافيَّة، ودولة تضمن الحرِّيَّات وحقوق الإنسان، ودولة تحترم حقوق المرأة والطفل، ودولة ذات سيادة وقوَّة عسكريَّة تضمن السلام وترفض التعدِّي على الآخرين، ودولة تدافع عن كرامة جميع المواطنين، ودولة تناضل لحرِّيَّة أراضيها ووحدتها ولخروج القوات الأجنبيَّة منها، ودولة تسعى لعدالة توزيع الثروات.
سفراء سلام
في لقاء مع إلزا نصره، منسِّقة الشرق الأوسط لمؤسَّسة وعي؛ قالت: “منذ أكثر من 11 عاماً أطلقنا برنامج سفراء سلام في سورية والعراق، لدعم الشباب المسيحي روحيَّاً ونفسيَّاً واجتماعيَّاً، والتوعية بأهمِّيَّة الوجود المسيحي ودوره في الشرق. لتمكين الشباب من مهارات الحوار والبحث العلمي وفنون التواصل والقيادة. جميعنا نعلم أنه خلال النظام الديكتاتوري السابق لم يكن هناك أي حرِّيَّة للشباب ليعبِّروا عن أنفسهم؛ فالمنظَّمات التي طرحها النظام على مدى عقود كانت قائمة على عقيدة الحزب الواحد، وكل الحياة الشبابيَّة وحتَّى الطفولة كانت تمر بالضرورة عبر قنوات البعث”.
وأضافت: “بعد فترة قصيرة من سقوط النظام بدأت تطفو أسئلة وأفكار عن شكل سورية الجديدة التي يطمح إليها الشباب، لذلك رأت مؤسَّسة وعي أن تنظِّم لقاءات استشاريَّة مع سفراء سلام من مختلف المحافظات، للوقوف على رؤيتهم لسورية الجديدة بعمق وصدق وانفتاح على جميع الاحتمالات. أظهر الشباب فهماً مدهشاً لواقعهم والتحدِّيات الجديدة التي طرأت على الواقع السوري بعد السقوط المدوِّي والسريع لنظامٍ أُفرِغ من جميع القيم الإنسانيَّة وأُتخِم بالفساد والدماء. وبعد مشاورات طويلة مع الشباب استطعنا معاً أن نلخِّص نقاشاتنا في عشر نقاط عن قضايا يجب أن تشكِّل العمود الفقري لسورية التي مثَّلت منذ قرون عديدة، ويجب أن تبقى الحضن الجامع لجميع مكوِّنات الشعب السوري المُتَّصف بالتعدُّديَّة والغنى الإثني والديني والثقافي”.
تداول السلطة
وقال المدير التنفيذي لمؤسسة وعي، القس نديم نصَّار: “ما يريده الشباب من السلطات أيَّاً كانت احترام عقولهم وإراداتهم في بناء مجتمع يُحترَم فيه الإنسان لذاته وليس لانتماء ديني أو ثقافي أو إثني، وأيضاً هناك رسالة قويَّة وواضحة للسلطات أن الاستئثار بالحكم مرفوض لأنَّه أثبت أن كل نظام أحادي التوجُّه مُدمِّر للمجتمع والبلد. وأن تداول السلطة ومداورة الحكم تحفِّز المجتمع على خلق برامج سياسيَّة واقتصاديَّة واجتماعيَّة تتنافس فيما بينها لكسب ثقة الناس، وهذا هو الوضع الطبيعي لأي مجتمع يتطلَّع للتقدُّم في جميع مجالات الحياة”، وأضاف أنّ “الشباب المسيحي في سورية لا تختلف أزماته عن الشباب من أي دين آخر، فالشباب في كل الوطن يتطلَّع إلى حقوقه في التعليم، والعمل، وحرِّيَّة التعبير، وتوزيع الثروة الوطنيَّة بعدالة، ما يشجِّع الشباب على البقاء في الوطن وعدم الهجرة طلباً للعيش الكريم. ما تعلَّمناه أن لدى سورية خزّان هائل من العقول الرائعة والإمكانات الكبيرة المستعدَّة لخدمة البلد، بشرط أن تعود إلى الإنسان السوري كرامته، وأن يكون احترام الإنسان قائماً على انتمائه للوطن، وليس لأي انتماء آخر مهما كان شكله ونوعه”.
وتابع: “عانينا جميعاً وما زلنا نعاني من كراهيَّةٍ انتشرت بشدَّة خصوصاً خلال فترة الحرب المدمِّرة؛ كراهيَّة مبنيَّة على فرز طائفي وتعصُّب ديني، لعب فيهما دوراً كبيراً تدُّخل دولٍ كثيرة سعت وتسعى لفرض مصالحها الضيِّقة على حساب مصلحة الشعب السوري بأكمله. لقد كسرت الطائفية والتعصُّب الثقة بين مكوِّنات الشعب السوري التي تنتمي جميعها إلى النسيج الاجتماعي الأصيل للمجتمع منذ مئات السنين، فليس لمكوِّن أسبقيَّة أو أفضليَّة في المجتمع، لأن نجاح الإنسان وقيمته لا تعتمدان على انتمائه الديني أو الإثني، بل على مقدار الإخلاص والعطاء والحب لبناء المجتمع بأكمله. لقد أكَّد الشباب بكل وضوح وثقة وقناعة على أنَّهم يرفضون على نحوٍ قاطع أي تقسيم لسورية على أي أسس كانت، وخصوصاً الأسس الطائفيَّة، لأن مثل هذا التقسيم يمكن أن يُدمِّر البلد بأكمله ويشرذم أهله”.
لا للهجرة
عن ضرورة التمسُّك بالجذور السوريَّة؛ قال نصَّار: “علينا مواجهة الواقع؛ فتعداد المسيحيِّين انخفض على نحوٍ كارثي في العقد الأخير، وإذا أردنا أن نحافظ على غنى المجتمع السوري وتماسك بنيانه، علينا أوَّلاً: مواجهة الفرز الطائفي والتعصُّب الديني، وفصل الدين عن الدولة، لأن التاريخ يُعلِّمنا أن الدين لا يمكن أن يحكم الشعوب، خصوصاً التي تتّصف بالتعدُّديَّة، من دون الوقوع في فخ النخبويَّة التي لا تنتمي بأي شكل إلى الدولة الحديثة التي تُبنى بجهود جميع مكوِّنات المجتمع. وثانياً: تأكيد المواطَنة التي تحترم الجميع من دون أفضليَّة لأي مكوِّن على آخر؛ فجميع المواطنين يتمتَّعون بالحقوق ذاتها، وعليهم الواجبات ذاتها، ضمن مواقعهم المختلفة، في خدمة البلد. فمفهوم المواطَنة هو الضامن الوحيد لكرامة الإنسان، وإتاحة الفرص المتساوية للجميع للمساهمة في بناء الدولة والنهوض بالمجتمع فهو حالياً بأمس الحاجة إلى جميع أبنائه بمهاراتهم وعقولهم وقدراتهم ومواهبهم”.
جذور
وقال الناشط السوري المسيحي ألفريد سعادة، وهو ابن مدينة اللاذقيَّة وهاجر إلى فرنسا بسبب ضغوط أمنية متكرِّرة: “تختلف هواجس المسيحيِّين قليلاً باختلاف المناطق والتجارب المتراكمة، لكنَّهم يشتركون بصغر العائلات والتأثُّر قليلاً بالغرب، ما يعطي صورة متحضِّرة، وقد يخلق أحياناً تعالياً واعتزازاً. ولجميع المسيحيِّين أصدقاء مسلمون يثقون بهم، ولكن قد يتوجَّس المسيحي من كل ما يهدِّد حرِّيَّته وسلامته ومعيشته، فالمسيحي توجَّس من دكتاتوريَّة الأسد، ولم يقوَ كثيراً على مواجهتها، وكذلك توجَّس من الثورة التي خرجت من الطبقات المُنهَكة، وكثيراً ما حملت رغبةً في حكم سنِّي يستعيد لأهل السنَّة حقوقهم، وقد يستبدّ قليلاً بالأقلِّيات”.
وأضاف: “مع سقوط الطغيان وتنوُّع الفصائل وكركبتها، كنتُ أنا وداعمو الثورة منتشين بالنصر، ومتفهِّمين المخاطر التي تهدِّد طموحنا بدولة ديمقراطيَّة تساوي بين الجميع وتحترم حرِّيَّاتهم. ورغم أن بعض المسيحيِّين المغتربين قد يعودون إذا استقر البلد أمنيَّاً واقتصاديَّاً، وتوسَّعت الحرِّيَّات العامَّة، الحقيقة المرَّة أن مسيحيِّي الداخل ما يزالون راغبين بالهجرة، بسبب وجود مناخ إسلامي متشدِّد في بعض المناطق وفي المشهد العام، ولأنَّهم بعد ما عانوه من التشبيح السياسي والاقتصادي الأسدي يتخوَّفون من تضييقٍ على المشهد الاجتماعي العام؛ فمثلاً، لم تتوسَّع الحرِّيَّات الفرديَّة، بل هناك أمنيُّون تدخَّلوا في جلوس الناس في الحافلات، وفي إقامة حفلات موسيقيَّة في أماكن عامَّة، وفي المسرح، وفي العلاقات بين الجنسَين، وفي هواتف الشباب. حتَّى لو كانت أحداثاً عارضة في بلد يعبر مخاضاً، لكن معظم المسيحيِّين ينفرون من الإجبار والإكراه، ويتوقون للوصول إلى سورية جديدة تحترم حرِّيَّتهم، ولا يكتفي المسيحي الأصيل بطلب الحرِّيَّة لجماعته، بل يريدها للجميع”.
فسحة أمل
وقال الشاب السوري المسيحي جاد عصفورا: “حملت لحظة التحرير شعوراً غريباً جديداً مفعماً بالتفاؤل والأمل، وكان الأسبوع الأول مفاجئاً بكل المقاييس من حيث غياب الحالات الثأريَّة أو المشكلات الطائفيَّة والاجتماعيَّة التي تخوَّفنا من تفشِّيها نتيجة عقود من التفرقة الممنهجة وزرع النظام البائد للفتن بين جميع المكوِّنات، ثم تابع السوريون فظائع صيدنايا عن قرب، وعاينَّا المقابر الجماعيَّة، بعد أن كنَّا نسمع بها فقط، فحملت لحظات التحرير نشوة لا توصَف”.
وأضاف: “نأمل أن نصل لدولة المواطنة والعدالة الاجتماعيَّة والحقوق المتساوية، دولة تقضي على الفقر والبطالة، وتُعلي من شأن العلم والتعليم، والرعاية الصحِّيَّة، دولة فصل السلطات، دولة القانون والعدل، فسورية تستحق الأفضل، وأن تعود إلى موقعها الطبيعي والحضاري”.
وختم عصفورا: “بعد أن زرع النظام الأسدي التفرقة وغذَّى الخلاف والبغضاء على نحوٍ ممنهج بين السوريِّين، وقفنا بعد التحرير أمام سورية جديدة ترفض النظرة النمطيَّة عن الآخر، واكتشفنا أنَّنا متشابهون، أنَّنا سوريون قبل كل شيء، وأن العنصريَّة والطائفيَّة، على الرغم من توتُّرات نغَّصت فرحتنا، ليست أصيلة في مجتمعنا، نحن بحاجة لأن نتعرَّف على بعضنا عن قرب، فالنظام البائد حصر كل مكوِّن في جزيرته الخاصَّة، وأرهبه من الآخر، والأهم تفاؤلنا بتحسُّن الأوضاع المعيشيَّة، بعد التخلُّص من العقوبات، وبعد ما وصلنا إليه، نحن أمام فرصة تاريخيَّة لتصحيح مسار سورية، ولن نقبل بأي شكل من الأشكال بعودة الفساد والمحسوبيَّات، وسيطرة القبضة الأمنيَّة على تفاصيل حياتنا من جديد. لن نسافر، لن نهاجر، هذه أرضنا، هنا جذورنا، وسنبني دولتنا بعد عقود من الطغيان ولنستعيد دور سورية الحضاري الطبيعي بين الأمم”.
العربي الجديد



