العدالة الانتقائية لن تكفي/ حايد حايد

آخر تحديث 29 ديسمبر 2025
في الوقت الذي كان فيه السوريون يحتفلون بالإلغاء الكامل لقانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا، أعلنت المملكة المتحدة حزمة جديدة من العقوبات، في تذكير صارخ بأن صفحة الإجراءات العقابية لم تُطوَ بعد. فمن خلال استهدافها شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، إضافة إلى قادة وفصائل مسلحة باتت اليوم جزءا من قوات الأمن الانتقالية، مع الإشارة الصريحة إلى دورهم في العنف الساحلي في مارس/آذار، وجّهت لندن رسالة واضحة: الاندماج في مؤسسات الدولة الجديدة لا يمحو المسؤولية عن الانتهاكات.
جاء التوقيت مدروسا. فقد أُعلنت العقوبات بالتزامن مع شروع السلطات الانتقالية في محاكمات علنية لمتهمين بالتورط في العنف الساحلي، في خطوة هدفت إلى الإيحاء بقطيعة مع الماضي. لكن قرار لندن يوضح أن الرمزية وحدها– وليس المقاضاة الانتقائية– لن تكفي. فالعواصم الغربية لا تكتفي باختبار قدرة دمشق على فتح باب المحاسبة، بل تراقب قدرتها على مأسستها: أي تطبيق القانون بمعايير ثابتة ومتسقة، تشمل أيضا القادة المندمجين في البنية الأمنية الجديدة.
ولا تتعامل العقوبات مع العنف الساحلي كتعثر أمني عابر، بل ترفعه إلى مستوى اختبار لجدية الانتقال ومعاييره. وبذلك تعيد توجيه الأنظار إلى الطريقة التي تسعى بها دمشق لترسيخ سلطتها: هل تُبنى على محاسبة ضيقة ومجزأة، أم على إرساء قواعد واضحة وموحدة للمسؤولية داخل مؤسسات الدولة الناشئة؟ في هذا التصور، ليست المحاسبة خيارا ولا ترفا يمكن ترحيله إلى ما بعد استقرار المرحلة الانتقالية؛ بل شرط ملازم لها وجزء بنيوي من نجاحها.
استهدفت العقوبات البريطانية المعلنة في 19 ديسمبر/كانون الأول عددا من الأفراد المتهمين بانتهاكات وقعت في عهد الأسد، وأخرى خلال المرحلة الانتقالية. من بين هؤلاء محمد الجاسم، قائد فصيل سليمان شاه، وسيف بولاد، قائد فرقة الحمزة. كما شملت العقوبات ثلاث مجموعات مسلحة: فرقة السلطان مراد، وفرقة سليمان شاه، وفرقة الحمزة، المتهمة جميعها بارتكاب فظائع خلال الحرب، وبالتورط في الاشتباكات الساحلية الأخيرة التي يقال إنها أودت بحياة نحو 1400 شخص.
وتكتسب هذه التصنيفات وزنا سياسيا خاصا بالنظر إلى مواقع القادة المعاقبين داخل البنية العسكرية الجديدة. فعلى الرغم من أن هذه الفصائل لم تعد قائمة رسميا بعد دمجها في وزارة الدفاع، فإن هياكلها الداخلية– إلى حد كبير– ما تزال على حالها. فـ”لواء سليمان شاه”، مثلا، أُدمج في الفرقة 25 التي لا يزال يقودها محمد الجاسم، المعروف بأبي عمشة، فيما أُلحقت فرقة الحمزة بالفرقة 76 بقيادة سيف بولاد، المعروف بأبي بكر.
وباختيارها شخصيات متورطة في انتهاكات تعود إلى عهد الأسد وأخرى أحدث عهدا، عززت المملكة المتحدة مبدأ يلقى دعما متزايدا في العواصم الغربية: الاندماج في مؤسسات الدولة لا يعفي من المسؤولية، بل يضاعفها. كما يؤكد هذا التحرك أن رفع العقوبات الاقتصادية الواسعة التي فُرضت بسبب النظام السابق لا يعني أن ملف العدالة قد أُهمل. فالمحاسبة، في هذا التصور، ليست ملحقا بالاستقرار، بل شرطه الأساسي.
تعهدت السلطات الانتقالية في سوريا بمحاسبة المرتكبين بغض النظر عن رتبهم أو انتماءاتهم، واتخذت خطوات محدودة في هذا الاتجاه. فالمحاكمة العلنية الجارية لأربعة عشر رجلا متهما بالتورط في سفك الدماء الساحلي– نصفهم من عناصر القوى الأمنية– تهدف إلى إظهار أن مسار المحاسبة قد انطلق فعليا، حتى داخل مؤسسات الدولة.
غير أن هذه المحاكمة، على الرغم من وزنها الرمزي، تكشف حجم المساومات السياسية التي ترسم مقاربة الحكومة للعدالة. فالمسؤولون يقولون إن القادة الخاضعين للعقوبات لم ترد أسماؤهم صراحة في خلاصات لجنة تقصي الحقائق الحكومية، وهو ما يبرر– في نظرهم– الامتناع عن اتخاذ إجراءات بحقهم. في المقابل، يرى منتقدون أن التحقيق انحصر في تعقّب المنفذين المباشرين، وتغافل عن مسؤولية القيادة وعن البيئة المتساهلة التي وفّرت الغطاء لوقوع انتهاكات واسعة النطاق.
والأهم أن للقائدين المعاقبين سجلين واسعين وموثقين جيدا من الانتهاكات لا صلة لهما بالعنف الساحلي. وترقيتهما إلى مناصب عليا، رغم العقوبات والاتهامات ذات المصداقية، تبدو أقرب إلى خيار سياسي محسوب منها إلى تقدير قانوني.
ويمتد هذا المنطق إلى ما هو أبعد من القادة المرتبطين بالمعارضة، ليشمل شخصيات متورطة في فظائع تعود إلى عهد الأسد. فقد أعطت السلطات الانتقالية الأولوية لملاحقة الجرائم الحديثة، فيما أجّلت المحاسبة عن الانتهاكات الأقدم، في استراتيجية تبدو مصممة لتعزيز المصداقية على المدى القصير، لا لبناء إطار شامل للعدالة. ويعود هذا التأجيل إلى الخشية من أن تؤدي ملاحقات واسعة لمسؤولي النظام السابق أو لشخصيات معارضة سابقة إلى زعزعة انتقال هش أصلا.
وهذا الحساب السياسي تحديدا هو ما يمنح توقيت العقوبات البريطانية ثقله ودلالته. فإعلانها مع دخول المرحلة الانتقالية عامها الثاني لم يكن تفصيلا عارضا ولا محض مصادفة. الرسالة واضحة: لا يجوز ترحيل المحاسبة بذريعة الحفاظ على الاستقرار. فالعدالة حين تُعامل كملف مؤجل، نادرا ما تفضي إلى سلام مستدام.
إن السماح لأشخاص متهمين بارتكاب جرائم حرب بتولي مناصب عليا، يترتب عليه ثمن ملموس. فهو ينسف ادعاءات الحياد في المحاسبة، ويغذي دوامات الانتقام وأخذ الحق باليد، ويقوض ثقة الناس بالدولة. أما المجتمعات التي دفعت كلفة عنف مقاتليها– من أكراد وعلويين ودروز– فإن عودة الجناة المعروفين تحت رايات مؤسسات جديدة لا تبعث على الطمأنينة، بل تعمق الخوف وتعيد إنتاج الهواجس.
تحقيق العدالة في مجتمع خارج لتوه من صراع ليس مهمة سهلة. لكن تأجيلها ليس خيارا محايدا، إنه رهان محفوف بالمخاطر على استقرار بعيد المنال. الوعود بالمحاسبة ضرورية، غير أن الوفاء بها– مبكرا، وبمصداقية، ومن دون استثناء– هو ما يصنع الفارق الحقيقي.
وبالنسبة لدمشق، لم يعد الخيار نظريا. فالمحاسبة ليست مسألة ملاءمة أو توقيت سياسي، بل مسألة معايير. واختيار العدالة على حساب البرغماتية يتيح للسلطات الانتقالية توجيه رسالة أقوى من أي خطاب أو عقوبة بأن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى فعلا، أيا كان الانتماء. عندها فقط، يمكن لمسار الانتقال السوري أن يتبلور بوصفه منعطفا حقيقيا نحو بداية جديدة.
————————-
عقوبات بريطانية انتقائية على الجيش السوري.. ما الذي تغيّر؟/ أحمد الجابر
عقوبات بريطانية موجّهة على أفراد من الجيش السوري: رسائل سياسية جديدة وحدود التأثير
2025-12-29
تشير التطورات الأخيرة في ملف العقوبات البريطانية على سوريا إلى تحوّل ملحوظ في طريقة تعاطي لندن مع هذا الملف بعد سنوات من فرض قيود شاملة طالت الدولة ومؤسساتها.
ففي خطوة جديدة، أعلنت الحكومة البريطانية فرض عقوبات محددة استهدفت عدداً من الأفراد المرتبطين بالجيش السوري، في توقيت حساس يتقاطع مع تصاعد الخطاب الدولي حول مكافحة الإرهاب، ومع النقاشات المتزايدة بشأن إعادة هيكلة المنظومة الأمنية والعسكرية، وضبط سلوك الفصائل المسلحة المنضوية ضمنها.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار مقاربة جديدة تقوم على الانتقال من العقوبات العامة التي أثقلت كاهل الاقتصاد والمجتمع، إلى عقوبات موجّهة تستهدف أشخاصاً بعينهم، على خلفية اتهامات تتعلق بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو بالضلوع في أحداث أمنية سابقة، من بينها أحداث الساحل السوري.
وفي الوقت ذاته، تحرص بريطانيا على التأكيد أن هذه العقوبات لا تستهدف مؤسسات الدولة بشكل مباشر، بل تندرج ضمن مبدأ عدم الإفلات من العقاب، والسعي إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم، وفق المعايير القانونية المعتمدة لديها.
ويأتي هذا التطور بالتوازي مع خطوات غربية أخرى تمثلت في تخفيف أو تعديل بعض القيود المفروضة على كيانات سورية، في محاولة لتحقيق توازن بين الضغط السياسي من جهة، وتقليل الأثر الإنساني للعقوبات من جهة أخرى. غير أن الإبقاء على العقوبات الفردية يعكس رغبة واضحة في استمرار أدوات الضغط، مع توجيه رسائل سياسية وأمنية تتعلق بإعادة ضبط أداء المؤسسة العسكرية، وملف الحوكمة، وحدود الدعم الدولي الممكن في المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، تثار تساؤلات واسعة حول خلفيات القرار البريطاني، وما إذا كان مرتبطاً بتطورات ميدانية وأمنية حديثة، أو بملفات موثقة تعود إلى سنوات سابقة، إضافة إلى التساؤل عن مدى تأثير هذه العقوبات على بنية الجيش السوري، وعلى توازناته الداخلية، وعلى مستقبل العلاقة بين دمشق والعواصم الغربية.
الخلفيات والتوقيت
يوضح عصمت العبسي، أكاديمي ومحلل سياسي مقيم في دمشق، لـ”963+”، أن الدوافع السياسية والقانونية وراء فرض بريطانيا عقوبات جديدة على أفراد من الجيش السوري في هذا التوقيت تحديداً تعود إلى مسار قديم ومتجدد في آنٍ واحد، يشير إلى أن بريطانيا كانت قد علّقت سابقاً العقوبات المفروضة على بعض الكيانات، لكنها أبقت العقوبات المفروضة على الأفراد، ما يعني أن هذه الإجراءات ليست جديدة كلياً، لكنها أُعيد تفعيلها وتوسيعها ضمن سياق مختلف.
ويضيف أن “جزءاً من هذه العقوبات مرتبط بأحداث الساحل، في حين يستند جزء آخر إلى المعطيات والتقارير المتوافرة لدى الحكومة البريطانية، وإلى السردية التي تعتمدها لندن بشأن أحداث وقعت خلال الثورة السورية”. ويلفت إلى أن بعض العقوبات شملت فصائل وشخصيات، مثل فصيل “سلطان مراد” و”فرقة الحمزة”، استناداً إلى تقارير تتحدث عن تورطها في انتهاكات، بعضها صادر عن جهات مرتبطة بقوات “قسد”.
ويرى العبسي أنه لا يوجد ترابط مباشر بين “قانون قيصر” والعقوبات البريطانية، معتبراً أن لكلٍ منهما مساره القانوني والسياسي المختلف. ويعتقد أن بريطانيا، رغم إلغاء قانون قيصر قبل ساعات من صدور القرار، حرصت على التأكيد على مبدأ “عدم الإفلات من العقاب” وفق معاييرها الخاصة، مع التشديد في الوقت ذاته على دعمها لمسار الانتقال السياسي في سوريا.
يعتقد عهد مراد، كاتب وصحفي مقيم في لاهاي، أن تزامن صدور هذه العقوبات مع الحملة الدولية ضد تنظيم “داعش” والحديث المتزايد عن مكافحة الإرهاب في سوريا يحمل دلالاتٍ واضحةً.
ويشير مراد في تصريحات لـ”963+” إلى وجود عددٍ كبيرٍ من الفصائل ضمن الجيش السوري لها، بحسب وصفه، تاريخٌ حافلٌ بالانتهاكات، لافتاً إلى المجازر التي وقعت في اللاذقية، والتي تؤكد تقارير عديدة تورط تلك الفصائل فيها.
ويضيف أن “بعض قادة هذه الفصائل حاولوا نفي مشاركتهم في تلك الأحداث، كما فعل أبو عمشة الذي برر غيابه بأسبابٍ صحيةٍ، إلا أن ذلك لم يغيّر من نظرة المجتمع الدولي”.
وينوّه العبسي إلى أن بريطانيا أبقت العقوبات على كل من تصنّفهم على أنهم منتهكون أو مرتكبو جرائم حرب، مع إبداء تحفظه على بعض الأسماء الواردة في القائمة، معتبراً أن بعضها لا يستند إلى معطيات دقيقة، في حين يرى أن أسماءً أخرى تستحق المساءلة.
وحول ما إذا كانت العقوبات تستند إلى أدلة جديدة أم ملفات سابقة، يجيب العبسي بأنها تقوم على مزيج من تقارير قديمة وأخرى حديثة، موضحاً أن أحداث الساحل شكّلت أساساً واضحاً لفرض العقوبات على شخصيات مثل فتحية مقداد وآخرين مرتبطين بهذه الأحداث، إضافةً إلى أسماء أخرى تقول بريطانيا إنها متورطة في جرائم وقعت خلال الثورة السورية.
وبشأن تأثير هذه العقوبات على بنية الجيش الميدانية، يوضح أن بريطانيا تتبع اليوم فلسفةً جديدةً تقوم على الانتقال من العقوبات الشاملة على الدولة إلى العقوبات المحددة على الأفراد. ويشير إلى أن التأثير الفعلي يقتصر على تجميد الأصول ومنع السفر، ما يعني أن الأثر المباشر يطال الأشخاص المعنيين أكثر مما يطال المؤسسة ككل.
ويؤكد أن هذه الإجراءات لا تؤثر على تسليح الجيش السوري أو قدراته اللوجستية، لأنها لا تستهدف مؤسسات أو كيانات عسكرية، بل أفراداً بعينهم.
الدلالات الدولية وحدود الدعم
ويرى أن القوى الدولية تسعى من خلال هذه العقوبات إلى إيصال رسالةٍ مفادها أنها تراقب الجيش السوري وآليات حوكمته، وتفرض قيوداً عليه عند الضرورة.
ويتساءل مراد عما إذا كانت هذه الإجراءات ستحد من دعم الجيش السوري، ليجيب بأنه لا يرى وجود دعمٍ عسكريٍّ حقيقيٍّ حتى الآن، باستثناء محاولاتٍ تتعلق بإعادة التنظيم والتدريب على مبادئ الحوكمة. ويعتبر أن المجتمع الدولي لا يسعى إلى بناء جيشٍ سوريٍّ قويٍّ بقدر ما يريد قوةً أمنيةً أو شرطيةً متماسكةً تحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
ويلفت إلى أن المخاطر لا تزال قائمةً، لا سيما بعد اعتراف وزارة الداخلية بأن أحد عناصرها قتل أفراداً من الوفد الأميركي، وأنه يحمل خلفيةً جهاديةً، وهو ما يعدّه اعترافاً بوجود عناصر ذات عقائد متطرفة داخل بعض المؤسسات.
ويرى مراد أن العقوبات قد تساهم، بشكلٍ غير مباشر، في تنظيم الجيش إذا ما استُثمرت سياسياً بالشكل الصحيح، خصوصاً إذا تم التعامل مع الفصائل المعاقَبة على أنها منبوذةٌ دولياً وإبعادها عن المؤسسة العسكرية.
لكنه يحذر في المقابل من أن توسع العقوبات لتشمل فصائل قريبةً من القيادة قد يؤدي إلى توتراتٍ وصراعاتٍ داخليةٍ، وقد تتهم بعض الفصائل القيادة بالتآمر دولياً حفاظاً على مواقعها.
ويختم بالقول إن معظم الفصائل المسلحة تعمل اليوم ضمن اقتصاد حربٍ واقتصادٍ أسود، ما يجعلها غير معتمدةٍ على التجارة الخارجية، وبالتالي يضعف الأثر المادي للعقوبات.
ويخلص إلى أن التأثير الحقيقي لهذه الإجراءات يظل محدوداً، وينعكس أساساً على العلاقات الداخلية بين أفراد المؤسسة العسكرية، أكثر مما ينعكس على الواقع الميداني.
وعن الطابع الرمزي أو العملي للعقوبات، يوضح العبسي أنها تحمل بعداً عملياً يتمثل في تغيير فلسفة العقوبات ذاتها، وتهدف إلى التأكيد على أن الانتماء إلى مؤسسة رسمية لا يشكل حمايةً من المساءلة. كما تسعى، بحسب رأيه، إلى الحد من التأثير الرمزي لبعض الشخصيات والفصائل، دون أن يكون لها تأثير فعلي على أداء الدولة أو بنية الجيش.
+963



