تشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

تطور الاقتصاد السوري تحديث 08 كانون الثاني 2026

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:

تطور الإقتصاد السوري

———————————

تحديث 08 كانون الثاني 2025

————————

الليرة السورية الجديدة… هل تشكل مسارا نحو قوة النقد واستقراره؟/ جوزيف ضاهر

طريق طويل لتحسين المؤشرات الاقتصادية الأساسية من النمو والإنتاج والصادرات الى الاستثمارات وتدفقات العملات

07 يناير 2026

شرعت سوريا في إدخال النسخة الجديدة من العملة الوطنية في الأول من يناير/كانون الثاني 2026، ووصف المسؤولون السوريون هذه الخطوة باعتبارها رمزا للسيادة الوطنية ومحاولة لتعزيز قيمة الليرة السورية. غير أن تحديات هيكلية كثيرة لا تزال قائمة أمام تحقيق الاستقرار وتعزيز مكانة العملة..

من المعلوم أن الليرة السورية فقدت أكثر من 99 في المئة من قيمتها منذ عام 2011، إذ يبلغ سعر الصرف حاليا نحو 12,500 ليرة سورية مقابل الدولار الأميركي، مقارنة بنحو 50 ليرة سورية في عام 2011.

تؤثر قيمة العملة تأثيرا مباشرا وملحوظا في الواردات والصادرات والقطاعات الإنتاجية وتدفقات رأس المال والاستثمار الأجنبي، إضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة. في الوقت نفسه، أدى التراجع المستمر في قيمة الليرة منذ عام 2011 إلى آثار اجتماعية واقتصادية عميقة ومتواصلة، ولا سيما عبر رفع معدلات التضخم، مما أضعف القوة الشرائية للسكان على نحو متصاعد ودفع مزيدا من الناس إلى تقليص إنفاقهم ليقتصر في الغالب على السلع الأساس والضرورية.

إطلاق العملة الوطنية السورية الجديدة

بعد الإعلان عنها منذ أشهر عدة، أطلقت السلطات النقدية العملة الوطنية السورية الجديدة في السوق المحلية مع بداية عام 2026. وصرح حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية، وهو المشرف على العملية برمتها، بأن اعتماد العملة الوطنية السورية الجديدة “جزء من رؤية استراتيجية مؤسساتية شاملة تهدف إلى استعادة الثقة وتحقيق استقرار اقتصادي مستدام”.

وأضاف أن مصرف سوريا المركزي سيعزز في الوقت نفسه أدوات السياسة النقدية، ولا سيما إدارة السيولة وضبط عرض النقد وتحسين أدوات التدخل في السوق، بما يسهم في الحفاظ على الاستقرار النقدي واستقرار الأسعار ودعم الثقة بالليرة السورية وبالقطاع المصرفي ككل.

 وفي إطار هذه العملية، سيبدأ مصرف سوريا المركزي سحب الأوراق النقدية السورية المتداولة، المشار إليها بوصفها “العملة السورية القديمة” تدريجيا من السوق خلال فترة أولية تبلغ 90 يوما، وذلك وفق جدول زمني يحدده المصرف ومن خلال مراكز صرافة محددة. وقد يمدد المصرف فترة الانتقال بحسب الحاجة.

وجرى إصدار أوراق “العملة السورية الجديدة” بعد حذف صفرين من القيمة الاسمية للعملة القديمة. في عبارة أخرى، تعادل كل 100 ليرة سورية من العملة القديمة ليرة سورية واحدة من العملة الجديدة.

وخلال فترة الانتقال، يجري تداول العملتين القديمة والجديدة في الوقت نفسه. وفي غضون ذلك تلزم السلطات جميع الجهات العامة والخاصة والشركات عرض المبالغ المالية والأسعار بالعملتين طوال الفترة ذاتها. كما حوّل القطاع المصرفي كل أرصدة الحسابات إلى العملة الجديدة مع بداية السنة الجارية، في حين أعلنت السلطات استعدادها للحفاظ على العرض الإجمالي للنقد من دون زيادة أو خفض.

وعند انتهاء المهل المحددة للاستبدال، سيمنع التداول بـ”العملة السورية القديمة”، وستقوم الجهات المعنية بسحبها من التداول وستفقد صلاحيتها لإجراء المعاملات المالية. وأوضحت السلطات السورية أيضا أنها لا تفرض أي عمولات أو ضرائب أو رسوم أو غرامات على عمليات التحويل أو الاستبدال بين العملتين القديمة والجديدة.

ينسحب الأثر النقدي والمالي لعملية الاستبدال على جميع أسعار السلع والخدمات والأجور والرواتب والمعاملات والالتزامات المالية في مختلف أنواعها ومصادرها، سواء أكانت قانونية، أو قضائية أو إدارية أو تعاقدية أو ضريبية، وذلك وفقا لمعيار الاستبدال المنصوص عليه في المرسوم.

أسئلة مطروحة أمام المصرف المركزي

على الرغم من شروح السلطات الحاكمة لتوضيح مسار الاستبدال، لا تزال مسائل عديدة بلا إجابات واضحة. وعند السؤال عن مكان طباعة العملة الجديدة وتكلفتها، لم يقدم الحاكم حصرية أي معلومات، مشيرا الى أن موقع الطباعة وتكلفتها “مسألة سيادية”.

وبالمثل، لم تعرض السلطات آليات واضحة تبين كيف سيحول مصرف سوريا المركزي دون تحويل الأموال المخزنة التي راكمها رجال أعمال مرتبطون بالنظام السابق لعائلة الأسد عبر أنشطة غير قانونية وإجرامية، ولا كيف سيعالج الكميات الكبيرة من الليرة السورية المتداولة في أسواق الدول المجاورة، التي قد تستخدم كأداة ضغط سياسي.

إضافة إلى ذلك، لا يوجد تفسير واضح لكيفية مساهمة هذه الخطوة في ضبط معدلات التضخم أو خفضها، فيما تتصاعد مخاوف معاكسة ترجح ديناميات تضخمية. وتشمل هذه المخاوف مثلا التضخم الناشئ عن بنية الفئات النقدية نفسها عندما تأتي أصغر وحدة بقيمة كبيرة نسبيا، كما في فئة عشر ليرات سورية، فيقرب الباعة الأسعار إلى الأعلى ويدفع المشترون الفارق.

ومن الممكن أن تنتج من ذلك، نزعة تضخمية لا تعود إلى قوى العرض والطلب أو إلى التوسع النقدي، بل إلى تصميم العملة ذاته. وتطال الآثار في الغالب الفئات الشعبية التي تلاحظ ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساس، بما فيها الخبز والخضر وأجور الحافلات وسائر مستلزمات الأسرة الضرورية.

يأمل الاقتصاديون شفافية أكبر من مصرف سوريا المركزي في مسائل ديناميات سياسات الحكم في سوريا، ولا سيما في الشأن الاقتصادي. فعلى سبيل المثل، أبرمت السلطات مذكرات تفاهم وخصصت عقود الدولة من دون مسارات شفافة واضحة تحدد إجراءات الاختيار والمعايير والمقاييس المعتمدة في إسناد العقود.

تحديات أمام استقرار الليرة السورية

على الرغم من أن الليرة السورية سجلت تحسنا موقتا في استقرارها وقيمتها منذ بداية عام 2025، فإن هذا التحسن لم ينجم عن تحسن في المؤشرات الاقتصادية الأساسية، ولا عن زيادة في تدفقات العملات الأجنبية، بل عن قرار إداري من مصرف سوريا المركزي يقضي بتقييد الوصول إلى الودائع المقومة بالليرة السورية. وعلى نحو عام، لا تزال حرية حركة رؤوس الأموال محدودة بسبب الاختلالات التنظيمية داخل المصارف السورية.

ومع رفع هذه القيود، سيظل أمام الليرة السورية طريق طويل قبل بلوغ الاستقرار والتحسن الحقيقيين، وهو أمر يرتبط بأوضاع الاقتصاد السوري عامة وبمسار إعادة التنمية.

ويعدُّ إلغاء “قانون قيصر لعام 2019” في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025 والعقوبات المفروضة على سوريا، من العوامل الإيجابية لتهيئة ظروف تحسين الأوضاع الاقتصادية في البلاد والسير نحو التعافي، وتاليا دعم العملة الوطنية السورية. كما أن إعادة إدماج سوريا في النظامين الإقليمي والدولي، فتح الباب أمام إبرام العديد من الاتفاقات الاقتصادية ومذكرات التفاهم مع شركات أجنبية، مما جذب استثمارات تقدر بنحو 28 مليار دولار خلال عام 2025. وتعد هذه الاستثمارات، بوصفها مصدرا للعملة الأجنبية، خبرا سارا بلا شك، غير أنها لا تزال مجرد إعلانات لم تُترجم بعد على أرض الواقع.

يذكر انه مع تكبد الاقتصاد السوري خسائر جسيمة طوال سنوات الحرب، لا تزال المقومات الاقتصادية الاساسية اللازمة لاستقرار الليرة السورية وتعزيزها متضررة بعمق، ومنها:

أولا، تعرض قطاعا النفط والسياحة، وهما مصدران رئيسان للعملة الأجنبية قبل عام 2011، لدمار واسع، ويحتاجان إلى استثمارات ضخمة للتعافي، فضلا عن الحاجة إلى استقرار سياسي في البلاد.

ثانيا، انخفضت الإيرادات الضريبية، المباشرة وغير المباشرة، على نحو ملحوظ منذ عام 2011، مما يثير قلقا بالغا في شأن الاقتصاد وقدرة الدولة على التدخل. ومن هذا المنطلق، يرتقب لمشروع قانون ضريبة الدخل الجديد المقرر دخوله حيز التنفيذ في السنة الجارية، أن يفيد فئة صغيرة من الأثرياء ويعمق اعتماد البلاد على رأس المال، محليا وأجنبيا، وعلى المساعدات المالية الخارجية، بما يصعب توسيع قاعدة إيرادات الدولة.

إلى جانب ذلك، تبقى قدرة الدولة على التدخل في أسعار الصرف ودعم الليرة السورية محدودة بسبب استنزاف الاحتياطيات الوطنية من العملات الأجنبية، المقدرة بنحو 200 مليون دولار فقط، والتي تستخدم عموما لتمويل واردات السلع والمنتجات الأساس.

أخيرا، أدى الدمار الهائل في قطاعي الصناعة والزراعة إلى تحطيم القدرة الإنتاجية المحلية وانخفاض حجم الصادرات، ففقدت سوريا هذا المصدر من الإيرادات واضطرت إلى زيادة الواردات لتلبية الطلب المحلي. فوق ذلك، عمقت السياسات الاقتصادية للسلطات الحاكمة الجديدة مأزق هذين القطاعين وزادت تحدياتهما، إذ ترتفع تكاليف الإنتاج باستمرار مع رفع الدعم عن السلع الأساس واشتداد منافسة المنتجات الأجنبية في السوق الوطنية.

يشكل تدمير القطاعات الإنتاجية في سوريا، إلى جانب العجز التجاري المستمر، ضغطا إضافيا على الليرة السورية، وينعكس ذلك في طلب مرتفع ومتواصل على العملات الأجنبية، مما يزيد ضغوط انخفاض قيمة الليرة السورية، وبالتالي يرفع معدلات التضخم.

وتغطي التحويلات المالية الكبيرة من الخارج، المقدرة بين 3 و6 مليارات دولار أميركي، جانبا من العجز في الميزان التجاري. وفي الوقت نفسه، تواجه الليرة السورية منافسة من الليرة التركية في بعض مناطق الشمال الغربي، بينما يستمر تداول الدولار الأميركي على نطاق واسع في عموم البلاد، حتى أن مؤسسات الدولة تعتمده لتسعير بعض السلع والخدمات.

وتُعدّ إعادة ترسيخ الليرة السورية كعملة رئيسة، مهمة صعبة، وقد يتعقد الموقف إذا تعذر استقرارها لاحقا. ولا يحظر مرسوم إصدار العملة السورية الجديدة تداول العملات الأجنبية، حيث أكد حاكم مصرف سوريا المركزي أن العملة الجديدة “لا ترتبط بالقطع الأجنبي أو الدولار الأميركي ولا تستهدف تنظيمه أو تقييده”.

وعلى الرغم من أن اعتماد العملة الوطنية السورية الجديدة قد يفضي إلى بعض النتائج الإيجابية، مثل تيسير المعاملات التجارية والمالية اليومية وتخفيف الضغط اللوجستي، إلا أنه لا يعالج المشكلات العميقة والبنيوية التي تواجه العملة الوطنية والاقتصاد السوري عموما. لتحقيق الهدف المعلن المتمثل في “استقرار اقتصادي مستدام،” يلزم إدخال تغييرات جذرية في السياسات، ولا سيما في التوجه السياسي الاقتصادي وإعادة بناء الاقتصاد. لكن يبدو أن الوضع الحالي يتعارض مع هذا الهدف، إذ تنفذ سياسات اقتصادية تفاقم فقر شرائح واسعة من السكان، وتقلص إيرادات الدولة، وتعمق مظاهر التخلف في القطاعات الإنتاجية.

خلاصة القول، يحتاج استقرار الليرة السورية وتعزيزها إلى ما هو أبعد من إصدار عملة جديدة، وسيعتمد الأمر على سياسات تهيئ شروط تعافي الاقتصاد السوري وتنميته الإنتاجية.

المجلة

—————————

فَقْر السوريين الاقتصادي والسياسي والعلاقة بينهما/ ياسين الحاج صالح

تعاني نسب عالية من السوريين من الفقر الذي يجري تعريفه بدخل يومي متواضع، لا يكفل الأمن الغذائي في حالاته القصوى. تقول أرقام الأمم المتحدة إن نحو 90٪ من السوريين يعيشون تحت خط الفقر المقدر بـ2,15 دولار أمريكي في اليوم، وإن 12,9 مليون غير آمنين غذائياً، وأكثر من 16 مليونا في حاجة إلى دعم إنساني، منهم فوق 7 ملايين من المهجرين في الداخل، وفوق 6 ملايين من المهجرين خارج البلد حسب معطيات حديثة من عام 2025. وتقدر المعطيات نفسها أن سكان سوريا اليوم 25,6 مليوناً. خلفيات هذه الأحوال الصادمة معلومة: ثورة فحرب طوال نحو 14 عاماً، عقوبات دولية متصاعدة طوال سنوات، ووضع بدئي كان آخذاً في التدهور قبل الثورة. كان 37٪ من السوريين يعيشون تحت خط الفقر عام 2007 حسب أرقام الأمم المتحدة كذلك، وعرفت سوريا في السنوات الأربع السابقة للثورة موجة جفاف قاسية أصابت منطقة الجزيرة بصورة خاصة (وكان الفقر متركزاً فيها وفي شرق حلب أكثر من غيرها) تأذت منها بشدة 300 ألف عائلة وتسببت بهجرة 1,3 مليون إلى أحزمة المدن السورية، ومن استطاعوا إلى لبنان والأردن.

وكان موسم العام الماضي جافاً جداً، وتقول منظمة الغذاء والزراعة العالمية، الفاو، إن هطول الأمطار انحدر بنحو 54٪ عن معدله السنوي، بينما تكلمت معطيات أخرى على انحدار أشد ربما تجاوز ثلاثة أرباع المعدل السنوي. ويمس الجفاف مباشرة بحياة ما لا يقل عن 45٪ من السوريين يعتمدون في معاشهم على الزارعة.

وبينما يحتمل أن الأوضاع الاقتصادية والخدمية تشهد بعض التحسن، فإن عمق الفقر وتراكبه مع التهجير ودمار البنى التحتية يرجح أن يستغرق الأمر سنوات طوالاً قبل خروج واسع من وهدة الفقر. ولا يبدو ذلك من أوليات الحكم الحالي ذي الحساسية الاجتماعية الضعيفة، والذي تحابي سياساته أصحاب المال والوجاهة والنفوذ، وليس عموم الناس والأشد فقراً.

المعطيات أعلاه تعني أن 10٪ من السوريين فقط، مليونين ونصف المليون، يستطيعون الانشغال بالشؤون العامة في السوريات الثلاث أو الأربع المتاحة اليوم، يتحاربون بالأسلحة وبالكلمات، يجتمعون ويخططون، ويتواصلون مع أشباههم ومسانديهم، ويخصصون أوقاتاً لوسائل التواصل الاجتماعي. هذا واقع أساسي.

وطوال عقود سابقة تعرض المجتمع السوري لإفقار سياسي جائر، وعاش نحو 100٪ من السوريين تحت خط الفقر السياسي الذي يمكن تعريفه بالحرمان المحروس بالقوة من شيئين: التجمع الطوعي في فضاءات عامة (أو حتى خاصة) والكلام في الشؤون العامة. التجمع هو شكل تعاون جموع أكبر من الناس لمواجهة مشكلات لا تكفي الجهود الفردية والعائلية لمواجهتها في مجتمعات مليونية كأكثر مجتمعات الكوكب اليوم، والكلام هو شكل متطور للصراخ تعبيراً عن الألم أو النداء طلباً لنجدة، أي أن الأمر يتعلق بضرورات النجاة ومواجهة المخاطر، وليس بكماليات يمكن الاستغناء عنها أو العيش بدونها. مُعرّفة بالتجمع والكلام العام، السياسة ضرورة بقاء، والاندثار هو ما يتهدد مجتمع الناس إن حرموا منها. كانت الثورة السورية جهداً للخروج من الفقر السياسي عبر تجمع أعداد أكبر من الناس، مئات الألوف في حماة وفي دير الزور في صيف 2011، في فضاءات عامة وعبر امتلاك الكلام السياسي. ومعلوم أنها ووجهت بعنف تعذيبي ثم حربي واحتلالي منذ البدايات.

ونتكلم على فقر سياسي شامل لأن نخبة الحكم نفسها فقدت القدرة على التفكير السياسي خلال سنوات طويلة من حكم حافظ الأسد الذي كان يقرر في كل شؤون الدولة، وهو ما استمر بقوة العطالة في عهد بشار الذي يبدو أنه كان ينفر من السياسة، وخاصة حين صارت الأمور معقدة بعد الثورة. وبعد أن كانت المخابرات والتشكيلات العسكرية ذات الوظائف الأمنية ركائز استقرار النظام واستمراره، صارت هذه الأدوات المختصة بالتعذيب والقتل والمذابح والمقابر الجماعية ما لا تستطيع أن تكونه: السياسة والدولة. وفي النهاية كان النظام ضحية لنفسه وعجزه عن التفكير والسياسة أكثر مما هو ضحية خصومه.

من مدخل الفقر السياسي، ما الحال اليوم، بعد عام وشهر، من نهاية الأبد الأسدي؟ هناك مساحات أوسع للتجمع الاحتجاجي وللكلام المستقل، لكن يصعب القول إنها بنية مستقرة وممأسسة، وليس مضموناً أن تصير كذلك. الديناميكية السياسية الأساسية اليوم هو تركز السلطة بأي موالين للفريق الحاكم ومن الخلفية الأهلية نفسها (مسلمون سنيون) وهي تتعارض مع مقتضيات الامتلاك العام للسياسة من عموم السوريين. ويخشى إن اتسعت الاحتجاجات الاجتماعية والفئوية من سياسة «شارع ضد شارع» التي سبق أن مارسها الحكم الأسدي. رأينا شيئاً من ذلك حيال احتجاجات العلويين في اللاذقية قبل نهاية العام المنقضي للتو.

السؤال الذي لا بد من طرحه ونحن نتكلم على فقر مادي وفقر سياسي يتصل بالعلاقة بين الفقرين. أدبيات التنمية منذ تسعينيات القرن العشرين تربط بين النمو الاقتصادي وتنامي قدرات السكان على التعاون والاستفادة من التجارب والخبرات المتراكمة وسهولة تعبئة الموارد في أوقات الأزمة، وعلى أن «التنمية حرية»، مثلما كثف الاقتصادي الهندي الشهير أمارتيا سن في عنوان كتاب له تصوره للعلاقة بين الاقتصادي والسياسي. وكانت تقارير التنمية الإنسانية العربية التي صدرت عن الأمم المتحدة في السنوات الأولى من هذه القرن تنطلق من هذه الفكرة نفسها، ومعلوم أن أولها ركز على نقص الحرية الشديد في المجال العربي، وثانيها على مجتمع المعلومات الغائب، وثالثها على دور النساء الضامر والمقيد. وهذه كلها قضايا سياسية واجتماعية، وليست قضايا تقنية أو اختصاصية، وهو ما يوجب اشتراك قطاعات أوسع من السكان من أجل النمو، بالنظر إلى أن الجميع يتضررون من غياب الحرية ومن سوء التعليم ونقص المعلومات ومن تهميش النساء.

ومن أجل مثال على العلاقة بين الفقر المادي والفقر السياسي، وبين التنمية والحرية، يفيد استذكار وضع الجزيرة السورية التي ينحدر منها كاتب هذه السطور، وسبق القول إن تقريراً للأمم المتحدة قبل الثورة السورية بأربع سنوات ذكر أن الفقر يتركز في محافظاتها الثلاث، الرقة ودير الزور والحسكة، وفي شرق حلب. اجتمع في وضع الجزيرة السورية وقتها ثلاثة أشياء جعلت منها مستعمرة داخلية. أولها استغلال اقتصادي لمواردها، يتجاوز الاستيلاء على عائدات النفط والحبوب والقطن لمصلحة برجوازية الحكم الأسدي، إلى تقرير بيروقراطي مركزي لأسعار المحاصيل الزراعية والبذور، إلى حرمان سكان الجزيرة المتنوعين من الوظائف في المشاريع الاقتصادية في منطقتهم. وفي المقام الثاني تمثيل سياسي غائب أو محدود جداً في هياكل السلطة المركزية، وفي أعلى المناصب الإدارية والأمنية في مدن الجزيرة نفسها. ثم في المقام الثالث عدم احترام ثقافي أو حتى احتقار كشوايا متخلفين أو ككرد مشتبه بلا وطنيتهم. كرد المنطقة عانوا فوق ذلك من عدم الاعتراف بثقافتهم ولغتهم وأعرافهم، وكان يغلب أن يسقط ضحايا في معظم الأعوام أثناء احتفالات عيد النيروز. ومثل جميع السوريين لم تكن ثمة هوامش احتجاج نشاط سياسي مستقل عند الأهالي، وحين تفجرت احتجاجات الكرد في ربيع 2012 استخدم النظام الانقسامات الاجتماعية، تنويعة مجربة من سياسة «شارع ضد شارع» ضدها.

ولا نستطيع استخدام منطقة الجزيرة كمثال دون التساؤل عن أحوالها اليوم. هل الوضع اليوم مختلف، ومناطق منها تحت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي منذ صيف 2012، ومناطق أوسع منذ طرد داعش عام 2017؟ الإجابة بالسلب للأسف. فلا على مستوى التمثيل السياسي، ولا على مستوى توزيع الموارد، ولا على مستوى الاحترام الثقافي (لعرب المنطقة في هذا السياق المخصوص) ثمة فارق يذكر. بعد سقوط الحكم الأسدي صارت السلطة في الجزيرة أشد قمعية حيال مواطنيها العرب، وباسمها سجلت أعلى نسبة من الاعتقالات التعسفية في العام الماضي، تبعتها السلطة المركزية في دمشق (حسب تقرير حديث للشبكة السورية لحقوق الإنسان).

تبقى العبرة هي نفسها: الفقر المادي ليس مسألة قلة موارد أو شروط مناخية أو أقدار إلهية. إنها مسألة تخصيص للموارد وتوفير للمعلومات وكفاءة للإدارة وتمثيل سياسي واحترام لبشرية السكان. أمارتيا سن نفسه يقول إنه لم يحدث أن وقعت مجاعة في بلد ديمقراطي. وهذا لأن الكوارث الطبيعية المحتملة والأوبئة وما إليها تواجه بكفاءة أفضل في بلدان يستطيع الناس التجمع والاحتجاج والكلام فيها، وتعمل الصحافة بحرية، فتضطر الإدارة لتعمل بكفاءة أفضل، وتجري انتخابات دورية حرة يخسر فيها الأسوأ تدبيراً.

ومقياس الحكم على سير الأمور في سوريا اليوم هو مشاركة أعداد أكبر من التسعين بالمئة المفقرة إلى العشرة بالمئة الذين ينخرطون في الشؤون العامة. نرجح أن تتراجع سياسات الهوية بقدر ما تتسع نطاقات المشاركة السياسية وتدخل الشؤون الاقتصادية والاجتماعية إلى صلب النقاش العام.

كاتب سوري

القدس العربي

————————–

 تدوير أنقاض الحرب في سوريا… أولى خطوات إعادة الإعمار/ محمد كساح

الأربعاء 2026/01/07

تأتي العمليات الموسعة لإزالة أنقاض المدن السورية المنكوبة وإعادة تدويرها تحت إشراف منظمة الدفاع المدني ووزارة الطوارئ السورية كخطوة جدية تستبق مرحلة إعادة الإعمار، خصوصاً مع تجاوز حجم الأنقاض المزالة والتي يعاد تدوير معظمها حدود الـ550 ألف متر مكعب.

وأكد مدير الدفاع المدني السوري “الخوذ البيضاء” منير مصطفى لـ”المدن” أن المنظمة بالتعاون مع وزارة الطوارئ السورية بدأت بإزالة الأنقاض من مدينتي داريا ودوما ضمن خطة شاملة لإزالة أنقاض عدد كبير من المناطق المنكوبة في سوريا.

يستهدف المشروع الخاص بالمدينتين إزالة 75 ألف متر مكعب من ركام المباني ومخلفات الحرب، وفقاً لما يضيفه مصطفى، الذي يلفت أيضاً إلى تزامن أعمال إزالة الأنقاض مع تدويرها عبر ماكينة إعادة تدوير تقوم بفرز الأنقاض وإزالة المعادن منها ثم طحنها وفرزها وفق مقاسات محددة. وتبلغ مساحة الأنقاض التي يتم تدويرها من داريا ودوما فقط قرابة 35 ألف متر مكعب.

عشرات آلاف الأمتار المكعبة

وفضلاً عن داريا ودوما، يلفت مصطفى إلى إتمام عمليات إزالة الأنقاض في أماكن عديدة مثل مدينة حلب وريف إدلب الجنوبي ومناطق أخرى بريفي حماة ودمشق، مؤكداً أن العمل حالياً يتم في ريف إدلب الغربي وريف اللاذقية. ويصل حجم الأنقاض التي تمت إزالتها حتى الآن في كل المناطق إلى ما يقارب 550 ألف متر مكعب.

ويوضح مصطفى أن عمليات الإزالة تعتمد على الآليات المتوفرة لدى الدفاع المدني مع التعاقد في جزء من هذا المشروع مع مزودين من أجل المساعدة بترحيل الأنقاض وإعادة تدويرها من جديد. وبالنسبة لإعادة التدوير يكشف مصطفى أن الدفاع المدني بعتزم شراء ماكينة تدوير جديدة لاستخدامها في المستقبل بشكل صديق للبيئة وإعادة التدوير بالشكل الأمثل.

وحول التحديات، يلفت مصطفى إلى أن أهمها ما يتعلق بالملكيات الخاصة التي تحوي أكواماً من الركام بسبب تعرضها للقصف أو وقوعها ضمن جبهات القتال السابقة، ويشير إلى حساسية هذا الملف التي حتمت بالعمل على إزالة أنقاض المباني العامة والأنقاض الموجودة في الطرقات، بينما لا تتم إزالة أنقاص الملكيات الخاصة دون إذن مسبق من أصحابها. ويشير إلى تحد آخر كبير وهو وجود آلاف الذخائر والألغام غير المنفجرة بين الأنقاض، والتي تعد من أكبر المعوقات وأخطرها.

إعادة تدوير الأنقاض

تقوم عملية إعادة تدوير الأنقاض على تحويل ركام الأبنية المدمّرة إلى مواد قابلة للاستخدام مرة أخرى في مشاريع البناء والبنية التحتية. تبدأ بجمع الأنقاض من المناطق المدمرة، ثم فرزها لفصل المعادن والخشب والمواد الخطرة، يلي ذلك سحقها وغربلتها للحصول على ركام بمقاسات مناسبة. وبعد تنظيفها وفحصها للتأكد من مطابقتها للمواصفات الهندسية، تُستخدم هذه المواد في الطرق، الردميات، أو الخرسانة منخفضة الإجهاد.

ويوضح الخبير في إدارة الكوارث والأزمات الدولية، محمد الحاج خلال حديثه لـ”المدن” أن أهمية العملية تتجاوز الجانب التقني، فهي تتيح فتح الطرق وتنظيف الأحياء وتحضير الأرضية لإعادة الإعمار بسرعة وكلفة أقل، كما تقلل الضغط على الموارد الطبيعية.

ويضيف أن أبرز فوائد إعادة التدوير تتمثل بكونها تحد من التلوث الناتج عن تراكم الركام، تقلل الانبعاثات المرتبطة بالنقل لمسافات طويلة، وتخفف من استنزاف الموارد الطبيعية مثل الرمل والحصى.

اقتصادياً، يلفت الحاج إلى أن هذه العمليات توفر مواد بناء أقل كلفة، تخلق فرص عمل في مراحل الجمع والفرز والتشغيل، وتخفض كلفة مشاريع الإعمار بشكل كبير. أما في سياق مخلفات الحرب، فتساعد على إزالة مخاطر الذخائر غير المنفجرة والمواد الملوثة، مما يعزز أمن المدنيين ويؤسس لبيئة صالحة للعيش وإعادة بناء المدن.

مدخل لإعادة الإعمار

وحول إمكانية تأثير استخدام الخرسانة المعاد تدويرها على أداء المباني المشيدة حديثاً يلمح الحاج إلى أن التجارب الدولية، خصوصاً في أوروبا، أثبتت أن الخرسانة المعاد تدويرها آمنة وفعالة للأعمال غير الإنشائية مثل الأرصفة والطرق والردميات، ويمكن استخدامها أيضاً في عناصر إنشائية خفيفة إذا تمت معالجتها وفق المواصفات. ويضيف أن المفتاح هو الالتزام بجودة الفرز والمعالجة ونسب الخلط الصحيحة، وليس المادة نفسها.

ومن جانب آخر، يرى الحاج أن عملية إزالة وتدوير الأنقاض تعد المدخل الحقيقي للإعمار، نظراً لأن إعادة تدوير الأنقاض تتيح تنظيف المناطق المتضررة وفتح الطرق وإنتاج مواد بناء محلية منخفضة التكلفة. وبدون هذه المرحلة، تبقى أي خطة إعمار محدودة أو مكلفة، أما عند تحويل الركام إلى مواد قابلة للاستخدام، فيصبح الإعمار أسرع وأكثر استدامة ويستفيد منه السكان مباشرة.

المدن

—————————

 حمشو يُعلن عن تسوية مع الحكومة السورية: لا نقاشات بالماضي

الأربعاء 2026/01/07

أعلنت “اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع، عن إبرام تسوية رسمية مع رجل الأعمال السوري محمد حمشو، المدرج على لوائح العقوبات الأميركية والأوروبية، لصلاته مع نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

العدالة الاقتصادية

وقالت اللجنة في بيان، إن التسوية مع حمشو جاءت ضمن “برنامج الإفصاح الطوعي الذي أطلقته اللجنة حديثاً، بهدف تحقيق العدالة الاقتصادية وضمان شفافية الأصول والممتلكات لدى رجال الأعمال الذين يشتبه في اكتسابهم للحسابات والمصالح من قربهم من النظام السابق”.

وأضافت أن التسوية “تم التوصل إليها بعد تحقيقات موسعة وفحص شامل للأصول والإقرارات المالية المقدمة من السيد حمشو”، وأن “البرنامج يوفر فرصة فريدة لتسوية الأوضاع القانونية والضريبية أمام الذين لديهم ما يستوجِب الإفصاح، وذلك بدون المساس بحقوق الدولة ولا تجاوز إطار القانون”.

وأوضح البيان أن “برنامج الإفصاح الطوعي” يهدف إلى تمكين الأفراد ورجال الأعمال من تقديم بيانات دقيقة عن ممتلكاتهم وأصولهم، وتسوية الوضع القانوني لمن يثبت أن اكتساب ثروته كان مشروعاً، وتعزيز استقرار البيئة الاقتصادية وتشجيع الاستثمار بشفافية، وحماية الاقتصاد الوطني من مظاهر الكسب غير المشروع واستعادة الحقوق المالية للدولة:.

وأكد أن اللجنة “ستتابع تنفيذ البرنامج وتقييم نتائجه بصرامة، مع التأكيد على أن أي محاولة للتهرب أو تقديم معلومات مضللة ستعرّض صاحبها للمساءلة القانونية كاملة”، معتبراً أن التسوية مع حمشو “خطوة مهمة في مسار الإصلاحات الاقتصادية والقانونية في البلاد، ويؤسس لمبادرات أخرى تهدف إلى تعزيز النزاهة والشفافية في الاقتصاد الوطني”.

حمشو: لا نقاشات في الماضي

من جانبه، أعلن حمشو في منشور على “فايسبوك”، توقيع “اتفاق شامل” مع الحكومة السورية، بهدف “تنظيم وتثبيت الوضع القانوني، وفتح صفحة جديدة، دون الدخول في أي سجالات أو نقاشات تتعلّق بالمراحل السابقة”. وأضاف “نؤمن أن سوريا اليوم تتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها الأمل، وبناء المستقبل، من خلال التعاون الإيجابي مع مؤسسات الدولة والجهات المعنية، والقطاع الخاص وبما يخدم مصلحة الوطن والناس”.

ووجه حمشو شكره إلى الرئيس السوري أحمد الشرع لاعتماده “السياسة الحكيمة في طيّ صفحة الماضي وفتح آفاق جديدة قائمة على الاستقرار، والعمل المشترك، ولمّ الشمل”، مضيفاً أن المرحلة المقبلة “تتطلّب تكاتف الجهود والعمل كيدٍ واحدة من أجل التنمية، وتحسين ظروف عيش المواطنين، وخدمة الناس وتعزيز المصلحة العامة”.

واجهة ماهر الأسد

ويمتلك حمشو مروحة واسعة من الشركات في مختلف المجالات الاقتصادية والمالية من على عهد نظام الأسد، أبرزها “مجموعة حمشو الدولية” التي تضم نحو 20 شركة تعمل في المقاولات والتعهدات الحكومية والسكنية.

وأُدرج على لوائح العقوبات الأميركية والأوروبية في العام 2011، إلا أن الاتحاد الأوروبي رفع العقوبات عنه مؤقتاً في العام 2014، قبل أن يُعاد فرضها في العام 2015.

وفي العام 2020، أُدرج حمشو مع عدد من أفراد عائلته على لوائح العقوبات الأميركية بموجب قانون قيصر، بسبب عمله كواجهة اقتصادية لشقيق رئيس النظام السوري المخلوع ماهر الأسد، وتوليه عدد من أعماله، بحسب وزارة الخزانة الأميركية. وقالت الوزارة إن حمشو “لديه اهتمامات في كل قطاعات الاقتصاد السوري تقريباً. وعمل كواجهة وشريك مقرب من ماهر الأسد”.

ووفق تحقيق سابق لوكالة “رويترز”، فإن حمشو، سلّم نحو 80 في المئة من أصوله التجارية لصالح الحكومة السورية، وتقدر قيمتها بأكثر من 640 مليون دولار.

ومن بين ما تنازل عنه حمشو، مصنعه لمعالجة الحديد والصلب. وكان المعمل خلال سنوات الثورة السورية، مكاناً لإعادة تدوير آلاف الأطنان من الحديد المستخرج من بيوت السوريين في مناطق سورية مختلفة، بعد تدميرها بالعمليات العسكرية لآلة حرب نظام الأسد، ثم استخراجها عن عناصر طريق الفرقة الرابعة التي كان يقودها ماهر الأسد، ضمن ما كان يعرف بعمليات “التعفيش”.

———————————-

«الصندوق السعودي» يسرّع خريطة التعافي في سوريا بتمويلات مرتقبة لـ 1.5 مليار دولار

المرشد لـ«الشرق الأوسط»: توقيع وشيك لاتفاقيات تنموية مع دمشق… و250 مليون دولار حزمة أولى

دمشق: موفق محمد

7 يناير 2026 م

فد من «الصندوق السعودي للتنمية» برئاسة رئيسه التنفيذي، سلطان بن عبد الرحمن المرشد، مع وزير الطاقة السوري، محمد البشير، ومسؤولين آخرين في الوزارة، المشاريع ذات الأولوية المقترحة في قطاعَي الكهرباء والمياه؛ حيث تم طرح أربعة مشاريع، بقيمة 250 مليون دولار، وهي من ضمن قائمة مشاريع في قطاعات مختلفة سيتم تمويلها من الصندوق على مراحل، بقيمة إجمالية قد تصل إلى 1.5 مليار دولار. بينما أعلن المرشد لـ«الشرق الأوسط»، أنه سيتم «قريباً» توقيع اتفاقيات تنموية مع الحكومة السورية لتمويل المشاريع ذات الأولوية في القطاعات الحيوية.

تأتي مباحثات الوفد في إطار الزيارة التي بدأها الثلاثاء إلى سوريا وتستمر ثلاثة أيام، ويجري خلالها اجتماعات مع عدد من الوزراء ورؤساء الهيئات، لبحث المشاريع ذات الأولوية بمختلف القطاعات التنموية لتمويلها ومساهمة الصندوق في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سوريا ودعم الاستقرار فيها.

واستهل الوفد لقاءاته يوم الأربعاء بلقاء مع وزير الطاقة في مقر الوزارة بدمشق، تم خلاله، حسب بيان للوزارة، بحث أولويات المشروعات المقترحة في قطاعَي الكهرباء والمياه؛ وذلك في إطار التنسيق لتحديد المجالات التي يمكن دعمها في المرحلة المقبلة.

بعد ذلك، عقد الوفد لقاءً موسعاً مع معاوني وزير الطاقة، لشؤون التخطيط والتميز المؤسسي، إبراهيم العدهان، ولشؤون الموارد المائية، أسامة أبو زيد، بحضور عدد من المسؤولين المعنيين في قطاعات الكهرباء والمياه والصرف الصحي.

وجرى خلال اللقاء استعراض حزمة من المشاريع الخدمية والتنموية؛ بهدف تحديد أولويات وزارة الطاقة تمهيداً لانتقالها إلى مرحلة التنسيق والتنفيذ اللاحقة.

وشملت المشاريع المطروحة صيانة محطة حلب الحرارية لإعادتها إلى طاقتها الإنتاجية القصوى، وتوريد عدّادات مياه ذكية مسبقة الدفع وتركيبها للمؤسسات في جميع المحافظات، إضافة إلى مشروع جر مياه الفرات من محافظة دير الزور شرق سوريا إلى منطقتي تدمر وحسياء في محافظة حمص وسط البلاد، ومشروع ري سهول مدينتي الباب وتادف في ريف حلب شمال سوريا؛ بما يسهم في تحسين الموارد المائية ودعم القطاع الزراعي.

وأوضحت الوزارة أن هذه الزيارة تأتي في سياق تحديد متطلباتها، على أن يُعقد لاحقاً اجتماع مع وزارة المالية لاستكمال التنسيق واختيار المشاريع ذات الأولوية التي سيجري دعم تنفيذها.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، قال الرئيس التنفيذي للصندوق السعودي للتنمية، إن «الزيارة تهدف إلى بحث فرص التعاون التنموي بين الصندوق السعودي للتنمية وسوريا الشقيقة بمختلف قطاعات التنمية».

وأوضح أن البحث يتناول المشاريع ذات الأولوية بمختلف القطاعات التنموية لتمويلها، ومساهمة الصندوق في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سوريا ودعم الاستقرار فيها.

وأعلن المرشد أنه «سيتم توقيع اتفاقيات تنموية مع الحكومة السورية لتمويل المشاريع ذات الأولوية في القطاعات الحيوية قريباً».

من جانبه، ذكر معاون وزير الطاقة لشؤون الموارد المائية، أسامة أبو زيد، لـ«الشرق الأوسط»، أن المشاريع التي تم طرحها هي «مهمة وملحة للوصول إلى التعافي المبكر وتحسين الخدمات للأهالي في سوريا».

وأوضح أن إعادة تأهيل مشروع ري سهول الباب وتادف، يروي أكثر من 6600 هكتار، ومشروع إعادة تأهيل المحطة الحرارية في حلب، سيضيف قيمة لتوليد الكهرباء باستطاعة تصل 600 كيلوواط، بينما مشروع إعادة تأهيل محطات المياه في القرى والبلدات التي دُمرت خلال الحرب، يتضمن إعادة تأهيل 157 محطة، في حين سيسهم مشروع توريد عدّادات مياه ذكية مسبقة الدفع في ترشيد الاستهلاك وتحسين خدمة المياه.

وبعدما كشف أبو زيد عن أن «القيمة الإجمالية لهذه المشاريع تصل إلى 250 مليون دولار»، قال: «لاحظنا تجاوباً من قبل إخواننا في صندوق التنمية السعودي، وبمجرد انتهاء إجراءات المراسلات سيتم اعتماد هذا التمويل في القريب العاجل».

وكان وفد الصندوق السعودي للتنمية برئاسة المرشد، بدأ زيارته إلى سوريا الثلاثاء، والتقى وزير المالية يسر برنيه لبحث توفير تمويلات ميسّرة ذات عنصر منحة مرتفع لدعم مشاريع حكومية في قطاعات حيوية.

وأعرب برنيه في منشور على منصة «لينكدإن»، عن الأمل في أن يتم التوافق، مع انتهاء زيارة وفد الصندوق، على قائمة المشاريع التي سيتم تمويلها على مراحل، بقيمة إجمالية قد تصل إلى 1.5 مليار دولار.

وتشمل المشاريع، حسب برنيه، قطاعي الصحة والتعليم بصورة رئيسية، عبر إعادة تأهيل وتجهيز عدد من المشافي والمدارس، إضافة إلى مشاريع في قطاعات الطاقة والمياه لإنشاء محطات فرعية لنقل الكهرباء ومعالجة المياه، ومشاريع في قطاع الإسكان وإدارة الكوارث والاتصالات.

كذلك تتضمن المشاريع دعم تمويل عدد كبير من المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، للمساعدة على خلق فرص عمل منتجة في عدد من المناطق التنموية.

وأوضح برنيه أنه قدم عرضاً موجزاً يلخص بصورة أولية الاحتياجات ويشرح المشاريع المطروحة، جرى إعداده بالتعاون مع عدد من الوزارات والمحافظات والهيئات والمؤسسات في سوريا، ضمن إطار ورشة العمل التي نظمتها وزارة المالية بداية الأسبوع لدعم مشروع «سوريا من دون مخيمات».

وشملت لقاءات وفد الصندوق السعودي للتنمية لقاءً مع وزير الصحة، مصعب العلي، تم خلاله بحث سبل تمويل ودعم مشاريع صحية حيوية ضمن خطة الوزارة للأعوام (2026-2028)، إضافة إلى لقاء مع وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو، بحث سبل تعزيز التعاون في مجال التربية والتعليم، للارتقاء بالعملية التعليمية في سوريا.

وذكر الصندوق، الثلاثاء، أن هذه الزيارة تأتي تأكيداً على أهمية التعاون التنموي بين الجانبين بما يسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة ودعم المبادرات الإنمائية في سوريا، إذ قدّم إسهامات تنموية في أكثر من 100 دولة نامية حول العالم منذ تأسيسه في عام 1974، من خلال دعم وتمويل أكثر من 800 مشروع وبرنامج إنمائي بمختلف القطاعات، بقيمة تتجاوز 22 مليار دولار، للإسهام في تحقيق أثر تنموي مستدام في الدول المستفيدة مما يعزز فرصها في النمو الاقتصادي والاجتماعي.

وتقدم السعودية بشكل مستمر دعماً كبيراً لسوريا الجديدة في كل المجالات، بعد إطاحة نظام حكم بشار الأسد السابق في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024.

وكشف رئيس الهيئة السورية للمعارض والأسواق الدولية محمد حمزة، خلال مشاركته ضيف شرف في فعاليات معرض «صنع في السعودية» بالمملكة، التي أقيمت من الفترة الممتدة من 15 إلى 17 ديسمبر الماضي، أن حجم استثمارات السعودية في سوريا بلغ خلال عام 2025، أكثر من 6.6 مليار دولار في قطاعات مختلفة.

———————–

باخرة الطحين الأميركي.. دعمٌ إنساني أم خطوة في لعبة النفوذ؟/ مازن الشاهين

 ما الهدف من باخرة الطحين الأميركي؟

2026-01-07

لا يمكن قراءة وصول بواخر الطحين والقمح إلى الموانئ السورية بوصفه إجراءً لوجستياً عابراً أو استجابة إنسانية معزولة، بل كإشارة مكثّفة على التحوّل العميق الذي أصاب منظومة الأمن الغذائي في البلاد. فحين تصبح دولةٌ كانت حتى وقت قريب من مصدّري القمح في المنطقة، معتمدةً على المساعدات الخارجية لتأمين الخبز، فإن السؤال لم يعد عن عدد الأطنان الواصلة، بل عن معنى هذا الاعتماد وحدوده وتداعياته.

ورست في مرفأ طرطوس 17 الشهر الجاري، باخرة تحمل 14 ألف طناً من الطحين، مقدّمة من الولايات المتحدة الأميركية عبر برنامج الأغذية العالمي، وحسب تصريحات رسمية “هذه الباخرة هي الأولى من مجموع ثلاث بواخر تحمل حمولةً تقدّر بنحو 40 ألف طناً مخصّصة للوصول إلى أكثر من 300 مخبز في أربع محافظات هي دمشق وحمص وطرطوس وإدلب، وفي وقت سابق، أعلنت المؤسسة السورية للحبوب وصول خمس بواخر تحمل أكثر من 134 ألف طن من مادة القمح إلى مرفأي اللاذقية وطرطوس، قادمة من أوكرانيا وروسيا ضمن خطة تأمين مادة القمح اللازمة لاستمرار عملية إنتاج الخبز.

أرقام صادمة؟!

منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) قالت في تقرير لها صدر مطلع نيسان/ أبريل الماضي، إن من المتوقع أن يكون إنتاج الحبوب في سوريا بالموسم الحالي أقل من متوسط إنتاج السنوات الماضية جميعها، كما أن الظروف الجوية الجافة والمخاوف الأمنية تعوق إنتاج الحبوب في عام 2025.

ويرى خبراء في الاقتصاد الزراعي أن أزمة القمح في سوريا ليست مجرّد نتيجة لحرب طويلة، بل انعكاس لتشابك عوامل بيئية واقتصادية ومؤسساتية وسياسية تُعمّق من هشاشة الأمن الغذائي، فهي أزمة مركّبة تتغذى على فشل البنية التحتية، وتآكل السياسات الزراعية، وتفاقم تأثيرات التغير المناخي، وإن وصول أول باخرة طحين أميركية عبر برنامج الأغذية العالمي يسلّط الضوء على عمق أزمة القمح والخبز.

ويعد القمح من المحاصيل الاستراتيجية الرئيسة في سوريا، إذ كان متوسط إنتاج المحصول منذ 1990 إلى 2010 يزيد على أربعة ملايين طن، وسجلت سوريا في 2006 أعلى رقم في إنتاجه بمقدار 4.9 مليون طن، وفق المكتب المركزي للإحصاء، وكان متوسط الاستهلاك المحلي 2.5 مليون طن، ما أتاح فائضاً للتصدير يتراوح بين 1.2 و1.5 مليون طن.

وبعد الحرب تراجع الإنتاج المحلي ولم يعد يكفي لتغطية الاستهلاك، ما فرض الاعتماد المتزايد على الاستيراد والدعم الخارجي، وصولاً إلى انخفاض 75% عن مستويات ما قبل 2011، وتظهر هذه الأرقام تراجعاً صادماً في زراعة القمح هذا العام، وهي مؤشرات خطيرة تحمل تحذيراً واضحاً، يتطلب تحركاً سريعاً لإنقاذ الزراعة في سوريا من الانهيار، فالإنتاج الزراعي للقمح في سوريا، حسب خبراء، تراجع بشدة مقارنة بالماضي بسبب الجفاف، وارتفاع التكاليف، والنزاع، وضعف الدعم، مما أدى إلى فجوة كبيرة بين الإنتاج والاستهلاك، وأصبح استيراد القمح ضرورياً لتغطية احتياجات الخبز الأساسية.

ديبلوماسية القمح

برنامج الأغذية العالمي أوضح أن الشحنة تأتي في إطار مساعدات تهدف إلى الاستجابة لأزمة الأمن الغذائي التي تهدد ملايين السوريين، لكن محللين اقتصاديين يشيرون إلى أن التوقيت وطبيعة المساعدات تحملان أيضاً إشارات سياسية، خصوصاً في ظل تصاعد التنافس بين القوى الدولية على إعادة التموضع داخل سوريا.

يقول الباحث الاقتصادي الدكتور حسان مراد في تصريحات لـ”٩٦٣+”: وصول الباخرة الأولى هو حدث رمزي أكثر منه اقتصادي في الوقت الحالي، لكنه يفتح الباب أمام نقاش أكبر حول: هل يكون هذا الطحين نقطة ضوء في نفق الأزمة المعيشية، أم ورقة جديدة في سِجلِّ الصراع الجيوسياسي على الأرض السورية؟

ويضيف: “بين الدعم الإنساني والضغط السياسي، فإن شحنة الطحين هذه تفتح ملف الأمن الغذائي، وإن الولايات المتحدة تسعى عبر برنامج الأغذية العالمي لتثبيت وجودها الإنساني في مناطق متعددة، وربما تمهيد مسار جديد من الضغط الناعم، فخلال السنوات الماضية، أصبح تأمين الخبز الغذاء الأساسي للسوريين تحدياً يومياً، فالمخابز العامة والخاصة تعمل بطاقات منخفضة، والمواد الأولية، وعلى رأسها القمح والطحين، شهدت ارتفاعاً حاداً في الأسعار ونقصاً في الإمداد”.

الطحين.. سلعة سيادية في بلد جائع

يرى المهندس الزراعي عيسى البكور في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن الدعم المقدم من الجانب الأميركي عبر برنامج الأغذية العالمي (WFP)، في خطوة قُدِّمت رسمياً على أنها دعم للأمن الغذائي وتعزيز المخزون التمويني في البلاد، لكن، خلف هذا العنوان الإنساني، تبرز أسئلة أكثر إلحاحاً: هل نحن أمام بداية انفراج حقيقي في أزمة الغذاء؟ أم مجرّد شحنة إسعافية في بلد يعاني اختلالاً بنيوياً في منظومته الغذائية؟

ويضيف: في سوريا اليوم، لا يُنظر إلى الطحين بوصفه مادة غذائية فحسب، بل بوصفه مؤشراً سياسياً واقتصادياً وأمنياً، فالخبز لا يزال الغذاء الأساسي لأكثر من 80% من السكان، في وقت تشير تقديرات أممية سابقة إلى أن ملايين السوريين يعيشون حالة انعدام أو هشاشة أمن غذائي، والشحنة جاءت ضمن برامج الطوارئ التي يعتمدها برنامج الأغذية العالمي، وهو ما يعني أن الهدف الأساسي منع الانهيار لا تحقيق الاكتفاء، وهذه الشحنات تشبه إعطاء مريض جرعة مسكن، بينما المرض الحقيقي هو تدمير الزراعة، وغياب الإنتاج المحلي، وارتفاع كلفة القمح، وانهيار القدرة الشرائية، أي أن الأمر مازال يندرج ضمن إدارة الأزمة لا حلّها، فالدعم الخارجي، مهما اتسع، يبقى مرهوناً بالتمويل السياسي، ولا يمكن أن يشكّل بديلاً دائماً عن إنتاج وطني مستدام.

ويختم البكور بالقول: إن شحنة طحين لا تطعم بلداً، ووصول أول باخرة طحين أميركية إلى سوريا خبر مهم، لكنه ليس خبراً مريحاً لنا أهل الاختصاص، فهو اعتراف ضمني بأن البلاد ما زالت عاجزة عن تأمين خبزها بنفسها، وأن الأمن الغذائي السوري بات مرهوناً بالخارج، لنبدأ من سؤال أكبر: متى تنتقل سوريا من تلقي الطحين… إلى زراعة القمح؟

لماذا تحتاج سوريا لقمح مستورد؟

يقول المهندس الزراعي إبراهيم خميس مدير سابق في المؤسسة العامة للحبوب لـ”٩٦٣+”: “السبب هو العجز بين الإنتاج والطلب، فمعدل الاستهلاك السنوي من القمح يقارب 4 ملايين طن، بينما الإنتاج المحلي في موسم 2024/2025 كان أقل من 1 مليون طن فقط، ما يخلق فجوة كبيرة يجب تغطيتها بالاستيراد، وروسيا وأوكرانيا تعتبران من أكبر مصدّري القمح عالمياً، وأسعارهما كانت تنافسية قبل الحرب الأوكرانية، لذلك كان قمح البحر الأسود المصدر الرئيسي لتغطية النقص في القمح السوري، كما أن القيود والعقوبات وصعوبات التمويل والدفع حدّت من تنويع مصادر الاستيراد، فتركّزت العقود على روسيا غالباً، إلى جانب مساعدات من منظمات دولية وبرامج إنسانية تصل أحياناً على شكل طحين جاهز كما في الباخرة الأميركية الأخيرة”.

ويضيف: “تشير التقديرات الحديثة إلى أن إنتاج القمح في سوريا لا يغطي سوى نحو 20% من الطلب المحلي، نتيجة مزيج من العوامل أبرزها أسوأ موجة جفاف تشهدها البلاد منذ عقود، وتراجع معدلات الأمطار، وانخفاض تدفّقات نهر الفرات منذ عام 2020، ما ألحق أضراراً جسيمة بالزراعة المروية والبعلية وأدى إلى خسارة أكثر من 70% من المساحات المزروعة في موسم 2024–2025. ويُضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج وتقلّص القروض الزراعية، وتضرر البنية التحتية وشبكات الري بسبب الحرب، ونزوح الفلاحين وضعف الدعم الحكومي، ما أفقد زراعة القمح جدواها الاقتصادية ودفع المزارعين للتحوّل إلى محاصيل أخرى، لينخفض إجمالي المساحات المزروعة من نحو 1.7 مليون هكتار قبل 2011 إلى قرابة مليون هكتار فقط، في تراجع يتجاوز 35% عن سنوات الاكتفاء الذاتي والفائض التصديري”.

ويستمر بيع الخبز التمويني المدعوم بسعر أرخص مقابل دعم حكومي برامج مساعدة، غالباً عند حوالي 4000 ليرة سورية للربطة الواحدة (1200 غرام)، وهناك أيضاً الخبز التجاري الحر غير المدعوم الذي يصل سعره إلى حوالي 6000 ليرة سورية.

+963

——————————–

===================

تحديث 06 كانون الثاني 2026

———————————

إعادة الإعمار بمنظور السياسة الصناعية: لا وصفة جاهزة: منطق مُصاغ محلياً ومُختبَر واقعياً/ مسلم عبد طالاس

06-01-2026

        ليست السياسة الصناعية – بوصفها الأداة الهادفة إلى إعادة تشكيل البنية القطاعية للاقتصاد – ولا عملية إعادة الإعمار في سوريا مجرد ملف تقني أو مجموعة مشاريع هندسية يُمكن إدراجها في جداول زمنية صارمة. إنها في جوهرها مسألة سياسية–اقتصادية عميقة تتجاوز صور الأبراج الجديدة والجسور المُعبدة لتلامس أساس الدولة والاقتصاد معاً. من يملك سلطة القرار؟ كيف تُوزَّع الموارد؟ ما الذي ينبغي أن يبدأ أولاً، وما الذي يُمكن أن يتأخر؟ وما حدود قدرة المؤسسات على قيادة الاقتصاد مع استخلاص الدروس في الوقت نفسه؟ الاقتصادات الخارجة من الحرب لا تنهض بمجرد صبّ الإسمنت أو استيراد المعدات، بل عبر اختيار واعٍ للقطاعات القاطرة، وبناء جهاز دولة مستقل عن شبكات الريع لكنه متجذّر في المجتمع، واعتماد نهج تعلّمي وتجريبي قادرٍ على كسر الجمود البيروقراطي. هذه الصيغة الثلاثية هي ما قدّمه هيرشمان، وبلوَره لاحقاً كل من إيفانز ورودريك – وهما من أبرز المنظرين للسياسة الصناعية – لكنها تلتقي جميعاً عند نقطة محورية واحدة: أن الإعمار الناجح ليس وصفة جاهزة بل منطق يُصاغ محلياً ويُختبر على أرض الواقع.

        قدّمت النظرية الاقتصادية عبر التاريخ إجابات مختلفة لمسألة الثروة ومصادرها. جادل الفيزيوقراطيون في القرن الثامن عشر، مثل كيناي، بأن الزراعة وحدها تُنتج فائضاً اقتصادياً، بينما تُعيد الأنشطة الأخرى توزيعه فحسب. قد تبدو هذه النظرة للوهلة الأولى قديمة، لكنها تُذكرنا بأهمية الأمن الغذائي في بلد مثل سوريا، حيث انخفض حصاد القمح والزيتون انخفاضاً حاداً، وأصبحت واردات الغذاء عبئاً على الميزانية والحياة اليومية. لاحقاً، جاء الاقتصاديان الكلاسيكيان، آدم سميث وديفيد ريكاردو، اللذان حوّلا مركز الثقل نحو الصناعة والتجارة؛ إذ جادلا بأن تقسيم العمل والميزة النسبية يُطلقان العنان للنمو ويُمكنان الدول من المنافسة. تتردد هذه الفكرة بوضوح في النقاشات السورية حول إحلال الواردات وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية. ذهب كارل ماركس إلى أبعد من ذلك: لم تكن الصناعة، بالنسبة له، مجرد قطاع واحد من بين قطاعات أخرى، بل كانت المصدر الحقيقي لفائض القيمة – الفائض الذي يُمكّن من تراكم الثروة. بالنسبة لسوريا بعد الحرب، تُعد هذه الرؤية بالغة الأهمية، إذ لا يُمكن للاقتصاد الاعتماد كلياً على الزراعة أو الخدمات المُتفرقة في ظلّ تدمير واسع النطاق للقدرة الإنتاجية. ثم جاء كولين كلارك وجان فوراستيه في القرن العشرين بنظريتهما للقطاعات الثلاثة، واصفَينِ التحول التاريخي من الزراعة إلى الصناعة، ثم إلى الخدمات. يُقدم لنا هذا المنظور خريطة زمنية: في المرحلة الأولى، يجب تثبيت قاعدة الزراعة والطاقة والبنية التحتية، ثم بناء قاعدة صناعية لتقليل الواردات، وأخيراً الانتقال إلى الخدمات والمعرفة المتقدمة.

        ومع ذلك، لا تُجيب هذه الروايات الكبرى على السؤال المُلحّ: كيف تُعيد الاقتصادات التي مزقتها الحروب الحياةَ من جديد؟ وهنا يأتي دور ألبرت هيرشمان، بأطروحة بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في جوهرها: لا تتطور الاقتصادات بخطى ثابتة أو من خلال خطط شاملة، بل من خلال قطاعات رائدة ذات روابط أمامية وخلفية كثيفة تجذب قطاعات أخرى. إذ ليست جميع القطاعات متساويةً في قدرتها على توليد الروابط، فالطاقة ليست مجرد قطاع؛ إنما هي مدخل كل شيء: فلا زراعة، ولا صناعة، ولا خدمات من دون كهرباء وماء ووقود. إن البنية التحتية تفتح شرايين التجارة وتُخفض تكاليف الإنتاج، بينما يُشغّل الإسكان والبناء أعداداً كبيرة من العمال ويُولّدان طلباً فورياً على الإسمنت والصلب والزجاج والنقل. لذا فإن اختيار هذه القطاعات ليس ترفاً، بل ضرورة. غير أن العبرة لا تكمن في اختيارها، بل في هندسة الروابط بينها بوعي: كيف يُمكن للطلب الهائل على مواد البناء أن يُصبح فرصة لإعادة تشغيل مصانع الإسمنت المحلية بدلاً من تحفيز الواردات المُكلفة؟ كيف يُمكن ربط محطات الطاقة الفرعية الجديدة بالمناطق الصناعية الناشئة، مما يفتح آفاقاً للصادرات بدلاً من مجرد تغطية الاستهلاك المحلي؟ هذه هي أسئلة هيرشمان الجوهرية.

        لكن القطاعات وحدها لا تكفي. وكما يقول بيتر إيفانز، فإن السياسة الصناعية ليست قائمة قرارات مُحايدة، بل هي اختبار للدولة نفسها. فإذا كانت الدولة أسيرة شبكات المحسوبية أو ترتيبات تقاسم الريع، فإن أي خطة ستذوب في توزيع الريع، وستُصبح المشاريع الملموسة أدواتٍ لترسيخ اقتصاد الحرب بدلاً من التغلب عليه. في المقابل، إذا حققت الدولة ما أسماه إيفانز بالاستقلالية الراسخة – أي الاستقلال النسبي عن المصالح الضيقة مع بقائها مُتجذرة في نسيج المجتمع والأسواق – فستتمكنُ من توجيه عملية إعادة الإعمار بفعالية. هذا يعني أن على الدولة السورية أن تتجاوز منطق تقاسم الحصص نحو جهاز قادر على حوكمة رشيدة: عقود شفافة، وآليات لحل النزاعات العقارية التي تُعيق الاستثمار، وبيروقراطية مُنضبطة مُحصنة ضد نزوات شبكات الزبائنية. من دون هذه العناصر، حتى الخيارات القطاعية الصحيحة ستفشل في تحقيق أهدافها.

        يُضيف داني رودريك بُعداً ثالثاً لا يقلُّ أهمية: لا يُمكن إدارة إعادة الإعمار كصيغة جاهزة أو خطة رئيسية مُكتملة. فالاقتصاداتُ المُعقدة تتطلب التعلُّمَ عبر التجريب: إطلاق مشاريع تجريبية صغيرة، وقياس نتائجها، ونشرها علناً، ثم توسيعها أو تعديلها وفق ما يكشفه الواقع. في سوريا، قد يعني ذلك أن عقد صيانة الطُرق القائم على الأداء قد يُشكل نموذجاً أولياً أكثر قيمة من خطة خمسيةٍ مكتوبة على الورق، أو أن إنشاء مجمع سكني نموذجي يُتيح قياس التكلفة والجودة بدقّة قد يُعلِّم أكثر من مئات الوعود المبالغ فيها التي تنهار عند أول احتكاك بالتنفيذ. فالتجريب ليس ضعفاً، بل قوة: إذ يُقرّ بحدود المعرفة السابقة، ويفتح المجال أمام التعلّم المؤسسي القادر على التكيف.

        إن النظر إلى سوريا في نهاية عام 2025 من خلال هذا المنظور الثلاثي يُعطي صورة متباينةً. فمن جهة، ثمة إشارات رسمية واضحة لتحديد القطاعات الرائدة. يضع الصندوق السوري للتنمية إعادة الإعمار في صميم أهدافه: إزالة الأنقاض، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير السكن الآمن، وتوفير وسائل نقل حديثة. وتربط وزارة الكهرباء بوضوح تحسينات نظام الطاقة بمسار إعادة الإعمار مؤكدة على أن الطاقة شرطٌ أساسي لأي نشاط اقتصادي أو خدمي آخر. وتُقدم هيئة التخطيط والتعاون الدولي نفسها على أنها الذراع التخطيطي للدولة لمتابعة الخطط، بينما تعمل هيئة التخطيط الإقليمي على دمج التخطيط المكاني والاقتصادي – وهو أمرٌ ضروري لتجنب النمو الحضري المُشوه أو «الجزر الخرسانية» التي تفتقر إلى الروابط الوظيفية. وتُركز وسائل الإعلام الرسمية على البنية التحتية والطاقة والإسكان. كل هذا يعكس التوافق مع منطق هيرشمان: من حيث تحديد القطاعات الرائدة، والوعي الجليّ بأولويات الطاقة والإسكان والبنية التحتية. من ناحية أخرى، لا تزال هناك فجوات لا يُمكن تجاهلها. أولاً، لا تزال هندسة الروابط بين القطاعات غائبة عن الخطاب العام. إذ لا توجد خطط منشورة توضح، على سبيل المثال، كيف يُمكن الاستفادة من موجة البناء لإعادة تنشيط الصناعات المحلية بدلاً من الاعتماد على الواردات، أو كيف يُمكن ربط محطات الطاقة الفرعية بالمناطق الصناعية أو الزراعية الموجهة للتصدير. ثانياً، الشفافية التشغيلية ضعيفة: تفتقر المواقع الإلكترونية الرسمية إلى قوائم مشاريع مُفصّلة مع جداول زمنية ومؤشرات أداء، مما يجعل ثقة المجتمع والمستثمرين محدودة. ثالثاً، آليات التعلّم والتجريب غائبة إلى حد كبير. فالمعارض والمؤتمرات قد تُعطي شعوراً بالديناميكية، لكنها لا يُمكن أن تُغني عن وثائق التشخيص المنهجية أو تقارير التقييم الدورية للمشاريع التجريبية الصغيرة. رابعاً، خطر المحسوبية الذي يلوح في الأفق: فمن دون الشفافية، من السهل جداً أن تتحول مشاريع إعادة الإعمار إلى أدوات لتوزيع الريع بين شبكات النفوذ.

        بالنظر إلى الوضع في سوريا في نهاية عام 2025، يظهر قدر جيد من الاتساق على المستوى القطاعي: إذ يبدو اختيار القطاعات الرائدة سليماً نسبياً. لكن الاتساق المؤسسي ليس على ما يرام: فهياكل التخطيط رغم وجودها لكنها تفتقر إلى التفعيل والشفافية الكافيين. كما أن الاتساق المنهجي، من حيث التعلم التجريبي، ضعيف.

        ما العمل إذاً؟ أولاً، ينبغي وضع مصفوفة مشاريع عامة لكل قطاع رائد، تُحدد النطاق والتكلفة والتمويل والجهة المنفّذة والجدول الزمني ومؤشرات الأداء على أن تُحدّث هذه البيانات بشكل ربعِ سنويٍّ على بوابة حكومية واحدة. هذا ليس مطلباً فنياً، بل شرط لبناء الثقة المؤسسيّة والاجتماعية. ثانياً، يجب  تصميم الروابط بعناية وفقاً لمفهوم هيرشمان: بحيث تتحول المشاريع إلى حِزم متكاملة، مثل ربط مشاريع الطاقة بصناعات الإسمنت والصلب مع صيانة الطرق القائمة على الأداء، أو ربطها بأنظمة الري وبقطاع تجهيز الأغذية والتخزين البارد، على أن تكون بأهداف واضحة للمحتوى المحلي وتسهيلات ائتمانية لدعمها. ثالثاً، ينبغي إطلاق منصة تجريبية رسمية بروح رودريك: مشاريع تجريبية صغيرة مُعلنة – كمجمع سكني نموذجي، أو محطة كهرباء فرعية مرتبطة بمنطقة صناعية، أو عقد طريق قائم على الأداء – مصحوبة بتقارير تقييم مفتوحة كل ستة إلى تسعة أشهر، لتمكين التعلّم والتصحيح بشفافية. رابعاً، تتطلب إعادة الإعمار إنشاء مجلس تنسيق دائم يضم هيئة تخطيط، ولجنة التخطيط الإقليمي، وصندوق التنمية، والوزارات المعنية، وإلى جانب ممثلين اقتصاديين من اتحادات الأعمال والمقاولين، مع محاضر منشورة مُوجزة. هذه ليست بيروقراطية زائدة عن الحاجة، بل تجسيدٌ عملي للاستقلالية الراسخة التي أرساها إيفانز: دولة تُدير، لا دولة تُقسِّم الغنائم.

        تقف إعادة إعمار سوريا اليوم عند مفترق طرق. ففي أحد المسارين، تتحول مشاريع البناء والطاقة إلى عروض خرسانية ضخمة دون روابط إنتاجية، تاركة الاقتصاد أسيراً للمحسوبية والريع. وفي المسار الآخر، تُصبح الخرسانة أداة للسياسة الصناعية الواعية، تفتح قنوات للتصنيع والزراعة والطاقة والخدمات، وتُسهم في بناء جهاز حكومي قادر على التعلّم والتصحيح. لا يكمن الفرق بين هذين المسارين في حجم التمويل، بل في طبيعة الدولة نفسها ونهجها. والتحدي الأكبر لا يتَمثّل في تأمين القروض أو إزالة الأنقاض، بل في بناء منطق سياسات صناعية ينسج معاً القطاعات الرائدة، والحوكمة الشفافة، والتجريب المؤسسي. عندها فقط، ستُصبح إعادة الإعمار عملية مستمرة، لا مجرد صورة جوية مصممة لتُبهر العين.

موقع الجمهورية

——————————–

 بعد رفع العقوبات.. كيف هي مقاربة واشنطن للملف السوري في 2026؟/ سونير طالب

2026.01.06

مع بداية عام 2026، لا يدخل السوريون عامًا جديدًا بالمعنى التقليدي للكلمة. لا احتفالات واسعة ولا وعود كبيرة، بل حسابات يومية أكثر إلحاحًا: سعر الخبز، عدد ساعات الكهرباء، واستمرارية العمل في اقتصاد بالكاد يتنفّس. في هذا السياق المعيشي الضاغط، يبرز القرار الأميركي المتعلق بإلغاء «قانون قيصر» بوصفه تطورًا يتجاوز طابعه الإجرائي، ليطرح سؤالًا أوسع مع مطلع العام الجديد: هل نحن أمام تحوّل فعلي في مقاربة واشنطن للملف السوري، أم مجرد إعادة ضبط للأدوات بهدف منع الانهيار من دون فتح أفق حل شامل؟

لم يكن القرار الأميركي المتعلق بإلغاء «قانون قيصر» مجرّد خطوة تقنية أو استجابة ظرفية، بل جاء ليعكس تحوّلًا أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع الملف السوري. فبعد سنوات من الاعتماد على العقوبات كأداة ضغط رئيسية، تبدو الولايات المتحدة وقد انتقلت إلى نمط مختلف من الانخراط، يقوم على إدخال العامل الاقتصادي في صلب إدارة الاستقرار، لا بوصفه مدخلًا لحل سياسي شامل، وإنما كوسيلة لضبط التدهور ومنع الانزلاق نحو فوضى أوسع.

هذا التحوّل لا يعني تبدّلًا في الأهداف الاستراتيجية الأميركية بقدر ما يعكس إعادة ترتيب للأدوات بما يتلاءم مع واقع بات أكثر استقرارًا نسبيًا وأقل قابلية للتجاهل. فالعقوبات، رغم تأثيرها العميق على الاقتصاد السوري، لم تُنتج تغييرات سياسية جوهرية، في حين أسهمت في تعميق التدهور المعيشي، وتآكل البنى الإنتاجية، وارتفاع كلفة الإدارة اليومية للاقتصاد، ما أوجد بيئة أكثر هشاشة على المستويين الاجتماعي والأمني.

في هذا السياق، يصبح إدخال الاقتصاد في المعادلة وسيلة لإدارة الاستقرار لا لإطلاق مسار تعافٍ اقتصادي شامل. فالمقاربة الأميركية لا تشير إلى استعداد لدعم إعادة إعمار واسعة أو فتح الباب أمام تدفّق استثمارات كبرى، بل تكتفي بالسماح بتحسينات تدريجية ومضبوطة في القطاعات الأساسية، بما يضمن استمرار عمل مؤسسات الدولة، ويحدّ من التدهور الذي قد يتحوّل إلى عامل تفجير أمني أو سياسي يصعب احتواؤه لاحقًا.

على المستوى العملي، لا تُترجم هذه التحوّلات إلى تغييرات دراماتيكية في حياة السوريين، بل إلى فروقات صغيرة ولكن ذات دلالة: ورشة أُعيد فتحها بعد سنوات من التوقف، معمل يعمل لساعات أطول، أو حيّ يستعيد جزءًا من خدماته الأساسية. هذه التحسينات المحدودة لا تعني تعافيًا اقتصاديًا، لكنها تُشكّل الفارق بين الانهيار الكامل والاستمرار الهش، وهو الفارق الذي يبدو أنه بات محور الاهتمام الأميركي في هذه المرحلة.

وتقوم هذه المقاربة على استخدام الاقتصاد كأداة تنظيم وضبط، من خلال التحكم بمسارات التمويل، وتوسيع أو تضييق هوامش الحركة أمام الفاعلين الاقتصاديين، وربط أي تحسّن ملموس بدرجة من الاستقرار الأمني والإداري. فبدل العقوبات الشاملة التي تُضعف الجميع من دون تمييز، تتيح هذه الآلية لواشنطن التأثير بشكل أكثر انتقائية، يسمح بتخفيف الضغوط في قطاعات محددة، مع الإبقاء على القدرة على التدخل والتعديل عند الحاجة.

ومن هذا المنظور، تُقرأ إعادة الإعمار في الحسابات الأميركية بوصفها وظيفة أمنية بلباس اقتصادي، أكثر منها مشروعًا تنمويًا. فإعادة تشغيل شبكات الكهرباء والمياه، وتحسين البنى التحتية الخدمية، وإطلاق مشاريع محدودة لتوليد فرص عمل، تُعدّ وسائل لتقليص دوافع الاضطراب الاجتماعي وتعزيز القدرة على الضبط، من دون الانخراط في مسارات اقتصادية واسعة يصعب التحكم بإيقاعها أو آثارها السياسية.

ينسجم هذا النهج مع ما تُسميه أدبيات بناء السلام وإدارة ما بعد النزاع بـ«إعادة الإعمار الوظيفية»، إذ لا تُطرح عملية البناء بوصفها مسارًا لإعادة هيكلة الاقتصاد أو معالجة اختلالاته البنيوية، بل كوسيلة لتقليص مصادر التوتر المرتبطة بانهيار الخدمات وتفكك البنية التحتية وارتفاع معدلات البطالة. وضمن هذا الإطار، تُستخدم مشاريع إعادة الإعمار المحدودة كأدوات لامتصاص الصدمات، لا كرافعات للنمو المستدام.

كما يرتبط هذا التصور بمفهوم «القدرة الدولتية الدنيا»، الذي يركّز على الحد الأدنى من الوظائف التي يجب أن تكون الدولة قادرة على أدائها كي تبقى قابلة للاستمرار: تشغيل المؤسسات الأساسية، تحصيل الإيرادات، تقديم الخدمات الحيوية، وضبط المجالين الأمني والإداري. وبهذا المعنى، يصبح دعم التحسينات الاقتصادية المحدودة جزءًا من استراتيجية الحفاظ على هذا الحد الأدنى، لا خطوة نحو بناء دولة قوية أو اقتصاد متماسك.

غير أن هذا المسار الاقتصادي يبقى وثيق الارتباط بالبعد الأمني، خصوصًا في ظل محاولات تنظيم «داعش» استغلال المرحلة الحالية لإعادة تثبيت حضوره. فالهجمات المحدودة التي شهدتها بعض المناطق لا تعبّر عن عودة التنظيم كقوة سيطرة، بقدر ما تعكس نمط «بقايا التمرّد»، الذي يسعى إلى اختبار الجاهزية الأمنية واستثمار أي فجوة ناتجة عن التحولات الاقتصادية أو الإدارية الجارية.

في أدبيات التمرّد المسلّح، يُشار إلى هذا النوع من العمليات بوصفه «إشارات استراتيجية»، تهدف إلى إرسال رسائل سياسية وأمنية عالية الدلالة ومنخفضة الكلفة. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تحركات التنظيم الأخيرة باعتبارها محاولة للعب دور «الفاعل المُفسِد»، أي الطرف الذي يسعى إلى تعطيل أي نمط مستقر من إدارة الأمن أو الاقتصاد، عبر رفع مستوى عدم اليقين وزيادة كلفة أي ترتيبات قائمة.

وفي مواجهة هذا التهديد، يبرز التنسيق الأمني المحدود بوصفه خيارًا عمليًا أكثر منه مشروعًا سياسيًا. فالتقاطع في المصالح بين واشنطن ودمشق في ملف مكافحة «داعش» لا يرقى إلى مستوى الشراكة ولا يلغي الخلافات البنيوية، لكنه يفرض أنماطًا من التعاون البراغماتي، تقوم على تبادل المعلومات وضبط مناطق محددة ومنع تحوّل بعض الجغرافيا إلى مساحات مفتوحة أمام التنظيم.

هذا النوع من التعاون يبقى محكومًا بسقوف واضحة وقابلًا للتعديل وفق تطوّر التهديدات. فالهدف الأميركي يظل مرتبطًا بحماية وجوده المحدود ومنع تمدّد التنظيم، في حين يتركّز الهدف السوري على تثبيت السيطرة الأمنية ومنع إعادة تشكّل الشبكات المسلحة. وبين هذين الهدفين، يتشكّل تقاطع مصالح مؤقت، لا يؤسّس لمسار سياسي جديد، لكنه يسهم في إدارة المخاطر القائمة.

في المحصلة، لا يمكن توصيف العلاقة الحالية بين واشنطن ودمشق بوصفها شراكة أو مصالحة، كما لا يمكن اختزالها في إطار صراع مفتوح. إنها علاقة إدارة ملف، تقوم على التعامل مع الوقائع كما هي، وعلى استخدام أدوات اقتصادية وأمنية محسوبة، من دون افتراض حلول كبرى أو تحوّلات جذرية.

ومع دخول عام 2026، يفرض هذا النمط من الانخراط سؤالًا مركزيًا: إلى أي مدى يمكن لإدارة الاستقرار أن تبقى بديلًا عن البحث في جذور الأزمة؟ وهل يكفي تخفيف التدهور ومنع الانفجار للحفاظ على استقرار طويل الأمد، أم أن الاستقرار الذي لا يفتح أفقًا سياسيًا واقتصاديًا أوسع يحمل في داخله بذور هشاشته؟ وبين إدارة المخاطر وتأجيل الحلول، يبقى السوريون عالقين في منطقة رمادية: لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي. فهل يكون عام 2026 امتدادًا لهذا التعليق الطويل، أم بداية لاختبار حدود هذه المقاربة نفسها؟

تلفزيون سوريا

——————————–

البيانات حقّاً عامّاً… سورية بين إرث الإخفاء وأفق الدولة المفتوحة/ مرشد النايف

06 يناير 2026

لم يكن البيان الذي أصدره رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى سورية، رون فام رودن، عقب زيارته دمشق منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، مجرد ملاحظة تقنية عابرة، فحين قال إن “البيانات الاقتصادية الموثوقة لا تزال شحيحة، لكن الدعم الفني جارٍ لتحسين إصدار البيانات في سورية”، كان يعيد، بصيغة دبلوماسية هادئة، توصيفا أعمق لمعضلة سورية ممتدة منذ عقود: بلدٌ حرمه نظام القتل من الرقم بوصفه معرفة عامة، لا بسبب نقص في القدرات، بل نتيجة نهجٍ استبدادي أغلق البيانات، واحتكرها، وحوّلها إلى أداة سيطرة لا إلى حقّ للمجتمع. تشكّل هذه الجملة القصيرة، مفتاحا لقراءة تاريخ طويل من الإخفاء، ولتفكيك طبيعة العلاقة بين السلطة ومواطنيها، كما تضيء على دلالة الحديث اليوم، عن فتح باب البيانات، لتؤكد أن البيانات لم تكن يوماً شأناً اقتصادياً محضاً، بل كانت ولا تزال مدخلاً لفهم السياسة وأدوات الحكم.

من هذا المنظور، أي دعم دولي لبناء منظومة بيانات مفتوحة لا يعني فقط تحسين الكفاءة وتعزيز الشفافية أو تلبية شروط المانحين، بل يمثّل كسراً واعياً لنهج سياسي طويل قام على احتكار المعرفة، والتحكّم بتداولها، وإقصاء المجتمع عن فهم واقعه والتفاعل معه أولاً، وعن المشاركة في صياغة مستقبله ثانياً. فالبيانات هنا ليست مورداً تقنياً محايداً، بل ساحة صراع رمزية بين منطقين متعارضين: منطق السلطة التي كانت ترى في الرقم مصدر تهديد، ومنطق الحكومة التي تعمل على تعزيز تنظيم المعرفة وتوزيعها بما هو حق عام وأساسي للمشاركة.

في هذا السياق، يعمل هذا العرض على تشييد معنى واضح لكل من البيانات المفتوحة/ إتاحة البيانات بوصفهما تعبيراً مباشراً عن واقع سياسي يختار إمّا الإخفاء لضمان السيطرة والحكم عبر الغموض، أو الفتح بوصفه إعلاناً لثقة متبادلة تفضي إلى توطين نشاط معرفي مستدام.

ولا يعني غياب البيانات والمعلومات والإحصائيات فقط نقصاً في الأرقام، بل غياباً في العلاقة بين الإدارة والمجتمع، فعندما لا تُنشر البيانات، أو تُمنع، أو تُترك مهملة وغير محدّثة، فإن السلطة لا تصادر المعلومة فحسب، بل تصادر إمكانية الفهم ذاتها: فهم السياق العام لحركة الناس داخلياً وخارجياً، وأنماط ومدى تفاعلهم مع القطاعات المختلفة، وكيف تُدار الموارد، ومن يستفيد منها، ومن يُقصى عنها. وفي مثل هذا الفراغ المعرفي، لا يعود المواطن قادراً على قراءة واقعه أو مساءلته، وتتحول الحياة العامة إلى ساحة لتجميع الإمكانات البشرية المعطّلة، تُدار بالانطباعات والتخمين لا بحقائق الأرقام.

وفي السياق نفسه، يتحوّل المواطن إلى كائن يعيش داخل واقع لا يستطيع قراءته. فغياب البيانات لا يحرمه من الأرقام فحسب، بل من أدوات الفهم والمساءلة: لا يعرف الحجم الحقيقي للاقتصاد، ولا مخصّصات “تمويل الجيش”، ولا الرقم الفعلي للتهرب الضريبي، ولا كيفية إدارة موارد النفط… إلخ. وهكذا، لا يُقصى المواطن عن المشاركة السياسية بالقمع المباشر، بل عبر حرمانه من المعرفة، ليجد نفسه عاجزاً عن مساءلة السلطة لأنه ببساطة غير مزوّد ببيانات حول أدائها.

ولكل ما تقدّم، يمكن القول، باطمئنان، إن الدولة ليست ما تقوله عن نفسها في الخطب، بل ما تتركه من أثر قابل للرؤية في حياة الناس. وأحد أكثر هذه الآثار بلاغة هو البيانات: ماذا تنشر الحكومة؟ وكيف تنشره؟ ولمن تتيحه؟

في لحظة عابرة، قد يدخل مستخدم ـ مثلما فعلتُ ـ إلى الموقع الإلكتروني لميناء بحري أو هيئة رسمية، فيعرف خلال دقائق عدد السفن الراسية، وتيرة العمل، أسماء الشركات، أو خريطة قطاع كامل. في تلك اللحظة، لا يطّلع على أرقام فحسب، بل يلمس طريقة تفكير الدولة في مواطنيها: هل تراهم شركاء في المعرفة أم متلقّين سلبيين لا حاجة لإطلاعهم؟

المقارنة لكشف المعنى

في العمل الصحافي التحليلي، لا تُستخدم المقارنة بوصفها أداة بلاغية، بل منهجاً لإنتاج المعنى وكشف البنية العميقة للقضية المدروسة. فعندما نقارن إدارة البيانات في سورية إبّان حكم الديكتاتورية ببيئة الأردن الأقرب اجتماعياً وجغرافياً، يصبح المعنى أكثر وضوحاً وقابليةً للفهم. هناك، لا تُعامل البيانات الرسمية على أنها ممتلكات سيادية مغلقة، بل بوصفها جزءا من الفضاء العام، تُنشر باحتراف، وتُحدّث بانتظام، وتُقدَّم باعتبارها حقاً للمواطن وأداة لفهم الأداء العام، لا منّة إدارية أو مادة دعائية.

يتيح موقع شركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانئ، على سبيل المثال، للزائر الاطلاع على الخطة التنفيذية للأعوام 2024–2026، والموازنات، وأنواع المعدات والآليات.

في المقابل، تكشف المقارنة بين واقع الملاحة البحرية في ميناء العقبة الأردني وواقع مرفأي اللاذقية وطرطوس السوريين المعنى العملي لغياب البيانات ووظيفتها في الاقتصاد الوطني.

في سورية، وعلى امتداد حكم النظام البائد، لم تكن حركة الملاحة البحرية ـ في مثال واحد من بين قطاعات لا تُحصى ـ معطىً عاماً يمكن تتبّعه أو مساءلته، بل معرفة مُنتقاة تُدار بعقلية أمنية مغلقة، لا بمنطق الشفافية العامة. وما كان معروفاً يقيناً عن مرفأي اللاذقية وطرطوس أن إدارتهما وبنيتهما التشغيلية ظلّتا معزولتين عن أي نقاش عام، وأن قدرتهما على استقبال سفن الشحن الكبيرة كانت محدودة لأن عمق الغاطس في ميناء اللاذقية، الأكبر والأهم، تراوح بين 8 و13.3 متراً، ما يحول دون رسو السفن ذات الغاطس العميق، وأبقى الميناء خارج التحولات الحديثة في النقل البحري.

ومع توقيع عقد تطوير ميناء اللاذقية مع شركة CMA CGM الفرنسية، والحديث عن تعميق الغاطس إلى 17 متراً، سيصبح بالإمكان استقبال سفن ضخمة. وتزداد دلالة هذا التحول حين يُقارن بالمعايير الإقليمية؛ إذ تشير بيانات اتحاد الموانئ البحرية العربية إلى أن بعض أرصفة ميناء العقبة صُمّمت لاستقبال سفن بغاطس يصل إلى 20 متراً وبحمولات تصل إلى 100 ألف طن، ما يعكس فجوة لم تكن تقنية بقدر ما كانت نتاج مسار طويل من الإهمال غير المرئي.

من هنا، تبرز المقارنة بين سورية ما قبل هذا التحول، وجارتها الأردن، لا بوصفها مقابلة سياسية مباشرة، بل قراءة في حضور الدولة عبر المعلومات. ففي الأردن، تتحدث المؤسسات بلغة البيانات المنظمة والمحدَّثة، من ميناء العقبة إلى هيئة الإعلام الأردنية إلى وزارة الاتصال الحكومي. وعلى الضفة الأخرى، لا يواجه المواطن أو الباحث في سورية سوى اصطدام طويل بفراغ ثقيل ومقصود: مواقع رسمية بلا مضمون، تتقدّمها، بوصفها المثال الأبلغ، منصّة وزارة الإعلام، حيث تُرصّ عناوين كبرى من قبيل “الصحة” و”الاقتصاد” و”أحوال البلد”، في مقابل غيابٍ شبه تام لأي بيانات عن المؤسّسات العاملة، أو سياساتها، أو إنتاجها. فراغ لا يمكن تفسيره بوصفه تقصيراً تقنياً، بل باعتباره أثراً مباشراً لمنظومة الحكم البائدة التي لا ترى في المعلومة حقاً عاماً، ولا في المعرفة وظيفة للدولة. موقعٌ لا يعكس فقط فقر المحتوى، بل يكشف عري الدولة ذاتها بوصفها سلطة بلا معرفة.

كيف تغيّر البيانات حياة المواطن اليومية؟

إذا كانت المقارنة قد كشفت كيف تعكس إدارة البيانات نمط الحكم، فإن الانتقال إلى أثر ذلك على الحياة العامة يصبح أمراً لا مفرّ منه. فماذا يعني هذا، عملياً، للمواطن وللحكومة السورية معاً؟

يعني، في جوهره، قدرة المواطن على قراءة واقعه الاقتصادي والخدمي قراءة قائمة على المعرفة لا الإشاعة، وعلى الفهم لا التخمين؛ كما يعني تمكينه من مساءلة الأداء العام استناداً إلى معطيات قابلة للتحقق، لا إلى الانطباعات العابرة. ويعني للحكومة، في المقابل، بناء سياسات موجّهة بدقة وكفاءة، انطلاقاً من أرقام حقيقية لا تقديرات مرتجلة، وتنظيم علاقتها مع المجتمع على أساس ثقة لا وصاية.

ومن زاوية أوسع، تفتح البيانات المتاحة الباب أمام مشاركة أكبر للقطاع الخاص والمجتمع المدني، وتخلق بيئة أكثر جاذبية للتخطيط والاستثمار، وأقل عرضة للهدر والفساد. بمعنى آخر: تصبح البيانات جسور إمداد بين تحسين جودة حياة الناس وتعزيز فعالية الدولة.

وحين تُتاح البيانات، لا يتحسّن الخطاب العام فقط، بل تتغيّر تفاصيل الحياة اليومية للمواطن. فالمعرفة الدقيقة بحركة الأسواق، وأسعار السلع، وتكاليف النقل، وتوفّر المواد، تمكّن الأفراد والتجّار الصغار من اتخاذ قرارات أفضل: متى يشترون، ومتى يبيعون، وأين يوسّعون نشاطهم، وأين يتراجعون. وحين تصبح الأرقام متاحة، فإنها تقلّل المفاجآت، وتحدّ من الاحتكار القائم على المعلومة المخبّأة، وتكسر امتياز القلّة التي كانت تعرف ما لا يعرفه الآخرون.

على المستوى المعيشي المباشر، تتحوّل البيانات إلى رغيف خبز وزيادة دخل، حين تمكّن الحكومة المزارع من معرفة الطلب الفعلي على محصوله، والحِرَفي من تقدير حجم السوق، وصاحب المشروع الصغير من احتساب جدوى التوسّع أو التوظيف. بهذا المعنى، لا تكون وفرة البيانات وموثوقيتها ترفاً إدارياً، بل شرطاً يومياً لتحسين الدخل، واستقرار الأسعار، وتقليص الخسارة التي يدفعها المواطن المُقصى عن البيانات بصمت كل يوم.

وفي السياق السوري، تعني إتاحة البيانات القطع مع حقبة العتمة، وتعني أيضاً إعادة تفعيل المجتمعات المحلية، ونقل موقعها من التلقي إلى الشراكة في الفهم. فعندما تكون البيانات متاحة ومحدّثة وموثوقة، فإنها لا تُخبر الناس بما تفعل الدولة فقط، بل تفتح أمامهم مجال المشاركة في تفسير الواقع، ومساءلته، واقتراح بدائل له. إنها بنية تمكينية.

البيانات بنيةً للحكم الرشيد

لا يمكن فهم التحوّل في سياسات البيانات عالمياً بمعزلٍ عن تحوّل أعمق في مفهوم الدولة نفسها، ففي تجارب دولية متعددة، لم تعد البيانات العامة تُعامل بوصفها ترفاً إدارياً أو أداة علاقات عامة، بل بما هي جزء من البنية التحتية للحياة اليومية. ويجد هذا التحوّل في فهم البيانات أساسه الأقدم والأكثر رسوخاً في القانون الدولي لحقوق الإنسان. فالمادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) لا تحمي حرية التعبير بوصفها حقاً في الكلام فقط، بل لكونها حقاً في التماس المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها بأي وسيلة ودون قيود حدودية. وفي هذا المعنى، فإن إتاحة البيانات العامة ليست “مِنّة” سياسية، بل امتداد مباشر لحق أصيل في المعرفة.

وقد تُرجم هذا الفهم لاحقاً إلى التزامات دولية، حين أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، يوم 28 سبتمبر/ أيلول يوماً دولياً لتعميم الانتفاع بالمعلومات، بوصفه شرطاً للشفافية والمساءلة والمشاركة العامة.

ضمن هذا المسار، أطلق صندوق النقد الدولي عام 1996 مبادرات معايير نشر البيانات لتعزيز شفافية البيانات الاقتصادية والمالية في الدول الأعضاء، واضعاً إطاراً طوعياً لنشرها. ويؤكد الصندوق أن شفافية البيانات لا تعزز فقط مصداقية إدارة الحكومة للاقتصاد، بل تسهّل عملية اتخاذ القرار للمشاركين في السوق والمستثمرين، وتسهم، في نهاية المطاف، في دعم النمو الاقتصادي.

وتتقاطع هذه الرؤية مع ما تخلص إليه تقارير صادرة عن مؤسسات دولية مثل البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، والتي تشير إلى أن سهولة الوصول إلى البيانات الحكومية ترتبط مباشرة بتحسين كفاءة الخدمات العامة، وزيادة الثقة بين المواطن والمؤسسات، وخلق فرص اقتصادية جديدة، ولا سيما في قطاعات النقل والإعلام والطاقة.

غير أن الأهم من ذلك، أن هذه التقارير تتفق عند نقطة مفصلية: البيانات المفتوحة لا تحسّن الأداء فقط، بل تغيّر موقع المواطن من متلقٍّ إلى مشارك.

ويشير تقرير “الحوكمة في لمحة 2025” الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى أن البيانات المفتوحة تُعد “أداة أساسية لتحسين الحوكمة العامة، وتعزيز الشفافية، ودعم الابتكار، وتمكين المواطنين والقطاع الخاص من الوصول إلى موارد الدولة واستخدامها بحرية”. ففي الدول التي تبنّت سياسات “الحكومة المفتوحة”، لم يعد المواطن ينتظر البيان الرسمي، بل أصبح قادراً على تتبع حركة المرافئ والنقل، فهم بنية القطاعات الاقتصادية، ومراقبة أداء المؤسسات، والمشاركة في النقاش العام استناداً إلى معرفة، لا إلى تخمين.

في هذا السياق، لا تعود البيانات مجرد أرقام منشورة على موقع إلكتروني، بل تتحول إلى بنية تمكينية: تمكّن الصحافي من التحقق، والباحث من التحليل، ورائد الأعمال من الابتكار، والمستثمر من الدخول، والمواطن من الفهم. وكلما كانت هذه البيانات محدّثة، منظمة، وقابلة للاستخدام، اقتربت الدولة من نموذج الشراكة بدل الوصاية.

ليست إتاحة المعلومات تفصيلاً على هامش الإدارة؛ هي ذروة انفتاح السلطة على المجتمع، وهي صوت جهوري وفصيح عن نهج الحكم. ووجودها يُنهي احتكار المعلومة الذي يشكّل أساس الفساد، وسوء الإدارة، والتلاعب بالسياسات العامة. كسر التقييد وإلغاء المنع والحجب يقوّي المواطن بالمعرفة؛ إذ تصبح الأرقام درعا ضد التلاعب به، وكاشفا مبكّراً للفساد، وآلية يومية تجعل الخبز والدخل والخدمة العامة، قابلة للفهم والمساءلة. يطمح السوريون في سوريتهم الجديدة، إلى القطع مع تاريخ القتل تحت التعذيب، والتقييد، والحجب، والمنع، والانتقال الحاسم من دولة الإخفاء إلى دولة البيانات.

العربي الجديد

——————————————-

خمسمئة محروقة/ يعرب العيسى

06 يناير 2026

يدور النقاش السوري العام هذا الأسبوع حول موضوع العملة الجديدة بالطبع، فبعد أسبوعٍ فصلَ الإعلان عن التطبيق، وامتلأ بنقاش الألوان والرموز، انتهى وسيبدأ نقاش حساب سعر الأشياء. وبالطبع، سيتأجّل نقاش الشيء الوحيد الحقيقي والمهم، أو سيبقى مغفلاً حتى تقع الواقعة.

طوال أيام، أعطى الجميع آراءهم في تأنيث أرقام العقود وتذكيرها، وبتناسب اللون الوردي مع الكتابة السوداء، وبرمزية الزيتون إن كانت تخصّ كل سورية أو محافظة إدلب (الخضراء)، وبإغفال المعالم التاريخية إن كانت جهلاً أو تجاهلاً، بتوحيد الوجه الخلفي، بتدرّج الألوان.

الأكثر اهتماماً أجرى بحثاً على “غوغل” أو “شات جي بي تي”، وقارن تجارب الدول التي وحّدت الخلفية بالدول التي مايزتها، عن عوامل الأمان في أوراق النقد. واستجلب منشوراً (شائعاً وغير صحيح) عن أن الخمسمئة القديمة حصلت على جائزة أجمل عملة في العالم، جدّد بعضهم نقاشاً لم ينتهِ منذ فتح إيلياء (القدس) عن السنة الهجرية ودقة تداخلها مع السنة الميلادية.

الأسبوعان القادمان سيمتلآن بـ: يفترض أن تكون علبة المتّة الكبيرة بـ 293 ليرة جديدة، لماذا جعلوها بـ 300؟ التجار لصوص. “ميكرو باص” تضامن مسبق الصنع لا يعيد الباقي إلى الزبائن، ولا يقبل الخمسمئة القديمة. إرباكات تشبه إرباك تبديل التوقيتَين الصيفي والشتوي، وتكرار سؤال: على القديم أو الجديد؟ حكايات عن ازدحام البنوك، ومزاج شركات الصرافة، عن آليات التسعير، ثم وبعد قليل، عن الديون ومشكلات السوق والسندات والقروض وسواها.

إذاً؛ ملأنا بضعة أسابيع بنقاشات شكلية وتصميمية، ألّفنا النكات عن الألوان، وركّبنا صوراً ساخرة من ردّات فعل الشارع، التقطنا أخطاء لغوية وتصميمية وتقويمية، وأبدينا آراءنا فيها. وتركنا السؤال الحقيقي والمهم: مهلاً. وماذا بعد؟ حقاً ما قيمة هذه العملة الجديدة؟ وكم تحتاج من الوقت كي تنهار مجدّداً، وتدخل في دورة تضخمية متسارعة؟

سعر الليرة خلال العام الماضي، وضبط معدل التضخم (في سعر الصرف فقط) عند حدود 16%، لم يحصل لأسباب اقتصادية ولا مالية، بل بسبب إجراءاتٍ إدارية أهمها ضبط السحب من المصارف، وإبقاؤه عند حدود تقارب المنع، وإلغاء عمليات مصرفية طبيعية مثل التحويل، رغم عدم منعها ظاهرياً. فبإمكانك تحويل أي مبلغ من أي حساب لأي حساب، لكن لا يمكنك السحب منه، أو شراء أي سلعة به، بل يمكنك فقط تحويله إلى شخص آخر لا يستطيع استخدامه.

منطقياً، لن يستطيع البنك المركزي السوري الاستمرار في سياسة حبس السيولة بعد طبع عملة جديدة. وبالتالي؛ سندخل سريعاً في موجة تضخّم، وسنبدأ السنة بسعر صرف 117 ليرة للدولار، من دون أن نعرف على أي سعر سننهيها. والحل الوحيد المتاح لمنع ذلك، أو تبطيئه، الاستمرار بالسياسة النقدية القمعية. وهذا أيضاً سيجعل خطوة تبديل العملة بلا أي قيمة.

يعتقد الخبراء أن للعملية برمّتها هدفين: نفسي يريد منح جرعة تفاؤل للشارع، والتخلص من الفئات التي تحمل صورة المخلوع وأبيه، وأمني يريد إعدام كتلة مفقودة من النقد السوري المطبوع، تقدّر بـ 14 تريليون ليرة، ويُعتقد أنها في حوزة الإيرانيين في العراق، أو في مكان مشابهٍ لدى جهةٍ مشابهة.

يعرف الجميع أن قيمة العملة يحدّدها شيء واحد، وهو الإنتاج. وطالما لم تدُر عجلته بعد، فلا قيمة لأي تصميم، ولا معنى لأي عدد من الأصفار.

العربي الجديد

——————————

سوريا تواجه إيران بمطالبة مضادة.. تعويضات تقدر بـ300 مليار دولار/ حمزة العبد الله

يناير 6, 2026 

مطالبة مالية مضادة تستعد سوريا لتقديمها ضد إيران، على خلفية إسهامها المباشر في الأضرار والخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالبلاد نتيجة دعم النظام المخلوع بين 2011 و2024.

ويحمل هذا التحرك، بحسب خبراء اقتصاديين، طابعاً سيادياً ويندرج في سياق مساعي الحكومة السورية لإسقاط الديون الثقيلة التي خلفها النظام المخلوع وإعادة تعريف العلاقات بين سوريا وإيران، في حين يؤكد قانونيون ضرورة أن تقترن الخطوة بملف واضح يحصر الخسائر والأضرار كافة التي تسبب بها التدخل الإيراني.

وللمرة الأولى، كشف وزير المالية، محمد يسر برنية، عن العمل على إعداد ملف متكامل لمطالبة إيران بتعويضات عن دعمها للنظام المخلوع وما تسبب به من خسائر بشرية واقتصادية. وقال برنية في تصريحات صحفية: “إذا كانت إيران تطالبنا بمبلغ معين فنحن سنطالبها بعشرة أضعاف هذا الرقم مقابل مساهمتها في قتل الضحايا وتدمير البلاد”.

وأكد برنية أن الملف واحد من أعقد الملفات التي تعمل عليها الحكومة، مشدداً على أن سوريا لن تتنازل عن حقوق مواطنيها ومصالحهم ولن تدخر أي جهد لاستعادة المال السوري من أي مكان.

وتُعرّف المطالبة المالية المضادة في القانون الدولي بأنها دعوى يرفعها الطرف المتضرر كرد على مطالبة طرف آخر، بهدف استعادة حقوقه أو الحصول على تعويضات، شريطة أن تكون مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمطالبة الأصلية. وتُستخدم هذه الآلية لضمان التوازن والإنصاف في النزاعات الدولية وتمكين الدولة من الدفاع عن مصالحها ضمن إطار قانوني معترف به دولياً.

300 مليار دولار

يرى الباحث الاقتصادي فراس شعبو، أن الخسائر التي لحقت بالاقتصاد السوري من جراء التدخل الإيراني تنقسم إلى مباشرة وغير مباشرة.

وأوضح شعبو لصحيفة “الثورة السورية”، أن الخسائر المباشرة تندرج تحت إطار الدمار الذي طال البنى التحتية ونهب الموارد واستنزافها، وهيمنة الشركات الإيرانية وأذرعها على بعض القطاعات، في حين تشمل الخسائر غير المباشرة فقدان النمو الاقتصادي وتعطل الاستثمارات.

من جانبه، يشير الباحث الاقتصادي إيهاب اسمندر، إلى أن تقدير حجم التعويضات التي تطالب بها الحكومة السورية إيران يندرج تحت باب حصر الأضرار وحساب التكاليف التي أفرزها التدخل الإيراني لصالح النظام المخلوع.

وقال اسمندر لصحيفة “الثورة السورية”، إن حساب الخسائر يكون عبر حصر الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية من دمار للمرافق العامة والمنشآت النفطية والصناعية، إضافة إلى كلفة التهجير ودمار الخدمات الصحية والتعليمية والانخفاض في الناتج المحلي الإجمالي وتراجع الإيرادات النفطية والسياحية والتجارية، التي تعتبر من الموارد المهمة لخزانة الدولة.

وقدّر اسمندر حجم التعويضات التي يتعين على إيران دفعها لسوريا جراء تسببها بخسائر ضخمة بنحو 300 مليار دولار.

وشهدت السنوات الماضية تراجعاً حاداً في العديد من المؤشرات الاقتصادية، إذ انكمش الناتج المحلي الإجمالي لسوريا بنسبة 85 بالمئة بين 2011 و2024، وفقاً لبيانات برنامج الأمم المتحدة للتنمية. وتراجع الناتج المحلي الإجمالي من 67.5 مليار دولار في 2011 إلى 8.98 مليار دولار فقط في 2023، بحسب تقديرات البنك الدولي.

وفقاً لتقرير صادر عن البنك الدولي، بلغت الخسائر المباشرة في البنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية بين عامي 2011 و2024 نحو 108 مليارات دولار، فيما يقدر أن تكلفة إعادة إعمار سوريا قد تتراوح بين 140 و345 مليار دولار، مع اعتبار 216 مليار دولار أفضل تقدير متحفظ.

ملف معقد

اعتبر شعبو أن التحرك السوري يأتي في سياق مساعي لإسقاط الديون الثقيلة التي خلفها النظام المخلوع ولإعادة تعريف العلاقات بين البلدين في ظل القطيعة الدبلوماسية منذ الثامن من كانون الأول لعام 2024، وأن هدفه ليس تحصيل أموال فورية من إيران وإنما استعادة القرار السيادي والمالي بعيداً عن الأذرع الإيرانية.

وأوضح أن الملف واحد من أعقد الملفات بين البلدين لعدة أسباب، منها تباين المواقف، إذ تتذرع إيران بأن ديونها للنظام المخلوع كانت تحت إطار الباب الإنساني، في حين تؤكد الحكومة الجديدة أن إيران كانت من أهم الدول التي مولت الآلة العسكرية وساهمت في تهجير ملايين السوريين داخلياً وخارجياً، وتدمير مدن وبلدات بأكملها، إضافةً إلى توقف النمو الاقتصادي وتدهور العملة الوطنية والتضخم والبطالة.

المسار القانوني

يرى الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية بسام طبلية، أن التحرك السوري يجب أن يقترن بملف واضح يحصر الخسائر كافة التي تسببت بها إيران طيلة دعمها للنظام المخلوع وإثبات أن اتفاقياتها تجاوزت الأعراف القانونية.

وأكد طبلية لصحيفة “الثورة السورية” أن البيئة القانونية الدولية حالياً مناسبة للبدء بمطالبة إيران بدفع تعويضات لما تسببت به من خسائر ضخمة طيلة 14 سنة الماضية، خاصة في ظل ما تحظى به الحكومة السورية من دعم إقليمي ودولي.

من الجهة الأخرى، يشير طبلية إلى أن الديون التي تطالب بها إيران تعد من الملفات القانونية والسياسية الشائكة التي تحتاج إلى إثباتات بالأدلة “القاطعة”، مشيراً إلى أن أي اتفاق بين دولتين لا يسقط عند حدوث تغييرات بطبيعة الأنظمة الحاكمة ويبقى ملزماً للطرفين إلا في حالات محددة كاعتبار تلك الديون “بغيضة”. ولفت إلى أنه على الحكومة أولاً إثبات حقيقة تلك الديون التي تتحدث عنها إيران، وهل مطالبها تندرج تحت إطار قانوني.

وأضاف أنه من المهم للحكومة السورية دحض الادعاءات الإيرانية وإثبات أن ما تطالب به من ديون لم يُستخدم لدعم نهضة البلاد بل استخدم لتمويل الآلة الحربية والعسكرية للنظام المخلوع وما تسببت به من خسائر بشرية واقتصادية، مشيراً إلى أنه في هذه الحالة يمكن لدمشق التملص من تلك الاتفاقيات ومطالبة طهران بتعويضات عن كل الخسائر، “لأن الديون لم تكن واضحة ولم تخضع للإجراءات القانونية السليمة”.

الدين البغيض

مصطلح “الدين البغيض” أو “الكريه” (Odious debt) يُعرف أيضاً باسم الدين غير الشرعي، ويُعد مفهوماً في القانون الدولي يشير إلى نظرية قانونية تقول إن الديون التي يقترضها نظام حكم لأغراض لا تخدم مصالح الأمة لا يجب على الدولة الوفاء بها.

وبحسب هذا المفهوم، تُعتبر هذه الديون مسؤولية شخصية للنظام الحاكم وليس للدولة، ويمكن مقارنتها بعقود باطلة وُقعت تحت الإكراه.

وظهر مصطلح “الديون الكريهة” لأول مرة عام 1927 على يد الوزير الروسي السابق وأستاذ القانون في باريس، ألكسندر ناحوم ساك.

ووفقاً لقانونه، فإن أي نظام استبدادي يحصل على قرض لم يكن الهدف منه تلبية حاجات الدولة ومصالحها، بل لتعزيز قوته وقمع السكان، فإن هذا الدين يُعتبر كريهاً. وبذلك يكون غير ملزم للدولة، ويُحسب على النظام المستبد فقط، ويسقط مع سقوطه.

ويؤكد القانون أن الحكومة الجديدة يمكنها التخلي عن التزامات حكومة سابقة فيما يتعلق بهذه الديون، لأن الشرعية القانونية للديون تتطلب أن تُستخدم الأموال المقترضة لخدمة مصالح الدولة واحتياجاتها، وهو ما لا يتحقق في حالة الدين الكريه.

الثورة السورية

———————————

 كهرباء سوريا 2026: جباية بلا عدّاد وعقاب للملتزم

دمشق – رهام علي

الثلاثاء 2026/01/06

مع بداية العام 2026، يبدو أن السوريين على موعد مع فصل جديد من فصول “الجباية” القسرية. ففي خطوة أثارت لغطاً واسعاً، أصدرت وزارة الكهرباء السورية قراراً يقضي بتعديل آلية تقدير الاستهلاك المنزلي، ليلزم المشتركين الجدد والعائدين إلى منازلهم بفاتورة تقديرية ثابتة، تحت ذريعة “عدم توفر العدادات”.

هذا الإجراء، الذي خفّض سقف الاستهلاك “التقديري” من 800 إلى 400 كيلو واط ساعي للدورة الواحدة، يضع المواطن في مواجهة مباشرة مع عجز المؤسسة الفني.

جباية قسرية في غياب القياس

تعتمد الهيكلية السعرية الجديدة التي بدأت الشركات العامة للكهرباء في المحافظات بتطبيقها، على تقسيم الـ 400 كيلو واط المفروضة إلى شريحتين: الأولى تغطي 300 كيلو واط بسعر 600 ليرة للكيلو، والثانية تغطي الـ 100 المتبقية بسعر 1400 ليرة. وبذلك، تصبح “الضريبة المقنعة” التي يجب على المشترك دفعها نحو 320 ألف ليرة سورية (29 دولاراً تقريباً) للدورة الواحدة، حتى وإن لم يستهلك كيلو واط واحداً.

وتبرر الوزارة هذا الإجراء بكونه “خطوة أولية لضبط الهدر وتحقيق توازن في الشبكة”، ولتوحيد العمل بين الشركات العامة في ظل النقص الحاد في العدادات الأحادية منذ أول تشرين الثاني الماضي. إلا أن التدقيق في تفاصيل القرار يكشف عن فجوات تنظيمية تحول “التقدير” إلى “عقاب مالي”.

جباية الجزاف: عقاب الملتزم

في توصيفه لهذا الإجراء، يرى الخبير الاقتصادي د. عمار يوسف أن فرض فاتورة تقديرية ثابتة هو “عملية عدالة في الظلم”، مؤكداً أن الخطأ هو خطأ المؤسسة العاجزة عن تأمين العدادات.

ويضيف يوسف في تصريح خاص لـ”المدن”: التقدير الجزافي بـ 400 كيلو واط ككلفة استهلاك هو أمر غير منطقي، خاصة وأن هناك منازل كثيرة فارغة لا يسكنها أحد، ومع ذلك يُفرض عليها هذا المبلغ، معتبراً أن ما يحدث هو عملية “إثراء بلا سبب” وظلم مباشر للمواطنين.

حسابياً، تصل قيمة هذه الفاتورة “الإجبارية” إلى نحو 320 ألف ليرة (29 دولاراً)، وهو مبلغ يفوق طاقة المواطن الذي كان قبل سنوات يجد صعوبة في دفع فاتورة تُحسب بالكيلو واط الواحد بـ 3 ليرات، فكيف الحال اليوم مع سعر 600 ليرة للشريحة الأولى؟

“دعم خلبي” وتمهيد للخصخصة

يفكك الخبير الاقتصادي مفهوم الـ 400 كيلو واط التي تروج لها الوزارة كدعم، واصفاً إياها بـ “الدعم الخلّبي”. فمن الناحية التقنية، لا توجد عائلة سورية تستهلك أقل من 1000 واط حتى في ذروة التقنين؛ إذ إن الـ 400 كيلو المحددة لا تكفي لتشغيل الأدوات الأساسية (براد، غسالة، وساعات قليلة من التدفئة أو التكييف).

ويرى يوسف أن هذه الأسعار ليست إلا “تمهيداً لخصخصة قطاع الكهرباء”، إذ تعمل الحكومة على رفع الأسعار لتصبح “عامل جذب” للمستثمرين الذين لن يقبلوا بالاستثمار وفق الأسعار القديمة غير المجدية. ويضيف: “المواطن هو من سيدفع الثمن الأكبر، والفوائد ستذهب للجهات الحكومية أو الشركات الخاصة من جيوب المواطنين، مما سيزيد الفقر فقراً، لدرجة أن الموظف سيحتاج لراتب ثانٍ فقط لتغطية فاتورة الكهرباء”.

الزيادة التي أكلتها الفاتورة

على المقلب الآخر، لم تمر هذه القرارات دون أن تثير عاصفة من النقمة في “الفضاء الرقمي” السوري، حيث تحولت التعليقات إلى مرآة لواقع يرى في هذه المبالغ “افتراءً وظلماً” على شعب لم يكد يلتقط أنفاسه.

وتلخصت ردود الفعل في تساؤل مرير: “ليش وينا الكهرباء لندفع كل معاشنا ثمنها؟”، في إشارة إلى أن ساعات الوصل الشحيحة قد لا تعادل استهلاك 100 واط فعلي، بينما تُجبر الوزارة المواطن على دفع ثمن 400 واط “تقديرية”.

وبرز سؤال العدالة المفقودة بحدة في تعليقات المواطنين: “إذا لم تكن العدادات متوفرة من المؤسسة فما ذنبنا لندفع ثمن عجزكم؟”. فيما ربط آخرون بين الفاتورة والزيادات الوهمية في الرواتب، معتبرين أن ما أُعطي باليمين استردته الكهرباء باليسار: “الزيادة اللي تحققت على الراتب أخذتموها دفعة واحدة.. خبرونا الزيادة الثانية كيف بدكم تأخذوها؟”.

وبين من يطالب بـ “أن يشبع الخبز أولاً”، ومن يذكّر بدراسات سابقة تؤكد أن المنزل السوري يحتاج بالحد الأدنى إلى 600 كيلو واط ليعيش حياة آدمية، يبدو القرار كـ “إعدام مالي” للملتزمين.

عقاب الملتزم ومكافأة المخالف

بالتوازي، يطرح القرار إشكالات اقتصادية تتجاوز مجرد تأمين السيولة؛ فهو يفرض رقماً ثابتاً (400 ك.و.س)  ولا يفرق بين منزل مأهول وآخر مهجور، أو بين مستهلك يعتمد التقنين الصارم وآخر لديه منظومة طاقة شمسية تغنيه عن الشبكة، بالتوازي فإن المواطن الذي يسعى لتسوية وضعه القانوني يجد نفسه “مغرماً” بفاتورة ثابتة إلى أجل غير مسمى، بينما يظل “سارقو التيار” خارج دائرة الضبط الفعلي، مما يرسخ ثقافة مفادها أن “الالتزام مكلف والتهرب مجدٍ”.

بدلاً من وضع جدول زمني لتأمين العدادات ومعالجة الخلل الفني، اختارت الوزارة الطريق الأقصر عبر تحويل نقص التجهيزات إلى مصدر إيرادات مضمون.

الاستثمار في الوجع

يبدو أن السيناريو القادم، كما يحلل يوسف، يعتمد على الضغط الحالي ليتقبل المواطن لاحقاً دخول الشركات الخاصة كـ “منقذ”، بينما الحقيقة هي أن الشبكة الموجودة ستُدار بأسعار سياحية وتجارية. وفي بلد يعيش معظم سكانه تحت خط الفقر، تتحول الكهرباء من خدمة أساسية إلى استثمار في حاجة الناس، حيث تصبح “الإنارة” رفاهية لا تليق إلا بمن يملك “راتبين” أو حوالة خارجية بالدولار.

المدن

———————————

 سوريا تتعاون مع ألمانيا لتنفيذ مشروعات إعادة الإعمار

خطة سورية لتعزيز الشراكات مع الشركات الأجنبية والاستفادة من التقنيات المتقدمة

الرياض – العربية

06 يناير ,2026

بحث وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار مع القائم بأعمال السفارة الألمانية بدمشق كليمنس هاخ، سبل تطوير العلاقات الثنائية في مجالات الصناعة والتجارة والاستثمار بين البلدين.

وتم خلال اللقاء التأكيد على تعزيز التعاون الاقتصادي، واستمرار التنسيق والتشاور بما يخدم المصالح المشتركة لسوريا وألمانيا ويعزز الشراكة الاقتصادية بينهما.

وأشار الشعار إلى الفرص المتاحة لتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري مع الشركات الألمانية، بما يسهم في دعم الاقتصاد السوري وتعزيز مشاريع التنمية، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

من جانبه، أعرب القائم بالأعمال الألماني عن تطلع بلاده لتعميق العلاقات الاقتصادية مع سوريا والمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار وفرص الاستثمار المستقبلية.

وتأتي المباحثات السورية الألمانية في إطار الجهود الحكومية الرامية إلى توسيع علاقات التعاون الاقتصادي، ولا سيما في مجالات الصناعة والتجارة والاستثمار، بما يسهم في دعم الاقتصاد السوري وتحفيز عملية التنمية.

وتسعى وزارة الاقتصاد والصناعة السورية إلى تعزيز الشراكات مع الشركات الأجنبية والاستفادة من الخبرات والتقنيات المتقدمة، إلى جانب فتح آفاق جديدة للاستثمار والمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار.

————————-

==================

تحديث 05 كانون الثاني 2026

———————————

التضخم في سوريا بين المشكلة والحل/ د. يحيى السيد عمر

يناير 5, 2026 

شهد الاقتصاد السوري في عام 2025 تطوُّرات مختلفة؛ شملت تحسُّن سعر الصرف، وإلغاء العقوبات الدولية، وتحسين مستوى الأجور والرواتب، وتطوراً نسبيّاً في الإنتاج. لكن في الوقت ذاته لا يَزال يُواجه تحديات خطيرة؛ من أبرزها التضخم، والذي يُعدّ من أخطر التحديات التي تُواجه الحكومة والمؤسسات وحتى الأفراد والأُسَر.

التضخم في سوريا أصبح واقعاً ملموساً يعيشه المُواطِن في تفاصيل حياته اليومية. وتحوَّل إلى عامل ضاغط على الأسرة، يُؤثّر على القدرة الشرائية، ويُضاعِف الضغوط على الفقراء وأصحاب الدخل المحدود، ما يجعل الحكومة أمام خيارات اقتصادية صعبة تتطلَّب توازناً دقيقاً بين حماية المستهلك وضَبْط العجز المالي.

تظهر آثار التضخم في الأسواق، في الرواتب، في قيمة المدخرات، ما يجعله قضية اقتصادية واجتماعية مترابطة، لا يمكن فَصْل جانب عن آخر دون أن ينعكس ذلك سلباً على المجتمع ككل.

الأثر الاجتماعي للتضخُّم واضح. الأُسَر السورية تشهد تآكلاً مستمراً في المدخرات، بينما الدخل غالباً لا يُواكِب ارتفاع الأسعار، ما يَفْرض إعادة ترتيب الأولويات والحدّ من الاستهلاك. الموادّ الغذائية والخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم تتأثر مباشرةً، ويضطر المواطن إلى تأجيل بعض الاحتياجات أو التكيُّف مع انخفاض الجودة أو الكمية.

الشباب يواجهون تحديات أكبر في تأمين فرص العمل، ما يزيد من هشاشتهم الاقتصادية ويُؤثّر على مستقبلهم المهني والاجتماعي. التضخم يُوسِّع الفجوة بين الطبقات، ويجعل الفئات الأكثر هشاشة تتحمَّل أعباء إضافية، بينما الأُسَر القادرة على الوصول إلى مصادر تمويل مُؤقّتة تُخفّف من تأثيره عليها.

على الرغم من أن التضخُّم سجَّل في عام 2025 تراجعًا واضحًا وفقًا لتصريحات البنك المركزي؛ إلا أن هذا التراجع لم ينعكس بشكلٍ كافٍ على حياة الناس، مثل غلاء المعيشة وارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية، وذلك لعدة أسباب؛ منها: ضعف قيمة الليرة وعدم ضبط السوق بشكلٍ كافٍ.

فيما يتعلق بأسباب التضخم في سوريا فهي متعدّدة، تشمل ارتفاع تكاليف الإنتاج، نتيجة زيادة أسعار المواد الأولية والطاقة. التأثيرات الخارجية مثل تقلُّبات أسعار العملات والسلع العالمية تضيف طبقة أخرى من التعقيد، ومحدودية الموارد المالية المتاحة أمام الحكومة تزيد من صعوبة ضبط الأسعار، وتضعها أمام تَحدٍّ مزدوج بين حماية القدرة الشرائية للمواطنين، وضبط الأسعار دون زيادة العجز المالي أو التأثير سلباً على الاستثمارات والنشاط الاقتصادي المحلي.

الواقع الاقتصادي السوري يُضاعِف التكلفة الاجتماعية لمعالجة التضخم، وتُصبح الخيارات أمام الحكومة محدودة، فعلى سبيل المثال: ارتفاع فاتورة الدعم الاجتماعي لبعض السلع وحوامل الطاقة يُرهِق موازنة الدولة، وفي نفس الوقت، التخلي عن هذا الدعم قد يرفع التضخم ويُعمِّق الضغوط الاجتماعية، وهذا الأمر يتَّضح من خلال رفع أسعار الكهرباء وحوامل الطاقة الأخرى.

هذا الأمر أسهم في تخفيض العجز المالي الحكومي، لكنه أثر سلباً على التضخم؛ لأن ارتفاع أسعار الكهرباء والمحروقات تعني ارتفاع تكاليف الإنتاج، وبالتالي ارتفاع الأسعار والتضخم إضافةً لزيادة الضغوط الاجتماعية على الأُسَر. هذا الواقع يُوضّح أنّ مُواجهة التضخم تتطلب توازناً دقيقاً بين دعم المستهلك، وتحفيز الإنتاج، وضبط التمويل، مع مراعاة التأثيرات الاجتماعية اليومية.

في هذا السياق، تُعدّ قيمة الليرة من القضايا المتصلة اتصالاً مباشراً بالتضخم، والتي تُؤثّر أيضاً على الحكومة والشركات والأفراد، واستبدال الليرة من خلال حذف صفرين منها لا يُشكِّل حلاً للتضخم. على العكس تماماً، التضخم قد يُؤثّر على قيمة الليرة الجديدة، وربما تعود للانخفاض مجددًا إذا لم يتم إيجاد حلول جذرية، وبالتأكيد استبدال الليرة خطوة هامة وضرورية، لكنّ نتائجها النهائية مرتبطة بالتضخم بشكل مباشر.

تراجع قيمة الليرة يزيد من صعوبة التحكُّم بالتضخم؛ إذ يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الاستيراد ويضعف القدرة على تثبيت الأسعار محليًّا، ويزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق؛ لأن الاستقرار النقدي مرتبط بأُسُس اقتصادية قوية وثقة عامة بالسياسات المالية. استمرار ضَعْف الإنتاج المحلي يجعل الاقتصاد أكثر عُرْضَة للصدمات الخارجية، ويؤدي إلى ارتفاع مستمر للأسعار، ما يَفْرض سياسات شاملة لإعادة بناء الإنتاج المحلي ودعم القطاعات الأساسية.

من جهة أخرى، التضخم عامل سلبي للاستثمار ويَحُدّ من القدرة على التصدير؛ لأن التضخم يُقلّل جاذبية المشروعات المحلية والخارجية، ويُضْعِف القدرة التنافسية خارجيّاً، ويَحُدّ من الاستهلاك الداخلي، ما يزيد التأثير السلبي على الاقتصاد. سوق العمل يتأثَّر كذلك؛ إذ يَقِلّ الدخل الحقيقي للعمال وتصبح الرواتب غير كافية لمواجهة التكاليف المتزايدة، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاجية وارتفاع الضغوط الاجتماعية.

حلّ مشكلة التضخم يحتاج إلى رؤية متكاملة، تجمع بين تحسين الإيرادات، ضَبْط التمويل، دعم الإنتاج المحلي، وحماية المستهلك، مع سياسات نقدية مدروسة. أيّ خطوة غير متزامنة مع ضبط العرض النقدي وتحسين الإنتاج ستكون مُؤقَّتة وستفقد تأثيرها بسرعة، كما أن استمرار ضعف الثقة بالعملة يُقيِّد قدرة الدولة على تحقيق استقرار طويل الأمد.

سياسات وإستراتيجيات مُعالَجة التضخم تُعدّ من صُلْب مسؤوليات البنك المركزي، لكنّ النجاح في هذه المهمة مُرتبط بتوافر الأدوات النقدية والمالية اللازمة والكافية. وفي هذا الشأن يُواجه المركزي السوري تحديات تَحُدّ من قُدرته على ضبط التضخم، الرصيد بالعملات الأجنبية منخفض جدًّا، أدوات التحكم بالسيولة وبالكتلة المالية في السوق أيضاً محدودة، والقدرة على تحفيز الإنتاج تُواجه عقبات مختلفة.

هذا الواقع يُعقِّد المشهد، والحل هنا يمكن تقسيمه إلى مرحلتين؛ الأولى إسعافية مُؤقَّتة، تهدف بالدرجة الأولى إلى ضَبْط التضخم وعدم ارتفاعه، بمعنى يبقى على حاله، لكن مع الحرص على عدم ارتفاعه أكثر، مع التركيز على التوازن بين سياسات التضخم وسياسات الحماية الاجتماعية؛ بحيث يتم التركيز على ضبط التضخم دون الانعكاس سلبًا على مستوى المعيشة والدخل.

المرحلة الثانية إستراتيجية دائمة، يتم بها معالجة الجذور الفعلية للتضخُّم، ومن شروط هذه المرحلة امتلاك الحكومة بشكلٍ عام والمركزي على وجه الخصوص أدوات نقدية ومالية كافية وفعَّالة.

التضخم في سوريا ليس مجرد ارتفاع أسعار، بل شبكة مترابطة من آثار اقتصادية واجتماعية، تتطلب مُعالَجة متدرّجة وحكيمة. الحلول الاقتصادية يجب أن تُراعي الواقع اليومي للمُواطن، وتُوازن بين الإصلاح المالي واستقرار حياة الأُسَر، لتستعيد القدرة الشرائية والثقة بالاقتصاد، وتُخفّف الضغوط الاجتماعية.

الثورة السورية

———————————

هل تُفتح بوابات دمشق الاقتصادية من الرياض؟/ مازن الشاهين

مؤتمر الرياض وإعمار سوريا: اختبار النوايا قبل فتح خزائن التمويل

2026-01-05

رغم بقاء أنقاض الحرب شاهدة على عقدٍ من الجمود الدولي، برز تحرّك لافت في كواليس الرياض مع إعلان المستشار الأول في وزارة الاقتصاد بالحكومة السورية الانتقالية، أسامة القاضي، عن مقترح لعقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا برعاية أميركية وبمشاركة مؤسسات مالية دولية، في خطوة وُصفت بأنها منعطف محتمل في مسار ملفٍ ظل عالقاً بين الدمار والعقوبات، إذ يُنظر إلى المؤتمر كجسر عملي بين رفع العقوبات والانطلاق الفعلي بعملية الإعمار، غير أن خبراء يحذرون من تضخيم الآمال، مؤكدين أن أي إعادة إعمار حقيقية تبقى مرهونة بتسوية سياسية شاملة.

الطموح الاقتصادي والتعقيد السياسي

أعاد الحديث عن مقترح عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا في العاصمة السعودية الرياض، برعاية أميركية ومشاركة مؤسسات مالية دولية، تسليط الضوء على واحد من أكثر ملفات الصراع السوري تعقيداً: هل يمكن فصل الإعمار عن السياسة، أم أن الإعمار ذاته بات أداة سياسية؟

المحلل السياسي نجم العبدالله يرى في تصريحات لـ”963+” أن التصريحات الصادرة عن المستشار أسامة القاضي، توحي بأن المؤتمر في حال انعقاده، سيكون محطة مفصلية تهدف إلى معالجة العقبات البنيوية أمام إعادة الإعمار، وفي مقدمتها هشاشة القطاع المصرفي، وضعف الثقة الاستثمارية، وغياب الاندماج في النظام المالي العالمي”.

ويضيف: غير أن هذه العناوين، على أهميتها، تفتح الباب أمام أسئلة أعمق تتجاوز الاقتصاد إلى صلب المعادلة السياسية الإقليمية والدولية، فاختيار الرياض لاستضافة مؤتمر من هذا النوع يحمل دلالات سياسية واضحة، فالسعودية التي تسعى إلى ترسيخ دورها كفاعل إقليمي قادر على إدارة التوازنات، تبدو مؤهلة للعب دور منصة حوار بين دمشق، واشنطن، والمؤسسات المالية الدولية، لكن هذا الدور لا يعني بالضرورة تبنّي مشروع الإعمار بقدر ما يعكس محاولة تنظيم مسار محتمل له، ضمن اشتراطات سياسية واقتصادية محددة، تضمن عدم تحوّل الإعمار إلى عبء سياسي أو مالي على الأطراف الراعية.

ويرى العبدالله أن مؤتمر الرياض يتجاوز الاقتصاد إلى اختبار سياسي لدور السعودية كمنصة توازن بين دمشق وواشنطن، ومحاولة لتنظيم الإعمار بشروط دولية ورعاية أميركية قد تفضي إلى “تطبيع مالي مشروط”، ليبقى السؤال: هل يسبق المال الحل السياسي أم يبقى الإعمار رهينة تسويات غير مكتملة؟

ويختم العبدالله بأن التكلفة التقديرية (216 مليار دولار وفق البنك الدولي) تتجاوز قدرة أي مؤتمر واحد، مع أهمية وجود الأمن المستدام، فالمستثمر جبان بطبعه، وأي توتر على الحدود (مثل التحركات الإسرائيلية في الجنوب أو نشاط داعش في البادية) يجمّد تدفق الأموال، ومع ذلك فإعادة الإعمار ليست مجرد “أسمنت وحديد”، بل هي بيئة تشريعية وسياسية متكاملة، ومؤتمر الرياض، إن عُقد، سيكون اختباراً دولياً للنوايا قبل أن يكون مؤتمراً للتمويل، فالإعمار لا يبدأ بالأموال، بل بالثقة، ولا يُقاس بحجم التعهدات، بل بقدرة الدولة على إدارة هذه الأموال بشفافية ومسؤولية، وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة، يبقى الإعمار في سوريا مشروعاً مؤجلاً، تُناقَش شروطه أكثر مما تُرصد له الموارد.

هل وفرت دمشق “بيئة صديقة” للمستثمر الخليجي والأجنبي؟

يقول الخبير الاقتصادي السوري المقيم في الرياض تميم القحطاني في تصريحات لـ”963+” إن توصيف المستشار أسامة القاضي، المؤتمر فرصة لبناء “جسر عملي” بين مساري رفع العقوبات وإطلاق عملية إعمار حقيقية، تلخص أن الفكرة المحورية التي يجب التوقف عندها هنا أن الإعمار لن يكون مجرد “قرار سياسي”، بل نتيجة تفاهمات تقنية عميقة حول: إصلاح القطاع المصرفي، وتقديم ضمانات سيادية واستثمارية، وإعادة دمج سوريا تدريجياً في النظام المالي العالمي، وفي هذا التصور، يصبح المؤتمر أشبه بغرفة عمليات لوضع “خريطة طريق مالية” تسبق الجرافات والإسمنت، وتحدد من سيموِّل، وكيف، وتحت أي مظلة قانونية.

ويرى القحطاني أن هشاشة البنية الاقتصادية والمصرفية في سوريا تمثل جوهر المخاطر أمام أي استثمار دولي، إذ يعاني النظام المصرفي من ضعف الثقة محلياً ودولياً، وغياب الاندماج الفعلي مع الشبكات المالية العالمية، ومحدودية قدرته على تمويل المشاريع الكبرى أو ضمان تحويل الأرباح ورؤوس الأموال، إلى جانب ضعف التشريعات وغياب إطار قانوني ورقابي وقضائي مستقر وموثوق، وهي شروط أساسية لا يمكن تجاوزها، ما يجعل السوق السورية بيئة عالية المخاطر حتى في حال رفع العقوبات، ويُبقي تساؤلات جوهرية دون إجابة حول حماية الملكية، وحل النزاعات، وضمان حرية حركة الأموال بعد دخول الاستثمارات.

هل سيكون المؤتمر جسراً بين ضفتي العقوبات والإعمار؟

يرى الخبير الاقتصادي محمود الحسن في تصريحات لـ”963+” أنه يُنظر إلى مؤتمر الرياض المرتقب بوصفه تحولاً محتملاً في مقاربة الملف السوري، عبر نقل الثقل من مسارات التفاوض السياسي المتعثرة إلى منصات الدعم الاقتصادي، إذ تتجاوز تصريحات القاضي فكرة جمع التبرعات نحو محاولة إعادة هندسة النظام المصرفي السوري ودمجه في الشبكة المالية العالمية تحت غطاء ورعاية أميركية غير مسبوقة، بما يوحي بتفاهمات تتجاوز عقبات “قانون قيصر” وتعيد للرياض دور قيادة الملف عبر “الديبلوماسية المالية”، غير أن هذا المسار يبقى مشروطاً بضمانات سيادية وإصلاحات مصرفية وقانونية عميقة لإعادة بناء الثقة الدولية، في ظل تحديات كبرى تتعلق باستقرار سعر الصرف، وعزلة المصارف السورية، والرقابة على التحويلات، وهشاشة القوانين الناظمة، ما يضع سؤال حماية رؤوس الأموال الأجنبية في صلب أي محاولة لتحريك الاقتصاد السوري.

هل اقتربت ساعة الإعمار؟

تقول الباحثة الاجتماعية سهام مروان في تصريحات لـ”٩٦٣+” إن أهمية المؤتمر تظهر كونه يمس مستقبل ملايين السوريين واستقرار المنطقة اقتصادياً واجتماعياً، ومدى قدرة المواطن السوري على البقاء في بلده لإنهاء ظاهرة “الهجرة”، ورغم أن الحديث يدور عن أرقام واستثمارات، إلا أن البعد الإنساني يظل حاضراً.

وفي ظل تقديرات أممية تشير إلى خسائر تجاوزت 400 مليار دولار، وواقع يعيش فيه أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، يثير مؤتمر الرياض، بحسب مروان تساؤلات عميقة، خاصة لدى الشباب السوري، حول ما إذا كان بوابة لفرص عمل حقيقية واقتصاد معرفة وشركات ناشئة مدعومة بتشريعات واضحة، أم مجرد صفقات لشركات كبرى، مع دور محتمل للمغتربين كجسر مالي وتكنولوجي للإعمار، إذ تؤكد الباحثة أن إعادة الإعمار لا تعني بناء الحجر فقط بل إعادة بناء الثقة والعقد الاجتماعي، محذّرة من أن أي إعمار منفصل عن معالجة جذور الأزمة قد يكرّس وقائع اقتصادية جديدة دون تحسين حياة السوريين، لتبقى نجاحات المؤتمر، إن عُقد، مرهونة بقدرة دمشق على تقديم ضمانات حقيقية للمواطنين تحول “الدولارات الإعمارية” من وعود في قاعات الفنادق إلى تغيير ملموس في المدن المدمّرة.

ما الذي يمكن أن ينجزه المؤتمر فعلياً؟

يقول الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد لـ”963+”: إذا انعقد مؤتمر الرياض بالشكل الذي يتم الترويج له، يمكن أن يتحرك على مستويين: مستوى سياسي “رمزي” هو تأكيد أن ملف إعادة إعمار سوريا بات مطروحاً على طاولة تفاهمات دولية ـ إقليمية، وليس مجرد شعار، ومستوى “اقتصادي” هو محاولة بلورة آليات محددة، مثل: برامج لإصلاح القطاع المصرفي تحت إشراف أو بمشورة مؤسسات مالية دولية، وصياغة أدوات ضمان استثماري (سيادي وتجاري) تشجع رأس المال العربي والأجنبي.

ويضيف مراد أن الفارق بين مؤتمر يطلق ديناميكية جديدة، وآخر ينتهي إلى بيان ختامي منمّق، سيُقاس بقدرة الأطراف على ترجمة العناوين العريضة إلى خطوات عملية ملزِمة زمنياً ومحمية سياسياً وقانونياً.

+963

———————————

 الحصرية يشرح لتلفزيون سوريا أسباب اشتراط الهوية وتحديد سقف لاستبدال العملة

وفاء عبيدو

2026.01.05

أوضح حاكم مصرف سورية المركزي، عبد القادر الحصرية، في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا، الإثنين، أسباب اشتراط الهوية عند تبديل العملة السورية القديمة بالجديدة وأسباب تحديد سقف يومي لاستبدال العملة.

وأشار حصرية إلى أن اشتراط إبراز الهوية عند تبديل العملة ليس إجراء شكليًا، بل خطوة أساسية تهدف إلى حماية المواطنين والنظام المالي على حد سواء.

وأكد الحصرية التزام المصرف بتطبيق معايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، التي تلزم بالتعرف إلى هوية كل متعامل والتحقق منها قبل أي عملية مالية، مشيرًا إلى أن الهدف من هذا الإجراء مزدوج ويشمل:

    •    منع استغلال عملية تبديل العملة في غسل الأموال أو التهرب أو عمليات السرقة.

    •    حماية أموال المواطنين وضمان سلامة أصولهم.

    •    ضمان شفافية العملية وسلامتها لجميع الأطراف.

وأوضح الحصرية أن تحديد سقف يومي لمبلغ التبديل يعد إجراءً تنظيميًا ووقائيًا، معتمدًا دوليًا، ويهدف إلى:

    •    منع تمرير مبالغ كبيرة دفعة واحدة من دون تدقيق كافٍ.

    •    إتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من المواطنين لتبديل مدخراتهم بسلاسة ومن دون ازدحام على مراكز الصرافة.

وأضاف أن أي عملية تتجاوز هذا السقف تخضع لإجراءات تحقق إضافية للتأكد من مصدر الأموال وحركتها، ما يعزز الثقة في السوق ويسهم في استقرارها.

اقرأ أيضاً

العملة السورية الجديدة (مصرف سوريا المركزي)

المصرف المركزي ينفي منع تداول العملة الجديدة في السويداء

كما أشار الحصرية إلى تبسيط الإجراءات واعتماد أكثر من وثيقة للتعريف بالشخص، مثل:

    •    الهوية الشخصية.

    •    إخراج القيد المدني.

    •    جواز السفر.

    •    أي وثيقة تعريف معتمدة أخرى.

وفي حال عدم توفر أي من هذه الوثائق، يمكن استخدام إخراج القيد المدني، المتاح لجميع المواطنين ويمكن استخراجه بسهولة.

وأكد الحصرية أن الهدف من هذه الإجراءات هو تمكين كل مواطن من تبديل عملته بسلاسة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التنظيم والرقابة المالية اللازمة.

———————-

مسؤول سوري: نواجه عجزاً بنسبة 70% في مخزون القمح

سوريا تحتاج إلى مليونين ونصف المليون طن من القمح لتغطية الحاجة المحلية

2026-01-05

قال المدير العام للمؤسسة السورية للحبوب حسن العثمان، اليوم الاثنين، إن سوريا تواجه عجزاً بنسبة 70% في مخزون القمح الذي تحتاجه البلاد.

وأضاف العثمان في تصريح خاص لـ”963+”، أن سوريا تحتاج إلى مليونين ونصف المليون طن من القمح لتغطية الحاجة المحلية.

وأشار إلى أن المؤسسة السورية للحبوب استلمت من المزارعين 375 ألف طن من القمح والباقي تحصل عليه عبر الاستيراد.

وذكر المدير العام للمؤسسة السورية للحبوب أن العجز الذي تواجهه سوريا بمادة القمح يغطى عن طريق الاستيراد عبر  عقود خارجية، مشيراً إلى توقيع عدد من العقود الخاصة باستيراد القمح خلال الأشهر الماضية  بمجموع مليون و375 ألف طن.

وأوضح أن دور برنامج الأغذية العالمي في سوريا لا يزال محدوداً، حيث تم تقديم الدعم لأربع محافظات من خلال 20 ألف طن من الطحين ويمتد البرنامج لمدة شهر ونصف أو شهرين.

وفي التاسع من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وصلت إلى ميناء محافظة طرطوس غربي سوريا، ثلاث بواخر محمّلة بأكثر من 70 ألف طن من القمح الأوكراني والروسي.

وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، أن البواخر الثلاث فرغت لصالح المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب في سوريا، وذلك في إطار الجهود المستمرة لتعزيز المخزون الاستراتيجي من الحبوب.

وقال رئيس قسم العمليات في مرفأ طرطوس يوسف عرنوس، إن إحدى البواخر قدمت من روسيا، بينما قدمت الباخرتان الأخريان من أوكرانيا.

وأضاف، أن البواخر الثلاث فرغت، وأن جزءاً من الكميات جرى تخزينه في صوامع ميناء طرطوس، بينما نقل الجزء الآخر مباشرة عبر الشاحنات والقطار، لتلبية احتياجات السوق المحلية وضمان الأمن الغذائي.

ومنتصف آب/ أغسطس الماضي، قالت وكالة أنباء “رويترز”، إن سوريا تواجه أزمة غذائية غير مسبوقة بعدما أدى أسوأ جفاف يضرب البلاد منذ 36 عاماً إلى تراجع إنتاج القمح بنسبة 40%.

وكان قد قال برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، إن نحو ثلاثة ملايين سوري مهددون بالجوع الحاد، فيما يعاني أكثر من نصف سكان البلاد، من انعدام الأمن الغذائي، وفقاً لما أفادت به وكالة أنباء “رويترز“.

ونقلت الوكالة شهادات من مزارعين سوريين تحدثوا فيها عن انخفاض كبير في إنتاجية موسم القمح هذا العام مقارنة بالأعوام السابقة نتيجة موجة الجفاف التي ضربت البلاد.

ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، لم تُزرع سوى 40% من الأراضي الزراعية هذا الموسم، والكثير منها تلف بسبب الجفاف، خصوصاً في محافظات رئيسية لإنتاج الغذاء مثل الحسكة، حلب، وحمص.

+963

————————

مصرف سوريا المركزي: الليرة الجديدة الرمز الوحيد للسيادة النقدية

أكد مصرف سوريا المركزي أن الليرة الجديدة هي الرمز الوحيد للسيادة النقدية الوطنية، وأنه يعمل بالتنسيق مع الجهات المختصة على تنظيم البيئة النقدية بما يخدم استقرار الأسواق ومصلحة المواطنين، وذلك في كل المحافظات السورية.

وقال حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، في تصريح للوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) نشرته الاثنين، إن القوانين والقرارات التنفيذية التي تحدد ضوابط وآليات تنظيم تداول العملات الأخرى، بما فيها الليرة التركية هي مختلفة عن عملية الاستبدال التي تنحصر باستبدال العملة القديمة بعملة جديدة.

وبين الحصرية أن عملية استبدال العملة تأتي ضمن إجراءات مدروسة تضمن السلاسة، وعدم تحميل المواطنين أي أعباء إضافية، مشددا على أنها لا ترتبط بالقطع الأجنبي أو بالدولار، ولا تستهدف تنظيمه أو تقييده ولا تؤثر على حركة السوق أو احتياطيات العملات الأجنبية.

وأكد الحصرية أن عملية الاستبدال لا تستهدف الليرة التركية في هذه المرحلة وأن سحب الليرة التركية بدأ بشكل منفصل قبل عملية الاستبدال وهو يتقدم وأن أي إجراءات تنظيمية مستقبلية ستكون واضحة ومعلنة بشفافية، مؤكدا التزامه بالتواصل والشفافية.

وكان وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، وحاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية أجريا أمس جولة ميدانية على عدد من مراكز استبدال العملة في دمشق، لمتابعة آليات استبدال العملة والالتزام بالتعليمات والضوابط الناظم.

(د ب أ)

————————

==================

تحديث 04 كانون الثاني 2026

———————————

هل ستكفي العمالة السورية من مهندسين وفنيّين لإعمار سوريا؟/ د. أسامة القاضي

يناير 4, 2026 

أفترض أن وجهتنا التنموية في سوريا هي ما طرحُته، وبات بحمد الله جزءاً من الخطاب الاقتصادي للشارع السوري: “التاءات الثلاث: تصنيع، تعليم، تكنولوجيا”، هذا يعني أن المهندسين والفنيّين هما العمود الفقري للتنمية الاقتصادية القادمة من خلال توفير الخبرة الفنية والابتكار اللازمين لحل المشكلات المعقدة،  وتحسين نوعية الحياة، وخلق فرص النمو المستدام، لأن عملهم يؤثر بشكل مباشر على الإنتاجية والقدرة التنافسية العالمية والتقدم المجتمعي، مما يجعلهم ضرورة ملّحة لازدهار الاقتصاد.

سوريا ستحتاج الكثير من المهندسين لبناء أبنية حديثة. عام 2010 كان عدد الأبنية المرخصة 119 ألف ، 65 ألفاً منهم في الريف (أي 54%)، ففي ريف دمشق 18651، وحلب لديها 8824 وحدة سكنية 3418 منها في الريف. في إدلب 8908 وحدة، 4688 منها في الريف، وفي درعا 4589 وحدة، لكن المشكلة أن لدى سوريا مئات ألوف المباني غير المرخصة وهذه كلها بحاجة لمهندسين وفنيين كي يعيدوا إعمارها.

سوريا ستحتاج الكثير من المهندسين والفنيين للمنشآت الصناعية القائمة والمستقبلية التي ستنقل سوريا إلى مصّاف الدول الصاعدة صناعياً، كان عدد العاملين عام 2010 في المنشآت الصناعية (القطاع الخاص) حسب الحالة العملية وأبواب النشاط الاقتصادي 384940 عامل، 313929 منهم يعملون في منشآت صغيرة فيها 1-9 عمال.

لدينا طرق تحتاج لصيانة وتجديد تمتد على 74342 كم، كم مهندساً وفنياً نحتاج لترميم 74 ألف كم من الطرق ( 48 ألف كم منها مسفلتة فقط) وبناء طرق جديدة؟ بالمناسبة على هذه الطرق عام 2011 قبل الثورة السورية كان هنالك 29 ألف حادث، أصيب فيها 10157 سوري قتل منهم 1797. وعدد من قتل بحوادث سيارات ما بين 2000-2011 بلغ قرابة 21 ألف قتيل، وجرح 146 ألف سوري في الفترة نفسها!

كم مهندساً وفنياً وعاملاً تحتاج سوريا من أجل إصلاح هذه الطرقات مثلاً؟ بل السؤال كم طريقاً سريعاً جديداً نحتاج أن تبنيه شركات عالمية، وكم من العمالة نحتاج حتى نسهل تنقل الشعب السوري عبر طرق سريعة بمعايير عالمية؟ وكم مترو وقطاراً نحتاج بين المحافظات لنقل العمال والبضائع؟

لدينا 1.4 مليون هكتار أراضي مروية، وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، بلغ إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة في سوريا حوالي 3.5 مليون هكتار، كم مهندساً زراعياً ومساعد مهندس نحتاج للارتقاء بالزراعة السورية والري ومن أجل التصنيع الزراعي؟

هل لدينا مبرمجون كفاية في حال دخلت الشركات التكنولوجية سوريا؟ لدى ألمانيا 901 ألف مبرمج، وأميركا 4.4 ملايين، واليابان 918 ألفاً، وفيتنام 700 ألفاً، ومصر 125 ألفاً، فكم لدينا في سوريا وكم نحتاج؟

تأتي الهند في المرتبة الثانية بعد الصين في تخريج المهندسين، إذ تُخرّج سنوياً نحو 1.5 مليون مهندس طموح. وتشتهر معاهد التكنولوجيا الهندية بسمعتها المرموقة، إلا أن النطاق الحقيقي يكمن في شبكة واسعة تضم أكثر من 3000 كلية هندسية. ورغم التحديات، كالتفاوت في جودة التعليم بين المؤسسات، فقد زادت سياسة التعليم الوطنية لعام 2020 من تمويل التدريب المهني والبنية التحتية الرقمية، بهدف مواءمة المناهج الدراسية مع المتطلبات العالمية في هندسة البرمجيات والهندسة المدنية.

ويُعدّ المهندسون الهنود أيضاً مصدراً عالمياً هاماً للتصدير؛ إذ تتجاوز التحويلات المالية من العاملين في مجال التكنولوجيا في وادي السيليكون وحده 10 مليارات دولار سنوياً، مما يُبرز مدى تأثير هذه الكفاءات على نطاق واسع يتجاوز الحدود.

بالانتقال إلى أوروبا، تبرز روسيا كلاعبٍ قوي، إذ تُخرّج ما بين 450 ألفاً و500 ألف مهندس سنوياً، ما يُعزز مكانتها بين الدول الرائدة في عدد المهندسين. وانطلاقاً من إرث الصناعات الثقيلة السوفيتية، يُولي نظام التعليم الروسي أهميةً قصوى للمهارات العملية في قطاعي الطيران والطاقة، وتركز الاستثمارات الحديثة، بما فيها زيادة قدرها مليارا دولار للجامعات التقنية في عام 2024، على الذكاء الاصطناعي وعلوم المواد لمواجهة العقوبات وتنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على النفط.

ويشغل خريجو جامعة باومان في موسكو غالباً وظائف في وكالة الفضاء الروسية (روسكوزموس) أو شركة غازبروم، حيث تُسهم خبراتهم في الحفاظ على قدرة روسيا التنافسية في استكشاف الفضاء رغم التوترات الجيوسياسية.

تحتل الولايات المتحدة، التي لطالما كانت منارةً للتميز الهندسي، المرتبة الرابعة عالمياً بحوالي 203,000 خريج سنوياً، 141,000 حاصل على درجة البكالوريوس، و50,000 على درجة الماجستير، و12,000 على درجة الدكتوراه. ما يميز الولايات المتحدة بين الدول الرائدة في عدد المهندسين هو استراتيجيتها الاستثمارية. إن أكثر من 100 مليار دولار من التمويل الفيدرالي للبحث والتطوير سنوياً، يُخصص معظمها لمنح المؤسسة الوطنية للعلوم، لبرامج الهندسة. تمزج مؤسسات مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة ستانفورد بين النظرية وريادة الأعمال، مُخرّجةً مُبتكرين يُؤسسون شركات مثل سبيس إكس.

أعتقد أن المخطط السوري يجب أن يتبنى أهدافاً مرحلية فيما يخص نسبة الفنيين لكل مليون نسمة، لو أخذنا فيتنام مثالاً، لدى فيتنام عام 2024 ما يقدر بنحو 530 ألف مهندس برمجيات وما مجموعه حوالي 500 ألف إلى 550 ألف موظف في مختلف المجالات المتعلقة بالتكنولوجيا، رغم ذلك تعكف وزارة التخطيط والاستثمار الفيتنامية على إعداد مشروع لتطوير الموارد البشرية في قطاع أشباه الموصلات بحلول عام 2030، بهدف الوصول إلى 50 ألف مهندس وحامل شهادة بكالوريوس قادرين على المشاركة في جميع مراحل سلسلة قيمة أشباه الموصلات.

كم مهندساً وفنيّاً تحتاج سوريا الجديدة من أجل تصميم وبناء الطرق والجسور والمطارات والبنية الأساسية الحيوية الأخرى التي تسهل التجارة والنقل والاتصال؟ إضافة لحاجة سوريا للتخطيط المستدام للمدن وتحسين مستويات المعيشة والكفاءة الاقتصادية، وتطوير محطات الطاقة ومصادر الطاقة المتجددة وأنظمة كفاءة الطاقة.

أضف إلى ذلك الابتكار الصناعي والأتمتة، والتقدم التكنولوجي، وتطوير أنظمة النقل، وتكنولوجيا الاتصالات، ونقل المعرفة، والبحث والتطوير، والاستدامة البيئية، حيث يساهم المهندسون في تطوير التقنيات والأجهزة الطبية المتقدمة، وتحسين الصحة العامة، وتطوير أنظمة إمدادات المياه وإدارة النفايات. كذلك مساهمتهم المهمة في الابتكار في عالم الزراعة وأنظمة الري، والتحول الرقمي، وتطوير التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا المالية والمدن الذكية وغيرها.

هل سنضطر لاستقدام عمالة أجنبية كي تفي بحاجة الاقتصاد السوري؟ هل لدينا رؤية وطنية لتأمين العمالة اللازمة؟ كم مركزاً تدريبياً بمعايير عالمية نحتاج لتأهيل العمالة السورية؟

الثورة السورية

———————————

الليرة السورية الجديدة: عملة بلا وجوه وذاكرة مثقلة/ عارف شهيد

يناير 4, 2026 

مع الإعلان عن الليرة السورية الجديدة التي بدأ السوريون يتداولونها في مطلع عام 2026، انطلقت نقاشات واسعة بين المواطنين والمحللين حول تصميم العملة؛ رموزها وألوانها، وأثر هذا التغيير على الاقتصاد والمجتمع. ولا تقتصر هذه التجربة النقدية على الأوراق المالية، بل تعكس محاولة الحكومة في إعادة بناء الثقة بالليرة ضمن واقع سياسي واجتماعي معقد بعد سنوات الحرب والأزمات.

لست بصدد الحديث عن الغايات الاقتصادية لهذا القرار فقد تولى ذلك العديد من أهل التخصص والخبرة ولست منهم، ولا أزيد على مقالتهم حرفاً واحداً. ولكنني أستعرض هذه القضية كأي مواطن سوري يعنيه أمر العملة الجديدة لبلاده. وقد حرصت على التريث لأيام قبل الكتابة للاطلاع على آراء الناس وردود أفعالهم فليست غايتي في الكتابة التعبير عن الفرح بهذا الحدث الكبير فقط.

اللافت أولاً في العملة الجديدة هو غياب الوجوه تماماً، فلا قادة، ولا رؤساء، ولا حتى شخصيات تاريخية. يحمل هذا القرار دلالة واضحة على حذر الحكومة في تجنب أي استفزاز رمزي في بلد ما زال يعيش آثار انقسامات سياسية واجتماعية عميقة.

والكثير من السوريين ارتاحوا لهذا الخيار، لأنه يخفف أعباء السياسة عن شيء يومي وبسيط مثل النقود، فيما رأى آخرون أنه تفويت لفرصة إعادة الاعتبار لشخصيات وطنية أو حضارية جامعة.

طرحت الحكومة عملة البلاد الجديدة بعد عام من التحرير، وبعد دراسة عميقة لتجارب الدول الأخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية المشهد السوري، فقدمت حلاً لمشكلات اقتصادية أبرزها التضخم، ونموذجاً بصرياً جذاباً حيادياً يخلو من أي رمز يثير الجدل، غير أن هذا الحياد، الذي بدا في ظاهره مخرجاً آمناً، لم يكن كافياً لاحتواء حساسيات الذاكرة السورية المثقلة.

لقد اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالجدالات حول العملة الجديدة، فالناس بين مستهزئ بالرموز البسيطة المتمثلة بسنابل القمح والوردة الدمشقية والزيتون بدلاً عن الشواهد التاريخية كالمسجد الأموي وقلعة حلب، وبين مؤيد لهذا النموذج الحيادي الجامع، وبين مستهجن لغياب رموز وأيقونات الثورة السورية في العملة الجديدة، وبين معترض على غياب الشخصيات السورية الأصيلة وتفويت فرصة تاريخية كهذه لجمع قلوب السوريين.

لم ينجح هذا الحياد المدروس في تخفيف حالة الجدل، حتى وصل الأمر عند البعض إلى وضع الصبغة الإسلامية على العملة، فقالوا بأن التصوير في الإسلام حرام، ولذلك تجنبت الحكومة هذا المحظور الشرعي فلم تضع الصور واستخدمت رموز الطبيعة بدلاً عنها!

ولا يمكن فهم هذا الانزلاق في التأويلات، من الاقتصادي إلى الديني ثم السياسي، إلا بوصفه انعكاساً لأزمة أعمق تتجاوز تصميم العملة بحد ذاته، إذ تكمن المشكلة في العلاقة المعقدة بين السوريين وذاكرتهم الوطنية العامة، فكل شخصية تقريباً، مهما كانت استثنائية ولها جذور في التاريخ السوري، باتت قابلة لأن تُقرأ من زاوية سياسية أو طائفية أو أيديولوجية، وغالباً ليس بسبب الشخصية نفسها، بل بسبب الظروف النفسية للسوريين، والطريقة التي استُخدمت بها عبر العقود الماضية، إذ كان تبني النظام السابق لهذه الرموز والشخصيات واحتكارها دوراً لا يستهان به في نفور الناس منها.

تزخر الذاكرة السورية المنهكة بشخصيات عظيمة، وشواهد خالدة عن حضارات ولدت واندثرت على الأرض السورية منذ آلاف السنين إلى لحظة كتابة هذه الكلمات، من زنوبيا، ملكة تدمر التي جمعت بين الجمال والذكاء والإقدام، وسطرت اسم المرأة السورية بالذهب في صفحات التاريخ، إلى يوسف العظمة وزير الحربية السوري الذي قاتل الاحتلال الفرنسي بشرف وقضى مع جنوده في المعركة التي كان يدرك أنها الأخيرة؛ معركة ميسلون.

بالإضافة إلى رجالات الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي؛ القائد سلطان باشا الأطرش، والشيخ صالح العلي، والقائد إبراهيم هنانو، والزعيم فارس الخوري، ومن سار على دربهم بعد الثورة كالضابط السوري جول جمال الذي أنقذ مدينة بورسعيد المصرية من غزو البريطانيين بعمل بطولي فدائي لا مثيل له، وسليمان الحلبي الذي تصدى لقائد الحملة الفرنسية على مصر الجنرال كليبر. وفي صفحات التاريخ قصص تعد ولا تحصى عن أبطال سوريا في الحروب والمعارك.

إلى جانب الشخصيات الثقافية والفكرية كالأديب محمد الماغوط مؤسس الأدب السياسي الساخر، والفيلسوف عبد الرحمن الكواكبي الذي يعد من أبرز مفكري ورواد النهضة العربية في القرن التاسع عشر، وعالم الآثار خالد الأسعد الذي ضحى بحياته دفاعاً عن إرث تدمر الحضاري ضد الإرهاب والتدمير.

ولا يمكن إغفال أبطال ورموز الثورة السورية الحديثة الذين لا يزالون حاضرين في وجدان السوريين، ولا يمكن حصرهم في صفحات هذه المقالة. وإذا نظرنا إلى تاريخ سوريا وشواهدها ورموزها الحضارية بعيداً عن الأشخاص، فالحديث يطول!

هذه الأسماء، وغيرها الكثير، لا تمثل مشكلة بحد ذاتها، بل تكشف عمق المأزق السوري؛ وفرة الرموز، مقابل عجزٍ عن الاتفاق على كيفية تذكّرها دون أن تتحول إلى أدوات انقسام. فالمعضلة ليست في التاريخ، بل في الطريقة التي جرى فيها استهلاك هذا التاريخ وتوظيفه سياسياً، حتى باتت الذاكرة الوطنية ساحة صراع بدل أن تكون إطاراً مشتركاً.

تكشف تجربة العملة الجديدة أن الأزمة السورية لم تعد اقتصادية فقط، بل هي أزمة رموز وذاكرة ومعنى، حيث بات الحياد أحياناً هو الخيار الوحيد الممكن. إن الحذر في تصميم العملة الجديدة ليس ضعفاً، بل محاولة ذكية وعقلانية لمواجهة الأعباء الاقتصادية والاجتماعية، ولعله الخيار الأفضل لهذه المرحلة.

ويبقى السؤال الأخير مطروحاً؛ متى ستصبح سوريا قادرة على أن تحتفل بذاكرتها الوطنية دون أن يتحول كل رمز إلى ساحة صراع؟

الثورة السورية

———————————

هل يتحول تغيير العملة السورية إلى رافعة لتعافٍ اقتصادي شامل؟/ هبا أحمد

يناير 4, 2026 

افتتحت سوريا عامها الجديد باستبدال العملة القديمة بالعملة الجديدة التي تم إشهارها في 29 كانون الأول من العام المنصرم.

وبالقدر ذاته من التساؤلات التي أثارها موضوع العملة قبل الإشهار، مع حذف الأصفار وما يعني ذلك اقتصادياً، وكيف ينعكس على المستوى المعيشي على نحوٍ خاص، إضافة إلى الانعكاس على موضوع التضخم وغيره من الموضوعات الاقتصادية ذات الصلة، فإن التساؤلات متواصلة ما بعد الإشهار، ولا سيما أن عملية الاستبدال بدأت.

تبرز أكثر الأسئلة حضوراً حول شكل وطبيعة السياسات النقدية والمالية ما بعد إصدار العملة، إذ إن من البدهي أن المستجدات الاقتصادية، ولا سيما المالية، في أي دولة تستدعي سياسات جديدة مترافقة معها. كيف إذاً والحديث عن الاقتصاد السوري الذي لا يزال في مرحلة التعافي؟ فالأمر بلا شك يستدعي إعادة هيكلة سياسية وتنظيمية لمجمل السياسات النقدية والمالية تتماشى مع الوضع السوري الذي لا يزال يُشكّل خصوصية يجب مراعاتها والعمل على أساسها. بمعنى آخر، إن كان لا بد من الاستفادة من دول أخرى خاضت التجربة السورية ذاتها، لكن لا يعني بأي حال أنه يمكن تطبيق تلك التجارب بحذافيرها.

ومن البدهي أن ملامح المرحلة لم تضح بعد، وإن كان مصرف سوريا المركزي حدد مهلة للتعايش والاستبدال بين العملتين مدة 90 يوماً، فأيضاً يمكن أن يُقرأ ذلك أنها فترة للوصول إلى الاستقرار النقدي، والاستقرار النفسي أيضاً على المستوى الشعبي، وعندها لا بد أن تتبلور أكثر السياسة النقدية بحيث نخرج من مرحلة التساؤلات إلى مرحلة أن نملك الإجابات مسبقاً، وذلك من خلال التطبيق العملي لمجمل الخطوات الاقتصادية.

الكثير من الخبراء رأوا أن تصميم العملة يحمل دلالات سياسية وخطوة لإعادة تعريف دور الدولة، وإذا كانت الرسالة السياسية وصلت، فماذا عن الرسائل الاقتصادية التي ينتظرها الشعب على شكل خطوات فاعلة ومؤثرة في المشهد الاقتصادي؟

انطلاق عمليات الاستبدال

انطلقت أمس عمليات استبدال الليرة السورية بعد تحضيرات دامت لأشهر من العمل الدؤوب المتواصل، وفقاً للنائب الأول لحاكم المصرف المركزي مخلص الناظر، مُشيراً إلى أن ممثلي البنوك الخاصة وشركات الصرافة توافدوا إلى فروع البنك المركزي في المحافظات لاستلام الليرة الجديدة، وأن الليرة الجديدة ستكون في التداول وبأيدي المواطنين بدءاً من اليوم –أمس–.

وتأتي عملية استبدال العملة السورية ضمن برنامج وطني شامل يهدف إلى تبسيط التعامل اليومي بالنقد، وجعل القيم والأرقام أوضح وأسهل في الفهم والحساب، دون أي تغيير في القيمة الحقيقية للأموال أو القدرة الشرائية للمواطنين.

ووفقاً لما نشره مصرف سوريا المركزي عبر قناته على “تلغرام”، لا يعد هذا الإجراء تخفيضاً لقيمة العملة، وإنما يقتصر على إعادة التعبير عن القيم النقدية بعد حذف صفرين منها، مع الحفاظ الكامل على جميع الحقوق المالية والمصرفية والتعاقدية، كما تنتقل جميع الأموال النقدية والمصرفية، والرواتب والعقود والديون والالتزامات تلقائياً وبصورة منظمة إلى الليرة السورية الجديدة دون أي فقدان للحقوق.

وفي وقت سابق دعا حاكم المصرف المركزي عبد القادر حصرية، في منشور عبر “فيسبوك”، الفعاليات الاقتصادية إلى التعاون في تطبيق عملية الاستبدال وتحري الدقة المالية في التعامل، وهذا ينطبق على جميع المعاملات بين المواطنين.

ولفت حصرية إلى أنه حسب أحكام القانون رقم 23 لعام 2002 معدلاً وفق أحكام المرسوم رقم 293 لعام 2025، فإن الوحدة القياسية للنقد السوري هي الليرة الجديدة، والليرة الجديدة تنقسم إلى 100 قرش، وبالتالي عند التسعير يمكن استخدام أجزاء الليرة في الأسعار الفردية، وفقط عند المبلغ النهائي للدفع يتم التدوير إلى أقرب فئة موجودة في التداول.

توضيحات

وأوضح حصرية: إذا كان سعر منتج 630 ليرة قديمة وأصبح 6.3 ليرة جديدة، فإن الإجمالي للقطعتين يصبح 12.6 ليرة جديدة، ويتم تقريب المبلغ النهائي إلى 13 ليرة جديدة، مع قبول دفع 10 ليرات جديدة + 300 ليرة قديمة (أي 3 ليرات جديدة)، طالما لم تُسحب فئة الـ100 من التداول.

وبعد إشهار العملة أصدر حاكم مصرف سوريا المركزي القرار رقم /705/ المتعلق بالتعليمات التنفيذية لأحكام المرسوم رقم (293) لعام 2025 الخاص باستبدال العملة الوطنية، وذلك استناداً إلى أحكام القانون رقم 23 لعام 2002 وتعديلاته، والقرار الرئاسي رقم /10/ تاريخ 7/4/2025.

وبيّن القرار أن المقصود بالعملة القديمة هو الأوراق النقدية السورية من الطبعات القديمة المتداولة قبل حذف صفرين من قيمتها الاسمية، والتي سيتم استبدالها وسحبها من التداول، في حين أن العملة الجديدة هي الأوراق النقدية السورية التي ستُطرح في التداول بعد حذف صفرين من القيمة الاسمية للعملة القديمة.

كما حدد القرار مدة الاستبدال بـ90 يوماً قابلة للتمديد وفقاً لأحكام القرار، على أن يصدر حاكم مصرف سوريا المركزي قرار التمديد قبل ثلاثين يوماً من انتهاء المهلة المحددة.

وفي المهلة الحالية سيتم سحب فئات 1000 و2000 و5000، أما باقي الفئات فتبقى في التداول حتى إشعار آخر، وبالتالي يمكن تداول الفئات التي لم تُستبدل خلال فترة التعايش، والفئات التي لم تُستبدل حتى يتم سحبها.

إجراءات نقدية

وبطبيعة الحال، ولمواكبة هذا التغيير، هناك العديد من الإجراءات النقدية والمالية التي يجب اتخاذها لضمان الاستقرار الاقتصادي والتعافي في مرحلة استبدال العملة القديمة بالجديدة.

ويرى الدكتور المهندس سامر رحال، مستشاراً في الإدارة والاقتصاد الصناعي، أنه بخصوص السياسة النقدية التي يقودها البنك المركزي بشكل محوري، فأهمها بعد عملية الإعلان عن العملة الجديدة وإصدارها وتحديد سعر صرف واضح لاستبدالها، هو عملية السحب التدريجي للعملة القديمة عبر البنوك الفرعية بآليات دقيقة ومدروسة ومضبوطة زمانياً ومكانياً.

حيث إن الأخطر في هذه المرحلة، والذي يمكن أن يحدث مستقبلاً، هو عدم توفر كميات كافية من العملة الجديدة، وبالتالي الوصول المفاجئ إلى حالات نقص في السيولة تؤدي إلى تضخم مفاجئ وحالة هلع في الأسواق وخوف وتشكك لدى المواطن.

ويوضح الدكتور رحال في حديث لـ”الثورة السورية” أن هنا يأتي دور البنك المركزي المحوري في السيطرة على حالات التضخم التي قد تحدث بالآليات والسياسات النقدية المعروفة، كسعر الفائدة والاحتياطي الإلزامي ومراقبة الأسعار والأسواق بالتشارك مع وزارة المالية، وتنظيم سوق الصرف عن طريق الوقوف بحزم ضد أي مضاربات مالية، والتشديد والتدقيق على عمليات التحويل الكبيرة التي قد تحدث، ولذلك تم تحديد مبلغ وقدره 75 مليون ليرة لعملية التحويل في اليوم الواحد.

أما بالنسبة للإجراءات المالية التي يجب تفعيلها من قبل الحكومة بقيادة وزارة المالية، وفقاً للدكتور رحال، فعلى رأسها هو تعديل الموازنة العامة عن طريق تقييم إيرادات الحكومة والنفقات بالعملة الجديدة. ومن أهم الإجراءات أيضاً تحديث الأنظمة المحاسبية عن طريق إعادة تسعير الرواتب والمعاشات والأجور والعقود المبرمة، ومنع استغلال التغير الحاصل لرفع الأسعار في الأسواق.

كما على الحكومة في هذا السياق فرض الشفافية في الإعلان عن الأسعار بالعملتين القديمة والجديدة مؤقتاً، وأيضاً ضمان حماية الحقوق عن طريق استمرار العقود والالتزامات المالية دون ضرر، وحماية المدخرات والأجور.

الدور السياسي

وحول الدور السياسي للحكومة وتأثيره في هذه المرحلة الدقيقة وعملية التعافي والنهوض الاقتصادي، يبين مستشار الإدارة والاقتصاد الصناعي أن المطلوب بالدرجة الأولى هو الاستقرار السياسي الذي يعتبر البوابة التي يعبر من خلالها البلد إلى بيئة آمنة للاستثمار المحلي والأجنبي، والذي يقلل من المخاطر التي قد تؤدي إلى هروب رؤوس الأموال من البلد إلى الخارج، ويسمح بوضع خطط اقتصادية طويلة الأجل للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

وفي السياق، نوّه الدكتور رحال إلى دور جودة الحوكمة وجودة صنع القرار بالتعاون والتشارك من قبل جميع الجهات والوزارات، والمطلوب هنا بالدرجة الأولى سيادة القانون وكفاءة وانضباطية عمل المؤسسات، ومكافحة عمليات الفساد التي قد تحصل.

ومن البدهي أيضاً أن يكون للسياسة والدبلوماسية الخارجية دور وأثر في هذه المرحلة، كما في عملية التعافي والنهوض وإعادة الإعمار. ولفت رحال إلى أن بناء علاقات سياسية خارجية متوازنة ورشيدة مع دول الإقليم ذات تجارب التعافي والنهوض الاقتصادي الناجحة، ومع الدول والتكتلات السياسية والاقتصادية الناجحة كالاتحاد الأوروبي، يؤدي إلى بناء الثقة بالسياسات النقدية والمالية للحكومة وفتح أسواق التصدير للمنتج المحلي.

وما سبق يؤدي بدوره إلى جذب الاستثمارات والتكنولوجيا المتقدمة التي تحتاجها، لضمان الوصول إلى التعافي والنهوض الاقتصادي في هذه المرحلة الدقيقة في سوريا.

في السياق، يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن إصدار عملة جديدة بقيمة اسمية مخفّضة (عبر حذف صفرين) لا يُعدّ بحد ذاته أداة من أدوات السياسة النقدية، بل هو إجراء إداري يهدف إلى تحسين الشكل الظاهري للكتلة النقدية وتسهيل التعاملات اليومية، دون أن يمسّ جوهر السياسة النقدية أو يعالج اختلالاتها البنيوية.

فالأدوات الجوهرية للسياسة النقدية تظل متمثلة في التحكم بسعر الفائدة، وإدارة عمليات السوق المفتوحة، وتحديد نسب الاحتياطي الإلزامي، وهي أدوات لم يُعلن عن تفعيلها أو تعديلها في سياق هذا التغيير.

وكُشف عن العملة الجديدة بست فئات: 10-25-50-100-200-500، خلال عرض ليزري أُقيم على واجهة مصرف سوريا المركزي، بحضور الرئيس أحمد الشرع، وحاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية، وعدد من المسؤولين والمدعوين في قصر المؤتمرات في دمشق.

وتبع الإشهار حوار إعلامي مع الرئيس الشرع، ركّز فيه على طمأنة السوريين، ودعوتهم إلى عدم الفزع خلال عملية استبدال العملة، والتعامل معها بهدوء.

ويوضح الخبراء أنه بالنظر إلى الفرنك السويسري (أحد أكثر العملات أماناً في العالم) أو الدولار الأسترالي أو اليورو، ستجد نفس الفلسفة اللونية (أرجواني، أصفر فاقع، أزرق ساطع). الخبراء هنا يتبعون المدرسة الحديثة في تصميم النقد التي تبتعد عن الوقار الكلاسيكي (الألوان الداكنة) لصالح الكفاءة التقنية.

الثورة السورية

———————————

الجهاز المصرفي السوري أمام اختبار الليرة الجديدة/ وسيم العدوي

خبير يطالب بسياسات صارمة لضبط التضخم والمضاربة

يشهد القطاع المصرفي في سوريا مرحلة مفصلية تتقاطع فيها التحولات السياسية مع رهانات الإصلاح الاقتصادي، في حين تحاول الحكومة الانتقال من إدارة الأزمات إلى إعادة هيكلة النظام المصرفي، بما يسمح باستعادة الاستقرار المالي والنقدي وتحفيز النشاط الاقتصادي.

وجاء المرسوم الرئاسي رقم “293” لعام 2025، المتضمن استبدال عملة سورية جديدة بالعملة القديمة وحذف صفرين من القيمة الاسمية للقديمة، وتفويض مصرف سوريا المركزي باتخاذ القرارات اللازمة بهذا الشأن، ليضيف عنصرًا بالغ الحساسية إلى مسار الإصلاح، لما يحمله من آثار مباشرة على التعاملات المصرفية، والإيداعات، والأسعار، وسلوك المستهلكين والمستثمرين، ليشمل أيضًا حركة البورصة (سوق دمشق للأوراق المالية).

الليرة الجديدة اختبار للقدرة على إدارة الانتقال

الدكتور في الاقتصاد والخبير المصرفي إبراهيم نافع قوشجي قال لعنب بلدي، إن العملة ليست مجرد أداة تبادل، بل هي انعكاس للثقة بالاقتصاد والحكومة وبالاستقرار النقدي.

وأضاف أن أي تغيير في شكلها أو قيمتها الاسمية يترك أثرًا نفسيًا واقتصاديًا في آن واحد، ويعيد تشكيل توقعات السوق وسلوك الفاعلين الاقتصاديين.

ولذلك، فإن هذه الخطوة تُعد اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة والمؤسسات المالية على إدارة انتقال نقدي دقيق، دون زعزعة ما تبقى من ثقة في النظام المالي.

في هذا السياق، يصبح الجهاز المصرفي الحلقة المركزية في هذا التحول، قال الخبير الاقتصادي السوري، لأنه الجهة المسؤولة عن تنفيذ القرارات النقدية، وضبط حركة السيولة، وتحديث الأنظمة المحاسبية، وإعادة تسعير الحسابات والقروض والودائع، إضافة إلى دوره في حماية المودعين والمقترضين من أي آثار سلبية محتملة، ومنع المضاربة والفوضى في السوق.

التحول النقدي في مواجهة ضعف الإنتاج

من الناحية التقنية، يهدف حذف صفرين من الليرة السورية، حسب الدكتور قوشجي، إلى تبسيط العمليات الحسابية، وتسهيل المعاملات اليومية في المصارف والمؤسسات والشركات، والحد من التضخم الرقمي في الأنظمة المحاسبية، وتخفيف الأخطاء في القيود المالية.

كما يسهم ذلك في جعل القيم النقدية أكثر قابلية للفهم والتداول من قبل المواطنين، بعد سنوات من التعامل بالملايين ومئات الآلاف في أبسط العمليات.

لكن هذا الإجراء يحمل أيضًا بُعدًا نفسيًا ورمزيًا، إذ يُراد له أن يشير إلى بداية مرحلة جديدة من “الاستقرار والانضباط النقدي” الذي كان يفتقر له القطاع المصرفي زمن النظام السابق، غير أن هذا البعد لا يتحول إلى واقع ما لم يترافق مع سياسات مالية ونقدية صارمة تضبط التضخم، وتحد من العجز في أرقام الموازنة العامة للدولة، وتربط الكتلة النقدية بالنشاط الاقتصادي الحقيقي لا بالمضاربة أو التمويل التضخمي، بحسب قوشجي.

وفي الحالة السورية، لا تزال هذه الشروط غير مكتملة، إذ يعاني الاقتصاد من ضعف الإنتاج المحلي، وتراجع الصادرات من المنتجات الوطنية، والاعتماد الكبير على الاستيراد والتحويلات، ما يجعل أي إصلاح نقدي دون إصلاح اقتصادي عرضة للفشل أو للتآكل السريع.

جهاز مصرفي مختلط بدور تنموي محدود

وصف الدكتور قوشجي الجهاز المصرفي السوري بأنه جهاز مختلط، يجمع بين مصارف حكومية متخصصة ومصارف تجارية وإسلامية خاصة، لكنه بقي لفترة طويلة عاجزًا عن أداء دوره التنموي الحقيقي في الاقتصاد، وإطلاق الليرة الجديدة يزيد المشهد الاقتصادي تعقيدًا، في ظل عدم تحول المصارف إلى ممول أساسي للمشاريع الإنتاجية، وبقائها محكومة بقيود إدارية وسياسات ائتمانية غير مبنية على الجدوى الاقتصادية.

يرى قوشجي أن غياب الاستقلالية المصرفية، وتداخل القرار المالي مع القرار الإداري والسياسي، جعلا القروض تُمنح أحيانًا وفق اعتبارات غير اقتصادية، ما أضعف كفاءة تخصيص الموارد، وحال دون تشكل بيئة استثمارية تنافسية.

ونتيجة لذلك، غابت الاستثمارات الوطنية الكبرى في قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة، واقتصرت معظم المشاريع على أنشطة تجارية بسيطة أو خدمية، لا تخلق قيمة مضافة عالية ولا فرص عمل واسعة، ما انعكس سلبًا على النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وضمن الجهود لإعادة تفعيل وتطوير القطاع المصرفي، وقيامه بالدور المأمول منه، يعمل مصرف سوريا المركزي على دراسة منح تراخيص لمصارف تقليدية وإسلامية ومصارف تمويل أصغر، تضاف إلى نحو 40 ترخيصا تم منحها لـ26 شركة ومكتب صرافة وحوالات تحت رقابة المركزي، واعتماد ورقة سياسات لإنشاء سوق نقدية بين المصارف.

فوضى الأسعار المصرفية وأزمة الثقة والسيولة

أشار قوشجي إلى أن السوق المصرفية السورية متضمنة شركات الصرافة والحوالات، تعاني حاليًا من فوضى في تحديد أسعار الفوائد والعمولات، بسبب غياب معايير موحدة ورقابة صارمة، ما يؤدي إلى تفاوت كبير بين مصرف وآخر في تكلفة الخدمات، ويضعف الشفافية ويزيد من شكوك المستثمرين بجدوى الاستثمار في سوريا، رغم الخطوات المتسارعة المتخذة لتحقيق الاستقرار النقدي.

وترافقت هذه الفوضى مع أزمة ثقة عميقة، نتيجة سياسات سابقة أدت إلى تقييد السحب وتجميد السيولة، ما دفع كثيرين إلى إخراج أموالهم من المصارف والاحتفاظ بها نقدًا أو تحويلها إلى الخارج أو إلى السوق السوداء.

هذا النزيف في السيولة حرم المصارف من قدرتها الأساسية على الإقراض والتمويل، وحوّلها إلى مؤسسات محدودة الدور الاقتصادي.

وأكد قوشجي أن استعادة هذه السيولة لا تتم بقرارات إدارية فقط، أو بحذف صفرين من العملة، بل عبر بناء إطار قانوني وتنظيمي واضح ومستقر، يحمي حقوق المودعين، ويضمن حرية الوصول إلى الأموال، ويعيد الثقة بالسوق المالية الرسمية.

تعكس حركة الأسهم في سوق دمشق للأوراق المالية، ولا سيما أسهم المصارف المدرجة، حالة الثقة والسيولة في الاقتصاد السورية حيث يدل ارتفاع الطلب على أسهم المصارف عادة على توقعات إيجابية بشأن ربحيتها وقدرتها على جذب الودائع وتوسيع الإقراض، بينما يشير ركود التداول أو تراجع الأسعار إلى ضعف الثقة وتفضيل الاحتفاظ بالسيولة خارج السوق.

وخلال السنوات الماضية، شهدت السوق فترات ركود طويلة وانخفاضًا في أحجام التداول، ما عكس حالة الجمود في القطاع المصرفي وخروج السيولة من القنوات النظامية، يبيّن الخبير الاقتصادي والمصرفي السوري، ومع الحديث عن الليرة الجديدة، يراقب المستثمرون ما إذا كانت هذه الخطوة ستُعيد بعض الثقة وتدفع جزءًا من الأموال إلى العودة للنظام المصرفي وسوق الأسهم.

ويرى الخبير ذاته أن نجاح الإصلاح النقدي قد ينعكس إيجابًا على أسهم المصارف، عبر رفع التوقعات بزيادة الودائع وتحسن الإقراض، لكن ذلك مشروط بوجود سياسات شفافة ومستقرة تحمي المستثمرين وتمنع التقلبات الحادة.

وبحسب قراءة الدكتور قوشجي، فإن التحدي الحقيقي ليس في تغيير شكل العملة، بل في:

    تغيير منطق إدارة المال والائتمان.

    عدم بقاء المصارف مجرد مؤسسات محايدة أمام حركة السوق.

    أن تكون المصارف قناة رئيسة لتدوير السيولة، وتمويل الاستثمار، واستقطاب القطع الأجنبي.

وعندها فقط يمكن لليرة السورية الجديدة أن تتحول من إجراء تقني إلى ركيزة حقيقية للاستقرار والتنمية.

رابط وثيق بين العملة الجديدة والقطع الأجنبي

لدى المصارف السورية مراكز سيولة بالعملات الأجنبية تسمح لها بتمويل التجارة الخارجية وجذب التحويلات والاستثمارات، غير أن هذه القدرة بقيت محدودة خلال السنوات الماضية بسبب عدم استقرار التعليمات الناظمة، وتعدد أسعار الصرف، والخوف من المخاطر التنظيمية والقانونية، ما دفع جزءًا كبيرًا من التعاملات بالقطع إلى الخروج من القنوات الرسمية نحو السوق السوداء.

ويأتي إطلاق الليرة السورية الجديدة في هذا السياق كفرصة لإعادة تنظيم هذا الملف تحديدًا، بحسب ما قاله الدكتور قوشجي، إذ إن نجاح أي عملة وطنية جديدة مرتبط مباشرة بقدرة الدولة على ضبط سوق القطع الأجنبي، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوقي، وتشجيع الأفراد والشركات على إعادة تحويل العملات الأجنبية إلى المصارف بدل الاحتفاظ بها خارج النظام المالي.

وأكد الخبير قوشجي أن تفعيل الدور الحقيقي للمصارف في مجال القطع الأجنبي يتطلب سياسة نقدية واضحة ومستقرة، تضمن حرية التعامل بالعملات الأجنبية ضمن أطر قانونية شفافة، تحمي المصارف والمودعين من المخاطر التنظيمية، وتشجع تدفق القطع عبر القنوات الرسمية بدل السوق السوداء.

ودون هذا التفعيل، تبقى الليرة الجديدة معرضة للضغط الخارجي من سوق القطع، مهما كان شكلها أو عدد أصفارها.

كما أن توسيع دور المصارف في استقطاب التحويلات الخارجية وتمويل الاستيراد والتصدير عبر قنوات رسمية، من شأنه أن يعزز احتياطيات القطع لدى مصرف سوريا المركزي، ويقوي قدرة السياسة النقدية على الدفاع عن استقرار العملة الجديدة، ويحد من التقلبات الحادة في سعر الصرف، ما يعزز الثقة العامة بها كوسيلة ادخار وتبادل.

وفي المحصلة، فإن طرح الليرة السورية الجديدة وحذف صفرين من العملة القديمة يمثلان فرصة لإعادة تنظيم النظام النقدي، لكن نجاح هذه الخطوة مرتبط بمدى قدرة الدولة على ضبط سوق القطع الأجنبي، واستعادة السيولة إلى الجهاز المصرفي، وتوحيد القواعد التنظيمية، وبناء بيئة مالية شفافة ومستقرة.

يبلغ عدد المصارف العاملة في سوريا (العامة والخاصة التقليدية والخاصة الإسلامية) 21 مصرفًا، وفي نظرة إلى حجم الأصول البنكية يتضح عدم وجود أرقام رسمية لرؤوس أموال المصارف العامة والخاصة، في حين يبلغ مجموع رؤوس أموال المصارف الإسلامية (أربعة مصارف) وحدها نحو 60 مليار ليرة، وتبلغ تقديرات رؤوس أموال المصارف الكبيرة وخاصة الحكومية بمئات المليارات بحسب قيمتها السوقية وميزانياتها الختامية.

    استطلاع: كيف يؤثر استبدال العملة السورية على قيمتها

    أجرت عنب بلدي استطلاعًا عبر موقعها الإلكتروني، حول رأي السوريين بالأثر الذي سيخلفه استبدال العملة السورية وحذف صفرين منها، وشارك في الاستطلاع 2019 شخصًا، واستمر بين 27 من كانون الأول 2025 و3 من كانون الثاني الحالي.

    رأى 44% من المستطلعة آراؤهم أن استبدال العملة وحذف صفرين منها لن يؤثر على قيمتها، بينما يعتقد 42% منهم أن العملية سترفع قيمة الليرة، ورأى 14% فقط من المشاركين أن العملية ستخفض قيمة الليرة السورية.

عنب بلدي

——————————–

 مصمم الليرة الجديدة لـ تلفزيون سوريا: العملة لا تمتلك حصرية تمثيل التاريخ السوري

محمد كساح

2026.01.04

أثار الإعلان عن الأوراق النقدية الجديدة لليرة السورية جدلاً واسعاً بين السوريين قبل أن يبدأ بالتقلّص تدريجياً وبشكل ملموس مع طرح هذه الأوراق للتداول الفعلي، حيث لاحظ كثيرون ممّن استبدلوا العملة، أن ألوان وتصميمات العملة الجديدة لم تكن واضحة تماماً خلال حفل الإعلان أو في الصور المنتشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي قبيل طرحها للتداول. في حين رأى آخرون أن العملة قد لا تصمد طويلاً بين أيدي المتداولين بسبب قابليتها الكبيرة للتلف.

ومع انطلاق عملية استبدال العملة بشكل فعلي، أمس السبت، انتشرت عبر مواقع التواصل عشرات التسجيلات المصوّرة للفئات الجديدة من العملة، وسط ملاحظات وآراء مختلفة من قبل المتداولين، وانتقادات متفاوتة غالبها يتعلّق بالجانب الجمالي والفني المستنِد إلى فكرة الحياد المفرط في التصاميم، بخلاف المحتوى الذي كان يظهر على الفئات القديمة من الليرة السورية بفئاتها وعصورها المختلفة.

هوية جامعة

في حديث خاص مع موقع تلفزيون سوريا، أكد مدير فريق العملة السورية الجديدة وصاحب فكرة هوية الأرض المدرجة في العملات محمد سلواية أن الأساس الذي تم التوافق عليه بالنسبة لرموز العملة السورية الجديدة يتمثل بتصميم “هوية جامعة تمثل السوريين بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم وخلفياتهم الدينية والعرقية”، وأضاف: “تجمعنا الأرض التي منها بدأت حكايتنا وستبقى مستمرة. هي هوية أرض تمثل خيراتنا وطبيعتنا وتعطي للأرض قيمة جديدة قد غابت للأسف عن أذهان الكثيرين فأردنا إعادة إحياء هذا الانتماء وهذا الرابط الذي يجمعنا”.

محمد سلواية

ورداً على الانتقادات التي تؤكد أن اختيار الرموز الزراعية يعكس حياداً واضحاً في العملة في ظل حالة التشظي التي تعيشها البلاد، أشار إلى أن اختيار هذه الرموز “ليس حياداً أكثر منه اجتماعاً، فهي العامل المشترك الوحيد الذي لا يختلف عليه وعلى محبته اثنان، هي الجامعة والرابطة والأم التي نلتف حولها”.

الرموز ليست حيادية بالمطلق

وأثار صدور العملة الجديدة بهويتها الزراعية إشكاليات تتعلق بأن هذه الرموز تظلم سوريا وهويتها وترسل رسالة بأن البلد تحول إلى دولة زراعية، بينما كانت الفئات السابقة من العملة تركز على الجانب الصناعي والأوابد والمعالم الأثرية التي يزخر بها التاريخ السوري.

وفي السياق، يلفت سلواية إلى أن العملة وحدها لا تمتلك حصرية تمثيل التاريخ السوري. مضيفاً: “اليوم تغيرت الدنيا حولنا وأصبح بالإمكان نقل رسالتنا الثقافية والحضارية والتاريخية من خلال منصات وواجهات جديدة ليس فقط على وجه العملة، ورغم ذلك فالتاريخ لا يتجسد فقط بالأبنية والتماثيل والآثار”.

ولا يتفق سلواية مع رأي بعض المتداولين أن اختيار النبات كرمز للعملة السورية الجديدة، يندرج ضمن الحياد المفرط، والذي يقتل الهوية عوضاً عن حمايته، معتبراً أن “كل عنصر نباتي يحمل معنى ورمزية عالية جداً فالزيتون هو رمز بركتنا وسلامنا، والقمح رمز وفرتنا واعتزازنا بأرضنا، والتوت يمثل العائلة والدفء. وهكذا توالياً”.

مسح طبوغرافي

من جانب آخر، يؤكد سلواية أن الرموز المدرجة ضمن فئات العملة الجديدة ترتبط بالأقاليم والمحافظات السورية. ويتابع قائلاً: “نعم، أجرينا مسحاً طبوغرافياً للخريطة السورية بمساعدة من وزارة الزراعة لنحدد المحاصيل السورية وأماكن وجودها واخترنا العناصر بحيث نغطي كافة أرجاء الخريطة السورية دون ظلم لمحافظة على حساب أخرى”.

وحول الدلالات التي يمكن أن تحملها الألوان الخاصة بالعملة، أكد أنها “عنصر جمالي وللتفرقة بين العملات المختلفة كنوع من تسهيل الاستخدام والتداول، كذلك تمثل ألوان وأطياف الشعب السوري وتنوعه وتنوع تراثه وثقافاته”.

وكان محمد سلواية أكد في تدوينة على فيسبوك أنه “مالك ومدير تنفيذي وإبداعي لشركة Mpire التي تأسست عام 2017 في مملكة السويد”، لافتاً إلى اختياره سابقاً لقيادة فريق الهوية الوطنية حتى دون ارتباط أو علاقة سابقة مع من قام بتكليفه وبشكل تطوعي بالكامل.

وتابع: “بعد إتمام مشروع هوية سوريا منتصف العام تم تكليفي لاحقاً بقيادة مشروع تطوير العملة الوطنية الجديدة بعد أن قمت بعرض رؤيتي للعملة السورية على أصحاب القرار وهو ما قمنا بالعمل عليه كذلك بشكل تطوعي بالكامل”.

————————————

صرف سوريا المركزي يصدر قراراً جديداً حول تداول الليرة

في إطار تطوير منظومة إدارة النقد وتعزيز الثقة بالعملة السورية

الرياض – العربية

04 يناير ,2026

أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية أن المصرف المركزي يعمل على تبنّي وتطبيق المعايير العالمية في مجال صلاحية الأوراق النقدية للتداول، وخاصة المعايير الأوروبية المعتمدة لدى البنك المركزي الأوروبي، وذلك في إطار تطوير منظومة إدارة النقد وتعزيز الثقة بالعملة الوطنية.

وأوضح الحصرية أن هذه المعايير تعد من أفضل الممارسات الدولية في إدارة دورة حياة الورقة النقدية، وتهدف إلى ضمان قابلية التداول وسلامة الأوراق النقدية، وحماية الصحة العامة عبر سحب الأوراق الملوثة أو شديدة التلف وتعزيز الشفافية والانضباط في أعمال الصرافة، وتحسين كفاءة الفرز والعد والتداول وفق أسس فنية موحدة.

وقال الحصرية: “يشمل ذلك تحديد ضوابط واضحة تتعلق بحالة الورقة النقدية مثل مستوى الطيات والتمزقات المقبولة، ومنع تداول الأوراق المرممة أو المشوهة، ورفض الأوراق التي فقدت عناصرها الأساسية أو تشكل خطراً صحياً”، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

كل ما تريد معرفته عن الليرة السورية الجديدة.. الفئات والصور وآلية الاستلام

اقتصاد اقتصاد سوريا كل ما تريد معرفته عن الليرة السورية الجديدة.. الفئات والصور وآلية الاستلام

وأضاف أن مواءمة هذه المعايير مع الخصوصية المحلية تنسجم مع رؤية مصرف سوريا المركزي، ودوره في الحفاظ على سلامة النقد الوطني، واستقرار السوق وتضع الممارسات المحلية في انسجام مع المنهجيات الأوروبية والدولية الرائدة في إدارة النقد، لافتاً إلى أن اعتماد المعايير العالمية خطوة نحو سوق نقدية أكثر كفاءة وثقة.

وكان المصرف المركزي أكد أن عملية استبدال العملة السورية تأتي ضمن برنامج وطني شامل يهدف إلى تبسيط التعامل اليومي بالنقد، وجعل القيم والأرقام أوضح وأسهل في الفهم والحساب، دون أي تغيير في القيمة الحقيقية للأموال أو القدرة الشرائية للمواطنين.

————————–

==================

تحديث 02 كانون الثاني 2026

———————————

كمين استخباراتي”.. ماذا يعني تغيير العملة في سوريا؟

العربية.نت – جوان سوز

02 يناير ,2026

مع طرح العملة السورية الجديدة في الأسواق والتي أطلقتها دمشق مؤخراً بحذف صفرين منها، برز سؤال يتعلق بالكمّيات النقدية المخزّنة من العملة القديمة داخل البلاد وخارجها.

وتساءل العديد من السوريين حول مصيرها لاسيما مع تقاريرٍ تتعلق بتهريب كمياتٍ منها إلى الخارج وأخرى تمّت المحافظة عليها في الداخل.

فما هو مصير هذه الأوراق النقدية وكيف ينظر الخبراء إلى ذلك؟

في السياق، وصفت الأكاديمية والخبيرة الاقتصادية لانا بادفان تغيير العملة السورية بـ “هندسة سيادية لإعدام السيولة المنفلتة” وهو قرار يتجاوز التقنية المصرفية ليكون مناورة جيوسياسية تهدف إلى استرداد هيبة الدولة عبر ثلاثة محاور استراتيجية: اقتصادياً، يعمل القرار كـ (مكنسة نقدية) تمتص التضخم الجامح عبر شطب مليارات الليرات التي لن تدخل النظام المصرفي لخوف أصحابها من الملاحقة، مما يؤدي إلى انكماش قسري في العرض النقدي يرفع القيمة الشرائية للعملة الجديدة تلقائياً”.

“كمين استخباراتي”

كما أضافت بادفان لـ “العربية.نت/الحدث.نت” أن تغيير العملة من الناحية السياسية هو “كمين استخباراتي يفرض الشفافية القسرية، حيث تُجبر القوى الموازية وأمراء الحرب على كشف عصب حياتهم المالي أو القبول بتبخره، مما يفكك شبكات النفوذ المرتبطة بالخارج ويقطع الحبال السرية لتمويل الإرهاب والتهريب”.

أما من الناحية السيادية، فأوضحت أن القرار “ينهي عصر السيولة العابرة للحدود في لبنان وتركيا والعراق، محولاً تلك الكتل إلى أصول ميتة، ليعيد حصر القوة المالية داخل الفلتر المركزي للدولة، وهو ما ينسجم مع عقيدة المركزية الصلبة التي ينتهجها أقطاب النظام العالمي الجديد لتطهير المساحات الوطنية من جيوب الفوضى وبناء قاعدة صلبة لإعادة الإعمار تحت رقابة سيادية مطلقة”.

“تخلصوا منها سابقا”

من جهته أشار عمار يوسف وهو أيضاً أكاديمي وخبير اقتصادي إلى أن “عملية تبديل العملة كانت معروفة مسبقاً منذ قرابة عام، وهو ما يعني أن معظم الأموال التي كانت في الخارج تمّ إدخالها إلى البلاد خلال هذه الفترة، حيث تمّ استبدالها بالقطع الأجنبي أو الذهب، وبالتالي أعتقد أن الكميات النقدية المخزّنة في الخارج ضئيلة وليست كبيرة”.

وقال يوسف لـ “العربية.نت/الحدث.نت” إن “عمليات الفساد في عهد النظام البائد كانت تتمّ بالقطع الأجنبي أو الذهب، إذ لم يكن يتمّ الاحتفاظ بكميات كبيرة من الليرة السورية نتيجة تدهور قيمتها، ولذلك لم يتم الاحتفاظ بكميات كبيرة منها نظراً لحجمها إلا باستثناء الصرّافين وهؤلاء مصادر أموالهم معروفة وسيتمّ تبديلها”.

كما خفف الخبير الاقتصادي من تداعيات عملية استبدال العملية على الأموال المخزّنة بالليرة السورية، معتبراً أن إعلان الحكومة عن نيتها تغيير العملة دعا كثيرين إلى التخلص منها طيلة العام الماضي”.

وكانت دمشق قد طرحت رسمياً عملتها النقدية الجديدة قبل أيام، بحذف صفرين، معلنةً دخولها مرحلة جديدة بعد مرور عام على سقوط نظام بشار الأسد.

واعتبر الرئيس السوري أحمد الشرع “أن حدث تبديل العملة الجديدة هو عنوان لأفول مرحلة سابقة غير مأسوف عليها وبداية مرحلة جديدة يطمح لها كل الشعب السوري وكل شعوب المنطقة”.

———————————

شيفرون” ومنطقة الساحل.. الطاقة بوصفها مدخلًا لإعادة التموضع الدولي/ عزيز موسى

2 يناير 2026

في خطوة تتقاطع فيها الجغرافيا مع خطوط الطاقة الدولية، يبرز حضور شركة “شيفرون” الأميركية بوصفه إشارة تتجاوز الاستثمار الاقتصادي إلى أبعاد سياسية وجيوسياسية أوسع، فالاهتمام المتزايد بالساحل السوري بما يمتلكه من موقع استراتيجي وإمكانات طاقوية غير مستثمرة، تعيده إلى واجهة حسابات الشركات الكبرى وصنّاع القرار في شرق المتوسط، في سياق تحوّلات إقليمية تعيد ترتيب أولويات الطاقة والنفوذ.

عقدة الطاقة

تُظهر تجارب ما بعد النزاعات أن الاستثمارات الكبرى، ولا سيما في قطاع الطاقة، لا تتحرك بمعزل عن غطاء سياسي وحسابات استراتيجية. وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة الاجتماع الذي عُقد في 2 كانون الأول/ديسمبر في دمشق، بحضور الرئيس أحمد الشرع مع المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك ومسؤولين في شركة “شيفرون” بوصفه اجتماعًا تقنيًا فقط، بل كإشارة أولية إلى مسار تفكيك تدريجي للعزلة، تُستخدم فيه الأدوات الاقتصادية كبوابة لإعادة التموضع الدولي.

يرى الخبير والمستشار المصرفي، عامر شهدا، أن دخول شركة “شيفرون” إلى السوق السوري يجسد أهمية كبيرة في تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية استراتيجية، وينسحب ذلك على حل حزمة من المشكلات المالية والنقدية والاجتماعية، إضافة إلى ما يمنحه من وزن سياسي غير مباشر. وأشار إلى أن “شيفرون” هي شركة عالمية متعددة الجنسيات يعمل فيها 45 ألف موظف، غالبيتهم في الولايات المتحدة، تتمتع بحصة سوقية كبيرة على مستوى العالم من حيث إدارة عقود توزيع النفط والغاز وحفر الآبار وعمليات التكرير، تبلغ قيمتها السوقية 350 مليار دولار، ويقدّر العائد السنوي لاستثماراتها نحو 20%. وبالتالي، فإن الشركة بإمكانها تقديم الكثير لسوريا على صعيد تعزيز أمن الطاقة والنمو الاقتصادي والابتكار، بالإضافة إلى توفير طاقة موثوقة منخفضة الكربون وبأسعار معتدلة.

فيما يعتقد الباحث في قضايا الاقتصاد الكلي والمجتمعي، عبد العظيم المغربل، أن دخول “شيفرون” حتى لو بدأ كمباحثات هو إشارة “اعتماد” للسوق بأن قطاع الطاقة السوري أصبح قابلًا للتعامل مع شركة غربية كبرى، ما يرفع التوقعات حول عودة التمويل والخدمات التقنية. وأضاف أن التركيز على الساحل السوري يأتي من بوابة الاستكشاف البحري واحتمالات الغاز التي تعدّ أقل تعقيدًا من ملفات الحقول البرية شرقًا، التي تتداخل فيها السيطرة والأمن وسلاسل الإمداد، كما أنه يوفر ارتكازًا لوجستيًا (مرافئ وخدمات بحرية)، ويسمح ببناء بنية تحتية للطاقة يمكن أن تترجم سريعًا إلى تحسين كهرباء وصناعة إذا توفرت الشروط.

الساحل السوري: الموقع والفرصة

يؤكد الخبير شهدا أن الوجهة الأساسية للشركة هي الساحل السوري لوجود أربع بلوكات من النفط والغاز، إذ إن الشركة ستقوم بداية بعمليات استكشاف، في ظل المعلومات عن وجود بلوك مشترك بين سوريا ولبنان وإسرائيل وآخر بين سوريا وقبرص. وتتمثّل النقطة الأهم في اختيار الساحل، باعتباره عقدة المرور لخطوط الغاز والنفط بما يرتبط بالبعد الجيوسياسي، إضافة إلى وجود مجموعة من خطوط نقل الطاقة الأخرى (خط كركوك بين العراق وسوريا، الخط الموجود على بئر حيان في سوريا، إضافة إلى خط الغاز القطري) التي يرتبط تصديرها بالموانئ السورية. بالتالي، فإن هذه الخطوط تحتاج إلى إدارة احترافية، ويمكن للشركة أن تقوم بإدارتها من خلال إدارة عقدة الأنابيب والإشراف على تصدير الغاز الوارد منه، إذ إن سوريا تعد معبرًا أساسيًا لخطوط نقل الغاز والنفط ومنطقة جغرافية ذات بعد استراتيجي؛ وعليه، لا بد من وجود تفاهمات لتنظيم المشاريع المستقبلية التي تمتد في المنظور القريب وليس البعيد.

ويضيف شهدا أن أهم استراتيجيات الشركة تكمن في تعزيز أمن الطاقة، والذي سينعكس إيجابًا على الوضع الاقتصادي السوري، وبالتالي هذا يمكن من تسريع عجلة التعافي الاقتصادي عن طريق استثماراتها التي لا ترتبط بقطاع الطاقة فقط بل تمتد إلى قطاعات أخرى، إضافة إلى تحقيق النمو الاقتصادي، خاصة في قطاعات الزراعة والسياحة التي يعتمد عليها الساحل بشكل أساسي وشهدت تراجعًا خلال 14 عامًا الماضية.

ولفت شهدا إلى أن دخول “شيفرون” يأتي لتعويض هذه الخسارات ولتأمين فرص العمل لأبناء الساحل والقيام بمشاريع بنى تحتية، إذ إن 40% من العمالة ستكون من قبل الشركة، ما يوفر بالتالي آلاف فرص العمل ويخفض مستويات البطالة ويرفع الطلب الكلي على الاستهلاك، وهذا يدفع لضرورة تأمين البنى التحتية والخدمات لهم، إضافة إلى إقامة مشاريع لإنشاء مجمعات سكنية للعمال، وهذا يتطلب عمالة كبيرة على المستوى المهني والتقني والطاقوي.

كما تركز شيفرون على دعم الابتكار، إذ تمتلك مدارس وثانويات مهنية خاصة، تشمل كل ما يتعلق بقطاعات النفط والطاقة من إدارة وربط الأنابيب وتصدير النفط والآبار والمصافي والتكرير، وهذا يعني وجود حاضنة ثقافية مهنية يمكن تقديمها، إضافة إلى تبني الابتكارات التي تفتح آفاقًا علمية أمام الساحل السوري، وقدرة الشركة على توفير طاقة منخفضة الكربون، فسوريا لغاية اليوم ليس لديها رصيد كربوني.

ورأى شهدا أن التوسع بإنشاء مصافي للتكرير وتسييل الغاز يزيد من ضغط الانبعاثات الكربونية ويرفع رصيد سوريا الكربوني، بما يحقق موارد بمئات ملايين الدولارات، من خلال بيع الرصيد الكربوني لسوريا عن طريق منصة الكربون العالمية خاصة بعد حضور سوريا مؤتمر (COP30).

في المقابل، لفت الباحث المغربل إلى أن أي تقدم فعلي نحو الاستكشاف والتطوير قد ينعكس عبر زيادة توفير الغاز للكهرباء، وتخفيض كلفة الطاقة على المصانع والخدمات، وهذا أحد أسرع مسارات التعافي الواقعي في سوريا. وأضاف أن وجود شركة بحجم “شيفرون” يخلق “تأثير قاطرة”، بمعنى يجذب شركات خدمات ومقاولين وتمويلات مرافقة، ويقلل علاوة المخاطر لأن المستثمرين يميلون للاسترشاد بخطوة لاعب كبير. أما سياسيًا، فإن ملف الطاقة في شرق المتوسط مرتبط بالنفوذ الإقليمي، لذلك نجاح المشروع يتطلب غطاءً سياسيًا واستقرارًا لقواعد اللعبة، وإلا بقيت الاستثمارات رهينة الإشارات السياسية، لا الجدوى الاقتصادية فقط.

حسابات العبور وتحدياتها

يؤكد الخبير عامر شهدا أن استثمار سوريا لموقعها الجغرافي بإمكانية عبور خطوط نقل الطاقة العالمية يدفع بالضرورة نحو إيجاد استقرار سياسي وأمني، بالتالي حرص الدول الشريكة على عمليات الضخ ومد الأنابيب والحرص على استقرار الأمن، ما يجعل البلاد تمتلك ورقة ضغط سياسية من خلال النفط والغاز، نظرًا لارتباط الاقتصاد بالسياسة، وبالنظر لأهمية شركة “شيفرون” في الأسواق المالية الدولية، سينعكس ذلك إيجابًا من خلال ذكر اسم سوريا في الأسواق المالية العالمية.

واعتبر شهدا أن ذلك سيدفع باتجاه إمكانية اندماج البلاد بشكل أكبر مع النظام المالي العالمي، ورفع تصنيفها الائتماني السيادي، وفتح آفاق المراسلات المصرفية وتشجيع المصارف على تمويل التجارة الخارجية السورية، فضلًا عن الحصول على تمويلات ائتمانية طويلة الأجل، فالانعكاس على المستوى النقدي سيكون إيجابيًا، في حال تم إيجاد الإدارة السورية الصحيحة، وفي نسج شبكة علاقات سليمة مع المؤسسات والأسواق المالية العالمية.

ويضيف شهدا أن أهم التحديات التي ستواجه الشركة غياب الكوادر المؤهلة والقادرة على العمل ضمن هذا الحجم من الشركات، لا سيما فيما يخص عمليات ضخ الغاز والنفط لناقلات النفط، وهو ما يتطلب مهارات مهنية خاصة بريًا وبحريًا، لذلك يتم الاستفادة من مدارس الشركة ومعاهدها المهنية وتوقيع اتفاقيات شراكة مع الجامعات والمعاهد في الساحل لإنشاء كادر مهني للعمل، وبالتالي انعدام المخاطر في هذا الجانب، نظرًا لأن الشركة ملتزمة بتحقيق أمنها الذاتي بما يخلق استقرارًا اجتماعيًا وأمنيًا في الساحل.

أما على مستوى البيئة التشريعية والاقتصادية، فإن العقود الدولية تخضع للقانون الدولي وليس للقانون المحلي، وهذا يتبع لشروط العقد ومرجعية الفصل ومرجعية العقد والقضاء، ويمكن الرجوع لغرفة التجارة الدولية والاحتكام لأعراف التجارة العالمية وقانون العقود العالمي، في ظل أهمية ارتباطات الشركة وعلاقاتها. كما أن إلغاء “قانون قيصر” يُسهّل عمليات التحويل وبناء العلاقات مع المصارف السورية، وباعتبار أن أسواقها خارجية، فإن المخاطر معدومة على اعتبار أن أسواق التصريف خارجية، إلا في حال وجود تسويق داخلي، وهذا يستلزم بناء تشريعات جديدة من خلال مجلس تشريعي.

من جانبه، يختم الباحث عبد العظيم المغربل، حديثه مشيرًا إلى أن أكبر التحديات تتعلق بمخاطر السمعة والتأمين والتمويل البحري، وهذه عوامل قد تؤخر المشروع أو ترفع كلفته حتى قبل بدء الحفر. أما تشغيليًا، فتبرز تحديات البيانات الجيولوجية والخدمات البحرية والبنية التحتية، وحاجة لهيكل تعاقدي واضح لتقاسم الإنتاج والضرائب وحماية المستثمر وتسوية النزاعات، والحل يكون عبر إطار تشريعي شفاف وحديث، وعقود معيارية قابلة للتحكيم، نافذة واحدة للتراخيص، وضمانات مدفوعات وتحويلات ضمن قنوات ممتثلة، مع إدارة بيئية ومجتمعية تقلل الاحتكاكات.

—————————————

==================

تحديث 01 كانون الثاني 2026

———————————

العملة السورية الجديدة.. نقدٌ بلا ذاكرة وطنية/ مازن الشاهين

الليرة السورية الجديدة: تصميم عصري أم ورقة نقدية بلا ذاكرة؟

2025-12-31

“العملة الجديدة جميلة رومانسية ولكن بلا ذاكرة”، عبارة تختصر شعور شريحة من السوريين تجاه الإصدار النقدي الجديد الذي يتجه مصرف سورية المركزي لاعتماده تدريجياً خلال عام 2026، بتصميم تجريدي حديث وخالٍ تقريباً من الرموز التاريخية المألوفة على الليرة القديمة.

اقتصادياً، يؤكد خبراء أن استبدال الأوراق التالفة، وإضافة تقنيات ضد التزوير، وإعادة هيكلة الفئات خطوات ضرورية في بلد أنهكته الحرب والتضخم، بغض النظر عن مضمون التصميم البصري.

في المقابل، ينتقد فنانون ومثقفون غياب الرموز التاريخية والحضارية السورية عن الأوراق الجديدة، معتبرين أن العملة فقدت جزءًا من هيبتها بوصفها وعاءً لذاكرة أمة تمتد حضارتها لآلاف السنين.

بين من يرى في الإصدار الجديد “فجر اقتصاد سوري جديد” ومن يراه “ورقة جميلة بلا ذاكرة”، يقف المواطن العادي أمام واقع معيشي يتأرجح بين صعوبة الظروف الاقتصادية ورغبة في التمسك بأي رمز يذكّره بالتاريخ والجغرافيا والانتماء.

يبقى السؤال المفتوح: هل تنجح العملة الجديدة في استعادة الثقة بوصفها أداة اقتصادية فقط، أم أن غياب الذاكرة عن وجهها سيجعلها، في نظر كثيرين، غريبة حتى وهي تحمل اسم الوطن؟

جدال يطرح تساؤلات السوريين حول عملتهم الجديدة؟

يقول الإعلامي الاقتصادي محمود راضي في تصريحات لـ”963+” أن إصدار العملة الجديدة أثار جدلاً واسعاً بين السوريين، فبين إشادة رسمية بـ”تصميم عصري نظيف” يسهّل التداول ويعزّز الثقة بالعملة، واعتراضات شعبية ترى فيها “ورقة أنيقة لكن منزوعة الذاكرة”، يتكشف جدال يتجاوز حدود الجماليات البصرية إلى أسئلة أعمق تتعلق بالذاكرة الوطنية والرمزية الثقافية والتاريخية للبلد: هل تكفي الوظيفة الاقتصادية وحدها لتعريف العملة، أم أنها وثيقة هوية أيضاً؟ وما المعايير التي حُددت على أساسها الهوية البصرية للعملة الجديدة؟ وهل جرى إجراء استطلاعات رأي أو تجارب أولية على عينات من المواطنين قبل اعتماد التصميم؟ ولماذا غابت الرموز التاريخية والأثرية الواضحة، وهل كان ذلك قراراً مقصوداً لتجنّب حساسيات سياسية معينة؟ وأين الثورة وأين النصر وأين دماء الشهداء من عملتنا الجديدة؟ وكيف ترى الجهات الرسمية العلاقة بين العملة كأداة اقتصادية والعملـة كحاملة لرمزية وطنية وثقافية؟

ويشير راضي إلى أن خطة إصدار العملة الجديدة يأتي في سياق اقتصادي مأزوم عاشته سوريا خلال سنوات الحرب، حيث فقدت الليرة القسم الأكبر من قيمتها الشرائية، وتعرضت الأوراق النقدية للتلف الواسع بسبب كثافة التداول وسوء ظروف التخزين والنقل، إضافة إلى البعد السياسي وتغيير نظام الحكم، وفي هذا السياق، رأت الجهات المعنية أن الوقت حان لإطلاق إصدار جديد بعدة فئات، مع إدخال تحسينات تقنية وأمنية، وتغيير شامل في التصميم، بما يُقدَّم على أنه محاولة لإعادة الثقة بالنقد الوطني وتنظيم حركة التعامل اليومي في الأسواق.

العملة مرتبطة بالقوة الشرائية لا بجمالية مؤنثة ورومانسية

يقول الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالستار عزمي في تصريحات لـ”963+” يحاول التصميم الحديث للعملة السورية الجديدة بألوانها الزاهية، وعلامات تأمينها المتطورة منح شعور “زائف” بالاستقرار والنظافة المالية، بينما الذاكرة الجمعية مرتبطة بالقدرة الشرائية وليس بجودة الورق، والعملة القوية هي “ذاكرة لإنتاج المصانع وحقول القمح”، والعملة الجديدة “بلا ذاكرة” فلا يوجد فيها إلى ما يشير إلى الصناعة والتجارة والحرف والثروات الباطنية، لأنها لا تستند إلى نمو حقيقي.

ويضيف: الانطباع الأول لدى كثير من المتلقين أن العملة الجديدة تتحرك في فضاء بصري مختلف كلياً عمّا ألفته عين السوري لعقود، إذ تغيب الصور الواضحة للمعالم الأثرية والشخصيات التاريخية لمصلحة أشكال تجريدية وانسيابية يغلب عليها طابع ليّن وهادئ، بما يحمله ذلك من إيحاءات بالنعومة والانسلاخ عن الجلال والصلابة التي ارتبطت تقليدياً بصورة الدولة والسلطة على الورق النقدي، وأن فقدان الرمزية لا يقل خطورة عن فقدان القيمة الشرائية، لأن الثقة بالعملة ليست اقتصادية فقط، بل نفسية وثقافية، إلا أن السوريين اليوم لا يبحثون عن عملة “جميلة” ليضعوها في براويز، بل يبحثون عن عملة “وفية” لجهدهم وعرقهم، فبدون إصلاحات هيكلية ستبقى العملة الجديدة مجرد “بطاقة بريدية” أنيقة، توثق لحظة انكسار القيمة الشرائية أمام بريق التصميم.

غياب الرموز: ورقة نقدية بلا ذاكرة؟

يقول الباحث الاقتصادي الدكتور محمد عطوان في تصريحات لـ”963+”: منذ بدايات استخدام الورق النقدي الحديث، اعتادت الدول أن تطبع على عملاتها وجوه زعمائها، أو صور قلاعها ومعابدها وجسورها وأنهارها، أو نقوشاً مستوحاة من تراثها الفني والأثري، في رسالة مفادها أن الأموال التي يتداولها المواطنون ليست مجرد أرقام، بل حاملة لجزء من قصة المكان، وفي دول كثيرة، يمكن قراءة تاريخ البلاد عبر نقودها التي تحمل وجوه مفكرين وشعراء، ومعالم أثرية تعبّر عن عمق الحضارة، ورموز تحرر أو وحدة وطنية، والعملة هنا تتحول إلى “سردية صامتة” تروي قصة شعب، وتُعيد إنتاج الانتماء مع كل عملية شراء.

بالمقابل، يرى عطوان أن التصميم الحالي للعملة السورية الجديدة جاء محايداً حدّ الفراغ؛ فلا شخصيات ثقافية جامعة، ولا رموز وطنية متوافق عليها، ولا إشارات واضحة إلى التنوع الحضاري السوري الممتد من أوغاريت إلى تدمر فدمشق وحلب، فالعملة السورية الحالية تتجنب الذاكرة بدل أن تحتضنها، وكأن المطلوب ورقة بلا موقف، لا تثير سؤالاً ولا تبني انتماءً.

ويتساءل عطوان إذا كانت هذه الرموز تُركت أو أُزيحت لصالح رؤية جمالية تعتبر أن “هدوء التصميم” و”حياده السياسي” أولى من تكثيف الدلالات الوطنية الصريحة.

العملة بين الاقتصاد والهوية

يرى عدد من طلاب كلية الاقتصاد أن الأولوية في الإصدار الجديد يجب أن تكون للإجراءات التي تحمي العملة من التزوير، وتنظم الفئات بما ينسجم مع مستويات الأسعار، وتسهّل العدّ والتداول، معتبرين أن النقاش حول الألوان والأشكال يظل ثانوياً أمام هذه التحديات.

لكن عدداً من طلاب كلية علم الاجتماع يشيرون إلى أن للأمر بعداً آخر، فـ”الورقة النقدية” واحدة من أكثر الأشياء التي يراها المواطن يومياً، ويحتك بها في أوقات العمل والشراء والادخار والنجاة، ما يمنحها دوراً رمزياً في تكريس صورة الوطن في المخيلة الجماعية.

وفي الشارع، تتردد مواقف متباينة حيال المشروع؛ فهناك من يتحدث بإيجابية عن “تصميم مريح للعين” و”ألوان عصرية” تشبه ما يراه على عملات دول أخرى أكثر استقراراً، ويرى في ذلك نوعاً من التطلع إلى مستقبل أقل قسوة اقتصادياً.

في المقابل، يعبّر آخرون عن خيبة أمل واضحة: “ورقة جميلة، نعم، لكنها لا تشبه تاريخنا، لا تدلّنا على شيء من حضارتنا، لا على أوغاريت ولا تدمر ولا حلب القديمة”، كما يردد بعضهم، في إشارة إلى شعور بفقدان رابط رمزي مع المكان والزمان.

وتقول هيا الآغا وهي مدرسة فنون جميلة لـ”963+”: يقوم المنطق الجمالي للعملة الجديدة على البساطة، والتناغم اللوني، وتسهيل التمييز بين الفئات، مع التركيز على عناصر أمنية حديثة بدل الزخرفة الكلاسيكية والرموز التاريخية، وهذا الخيار ينسجم مع “اتجاه عالمي” نحو التصميم النظيف، ويهدف إلى تعزيز الثقة بالعملة الوطنية عبر ربطها بصورة مستقبلية حداثية لا بأعباء الماضي السياسي والاقتصادي.

يقول مراد سليمان وهو تاجر قديم في سوق الحميدي لـ”963+”: “مع احترامي للعملة الوطنية الجديدة وتقديري لجهد القائمين على إنجازها، في الحقيقة العملة الجديدة لا تعبر عن عراقة سورية التاريخية، عملة غارقة بالرومانسية المؤنثة خالية من الهيبة والشخصية الوطنية، وهي إلى جانب ال ٥٠٠ القديمة (أم الطربوش_زنوبيا) جمالاً وتعبيراً تساوي الصفر.

الكاتب عبدالقادر عيسى يرى في تصريحات لـ”963+” أن “العملة ليست مجرد وسيلة تبادل نقدي، بل وثيقة ثقافية تمثل ملامح الأمة وتاريخها وقيمها، والتصميم الذي يركّز على الجماليات قد يُرضي الذوق المعاصر، لكنه إذا فقد الرموز الوطنية (كالشخصيات التاريخية، الآثار، المعالم الحضارية)، يفقد جزءاً من دوره الهويّاتي، وحين أمسك الورقة النقدية ولا أشعر أنها تحكي عني أو عن بلدي، كأنها صادرة عن مكان بلا تاريخ”.

خالد المحمد (موظف متقاعد) يقول لـ”963+”: “الورقة الجديدة نظيفة وجميلة، لكنها تشبه الغريب الذي لا يعرفنا، الليرة القديمة (قبل عام2011) كانت تشتري لنا اللحم والخضار، أما هذه، فجمالها يذكرني بمدى صغري أمام وحش الغلاء”.

العملة كسردية رسمية

الباحثة الاجتماعية سهام مروان تؤكد في تصريحات لـ”963+” أن العملة الورقية ليست مجرد وسيلة تبادل نقدي، ولا رقماً في جيب المواطن، بل هي وثيقة سيادية مصغّرة، تحمل على سطحها ملامح الأمة، تاريخها، رموزها، ورسائلها إلى الداخل والخارج، فمنذ آلاف السنين، استخدمت الدول النقود لتخليد تراثها الإنساني، معالمها التاريخية، قادتها العظام، مفكريها، ثقافتها، إنجازاتها، وحتى أحلامها.

لكن مع طرح “العملة السورية الجديدة”، يبرز سؤال جوهري: أين الذاكرة التاريخية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية الوطنية في هذه العملة؟

وتشير الباحثة الاجتماعية إلى أن اختيار ما يُطبع على النقود ليس قراراً تقنياً محضاً، بل هو تعبير عن السردية التي تريد الدولة تكريسها عن نفسها أمام مواطنيها والعالم.

في هذا الإطار، يطرح السؤال: ماذا يعني أن تختار سلطة ما الابتعاد عن الرموز التاريخية الواضحة، لصالح تصميم محايد أو تجريدي، في لحظة يعاد فيها رسم خرائط القوة والتحالفات داخل البلد وخارجه؟ هل هو رغبة في الهروب من إرث مثقل بالصراع، أم محاولة لتقديم صورة مقطوعة عن سياقها؟

وتتابع: لطالما ارتبطت “هيبة الدولة” في المخيلة العامة بصور الجنود، القلاع، النُصُب التذكارية، والشخصيات التاريخية الصارمة المطبوعة على العملات، حيث تشكل هذه العناصر رسالة مبطنة حول القوة والاستمرارية والقدرة على البقاء، وفي المقابل، قد يبعث التصميم الناعم والرومانسي في بعض النفوس رسالة مغايرة، تُقرأ على أنها تخلٍّ عن لغة الجلال لصالح ما يشبه بطاقة تهنئة أو لوحة فنية خفيفة، ما يثير سؤالاً عن أثر ذلك على صورة الدولة في أذهان مواطنيها، حتى لو ظل هذا الأثر غير قابل للقياس بدقة.

+963

———————————

فاتورة واردات سوريا تضعف الاقتصاد وسط مطالب بدعم الإنتاج/ هيام علي

تعكس تعافياً أولياً بعد رفع العقوبات… ومتخصصون: نأمل في اقتصاد حر تنافسي

الخميس 1 يناير 2026

ضعف الصادرات يعود لارتفاع وتشوه الكلف وتراجع الإنتاج وخصوصية الاقتصاد السوري الذي انتقل فجأة ومن دون تحضير من اقتصاد مقيد إلى اقتصاد حر.

شكل عام 2025 تحولاً تاريخياً في سوريا على مختلف المستويات، إذ حمل سقوط النظام البائد انتقالاً سريعاً إلى اقتصاد السوق الحر الذي أنهى أعواماً من التوجيه والتقييد ولوائح لا تنتهي من السلع الممنوع استيرادها إلى البلاد بحجة الترشيد والحفاظ على مخزون البلاد من القطع، وتوجيهه نحو استيراد الأساسيات من قمح ومشتقات نفطية ومواد أولية ومواد طبية وأدوية وغيرها.

وعلى رغم أن الخفض وقع فعلاً على فاتورة الاستيراد خلال أعوام الحرب، إذ بلغت المستوردات 3.2 مليار دولار عام 2023، مسجلة انخفاضاً بنسبة 27 في المئة مقارنة بعام 2022 وفقاً لإحصاءات رسمية، في حين كانت عند مستوى 19.871 مليار دولار عام 2011، فإن التهريب كان نشطاً وشكل فاتورة كبيرة من القطع الأجنبي.

وتشير مصادر تجارية في دمشق إلى أن ما يقارب 70–80 في المئة من المواد المستوردة تدخل البلاد عبر قنوات التهريب.

فتركيا على سبيل المثال واظبت على إيراد سوريا كوجهة لصادراتها طوال أعوام الحرب وبأرقام كبيرة، على رغم انقطاع العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين.

3 مليارات دولار صادرات تركية في 9 أشهر

وتكشف أرقام التجارة الخارجية السورية عام 2025 عن تواضع الصادرات، إذ بلغت 500 مليون دولار خلال النصف الأول من العام مقارنة بارتفاع كبير في الواردات، وتتوقع مصادر تجارية في العاصمة دمشق أن تتجاوز عتبة 6 مليارات دولار، من دون احتساب السيارات التي بلغت فاتورتها 5 مليارات دولار وفقاً لتصريحات رسمية، مرشحة لمزيد من الارتفاع عند اكتمال البيانات عن كامل عام 2025.

وتبين أرقام المستوردات، بخاصة من تركيا والسعودية والأردن ولبنان والصين والعراق، وهي أبرز الدول المصدرة إلى سوريا، ديناميكية مثيرة، فعام 2025 ارتفعت الصادرات التركية إلى سوريا خلال الأشهر التسعة الأولى من العام بنسبة 54 في المئة لتتجاوز 3 مليارات دولار، مرشحة للزيادة إلى 3.5 مليار دولار بنهاية عام 2025، مقابل 1.95 مليار دولار عام 2024، مع تركيز على السلع الاستهلاكية ومواد البناء.

وكانت وزارة التجارة التركية أعلنت أن قيمة صادرات تركيا إلى دول الجوار وصلت إلى 25.3 مليار دولار منذ بداية عام 2025، وأن سوريا حلت في المرتبة الأولى من ناحية أعلى نمو سنوي في الدول التي تصدر إليها تركيا.

يُشار هنا إلى أن وزارة التجارة التركية أعلنت رفع جميع القيود على الصادرات والنقل إلى سوريا اعتباراً من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، وإخضاع الواردات السورية للقواعد الجمركية المطبقة على باقي الدول.

وتسير العلاقات الاقتصادية والتجارية بين سوريا وتركيا نحو الاتساع، وعلى رغم تعليق العمل باتفاق التجارة الحرة الموقع بين أنقرة ودمشق عام 2007 منذ اندلاع الحرب في سوريا، فإنها لا تزال سارية من الناحية القانونية.

وبحسب متخصصين سوريين، فإن تركيا تسعى إلى زيادة صادراتها إلى سوريا والمشاركة في عملية إعادة إعمارها عبر استثمارات وواردات، مما يعني أن أرقام صادراتها إلى سوريا ستكون مفتوحة على ارتفاع كبير، وبالتوازي تتطلع إلى زيادة صادراتها إلى الدول العربية انطلاقاً من سوريا، مستفيدة من منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، مما يفسر رغبة الأتراك في إقامة مصانع ومعامل في سوريا بغرض التصدير.

قفزات في صادرات السعودية والأردن ولبنان

أما الصادرات السعودية إلى سوريا، فشهدت نمواً بنسبة 224 في المئة بحلول سبتمبر (أيلول) الماضي وحده، مع شحنات نفط تصل إلى 1.65 مليون برميل كمساعدات.

ولم يكُن الأردن أقل حماسة مع قفزة في صادراته إلى سوريا بنسبة 341 في المئة خلال الأشهر الـ10 الأولى من 2025، لتصل إلى 286 مليون دولار، بخاصة في مواد البناء والكهربائيات.

أما لبنان، فتمكن من رفع وارداته إلى سوريا، وبحسب إحصاءات دليل الصادرات والمؤسسات الصناعية اللبنانية خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025، بلغت قيمة ما استوردته سوريا من لبنان 103.434 مليون دولار، مقابل صادرات سوريا إلى لبنان بقيمة 70.437 مليون دولار، أي فائض ربحي لمصلحة لبنان قدره 32.997 مليون دولار، وبذلك تكون سوريا الأولى في حجم الاستيراد من لبنان.

وأشارت تقارير إلى أن حجم واردات سوريا من الصين لعام 2025 حقق زيادة كبيرة تجاوزت المليار دولار، مع انتشار واسع للمتاجر المتخصصة في بيع المنتجات الصينية الرخيصة، في حين تبدو صادرات سوريا إلى الصين محدودة ومتواضعة، وتقتصر على بعض المواد الغذائية والزراعية والمواد الخام مثل الفوسفات.

أما بالنسبة إلى العراق، فتوقعت مصادر تجارية سورية أن يساعد رفع العقوبات في حدوث قفزات مهمة في مستوى التبادل التجاري بين البلدين، من الممكن ملاحظتها بصورة واضحة عام 2026، ورجحت أن يصل حجم التبادل إلى 4 مليارات دولار خلال الأعوام المقبلة، مشيرة إلى أن حجم التبادل التجاري الحالي يبلغ مليار دولار.

تواضع الصادرات السورية

يعكس هذا الارتفاع في المستوردات السورية خلال عام 2025، بحسب متخصصين سوريين، تعافياً أولياً مدفوعاً برفع العقوبات وتحسن العلاقات الإقليمية، إذ تقابل حاجات سوريا الضخمة في إعادة الإعمار بفرص تصديرية للجيران.

لكن تبقى الصادرات السورية متواضعة، إذ بلغت نحو 1.27 مليار دولار عام 2023، مقابل 12.37 مليار دولار عام 2010، ويعود سبب الارتفاع آنذاك لتصدير النفط الذي كان يشكل 47 في المئة من الصادرات.

وسجلت الصادرات السورية خلال النصف الأول من عام 2025 نمواً بنسبة 39 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، إذ يتوقع أن تصل إلى مليار دولار وفقاً لتصريحات رسمية، ومع تنشيط تصدير الفوسفات يمكن أن تقفز إلى مستويات أعلى، مقلصة الفارق مع المستوردات.

وأظهرت الأرقام أن المنتجات السورية وصلت إلى أكثر من 90 دولة، في مؤشر على توسع ملحوظ في حركة التجارة الخارجية، إلا أن التواضع يبقى سمة الصادرات السورية، ويعود السبب لنقص الإنتاج الهيكلي وتدمير الصناعات والاعتماد على الاستيراد، مما يؤدي إلى عجز تجاري يقدر بمليارات الدولارات، ويشير هذا الواقع التجاري إلى حاجة ماسة لتعزيز الإنتاج المحلي.

وكانت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في سوريا أعلنت أخيراً إحصاءات عمل المعابر الحدودية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد وحتى نهاية أغسطس (آب) الماضي، وكشفت إحصاءات الهيئة عبر المنافذ البرية وعمل الموانئ والمرافئ عن وجود خلل كبير بين حجم الاستيراد والتصدير.

وبلغ إجمال عدد الشاحنات التي عبرت من سوريا وإليها 364075 شاحنة، من بينها 327331 شاحنة للاستيراد و36744 شاحنة للتصدير، ووصلت الحمولة الإجمالية إلى 8707794 طناً، من بينها 7072345 طناً للاستيراد، و1635449 طناً للتصدير، مما يشير إلى وجود خلل في الميزان التجاري، إذ باتت سوريا بلداً مستهلكاً وتعاني عجزاً تجارياً كبيراً.

ارتفاع الواردات يأتي في سياق إعادة الإعمار

وفي قراءته لارتفاع الصادرات التركية والسعودية والأردنية وغيرها إلى سوريا مقارنة بتواضع الصادرات، يرى الاستشاري الاقتصادي السوري سعد بساطة أن ارتفاع الصادرات يمكن أن يفسر من خلال عوامل عدة، خصوصاً في سياق إعادة الإعمار والتجارة الإقليمية، واستعرض بعض النقاط الرئيسة التي تسهم في تفسير هذا الارتفاع، وأهمها إعادة الإعمار والحاجات الاقتصادية بعد أعوام من الصراع، مما يتطلب استيراد مواد بناء وخدمات مختلفة.

وأوضح في تصريح إلى “اندبندنت عربية” أن الدول المجاورة مثل لبنان وتركيا والأردن والسعودية في موقع استراتيجي لتقديم هذه الحاجات بسبب قربها الجغرافي.

وأشار إلى أن التجارة الإقليمية والعلاقات الدبلوماسية تقوم بدور مهم أيضاً في تسهيل التجارة، ويمكن أن تؤدي إلى زيادة التبادل التجاري، وهناك أيضاً عامل الحاجات الإنسانية الملحة مثل الغذاء والدواء التي يمكن للدول المجاورة تلبيتها.

وبرأي بساطة، فإن لدى هذه الدول وغيرها مساعي واضحة للاستفادة من الفرص الاقتصادية في سوريا، سواء من خلال رفع صادراتها إليها أو عبر الاستثمار والإسهام في إعادة الإعمار.

سوريا إلى بلد ريعي

وقال رجل الأعمال السوري محمد غانم لـ”اندبندنت عربية” إنه مع الارتفاع الكبير في حجم الواردات على حساب الصادرات، تحولت سوريا إلى بلد ريعي وليس إنتاجياً، وهو أمر سيئ، بخاصة أننا نستورد من دون إنتاج، مما خلق واقعاً أليماً.

ولفت إلى أن ضعف الصادرات يعود لارتفاع وتشوه الكلف وتراجع الإنتاج وخصوصية الاقتصاد السوري الذي انتقل فجأة ومن دون تحضير من اقتصاد مقيد إلى اقتصاد حر.

وأعرب عن أمله في أن تتمكن الحكومة السورية من إنجاز اتفاقات تجارية مع الدول المجاورة تتيح تدفق المنتجات السورية إليها، مشيراً إلى أن الأردن وعد بالسماح بتبادل المنتجات بينه وسوريا، في حين يتطلب دخول الأسواق التركية توافر إمكانات كبيرة ودعماً واسعاً للمنتجات السورية، بخاصة أن المنتجات التركية تتمتع بدعم وتنافسية، بل تنافسنا في عقر دارنا، وفق تعبيره.

وأوضح غانم أن الارتفاع الكبير في الواردات مقابل تواضع الصادرات سيكون له تأثير خطر في الاقتصاد الوطني، قائلاً “نحن نريد اقتصاداً حراً تنافسياً، ولكن الذي حدث هو اقتصاد حر متوحش”.

وانتقد تجميد الحكومة عمل هيئة المنافسة ومنع الاحتكار، عوضاً عن تقويتها، داعياً إلى إعادة تفعيلها للتأكد من أن الأسواق تخضع لتنافسية حقيقية قائمة على مبدأ تكافؤ الفرص، وليس تنازع الفرص والصلاحيات.

——————–

السوق السوداء للمحروقات.. اقتصاد ظلّ يستنزف خزينة الدولة ويثقل كاهل السوريين/ سامر سيف الدين

1 يناير 2026

بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، شهدت تجارة المحروقات في السوق السوداء تحوّلات كبيرة. ومع أن الأسعار انخفضت بشكل ملحوظ في أغلب المناطق، إلا أن أحداث الساحل وما تبعها في السويداء، نشطّت هذه التجارة حتى وصلت الأسعار إلى مستويات قياسية أرهقت كاهل السوريين، ومازالت مرشحة للارتفاع بانتظار الحل لأزمتي الشمال والجنوب.

من الفرقة الرابعة إلى مافيات الكازيات

خلال فترة حكم نظام الأسد، سيطرت شبكات يديرها ضباط كبار ورجال أعمال يُحسبون على السلطة على أغلب مفاصل الاقتصاد، منها تجارة المحروقات المهربة من مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في شمال وشرق البلاد، حيث منابع النفط الأساسية في البلاد، التي عانت جميعها، باستثناء مناطق “قسد”، من غلاء كبير في أسعار المازوت والبنزين والغاز وغيرها من المشتقات النفطية.

ومع سقوط النظام، توفرت هذه المواد بشكل متدرّج، وإن بقي سعرها مرتفعًا مقارنةً بدخل الفرد الذي لم يتحسّن، باستثناء زيادة جيدة في رواتب الموظفين. كما بقي فرق السعر بين مناطق قسد، الذي بلغ فيها سعر ليتر مازوت التدفئة “1000” ليرة فقط، حسب ما قال أحمد القادم من القامشلي إلى دمشق، عندما جمعتنا به الصدفة في الطريق إلى المزة، ما جعل أبو محمد، سائق التكسي الذي يُقلّنا، يطلق صفارة كبيرة ويضرب كفًا بكفّ، فهو لم يؤمن مازوت الشتوية حتى اليوم، وهو ابن دمشق “مضروب بحجر تقيلة”.

لكن الوضع أسوء بكثير في السويداء، فبعد الأحدث الدامية التي شهدتها المحافظة منتصف تموز/يوليو الماضي، انقطعت الإمدادات النفطية عن المحافظة، ما أوصل سعر البنزين لما يقارب 75-100 ألف ليرة لليتر الواحد نهاية الشهر ذاته.

ومع أن توريدات المحروقات تحسنت بشكل تدريجي، إلا أن المواطن لم يلحظ الفرق، فمافيا الكازيات والتجار المتعاونين معها، ما زالت صاحبة الكلمة الفصل في توفير أو عدم توفير المادة في السوق السوداء، وتحديد سعرها اليوم لما يشبه “البورصة”.

حلول مؤقتة قد لا تُكتب لها الديمومة

لم يترافق نشاط الحركة المرورية بين السويداء ودمشق، بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر، مع زيادة مرافقة في توريدات المحروقات للمحافظة، وتبادل محافظ السويداء ومسؤولها المحليون التهم حول مآل حال المحروقات الصعب، الذي جعل أم عبد الله، التي يعمل زوجها في أحد دول الخليج، تشتري ليتر المازوت بـ”17″ ألف ليرة. وعند سؤالها عن سبب قبولها بهذا السعر، قالت: “الشتوية قاسية ولا ثقة لي بالآتي، قد يصل السعر لأكثر من 25 ألف”.

وفي ظل الاتهامات المتبادلة بالمسؤولية، ظهرت طاقة ضوء أمام سكان المحافظة تمثّلت بالسماح ” الضمني” لسيارات النقل العام ( الباصات) باستجلاب كميات أكبر من حاجتهم من دمشق، ما جعل مادة المازوت متوفرة بشكل أفضل.

يقول أبو نايف، سائق باص بين السويداء ودمشق، لموقع “الترا سوريا”: “ليس هناك سعر محدد للمازوت والبنزين، بينما أبيع الليتر بـ11 ألف ليرة، قد يصل سعره لدى البعض إلى 15 ألفًا، أما البنزين فحدّث ولا حرج، فهو اليوم بين 17 و20 ألف ليرة لليتر الواحد”.

ويستدرك أبو نايف قائلًا: “أُخبرنا أن الكميات المسموحة سيتم تخفيضها، وستقتصر الكميات على خزان السيارة، وهذا إن طبق سوف يعيد إشعال سوق المحروقات السوداء، وستعود السيطرة بالمطلق لأصحاب الكازيات، والتجار المتعاونين معهم، وسيكون المواطن البسيط هو الضحية”.

وبعيدًا عن السويداء، ما زالت تجارة المحروقات في السوق السوداء تُشكّل سوقًا موازية لهذه المادة في أغلب المحافظات، مثل بعض مناطق دير الزور وريف حمص والريف الحلبي. وبحسب المراقبين، فإن جميع المناطق التي تعاني من توترات أمنية تشهد، بالتوازي مع ذلك، نقصًا في التوريدات النفطية ونشاطًا لتجّار هذه المواد، الذين يديرون، كما يؤكّد البعض، شبكات عابرة للمحافظات تتحكّم بكل مفاصل هذه التجارة.

أسعار المحروقات في السوق السوداء تكوي المواطنين

بعد سقوط النظام، أصبحت المحروقات متوفرة في السوق السوداء، لكن بأسعار مرتفعة جدًا مقارنة بأسعار المحطات الرسمية؛ وهذه لأسعار تختلف باستمرار تبعًا للعرض والطلب ونوعية الوقود. وترتّب على ارتفاع الأسعار في السوق السوداء زيادة في تكاليف النقل والسلع اليومية، ما زاد العبء على القوى الشرائية للسوريين المتدهورة أصلًا.

ويعزو بعض المحللين ذلك إلى غياب سيطرة مركزية قوية أو تنظيم رسمي صارم، ما زاد من قدرة السوق السوداء على العمل دون رادع، وعزّز الربحية لدى التجار غير الرسميين.

ومع أن السلطات الرسمية في بعض المناطق الحدودية، تحاول فرض سيطرتها، لمكافحة التهريب وضبط الأسعار، غير أن هذه المحاولات لم تؤتي ثمارها، فيما لا تزال السوق السوداء تلعب دورًا رئيسيًا في توفير المازوت والبنزين والغاز وغيرها.

ويؤكد المحللون أن تجارة المحروقات في السوق السوداء بعد سقوط النظام تبقى ظاهرة قوية، مرتبطة ببعض الأسباب الأساسية، منها نقص الإمدادات الرسمية (غالبية الحقول النفطية الأساسية تقع تحت سيطرة قسد)، وانهيار البنية الاقتصادية، والأرباح العالية للمهربين. ورغم توفر الوقود أكثر الآن نسبيًا مقارنة بفترات الحرب الأشد، إلا أن الأسعار في السوق السوداء لا تزال مرتفعة، وتأثيرها على الاقتصاد والمواطنين كبيرًا.

ويرجّح أن يتسبّب بقاء هذه التجارة جزءًا من الاقتصاد غير الرسمي، الذي يهيمن على الأسواق اليوم، في خسارةٍ لخزينة الدولة، بالإضافة إلى إرهاق جيوب المواطنين المثقوبة أصلًا، بانتظار الحلول النهائية التي تسمح بعودة محطات الوقود المراقبة ومراكز توزيع الغاز مصدرًا وحيدًا لهذه المواد. ولن يتحقّق ذلك قبل الوصول إلى تسوية المشكلات العالقة بين الحكومة المركزية في دمشق من جهة و”قسد” من جهة أخرى، مع رفع القيود عن توريدات المحروقات إلى السويداء، بما يقطع الطريق على المضاربين وتجار الأزمات للتحكّم في أقوات الناس واحتياجاتهم الأساسية.

الترا سوريا

———————————

==================

تحديث 31 كانون الأول 2025

———————————

كيف يبدو الوضع الاقتصادي في سوريا مع نهاية عام 2025؟/ أحمد العكلة

30 ديسمبر 2025

يواجه الاقتصاد السوري تحديات هيكلية عميقة، خاصةً في قطاعي الكهرباء والمحروقات، اللذين يشكلان عماد الحياة اليومية والنشاط الاقتصادي. وقد شهد عام 2025 تحسّنًا نسبيًا مقارنةً بعام 2024، الذي كان يعاني من انقطاعات كهربائية تصل إلى 22 ساعة يوميًا وشح شديد في الوقود، والذي أعقبه توقف الإمدادات الإيرانية بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024.

ومع ذلك، لا يزال الوضع هشًا، مع رفع أسعار الكهرباء بشكل كبير في تشرين الأول/أكتوبر 2025، واعتماد متزايد على الاستيراد لتغطية العجز في المحروقات.

في عام 2024، كان إنتاج الكهرباء محدودًا بحوالي 2500 ميغاواط، مع اعتماد كبير على المولدات الخاصة والديزل المستورد، مما أدى إلى تلوث بيئي وتكاليف عالية على الأسر.

أما في 2025، فقد ارتفع الإنتاج تدريجيًا إلى نحو 3000 إلى 4000 ميغاواط في بعض الفترات، بفضل اتفاقيات استيراد غاز من أذربيجان ودعم من تركيا وقطر عبر سفن توليد كهرباء عائمة. ومع ذلك، يظل التقنين موجودًا، مع تغذية تصل إلى 8–14 ساعة يوميًا في المناطق الرئيسية، مقابل ساعات أقل في الريف.

يقول الباحث الاقتصادي أسامة العبد الله لموقع “الترا سوريا” إن “الفرق الرئيسي بين 2025 و2024 يكمن في الانتقال من عزلة كاملة إلى انفتاح نسبي. في 2024، كانت العقوبات وتوقف الإمدادات الإيرانية يخنقان القطاع، مما أدى إلى خسائر اقتصادية تصل إلى 30 مليار دولار سنويًا بسبب التقنين”.

وأضاف: “أما في 2025، فإن رفع التعرفة الكهربائية إلى شرائح تصل إلى 1800 ليرة للكيلوواط ساعي كان خطوة ضرورية لتقليل العجز الحكومي الذي يقدَّر بمليار دولار، لكنه جاء في توقيت صعب مع تضخم يتجاوز 200% وفقر يطال 90% من السكان”.

واعتبر أن هذا الإصلاح يعكس تكلفة الإنتاج الحقيقية (2200 ليرة للكيلوواط ساعي)، لكنه يزيد العبء على الأسر محدودة الدخل، حيث قد تصل فاتورة شهرية إلى نصف الراتب. وتابع: “بالنسبة للمحروقات، الاتفاقيات الجديدة مع أذربيجان ودول الخليج ستساعد في زيادة الإنتاج بنسبة 30–40%، لكن من دون استثمارات أجنبية كبيرة سنظل نعاني من عجز مزمن”.

وفي سياق متصل، فقد انخفض إنتاج النفط إلى نحو 50 إلى 100 ألف برميل يوميًا في 2024، مع استيراد مكثف. وفي 2025، تحسّن الوضع قليلًا بفضل اتفاقيات مع قوات سوريا الديمقراطية لاستعادة بعض الحقول، وتخفيض أسعار البنزين والمازوت بنسب 20–22%، لكن الاستيراد لا يزال يغطي 90% من الاحتياجات.

وأكد الخبير في قطاع الطاقة محمد الشاهر أن “في نهاية 2024 كانت القدرة الإنتاجية أقل من 2000 ميغاواط، مع نقص غاز يومي يصل إلى 17 مليون متر مكعب. اليوم، في كانون الأول/ديسمبر 2025، نحن نتحدث عن تحسّن ملحوظ بفضل استيراد الغاز الأذربيجاني (حوالي ملياري متر مكعب سنويًا) وسفن الكهرباء من قطر وتركيا، التي أضافت 800 إلى 900 ميغاواط”.

وأوضح أن التعرفة الجديدة، التي بدأت في تشرين الثاني/نوفمبر، تراعي الشرائح الاجتماعية: 600 ليرة للاستهلاك المنخفض (مدعوم بنسبة 60%)، وتصل إلى 1700–1800 للصناعي. واعتبر أن ذلك ليس رفعًا عشوائيًا، بل إعادة هيكلة لتمويل الصيانة وتقليل الخسائر. وأضاف أن ساعات التقنين انخفضت مقارنةً بعام 2024 من 20 ساعة إلى 10–16 ساعة في المتوسط، مع توقع الوصول إلى 14 ساعة تغذية مستمرة بحلول منتصف 2026. وتابع: “أما المحروقات، فتخفيض الأسعار ساعد في دعم الصناعة، لكننا نحتاج إلى 40 مليار دولار استثمارات لإعادة التأهيل الكامل”.

ويقول الباحث الاقتصادي علي شعلة لموقع “الترا سوريا” إن “عام 2024 كان كارثيًا اقتصاديًا، مع انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.5% وفقر مدقع يطال ربع السكان. في 2025، توقّع البنك الدولي نموًا متواضعًا بنسبة 1%، مدعومًا برفع جزئي للعقوبات واتفاقيات طاقة. رفع أسعار الكهرباء كان صدمة اجتماعية، حيث قفزت الفواتير 60 ضعفًا في بعض الحالات، مما أثار غضبًا شعبيًا واسعًا”.

وأضاف: “لكن هذا القرار ضروري لجذب استثمارات، مثل الصفقات بقيمة 7 مليارات دولار مع شركات قطرية وتركية وأميركية لمحطات غازية وشمسية بقدرة 5000 ميغاواط. بالنسبة للمحروقات، فإن الاعتماد على استيراد 100 ألف برميل يوميًا مكلف، لكن اتفاقيات مع الشمال الشرقي زادت الإنتاج المحلي”.

واعتبر أن التحدي الأكبر هو التوازن بين الإصلاح المالي والحماية الاجتماعية. فبدون دعم للأسر الفقيرة، قد يؤدي الرفع إلى زيادة التعديات على الشبكة وتراجع التحصيل.

وختم حديثه بالقول إن الاقتصاد السوري يحتاج إلى استثمارات مستدامة وشفافية لتحقيق تعافٍ حقيقي، مع الحفاظ على دعم الفئات الضعيفة لتجنّب تفاقم الأزمة الاجتماعية.

في الختام، يمثل عام 2025 نقطة تحول نسبية مقارنةً بعام 2024، مع تحسّن في الإمدادات بفضل الدعم الإقليمي والإصلاحات، لكن الرفع الحاد في أسعار الكهرباء يعكس الضغوط المالية الهائلة.

الترا سوريا

———————————

الاقتصاد السوري 2025.. ملامح مرحلة جديدة لا تزال تتشكل ببطء شديد/ محمد كساح

31 ديسمبر 2025

بعد مرور عام على مرحلة التحول السياسي في سوريا، اتخذ الاقتصاد السوري في عام 2025 ملامح جديدة من حيث الاتجاه العام، من دون أن يحقق تحولًا فعليًا في نتائجه. فقد تحركت عجلة الاقتصاد خطوات صغيرة نحو الأمام، بالموازاة مع توفير جميع السلع، وزيادة رواتب الموظفين الحكوميين بنسبة 200%.

في المقابل، يعاني الاقتصاد السوري من التضخم وضعف القوة الشرائية والتداعيات الناتجة عن استمرار سياسة تجفيف السيولة وعدم استقرار الليرة، أما عجلة الاستثمار فلا تزال غير نشطة، رغم توقيع عشرات مذكرات التفاهم مع مستثمرين من خارج البلاد.

الافتقار إلى سياسة واضحة

ويلاحظ الباحث الاقتصادي ملهم جزماتي، خلال حديث لـ”الترا سوريا”، أن الاقتصاد السوري في العام 2025 خرج من حالة الجمود والانهيار غير المنضبط التي سادت لسنوات، لكنه لم يدخل بعد في مسار تعافٍ منظم أو نمو مستدام.

ويضيف أن التحولات التي شهدها العام كانت في معظمها تحولات في الإطار والسياسات، أكثر منها تغيرات ملموسة في بنية الاقتصاد أو في مستوى معيشة السوريين.

ومع ذلك، لا تزال البلاد تفتقر إلى سياسة اقتصادية واضحة، فالعمل ضمن نموذج اقتصاد السوق الحر الذي تم الإعلان عن تبنيه منذ سقوط النظام لا يزال ضمن الإطار النظري، حيث يتطلب هذا النموذج توافر مقومات عديدة أبرزها المنافسة والشفافية ومكافحة الفساد، فضلًا عن بنية قانونية واضحة تحمي المستثمر والمستهلك على حد سواء.

أبرز الخطوط العريضة في عام 2025

تتمثل أبرز الخطوط العريضة للاقتصاد السوري في عام 2025 في التوجه التدريجي نحو تحرير السوق والابتعاد عن النموذج القائم على الدعم الواسع والحمائية الحكومية. ويرى جزماتي أن هذا التوجه انعكس على تقليص الدعم، ولا سيما في قطاع الطاقة، وفي فتح المجال أمام الاستثمارات الخاصة ومحاولات جذب رؤوس أموال خارجية، بالتوازي مع إعادة صياغة القوانين الناظمة للاستثمار والعمل الاقتصادي.

    يعاني الاقتصاد السوري من التضخم وضعف القوة الشرائية والتداعيات الناتجة عن استمرار سياسة تجفيف السيولة وعدم استقرار الليرة

في المقابل، بقي الاقتصاد يعاني من ضعف شديد في قاعدته الإنتاجية، سواء في الصناعة أو الزراعة، ومن هشاشة في القطاع المصرفي، إضافة إلى أزمة سيولة مزمنة حدّت من قدرة السوق على التحرك بحرية، رغم الخطاب المعلن عن الانفتاح.

ويتابع جزماتي أن من حيث المؤشرات العامة، شهدت الليرة السورية تحسنًا نسبيًا في بعض الفترات، إلا أن هذا التحسن لم يكن نتيجة نمو اقتصادي أو توسّع في النشاط الإنتاجي، بل ارتبط إلى حد كبير بشح السيولة داخل السوق وضعف القدرة الشرائية، بما لا يعكس متانة اقتصادية قابلة للاستمرار.

من جانب آخر، جرت عملية موسعة تخص عملة التداول، وهي ظاهرةُ الدولرةِ المعلنةِ للسلع والخدمات وجزءٍ من الرواتب. ولم تعد الدولرة مجرد ظاهرة اجتماعية أو خيارًا اضطراريًا، بل تحوّلت إلى بنية تشغيلية للاقتصاد السوري.

الاستثمارات.. في إطار النوايا المستقبلية

أما الاستثمارات التي أُعلن عنها خلال العام، وقدّر حجمها بـ28 مليار دولار، فقد بقي معظمها في إطار مذكرات تفاهم ونوايا مستقبلية، مع غياب تنفيذ واسع النطاق على الأرض، نتيجة ضعف البنية التحتية، ومحدودية الجاهزية المؤسسية، وعدم قدرة السوق على استيعاب مشاريع كبيرة بسرعة.

الأداء الحكومي محدود

وحول الأداء الحكومي خلال العام، يؤكد جزماتي أنه كان محدود الأثر. فالحكومة لم تتخذ سياسات تعرقل السوق بشكل صريح، لكنها أيضًا لم تنجح في تحويل تحرير السوق إلى نمو اقتصادي ملموس، وبقي دورها أقرب إلى إدارة المرحلة الانتقالية منه إلى قيادة عملية تنشيط اقتصادي حقيقي.

ويتابع بأن السياسات المتبعة ركزت على إعادة ترتيب الإطار القانوني والمؤسسي، وبناء هياكل جديدة لإدارة الاقتصاد، لكنها لم تُترجم إلى برامج إنتاجية واضحة أو سياسات تشغيل قادرة على امتصاص البطالة أو تحسين مستوى الدخل.

لا دعم اجتماعي بعد اليوم

ومن النقاط المهمة التي تحققت في العام 2025 والتي ووجهت بانتقادات تتعلق بتسرع الحكومة في تطبيقها، استئناف العهد الجديد للملف الذي كان النظام الأسدي قد بدأه، وهو رفع الدعم الاجتماعي الذي كان سمة الاقتصاد السوري على مدار عقود، وقد تم إسدال الستار الأخير على هذا الدعم بعد تحرير جميع السلع، وأهمها المحروقات والمواد التموينية، فضلًا عن رغيف الخبز وتعرفة الكهرباء.

الترا سوريا

———————————

 سوريا تختتم عام 2025 باقتصاد هش وسوق مفتوحة/ دمشق – رهام علي

الأربعاء 2025/12/31

بعد ما يقارب خمسة عشر عاماً من الانكماش والعزلة، وجد الاقتصاد السوري نفسه خلال عام 2025 أمام مسار جديد قوامه الانفتاح التدريجي وتخفيف القيود التي كبّلت حركة التجارة والاستثمار لسنوات طويلة. تحرير السوق لم يعد مجرد خيار نظري، بل تحوّل إلى مسألة بنيوية تمسّ شكل الاقتصاد ووظيفته، وتطرح أسئلة جوهرية حول قدرة السوق السورية على التكيّف مع قواعد المنافسة والانفتاح بعد سنوات من اقتصاد مغلق ومشوه.

التحرير الاقتصادي في جوهره لا يعني فقط إزالة القيود، بل إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق، وبين القطاع العام والخاص، وبين الإنتاج المحلي ورأس المال الخارجي. في الحالة السورية، تأتي هذه العملية في سياق هش، حيث ما زالت البنية الإنتاجية ضعيفة، والطلب الداخلي محدوداً، والمؤسسات الاقتصادية في طور إعادة التشكل.

انفتاح السوق: فرصة نظرية أم اختبار قاسٍ؟

يفتح تحرير السوق من حيث المبدأ، الباب أمام تدفقات مالية وتجارية كانت متوقفة، ويعيد تفعيل أدوات أساسية مثل التحويلات، والتمويل، والتبادل التجاري. أما نظرياً، فيسمح ذلك بإعادة تحريك قطاعات رئيسية كالنقل والطاقة والتجارة والخدمات، ويخلق مناخاً أكثر جاذبية للاستثمار، خصوصاً في بلد يعاني فجوة كبيرة بين حاجاته التنموية وقدرته الذاتية على التمويل.

لكن هذا الانفتاح يصطدم بواقع اقتصادي لا يزال يعاني من ضعف السيولة، وتآكل القاعدة الإنتاجية، وارتفاع كلفة التشغيل، إذ تدخل السوق السورية مرحلة التحرير وهي غير متكافئة: قطاع خاص محدود الإمكانات، صناعة وزراعة متضررتان، وقوة شرائية منخفضة تجعل الطلب الداخلي عاجزاً عن امتصاص أي توسع سريع في العرض.

النمو المحدود وحدود التعافي

بالتوازي، تعكس المؤشرات الاقتصادية المتداولة خلال 2025 تعافياً بطيئاً، أقرب إلى الاستقرار النسبي منه إلى النمو الحقيقي، حيث لا يُخفي الحديث عن نسب نمو متواضعة حقيقة أن الاقتصاد لا يزال يعمل دون طاقته، وأن أي تحسن يبقى هشاً وقابلاً للارتداد في حال غياب استثمارات إنتاجية فعلية.

في هذا السياق، فإن تحرير السوق لا ينتج تلقائياً نمواً، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا سبقته عملية فتح واسعة دون حماية مرحلية للقطاعات المحلية، فالمنافسة مع السلع المستوردة، في ظل ضعف الإنتاج المحلي، قد تؤدي إلى خروج مزيد من المنشآت الصغيرة من السوق بدل تحفيزها على التوسع.

فرص التحرير: إعادة دمج مشروطة

ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل الفرص التي يتيحها تحرير الاقتصاد، فإعادة دمج سوريا في محيطها الاقتصادي الإقليمي والدولي تمنحها إمكانية استعادة أدوار فقدتها، سواء في الزراعة والصناعات المرتبطة بها، أو في الخدمات اللوجستية، أو حتى في بعض الصناعات الخفيفة التي يمكن أن تستفيد من انخفاض كلفة اليد العاملة.

لكن هذه الفرص تبقى مشروطة بوجود بيئة قانونية واضحة، ونظام ضريبي عادل، ومؤسسات قادرة على تنظيم السوق ومنع الاحتكار، في حين أن التحرير من دون حوكمة قد يعيد إنتاج اقتصاد ريعي جديد، يستفيد منه عدد محدود من الفاعلين، من دون أن ينعكس على التشغيل أو العدالة الاجتماعية.

المخاطر الاجتماعية للتحرير غير المنضبط

يتمثل أحد أبرز تحديات تحرير السوق في سوريا في أثره الاجتماعي، إذ إنّ أيّ تخفيف للدعم أو تحرير للأسعار، في ظل دخول منخفضة وغياب شبكات أمان اجتماعي فعالة، قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في مستوى المعيشة، وقد أظهرت التجربة السورية السابقة أن الصدمات الاقتصادية غير المحسوبة تُترجم سريعاً إلى أزمات معيشية.

من هنا، يصبح تحرير السوق عملية سياسية ـ اجتماعية بقدر ما هي اقتصادية، تتطلب تدرجاً واضحاً، وسياسات تعويضية تحمي الفئات الأكثر هشاشة، وتربط الانفتاح بتحسين فرص العمل لا بتوسيع الفجوة الاجتماعية.

تحرير بلا بيئة حاضنة

ويعتبر الباحث في شركة “كرم شعار” للاستشارات ملهم جزماتي أن ما جرى في السوق السورية خلال العام الأول من تحرير الاقتصاد يعكس بالدرجة الأولى تغييراً في اتجاه السياسات، أكثر مما يعكس تحسناً فعلياً في النتائج. فالحكومة، بحسب جزماتي، اتجهت إلى تقليص الدعم وتخفيف القيود الإدارية وفتح المجال أمام فاعلين اقتصاديين جدد، في محاولة للخروج من نموذج الاقتصاد المركزي المغلق نحو اقتصاد أكثر تحرراً، إلا أن هذه الخطوات بقيت حتى الآن ضمن الإطار النظري، ولم تُترجم إلى تحسن ملموس في النشاط الاقتصادي.

ويشير في حديثه مع “المدن” إلى أن تحسن سعر الصرف الذي سُجّل في هذه الفترة لم يكن نتيجة تعافٍ اقتصادي حقيقي، بل جاء بفعل شح السيولة وتراجع القدرة الشرائية، ما خفّض الطلب على العملات الأجنبية من دون أن يخلق حركة إنتاج أو استثمار فعلية، ومع استمرار القيود على السحب المصرفي، وضعف التمويل، وتراجع التغذية الكهربائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، بقي أثر التحرير محدوداً على حياة المواطنين وعلى قرارات المستثمرين في آن معاً.

وفي هذا السياق، يحذّر جزماتي من مخاطر تسريع الانفتاح الاقتصادي في اقتصاد هش، إذ قد يتحول إلى انفتاح غير متوازن تستفيد منه شرائح ضيقة قادرة على استغلال الفرص المحدودة، بينما يتحمل معظم المجتمع كلفة التضخم وارتفاع الأسعار، خصوصاً في ظل تقليص الدعم من دون بدائل اجتماعية فعالة.

كذلك يرى أن ضعف القطاع المصرفي والبنية التحتية، إلى جانب محدودية قدرات الشركات المحلية، قد يفتح الباب أمام هيمنة رؤوس أموال خارجية على قطاعات أساسية من دون خلق قيمة مضافة محلية أو فرص عمل واسعة.

ويؤكد جزماتي أن انعكاس تحرير السوق على سوق العمل ليس أمراً تلقائياً، بل يبقى مشروطاً بتوافر بيئة إنتاجية قادرة على تحويل الانفتاح إلى وظائف فعلية، تبدأ بكهرباء مستقرة وتمويل مصرفي حقيقي وإطار تشريعي واضح، مروراً ببناء مؤسسات رقابية تضمن المنافسة العادلة وتحدّ من الاحتكار، وصولاً إلى الاستثمار في مهارات القوى العاملة عبر برامج تدريب تستهدف قطاعات واعدة مثل التكنولوجيا والزراعة الحديثة والخدمات اللوجستية والصناعات التحويلية، محذراً من أن غياب هذه الشروط قد يجعل تحرير السوق يقتصر على زيادة أرباح بعض المستثمرين من دون أي تحسن حقيقي في أوضاع العمالة أو فرص التشغيل المستدامة.

فرص السوق وتحفظات المستثمرين

من جانبه، يقول رجل الأعمال محمود الذرعاوي لـ”المدن” إن “إجراءات تحرير السوق أعطت إشارة أولية إيجابية بأن سوريا تتجه نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً وجذباً للاستثمار، إلا أن أثرها الفعلي على قرارات المستثمرين ما يزال محدوداً، لأن التحرير بقي حتى الآن أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى منظومة متكاملة قابلة للتطبيق”. فصحيح أن هناك تحسناً في مرونة الاستيراد والتسعير، لكن ذلك لم يترافق مع حوكمة واضحة تحفظ حقوق المستثمرين، ولا مع استقرار تشريعي يتيح التخطيط طويل الأجل، ولا مع خدمات حكومية سريعة وفعالة، إضافة إلى غياب دراسة جدية لأثر التحرير الجمركي على الصناعات المحلية.

ويشير الذرعاوي إلى أن الانفتاح الجمركي غير المدروس، ولا سيما في ظل غياب أي حماية مؤقتة للإنتاج الوطني، أدى إلى دخول بضائع بأسعار تنافسية تفوق قدرة المنتج المحلي، ما أحدث خلخلة في بعض القطاعات الإنتاجية ودفع عدداً من المصانع إلى تقليص نشاطها أو التوقف، لعدم منحها الوقت الكافي للتأقلم مع المنافسة. ونتيجة لذلك، بقي المستثمر متردداً، إذ يرى أن التحرير خطوة ضرورية لكنها تحتاج إلى منظومة تنفيذية متوازنة تحمي الإنتاج الوطني وتشجع رأس المال بدلاً من تعريضه للمخاطر.

وعلى صعيد العقبات، يلفت الذرعاوي إلى أن غياب وضوح الأدوار بين الجهات الاقتصادية، وتداخل الصلاحيات بين وزارة الاقتصاد وهيئة الاستثمار والصندوق السيادي، يربك المستثمر ويضعف الثقة، إلى جانب فجوة واضحة في الخبرات التنفيذية، إذ ينعكس ضعف التجربة الإدارية لدى بعض المسؤولين على جودة القرار وسرعة الإنجاز.

كذلك يلفت رجل الأعمال إلى تهميش القطاع الخاص وغياب الحوار الحقيقي مع رجال الأعمال، إضافة إلى بيئة قانونية غير مستقرة تتغير تشريعاتها بسرعة من دون منح فترات كافية للتكيف، فضلاً عن استمرار الانفتاح الاستيرادي في وقت لم تتهيأ فيه المنشآت الصناعية للمنافسة، ما أدى إلى تراجع الطاقة الإنتاجية المحلية وترك انطباعاً بأن الدولة لا تحمي صناعاتها.

ورغم التحسن الأمني النسبي، يؤكد الذرعاوي أن المستثمر الخارجي ما يزال بانتظار قصة نجاح واضحة قبل الدخول بقوة. وفي المقابل، يرى أن فرص القطاعات الإنتاجية خلال السنوات الثلاث المقبلة تبقى كبيرة إذا تم ضبط العلاقة بين الحكومة والقطاع الخاص، متوقعاً أن تتقدم الزراعة والصناعات الغذائية بفعل الطلب المحلي والأسواق التصديرية الجاهزة، إلى جانب الطاقة البديلة والصناعات الكهربائية كحلول سريعة لأزمة الكهرباء، والصناعات التحويلية كالأدوية والبلاستيك والبطاريات والتغليف، إضافة إلى مواد البناء وإعادة الإعمار، والخدمات اللوجستية والنقل، مستفيداً من موقع سوريا بعد تحرير السوق.

تحرير السوق: وسيلة… لا غاية

خلاصة القول، لا يمكن التعامل مع تحرير الاقتصاد كغاية بحد ذاته، بل كأداة لإعادة بناء اقتصاد منتج وقابل للحياة، وفي هذا المسار فإن نجاح التجربة السورية مرهون بقدرة الدولة على تنظيم السوق لا الانسحاب منه، وبقدرة القطاع الخاص على الانتقال من عقلية الريع والاحتكار إلى منطق الإنتاج والمنافسة.

أما عن التحرير الاقتصادي فقد يكون بوابة التعافي، لكنه قد يتحول أيضاً إلى عامل ضغط إضافي إذا لم يُدار ضمن رؤية واضحة، تراعي الواقع المحلي، وتوازن بين متطلبات السوق وحاجات المجتمع. وبين هذين المسارين، يقف الاقتصاد السوري اليوم عند مفترق حاسم، ستكون نتائجه محددة لسنوات مقبلة.

المدن

———————————

سوريا تطلق عملتها الجديدة.. والألف مؤجلة/ وسيم العدوي

دعوات لعدم الاندفاع بالتبديل لتجنب “الدولرة”

مع اقتراب نهاية عام 2025، تتجه سوريا نحو واحدة من أكبر التحولات النقدية في تاريخها الحديث، مع إعلان مصرف سوريا المركزي عن إطلاق الليرة السورية الجديدة مطلع كانون الثاني 2026، بعد حذف صفرين من العملة المتداولة.

خطوة تصنفها الحكومة ضمن “الإصلاحات النقدية” الهادفة إلى تسهيل التعاملات وتقليل الأعباء الفنية والمحاسبية، بينما يراها خبراء الاقتصاد إجراء شكليًا قد لا يحقق أهدافه في ظل غياب إصلاحات أعمق.

جولات خارجية لتجهيز العملة الجديدة

خلال عام 2025، كثّف المركزي السوري جهوده لتجهيز العملة الجديدة، إذ قام حاكم المصرف، عبد القادر الحصرية، برفقة وزير المالية، محمد يسر برنية، بزيارة عدد من شركات طباعة العملات في عدة دول، بينها روسيا والإمارات.

وبحسب ما أعلنه الحاكم آنذاك، فقد اطلع الوفد على مراحل تجهيز العملة وخصائصها الأمنية، في إطار خطة متكاملة لطباعة فئات جديدة أكثر تطورًا من حيث الحماية ضد التزييف.

وأوضح الحصرية أن عملية طرح الليرة السورية الجديدة ستتم عبر شبكة واسعة تضم 66 شركة وأكثر من 1000 منفذ توزيع في المحافظات، لتسهيل استبدال الليرة الجديدة بالقديمة ضمن جدول زمني يهدف إلى ضمان انسيابية العملية دون ضغوط على المواطنين أو الأنظمة المصرفية.

مرسوم رئاسي يحدد آلية الاستبدال

الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، أصدر المرسوم رقم “293” لعام 2025، القاضي باستبدال العملة الوطنية ومنح المصرف المركزي صلاحيات كاملة في تحديد آليات التطبيق وجدول الاستبدال وضخ الفئات الجديدة في الأسواق.

ومن المقرر أن يكشف المصرف المركزي عن الهوية البصرية الكاملة للعملة الجديدة والتفاصيل الفنية للفئات الست الأولى، في مؤتمر صحفي يعقده الحاكم في 28 من كانون الأول الحالي، يليه حفل رسمي لإطلاق العملة بداية العام الجديد.

فئات جديدة وتأجيل للألف.. دعوة لعدم الاندفاع

سيتم البدء بست فئات نقدية هي: 5، 10، 25، 50، 100، 500 ليرة سورية (جديدة).

أما فئة 1000 ليرة سورية، فسيجري تأجيل طرحها إلى المرحلة الثانية من عملية الإصدار، وفئة الليرة السورية ستتم طباعتها ولكنها رمزية، وفقًا لما أكده مصدر إعلامي مطلع لعنب بلدي (تحفظ على نشر اسمه).

واعتبر المصدر ذاته أن الهدف الأساسي من العملة الجديدة هو “تحسين خدمة التداول، مع استمرار صلاحية ومفعول العملة القديمة وقوتها الإبرائية”، وستكون مقدمة للتطوير والتنمية الاقتصادية.

وشدد المصدر على أهمية توعية المواطنين بعدم الاندفاع لاستبدال الليرة الجديدة بالقديمة بدافع “الفضول أو الخوف” حتى لا يصبح المواطن عرضة لاستغلال شركات الصرافة من خلال بيعه الليرة بسعر منخفض عن قيمتها الحقيقية، مشيرًا إلى أن الضغط على استبدال العملة قد يؤدي إلى الضغط على العملات الأجنبية الأخرى الموجودة في التداول، علمًا أن حجم المخزون الحكومي من الدولار لا يتجاوز ثلاثة مليارات دولار.

كما بيّن المصدر أن نص المرسوم الرئاسي باستبدال العملة سيؤكد على القوة الإبرائية للعملة القديمة بكل فئاتها ما دامت موجودة في التداول، مؤكدًا أهمية عدم الاندفاع على الأقل خلال الشهر الأول، حتى لا يكون الاقتصاد السوري عرضة لـ”الدولرة أو التضخم”.

وتصل نسبة التغطية الذهبية للعملة النقدية الجديدة، وفقًا للمصدر ذاته، إلى 65% من العملة الجديدة، إذ ليس من الضروري أن تكفي الأصول التي بحوزة المركزي مضافًا إليها الاحتياطي الذهبي لديه البالغ نحو 26 طنًا لتغطية العملة النقدية الجديدة بالكامل.

وكشف أيضًا أن المصرف المركزي بتاريخ 8 من كانون الأول 2024، كان مدينًا للقطاع المصرفي السوري بمبلغ 37 تريليون ليرة سورية، وتمكن بفضل إجراءاته وجهوده من تقليص هذا الدَّين إلى 19 تريليون ليرة سورية، ولم يضطر حتى تاريخه إلى الاستدانة من وزارة المالية السورية.

العملة الجديدة تحوي، بحسب تصريحات سابقة للحاكم، ميزات أمنية متقدمة تسهّل التحقق منها، إلى جانب لمسات تصميمية تساعد ضعيفي البصر والمكفوفين على استخدامها، الأمر الذي يضعها في مستوى التقنيات الحديثة المتبعة في الدول التي جددت عملاتها خلال السنوات الماضية.

خبير: خطوة شكلية دون إصلاحات أعمق

رغم الطابع الإصلاحي الذي تحاول الحكومة إظهار خطوة استبدال الليرة من خلاله، حذر الخبير الاقتصادي وعضو الهيئة التدريسية في جامعة “اليرموك” الخاصة، الدكتور محمد تيسير الفقيه، من تجاهل المخاطر الاقتصادية والقانونية المرتبطة بحذف الأصفار.

بحسب الفقيه، فإن حذف الصفرين لا يعدو كونه “تغييرًا شكليًا” ما لم ترافقه إجراءات مالية حقيقية، ويحذر من عدد من المخاطر أبرزها:

    عودة معدلات التضخم للارتفاع إذا استمر تمويل العجز بطباعة النقود.

    تعزيز ظاهرة “الدولرة” مع احتمال فقدان مزيد من الثقة في الليرة المحلية.

    تحويل المدخرات إلى الدولار والذهب والعقار.

    تكاليف مالية وإدارية مرتفعة تتعلق بطباعة النقود الجديدة وتعديل الأنظمة المحاسبية والعقود.

    ارتباك في الأسواق والتسعير يمنح التجار فرصة للتلاعب ورفع الأسعار.

الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور في جامعة اليرموك الخاصة محمد الفقيه

الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور في جامعة اليرموك الخاصة محمد الفقيه

التضخم وسعر الصرف والقدرة الشرائية

شدد الدكتور الفقيه على أن حذف الأصفار لا يعالج التضخم، بل قد يزيده إذا ترافق مع ضخ نقدي إضافي، كما يرى أن سعر الصرف لا يتأثر بهذه الإجراءات الشكلية، بل يخضع لعوامل العرض والطلب والاحتياطيات.

ويحذر الفقيه من احتمال ارتفاع سعر الدولار إلى مستويات تتجاوز 15 ألف ليرة قديمة إذا فقدت العملة الجديدة ثقة السوق.

وعن القدرة الشرائية، أكد أن قيمة الليرة نظرية لا تتغير، لكن الفوضى السعرية المتوقعة قد تضعف دخول السوريين بشكل ملموس، ولا سيما أصحاب الدخول الثابتة.

تسهيل التعاملات وتحسين المظهر المحاسبي

يصر مصرف سوريا المركزي على أن تعديل العملة وحذف صفرين منها لن يؤثر على القيمة الحقيقية للدخول أو المدخرات أو الالتزامات المالية، معتبرًا أن التغيير “اسمي فقط”.

وتؤكد البيانات الرسمية أن الهدف الأساسي من الخطوة هو:

    تسهيل العمليات النقدية اليومية.

    تبسيط السجلات المحاسبية والفواتير.

    تقليل حجم الكتلة الورقية المتداولة.

    رفع مستوى الميزات الأمنية في العملة.

كما أشار المركزي إلى نيته إعادة فتح فروعه في المناطق الخارجة سابقًا عن سيطرته، بما فيها محافظة إدلب، في خطوة تهدف إلى توسيع الانتشار المصرفي خلال عملية الاستبدال.

ثغرات قانونية قد تعرقل التنفيذ

أشار الخبير الفقيه إلى قصور قانون النقد الأساسي (رقم 23/2002) عن التعامل مع حالات تغيير العملة، إذ يفتقر إلى مواد واضحة تحدد كيفية تحويل العقود والرواتب والديون والإيجارات.

ويقترح إدراج مواد قانونية جديدة تنص على:

    اعتماد نسبة التحويل 100 ليرة جديدة = 10,000 ليرة قديمة.

    منع أي “تقريب صعودي” في الأسعار.

    فرض عقوبات على التلاعب بالعقود.

    منح فترة انتقالية لقبول العملتين معًا.

    تعديل الأنظمة المصرفية والمحاسبية بما يضمن الدقة والشفافية.

أكد الفقيه أن قانون النقد الأساسي يمكن أن ينظم العلاقة بين العملة الجديدة والقديمة خلال فترة الانتقال، لكنه يمنح مجلس النقد والتسليف صلاحيات واسعة في التنفيذ.

فالمواد “47، 48، 49” من قانون النقد تنظم سحب العملات وتحدد مهلًا زمنية لا تقل عن ستة أشهر، لكنها لا تحدد نسبة التحويل أو قواعد التعايش بدقة، ما يجعل الأمر رهنًا بقرارات المركزي، وشدد الخبير ذاته على أن النهج المشترك بين القانون والقرارات التنفيذية ضروري لضمان استقرار العملية ومنع النزاعات القانونية.

فترة انتقالية قد تمتد لسنوات

وفق تقديرات الفقيه، فإن تطبيق عملية حذف الأصفار بشكل كامل يحتاج إلى فترة انتقالية تتراوح بين سنة واحدة وخمس سنوات، يمر خلالها العمل بعدة مراحل:

    تحديث الأنظمة المصرفية وتدريب الموظفين.

    إطلاق رسمي في كانون الثاني 2026.

    تعايش بين العملتين حتى نهاية 2026 على الأقل، وقد تتوسع الفترة بحسب ظروف السوق.

النجاح في إدارة هذه العملية، وفق الخبير، يعتمد على استقرار سعر الصرف، ونجاح حملات التوعية، وضبط المضاربات، إضافة إلى تعاون المؤسسات الاقتصادية.

مستقبل العملة غير محسوم

يبدو أن سوريا تدخل مرحلة نقدية جديدة تحمل الكثير من الوعود، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى بيئة اقتصادية وسياسية مستقرة لتحقيق أهدافها، وبينما يراهن المصرف المركزي على أن تحديث العملة سيعيد الثقة بالنظام النقدي، يخشى الخبراء من أن تفقد العملة الجديدة قيمتها سريعًا إذا لم ترافقها إصلاحات مالية وإنتاجية عميقة.

ورغم الإعلان رسميًا عن أن 1 من كانون الثاني 2026 سيكون موعد إطلاق العملة السورية الجديدة، فإن مستقبلها سيعتمد إلى حد كبير على قدرة الحكومة على ضبط الأسواق، ومعالجة العجز، وتحقيق نمو اقتصادي حقيقي يضمن ثبات العملة واستقرار أسعارها.

—————————-

 بعد طرحها رسمياً.. مالذي يهم السوريين في العملة الجديدة؟/ وفاء عبيدو

2025.12.30

مع إطلاق العملة السورية الجديدة إلى التداول بدأت ردود الفعل تتباين بين المواطنين بين من ركّز على شكلها وتصميمها، ومن نظر إلى أهميتها الاقتصادية وقيمتها الفعلية في حياتهم اليومية.

تأتي هذه الخطوة في إطار جهود الدولة لتحديث العملة وتحسين التعاملات المالية، وسط توقعات واسعة حول تأثيرها على الاقتصاد الوطني وثقة المواطنين بالليرة السورية.

ويراقب الشارع السوري عن كثب كيفية تأثير العملة الجديدة على الحياة اليومية، مع مزيج من الفضول والحذر فالعملة ليست مجرد أوراق نقدية، بل تعكس أيضًا مرحلة جديدة من التعامل الاقتصادي والرمزي، وتبقى ردود فعل المواطنين مؤشراً مهماً على مدى قبولهم للتغيير ومدى تأثيره على ثقتهم بالليرة السورية.

رموز المحافظات ترضي البعض

أوضح مجد اليوسف لموقع تلفزيون سوريا أن العملة السورية الجديدة تكتسب أهميتها من خلوّها من صور ورموز النظام السابق، وقال “اليوم يبدأ التعامل بعملة بلدنا برأس مرفوع”، على حد تعبيره.

وفي الوقت نفسه، لفت اليوسف إلى أن كثيرين يعبّرون عن شكوكهم تجاه فعالية العملة الجديدة، إلا أنه شدد على أن المشكلة الأساسية لا تكمن في شكل العملة بحد ذاته، بل في واقع الاقتصاد السوري ككل.

كما أوضح أن الظروف السياسية الحالية تجعل من التعامل بالليرة الجديدة خطوة محفوفة بالتحديات، لكنها تحمل أملًا في تعزيز النظام المالي وتحسين الوضع الاقتصادي، بشرط وجود احتياطي نقدي كافٍ لضمان استقرار العملة، خصوصًا مع اعتماد الرواتب على الليرة السورية.روتابع قائلًا “إذا لم يكن هناك احتياطي قد تتعرض العملة لضغوط جديدة..”.

وفي السياق ذاته، قال يزن بكرو إن وجود رموز تعبّر عن المحافظات السورية يكفي ليجعل العملة معبّرة عن البلد وأبنائه، معتبرًا أنها “عملة الشعب”.

وأضاف ” والأجمل أن فيها كمان لون زهري على فئة المئة ليرة، لنرضي المرأة ونصف المجتمع”.

وأشار بكرو إلى أن التفاؤل حاضر مبدئيًا، إلا أن الحكم الحقيقي سيكون بعد صرف الرواتب، ومعرفة كيف سينعكس ذلك على مجمل الأوضاع المعيشية.

بدوره يرى وسام وانلي أن التصميم الجديد واضح ومدروس، مؤكدًا أن الابتعاد عن الرموز السياسية والتركيز على عناصر طبيعية خيار ذكي يعكس هوية بصرية أكثر شمولية وهدوء.

وأوضح أن إزالة الأصفار خطوة تقنية لتسهيل التداول بالنسبة له كمواطن، في حين التحسن الحقيقي مرهون بالاستقرار النقدي وضبط التضخم، وليس بالشكل وحده، وتابع قائلًا “رغم وجود انتقادات كثيرة، إلا أن رأيي أن التصميم جميل وواضح”.

الرموز التاريخية غائبة

اختلفت آراء المواطنين بين من أعطى اهتمامًا للشكل الرمزي والتصميم البصري، ومن ركّز على القيمة الحقيقية للورقة النقدية، معتبرًا أن أهم ما فيها هو قدرتها على تحسين الظروف المعيشية اليومية.

في هذا السياق، قال وائل خليل لموقع تلفزيون سوريا أن توقعاته كانت بالنسبة للعملة الجديدة “أفخم” من حيث التصميم، معتبرًا أن شكلها لا يعبّر عن تاريخ سوريا العريق.

وأضاف “كنت أتوقع أن يكون فيها تمجيد للثورة أو تاريخ سوريا وآثارها، هل يعقل تجاهل حضارة بلد عمره آلاف السنين”، وتابع واصفها بأنها “صورة مرسومة من جهة واحدة لا تنظر لغيرها”، معتبرًا أن التصميم الحالي لا يعكس ماضي البلاد ولا تنوّعها الحضاري.

في حين أعرب ملاذ عربو عن أمله في أن يكون طرح العملة خطوة نحو الخير والأمل لسوريا وشعبها، لكنه أبدى خيبة أمله من التصميم الذي انتظره لفترة طويلة، قائلاً “كنا نتمنى أن تكون العملة بهوية بصرية تعكس حضارة سوريا وتاريخ كل محافظة بعظمتها”.

وأضاف “العملة الوحيدة المقبولة بصريًا هي فئة الـ500 ليرة، أما الباقي فبدت كأنها لعبة أطفال، للأسف وهذا يفتقر للقوة البصرية المطلوبة”.

المستقبل يحدد

إطلاق العملة الجديدة أثار مزيجًا من الفضول والحذر بين المواطنين، فبين من رأى فيها فرصة لتجديد التعاملات المالية، ومن اعتبرها خطوة رمزية بحتة، يظل تقييمها مرتبطًا بمدى تأثيرها على الحياة اليومية وقدرة الاقتصاد على الاستفادة منها.

قالت حنين قاضي لموقع تلفزيون سوريا “العملة صدرت وانتهى..”، مشيرةً إلى أن الأهم من الشكل هو القيمة الفعلية بعد طرح العملة.

وقالت “يكفي أننا لن نرى بعد اليوم صورة بشار الهارب وأبوه، ولعنة وجههم في أرزاقنا”، مؤكدًة أن المستقبل وطريقة التعامل بالعملة هي من سيحدّد قيمتها، موضحة أن الإيجابيات والسلبيات موجودة  لكن التنفيذ والعمل الجاد هما ما سيصنع الفرق.

من جهتها، وصفت إسراء العبدالله شكل العملة بأنه “لطيف وجاذب”، مشيرةً تغييرها أعطى شعورًا بالارتياح، ووصفت العملة بأنها “مثل لعبة المونوبولي أو كأنها قادمة من كوكب زمردة”.

لكنها شددت على أن الشكل يبقى تفصيلًا ثانويًا إذا لم تُرفق العملة بقيمة فعلية على أرض الواقع، وأضافت “الأهم أن يكون لها قيمة، وأن توفر فرصا وعملا حقيقيا بعيدًا عن الشكل”.

وأكدت العبدالله “بالنسبة لي أهميتها مرتبطة بقدرتها على العيش، إذا كان راتبي قادر على تأمين معيشتي سأحبها، إذا لم أستطع العيش من راتبي ستكون مجر عملة عملة، الشكل لا يهم المواطن.. القيمة هي الأهم”.

العملة الجديدة خطوة تقنية برؤية وطنية

أبدت الإعلامية إيلاف الياسين رأيها حول العملة السورية الجديدة، معتبرة أن تصميمها “لطيف وملون وبسيط وحيادي”، مشيرة إلى أن غياب الشخصيات والرموز التاريخية والجغرافية جاء في ظل الاستقطاب الشديد في المجتمع السوري، وأضافت قائلة “اختيار صور القطن والزيتون والقمح والتوت والورود والغزلان والفراشات والخيول والعصافير كان موفقًا، أي صورة توضع على العملة ستصبح محل جدل كبير”.

من جهته، رأى رائد الأعمال محمد علي السلوم التركاوي أن العملة ليست مجرد وسيلة تبادل، بل خطاب اقتصادي بصري ورسالة ثقة.

وأوضح أن اللافت في تصميم الأوراق الجديدة ليس فقط ما ظهر فيها، بل أيضًا بما تم تجنبه عمدًا “لا آثار، لا مبانٍ، ولا معالم حجرية، وهذا خيار ذكي”، بحسب وجهة نظره، كما أضاف ” المباني تحكي عن الماضي، أما الإنتاج فيعكس الحاضر والمستقبل، فالتصميم اختار الأرض والإنسان لا الجدران”.

من جانبه، أشار وزير الإعلام حمزة المصطفى في مقال نشره على صفحته في “فيس بوك” إلى أن طرح العملة الجديدة خطوة محورية في إدارة القطاع المصرفي والشأن النقدي، لكنها ليست عصا سحرية قادرة على حل مشكلات الاقتصاد.

موضحًا أن الاستبدال لا يعني التخلص الفوري من العملة القديمة، وأن العملية ستكون تدريجية مع فترة كافية للسوق والمواطنين للتكيف.

وأكد المصطفى أن ما يهم اليوم هو ضبط التوقعات والمخاوف، وتجنب الانفعال أو التسرع في تحويل المدخرات، موضحًا أن العملة الجديدة أداة تقنية وتنظيمية تهدف لتسهيل التداول وتحسين الأداء المالي، مع بُعد رمزي مهم يمكن أن يعزز الثقة بالاقتصاد إذا رافقه إصلاح حقيقي للقطاع المصرفي.

وفي النهاية تبقى العملة الجديدة خطوة رمزية في مسار الاقتصاد السوري، لكنها ليست سوى بداية، ليقيس نجاحها وفاعليتها المواطنون في حياتهم اليومية، ويحدد قيمتها الحقيقية بمدى قدرتها على تسهيل التعاملات وتحقيق الاستقرار المالي.

فالمستقبل وحده كفيل بأن يجيب عن تساؤلات الشارع ويظهر ما إذا كانت هذه الورقة النقدية الجديدة ستصنع فرقًا حقيقيًا أم تبقى مجرد تصميم على الطاولة.

تلفزيون سوريا

————————–

 في سعر صرف الليرة الجديدة.. الرهان على السوريين/ إياد الجعفري

الثلاثاء 2025/12/30

مع الحمولة السياسية والرمزية الكبيرة التي أُرفق بها إعلان “ولادة” العملة السورية الجديدة، يدخل الاقتصاد السوري في منعطف مختلف عن تجاربه السابقة في هذا المضمار. منعطف يحمل الكثير من التساؤلات والتحديات، التي لم ينكر صانعو هذه “الولادة”، إدراكهم لها، كما أن التحذيرات المبطنة والمباشرة، من جانب مؤسسات رسمية، والتي رافقت هذه “الولادة”، أكدت مقدار تجلّي هذه التحديات في أذهان صانع القرار الاقتصادي.

تجاوزنا الآن الجدوى من الجدل حول: أيهما أقل كلفة وإرباكاً، طباعة عملة جديدة بتصميم جديد مع حذف صفرين مقارنة بالعملة القديمة، أم الاكتفاء بطباعة فئات نقدية أعلى لتحقيق هدف تسهيل المعاملات اليومية؟ فقد اختار صانع القرار الاقتصادي في دمشق، الخيار الأول، الأعلى كلفة والأكثر إرباكاً، وذلك لتحقيق هدف آخر، غير الهدف الاقتصادي والمعيشي، وهو تسهيل المعاملات اليومية. فالهدف الآخر المحقق، هو سياسي- رمزي. وهو أمر لم يخفه حاكم المركزي السوري، عبد القادر حصرية، الذي استخدم توصيفات رمزية- معنوية عديدة، في حديثه لمرات، خلال الأشهر الأربعة الفائتة، عن قضية العملة الجديدة والغاية من استبدال القديمة بها.

لكن يبقى السؤال، هل هناك أهداف اقتصادية أو نقدية أخرى، اختِير هذا المسار، من أجلها، غير تسهيل المعاملات اليومية؟ ربما نجد هدفاً نقدياً ألمح إليه حاكم المركزي في معرض إجاباته على أسئلة الصحافيين في المؤتمر الذي عُقد الأحد. حينما أشار إلى أن الكتلة النقدية الجديدة التي ستتولد عن طرح العملة السورية الجديدة، ستصبح أداة نقدية خاضعة لتحكّم المركزي بحسب احتياجات الاقتصاد الوطني. أي ستصبح لدى المركزي أداة لإدارة السيولة في الاقتصاد، حسب وصف حاكم المركزي. وهي المرة الأولى التي يُلمح فيها الحاكم إلى غاية نقدية من هذه العملية.

سبق أن تحدث خبراء عن أثر المضاربات التي كانت تتم على الليرة، بواسطة السيولة النقدية المتاحة في السوق، خلال العام 2025. وقد أشار عدد من هؤلاء إلى أدوار لرجال من فلول النظام والمرتبطين به، ممن يملكون سيولة نقدية كبيرة من الليرة السورية القديمة، ويملكون القدرة على التأثير باستخدامها. ناهيك عن السيولة من الليرة القديمة المتوافرة في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحكومة بدمشق (شمال شرق سوريا والسويداء). ومع تبديل العملة، ستصبح السيولة من الليرة القديمة عبئاً على هؤلاء، وسيسعون للتخلص منها سريعاً. خصوصاً مع محدودية المهلة الأولى التي حددها المركزي بـ90 يوماً. رغم إشارته إلى احتمال تمديدها، حسب الاحتياج.

لهذا الملمح النقدي جانبان. إيجابي، يتعلّق بتعزيز قدرة المركزي السوري على التحكم في الكتلة النقدية داخل الاقتصاد السوري. وسلبي، يتعلّق بالطلب الكبير المرتقب على الدولار، لاستبدال العملة القديمة، خصوصاً في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحكومة، وانعكاساته على سعر الصرف في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.

 إذ، حتى لو تصورنا أن الحملة التوعوية المرافقة لمهلة استبدال العملة الأولى -أول 90 يوماً- والتي بدأت منذ الآن، بيان مجلس الإفتاء مثالاً، إلى جانب تصريحات الحاكم ومؤتمره الصحافي، حتى لو تصورنا أن هذه الحملة نجحت في الحد من اندفاع الناس لاستبدال العملة القديمة بالدولار، بدلاً من استبدالها بالليرة الجديدة، في مناطق سيطرة الحكومة، والتي تضم الجزء الأكبر من الديمغرافيا السورية، يبقى أن الوضع في المناطق غير المسيطر عليها، ستحكمه المسارعة لتبديل العملة القديمة بالدولار، قبل انتهاء المهل المحددة لعملية الاستبدال، والتي ستصبح بعدها، الليرة السورية القديمة، بلا قيمة. وجراء ذلك سيرتفع الدولار في شمال شرق سوريا وفي السويداء. ومع وجود قنوات بين تجار العملة في المناطق السورية المختلفة -نعرف ذلك منذ ترسخ حالة التقسيم غير المعلنة في العقد السابق على سقوط نظام الأسد- حينها نتوقع أن ينعكس الطلب على الدولار في تلك المناطق، طلباً عليه في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة بدمشق، تلبية للطلب في المناطق الأخرى.

ضمن تصريحات حاكم المركزي، أشار مراراً إلى إدراكه لحجم التحديات المرتقبة. من أبرزها، ارتباك الناس خلال مهل التبديل. والمضاربات المرتقبة، خصوصاً من جانب التجار والصرافين، الذين وجّه لهم الحاكم خصصياً، دعوة للالتزام بالأنظمة والقوانين. لكنه لم يتحدث مطلقاً، لا بصورة مباشرة، أو تلميحاً، إلى طبيعة عملية الاستبدال في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحكومة. وأثر ذلك، على المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. وإن اعتمدنا على ما بين السطور، في تصريحات الحاكم، قد نجد رهاناً على أثر الحملة الإعلامية والتعبئة السياسية والرمزية الكبيرة التي رافقت عملية إطلاق العملة الجديدة، في دفع الطلب على هذه الأخيرة، إلى أقصاه، في مناطق سيطرة الحكومة. بوصفها ستسهّل تعاملاتهم اليومية. ناهيك عن أنها تحمل حمولة رمزية كبيرة متعلّقة بزوال صور “الأسدين” من عليها.

إذاً، فإن رهان صانع القرار الاقتصادي في سوريا، قائم بصورة أساسية على تعبئة السوريين الموالين للسلطة القائمة في دمشق –وهم بالفعل أغلبية ظاهرة- وراء عملية الاستبدال، والدفع بالطلب على الليرة الجديدة، إلى أقصاه. وهو ما يظهر جلياً في تصريحات المسؤولين المعنيين خلال الحملة التي رافقت إطلاق العملة الجديدة. وهو الرهان الذي إن أصاب، فإنه سيؤدي إلى لجم التراجع المرتقب لسعر صرف الليرة. وإن خاب، فمن المرجح أننا أمام سيناريو عكسي، لا يأمله أي سوريّ، نظراً لانعكاساته السلبية على معيشته.

المدن

——————————

سوريا تدشن عملتها الجديدة بالفاكهة و”خطأ تاريخي”/ مصطفى رستم

استفاد البنك المركزي من تجارب دول أجنبية مثل ألمانيا وفرنسا ولا سيما عقب انتهاء الحرب

الأربعاء 31 ديسمبر 2025

اللافت وجود تاريخ إصدار يحمل عام 1446 للهجري، أي قبل العام الحالي، ورجح مراقبون أن الأمر يحمل خطأ غير مقصود أو هفوة لم يحسب لها البنك المركزي حساباً، أن قرار الطباعة اتخذ بعد التصميم ودخول العام الهجري الجديد.

أزاح المصرف المركزي في سوريا الستار عن الليرة الجديدة بفئاتها كافة بعد مساعٍ حكومية لتبسيط الإجراءات وتسهيل حياة الناس، بعد ما أصاب العملة من تضخم خلال عقد ونصف العقد، وبغية التخلص من أوراق نقدية حملت رموز النظام السابق بعد عام على سقوطه، فضلاً عن ضبط الكتلة النقدية في البلاد.

ومع كل الانقسامات في الشارع السوري حول شكل العملة، إلا أن اللافت وجود تاريخ إصدار يحمل عام 1446 للهجري، أي قبل العام الحالي، ورجح مراقبون أن الأمر يحمل خطأ غير مقصود أو هفوة لم يحسب البنك المركزي لها حساباً، أن قرار الطباعة اتخذ بعد التصميم ودخول العام الهجري الجديد.

الزراعة تبسط يدها

واستفاد البنك المركزي (المسؤول عن رسم السياسة النقدية في سوريا) من تجارب دول أجنبية مثل ألمانيا وفرنسا، ولا سيما عقب انتهاء الحرب والتغيير السياسي الحاصل، وأضاف ست فئات ورقية ستكون بمتناول أيادي السوريين مطلع العام المقبل.

وقبل ضخ العملة الجديدة في الأسواق كشف البنك عن تصاميم خلال حفل رسمي بقصر المؤتمرات في العاصمة دمشق أثار معه جدلاً في الشارع المتعطش إلى تحسن اقتصادي بعد أعوام طويلة من الحصار والحرب الداخلية التي أدت إلى سقوط الأسد (2013 ـ 2024).

وحمل التصميم الجديد رؤية واحدة، فظهرت الأوراق النقدية بصور محاصيل زراعية على الفئات الجديدة كافة، ومن بينها على سبيل المثال فئة 10 ليرات ظهرت بها وردة دمشقية، أما فئة 50 ليرة فصورة البرتقال في إشارة إلى محاصيل الساحل وثماره، بينما ضمت باقي الفئات صوراً لثمار كالزيتون والتوت الشامي والقمح والقطن، وبرز شعار على صورة نجمة ثمانية الشكل تتوسط على نحو واضح الأوراق.

ويقول الأكاديمي في الفنون الجميلة أحمد السنكري ضمن حديثه إلى “اندبندنت عربية” إن التصميم عصري وبسيط وبألوان زاهية، ويعطي انعكاساً جذاباً بين الصورة التي تحمل الثروة الزراعية ومحاصيلها وتناغم بين صورة الثمار وانعكاس ألوانها على الورقة النقدية، لافتاً إلى أن المصمم أراد تنفيذ تصميم بروح واحدة ليتماشى مع الفئات كافة، فضلاً عما تحمله كل صورة من رمزية مرتبطة بمنطقة جغرافية محددة.

ويضيف “وعلى رغم أن التصميم هادئ وبسيط فإنه لا يحمل أية لمسات إبداعية، فالحضارة السورية تزخر بكثير من الرموز من أماكن وشخصيات تاريخية، كان من المفيد تكريسها في هذا العمل، وهناك كثير من دول العالم تضع شخصيات مؤثرة في بلادهم”.

في المقابل شعر ناشطون بأن التصميم جاء صادماً للغاية لأنه يخلو من رموز سوريا التاريخية التي اعتادت الحكومة على طباعة أوراق نقدية تحمل شخصيات مثل زنوبيا على فئة 500 ليرة أو فئة 25 التي حملت شخصية صلاح الدين، وقديماً وضعت صورة عامل في مصنع بالليرة السورية الورقية وكل تلك الفئات ذات تصاميم مميزة، بحسب أحد الناشطين.

انقسام

في سياق متصل، انقسم مغردون ومتابعون على وسائل التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض لشكل العملة الجديد، ففي حين يؤيد فريق هذا الشكل لرمزية وحدة الأرض والتمسك بالجذور والاتجاه نحو الأرض وسيادتها، انتقد معارضون عدم وجود صور لآثار مثل تدمر وأوغاريت قلعة حلب وغيرها من الأماكن التي ترمز إلى حضارة البلاد الغارقة بالقدم، والاتجاه من رمزية الإنسان إلى رمزية الطبيعة.

وأبدى الباحث الاقتصادي أحمد عزوز استغرابه من التصميم الجديد الذي يراه مخيباً للآمال ولا يرتقي إلى مستوى عملة وطنية لدولة خرجت من حرب وتدخل مرحلة جديدة، واصفاً ذلك بـ”محاولة تجميلية سطحية” تكتفي بالألوان الناعمة والزخارف النباتية وتتجاهل السؤال الأهم أين الإنسان السوري؟

ويأتي ذلك وسط تساؤلات عن التكتم حول تصميم العملة وعدم إشراك خبراء في الشأن الفني والهوية البصرية من المشاركة، وإعلان نماذج وطرحها للتشاور مع أكبر عدد ممكن من ممثلي الشعب والحكومة وأصحاب الاختصاص.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع حضر الحفل الرسمي لإطلاق العملة الجديدة وقال إنها خطوة محورية ضمن استراتيجية اقتصادية وطنية تهدف إلى تعزيز الاستقرار النقدي وترسيخ الثقة بالاقتصاد السوري ودعم مسار التعافي.

ولم يحدد مدير المصرف المركزي السوري عبدالقادر حصرية المكان حيث طبعت العملة الجديدة، موضحاً أنه “أمر سيادي”، مما فسره سوريون بانعدام الشفافية التي يجب أن تكون حاضرة لدى أجهزة الدولة، في حين تشير التوقعات إلى روسيا كمكان لطباعة تلك العملة.

وبرر حصرية وجود الصور الجديدة على هذا النحو بهدف الابتعاد من الصور الشخصية والآثار التي كانت معتمدة خلال الفترة السابقة، والاتجاه إلى إظهار المحاصيل الزراعية التي تغطي الجغرافيا السورية، بحسب رأيه.

وأصدر مصرف سوريا المركزي التعليمات التنفيذية الخاصة بالعملة الجديدة المقرر وضعها بالتداول مطلع العام المقبل، وتبدأ عملية الاستبدال بالفئات الكبيرة من العملة القديمة الألف والألفين و5 آلاف ليرة من الأول من يناير (كانون الثاني) عام 2026 وحدد من أجل عملية الاستبدال 59 مؤسسة مالية تضم 1500 فرع لتنفيذ العمليات حصرياً داخل البلاد، وتستمر 90 يومياً ويمكن تمديد الفترة.

ويظل السوريون يتعاملون بعملتهم الجديدة، فضلاً عن القديمة مع تطبيق معيار الاستبدال على جميع الأسعار والرواتب والأجور وكذلك العقود والأرصدة في الحسابات البنكية والإلكترونية بالعملة الجديدة من دون أية رسوم أو عمولات.

——————————

مغردون يشيدون بحفر كوادر سورية لأول بئر غاز في ريف دمشق

في خطوة تعكس مساعي استعادة الحد الأدنى من النشاط في قطاع الطاقة رغم سنوات طويلة من التحديات، أعلنت الشركة السورية للبترول إنجاز أعمال صيانة وتأهيل حفارة نفطية بالكامل بكوادر محلية، وبدء عمليات حفر أول بئر استكشافية للغاز، في تحرك لافت يسلط الضوء على تنامي الاعتماد على الخبرات الوطنية لإعادة تشغيل البنية التحتية المتضررة، وتعزيز الإنتاج المحلي من الموارد الطاقية الحيوية.

وأعلن الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، انطلاق أعمال حفر أول بئر غاز استكشافية في منطقة التواني بريف دمشق، بعمق يقارب 4 آلاف متر، موضحا أن عمليات الحفر تسير وفق الخطة الفنية الموضوعة، مع توقّعات ببدء الإنتاج بعد نحو 5 أشهر في حال سارت النتائج كما هو مأمول.

وأشار قبلاوي إلى أن الغاز المنتج سينقل إلى وحدات المعالجة، ليستخدم لاحقا في الأغراض المنزلية وتزويد محطات توليد الكهرباء، بما يخفف من أعباء الاستيراد ويُسهم في تحسين واقع الطاقة.

ويأتي هذا التطور في وقت يعاني فيه قطاع الطاقة السوري من نقص حاد في الموارد، وتراجع في الإنتاج نتيجة الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمنشآت النفطية والغازية خلال السنوات الماضية، إضافة إلى العقوبات وصعوبات التمويل.

وتفاعل نشطاء ومدونون عبر منصات التواصل الاجتماعي مع الإعلان، معتبرين أنها خطوة تمثل دفعة معنوية وميدانية لقطاع الطاقة في البلاد.

ووصف ناشطون عملية الحفر، بعمق يصل إلى 4 آلاف متر، بأنها “خطوة قوية” تعكس جدية العمل، لافتين إلى أن المعطيات الأولية للحفر تبدو مبشرة بوجود مخزون غازي واعد في المنطقة المستهدفة.

ورأى آخرون أن إعادة تأهيل حفارة محلية وبدء عمليات الحفر بكوادر سورية يشكل رسالة واضحة حول قدرة الكفاءات الوطنية على تجاوز القيود التقنية واللوجستية، وإعادة تحريك عجلة الإنتاج ولو تدريجيًا.

إعلان

وأوضح مدونون أن هذا الإنجاز لا يقتصر على كونه عملية تنقيب تقليدية، بل يمثل “قصة نجاح سورية” في ظل ظروف معقّدة، حيث أُنجزت أعمال الصيانة والتشغيل بجهود محلية دون الاعتماد على شركات أو خبرات أجنبية.

واعتبروا أن ذلك يعكس تراكم خبرة تقنية لدى الكوادر السورية، وقدرتها على التعامل مع تجهيزات ثقيلة ومعقّدة في بيئة تشغيل صعبة.

في المقابل، شدد آخرون على أهمية ترجمة هذه الخطوة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، من خلال تسريع دخول البئر مرحلة الإنتاج، واستكمال خطط الحفر المستقبلية.

وأشاروا إلى أن الشركة السورية للبترول تخطط لحفر 4 آبار إضافية خلال المرحلة المقبلة، في إطار مساعٍ لزيادة إنتاج الغاز ودعم قطاع الكهرباء، الذي يشكل أحد أكثر القطاعات تضررا.

المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي

———————–

 سوريا تطلق برنامج الإفصاح الطوعي عن قضايا الكسب غير المشروع

لتسوية الأوضاع المالية المرتبطة بشبهات الكسب غير المشروع وتسريع استعادة الأموال

الرياض – العربية

29 ديسمبر ,2025

أطلقت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا برنامج الإفصاح الطوعي لمدة ستة أشهر، والموقع الإلكتروني الرسمي لها، والذي يتضمن خدمات الإبلاغ والإفصاح الطوعي والاستفسار والتواصل مع اللجنة.

وقال رئيس اللجنة باسل السويدان، إن إطلاق برنامج الإفصاح الطوعي ضمن الموقع الرسمي مسار قانوني مؤقت يتيح تسوية الأوضاع المالية المرتبطة بشبهات الكسب غير المشروع بما يسهم في تسريع استعادة الأموال.

وأكد السويدان أن محاسبة المتورطين في التعدي على المال العام واجب وطني واستحقاق دستوري وأخلاقي وليس خياراً سياسياً، لافتاً إلى أن بناء الدولة واستعادة الثقة بالمؤسسات وتحقيق العدالة الاجتماعية تتطلب مواجهة إرث الفساد بشجاعة قانونية واسترداد الأموال التي حرم منها الشعب طوال عقود، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

مصرف سوريا يلزم المواطنين بإجراءات جديدة عند استبدال الليرة

اقتصاد اقتصاد سوريا مصرف سوريا يلزم المواطنين بإجراءات جديدة عند استبدال الليرة

وأوضح السويدان أن المساءلة ستتم وفق أصول قانونية عادلة تضمن الحقوق ووفق مبدأ القانون فوق الجميع، فاسترداد المال العام حق أصيل للدولة والمجتمع، مؤكداً أهمية الشراكة مع المجتمع المحلي ومنظمات المجتمع المدني والهيئات الرقابية والإعلام إضافة إلى التعاون مع المنظمات الدولية المختصة بمكافحة الفساد واسترداد الأموال بما يحفظ السيادة الوطنية ويخدم مصلحة سوريا.

يشار إلى أن اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع لجنة وطنية مستقلة، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وتم تأسيسها بموجب القرار الرئاسي رقم 13 لعام 2025 لحماية المال العام ومكافحة الكسب غير المشروع بجميع أشكاله، واسترداد الأموال غير المشروعة، وتعزيز النزاهة والشفافية في مؤسسات الدولة وقطاعات الأعمال.

——————————

==================

تحديث 30 كانون الأول 2025

———————————

سورية بعد رفع العقوبات… جدلية التقييم وديناميكيات الحوكمة/ محمد خالد شاكر

30 ديسمبر 2025

العقوبات الاقتصادية أحادية الجانب من أعقد الإشكاليات التي تؤرق فقه القانون الدولي، بسبب استخدامها، في أغلب الأحيان، أداة ضغط سياسية في إطار مبدأ القوة في العلاقات الدولية.

أدّى بروز مفهوم العولمة إلى عولمة مشكلات دولية عديدة، أصبحت معها مفردات الإرهاب، والفساد، واللجوء، والاستبداد، وتجارة المخدرات، وغسل الأموال، وضعف المؤسسات، وهشاشة الدولة في أية بقعة، تهديدات عالمية، تلقي بظلالها على سلوكية العلاقات الدولية، اتساقاً مع جنوحها نحو التنافسات الاقتصادية على حساب الصراعات الإيديولوجية. تزامن ذلك مع التوسع في تفسير حق الدفاع عن النفس، المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، قابلته ديناميكيات جديدة في السياسات الدولية، جعلت من التهديد المحتمل للاقتصاد، تهديداً للأمن الوطني.  

نشر مجلس الشؤون الخارجية الأميركي تقييماً لاستراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة، الصادرة في 4 ديسمبر/ كانون الأول 2025. خَلُصتْ الدراسة إلى اختلافها اختلافاً جذرياً عن سابقاتها، بما فيها الصادرة خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، مشيرة إلى تركيزها على نصف الكرة الغربي ومنطقة الكاريبي، أولوية قصوى، وأنّ الاقتصاد هو الرهان الأسمى، أما العلاقة مع الصين فهي اقتصادية متبادلة المنفعة.

يشير التدافع الذي أبدته إدارة ترامب، بشأن الانفتاح على سورية ورفع العقوبات، إلى أبعاد بمنافع سياسية واقتصادية وجيوبوليتكية، مؤجلة إلى حين استقرارها، مع الإبقاء على مبدأ “النفوذ بديلاً عن القوة”، و ترك القوى المحلية، تحل مشكلاتها بنفسها. رؤية تساعد إدارة ترامب التفرغ أكثر لاستراتيجيتها الجديدة. ظهر ذلك في حصار ناقلات النفط الفنزويلية الخاضعة للعقوبات الأميركية، إذ اعتبر ترامب النظام الفنزويلي نظاماً إرهابياً استبدادياً، ينتشر فيه الفساد، و يزيد من مخاطر الهجرة، واللجوء، وتهريب المخدرات، وبالتالي يراه تهديداً محتملاً للاقتصاد والأمن القومي الأميركي.

في التوقيت نفسه، رفعت إدارة ترامب العقوبات عن الدولة السورية إلى غير رجعة، لكنها أبقتْ على تقييم حكومتها. فبدت الأخيرة، أمام واقعية نهج جدلي يضج بالمتناقضات بين القوى الفاعلة خارجياً وداخلياً. نهجٌ يضع سورية، ما بعد رفع العقوبات، على عتبة سياسة جديدة، أبعد من اندفاعها إلى الخارج، أو تدافع الخارج إليها، الذي ميز عامها المنصرم.

مرحلةٌ باستحقاقات تُمهد لعودة سورية إلى موقعها الطبيعي في النظام الدولي فاعلةً غير منفعلة بالأحداث، سواء أممياً في أروقة الأمم المتحدة المعنية بتحمل التبعات الرئيسية لحل النزاعات بين الدول، أو من خلال سياسة خارجية تتسق وجدلية التقييم المرافق لرفع العقوبات، و توفير غطاء سياسي يركز على الملكية الوطنية والسيادة، وعدم الإبقاء عليها مكسراً لعصا التجاذبات الخارجية، غارقةً بوعود المبعوثين، والوسطاء، والوفود، التي تذكّر بإعادة تدوير تجارب العراق، وليبيا، ولبنان، واليمن، في عالم غير مستعد لضخ أمواله واستثماراته في بقعة تعيش داخل جغرافيتها، حالة من اللاحرب واللاسلم المنضبط  بإرادات خارجية واضحة المعالم.

ربما أكثر ما تحتاجه سورية اليوم نظرية تفاوضية مع جميع الأطراف، تعيد معها تقييم السياسات والمواقف واختبارها اتساقاً مع مسألة التقييم المحكوم بالوقت. دبلوماسيةٌ جديدة تحدد هوية السياسة الخارجية السورية في محيطها والعالم، بدءاً من أدوار الفاعلين في مناطق نفوذهم، أولئك الذين بيدهم مفاتيح الأبواب المغلقة بوجه التعافي السوري.

كيف لسورية أن تضمد جراحاتها، اتساقاً مع التقييم، قبل حل شيفرة التضادات الماثلة للعيان. وهل المطلوب من سورية بعد كل هذا الموت، أن تبقى بؤرة لاختبار الإرادات، في إطار نظام دولي محكوم بالواقعية السياسية، والمصالح الذاتية، والفوضى الدولية و تفاعلاتها القائمة على سياسات التنافس والتواطؤ، والترهيب والترغيب، والاستمالة والردع. فواعل تتجاوز إرادات الدول في المراحل الانتقالية، فكيف بسورية وهي تنهض من حطام سياسي، واقتصادي، ومجتمعي، لم تشهده دولة في التاريخ المعاصر.

مهمةٌ صعبة، لكنها ليست مستحيلة مع إرادة سورية تبني دولة طبيعية، تطمئن الجميع، و تفتح الباب من جديد لتعميق الحوار، بدءاً من شرعية داخلية تعمل على بناء مؤسسات قوية بدستور عصري، يحدد العلاقة بين السوريين على كامل مساحة التراب السوري، و يحل إشكالية التحديات المعرفية، المتعلقة بحوكمة المؤسسات، ومفهوم السيادة، والدولة القانونية، والحقوق الطبيعية، ومفهوم الشعب، والهوية السورية، واللامركزية.

لا تتوقف الحوكمة عند أدوارها الداخلية في صناعة سلام مستدام، ووضع الكيفيات التي تسير عليها المؤسّسات، بل تتعدّاه إلى البعد الخارجي في إطار العلاقات الدولية، إذ تحدد آليات الحوكمة صحة النتائج والاستنتاجات المؤدية إلى تقييم المراحل الانتقالية ما بعد النزاع، واكتشاف الديناميكيات التي تسير عليها الدولة، و تحديد موقعها في النظام الدولي قياساً بمستوى سيادة القانون، وعمل المؤسسات الدستورية الثلاث، لجهة الاختصاص والصلاحيات، استناداً لمبدأ المشروعية، وفصل السلطات، ونظام الكوابح والتوازنات، ما يحول دون تغول سلطة على أخرى؛ فالقول بقوة المؤسّسات، المدنية منها والعسكرية، هو القول الفصل في تفوق الدولة، واحتكارها لقرارها وسيادتها، داخلياً وخارجياً.

يشير تتبع التجارب التاريخية للمراحل الانتقالية إلى الأدوار التي لعبتها الحوكمة في حل الكثير من التحديات الخارجية، إذ تجاوزت العلاقات الدولية، منذ عقود، المفهوم الكلاسيكي للقوة، كالجيوبوليتيك والدبلوماسية، اللتين غالباً ما يُنظر إليهما، على الرغم من أهميتها، مفهوماً وسيلياً للقوة لا غائياً، وأداةً لدولة قلقة، أو مقلقة. 

تشكل الحوكمة، في إطار عمليات بناء الدولة في مراحل ما بعد النزاع، مقياساً للحكم الرشيد، من خلال كيفيات بمعايير وأطر تشريعية وإجرائية، تُمكنْ من تطبيق القوانين، وبناء الثقة بين المواطنين والسلطة، و تعزز الشفافية والمساءلة، و تهيأ الظروف لنظام قضائي مستقل، قادر على جذب الاستثمار، وإعادة الإعمار. وكما تفرض الحوكمة نفسها كفاعل داخلي، فهي على الصعيد الخارجي، مقياساً لتحديد طبيعة الدولة، داخل النظام الدولي، اتساقاً مع التطورات المعاصرة لطبيعة العلاقات الدولية، فالدول التي يغيب فيها مبدأ سيادة القانون، تُصنف اليوم، دولاً هشة وفاشلة، و تهديداً محتملاً للأمن القومي والمصالح الاقتصادية، في محيطها والعالم.

ثمة ترابط عضوي بين الحوكمة، وفكرة السيادة، وعمليات بناء الدستور، وكتابته، إذ تشكل كتابة الدستور إجراءات قانونية بحتة، ومنتجاً نهائياً تقنياً، كمبنى، بينما تضطلع عمليات بناء الدستور، كمعنى، بعمليات اجتماعية وسياسية، مدخلاتها رفد المؤسسات بالخبرات والكفاءات، وفقاً لمعايير عادلة و صارمة، تحددها القوانين والأنظمة. عمليةٌ طويلة وشاقة، تبدأ من نفخ الروح، حوكمياً، في مؤسسات الدولة السورية،  تجيب على الكثير من الأسئلة المتعلقة بالحقوق ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، مصير الآلاف من الخبرات السورية من أبناء المؤسسات، المدنيين والعسكريين، الذين تركوا وظائفهم  بسبب مواقفهم من النظام البائد.

تقف سورية اليوم، أمام تحدٍ يرتبط ارتباطاً بنيوياً وثيقاً بحتمية إنجاح المرحلة الانتقالية، في أصعب مرحلة بدأت تباشيرها مع رفع العقوبات، تؤهلها لنهضة حقيقية في جميع المجالات السياسية، والاقتصادية، و العسكرية، والمجتمعية. فرصةٌ لبناء سورية القوية القادرة على توحيد البلاد، في منطقة قُدر لها، تاريخياً، التعايش بين جميع طوائفها وإثنياتها، كما قدر لها، جيوبولتيكياً، أن تسير بالشرق الأوسط أينما توجهتْ. حقيقةٌ أكدها، وقادر على تأكيدها، المنجز السوري في 8 ديسمبر 2024، وقدرته في إحداث قطيعة تاريخية مع نظام بوليسي، أوتوقراطي قمعي، يكره المؤسسات، يقدس الولاءات، سبيله في ذلك أدوات رثة، تزاوج خبيث بين المال والسلطة، دعاية، مهرجانات،  استغلال للمخاوف، ردود أفعال عاطفية، تنميط ثقافي استهلاكي يتلاعب بالعقول للتأثير على مشاعر الناس وسلوكياتهم وآرائهم، في تغيب واضح للنقد البناء، والنقاش العقلاني. حقائقٌ حري بالعقل السوري الجديد، أن يعض بالنواجذ على دفنها إلى غير رجعة.

العربي الجديد

———————————————–

رموز العملة الجديدة.. بين “الحياد المفرط” و”التغيير الجذري”/ بتول الحكيم

30 ديسمبر 2025

مع طرح العملة السورية الجديدة للتداول، عاد النقاش حول العملة بوصفها أحد أبرز الرموز السيادية للدولة، لا كوسيلة نقدية فحسب، بل كرسالة سياسية ورمزية تعكس شكل الدولة التي تصدرها، فالعملة بما تحمله من تصاميم وأسماء ورموز، تمثّل إعلانًا رسميًا عن الهوية التي ترغب الدولة في إبرازها، وعن سرديتها للتاريخ والمجتمع.

شعار العملة “نحن باقون. نزرع. نعيش. ونتعافى”

العضو في فريق تصميم الهوية البصرية الجديدة، فراس حجار، ذكر  لـ”الترا سوريا” أن التوافق على رموز العملة السورية الجديدة، تم على أساس الابتعاد المقصود عن الرموز السياسية أو السلطوية، والاتجاه نحو رموز إنسانية أقرب إلى الناس، تمثل المجتمع السوري ككل، والاختيار لم يكن عشوائيًا أو جماليًا فقط، بل اعتمد على عناصر تُعدّ جزءًا من الذاكرة الجمعية للسوريين، مثل الأرض والزراعة والطبيعة، وهي عناصر لا تختلف عليها أي فئة أو منطقة.

وأضاف حجار أنه في علم تصميم العملات، يجب أن تكون الرموز غير انقسامية ومفهومة شعبيا ومقبولة دوليا، فالحقول والطيور والحيوانات رموز محايدة ثقافيا، حيث راعت رموز العملة الجديدة انعكاس الهوية الإنتاجية لسوريا تاريخيًا، باعتبارها بلدًا متنوع البيئات، بالإضافة لاختيار رموز قابلة للفهم البصري السريع دون الحاجة إلى تفسير أو خطاب مباشر.

وتحمل الرموز الزراعية رسالة واضحة مفادها، أن الأرض كانت ولا تزال العامل الثابت في حياة السوريين، مهما تبدلت الظروف، فالقمح والزيتون والقطن وغيرها من العناصر الزراعية، لا ترمز فقط إلى الإنتاج، بل إلى الاستمرارية والصبر والاعتماد على الذات، كما تعكس تنوع الجغرافيا السورية، من السهول الخصبة إلى المناطق الجبلية والساحلية، وتؤكد على فكرة أن الاقتصاد الحقيقي يبدأ من الأرض، لا من الشعارات، فالرسالة “ما بقي صامدًا هو الأرض. وليس الأنظمة”.

ويوضح حجار أن استخدام الحيوانات الأليفة والطيور جاء كخيار مدروس لتمثيل التنوع الجغرافي والبيئي السوري، وليس كرمز جمالي فقط، فالحيوانات الأليفة ترتبط بكل اقاليم سوريا والأنماط المعيشية المرتبطة فيها، وتعكس مفاهيم الاستقرار والتعايش والعمل اليومي البسيط، أما الطيور فتمثل التنوع الطبيعي بين الشمال والجنوب والساحل والداخل، وهي كائنات عابرة للحدود الجغرافية، ما يجعلها رمزًا جامعًا لا ينتمي إلى منطقة واحدة دون أخرى، كما تحمل الطيور دلالات خفيفة وغير مباشرة عن الحركة والاستمرارية والحياة، دون الدخول في رموز سياسية أو أيديولوجية.

وفيما يتعلق بدلالات الألوان في العملة السورية الجديدة، لم تكن رمزية فقط، وفقًا لـحجار،  بل تحمل بعدًا وظيفيًا وبصريًا في المقام الأول، فالألوان المختارة تحمل دلالات طبيعية مرتبطة بالأرض والنبات والماء، لكنها في الوقت ذاته تهدف إلى تحقيق تمييز بصري واضح بين الفئات النقدية، لافتًا إلى مراعاة تحقيق تباين يسهل التعرف على الفئات المختلفة، وخدمة جميع الفئات العمرية بما فيها كبار السن وضعاف البصر، وتسهيل الاستخدام اليومي والتمييز السريع دون الحاجة لقراءة الأرقام، بعبارة أخرى اللون هنا ليس للزخرفة، بل أداة وظيفية تساعد على الوضوح، وتخفف من الالتباس، وتعزز سهولة التداول في الحياة اليومية، مؤكدًا أن العمل نتاج جهد فريق كامل امتد إلى حوالي سنة.

محاولة لتكريس الانتماء للوطن فقط

الباحث السياسي د. مهند حافظ أوغلو قال لـ”الترا سوريا” إن عهدًا جديدًا تدخله الجمهورية العربية السورية من خلال عملتها، فالعملة ليست مجرد أوراق نقدية، بل خلفية سياسية ثقافية اجتماعية؛ مرجحا أن الدولة تحمل هذه العملة رسائل سياسية، فسوف تسعى إلى تطبيق المركزية الإدارية، وفق التوافقات ما بين المحافظات، تمهيدًا لحقبة جديدة وصفحة جديدة، تنهي عقودًا طويلة من المركزية في كل شيء، بل وتكريس الولاء للعائلة الواحدة، حيث تميل الدول المركزية لاستخدام رموز مثل صور القائد أو الجيش أو العاصمة. وغيرها، ما يجعلنا أمام دولة مدنية سياسية ديمقراطية حسب قراءته لرموز “العملة”.

وأكد أوغلو أن العملة يجب ألا تحمل أي سردية أو أيديولوجية أو عقيدة لأنها تخضع للممارسة اليومية لكافة المواطنين، وأي طرح من هذا النوع، يعني أننا لم نغير في بنية النظام السياسي والرؤية الاقتصادية للدولة، ونحن اليوم أمام عملية بناء تام من القواعد لأعلى الهرم، لافتًا إلى أن الرموز على العملة الجديدة تكرس الانتماء للوطن فقط.

وقد اتخذ النظام الساقط من العملة، بوصفها رمزًا سياديًا، شكلًا من أشكال شرعنة الاستبداد السياسي والاقتصادي، واختزال الوطن بهذه العائلة وأذرعها وعملائها، ووجود صور الطاغية ووالده على العملة وعلى اللافتات وفي كل مكان، حتى شاع مصطلح “سوريا الأسد”، حيث كانت العملة إحدى أدوات ترسيخ هذه المنظومة الفاسدة. فالعملة بوصفها تدخل في السلوك المعيشي اليومي، تصبح جزءًا من اللاوعي، ويتم التطبيع تدريجيًا مع هذه الرموز المستبدة وقبولها، ما جعل تجنب صور الأشخاص على العملة الجديدة أمرًا بالغ الأهمية، لئلا نعود إلى زمن الاستبداد وتقديس الأشخاص والمعتقدات، وجعل القدسية تتمحور فقط حول الوطن ومصلحة المواطن.

رموز العملة لا تقود إلى سوريا

من جهتها رأت المختصة في تاريخ الفن د. هلا قصقص خلال حديثها لـ”الترا سوريا” أن اختيار النبات كرمز للعملة السورية الجديدة، يندرج ضمن الحياد المفرط، والذي يقتل الهوية عوضًا عن حمايتها، فالنبات يتحول هنا من رمز ثقافي غني إلى عنصر تزييني عام، لافتة إلى أن النباتات المستخدمة من قطن وقمح وزيتون تمتلك جذورًا سورية حقيقية، وتشكل جزءًا من المشهد الاقتصادي والثقافي، إلا أنها ليست حصرية لسوريا، ما يعني أنها ليست أدوات تميز السوريين أو تقدم دلالة رمزية تقود المتلقي لسوريا فور مشاهدتها.

وحين ينزع النبات من سياقيه التاريخي والاجتماعي والعمراني، ويقدم كبديل شامل للهوية البصرية، يفقد قدرته على الدلالة ويتحول لزخرفة، والعملة بوصفها وسيط سيادي لا تحتمل هذا الفراغ الرمزي، والمشكلة ليست في اختيار النبات بل بإقصاء ماعداه، إذ لا تبنى الهوية البصرية على عنصر واحد معزول، بل على طبقات متراكمة من الرموز في مقدمتها العمارة بوصفها التعبير الأوضح عن الاجتماع البشري والتنظيم الحضري والتاريخ الحي، ويمكن اعتبار العمارة السورية على تنوعها لغة جامعة تتجاوز الانقسامات.

واختيار النباتات كرموز للعملة الجديدة، وفقًا لـقصقص، يعكس توجها نحو تنعيم الهوية البصرية وتحويلها لمساحة آمنة، إلا أن الهوية لا تبنى على الأمان وحده، ومحاولة تفادي الخلاف عبر محو الرموز التاريخية لا ينتج توافقًا بل فراغًا، والحياد البصري حين يدفع لأقصاه يتحول لإنكار للذاكرة ويمثل فصلًا مصطنعًا بين الأرض وتاريخها وبين الطبيعة والمدينة، وفي السياق السوري ذي العمق الحضاري الكثيف يشكل هذا الحياد فعلًا اختزاليًا لا لحماية الهوية بل لتفريغها من معناها، وما نحتاجه اليوم شجاعة بصرية تعترف بتاريخ سوريا وتستعيد الإنسان والمدينة بوصفهما جوهر الهوية.

وتفيد قصقص بأنهاعملت من خلال تخصصها على دراسة تاريخية للهوية البصرية السورية الجديدة لمدة شهرين كاملين، وقد وضعت بين يدي المصممين مجموعة واسعة جدًا من الخيارات الرمزية، تتمثل في ملامح وفنون ورموز معمارية وحرفية تمتد من إيبلا وماري وتدمر إلى الفترات الأموية والأيوبية والمملوكية والعثمانية تسمح بالإشارة المباشرة إلى مدن ومجتمعات سورية محددة، وكانت المقترحات عبارة عن أرشيف بصري متدرج ومدعوم بسوابق تاريخية يمكن توظيفه في زوايا مختلفة من العملة، من الحواف والنقوش إلى عناصر الأمان الدقيقة، بحيث تبقى العملة قابلة للقراءة فورًا بوصفها سورية في ذهن المتلقي داخل البلاد وخارجها، مؤكدة أن تقديم هذه المواد التاريخية والميدانية ثم اختيار سرد بصري عام ومستهلك يثير استغرابًا وإحباطًا مهنيين، لأن الفرصة كانت متاحة لخلق خطاب بصري غني ومتماسك وحساس لتاريخ المكان، فكان من الممكن أن تكون العملة جسرًا بين الذاكرة والمواطنة بدلًا من اختزال الحضور السوري إلى عنصر نباتي عام.

بالرغم من الجدل حول الشكل والتصميم، يبقى الثابت في طرح العملة السورية الجديدة، والذي يوحد السوريين، هو التخلّي عن صور الأسد بوصفها رمزًا ارتبط طويلًا بسلطة مستبدة لا بدولة قانون، هذا التحوّل مهما اختلفت القراءات حوله، يحمل دلالة رمزية واضحة على محاولة الفصل بين الدولة وشخصنة الحكم.

قد لا تكون العملة وحدها كافية لإعادة بناء الثقة، لكنها تشير إلى اتجاه مختلف في التعامل مع الرموز الوطنية، اتجاه يُفترض أن يضع المواطن لا الحاكم في مركز الصورة، وبينما تبقى الأسئلة مفتوحة حول بقية الرموز الوطنية، يظل الأهم أن يكون أي تغيير قادم خطوة نحو دولة تُعرّف نفسها بمؤسساتها وقيمها لا بصور قادتها.

الترا سوريا

———————————

 صناعة النفط السورية… فرص كبيرة/ وليد خدوري

عند الإحاطة بتطور الصناعة النفطية السورية يتوجب التطرق إلى الموقع الاستراتيجي لسوريا ما بين حقول النفط العملاقة في العراق ودول الخليج، وإمكانية تشييد أنابيب نفط عابرة للدول، للتصدير من ساحل شرق المتوسط إلى الأسواق الأوروبية والغربية عبر سوريا ذات الموقع الجيواستراتيجي المهم الذي يتيح «الترانزيت» لهذه الخطوط العابرة للدول، والتصدير مباشرة من الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط.

من ناحية أخرى، تكمن أهمية دولة مثل سوريا ليس فقط في موقعها الاستراتيجي، بل أيضاً في إمكانية توفر السوق الضخمة لاستيعاب كميات النفوط الضخمة، كما التي تم ضخها من الساحل السوري إلى السوق الأوروبية عبر البحر الأبيض المتوسط بُعيد نهاية الحرب العالمية الثانية. وكما هو معروف، شكّل التصدير النفطي الضخم بالأنابيب عبر سوريا بُعيد الحرب العالمية الثانية جزءاً مهماً من طريقة تصدير النفوط العربية إلى الأسواق الدولية.

أما بدءاً من الربع الأخير للقرن العشرين، فقد طرأ تغيّر كبير في تجارة النفط؛ إذ تبنت أقطار السوق الأوروبية اتفاقية باريس للأمم المتحدة لمكافحة تغيّر المناخ التي تهدف إلى تقليص الانبعاثات الهيدروكربونية، ومحاولة الوصول إلى تصفير الانبعاثات الكربونية بحلول عام 2050. تكمن المحاولة الأوروبية هذه في الاعتماد على الطاقات المستدامة من الشمسية والرياح والنووية، بالإضافة إلى الغاز الطبيعي، والطاقة الهيدروكربونية التي هي أقل مصدراً للانبعاثات، هذا يعني تقليص استعمال النفط بقدر الإمكان ومحاولة إنهاء إنتاج وحرق الفحم أوروبياً، مع العلم أن الفحم الحجري كان المصدر الرئيس للطاقة الأوروبية حتى أوائل القرن العشرين.

شيدت شركة «أرامكو» خط «التابلاين» وانتهت من العمل عليه في عام 1950. تم الضخ من خلال «التابلاين» النفط من حقل أبقيق في شرق السعودية إلى ميناء الزهراني بالقرب من صيدا في جنوب لبنان المطلة على ساحل البحر الأبيض المتوسط. وتم إيقاف الضخ في الخط بقرار من الحكومة السورية لاحقاً لأسباب سياسية. وكان الخط يمر عبر هضبة الجولان المحتلة.

بادرت «شركة نفط العراق» الدولية التي اكتشفت حقل كركوك في عام 1927 بتشييد خط أنبوب «كركوك -بانياس – طرابلس» في 1952 ليستخدم في تصدير النفط العراقي عبر مرفأ بانياس السوري، ومن ثم تم تشييد أنبوب قصير إضافي من بانياس إلى ميناء طرابلس اللبناني للتصدير من هناك أيضاً إلى السوق الأوروبية. وفي كلتا الحالتين السورية واللبنانية تم تكرير نفط كركوك في كل من مصفاة بانياس ومصفاة طرابلس، إلا أن هذا الخط أصبح جزءاً من الخلافات المتكررة ما بين العراق وسوريا لأسباب متعددة، فتم إغلاقه في عام 1982 للتحالف السوري مع إيران في الحرب العراقية – الإيرانية. كما تم إغلاقه مرة أخرى بسبب إصرار دمشق على زيادة ضريبة «الترانزيت» فجأة، خلافاً للاتفاق بين الدولتين. وشكلت الخلافات السياسية ما بين «حزب البعث» الحاكم في كل من بغداد ودمشق الأسباب الرئيسة للخلافات. ولاحقاً استمر الخط مغلقاً بسبب «قانون قيصر» الأميركي الذي يعاقب أي دولة تتعامل اقتصادياً مع سوريا. ولا يزال الخط مغلقاً، رغم إلغاء «قانون قيصر» مؤخراً. وهناك أنباء صحافية عن إمكانية فتح الخط مجدداً، لكن سيحتاج هذا إلى وقت طويل لتصليحه. وقد شيّد العراق خط نفط للتصدير إلى أوروبا عبر تركيا، لكن الطلب الأوروبي على النفط قد انخفض، كما أن الولايات المتحدة قد أصبحت بعد تطوير صناعة النفط الصخري في 2015 دولة مصدرة للبترول، وأصبحت السوق المستوردة الكبرى جنوب وشرق آسيا، حيث تتجه نحو 60-70 في المائة من صادرات العراق ودول الخليج العربي يومياً…

ويعتبر إيقاف سوريا الخطين (التابلاين، وكركوك – بانياس – طرابلس) خسارة كبيرة بملايين الدولارات للحكومة السورية كما للحكومة اللبنانية سنوياً التي كانتا تحصلان عليها من خلال رسوم «الترانزيت» على الخطين، ناهيك باستفادة عشرات من الشركات السورية واللبنانية الخاصة من أعمال الخدمة والصيانة على الخطين. ولعب كل من الخطين اللذين اعتُبرا من «الحجم الكبير» في حينه دوراً مهماً في تعمير أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، كما كانت تشحن كمية مهمة من خط «التابلاين» إلى السوق الأميركية. ويعزى السبب الرئيس لتوقف الخطين إلى الاضطرابات السياسية في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، وبالذات عدم تمكن سوريا من فصل عمل الخطين النفطيين الضخمين عن خلافاتها السياسية مع الدول المنتجة، الأمر الذي أدى إلى توقف الخطين عن العمل وخسارة مالية كبرى لسوريا ولبنان.

تؤدي هذه التجربة إلى تساؤل المنتجين عن الاعتماد على تصدير النفط عبر سوريا، بالذات مع التغييرات التي حصلت في أسواق النفط.

من نافلة القول أن إعادة تشييد خطوط مماثلة أمر ممكن، لكن ليس بالأمر البسيط؛ إذ إن تغيّرات كبرى قد حلت بصناعة وأسواق النفط. فبالنسبة إلى تجارة ترانزيت النفط إلى البحر الأبيض المتوسط، فقد شيّد عدد من الدول الخليجية مع مصر «خط سوميد» موازياً للتصدير النفطي عبر قناة السويس، كما شيّد العراق خط أنابيب عبر تركيا يوازي تقريباً التصدير عبر الأراضي السورية.

ومن جهة أخرى، تشير الإحصاءات الرسمية لإنتاج النفط الخام والغاز الطبيعي السوري إلى أن كمية النفط الثقيل الذي كان يتم إنتاجه في عام 2005 بلغت نحو 63441 ألف برميل يومياً، وبلغ إنتاج النفط الخفيف في العام نفسه أيضاً نحو 89208 آلاف برميل يومياً؛ إذ إن إجمالي إنتاج النفط السوري في عام 2005 سجل نحو 152649 ألف برميل يومياً.

في نفس الوقت، كان إنتاج الغاز الطبيعي المرافق 3645242 ألف متر مكعب، والغاز الطبيعي الحر نحو 1821690 ألف متر مكعب، ومن ثم فمجمل الإنتاج للغاز الطبيعي لعام 2005 نحو 5466932 ألف متر مكعب.

واعتبرت محطات توليد الطاقة الكهربائية السورية المستهلك الرئيس للغاز النظيف، وشكلت منشآت وزارة الصناعة من معامل السماد والأسمنت المرتبة الثانية، بالإضافة إلى استهلاك الغاز في المنشآت التابعة لوزارة النفط السورية مثل مصافي التكرير ومحطات توليد الطاقة في حقول النفط المختلفة. لكن تدريجياً ازداد الطلب على الغاز ليشمل مستهلكين جدداً في قطاع النقل والمواصلات، كما استهلاك الغاز في المنازل بدلاً من المازوت والغاز المنزلي، والمنشآت الصناعية المتوقعة من قبل القطاع الخاص، وذلك بحسب المعلومات الرسمية السورية الصادرة في حينه.

وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن كميات النفط السورية التي تم تصديرها في منتصف العقد الماضي كانت ضئيلة جداً، وكذلك بالنسبة للغاز (للسوق اللبنانية فقط وبشكل مؤقت).

وعملت بعض كبرى الشركات النفطية العالمية وشركة النفط الوطنية في سوريا حتى منتصف العقد الماضي، إلا أنه كان من الواضح أن القطاع البترولي، حاله حال بقية القطاعات الاقتصادية في البلاد، أصابه الوهن بسبب الفساد المستشري والاضطرابات السياسية في البلاد (بالذات الحرب الأهلية)، مما أدى، مع القمع المستمر للأجهزة الأمنية وظلم الأجهزة السياسية، إلى العجز الذي أصاب الاقتصاد السوري وهجرة الملايين من السكان. كما أصيبت حقول النفط والغاز بكثير من الأضرار أثناء الحرب الأهلية، وبالذات الطرق البدائية التي استعملتها كافة الأطراف المتنازعة لاستخراج النفط وحفر الآبار، والتي سيتوجب إصلاحها وترميمها لكي تستطيع الإنتاج بطاقتها القصوى ثانية.

وفي أغسطس (آب) الماضي، أعلن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار بدء تدفق الغاز الطبيعي الأذربيجاني إلى سوريا عبر ولاية كلس التركية، وذلك بغرض توليد الكهرباء التي ستلبي «احتياجات 5 ملايين أسرة من الكهرباء».

من جانبه، فقد صرح إلشاد نصيروف نائب رئيس شركة النفط الأذربيجانية (سوكار)، بأن أذربيجان ستصدر 1.2 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً إلى سوريا من حقل «شاه دنيز» للغاز في بحر قزوين.

كما أعلن صندوق قطر للتنمية مؤخراً البدء بالمرحلة الثانية من دعم الطاقة الكهربائية في سوريا اعتباراً من الثاني من شهر أغسطس الماضي، بطاقة تبلغ 800 ميغاواط.

الشرق الأوسط

———————————

صناعة النبيذ السورية: مقاومةٌ مخبّأة في الجرار/ كمال شاهين

30 كانون الأول 2025

مشاكل صناعة النبيذ لا تتعلق بكونها من المشروبات الروحية بقدر ما ترتبط بكونها نموذجاً مصغراً لإشكالية الاقتصاد السوري الأوسع، حيث تربط هذه الصناعة سلاسل إنتاجٍ متكاملة. نبيذ الريّان والميماس وهما من إنتاج القطاع العام السوري، كانا حاضرين في بعض أسواق العالم. ولكنها اليوم باتت أمام مفترق طرق حقيقي مع توقف هذه المعامل عن العمل في السويداء وحمص.

في الطريق إلى قرية “الخوّارات” شمال شرق صلنفة، وعلى ارتفاع أكثر من ألفٍ ومئتي متر، تنساب شجيرات العنب البريّ فوق سفوح أعلى جبال الساحل السوري مغلّفةً أغلب أشهر السنة بالندى والضباب. تحت هذه السفوح بيوتٌ بسيطة اكتشفت منذ مئات السنين أنّ ثمرات العنب البري هذه تنتج واحداً من أطيب أنواع النبيذ في العالم كما يعتقدون.

لم يعد العنب البريّ كثير الانتشار بعد أن هجّنه إنسان المنطقة بصبرٍ وحبّ. اليوم تغطي الحقول شجيرات عنبٍ مُهجّنة. قرب بداية الشتاء، وقبل أن يصبح ارتفاع الثلج مترين، تكون المواسم في انتظار تحويلها إلى نبيذ، ضمن طقوس تشاركية يقوم بها السكان الذين ينتمون إلى الطائفة العلوية أو يدينون بالمسيحية محاولين الحفاظ على إرثٍ يمتدّ قروناً.

بين العنب البري ونظيره المُهجّن مرّت آلاف السنوات التي سمحت بإنتاج عصيرٍ تحوّل إلى تجارةٍ عبرت البحر المتوسط في سفن الفينيقيين والأوغاريتيين، مسجّلةً وفق موسوعة الكرمة الروسية إنتاج أوّل نبيذٍ في التاريخ صدّرته سوريا إلى أنحاء العالم عبر الفينيقيين وحمل الاسمين “شالبون” و”ألبون” وفق الدكتور المهندس عماد بلال، اختصاصي العنب في مركز البحوث الزراعية في اللاذقية.

حقبة المجد المُندثر.. تقريباً

حسب الدكتور عماد، “تقع سوريا في قلب الموطن الأصلي الأوّل لنشوء الكرمة، وهي أوّل من دجّن الكرمة البرية في العالم -عبر عمليات الانتخاب والتهجين- وزرعها منذ أقدم العصور”. يعمل عماد حالياً على توثيق وتسجيل أنواع العنب البريّ المُنتشر هنا، في أوّل “أطلس أصناف العنب في سوريا” الذي يعمل عليه ليضمّ أكثر من 270 صنفاً.

يعود مجد صناعة النبيذ في سوريا إلى عهودٍ سحيقة. في القرن الأول الميلادي سجّل المؤرخ أثينايوس في عمله “مأدبة الحكماء”، أنّ نبيذ اللاذقية الساحلي، والمعروف باسم “بامفيلوس”، كان مُدرجاً بين أشهر أنواع النبيذ المرغوبة في العالم القديم. كما يذكر الجغرافي الروماني (بليني الأكبر) في كتابه “التاريخ الطبيعي” أنّ من بين أفضل أنواع النبيذ في العالم الروماني، ما يأتي من منطقة “لاوديكيا” (اللاذقية)، لم يبقَ من حقبة المجد هذه سوى شواهد أثرية، آخرها اكتشف في تل السمهانة في ريف اللاذقية أظهر أساسات معاصر نبيذٍ عمرها خمسة عشر قرناً.

خريطة النبيذ السوري

تغطّي عرائش العنب ريف اللاذقية وساحلها وجميع المحافظات الأخرى بإجمالي إنتاج وصل إلى ربع مليون طن سنوياً، مزروعاً في 43 ألف هكتار من مختلف الأصناف (حلواني وسلطي ودوماني وبلدي وزيني) حسب إحصاءات  2023.

تنتج سوريا سنوياً كمياتٍ متفاوتة من النبيذ تقدّرها منظمة الفاو بنحو 50 طن. وتشير تقديرات أخرى إلى إنتاج 700 طن من المشروبات الكحولية بشكل عام. لا تدخل كميات النبيذ المنتجة في المعاصر المنزلية في الإحصاءات الرسمية. وفي حين ضمّ القسم الخاص بالشرق الأوسط منتجي لبنان وتركيا وفلسطين المحتلة (إسرائيل) في مرجع vin du monde (النبيذ في العالم)، وهو كتابٌ شامل لمنتجي النبيذ ومزارعي العنب، غاب اسم سوريا عنه رغم أنّ المساحات المزروعة فيها تعادل مثيلتها في البلدين.

تُسَجِّل السويداء أعلى إنتاجية للعنب بواقع 54 ألف طن من مساحة 10 آلاف هكتار، بينما تتصدر حمص الإنتاج الوطني بحصاد 55 ألف طن من 19 ألف هكتار، وفق إحصاءات 2023. وفي مفارقةٍ لافتة، يتراجع إنتاج الساحل السوريّ إلى 8 آلاف طن فقط رغم ملاءمة أراضيه لزراعة العنب، ويشير الدكتور ربيع زينة، اختصاصي التربة في مركز البحوث الزراعية في اللاذقية إلى تحوّل المزارعين لزراعة أنواع عنب فرنسية مخصّصة للورق (عنب المائدة) لكونها أكثر ربحية.

وبينما دمّرت الحرائق التي اجتاحت الساحل السوري أكثر من 15 ألف هكتار من كروم العنب البرية والمزروعة، تشهد مناطق أخرى مثل حمص، كما يقول صانع النبيذ حيّان الملحم من قرية أبو حكفة شرق المحافظة: “معاناةٌ تتزايد كلّ عامٍ مع نقص المياه وارتفاع أسعار ساعات الريّ والآفات المتزايدة، ولذلك تختلف الكميات المنتجة بين موسمٍ وآخر مؤثّرةً على أسعار العنب وإنتاج النبيذ واستهلاكه أيضاً”.

ليس الترخيص وحده المشكلة

في نيسان العام الحالي (2025) أُغلقت مطاعم تقدم المشروبات الروحية دون ترخيص في دمشق عدة أيامٍ قبل التوصل إلى اتفاق مع المحافظة، كما تهجّم مسلحون على محلٍّ لبيع الكحول. وفي اللاذقية تموز الماضي أُمهل أصحاب محلات لبيع الكحول على طريق الشاطئ الأزرق السياحي لمدة 72 ساعةً لإحضار رخصٍ جديدة تحت طائلة الإغلاق. وفي حين لم يتمّ إغلاق أي محلّ في اللاذقية حتى الآن- ما عدا إغلاق محلاتٍ مملوكةٍ لضباط في النظام السابق في السومرية ومساكن الحرس الجمهوري في دمشق-، إلا أنّ مشكلة التراخيص تتبدى كأول مشكلة تؤثر على صناعة النبيذ السورية بعد سقوط النظام السابق.

يحكم تداول المشروبات الكحولية في سوريا القانون رقم 165 لعام 1945، الذي وضع نظام رسومٍ للمواد الكحولية. ولكن هناك قوانين أخرى تتعلق بصناعتها، آخرها المرسوم التشريعي 61/2004 الذي حدد أساس ممارسة تجارة وصناعة الكحول بالحصول على الترخيص.

يوضح أحد مصنعي المشروبات الكحولية عدنان سليمان: “تجدد مديريات المالية في المحافظات التراخيص مع استيفاء شروط معينة بشكلٍ روتيني، ولكن الحال تغيّر هذا العام حيث تقدّمنا بطلبٍ للترخيص ولكن حتى الآن لم نحصل عليه. الدولة أوقفت التراخيص على ما يبدو”. بالمثل فإنّ السيد موفق قدسية، صاحب معمل نبيذ (راميتا) في قرية (اشتبغو) في ريف اللاذقية، يقول إنه تقدّم أيضاً بطلبٍ للحصول على الترخيص منذ أربعة أشهر وليس هناك استجابة حتى اليوم، مضيفاً: “تواصلت مع مالية اللاذقية فقالت أن التأخير من دمشق وعلى الوعود فإنّ الترخيص سوف يكون جاهزاً قريباً”. كرر مصدرٌ في مديرية مالية اللاذقية في اتصالٍ هاتفي ما قاله قدسية من أن التأخير من دمشق.

يضيف جوزيف وهو مصنّع نبيذٍ في منطقة جبل الحلو في حمص، أن: “المشاكل دوماً تأتي بعد الترخيص. في زمن النظام السابق كانت الجمارك والشرطة والأمن والبلدية والصحة والمالية وهيئة التهرب الضريبي وجماعة الإنفاق الاستهلاكي وحماية المستهلك، غرفة الصناعة، غرفة التجارة وزارة الزراعة والبيئة والتأمينات الاجتماعية وشعبة الكحول في كل مالية، جميعها تلاحق المنتجين بعد الترخيص بهدف دفع الإتاوات والرشاوى والمخالفات المحقة وغير المحقّة”.

خلقت هذه الملاحقات متاهةً لا نهاية لها. يشرح أنطون توكاتليان، منتج نبيذ من صافيتا، أنّ القوانين الضريبية نفسها غير واضحة، حيث تختصر في طابع المالية الإلزامي الذي يجب لصقه على كل زجاجة، “لكن احتمال المخالفات يكمن في أيّ تفصيلٍ آخر”. مثلاً: تدخل سدادات الفلين غالباً تهريباً من لبنان، بسبب صعوبة استيرادها رسمياً، ما يعرّض المستوردين للمساءلة الجمركية، ويتواصل التعقيد حتى أبسط التفاصيل اللوجستية، التي تُثقل كاهل المنتجين بملاحقاتٍ قانونيةٍ متنوعة.

النقل بين المحافظات.. أنت وحظّك

تؤثر مشكلة التراخيص والضرائب على عملية نقل المنتج، وعلى عملية شراء العنب اللازم لصناعة النبيذ من أسواق الداخل السوري من حمص أو السويداء. يتفق المنتجون على أنّ عملية نقل المنتج ولوازمه خاضعةٌ للصدفة.

استهلك معمل عدنان “الخميلة” ما نسبته 40% من العنب الذي يستهلكه عادةً لإنتاج النبيذ، و لم يتمكن من بيع إنتاجه إلى بقية المحافظات السورية هذا العام. يتفق معه قدسية أيضاً مضيفاً: “كنا نوزّع في حلب ودمشق واللاذقية وهذا العام بقي الإنتاج مكدّساً”.

جوزيف من جبل الحلو عانى من المشكلة نفسها. يقول: “العمل حالياً يعادل 10% من السنة الماضية لا أكثر. والطلب على المشروبات شبه منعدم. شخصياً أنا شبه متوقفٍ عن العمل بسبب ضعف الأسواق والمخاطرة على الطرقات”. ينقل جوزيف قصصاً واقعيةً من تجربته: “روى لي سائقٌ كان ينقل لي العنب من منطقة القصير إلى جبل الحلو أن حاجزاً أوقفه على الطريق وسأله إلى أين يذهب كلّ هذا العنب؟ فرد السائق إلى معامل النبيذ والعرق. الشاب على الحاجز تركه يمرّ ببساطة قائلاً له: تيسر الله معك. في حين أن شاباً آخر على الحاجز التالي وبّخه ثم تركه يمرّ مع تحذير ألا يمرّ مرةً ثانية من ذاك الطريق”.

أما حال البيع عند منتجين صغار مثل سليمان علي، الخمسيني ومالك معمل نبيذٍ صغير في منطقة الكاملية في اللاذقية، فهو مختلفٌ قليلاً. يبيع سليمان إنتاجه للمحلات في الريف ومدينة اللاذقية ولكن: “لم نعد نتجرأ على حمل كمياتٍ كبيرة في السيارات لبيعها. نلجأ إلى تعبئة النبيذ في بيدوناتٍ صغيرة الحجم بحجم خمسة أو عشرة ليترات، وحمله على دراجاتٍ نارية نقوم بتوزيعها على المحلات التي لدينا وأصحابها علاقةٌ قديمة، ويتواصل أصحاب المحلات الجديدة مع القديمة إن أرادوا شراء النبيذ”. لدى سليمان عددٌ مقبولٌ من الزبائن يتيح له تصريف إنتاجه من النبيذ والعرق. لا يحتمل سليمان أيّة “علقة مع الأمن العام أو غيره لذلك يتنقل في الصباح الباكر جداً”.

يبدو الإنتاج والنقل والتوزيع في الساحل أقلّ تعقيداً من حمص. يوجد في حمص ما لا يقل عن 150 معملاً مرخصاً كما يشرح صانع نبيذٍ من حمص طالباً عدم ذكر اسمه لأسباب خاصة: “يتمّ تفتيش المعامل المغلقة، التي تحمل إشاراتٍ على أصحابها السابقين، وهم من الذين منعوا من العمل بسبب دعمهم للنظام السابق. أما باقي المعامل، فلم يُمنع أحدٌ من العمل بشكلٍ رسمي، ولكن هناك تشددٌ في الإجراءات وحالات ابتزاز، تجعل الوضع غير مريح، أشبه بـ (بقرة حلابة) من حيث دفع الرشاوى”.

تمتدّ مشاكل النقل لتشكل تهديداً مباشراً على سلامة المنتج نفسه. غياب التصاريح الرسمية قد يعرّض الشحنات للتوقف لفتراتٍ طويلة على الحواجز ويؤدي إلى تلف النبيذ وتغيّر طعمه، مما يحوّل المنتج ذا الجودة العالية إلى خسارةٍ محققة.

سوقٌ يئنّ

ليس من السهل على أي منتج أن يخسرَ مُنتَجه على حاجز عسكري، أو أن يظلّ عاجزاً عن بيعه لأيّ سببٍ كان. هذه الخسارة لا تقاس بقيمتها المادية فحسب، بل بالجهد الذي بُذل في إنتاجها. فالإنتاج السوري من النبيذ، وفق حيّان ملحم، من قرية “أبو حكفة” شرق حمص، وهو مزارعٌ ومنتجٌ للعرق والنبيذ “ليس مجرد أرقام، بل جهدٌ هائل يبذله مزارعون يكافحون عوامل الطبيعة والواقع الأمني المستجدّ عليهم في آنٍ معاً”.

تبلغ تكلفة إنتاج اللتر الواحد من النبيذ، بما في ذلك ثمن الزجاجات الفارغة، بين 2-5 دولار، ويباع ما بين 5-10 دولارات للنوعية الممتازة. عموماً، عملية عصر النبيذ مربحة اقتصادياً، لكنّ عملية النقل لوحدها تضيف “هديك الحسبة” بعد تحرير أسعار الوقود. ويضيف: “هناك انخفاضٌ في الطلب المحلي على النبيذ وارتفاعٌ في أسعار المواد الأولية (العنب) نتيجة ارتفاع تكاليف الزراعة نفسها، ما أدى هذا العام إلى انخفاض إنتاج النبيذ مقارنةً بالمنتجات الغذائية الأخرى مثل عنب المائدة المستخدم للأكل أو لصناعة المربيات”.

يخزّن حيان منتجه من النبيذ أحياناً للتعتيق ولكنّ البيع عمليةٌ أساسية، والمشكلة تكمن في نقله خارج المحافظة حيث فرض الواقع الأمني المستجد في العديد من المناطق تراجعاً في كميات النبيذ المباعة وفق شهادة حيّان وشهادة قدسية. يقول حيّان إنّ “عدم الإحساس بالأمان دفعنا إلى تخزين الإنتاج.. نحن ننتظر أن تتوضح الأمور في البلد ومع ذلك قمنا بتنزيل أسعار النبيذ بحيث أن بيدون نبيذٍ أصليّ 10 كيلو (10 لتر) يُعرض للبيع ب 30 دولاراً دون كثير بيع”.

غشّ النبيذ

ويميل مستهلكو النبيذ إلى شرائه من مصادر موثوقة، سواءٌ أكان إنتاجاً محلياً لصانع نبيذٍ له سمعته الحسنة، أم إنتاج شركةٍ لها تاريخها الموثوق في السوق. صفر النبيذ الأحمر كما يقول صاحب ماركة “أنكيدو”، عدنان: “سنةٌ كاملة من التعتيق كي يصبح مقبولاً للشرب، الشغل الأصليّ يخزّن في خزانات كروم عاماً كاملاً. عدا ذلك فإنّ النبيذ لا يُشرب”.

إلا أنّ هذا الميل يصطدم اليوم في السوق السورية بصعوبة تمييز الأصليّ من المغشوش. “ليس من الصعب غشّ النبيذ وتحديداً الحلو” يقول عدنان موضحاً: “90 بالمائة ماء مع قليلٍ من الكحول والمنكهات والسكّر المحروق وسدادةٍ من الفلين وعبوة زجاجية عليها لصاقة ماركةٍ مشهورة وخلصت عملية الغش”. يؤكد صاحب ماركة “أنكيدو” أنّ أغلب النبيذ الحلو في السوق محلّى بالقطر.

يقع المستهلكون ضحية هذا التزوير، وأحياناً أصحاب المحلات. يروي لنا جميل خوري، صاحب محلّ مشروبات في منطقة الرمل الشمالي (اللاذقية)، أنّ التزوير شغّالٌ على قدمٍ وساق، والعروض من المنتجين الوهميين كثيرة، ولذلك يرفضها كمحلٍّ له سمعةٌ وتاريخٌ يمتد لأكثر من عشرين عاماً. “في الفترة الأخيرة بات تواصلنا فقط مع منتجين ثقاتٍ في حمص وريف اللاذقية، أي علامات تجارية معروفة وموثوقة ولا نتعامل مع موزعين غير معتمدين”.

لعل النوع الوحيد في سوريا الذي لم يطَله الغش حتى الآن هو نوعٌ ينتج في بلدة دير توما في منطقة هضبة عرامو. ماركة (بارجيلوس) التي هي أشهر علامة نبيذ سوري في العالم، بشهاداتٍ عالمية. نجاة هذه الماركة من الغشّ نابعٌ من كونها تصدّر خارج البلاد دون حضورها بشكلٍ واسع في السوق المحلية، ولكنها تعاني في نقل إنتاجها خارج البلاد، حسب أصحابها من آل سعادة الذين نقلوا معاناتهم إلى الصحافة العالمية عدة مرات خلال حقبة الأسد دون تغييرٍ في واقعهم حتى الآن.

الطرقات مسكّرة بوجه القطاع العام

تجربة نبيذ بارجيلوس المميزة لم تكن الوحيدة في سوريا التي حققت حضوراً عالمياً. ربما من المفاجئ أنّ نبيذ الريّان والميماس وهما من إنتاج القطاع العام السوري، كانا حاضرين في بعض أسواق العالم. ولكنها اليوم باتت أمام مفترق طرقٍ حقيقيّ مع توقف هذه المعامل في السويداء وحمص.

مصدرٌ من إدارة معمل السويداء تحدّث، بشرط عدم الكشف عن هويته، عن “أن السلطات في دمشق تتبع سياساتٍ تتسم بالعشوائية الاقتصادية، وهي لا تفكّر بتجديد آلات الشركة بعد نحو نصف قرنٍ من خدماتها للقطاع الزراعي منذ 1968، مضيفاً: “مشاكل المزارعين مع الإدارات المتعاقبة للمعمل تمثّلت في تأخر دفع أثمان العنب. هذا العام جرى تسليم جزءٍ من الأثمان بعد مفاوضاتٍ مع الإدارة ولكن قسماً منها لم يتمّ دفعه حتى الآن بسبب توقف المعمل عن الإنتاج”. توقُّف المعمل يدفع المزارعين للتوقّف عن زراعة العنب وهذا سيؤدي إلى تناقص الإنتاج وإهمال الحقول.

يشير الصحفي ضياء الصحناوي إلى أنّ مهرجان النبيذ، الذي كان يقام في صلخد كل عام، لن يكون حاضراً هذا العام مضيفاً: “هناك إنتاجٌ مكدّس وليس من سبلٍ للتصريف حالياً خارج المدينة الصغيرة وريفها. ينطبق الحال على صناعة العرق كما النبيذ”.

تحدٍّ اقتصاديٌّ سوري

يشير عدنان سليمان إلى “أنّ إهمال النبيذ السوري يعود إلى عدة عوامل منها عدم انتشاره في الخارج وعدم دخول أنواع عنبٍ جديدة في الزراعة. والأهمّ، رداءة النبيذ السوري نتيجة التلاعب بمواصفاته ورداءة بعض أنواع العنب المستخدم في الصناعة. وكذلك إهمال نظام البعث لهذا القطاع الزراعي الصناعي الهام”.

لا يُتوقع أن تختفي العوامل السابقة بسرعةٍ مع تغيّر النظام السياسي في سوريا. على العكس، يُتوقع ظهور معوقاتٍ جديدة أقله خلال الأعوام القليلة التالية، خاصةً مع احتمال انتشار تياراتٍ متشددة في بعض الأماكن المختلطة في البلاد ومنها مناطق بيع النبيذ والكحول.

مشاكل صناعة النبيذ لا تتعلق فقط بقضية كونها من المشروبات الروحية بقدر ما ترتبط بكونها نموذجاً مصغراً لإشكالية الاقتصاد السوري الأوسع، حيث تربط هذه الصناعة سلاسل إنتاج متكاملة. والعمل على تطويرها، أو حتى عدم التدخل في شؤونها وتركها تعيد بناء نفسها، يعني الحفاظ على عمل آلاف العائلات وعلى إرثٍ زراعيٍّ عريق، والمساهمة في إحياء اقتصادٍ يحتاج إلى دفعةٍ إلى الأمام بعد خمسة عشر عاماً على الحرب.

حكاية ما انحكت

———————————

الجمعيات السكنية في سورية… مشاكل قبل سقوط النظام وبعده/ نور ملحم

30 ديسمبر 2025

كانت أسر سورية كثيرة، ناشئة أو محدودة الدخل، ترى في نظام الجمعيات السكنية حلماً لامتلاك منزل سكني يغني عن الإيجار وأضراره المالية والاجتماعية، لكن تلك الجمعيات اتّسمت في عهد النظام السابق بفشلٍ كبير في عملها، إضافة إلى الفساد بالانتفاع بها، والمحسوبية في اختيار مكتتبيها.

لكن أساس تلك الجمعيات لا يزال حاضراً، وهو ملف ينتظر مكتتبون كثيرون حلّه وإنصافهم.

في أحد أحياء دمشق القديمة، يجلس موسى الفرا، مهندس مدني في أواخر الثلاثينيّات، أمام نافذة منزله المستأجر، يراقب الأبنية المتهالكة في الشارع الذي نشأ فيه. منذ أكثر من عشرين عاماً، بدأ موسى دفع أقساطه في جمعية سكنية على أمل تأمين شقة صغيرة له ولزوجته وأطفاله، لكن الأحلام تبخّرت مع مرور السنوات، واختفى المكتب الرئيسي للجمعية من دون أي تفسير، تاركاً وراءه مدّخرات ضائعة وحياة مؤجلة لا تعرف الاستقرار.

كان موسى يعمل ساعات طويلة في مشاريع بناء متنوعة، ويحاول جمع مدّخراته لتغطية مقدم الشقة، وكان يتواصل مع أعضاء آخرين من الجمعية، بينهم مهندسة تُدعى ياسمين، جميعهم كانوا يطمئنون بعضهم بعضاً بأنّ المشروع سينطلق قريباً. لم تجلب الاجتماعات نصف الشهرية أي تقدم، والوعود تلاشت، لتصبح سنوات الانتظار عبئاً نفسياً ومادياً كبيراً على موسى وعائلته.

مكتتبون خارج البلاد

سارة تركماني، مهندسة مدنية في أواخر العشرينيّات، اكتتبت في جمعية سكنية عام 2010 على أمل الحصول على شقة توفر لها ولعائلتها استقراراً بعد سنوات من النزوح والتنقل بين مدن سورية مختلفة. بعد فترة وجيزة، اضطرّت للسفر إلى الخارج، تاركة ملفها مفتوحاً لدى الجمعية. ما إنْ ابتعدت عن البلاد، حتى أغلقت الجمعية أبوابها فجأة، وفصلت المكتتبين المغتربين بحجة “عدم الوجود لتوقيع العقود النهائية”.

فقدت سارة كل مدّخراتها، وحُرمت من أي وسيلة قانونية فعّالة لاسترداد حقوقها. تقول سارة لـ”لسورية الجديدة”: “دفعت كل أقساطي على أمل الحصول على وحدة صغيرة توفّر لي ولأسرتي حياة مستقرّة، لكن كل شيء تبخر بين يديّ، وبات الحلم بعيداً جداً”.

تفيد التقارير بأن أكثر من 15% من المكتتبين في الجمعيات السكنية كانوا خارج البلاد في وقت إغلاقها أو تعثّرها، ما جعلهم بلا حماية قانونية أو إمكانية لاسترداد أموالهم، وترك آلاف الشباب المغتربين في مواجهة فقدان مدخراتهم وأحلامهم.

البحث عن الاستقرار

سعيد الحمود، شاب في الخمسينيّات من ريف دمشق، سجل في جمعية سكنية عام 2005، آملاً أن يحصل على وحدة يمكن تأجيرها لتأمين دخل إضافي يدعم أسرته الصغيرة. دفع جميع الأقساط بانتظام، وكان يحضر الاجتماعات الدورية لمتابعة تقدم المشروع، لكنه اكتشف بعد سنوات أن المشروع لم يُنفذ بالكامل، وأن جزءاً كبيراً من الأموال أُهدر بسبب سوء الإدارة والفساد المالي.

يصف الحمود شعوره بالإحباط، وقال لـ”سورية الجديدة”: “كان كل حلمي أن أمتلك وحدة سكنية تساعدني على الاستقرار وتأمين دخل لعائلتي. وبدلاً من ذلك، شعرت بالعجز والخيانة. كل ما دفعته أصبح مجرد أرقام على ورق، وحلمي بحياة مستقرة أصبح بعيد المنال”، توضح هذه التجربة كيف أثر ضعف الرقابة الإدارية والفساد المالي على الشباب الباحثين عن فرص للاستثمار السكني، وكيف أن الفجوة بين الطموح والواقع يمكن أن تقود إلى تراجع الثقة بالقطاع ككل.

عائلات كثيرة تنتظر منذ عقود

اكتتبت عائلة في حمص في جمعية سكنية عام 2003، بدفع أقساط منتظمة سنوات، على أمل الحصول على وحدة تكفي أسرة من ستة أفراد. ومع مرور العقدين، لم تتسلّم أي وحدة، وواجهت أعذاراً متكرّرة عن تراخيص مفقودة وتأخيرات بسبب “مشكلات مالية للجمعية”، وقال أحد أفراد الأسرة لـ”سورية الجديدة”: “كنّا نعتقد أن المدفوعات ستؤمّن لنا حياة مستقرّة. وبعد 20 عاماً، كل شيء ما زال مجرّد وعود، وأصبح الإيجار يلتهم جزءاً كبيراً من دخلنا، بينما نعيش على أمل قد لا يتحقق أبداً”.

تعكس هذه الوقائع التي تتكرر في مختلف المحافظات في سورية حجم الأثر النفسي والاجتماعي لتراكم إخفاقات الجمعيات السكنية، خصوصاً على الأسر الكبيرة وذوي الدخل المحدود، الذين كانوا يعتمدون على هذه المشاريع لتوفير حياة مستقرّة لأولادهم.

الواقع القانوني والإداري للجمعيات السكنية

بالإضافة إلى محدودية برامج القطاع، التي غالباً ما أسفرت عن نتائج دون التوقعات، شهد القطاع بين عامَي 2003 و2024، بحسب تقارير حكومية، تجاوزات قانونية ومخالفات إدارية وفساداً مالياً ومحسوبيات، ما أدّى إلى حل الاتحاد العام للتعاون السكني في ديسمبر/ كانون الأول 2019 ونقل مسؤولية الإشراف على الجمعيات السكنية إلى وزارة الأشغال العامة والإسكان.

وفقاً للوزارة، كان سبب الخطوة ترهّل أداء القطاع وازدياد حجم أخطائه، وما نتج عن ذلك من مشكلات وقضايا حققت فيها محاكم مختصة ولجان تفتيش حكومية، رغم محاولات طمأنة المواطنين بحقوقهم.

تشير التقارير الرسمية الصادرة عن وزارة الأشغال والتعمير إلى وجود نحو 3248 جمعية سكنية، ينتسب إليها حوالى مليون مكتتب، بلغت مدفوعاتهم 65.3 مليار ليرة في حلب، و41.4 مليار ليرة في ريف دمشق، و37 مليار ليرة في حمص، ومليار ليرة في بقية المحافظات، فيما بلغت قيمة الأراضي التي اشتُريت 25.6 مليار ليرة في دمشق، و6.3 مليارات في ريف دمشق، و1.2 مليار في حلب. ورغم هذه الموارد، لم يجرِ تنفيذ سوى عدد محدود من الوحدات، الأمر الذي جعل المكتتبين ضحايا تراكم أخطاء القطاع سنوات طويلة.

كان متوسط العجز السكني السنوي قبل العام 2011 نحو 130 ألف وحدة، وهو الفارق بين الطلب السنوي على المساكن والمعروض من الوحدات السكنية المنجزة، فيما لم يلبِّ القطاع الاجتماعي والتعاوني أكثر من 20% من الطلب حتّى في سنوات الإنتاجية العالية بين 2005 و2010.

عانت تجربة الإسكان الاجتماعي والتعاونيات السكنية، منذ انطلاقها، من ضعف الاستجابة لأزمة السكن، وغياب رؤية بعيدة المدى، وبطء تنفيذ المشاريع وسوئه، وارتفاع رسوم تطوير المنتج النهائي، وتعدّد التشريعات القانونية وتعقيدها، وهو ما جعل غالبية ذوي الدخل المحدود محرومين من فرصة امتلاك منزل.

الجمعيات في مرحلة ما بعد الأسد

يرى الخبير العقاري محمد عبد القادر أن الجمعيات السكنية، رغم ما واجهته من إخفاقات، تلعب دوراً محورياً في تمكين الشباب المقبلين على الزواج والعائلات الصغيرة من الحصول على مسكن بأسعار مقبولة، ما يجعلها “أداة أساسية لتحقيق الاستقرار الأسري والاجتماعي في المجتمع السوري، إذ تساهم في سدّ جزء كبير من الفجوة السكنية التي يعجز القطاع الخاص عنها”. وقال عبد القادر لـ”سورية الجديدة”: “استعادة الثقة بالجمعيات وتفعيل برامجها على نحوٍ شفاف يمكن أن يوفّر آلاف الوحدات السكنية كل عام، ويمنح الشباب فرصة تأسيس أسرهم دون الانغماس في أزمات الإيجارات أو ارتفاع الأسعار الجنوني”، وأفاد بأنّ “الجمعيات السكنية ليست مجرّد مشاريع عقارية، بل أدوات لإعادة النسيج الاجتماعي وتحقيق التنمية المحلية المستدامة، إذ تعزّز استقرار الأسر وتقلل من النزوح الداخلي، كما أنها توفر فرصة للمستثمرين المحليين لتطوير مشاريع متكاملة، تساهم في تحسين البنية التحتية وخلق مجتمعات عمرانية متجانسة”.

وأوضح عبد القادر أنّ النجاح الحقيقي للجمعيات السكنية يعتمد على وجود إطار تنظيمي واضح، وإشراف حكومي فعّال، وتطبيق معايير الشفافية المالية والإدارية، وهو ما يضمن حماية أموال المكتتبين واستمرارية المشاريع، بالإضافة إلى ضرورة تعزيز الشراكات بين القطاع العام والخاص لإعادة إحياء المشاريع المتعثرة وتحقيق الاستفادة القصوى منها.

ويرى الخبير الاقتصادي، إبراهيم نافع قوشجي، أنّ الجمعيات السكنية في مرحلة ما بعد الأسد تمثل أداة استراتيجية لإعادة بناء الحياة الاجتماعية والسكنية في سورية، موضحاً أن هذه الجمعيات تمنح الشباب والعائلات فرصة تأسيس حياة مستقرّة بأسعار معقولة، وتخفّف الضغط على سوق العقارات والإيجارات، وهو ما يسهم مباشرةً في تحسين الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وقال قوشجي لـ”سورية الجديدة”: “نجاح الجمعيات يعتمد على إشراف حكومي فعّال، وتفعيل الشراكات بين القطاعَين العام والخاص، لضمان تمويل كافٍ لإنجاز المشاريع المتعثرة وتسريع وتيرة التنفيذ. الجمعيات يمكن أن تكون محفزاً اقتصادياً مهماً، إذ توفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في قطاع البناء والمواد الأولية، وتساهم في تنشيط الأسواق المحلية للمقاولات والمواد الإنشائية، ما يعيد الحيوية للاقتصاد المحلي”، متابعاً: “كما تساهم في إعادة توزيع السكان إلى مناطق عمرانية متكاملة، ما يعزز الاستقرار الاجتماعي والخدمات العامة، ويقلل الضغط على المدن المتضرّرة”.

وأضاف: “الاستثمار في الجمعيات السكنية لا يقتصر على المباني نفسها، بل يشمل إعادة النسيج الاجتماعي وتحفيز النشاط الاقتصادي المحلي، لتصبح نموذجاً مستداماً للعيش الحضري المتوازن. من خلال الجمعيات، يمكن خلق بيئة مناسبة للشباب لتأسيس أسرهم، وتوفير مساكن بأسعار عادلة، وبالتالي تقليل الاعتماد على الإيجارات المرتفعة والتخلص من أثر التضخم على الطبقات الفقيرة والمتوسطة”.

جهود الحكومة وإعادة الهيكلة

عقب سقوط النظام السابق، شكلت الحكومة الجديدة لجنة لدراسة واقع الجمعيات التعاونية السكنية للتحقّق من الشكاوى المقدّمة من المكتتبين، واتخاذ إجراءات لضمان حقوقهم، بما في ذلك تحرير حسابات الجمعيات في المصارف، واتخاذ إجراءات قانونية ضد الجمعيات المخالفة، ومحاسبة المسؤولين عن الفساد المالي والإداري. وأوصت اللجنة بإعادة هيكلة مديريات التعاون السكني في المحافظات، وتعزيز كوادرها البشرية، وتأسيس مكتب شكاوى خاصاً بالمكتتبين، ليكون منصّة رسمية لتلقي الشكاوى ومكافحة الغشّ والتجاوزات، بما يضمن إعادة الثقة في القطاع وتنشيط دوره أداةً لتنمية مجتمعية مستدامة.

وقال المدير العام لمؤسسة الإسكان أيمن المطلق، إنّ القطاع يمثل أحد الركائز الحيوية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في سورية، لكنه يواجه تحدّيات معقدة بسبب سنوات الحرب، وما خلفته من تدمير واسع للمناطق العمرانية والمشاريع المتعثرة.

وأوضح المطلق لـ”سورية الجديدة” أنّ المؤسّسة تعمل على إعادة تقييم المشاريع والعقود المتعثرة ضمن فريق متكامل يضمّ شركات إنشاءات ودراسات هندسية وإسكان وتعاون سكني، بهدف استكمال المشاريع القائمة وبناء ما جرى تدميره، موضحاً أن المشاريع تشمل إسكاناً اجتماعياً يستهدف ذوي الدخل المحدود، مع إمكانية التسديد على فترات طويلة، رغم ارتفاع التكاليف.

وأفاد المطلق بأن المؤسّسة تعمل على استكمال نحو 42 ألف وحدة سكنية، ويوجد أكثر من 84 ألف مكتتب، وقد جرى تخصيص 50% منهم من دون تسليم أي مسكن، مؤكّداً أن مشاركة المستثمرين المحليين والدوليين ستسهم في تسريع الإنجاز وضمان استفادة أكبر عدد ممكن من المواطنين الذين ينتظرون منذ أكثر من 20 عاماً لتأمين مسكن مناسب. موضحاً أن التحدّيات تشمل ترهل القطاع التعاوني، وضعف التنظيم في القطاع الخاص، وارتفاع تكاليف البناء، وتقلب أسعار الصرف، ونقص اليد العاملة المؤهلة، وضعف تقنيات بعض شركات المقاولات، وهي عوامل تجعل تنفيذ المشاريع مهمةً شاقة، لكنها أيضاً تمثل فرصاً لإعادة بناء القطاع واستثماره على النّحو الأمثل.

وأضاف المطلق أنّ المؤسّسة تسعى إلى إنشاء مجتمعات عمرانية متكاملة ومستدامة تشمل مرافق تعليمية وصحية وترفيهية، مع تطبيق معايير العمارة الخضراء وتحسين كفاءة الطاقة لضمان جودة المباني وتقليل مدة التنفيذ. وأن العمل لا يقتصر على بناء وحدات سكنية، بل يهدف إلى إعادة النسيج الاجتماعي وإعادة الاستقرار للمناطق المتضرّرة، وختم: “ندعو الشركات المحلية والدولية إلى الاستفادة من البيئة الاستثمارية الجاذبة في سورية لدعم المشاريع الإسكانية وتحقيق التنمية المستدامة. نحن نعمل على تحويل التحديات إلى فرص، بما يضمن توفير السكن للمواطنين وإعادة بناء المدن وخلق مجتمعات عمرانية متكاملة تضع الإنسان قبل العمران”.

يبقى الواقع أن ما جرى لموسى وسارة وسعيد ليس حالات منفصلة، بل تعكس تجارب آلاف السوريين الذين وقعوا ضحية خطط إسكان فاشلة خلال النظام السابق، واضطرّوا للانتظار عشرات السنوات بدون أي ضمانات، بينما تحاول الحكومة الحالية معالجة التراكمات، وضمان الشفافية والعدالة في قطاع الإسكان، وتوفير فرص استثمارية عادلة تعيد القطاع إلى مساره الصحيح، مع التركيز على دوره في تمكين الشباب والعائلات الصغيرة من تأسيس حياة مستقرّة، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والقطاع العقاري، ليصبح الركيزة الأساسية لتحقيق تنمية حضرية متكاملة في سورية.

العربي الجديد

———————————

العملة السوريّة الجديدة: الحاجة إلى ضبط التوقّعات والمخاوف

كانون الأول 30, 2025

‏يأتي طرح العملة السورية الجديدة بعد إطلاقها أمس في احتفال رسميّ رعاه فخامة الرئيس أحمد الشرع، كخطوة مفصلية في مسار إدارة القطّاع المصرفيّ والشأن النقديّ، لكنّها في الوقت ذاته خطوة محاطة بكثير من الأسئلة والتوقّعات.

‏ولعلّ أول ما ينبغي التوقّف عنده هو تصحيح الصورة الذهنية حول معنى استبدال العملة وحدوده، حتّى لا يتحوّل حدث تقنيّ وتنظيميّ في جوهره إلى مصدر هلع أو أوهام غير واقعية، وقد خصّص فخامة الرئيس حصّة معتبرة من مداخلته لشرح بعضها.

‏استبدال العملة لا يعني أبداً إعلان وفاة فورية للعملة القديمة، ولا يستهدف دفع المواطنين إلى التخلّص منها بسرعة أو بأيّ ثمن حتّى وإن تضّمنت صوراً تذكرهم بزمن الاستبداد وأوجاعه الثقيلة.

‏حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر حصرية أوضح بشكل لا لُبس فيه أن الليرة القديمة ما زالت صالحة للتداول، وأنّ عملية الاستبدال ستكون تدريجيةً وبهوامش زمنيّة مريحة حدّدها بثلاثة أشهر قابلة للتجديد، فترة تسمح للسوق وللناس بالتكيّف الهادئ مع الواقع الجديد.

‏الاندفاع لبيع العملة القديمة بأقلّ من قيمتها الحقيقية، أو تحويل المدّخرات عشوائياً إلى الدولار تحت ضغط الشائعات، لا يعكس حرصاً مالياً بقدر ما يعكس انفعالاً قد يضرّ بصاحبه قبل أن يضرّ بالاقتصاد كلّه.

‏في المقابل، لا يجوز تصوير العملة الجديدة بوصفها عصاً سحريّة قادرة بمفردها على حلّ مشكلات الاقتصاد، فالقوّة الشرائيّة للمواطن لن ترتفع فجأة لمجرّد تغيّر شكل الأوراق النقديّة، وسعر الصرف لن يتحسّن آلياً لأنّ فئات جديدة دخلت السوق.

‏ما يمكن توقّعه على المدى المباشر هو تسهيل وخدمة التّداول النقديّ: تخفيف مشاكل تلف الأوراق وانعدام ملاءمتها، تقليل تكاليف النقل والتخزين، وتبسيط التسويات اليوميّة بالليرة السورية، أمّا معالجة التضّخم، وخلق فرص العمل، وتحسين مستوى المعيشة، فتبقى رهناً بسياسات إنتاجٍ وتنميةٍ وإصلاحٍ ماليٍّ أوسع من أيّ خطوة نقديّة منفردة.

‏مع ذلك، لا يخلو طرح العملة الجديدة من بُعد رمزيّ ومعنويّ مهم، فالانتقال إلى ليرة جديدة يُتيح فرصةً لتجاوز رمزيّة مرحلة طويلة ارتبطت فيها العملة القديمة بأزمات ومعاناة وتراجع في القيمة والثقة.

‏هذه الخطوة يمكن أن تشكّل مدخلاً لإعادة بناء الثقة بالاقتصاد والقطّاع المصرفيّ، إذا ما رافقها إصلاح جديّ يُعيد للمصارف دورها الطبيعي في تمويل النشاط الاقتصادي وخدمة الأفراد والشركات، ويستفيد من ميّزة أساسية يملكها الاقتصاد السوريّ اليوم، وهي غياب الديون الخارجية المثقلة التي تكبّل القرار الوطني.

‏لكنّ الوجه الأكثر حساسية في هذا التحوّل يبقى في آثاره على العلاقات بين الناس: الديون، العقود، الإيجارات، المهور، والالتزامات المتبادلة. هنا لا يكفي الحلّ الإداريّ أو المحاسبيّ الذي يُمكن للدولة أن تعتمده في سجلاتها، بل تبرز الحاجة إلى مرجعيّة شرعيّة واضحة تضع قواعد عادلة للتعامل مع الديون والعقود السابقة في ضوء استبدال العملة.

‏ضمن هذا السياق جاءت خطوة مجلس الإفتاء بإصدار فتوى شرعية ملزِمة لتحديد كيفيّة السداد والاحتساب والتكافؤ بين القديمة والجديدة، لقطع الطريق على الاستغلال وسوء الفهم وتخفيف الكثير من احتمالات النزاعات مستقبلاً.

‏ما يحتاجه المواطن السوري اليوم، في لحظة طرح العملة الجديدة، هو قدر من الهدوء والعقلانيّة.. لا هلع يدفعه إلى التفريط بمدّخراته، ولا أحلام مبالغ فيها تنتظر انتعاشةً فوريّة.

‏العملة الجديدة خطوة تقنية لها أبعاد وطنيّة واجتماعيّة، وقد تتحوّل إلى بداية مسار تعافٍ أوسع إذا أحسن الجميع، دولةً ومؤسسات ومواطنين، التعامل معها بوصفها أداة لتنظيم السوق وتعزيز الثقة، لا سبباً لصناعة الخوف أو بيع الأوهام.

المصدر: الإخبارية

——————————-

العملة الجديدة.. محطة ضمن مسار إصلاحي طويل/ عبد الحميد غانم

ديسمبر 30, 2025    

بينما تستعد سوريا لإطلاق الليرة الجديدة بعد حذف صفرين، يقف الاقتصاد الوطني عند مفترق حاسم بين الورقة النقدية والواقع المالي.

فالإصدار الجديد ليس مجرد تبديل للأرقام، بل محاولة لاستعادة ثقة المواطنين والمستثمرين، وضبط السيولة الهاربة، وفتح صفحة جديدة نحو استقرار طويل الأمد.

وتتباين الآراء الاقتصادية حول هذه الخطوة، إذ يعتبرها بعض الخبراء بداية لاستقرار نقدي مستهدف، في حين يراها آخرون محطة ضمن مسار إصلاحي طويل ومعقد، حيث أن النجاح مرهون باستعادة الثقة والسيطرة على الكتلة النقدية الهائلة المتداولة خارج النظام المصرفي.

وبحسب حاكم مصرف سوريا المركزي، الدكتور عبد القادر الحصرية، يعد إصدار العملة الجديدة ثمرة عمل مؤسسي طويل ودقيق، استند إلى رؤية استراتيجية شاملة وطويلة الأمد لإعادة بناء النظام المالي السوري للوصول إلى قطاع مصرفي فعال وآمن، وتعزيز فاعلية السياسة النقدية، بما يسهم في تحسين البيئة الاقتصادية ورفع مستوى الثقة داخلياً وخارجياً.

وأضاف الحصرية أن الإصدار النقدي لا يعد إجراء شكلياً أو معزولاً، بل يمثل محطة محورية ضمن استراتيجية تقوم على أسس مؤسساتية راسخة، في مقدمتها ترسيخ الثقة بالمؤسسات الوطنية وتحقيق استقرار اقتصادي مستدام.

الاستقرار النقدي

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور زياد عربش، أن إطلاق العملة الجديدة “ليس إجراء شكلياً، بل بداية لاستقرار مستدام”، ويشير إلى أن هذه الرؤية تتمحور حول معالجة الاختلالات التاريخية، إذ تعتبر العملية فرصة لإصلاح أزمات سابقة مثل أزمة السيولة وارتفاع الكتلة النقدية غير المُدارة (14 مليار قطعة نقدية، تبلغ قيمتها 42 تريليون ليرة)، التي غذت التضخم لسنوات.

ويوضح عربش لصحيفة “الثورة السورية”، أن الإصدار الجديد مدعوم بـ26 طناً من الذهب كغطاء، ويتزامن مع استراتيجية شاملة للمصرف المركزي حتى 2030، التي ترتكز على خمس ركائز رئيسة: تحقيق الاستقرار النقدي، وإرساء سوق صرف متوازن وشفاف، وبناء مؤسسات مالية نزيهة وفعالة، وتعزيز التحول الرقمي الآمن والفعال، إلى جانب اعتماد مصادر تمويل وتدريب مستدامة تضمن التطوير المستمر للقطاع المالي.

وتعتمد الاستراتيجية أيضاً على إرسال إشارات قوية للمجتمع والأسواق، إذ تهدف العملية إلى تعزيز الثقة بالمؤسسات المالية الوطنية، وتهيئة الطريق للاندماج في المنظومة المالية العالمية من خلال إظهار عزم البنك المركزي على فرض سياسة نقدية أكثر انضباطاً، وفق عربش.

ويتطلب تحقيق هذه الركائز، بحسب حاكم المركزي، تحديث القوانين والأنظمة المالية وفق أعلى معايير الشفافية، وتطوير قواعد البيانات، ومواكبة التحولات الرقمية العالمية، إلى جانب اعتماد مصادر تمويل وتدريب مستدامة تضمن التطوير المستمر للقطاع المالي.

النجاح مرهون باستقطاب الثقة

ويتحدث الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمود محمد، حول التحديات العملية والأهداف غير المباشرة، موضحاً أن الهدف الأساسي غير المعلن هو استقطاب الكتلة النقدية الهائلة المتداولة خارج النظام المصرفي.

ويشير محمد إلى أن سحب هذه الأموال من التداول خارج القنوات الرسمية أمر حاسم لمكافحة جذور التضخم، وأن نجاح العملية لا يقاس فقط بالاستبدال التقني، بل بقدرتها على إعادة بناء الثقة بالمصارف والنظام النقدي، ما سيقود المدخرات نحو القنوات الرسمية ويُمكّن المصارف من تمويل الاقتصاد.

ويؤكد أن العملية “محطة ضمن مسار طويل” للإصلاح الاقتصادي الشامل، وأن التحدي الأكبر يكمن في “ترجمة هذه الخطوة التقنية إلى تعزيز ملموس لثقة المواطن والمستثمر”، ما يتوقف على نجاح السياسات النقدية والمالية المصاحبة في ضبط سعر الصرف ومنع المضاربات وضمان الاستقرار على المدى المتوسط والطويل.

التحديات والمخاطر

حذر الخبيران من مخاطر فشل التنفيذ، خاصة خطر التضخم المؤقت، إذ قد يؤدي أي إخفاق في السياسات المرافقة إلى ارتفاع مؤقت في الأسعار.

كما يشيران إلى أن نجاح الخطوة رهين بقدرة المؤسسة النقدية على الوفاء بوعود الإصلاح في ظل ظروف اقتصادية صعبة، واعتبار أن استعادة الثقة المفقودة عملية معقدة تتجاوز الجانب التقني.

ويقلل المركزي من “خطر التضخم”، إذ تعهد حاكم المصرف بالحفاظ على الكتلة النقدية بشكل جيد دون زيادة أو نقصان، وعدم الطباعة على المكشوف، وتوفير الليرة السورية في حال زيادة الطلب عليها مقابل القطع الأجنبي، وأضاف: “عيوننا على الأسواق بشكل جيد لضبط سعر الصرف، والأثر المباشر سيكون بعد استبدال العملة وسيلمسها المواطن”.

———————–

الكشف عن فئات العملة الجديدة.. الرئيس الشرع: بداية مرحلة يطمح إليها السوريون

ديسمبر 30, 2025    

الثورة السورية – عمار السقا – محمد الشيخ:

في خطوة تحمل دلالات تتجاوز الإطار النقدي، كشف السيد الرئيس أحمد الشرع، عن ست فئات من العملة السورية الجديدة (10 و25 و50 و100 و200 و500)، وذلك ضمن حفل رسمي في العاصمة دمشق، مساء الاثنين.

وتحمل العملة الجديدة رموزاً تمثل سوريا من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، في تعبير واضح عن وحدة الجغرافيا والهوية الوطنية.

وشملت هذه الرموز الوردة الشامية والفراشة على فئة 10 ليرات، والتوت والسنونو على فئة 25 ليرة، والبرتقال والصدفة على فئة 50 ليرة، والقطن والغزال على فئة 100 ليرة، والزيتون والحصان على فئة 200 ليرة، والقمح وعصفور الدوري على فئة 500 ليرة، في استعادة رمزية للذاكرة الاقتصادية والتاريخية السورية المرتبطة بالسلع الأساسية التي لطالما تميزت بها كل منطقة.

وأكد الرئيس الشرع في جلسة حوارية خلال الفعالية، أن حدث تبديل العملة يشكل عنواناً لأفول مرحلة سابقة “لا مأسوف عليها”، وبداية مرحلة جديدة يطمح إليها الشعب السوري، كما تتطلع إليها شعوب المنطقة المتأملة بالواقع السوري الحديث.

وأشار إلى أن ملف استبدال العملة استغرق نقاشات طويلة، مستنداً إلى تجارب عالمية متعددة في نزع الأصفار وتبديل العملات، لافتاً إلى وجود ست تجارب عالمية في هذا المجال، نجح نصفها ولم ينجح النصف الآخر، ما يعكس حساسية ودقة العملية في تحويل الحالة النقدية.

وشدد الرئيس الشرع على ضرورة توضيح المفاهيم المرتبطة بتبديل العملة، موضحاً أن تعديل الأصفار وحذف صفرين من العملة القديمة لا يعني بحد ذاته تحسين الاقتصاد، بل يهدف أساساً إلى تسهيل عمليات التداول والتعامل اليومي بالعملة.

وأضاف أن تحسين الاقتصاد السوري يرتكز على زيادة معدلات الإنتاج وخفض معدلات البطالة، مؤكداً أن أحد أهم أسس تحقيق النمو الاقتصادي يتمثل في تحسين الحالة المصرفية، لأن المصارف تمثل “شرايين الاقتصاد”.

مرحلة حساسة

حذر الرئيس الشرع من حساسية مرحلة التحول، مشدداً على أن العامل الأهم لنجاحها هو عدم حدوث حالة فزع بين المواطنين، وعدم التسرع في التخلص من العملة القديمة، مؤكداً أن كل من يحمل عملة قديمة سيحصل بدلاً منها على العملة الجديدة، ولا داعي للإلحاح على ذلك لما قد يسببه من ضغط على سعر صرف الليرة السورية.

ودعا إلى التحلي بالهدوء خلال عملية الاستبدال، موضحاً أن مصرف سوريا المركزي وضع جدولاً زمنياً محدداً لتنفيذ العملية، بما يضمن انسيابها من دون آثار سلبية على السوق.

وأكد أن ثقة المواطن بالليرة السورية تشكل جزءاً أساسياً من الثقة بالاقتصاد السوري، الذي تعرّض لأضرار كبيرة خلال السنوات الماضية، لا سيما في القطاع المصرفي، إضافة إلى الارتفاع الكبير في سعر الصرف، ما أدى إلى تراجع الثقة بالليرة ولجوء المواطنين إلى اكتنازها في المنازل بعيداً عن المصارف.

تصميم يعكس الهوية الوطنية

أشار الرئيس الشرع إلى أن تصميم العملة الجديدة يعكس الهوية الوطنية الجديدة، ويبتعد عن تقديس الأشخاص، بالتركيز على رموز واقعية مرتبطة بسوريا، مؤكداً أن الأشخاص يذهبون ويأتون بينما تبقى الدولة وقيمها.

وأضاف أن العملة الجديدة ستسهم في تسهيل عمليات البيع والشراء، وتقليل الاعتماد على الدولار، وتعزيز الثقة بالاقتصاد السوري على المدى الاستراتيجي، مشدداً على ضرورة ترسيخ ثقافة جديدة خلال مرحلة التبديل تقوم على تجريم المضاربات الوهمية التي يقوم بها بعض المنتفعين، وتوفير السيولة بشكل تدريجي لا يفاقم معدلات التضخم.

ولفت إلى أن تصميم العملة استعاد الذاكرة التاريخية السورية للسلع الأساسية المتوفرة في البلاد، في إشارة إلى عمق الهوية الاقتصادية الوطنية.

وختم الرئيس الشرع بالتأكيد أن الاقتصاد السوري يسير حالياً بخطوات مركزة، وجرى وضع أسسه خلال العام الماضي، مع الحاجة إلى استكمال بعض مراحل التأسيس، على أن تظهر ثمار هذه الجهود تدريجياً، معبّراً عن ثقته الكبيرة بالاقتصاد السوري، المستمدة من الموقع الجيوسياسي المهم لسوريا، ومن الإقبال المتزايد الذي أبدته الدول الإقليمية والعالمية تجاهها.

حاكم “المركزي”: تبديل العملة إجراء تقني

من جهته، أكد حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر الحصرية، أن عملية تبديل العملة لن يكون لها أي تأثير في سعر الصرف، مشيراً إلى أن المصرف سيطلق حملة إعلامية شاملة خلال الأيام القادمة لمواكبة العملية وشرح تفاصيلها للمواطنين.

وخلال جلسة حوارية أقيمت ضمن حفل إطلاق العملة السورية الجديدة، أوضح الحصرية أن رؤية المصرف المركزي تقوم على أن يكون “الركيزة الوطنية للاستقرار”، وضمن هذه الرؤية جاء قرار استبدال العملة، باعتباره إجراء تقنياً بحتاً لا يغيّر من القيمة الحقيقية للعملة، وإنما يقتصر على حذف صفرين.

وبيّن أن الهدف الأول من تبديل العملة هو تبسيط الإجراءات وتسهيل حياة المواطنين، إلى جانب إحداث قطيعة مع رموز الماضي “المهترئة”، في حين يتمثل الهدف الثاني في ضبط الكتلة النقدية وحصر القيمة المتداولة فعلياً في السوق.

وأشار الحصرية إلى أن المصرف المركزي استفاد من تجارب دولية ناجحة في مجال استبدال العملة، ولا سيما التجربتين الفرنسية والألمانية، اللتين جاءتا عقب انتهاء حروب أو تحولات سياسية كبرى، مؤكداً أن هذه الخبرات ساهمت في صياغة النموذج السوري الحالي.

ولفت إلى أن المصرف المركزي تسلّم مهامه في ظروف “كارثية” نتيجة ممارسات النظام المخلوع، إلا أنه، ورغم حجم التحديات، تمكن من تحقيق حالة من الاستقرار، ويواصل العمل على ترسيخها.

وأكد الحصرية حرص المصرف على تحقيق الاستقرار النقدي من خلال إعداد نظام مصرفي سليم، وبناء نظام مدفوعات مرقمن وشامل، معتبراً أن العملة الجديدة ستوفر أدوات أفضل لتنفيذ السياسات النقدية بكفاءة.

وشدد على أن تبديل العملة لن يؤثر في سعر الصرف، بل من المتوقع أن يسهم في تعزيز الاعتماد على الليرة السورية في التعاملات اليومية، بما يحد من ظاهرة الدولرة.

وأوضح أن عملية تبديل العملة ستتم خلال فترة 90 يوماً قابلة للتمديد عند الحاجة، بما يساعد على الحفاظ على استقرار الأسعار، مؤكداً أن التسعير خلال هذه المرحلة الانتقالية سيكون بالعملتين القديمة والجديدة معاً.

وجدد الحصرية التأكيد على أن حملة إعلامية متكاملة سترافق عملية تبديل العملة، بهدف توضيح آلياتها والإجابة عن تساؤلات المواطنين، بما يضمن انتقالاً هادئاً ومنظماً في المرحلة المقبلة.

دلالات الرموز على العملة السورية الجديدة

قدمت العملة الوطنية الجديدة قراءة بصرية للهوية السورية بامتدادها الجغرافي والإنساني، من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن ساحلها إلى باديتها، فقد جاء تصميمها معتمداً على رموز مستمدة من الطبيعة والحياة اليومية، بما يعكس تنوّع البيئات السورية وتكاملها، بعيداً عن التكلف أو الرمزية المغلقة.

وقدّمت هذه الرموز، البسيطة في شكلها والقريبة من وجدان المواطن، سرداً بصرياً يوحّد الجغرافيا بالموروث الثقافي والإنتاجي، ويجعل من العملة أداة تعبير عن الحياة السورية بكل تفاصيلها، لا مجرد وسيط للتداول الاقتصادي.

من الورد إلى القمح

حملت فئة العشر ليرات وردةً شامية التي لطالما كانت رمزاً تاريخياً لمدينة دمشق، ويعبر وجودها عن دلالات حضارية وثقافية تشير إلى عراقة المكان واستمرارية الحياة، كما توحي بالجمال والصمود، لا سيما أن الورد الجوري الدمشقي يُعرف باستمراره رغم الظروف القاسية.

وإلى جانب الوردة الشامية، جاءت الفراشة التي ترمز إلى الحياة والتجدد، وتشير إلى الاستمرارية والأمل، خاصة عند اقترانها بالزهور، ويعزّز حضورها في هذه الورقة النقدية البعد الجمالي الطبيعي، مقابل الرموز الهندسية والرسمية، بما يحقق توازناً بين الصلابة والليونة.

ويظهر الجمع بين الوردة الشامية والفراشة رسالةً بصرية متكاملة، إذ تمثّل الأولى الجذور والهوية، بينما ترمز الثانية إلى الحركة والنمو، وبالتالي يتحقق توازن بين الأصالة والاستمرار من جهة، والتجدد والأمل من جهة أخرى.

أما فئة الخمس والعشرين ليرة، فقد حملت رمز التوت الشامي، الذي يُعدّ من المكونات الطبيعية والتراثية المرتبطة بدمشق وريفها، ويرمز إلى الارتباط بالأرض، وإلى البساطة والاستمرارية بوصفه محصولاً قريباً من الناس.

وعلى الجانب الآخر، جاء طائر السنونو، وهو رمز للعودة والبدايات الجديدة، إذ يرتبط هذا الطائر بمواسم الهجرة والرجوع، وبالتالي فإن وجوده يحمل دلالة على الأمل والتجدد والحياة، فضلاً عن كونه طائراً حراً مسالماً وقريباً من بيوت السوريين.

ويشير الجمع بين الرمزين إلى مشهد الحياة المتجددة، فالتوت يرمز إلى الأرض والاستقرار، بينما يرمز السنونو إلى الهجرة والعودة، في رسالة بصرية تعبّر عن التجدد المرتبط بالجذور.

في المقابل، حملت فئة الخمسين ليرة رمزين، أولهما البرتقالة التي ترمز إلى أحد أهم المحاصيل في الساحل السوري، وتعبر عن العطاء والاستمرارية الاقتصادية، إذ يُعدّ محصول الحمضيات من الركائز الأساسية التي يعتمد عليها السكان في اللاذقية وطرطوس، كما يحمل وجودها بعداً يعكس الإنتاج والعمل اليومي.

كما حملت هذه الفئة الصدفة التي ترمز إلى البحر المتوسط، وتشير إلى الحماية والاحتواء، لا سيما أن الصدفة تخفي ما بداخلها وتحفظه.

وبشكل عام، يجسّد الجمع بين الحمضيات والصدفة الهوية الطبيعية والاقتصادية للساحل السوري، ويربط هذه الفئة النقدية بمصادر رزق السكان والبيئة المحلية.

أما فئة المئة ليرة، فقد حملت القطن الذي يرمز إلى المنطقة الشرقية في سوريا بوصفها الحاضنة الأساسية لهذه الزراعة، ويشير وجوده إلى الدور الزراعي والاقتصادي لتلك المنطقة، فضلاً عن دلالته على العمل والاستمرارية.

وعلى المقلب الآخر، جاء الغزال رمز الحرية والرشاقة، ويشير حضوره على هذه الفئة النقدية إلى الحياة البرية والتنوع البيئي، لا سيما البيئة المفتوحة للبادية والشرق السوري.

ويحمل وجود هذين الرمزين دلالة مشتركة، فإلى جانب تمثيل هوية المنطقة الشرقية، يشيران إلى الإنسان المنتج المرتبط بالأرض والزراعة، وإلى الطبيعة الحية التي تشكّل جزءاً من المشهد الجغرافي والثقافي.

أما فئة المئتي ليرة، فقد تضمّنت الزيتون الذي يشكّل محصولاً رئيساً في شمال سوريا وغربها وجنوبها، ولطالما ارتبطت هذه الشجرة بدلالات السلام والصمود والاستمرارية، إضافة إلى البقاء والعمل طويل النفس.

كما حملت هذه الفئة صورة الفرس العربي، الذي يرمز إلى القوة والأصالة والجمال، ويرتبط بالبادية السورية والتاريخ العربي عموماً.

ويشير الجمع بين الزيتون والفرس إلى التوازن بين الجذور والحركة؛ فالزيتون يرمز إلى التشبث بالأرض، بينما يجسّد الفرس الحرية والانطلاق.

أما فئة الخمسمائة ليرة، فقد حملت القمح، بوصفه المحصول الاستراتيجي الأهم في سوريا، والذي يعبّر عن مختلف محافظاتها، ويعكس هذا الرمز بعداً اقتصادياً واجتماعياً، لا سيما أنه نتاج عمل الفلاحين وركيزة أساسية للمعيشة في البلاد.

كما حملت هذه الفئة صورة عصفور الدوري، الطائر المألوف في المدن والأرياف السورية، والذي يرمز إلى الحياة البسيطة والقدرة على التكيّف مع مختلف البيئات والظروف، ويحمل وجوده بعداً جمالياً، لا سيما أنه معروف بصوته المميّز.

ويعبّر الجمع بين القمح وعصفور الدوري عن ثنائية الاستمرارية والاعتماد على الذات في العيش اليومي، فالقمح يمثل أساس الغذاء والعمل الزراعي، بينما يمثّل الدوري الإنسان البسيط وحياته القريبة من الأرض.

عناصر جامعة

في المحصلة، تكشف العملة الوطنية الجديدة عن توجه بصري يستند إلى الطبيعة والإنتاج والحياة اليومية بوصفها عناصر جامعة للهوية السورية، فمن خلال رموز مستمدة من الأرض والبيئة والإنسان، تعكس هذه الفئات تنوّع الجغرافيا والاقتصاد والثقافة، وتربط النقد بالذاكرة المحلية والمعيشة الواقعية للمواطن.

وبذلك، تتحول العملة من مجرد أداة للتداول إلى مساحة رمزية تعبّر عن سوريا بكل محافظاتها، وتقدّم سرداً بصرياً يوحّد بين الجذور والاستمرارية، ويجعل من البساطة والاقتراب من الحياة اليومية جوهر هذا الإصدار الجديد.

————————–

 مصرف سوريا يلزم المواطنين بإجراءات جديدة عند استبدال الليرة

عملية الاستبدال ستبدأ في الأول من يناير 2026 وتستمر لمدة 90 يوماً قابلة للتمديد

الرياض – العربية

29 ديسمبر ,2025

أعلن مصرف سوريا المركزي عن الضوابط الواجب اتباعها من قبل المواطنين والمتعاملين عند تقديم الأوراق النقدية القديمة من الليرة السورية إلى الجهات المعتمدة لاستبدالها بالأوراق النقدية الجديدة، وذلك في إطار التحضيرات الجارية لعملية الاستبدال المقبلة.

وأوضح المصرف أن هذه الإجراءات تهدف إلى تسريع وتبسيط عملية الاستبدال بالتنسيق مع جميع الجهات المعنية، مشدداً على أهمية الالتزام بالترتيب الصحيح للأوراق النقدية على شكل رزم، بحيث تضم كل رزمة أوراقاً من الفئة نفسها والإصدار نفسه، وألا يتجاوز عدد القطع في كل رزمة 100 ورقة نقدية.

وبيّن المصرف أن على المتعاملين ترتيب الأوراق النقدية بشكل متماثل بحيث يكون الوجه للأعلى في جميع الرزم، فيما يتوجب فرز الأوراق النقدية التالفة في رزم مستقلة وفق الضوابط ذاتها مع تقديم ما يثبت أنها تالفة، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

رسمياً.. مصرف سوريا المركزي يعلن التفاصيل الكاملة للعملة الجديدة

اقتصاد اقتصاد سوريا رسمياً.. مصرف سوريا المركزي يعلن التفاصيل الكاملة للعملة الجديدة

وأكد المصرف أن الالتزام بهذه التعليمات يسهم في توفير الوقت والجهد على المواطنين والجهات المعنية، ويعزز التعاون اللازم لإنجاح عملية الاستبدال وضمان سيرها بسلاسة وسرعة.

66 شركة وألف منفذ

وأعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية أنه سيكون هناك سهولة ومرونة في تبديل العملة الوطنية الجديدة المتمثلة بالليرة السورية، حيث سيتم الاستبدال عبر 66 شركة وألف منفذ مخصص لذلك.

وقال الحصرية إن الفئات الجديدة من العملة السورية ستبدأ بست فئات هي: 5، 10، 25، 50، 100، و500 ليرة، بحيث تعادل الليرة الجديدة مئة ليرة قديمة، فيما تعادل الـ 500 ليرة جديدة 50 ألف ليرة قديمة، مشيراً إلى أن ذلك يسهم في تسهيل حمل النقود وتبقى الكتلة النقدية دون إضافات.

وأضاف أن استبدال العملة لن يؤثر على قيمتها، كون التغيير هو تغيير في القيمة الاسمية فالقيمة هي ذاتها ولن يكون للاستبدال آثار على قيمتها مباشرة، موضحاً أن المصرف المركزي السوري سيعيد فتح فرعه في إدلب أسوة بباقي المحافظات.

مزايا أمنية حديثة

وأكد الحصرية أن العملة الجديدة تحظى بمزايا أمنية حديثة، إضافة إلى ميزات خاصة تمكن ضعيفي البصر والمكفوفين من استخدامها، موضحاً أن حذف الأصفار لن يؤثر على المهام المشتركة لليرة الجديدة، داعياً إلى التعاون من قبل الجميع للمحافظة على قيمة الليرة.

وأوضح أن معيار عملية الاستبدال يقضي بحذف صفرين من القيمة الاسمية، بحيث تعادل كل مئة ليرة قديمة ليرة سورية واحدة جديدة، مشيراً إلى أن عملية الاستبدال ستبدأ في الأول من يناير 2026 وتستمر لمدة 90 يوماً قابلة للتمديد، وستُنفّذ مجاناً دون فرض أي رسوم أو ضرائب.

وقال إن جميع معاملات المصرف المركزي ستكون بالعملة الجديدة مع بداية العام، داعياً المواطنين إلى عدم التخلي عن العملة القديمة خلال فترة التعايش بين العملتين، حيث سيلزم البائعون بالتعامل بهما معاً.

————————-

 العملة السورية الجديدة: هروب من الهويات نحو “خيرات الطبيعة”/ محمد حجيري

الثلاثاء 2025/12/30

لا أخفي أنني حين قررتُ الكتابة عن صور العملة السورية الجديدة، التي أطلقها نظام أحمد الشرع، بعد نحو سنة على سقوط نظام الأسد وهروبه، فكرتُ في العملة اللبنانية المتداولة الآن، وهي من فئة الخمسة آلاف ليرة وما فوق حتى المئة ألف، وما تحمله من أشكال. بدا لي أني لا أتذكّر شيئاً منها إلا لونها، ربّما لم أتأمل يوماً في مضمونها، ربما تأملتها ولم يرسخ أي شيء في ذاكرتي إلا بهتانها.

وتعود بي اللحظة إلى زمن كانت الليرة تحتفظ بقيمتها مقابل الدولار. كانت لطباعة الأوراق المالية اللبنانية فنيتها، وتشكّل دليلاً سياحياً في بلد أساسه السياحة. أتذكّر العملة القديمة وتفاصيلها وألوانها والمعالم التي اختيرت لتزينها وتشكّل هويتها، من مغارة جعيتا إلى صخرة الروشة وقلاع بعلبك، المسيلحة، صيدا، وغابة الأرز وسائر الأماكن الاثرية والطبيعية. لكن منذ صدور الألف ليرة بلونها الأزرق في التسعينيات من القرن الماضي، لاحظ بعض الفضوليين خلوها من أي معلم وطني تقليدي، فاقتصرت على الخريطة الجغرافية للبنان بشكل عرضي. كانت الألف ليرة كأنها ورقة الوداع للعملة بطبعاتها القديمة، ومع الوقت ستزداد الألف رثاثة في طبعاتها المحدثة والقاتمة وسريعة الاهتراء، وهي تشبه الواقع اللبناني، لتصبح العملة الوطنية اللبنانية كلها كأنها ورق “كدش”، خصوصاً بعد انهيار سعر الصرف قبل خمس سنوات… ربما ما أقوله أطياف ذاكرة الطفولة.

بحسب المعلومات القليلة التي أعرفها والمتداولة هنا وهناك، لم تكن العملة السورية القديمة تختلف من ناحية التصميم واختيار الأماكن الأثرية، عن جارتها أو شقيقتها اللبنانية، لكن الكارثة تجلّت حين احتل نظام الأسد الفضاء العام ومعه النقود والأذهان والكتب المدرسية والدفاتر والقصائد والأغاني ونشرات الأخبار. ومن أبرز إيجابيات العملة الجديدة في زمن نظام أحمد الشرع أنها اهتمت بالمكفوفين وتخلصت من صورة الأسدين أو تقديس الشخصيات. وقيل إن الأوراق النقدية الجديدة تميزت بأن رسومها الرمزية تُمثل الخيرات الطبيعية السورية، بما في ذلك ‏الورد الجوري، والتوت الشامي، والبرتقال، والقمح، والقطن، والزيتون، إلى جانب عناصر من البيئة والحياة البرية كالحصان العربي، والريم، وعصفور الدوري، والفراشة، وصدف البحر، مبتعدةً كلياً عن صور الآثار والأشخاص وصور المباني وكل ما يُثير أي تميز جغرافي أو مناطقي.

والوردة ترمز بزعم المفسرين، إلى دمشق، أقدم مدينة مأهولة في العالم، وتعكس الجمال والتراث والهوية السورية الأصيلة، والبرتقال رمز خصوبة الأرض والزراعة في إشارة إلى الساحل السوري، الزيتون رمز الصمود والبركة، والقمح أساس الأمن الغذائي، وشجرة التوت المرتبطة تاريخياً بتربية دور القز وصناعة الحرير، في إشارة إلى الحرف التقليدية والعمل اليدوي. والزراعات إشارات لمناطق على عكس ما يزعم البعض بأن العملة خلت من كل ما يثير تميزاً مناطقياً.

لكن هل شكل العملة الجديدة “تعبير عن الهوية الوطنية الجديدة”، كما قال الرئيس أحمد الشرع؟ ربما، لكن هل يعني ذلك أن نواعير حماه ليست من الهوية السورية؟ وأن آثار تدمر ليست من تاريخ سوريا؟ وهل يعني ذلك أن المسجد الأموي ليس هوية وطنية؟ وهل الفستق الحلبي ليس هوية تاريخية؟ وهل النمورة النبكية كذا وكذا؟ لا شك أن السلطة الجديدة وقعت في إشكاليات من البداية، بين هواها الديني وطموحاتها العصرية، بين ذاكرات الماضي وتطلعات المستقبل والشركات والاستثمارات. الإشكالية تجلت منذ إلغاء بعض الأعياد الموجودة منذ عقود لاعتبارات إيديولوجية، وإعادة كتابة التاريخ بذهنية دينية وتغيير أسماء بعض المدارس لأسباب واهية. السلطة الجديدة  تهرب من التواريخ والهويات والأزمنة نحو ما يسمى “خيرات الطبيعة”، منعاً للجدل المحتمل والمراقبة، في ظل تصاعد الهوايات الطائفية.

لا شك أن كل دولة تختار ما يناسبها من رموز، سواء معالم أثرية وطبيعية أو حيوانات، من الأسد إلى وحيد القرن والفيل والصقر والببغاء والبطريق، إضافة إلى الألوان. لكن أن تختار سوريا، بلد الحضارات والمعالم والتواريخ، رموز الطبيعة، فذلك هروب من الهويات.

المدن

————————–

مغردون يتساءلون عن أسباب غياب الرموز التاريخية عن العملة السورية الجديدة؟/ بشار أبو زكري

في خطوة لافتة تتجاوز البعد المالي، حملت العملة السورية الجديدة رسائل رمزية عميقة، إذ لم تدرج صورها اعتباطا، بل اختيرت بعناية لتعكس الهوية الوطنية والثقافية والاقتصادية.

وقال الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال إعلان رسمي أمس الاثنين، إن العملة الجديدة تمثل خطوة محورية ضمن إستراتيجية اقتصادية وطنية تهدف إلى تعزيز الاستقرار النقدي، وترسيخ الثقة بالاقتصاد السوري، ودعم مسار التعافي الاقتصادي المستدام.

وأوضح الشرع أن التصميم الجديد يعكس هوية وطنية جامعة، ترتكز على الرمزية المرتبطة بالطبيعة والجغرافيا السورية، مع الابتعاد عن تقديس الأشخاص، معتبرا أن العملة الجديدة تمثل بداية مرحلة جديدة من الثقة والنمو الاقتصادي، شريطة الالتزام بثقافة مالية مسؤولة خلال فترة الاستبدال ومنع أي ممارسات مضاربية قد تضر بالسوق المحلي.

جدل واسع

وأثارت تصاميم العملة السورية الجديدة جدلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين مؤيدين يرون فيها رمزا للوحدة والانتماء، ومعارضين انتقدوا اقتصار الرموز على النباتات والفواكه.

ورأى المؤيدون أن العملة تمثل رمزا للوحدة والانتماء، وتعيد ربط النقد بالحياة اليومية، من دمشق إلى الحقول الزراعية مرورا بالمحاصيل الإستراتيجية.

في المقابل، عبر آخرون عن استيائهم من اقتصار الرموز على النباتات والفواكه، متسائلين عن غياب المعالم التاريخية والحضارية التي تعكس تاريخ سوريا وثقافتها.

وقال مغردون: “أين المعالم التاريخية؟”، مشيرين إلى أن البلاد تزخر بالآثار والمعالم التي يمكن أن تمثل رموز الثورة والحضارة والتاريخ الاقتصادي والاجتماعي.

ورأى فريق آخر أن إدراج أي معلم قد يثير مقارنات واعتراضات حول تفضيل منطقة على أخرى، مثل نواعير حماة مقابل ساعة حمص، أو الجامع الأموي مقابل الجامع العمري، مما قد يولد جدلا إضافيا في فترة حساسة.

وفسر مدونون اتجاه المصرف المركزي إلى اعتماد رموز جامعة تمثل خيرات البلاد بشكل شامل، ومرتبطة بالزراعة والطبيعة، باعتبارها خيارا أقل حساسية وأكثر شمولا لجميع السوريين.

رموز الأرض والهوية الوطنية

يرى مؤيدون أن العملة الجديدة ليست مجرد وسيلة تداول، بل رمز سيادي مستمد من الأرض، يحمل دلالات الانتماء والجذور والهوية الوطنية، ويجسد وحدة السوريين وتمسكهم بأرضهم ومستقبلهم.

وأكدوا أن سوريا ليست مجرد زراعة، بل حضارة تمتد لأكثر من 10 آلاف سنة قبل الميلاد، وهي من أقدم حضارات العالم، وبلد كان مركزا للصناعة والتجارة والفكر قبل أن تعرف كثير من الدول معنى الدولة.

ونوه نشطاء إلى بروز النجمة الثمانية في وسط العملة، والمعروفة بالنجمة السلجوقية، والتي ترمز إلى الدولة الإسلامية التي أسقطت الحكم الفاطمي الشيعي عن دمشق وكسرت تمدده في بلاد الشام.

وأوضحوا أن هذا العنصر الزخرفي يمثل جزءا من أروع التقاليد الفنية الإسلامية، التي انتشرت في العصر الأموي والأندلسي، عبر أنماط هندسية متناسقة تعكس جمال التصميم التقليدي وتضفي طابعا أصيلا على العملة الوطنية.

ولفت بعض المغردين إلى أن العملة الجديدة تعكس مرحلة جديدة بعيدا عن تقديس الأشخاص، حيث تعتبر إطلاق العملة خطوة نحو منح السوريين إحساسا بالحرية والكرامة، في مرحلة خالية من رموز العنف والقتل، ومؤشرا على بعد وطني جامع يعكس سوريا القوية التي ينشدها الجميع.

دلالات الرموز على فئات العملة

ووفق وسائل إعلام سورية، اختيرت الرموز على العملة السورية الجديدة بعناية لتكون سهلة الحفظ ومرتبطة بالهوية الوطنية، وتعكس خيرات البلاد وتاريخها.

الوردة الشامية/ 10: ترمز إلى دمشق، أقدم عاصمة مأهولة في العالم، وتعكس الجمال والتراث والهوية السورية الأصيلة.

التوت/ 25: يرمز إلى شجرة التوت المرتبطة تاريخيا بتربية دودة القز وصناعة الحرير، في إشارة إلى الحِرف التقليدية والعمل اليدوي.

المحتوى غير متاح بسبب إعدادات ملفات تعريف الارتباط الخاصة بك

قم بتحديث تفضيلاتك لتتمكن من مشاهدته

البرتقال/ 50: يمثل الساحل السوري وخصوبة الأرض والزراعة، وخاصة الحمضيات التي تشتهر بها البلاد.

القطن/ 100: يرمز إلى القطن السوري، أحد أهم المحاصيل الإستراتيجية، ودلالة على الصناعة والزراعة معا.

زيتون/ 200: رمز السلام والصمود والبركة، ومرتبط بتاريخ السوريين منذ آلاف السنين.

القمح/ 500: يمثل أساس الأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية، ودلالة على العطاء والاستقرار.

وأجمع عدد من المدونين على أن هذه الرموز تربط النقد بالهوية السورية، بالأرض والزراعة والإنتاج، مع تسهيل الحفظ على الناس من خلال صور مألوفة من حياتهم اليومية، مما يجعل العملة الجديدة تجمع بين البعد الاقتصادي والبعد الرمزي الوطني.

وأختتم مدونون بالقول إن العملة الجديدة ليست مجرد وسيلة للتداول، بل أداة لتعزيز الانتماء الوطني وإبراز تاريخ البلاد وغناها الثقافي والزراعي، موكدين أن مثل هذه الرموز تساعد على بناء علاقة عاطفية بين المواطنين والنقد، وتعكس صورة سوريا التي يسعى الجميع للحفاظ عليها وتعزيز استقرارها الاقتصادي والاجتماعي.

المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي

——————-

مزينة بصور الزيتون وسنابل القمح والتوت والورد الشامي

متحررة من صورة الأسد.. كل ما تريد معرفته عن العملة السورية الجديدة

تترقب الأسواق السورية بدء التداول الرسمي لليرة السورية الجديدة في بداية شهر يناير 2026، وذلك بعد الإعلان عن العملة الجديدة مساء أمس الاثنين في حفل حضره الرئيس السوري أحمد الشرع وحاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية.

وقررت سوريا طباعة عملة جديدة بعد نحو عام من سقوط النظام السابق، لتنهي حقبة بدأت عام 1971 مع وصول حافظ الأسد إلى حكم سوريا واستمرت مع حكم نجله بشار من عام 2000 وحتى سقوطه في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

الليرة السورية القديمة كانت تحمل صور حافظ وبشار الأسد، ولكن العملة الجديدة تعبر عن مرحلة مختلفة في حياة السوريين لذا جاءت خالية من الصور والرموز التي تعبر عن سلطة أو فئة معينة.

فئات العملة ومعنى الصور

تضمنت الليرة السورية الجديدة ست فئات وهي: فئة الـ 10 ليرات سورية وتحمل في صورتها وردة شامية وفراشة، وفئة الـ 25 ليرة وتحمل صورة لشجر التوت الشامي وطائر السنونو، وفئة الـ 50 ليرة وترمز إلى الحمضيات.

بالإضافة إلى فئة الـ 100 ليرة وتحمل وردة القطن وغزال الريم، وفئة الـ 200 ليرة وتتجلى فيها بركة شجر الزيتون وأصالة الحصان العربي، وفئة الـ 500 ليرة وتحمل صورة عصفور الدوري مع سنابل القمح.

وقال الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال جلسة حوارية أقيمت ضمن حفل إطلاق العملة الجديدة، إن إطلاق العملة السورية الجديدة يشكل عنواناً لإقفال مرحلة سابقة لا مأسوف عليها وفتح أفق لمرحلة وطنية جديدة يطمح لها كل الشعب السوري، مشدداً على أن عملية التحول النقدي تُدار بهدوء ومسؤولية بما يحفظ الاستقرار النقدي ويعزز الثقة بالاقتصاد الوطني.

وأوضح أن موضوع استبدال العملة خضع لنقاشات طويلة حيث أشارت تجارب استبدال العملات عالمياً وحذف الأصفار إلى نجاح بعضها فيما لم ينجح الآخر، واصفاً العملية بأنها “جراحة دقيقة” في بنية النظام النقدي تتطلب إدارة حذرة وتدرجاً مدروساً.

وبيّن الشرع أن هناك الكثير من المفاهيم يجب أن تطرح خلال مرحلة تبديل العملة، فحذف صفرين من العملة لا يعني بحد ذاته تحسناً اقتصادياً أو في سعر الصرف، وإنما يهدف إلى تسهيل التعاملات اليومية للمواطنين، في ظل صعوبات حقيقية كانت تواجه عمليات البيع والشراء نتيجة انخفاض القيمة للفئات النقدية.

تحسين الاقتصاد وزيادة الإنتاج

وأضاف أن تحسين الاقتصاد يرتكز أساساً على زيادة الإنتاج وخفض معدلات البطالة، مبيناً أن تطوير القطاع المصرفي يُعد من الشروط الجوهرية لتحقيق النمو، باعتباره شرياناً رئيسياً للاقتصاد، وأن نجاح التحول النقدي مرتبط بسياسات مصرفية مدروسة تضبط آليات الطرح والسحب والتداول.

وأشار إلى الابتعاد عن الحالة النمطية من تقديس الأشخاص ووضع صورهم على العملة، والتركيز بدلاً من ذلك على رموز طبيعية واقتصادية تعبّر عن الجغرافيا السورية، موضحاً أن العملة الجديدة تحمل رموزاً للقمح والزيتون والقطن والحمضيات والورد الجوري، إضافة إلى طيور مثل السنونو والدوري وزخارف مستوحاة من الفن الإسلامي الدمشقي.

وأكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية أن فترة استبدال العملة تمتد 90 يوماً قابلة للتمديد، مع إشعار المواطنين قبل أي قرار بعدم التمديد بـ 30 يوماً، تليها مرحلة السحب التي ستستمر عبر مصرف سوريا المركزي، مؤكداً إلزامية التسعير بالعملتين في المحال التجارية ومكاتب الصرافة.

وشدد الحصرية على أن صدور الليرة الجديدة مسؤولية مشتركة، داعياً المواطنين إلى الاطمئنان وعدم الخوف على مدخراتهم أو قوتهم الشرائية، مؤكداً أن العملية لا تحمل أي مخاطر تضخمية أو ارتفاع في الأسعار.

كما دعا التجار والفعاليات الاقتصادية إلى الالتزام بالتسعير بالعملتين وعدم استغلال الظرف، وحث مكاتب الصرافة على العمل ضمن القوانين ومنع المضاربة. وأعلن الحصرية أنه سيتم استبدال العملة السورية عبر 66 شركة وألف منفذ مخصص لذلك.

حذف صفرين من القيمة الاسمية

وأوضح أن رؤية مصرف سوريا المركزي تقوم على أن يكون الركيزة الوطنية للاستقرار والثقة، مشيراً إلى أن عملية استبدال العملة هي عملية تقنية بحتة تعتمد على حذف صفرين من القيمة الاسمية دون أي تغيير في القيمة الحقيقية للعملة أو تأثير مباشر على سعر الصرف ولا يحمل أي أثر تضخمي، إضافة إلى طباعة عملة جديدة، بهدف تبسيط المعاملات المالية وتسهيل حياة المواطنين، إلى جانب القطيعة مع رموز وصور الماضي.

وقال الحصرية إن الاستقرار النقدي كان المعيار الأول في اتخاذ قرار حذف الأصفار، ولا سيما بعد تحسن الليرة السورية بنحو 30 بالمئة خلال عام 2025 منذ التحرير واستقرار سعر الصرف، إضافة إلى جاهزية المصرف المركزي والقطاع المصرفي والصرافة، وإقرار التعديلات التشريعية اللازمة لإصدار العملة الجديدة.

————————

==================

تحديث 29 كانون الأول 2025

———————————

 إصلاح العملة في سوريا ما بعد الأسد.. الشرعية الرمزية ومسار العدالة الانتقالية/ فضل عبد الغني

2025.12.29

إن الانتقال من الحكم الاستبدادي إلى نظام سياسي تعددي لا يكتمل من دون إعادة بناء الأسس الرمزية التي تتأسس عليها شرعية الدولة، وفي سياقات العدالة الانتقالية، تحتل العملة مكانة خاصة بوصفها عقداً بصرياً سيادياً، وربما الرمز الأكثر حضوراً في الحياة اليومية للمواطنين، ومن ثم فإن إزالة رموز النظام السابق عن العملة الوطنية، كما أُعلن في مرحلة “ما بعد الأسد” في سوريا، تمثل فرصة بالغة الأهمية تتجاوز بكثير الجوانب الفنية للسياسة النقدية.

ويمنح إطار إصلاح العملة التشاركي الأولوية للشرعية الإجرائية على حساب السرعة، ويتعامل مع إعادة التصميم لا باعتبارها مهمة إدارية محضة، بل بوصفها تعويضاً رمزياً وآلية للحوار الوطني، وبهذا المعنى، يحوّل هذا النهج الإصلاح النقدي إلى ركيزة في مسار العدالة الانتقالية، بما يعكس أن الدولة الناشئة تُقدر أصوات مواطنيها بالقدر نفسه الذي تُقدر به مواردها.

سيركز هذا المقال على هذه الدلالات القانونية والانتقالية، بعيداً عن التداعيات الاقتصادية التي لا تندرج ضمن اختصاصي في القانون الدولي والعدالة الانتقالية.

الهيكل المؤسسي ومتطلبات الحوكمة

يتطلب هيكل الحوكمة الداعم لإصلاح العملة التشاركي معايرة دقيقة توازن بين حماية العملية من الاستغلال ​​السياسي وبين الحفاظ على الكفاءة الفنية، فلا يمكن للبنك المركزي أن يتصرف منفرداً في مسألة تنطوي على هذه الكثافة الرمزية، بل يتعين عليه إنشاء هيئة مؤقتة مستقلة تشرف على الأبعاد الرمزية والاستشارية للإصلاح، مع إبقاء الاختصاصات الفنية المتعلقة بالسياسة النقدية ضمن ولايته.

ويحقّق إنشاء لجنة لإصلاح العملة هذا الهدف المزدوج، وينبغي أن تعمل هذه الهيئة بموجب ميثاق متعدد الأطراف يضم جهات معنية متنوعة، مع تفويض محدد يتمثل في اختيار صور العملة بما يعكس هوية وطنية تعددية في مرحلة ما بعد الاستبداد.

ويقارب هذا التصميم المؤسسي مناهج مطبقة في سياقات أخرى، مثل اعتماد منطقة اليورو مجموعة استشارية مستقلة تُكلف باقتراح أطر موضوعية تتجنب تفضيل أي منظور وطني منفرد.

ويتمثل المبدأ الحاكم في أن تضم اللجنة خبرات تتجاوز المجال الاقتصادي، عبر الاستعانة بممثلين عن المجتمع المدني، ومؤرخين، ومتخصصين ثقافيين قادرين على مقاربة تعقيدات الذاكرة الجماعية والتمثيل الرمزي.

الآلية التشاركية من القرار إلى الحوار

كان الفشل الجوهري في الحقبة الاستبدادية هو فرض الرموز من دون موافقة المجتمع، ويقتضي إصلاح العملة التشاركي قلب هذا المنطق عبر دورة منظمة للتشاور والتصميم والتحقق، وتؤسس العملية المقترحة ثلاث مراحل مترابطة تُرسخ ضمانات إجرائية تعزز الشرعية عبر الإدماج لا الإكراه.

تُخصص المرحلة الأولى لمشاورات وطنية تأسيسية تحدد الأطر الموضوعية قبل إنتاج التصاميم، وبدلاً من طلب صور بعينها مباشرة، تدعو هذه المرحلة إلى ترشيح موضوعات عامة مثل المعالم الوطنية، والمناظر الطبيعية، والرموز الثقافية التاريخية.

ويقلل هذا المدخل من الاستقطاب المبكر حول أسماء أو صور محددة، ويتيح مشاركة واسعة في تعريف القيم التي ينبغي أن تجسدها العملة، ومن الضروري أن تتسم هذه المشاورة بالشمول الجغرافي لتصل إلى جميع المحافظات بغض النظر عن مواقع السيطرة خلال النزاع.

وتنتقل المرحلة الثانية من تحديد الموضوعات إلى إنتاج التصاميم عبر مسابقة منظمة، وتعد إجراءات التقديم المجهولة، التي تُحجب فيها هوية المشاركين، شرطاً لازماً لضمان النزاهة والحد من المحسوبية، بما يسمح بتقييم الأعمال على أساس الجدارة.

وتختار اللجنة قائمة مختصرة وفق معيارين متلازمين: الجدوى التقنية والجودة الفنية، ثم تُعرض التصاميم للجمهور عبر آليات استطلاع رأي وحوار مجتمعي.

وينبغي أن تُفهم مشاركة الجمهور هنا على أنها أداة تقييم وكشف للمآخذ المحتملة لا استفتاء ملزماً يحسم بالأغلبية، إذ يحمي هذا التمييز العملية من موجات الشعبوية، مع المحافظة على وظيفة المشاركة بوصفها آلية إنذار مبكر تكشف الجدل غير المتوقع أو التأويلات المسيئة.

أما المرحلة الثالثة فهي مراجعة للتوضيح البصري، تُفحص فيها الرموز المختارة من منظور حقوقي وقانوني واجتماعي لضمان ألا تُسهم، ولو من دون قصد، في إعادة إنتاج الانقسام، ويقتضي ذلك استبعاد أي شخصية تاريخية قد تُستقبل بوصفها رمزاً بطولياً لدى جماعة، في حين تُقرأ لدى جماعة أخرى بوصفها رمزاً للعدوان أو الإقصاء.

ويقوم المبدأ الحاكم هنا على تجنب الضرر، بحيث يُصار عند ثبوت الانقسام إلى اعتماد صور محايدة مثل الطبيعة والعمارة والأشكال الهندسية المجردة، بما يخفف من فرص تحويل العملة إلى ساحة صراع هوياتي.

سيميائية التحول ومعايير الاختيار

إن إزالة صورة الدكتاتور الأسدي من العملة تُعد قطيعة بصرية مع الماضي الاستبدادي، لكنها لا تحسم وحدها سؤال الدلالة؛ فاختيار البديل قد ينتج مخاطر جديدة إن لم يُضبط بمبادئ واضحة، ويجب أن تشير الصورة البديلة إلى الدولة التي تطمح الأمة إلى بنائها، لا إلى إعادة إنتاج الماضي أو تدوير صراعاته.

ويُعد حظر تصوير الشخصيات الحية أهم ضمانة وقائية ضد نشوء عبادة شخصية جديدة؛ وينبغي تقنين هذا المبدأ في ميثاق اللجنة باعتباره قاعدة حاكمة غير قابلة للاستثناء، فالشخصيات السياسية الحية، مهما بلغت شرعية تمثيلها الراهن، تحمل دوماً خطر تحويل العملة إلى أداة لترسيخ النفوذ السياسي بدل تعزيز الوحدة الوطنية.

وإلى جانب ذلك، ينبغي اعتماد مبدأ التمثيل متعدد المراكز في توزيع الصور عبر فئات العملة، ويُفهم تسلسل الأوراق النقدية باعتباره لوحة بصرية واحدة تُجسد عليها البلاد بأكملها رمزياً، فإذا حملت إحدى الفئات معْلماً من الشمال، وجب أن تحمل فئة أخرى معْلماً من الجنوب، وإذا طغى التراث الحضري على بعض الفئات وجب أن تُقابلها رموز تعكس الريف والمناظر الطبيعية.

وتؤدي هذه الجغرافيا البصرية وظيفة توحيدية، إذ تربط المناطق التي فتتها الصراع ضمن سردية وطنية مشتركة، فتغدو العملة تذكيراً يومياً بالسلامة الإقليمية والتماسك الوطني بدل أن تتحول إلى مرآة لهيمنة مركز على الأطراف.

تفعيل استبدال العملة بوصفه أداة لبناء الثقة

تنطوي العملية اللوجستية لاستبدال العملة القديمة بالجديدة على مخاطر عالية إذا أُسيء تصميمها أو تنفيذها، إذ قد تُقرأ اجتماعياً بوصفها مصادرة للثروة أو آلية للتمييز، وهو ما يقوض الثقة التي يسعى الإصلاح إلى بنائها، لذلك يجب أن يتضمن الإطار التشغيلي ضمانات تحمي الفئات الأضعف وتسمح بالتبني التدريجي للعملة الجديدة.

وتتمثل الضمانة الأبرز في فترة تداول متوازٍ تظل فيها العملتان القديمة والجديدة عملتين قانونيتين لفترة ممتدة من ستة إلى اثني عشر شهراً؛ يخدم هذا النهج وظيفة العدالة الانتقالية إلى جانب مبرراته الاقتصادية: إذ يُمكن للمواطنين “التصويت بأموالهم”، وتبني الرموز الجديدة طواعيةً كفعل يومي لاستعادة سيادتهم.

ويحترم التخلص التدريجي من العملة القديمة الواقع العملي للاقتصادات التي تعتمد على النقد، مع السماح للعملة الجديدة باكتساب القبول بشكل طبيعي.

كذلك، ينبغي إدراج آلية لحماية الحيازات الصغيرة تعالج واقع الاقتصاد غير الرسمي، وواقع احتفاظ كثير من المواطنين بمدخرات نقدية خارج المنظومة المصرفية نتيجة لفقدان الثقة أو غياب الخدمات.

ويمنع وضع حدود صرف لا تتطلب أي وثائق، لمبالغ متواضعة تعادل بضع مئات من الدولارات الأميركية، من أن تُلحق عملية مبادلة العملات ضرراً بالفقراء أو من لا يملكون وثائق هوية رسمية. وهذا يُمثل اعتباراً بالغ الأهمية لحقوق الإنسان: إذ لا ينبغي أن يُصبح الإصلاح النقدي آليةً لاستبعاد الفئات المهمشة أصلاً من المشاركة الاقتصادية.

وأخيراً، يتعين أن تترافق عملية الإطلاق مع حملة توعية عامة ذات بعدين متكاملين: تقني ومدني، فمن الضروري شرح السمات الأمنية كالعلامات المائية والخيوط الأمنية لمكافحة التزييف، لكن ينبغي في الوقت ذاته تفسير سبب تغيير الرموز وربط ذلك بقيم الشفافية والمساءلة والقطيعة مع منطق الإكراه.

ويحوّل هذا الدمج التوعية التقنية إلى تربية مدنية، بما يساعد على فهم إعادة تصميم العملة بوصفها جزءاً من انتقال وطني شامل.

خاتمة

يمثل إصلاح العملة التشاركي في سياق ما بعد النزاع أكثر من ممارسة فنية في إدارة النقد، إذ إن العملة بوصفها الرمز الأكثر حضوراً لسلطة الدولة تحمل دلالات عميقة على الشرعية والهوية والتماسك الوطني.

ويُعيد هذا الإطار نقل الإصلاح من كونه مهمة إدارية إلى كونه أداة انتقالية تُسهم في التعويض الرمزي وبناء الثقة، فمن خلال إنشاء لجنة مستقلة متعددة الاختصاصات، واعتماد آلية تشاركية ثلاثية المراحل تبدأ بالمشاورات الموضوعية ثم مسابقة التصميم ثم المراجعة الحقوقية للتوضيح البصري، وضمان تمثيل متعدد المراكز، وتصميم عملية استبدال تدريجية محمية بضمانات اجتماعية، تُظهر الدولة الناشئة التزاماً بالشرعية الإجرائية وبمشاركة المواطنين، وبهذه الطريقة تصبح العملة دليلاً مادياً يومياً على منطق الحوار والتشاركية.

———————————

عبد القادر الحصرية حاكم مصرف سوريا المركزي

عبد القادر الحصرية، خبير اقتصادي وقانوني سوري في مجال السياسات العامة والإصلاح الاقتصادي والمالي، وله خبرة واسعة في اللوائح المصرفية والتنظيمية السورية والعربية، وكان شريكا دوليا سابقا في شركة المحاسبة العالمية “آرنست ويونغ”، وهو حاكم مصرف سوريا المركزي منذ 7 أبريل /نيسان 2025.

المولد والنشأة

وُلد عبد القادر الحصرية عام 1961 في العاصمة السورية دمشق، وعاش متنقلا بين دولة الإمارات العربية المتحدة وسوريا. والده هو عزة محمد خير الحصرية، أحد أبرز رواد الصحافة السورية ومؤسس جريدة “العلم” في عام 1946 وصاحب امتيازها، ووالدته ماجدة الكزبري.

بدأ الحصرية دراسته الابتدائية في مدرسة إبراهيم هنانو، ثم أكمل دراسته الإعدادية والثانوية في ثانوية الثقفي بدمشق.

الدراسة والتكوين العلمي

حصل الحصرية على تعليم أكاديمي في مجموعة من المؤسسات التعليمية الرائدة، منها كلية إدارة الأعمال بالجامعة الأميركية في بيروت، التي حصل منها على البكالوريوس عام 1984 والماجستير في إدارة الأعمال عام 2006.

كما نال الحصرية الليسانس في الحقوق من جامعة دمشق عام 1986، والبكالوريوس في علم الكمبيوتر من الجامعة اللبنانية الأميركية في العام نفسه.

تابع دراسته وحصل على الدكتوراه في التمويل من جامعة درهام في المملكة المتحدة عام 2010، وكانت أطروحته تتناول دور أسواق المال في تمويل الإسكان.

وحصل أيضا على ماجستير في القانون العام من كلية أوسغود للحقوق في كندا عام 2021، وكان بحثه عن تطوير تنظيم العملات والأصول الرقمية.

أكمل الحصرية كذلك مجموعة من البرامج التنفيذية المتخصصة، مثل برنامج تمويل الإسكان وتطوير أسواق المال في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا عام 2013، وبرنامج التمويل العقاري في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2015، والبرنامج الذي تناول السياسات الضريبية والإدارة الضريبية في كلية كينيدي بجامعة هارفارد عام 2016.

وعلى الصعيد المهني، يحمل الحصرية شهادات عدة معترفا بها دوليا، منها شهادة محاسب قانوني معتمد من هيئة البورد في كاليفورنيا ومدقق داخلي معتمد من معهد المدققين الداخليين في فلوريدا وأخصائي تقييم معتمد من المعهد الدولي لتقييم الأعمال.

كما ينتمي الحصرية إلى عدد من المؤسسات المهنية المرموقة، منها المعهد الكندي لعضوية مجالس الإدارة والمعهد الأميركي لمدققي الحسابات.

التجربة المالية

بين عامي 2012 و2015، شغل الحصرية عضوية اللجنة المالية في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في جنيف، ثم تولى رئاسة اللجنة المالية العالمية وعضوية مجلس إدارة الاتحاد بين عامي 2016 و2019.

كما أسس بالتعاون مع مجموعة من الخبراء والمستشارين السوريين في الداخل والخارج المنتدى الإستراتيجي السوري، المهتم بالسياسات العامة وقد تأسس بوصفه مؤسسة سورية غير ربحية. وتم انتخاب الحصرية رئيسا لمجلس أمناء المنتدى.

وإلى جانب خبرته الواسعة في مجالات الاستشارات المالية والتدقيق، يمتلك الحصرية خبرة طويلة تمتد أعواما في اللوائح المصرفية والتنظيمية في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط.

وقد أدى الحصرية دورا محوريا في صياغة مجموعة من القوانين المصرفية في سوريا، مثل قانون المصارف الإسلامية وقانون شركات الصرافة وقانون التأجير التمويلي، إضافة إلى قانون “مصرف سوريا المركزي”.

كما كان له دور بارز في تطوير نموذج التمويل العقاري ووضع التشريعات المرتبطة به، إضافة إلى تنظيم مهنة خبراء التقييم العقاري. وأسهم الحصرية في تطبيق معايير التقارير المالية الدولية في القطاع المصرفي والشركات.

ويُعد الحصرية كاتبا منتظما في مجالات سياسات الإصلاح الاقتصادي وتطوير أسواق المال، إذ ينشر مقالات وتحليلات متخصصة تركز على تعزيز البيئة الاستثمارية ودعم التنمية الاقتصادية المستدامة.

وفي مجال اللوائح التنظيمية، كان له دور كبير في صياغة اللوائح الخاصة بـ”هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية” و”سوق دمشق للأوراق المالية”، مما أسهم في تعزيز الشفافية وتطوير بيئة الاستثمار في السوق المالية السورية.

وشارك الحصرية في تطوير قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص بالتعاون مع “البنك الدولي”، وكذلك في وضع الإطار المؤسسي لهذه الشراكة.

وقدم استشارات لإصلاح “مصرف سوريا المركزي” بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وعمل على تطوير الأطر التنظيمية للقطاع المصرفي وتعزيز كفاءة السياسات النقدية.

وعلى الصعيد الاستثماري، كان للحصرية دور كبير في تطوير مشاريع بارزة، مثل “فندق فور سيزونز دمشق”، وشغل فيه منصب نائب رئيس مجلس الإدارة تحت رئاسة الأمير السعودي الوليد بن طلال.

وأسهم الحصرية في مشروع “البوابة الثامنة” بالتعاون مع شركة إعمار الإماراتية، ومشروع تكرير السكر في حسيا مع شركة كارغيل العالمية. كما أسس “شركة الحصرية ومشاركوه للاستشارات المالية” وكان الشريك الإداري فيها.

وشغل كذلك منصب الشريك الدولي في “شركة إرنست ويونغ” العالمية في منطقة الشرق الأوسط أكثر من 20 عاما، وقدم استشارات مالية وضريبية لشركات عالمية ومستثمرين في مجالات التمويل والبنية التحتية والاستثمار العقاري والقطاع النفطي.

وكان الحصرية المؤسس والشريك المسؤول في “شركة الحصرية ومشاركوه إرنست ويونغ” لتدقيق الحسابات والاستشارات في سوريا. وقبل انضمامه إلى “إرنست ويونغ”، شغل منصب مدير تدقيق في “شركة أرثر أندرسن” العالمية.

وأصدرت الحكومة السورية في 27 مارس/آذار 2025، قرارا بتعيين الحصرية حاكما لمصرف سوريا المركزي خلفا لميساء صابرين، وذلك بعد نحو 3 أشهر من تعيينها حاكمة للمصرف بالوكالة، عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد.

أبرز المناصب والمسؤوليات

شغل الحصرية عضوية عدد من المؤسسات المهنية، من أبرزها:

    المعهد الكندي لعضوية مجلس الإدارة.

    المعهد الأميركي لمدققي الحسابات.

    جمعية المحاسبين القانونيين في سوريا.

    الجمعية الدولية للمدققين الداخليين.

    المعهد الدولي لتقييم الأعمال.

وشغل الحصرية أيضا عضوية مجالس إدارة عدة، بما في ذلك:

    هيئة التمويل العقاري.

    المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية.

    المؤسسة العامة للإسكان.

    هيئة الاستثمار والتطوير العقاري.

المصدر: الصحافة السورية

———————————

سوريا تستبدل عملتها… و«الإفتاء»: استغلال الأمر لرفع الأسعار محرّم شرعاً

جانبلات شكاي

 أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، أمس الأحد، عن عملية إطلاق عملة جديدة، تبدأ في 1 يناير/ كانون الثاني 2026، مع حذف صفرين بحيث تصبح 100 ليرة قديمة تساوي ليرة واحدة جديدة، فيما حذر مجلس الإفتاء الأعلى من استغلال»الإجراء للإضرار بالناس» مثل رفع الأسعار، مؤكدا أن ذلك «محرم شرعاً لما فيه من الظلم».

وفي مؤتمر صحافي عقده أمس الأحد، قال الحصرية، إن الإجراء جاء في إطار استراتيجية اقتصادية وطنية متكاملة تهدف إلى تعزيز الاستقرار النقدي، وترسيخ الثقة بالاقتصاد الوطني، ودعم مسار التعافي الاقتصادي المستدام.

وتابع: إن الخطوة تندرج ضمن رؤية استراتيجية طويلة الأمد لإعادة بناء النظام المالي، وتعزيز فاعلية السياسة النقدية، بما يسهم في تحسين البيئة الاقتصادية ورفع مستوى الثقة الداخلية والخارجية.

وأشار إلى أن مرسوم استبدال العملة رقم 293 لعام 2025، حدد الاستبدال ضمن الأراضي السورية فقط، مشيراً إلى أن الاستراتيجية الاقتصادية المعتمدة تقوم على خمس ركائز تشمل تحقيق الاستقرار النقدي، وإرساء سوق صرف ثابت وشفاف، وبناء مؤسسات مالية نزيهة وفعّالة، وتعزيز التحول الرقمي الآمن والفعال، إضافة إلى تطوير علاقات اقتصادية دولية متوازنة تخدم مصالح الاقتصاد الوطني.

وشدد على أن تحقيق هذه الركائز يتطلب تحديث القوانين والأنظمة المالية وفق أعلى معايير الشفافية، وتطوير قواعد البيانات، ومواكبة التحولات الرقمية العالمية، إلى جانب اعتماد مصادر تمويل وتدريب مستدامة تضمن التطوير المستمر للقطاع المالي.

100 ألف تصبح ألفا

ووفق الحصرية، تم العمل لبدء سنة مالية جديدة، تقلب بها الحسابات بالمصارف المالية بالعملة الجديدة، وبالتالي ستتحول آلياً، على سبيل المثال، قيمة الـ100 ألف ليرة إلى ألف ليرة، مشيراً إلى أن التعميمات وزعت على المصارف وشرحت بالتفصيل آلية العمل، سواء على مستوى التكنولوجيا، أو الإدارات التنفيذية، معتبراً أن إزالة القيود عن السحوبات اليومية مرتبطة بأمور أخرى يتم العمل عليها، وأن من آثار العملة الجديدة معالجة مشكلة السيولة، وقدرة القطاع المالي على استعادة ثقة المواطن.

وقال إن جميع أرصدة المصارف منذ بداية العام المقبل ستكون بالليرة السورية الجديدة، وستكون هناك فترة تعايش بين العملتين لمدة 90 يوماً قابلة للتمديد، وسيتم الحفاظ على الكتلة النقدية دون زيادة أو نقصان

شركات عالمية

وأكد أن «المركزي السوري» يتعامل مع كبرى الشركات العالمية في طباعة العملة منعاً للتزوير، ومباشرة وليس عبر الوسطاء، والمصرف سيوفر الليرة في حال زيادة الطلب عليها مقابل القطع الأجنبي، لافتاً إلى أنه يتم تزويد المصارف بحلول مؤقتة لحل موضوع الدفع الإلكتروني، وأن عملية الاستبدال ستبدأ من خلال تحويل 42 تريليون ليرة.

وبين أن المصرف المركزي سيصدر نشرات رسمية لأسعار الصرف بالعملتين خلال فترة الاستبدال لضمان وضوح التعاملات، ومنع أي تمييز أو مضاربة، مشدداً على أن عملية الاستبدال مجانية بالكامل، ويحظر فرض أي عمولات أو رسوم أو ضرائب تحت أي مسمى، وتلتزم جميع الجهات العامة والخاصة بتطبيق معيار الاستبدال على الأسعار والرواتب والأجور، والالتزامات المالية.

وذكر أن إطلاق العملة الجديدة لا يُعد إجراء شكلياً، بل يمثل محطة محورية ضمن استراتيجية شاملة تقوم على أسس مؤسساتية راسخة، في مقدمتها ترسيخ الثقة في المؤسسات الوطنية وتحقيق استقرار اقتصادي مستدام، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تعكس التزام المصرف بتنفيذ سياساته الإصلاحية وفق معايير مهنية ومسؤولة.

وفي تصريح سابق له لقناة «الإخبارية» السورية الرسمية أعلن الحصرية الخميس الماضي أن العملة السورية الجديدة التي ستظهر في المرحلة الأولى هي من فئات الـ: 5، 10، 25، 50، 100، 500 ليرة، والأخيرة تساوي خمسين ألف ليرة بالعملة الحالية، مع أن قيمة الـ500 ليرة السورية قبل عام 2011 كانت تصل حسب أسعار الصرف حينها مقارنة بالجارية حالياً إلى ما يعادل 120 ألف ليرة تقريباً. وأوضح أن هذه الفئات الجديدة ستسهل على الناس إعادة حمل الأموال عبر محفظة الجيب وليس عبر أكياس القمامة السوداء الكبيرة كما يتم حالياً.

الاستغلال حرام شرعاً

ومع الإعلان عن إطلاق عملية استبدال العملة، أصدر مجلس الإفتاء الأعلى بيانا شرعياً أكد فيه أن إجراء حذف الصفرين من العملة الوطنية هو إجراء تنظيمي إداري محض، لا يغير من قيم الالتزامات ولا يمس الحقوق المالية القائمة، مشدداً على أن تبقى الديون والعقود والمهور وسائر الالتزامات المالية محفوظة ومعتبرة شرعاً، وتُحوّل حسابياً إلى العملة الجديدة بالقيمة المكافئة دون زيادة أو نقصان.

وذكر أن تبديل العملة النقدية يتم بتسليم العملة القديمة، وتسلم القيمة المكافئة بالعملة الجديدة، دون زيادة أو نقصان، وفي الحال ويداً بيد دون تأجيل، وأما الحسابات البنكية، فيكفي ظهور الرصيد بالقيمة المكافئة بالعملة الجديدة بين الطرفين.

ورأى أن استغلال هذا الإجراء للإضرار بالناس، مثل رفع الأسعار، أو الانتقاص من حقوقهم، محرم شرعاً لما فيه من الظلم، وأكل أموال الناس بالباطل، موضحاً أن استقرار المعاملات المالية مقصد شرعي معتبر، والتعاون عليه واجب شرعاً لما فيه من تعزيز الثقة، وحفظ الحقوق، وتحقيق المصلحة العامة.

وفي تعليق له عبر صفحته على فيسبوك شكر الحصرية مجلس «الإفتاء» وقال إن «هذه الفتوى تؤكد أن القيم الدينية ليست بمعزل عن التعاملات النقدية والاقتصادية، بل تشكّل إطاراً أخلاقياً ناظماً لها، يحقق العدالة، ويعزّز الثقة، ويحفظ مصالح الناس، كما أبرزت أهمية التلاقي بين الاجتهاد الشرعي والمؤسسات الرسمية في مواكبة التطورات، بما يخدم الصالح العام».

وتحدث الخبير والأستاذ في كلية الاقتصاد زياد عربش لـ«القدس العربي» عن سلبيان وإيجابيات قرار استبدال العملة في سوريا. فقد أكد أن الأسواق المحلية ستواجه تحديات في التكيف، مثل اختلاط العملتين أثناء التحويل، ما قد يؤدي إلى خلافات أو تدليس، وعمليات الجمع والطرح ستحتاج وقتاً للتعود، خاصة لدى كبار السن، مشيراً إلى أن التأثير على أسعار السلع والخدمات والقدرة الشرائية لحذف الصفرين لن يغير القوة الشرائية الفعلية، فهو تبسيط للتعاملات فقط، ولكن من المتوقع حصول ارتفاع طفيف أولي بسبب تأثير التقريب، حيث يعدل التجار الأسعار إلى أرقام مستديرة، كما حصل في التجربتين التركية والبرازيلية. واعتبر أن عملية الاستبدال لن تحل مشكلة التضخم الأساسي المتراكم من سنوات الحرب، بل قد تخلق «غنى وهميا» نفسياً بسبب انخفاض الأصفار، دون تحسن حقيقي في القدرة الشرائية إلا بإصلاحات جذرية. من الإيجابيات القريبة الأمد لاستبدال العملة، وفق عربش، «تنظيم السوق النقدي وتقليل الاحتكار والاقتصاد الموازي، وتعزيز الثقة في المصرف المركزي ودعم الاقتصاد الرسمي، وتسهيل المعاملات اليومية وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية». أما على المدى الطويل فـ»ستكون هناك عملية لبناء الثقة بهدف جذب استثمارات وخاصة في الطاقة المتجددة، مع السير بالإصلاح الهيكلي، والتحول الرقمي، والاندماج بالاقتصاد العالمي، مع دعم الزراعة والصناعة». ولخص السلبيات المحتملة، قائلا إنها تتمثل في حصول ارتباك أولي وضغوط على السيولة إذا لم تُدار المخزونات جيداً، مع مقاومة التبديل إذا غابت الشفافية، وتفاقم خطر الدولرة إذا استمر العمل وفق سياسية حبس السيولة». ووفق قوله «على المدى القصير، لن نشاهد نمواً ملحوظاً، لكن على المدى الطويل سيعتمد النمو على الإصلاحات المالية والنقدية مثل التخلي عن حبس السيولة وعودة الإقراض، ومكافحة التضخم، واستقرار الوضع السياسي، لأن الاستبدال يبسط الحسابات ويقلل التكاليف الإدارية، لكنه لا يحل اختلالات الاقتصاد باستمرار الفساد ومن دون خطة استراتيجية شاملة». وزاد: العامل النفسي سيلعب دوراً كبيراً في نجاح العملية وخصوصاً أنها ستخلص السوريين من فئة الخمسمئة القديمة التي تحمل صورة حافظ الأسد، والألفين التي تحمل صورة ابنه بشار الأسد، ما يعني فتح صفحة جديدة تعزز الثقة وتعني القطيعة مع الماضي، ما يعطي شعوراً إيجابياً يدعم الغنى الوهمي المؤقت. وذكر أن من بين أهم ما يستهدفه العامل الاقتصادي للاستبدال هو التخلص من سياسة «حبس السيولة» التي أفقدت المصارف ثقة المواطنين ورجال الأعمال، فالكتلة النقدية خارج هذا القطاع تقدر بترليونات الليرات من العملة القديمة، مما سمح بالمضاربة وفقدان دور المصرف المركزي، والاستبدال سيعيد حصر هذه الكميات، ويستدرجها إلى النظام المصرفي، ويوقف المضاربة على قيمة العملة. ووفق عربش، من شروط نجاح عملية الاستبدال الشفافية والثقة والتتبع مع رقابة قضائية مستقلة، وحماية لودائع المساهمين وعقد لقاءات دورية مع النقابات والاتحادات والمجتمع المدني بهدف الإجماع على رأي واحد مع مراعاة دور المغتربين وإيلاء الفئات الضعيفة المؤازرة الضرورية من خلال الدعم النقدي وعبر التوعية. من دون هذه الشروط، قد تتحول العملية إلى «كارثة كتجارب إيران وفنزويلا» مشدداً على أن «الشفافية ستحوّل عملية الاستبدال إلى فرصة للعدالة الاقتصادية والاستقرار، وستكون العملية بوابة لإعادة بناء الثقة إذا صاحبها إصلاحات هيكلية، مع التركيز على التنفيذ الفعال لتجنب تفاقم التحديات».

القدس العربي

———————————

إضاءة واجهة المصرف المركزي بعرض بصري لفئات العملة الجديدة

ديسمبر 29, 2025    

أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، أن من المقرر إضاءة واجهة المصرف مساء اليوم، بألوان العلم الوطني السوري، لتتحول بعدها الإضاءة إلى عرض بصري لفئات العملة الجديدة، في رسالةٍ تجمع بين الرمزية والهوية والثقة بالمستقبل.

وأوضح الحصرية في منشور عبر صفحته على “فيسبوك”، أن هذه الإضاءة ستكون جزءاً من احتفالات سوريا بإطلاق العملة الجديدة، لتؤكد الاستمرارية والثبات، وتربط بين تاريخ الوطن وخطواته القادمة نحو الاستقرار والتحديث، بمشهد يعكس روح الانتماء، ويجسد لحظة وطنية تُضيء الذاكرة وتبعث الأمل.

اقرأ أيضاً: المصرف المركزي يوضح ضوابط استبدال الأوراق النقدية القديمة

ولفت الحصرية إلى أن التعليمات التنفيذية لمرسوم استبدال العملة رقم 293 لعام 2025 تمثل خطوة تنظيمية مهمة، تأتي إيذاناً ببدء المرحلة العملية من هذا الاستحقاق الوطني، ولتوضيح الآليات والإجراءات المعتمدة، بما يضمن سلاسة التنفيذ، وحماية حقوق المواطنين، وتعزيز الثقة بالمنظومة النقدية، ضمن إطار قانوني واضح ومنظم.

واعتبر حاكم المصرف المركزي أن صدور التعليمات التنفيذية تأكيد على الجاهزية للانتقال إلى مرحلة جديدة، قائمة على الاستقرار والتحديث، وبما يخدم المصلحة العامة والاقتصاد الوطني.

وأصدر مصرف سوريا المركزي في وقت سابق اليوم بعض التعليمات التنفيذية للمرسوم رقم 293 لعام 2025 المتعلق بإطلاق العملة السورية الجديدة، على أن تنشر تفاصيل التعليمات التنفيذية لاحقاً مع المرسوم المذكور.

الرئيس الشرع: تبديل العملة إيذان بمرحلة جديدة

أكد السيد الرئيس أحمد الشرع، أن حدث تبديل العملة السورية يشكّل عنواناً لأفول مرحلة سابقة “لا مأسوف عليها”، وبداية مرحلة جديدة يطمح إليها الشعب السوري، كما تترقبها شعوب المنطقة المتأملة بالواقع السوري الحديث.

وخلال جلسة حوارية أقيمت ضمن حفل إطلاق العملة السورية الجديدة، أوضح الرئيس الشرع أن ملف تبديل العملة استغرق نقاشات طويلة، مستنداً إلى تجارب عالمية متعددة في استبدال العملات ونزع الأصفار، لافتاً إلى وجود ست تجارب على مستوى العالم، نجح نصفها ولم ينجح النصف الآخر، ما يؤكد أن العملية دقيقة وحساسة في تحول الحالة النقدية.

وأشار الرئيس الشرع إلى ضرورة توضيح عدد من المفاهيم خلال مرحلة تبديل العملة، في مقدمتها أن تعديل الأصفار ونزع صفرين من العملة القديمة إلى العملة الجديدة لا يعني بحد ذاته تحسين الاقتصاد، وإنما يهدف إلى تسهيل التعامل بالعملة.

وبيّن أن تحسين الاقتصاد يرتكز أساساً على زيادة معدلات الإنتاج وخفض معدلات البطالة في سوريا، مؤكداً أن من أهم ركائز تحقيق النمو الاقتصادي تحسين الحالة المصرفية، لأن المصارف تشكّل “شرايين الاقتصاد”.

وحذر الرئيس الشرع من حساسية مرحلة التحول، مشدداً على أن العامل الأهم فيها هو عدم حدوث حالة فزع بين المواطنين، وعدم التسرع في التخلص من العملة القديمة واستبدالها بالجديدة، موضحاً أن كل من يحمل عملة قديمة سيتم استبدالها له بالعملة الجديدة، ولا داعي للإلحاح على ذلك لما قد يسببه من ضرر على سعر صرف الليرة السورية.

كما دعا إلى التحلي بالهدوء خلال عملية استبدال العملة، لافتاً إلى أن مصرف سوريا المركزي أوضح أن العملية ستتم وفق جدول زمني محدد.

وأكد الرئيس الشرع في ختام حديثه أن ثقة المواطن بالليرة السورية هي جزء من الثقة بالاقتصاد السوري الذي تعرّض لأضرار كبيرة خلال السنوات الماضية، نتيجة الانهيار الذي أصاب عدة قطاعات، ولا سيما القطاع المصرفي، إضافة إلى الارتفاع الكبير في سعر الصرف، ما أدى إلى تراجع الثقة بالليرة ولجوء المواطنين إلى اكتنازها في المنازل بعيداً عن المصارف.

إطلاق العملة السورية الجديدة

بدأ حفل إطلاق العملة السورية الجديدة في قصر المؤتمرات بدمشق، الاثنين، بحضور السيد الرئيس أحمد الشرع، وعقيلته السيدة لطيفة الدروبي.

وكشف الرئيس الشرع وحاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، عن ست فئات من العملة السورية الجديدة، وشملت 10 و25 و50 و100 و500.

وحملت العملة الجديدة رموزاً من شمال سوريا إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها.

وشملت هذه الرموز الوردة الشامية على فئة 10 ليرات، والتوت على فئة 25، والبرتقال على فئة 50، والزيتون على فئة 200، والقمح على فئة 500.

ومن المقرر إضاءة واجهة المصرف مساء اليوم، بألوان العلم الوطني السوري، لتتحول بعدها الإضاءة إلى عرض بصري لفئات العملة الجديدة، في رسالةٍ تجمع بين الرمزية والهوية والثقة بالمستقبل.

وأوضح حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، في منشور عبر صفحته على “فيسبوك”، أن هذه الإضاءة ستكون جزءاً من احتفالات سوريا بإطلاق العملة الجديدة، لتؤكد الاستمرارية والثبات، وتربط بين تاريخ الوطن وخطواته القادمة نحو الاستقرار والتحديث، بمشهد يعكس روح الانتماء، ويجسد لحظة وطنية تُضيء الذاكرة وتبعث الأمل.

————————

==================

تحديث 28 كانون الأول 2025

———————————

 لا للحديث عن وضع “استثنائي” جديد في سوريا/ إياد الجعفري

2025.12.28

قبل أيام، حظيت بفرصة حضور أول ندوة اقتصادية تخصصية في سوريا، بعد غياب 13 عاماً عن البلاد. وكانت فرصة مفيدة لتكوين عدد من الملاحظات عن الواقع، بعيداً عما تعكسه وسائل التواصل. وكانت الندوة في قاعة محاضرات غرفة تجارة دمشق، بعنوان: “أثر التشريعات الاقتصادية في النهوض الاقتصادي بسوريا”. وتناولت ما صدر عن المشرّعِ من قرارات اقتصادية خلال العام الجاري، تحديداً.

كان المحاضر، مناف قومان، وهو باحث اقتصادي متخصص. وقد قدّم مادة تحليلية ملفتة، خاصة لجهة استخدام أدوات التحليل الرياضي. وبقدر ما كانت مادة المحاضرة غنية ومفيدة، بقدر ما كانت تعليقات بعض الحاضرين، صادمة بالنسبة لي. إذ تبدى نفسٌ في الحديث، ذكّرني بعهدٍ من المفترض أننا طويناه إلى غير رجعة. نفسٌ يستصعب تقبّل نقد السلطة، ويطالب بالحديث عن “الإيجابيات”، وينحاز للسلطة، بصورة تضرّ فعلياً، بالسلطة ذاتها.

بدايةً، يجب التوضيح أن المادة التي قدمها مناف قومان، ركّزت على “السلبيات”. وقد نوّه في بداية حديثه إلى أنه لن يتطرق للـ “الإيجابيات”، بحكم أنها تتحدث عن نفسه. ونتفق معه في ذلك، فدور الباحث، الإضاءة على المشكلات، وتقديم مقترحات لحلها، لا تقديم عرض ترويجي لأداء السلطة. فتلك وظيفة آخرين من رجالات الدعاية، وهم متوافرون بكثرة.

وقد أشار الباحث في مادته إلى جملة مشكلات، يصعب إنكارها. فهي جليّة على أرض الواقع. وهي تمسّ أهم ملمح في حياة السوريين. المعيشة. هذه المشكلات هي إلى حدٍ كبير، نتاج القرارات الاقتصادية الصادرة خلال العام 2025. فقد تم الاعتماد على اقتصاد سوق حر في مجتمع فقير، يعاني من ضعف شبكات الأمان الاجتماعي، ويعاني من بطالة كثيفة وانهيار إنتاجي. وتم تحرير الأسعار، دون أرضية لدعم الفئات الهشة، ومع غياب لآليات حماية الصناعة المحلية أو دعمها عبر التمويل أو اللوجستيات، أو سواها. وكانت سياسة جذب الاستثمارات نخبوية تركز على المراكز وتهمل الأطراف. كما تم الاعتماد على نظام ضريبي مبسط غير تصاعدي، لا ينسجم مع متطلبات العدالة الاجتماعية. مع ضعف في تطبيق مبادئ الحوكمة المؤسسية أو التشاركية في صنع القرار.

ولفت الباحث في مادته إلى أن القرارات الصادرة خلال العام الجاري، انعكست تشغيلاً اقتصادياً، لكنها لم تؤدِ إلى التأسيس للنهوض الاقتصادي. فهي أتاحت أثراً فورياً متمثلاً في ضخ السيولة وتسهيل المعاملات وتخفيف القيود على النشاط الاقتصادي. إلا أنها كانت أشبه بإدارة أزمة، ولم تبنِ مساراً نحو النمو، ولم تحقق إعادة هيكلة أو تغييراً للبنية الاقتصادية القائمة في البلاد. ووفق تحليل الباحث، خلص إلى أن السبب في ذلك، بصورة خاصة، يتعلّق بملامح الحوكمة الاقتصادية الجديدة. فهي تقوم على قرارات من الأعلى، ومؤسسات بلا مساءلة، وغياب للشفافية، وتركز للصلاحيات.

وكان النقاش التالي للمحاضرة غنياً بمشاركات وتعليقات مفيدة. لكنه في الوقت ذاته، شهد نقداً حاداً لعرض الباحث، بوصفه تحدث عن “السلبيات”، وتجاهل “الإيجابيات”. شارك في النقاش رجال أعمال وباحثون اقتصاديون، وبضعة مسؤولين من الصف الثالث، داخل مؤسسات بالدولة. وكان أكثر ما لفتني في تعليقات بعضهم، الإشارة إلى الوضع الاستثنائي الذي تعيشه سوريا اليوم. بلد مدمّر، خارج من نزاع، لا يتمتع بالقدر المطلوب من الاستقرار السياسي والأمني. وهو وضع يقتضي، وفق هؤلاء، أسلوباً استثنائياً في الحكم. يقوم على عدم التشتت وتركيز الصلاحيات والسرعة في الإنجاز. الملفت أكثر، أن البعض من أصحاب هذا الاتجاه ألمح –بشكل غير مباشر- إلى رفض تقديم الآراء الناقدة والمشككة في أداء السلطة. باعتبار أنه، من في السلطة، يعلمون ما يفعلون، وأنهم على دراية ببواطن الأمور التي لا ندريها، وأن لديهم مستشارون يطلعونهم على ما يحتاجون من معطيات.

وقد لحظنا أن أكثر ما استفز هذا “البعض” في مضمون المحاضرة، تحميل المسؤولية في المشكلات الاقتصادية الراهنة، إلى حدٍ كبير، لآلية صنع القرار داخل منظومة الحكم بدمشق. وذاك هو السبب العميق، في ظننا، لأبرز مشكلات سوريا، التي أدت أساساً إلى ثورة العام 2011. فصنع القرار في حكم رشيد، يخضع لجملة معادلات من أبرزها، التشاركية مع أصحاب المصلحة، كالتجار أو الصناعيين أو المستهلكين، حسب نوع القرار. ويخضع القرار لمراحل من الأخذ والرد، تتدخل فيه لوبيات ومصالح، وصولاً إلى صيغته النهائية التي تكون حلاً وسطاً يرضي معظم الأطراف المعنية. وفي هذه المراحل، يجب أن يكون لقوى المجتمع المدني، خاصة النقابات والمنظمات التي تمثّل العمّال والموظفين، قدرة كافية على التمثيل والتأثير. كما يجب أن يخضع القرار لمرحلة كافية زمنياً، من التمحيص، من جانب متخصصين وباحثين، قبل صدوره. وحتى بعد صدوره، يمكن مراجعته والعودة عن بعض نقاطه التي قد تتضح إشكالياتها، حال البدء بالتنفيذ.

أما الحديث عن الحاجة لعدم التشتت وتركيز الصلاحيات والسرعة في الإنجاز، بسبب استثنائية الوضع السوري الراهن، فهي ذرائع تشبه التي كنا نسمعها زمن النظام البائد. فسوريا يومها كانت هدفاً للمؤامرة الخارجية دوماً، وفي خضم “صراع” مع إسرائيل، يتطلب خفتَ كل الأصوات المعترضة على أي قرار، وإخضاعها لأولوية الاستثناء الراهن. استنثناء عشنا في ظله، لعقود مع حكم الطوارئ، وتلاه ثورة وصراع أهلي دامٍ، دُفعت أثمانه باهظاً، لنسمع مجدداً من يقول، إن الوضع السوري استثنائي اليوم، ويتطلب معالجات استثنائية في الحكم، لا تقبل تشاركية أو نقداً أو مساءلة أو مطالبة بحوكمة صنع القرار بصورة مؤسسية!

بطبيعة الحال، نحن لا ننكر التحديات الجسيمة التي تواجه سوريا، وصانع القرار فيها، اليوم. لكن، كل مرحلة في تاريخ أي بلد، تتضمن تحديات. وكلما زادت تلك التحديات، كلما تطلب ذلك المزيد من “الشورى”، والتشاركية، وبث الإحساس لدى المواطن، بأنه جزء فاعل من هذه “المواطنة”، لا مجرد تابع أو “رعية”. حينها، تصبح مواجهة التحديات أكثر فاعلية، لأنها تصبح مواجهة جمعية، لا مجرد حراك سلطوي منفصل عن القاعدة الشعبية.

وكلما كانت السلطة رشيدة، كلما رحبت بالانتقاد والتصويبات، خاصة التي يقدّمها الباحثون والتخصصيون، بوصفها تغذية راجعة، تساعدها على تصويب أخطائها، بصورة لا تفصلها عن الواقع، ولا تجعلها في وراد أن تعيش خريف عهد الأسد الأخير، يوم كان في وادٍ، غير الذي كان فيه “شعبه”.

تلفزيون سوريا

————————-

 نحو التحول الاقتصادي في سوريا: نهج انفتاحي وهيكلة حكومية جديدة/ د. عبد المنعم حلبي

2025.12.28

ينتقل الحديث عن التعافي الاقتصادي اللازم لتحقيق الاستقرار الاجتماعي في سورية من مسألة العقوبات وتحسن المؤشرات الظرفية، إلى بحث مدى قدرة الدولة على إعادة تعريف دورها ووظائفها في المرحلة القادمة، ويتم التركيز هنا على إنجاز التحول الاقتصادي بناء على مقاربة مختلفة لإدارة الاقتصاد في المرحلة القادمة، تنطلق من إصلاح هيكلي للمؤسسات، وفصل واضح للصلاحيات والمسؤوليات، وبناء سياسات عامة قادرة على تحقيق نتائج ملموسة على صعيد حياة المواطن، لتحويل البلاد لأرض جاذبة للعيش والعمل، وتعزيز الأمن وترسيخ السلام، كشرطٍ أساسيٍ لأي انتقال اقتصادي نحو التنمية المستدامة.

إن أي حديثٍ جديٍ عن تعافٍ اقتصاديٍ أو استقرارٍ اجتماعيٍ أو انتقالٍ سياسيٍ مستدام، يفترض دولة قادرة على التخطيط، ومؤسسات اقتصادية مستقلة نسبياً، وتوزيعاً عقلانياً للصلاحيات، وأدوات رقابة فعالة. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة الانتقالية لا يكمن في حجم الملفات التي ورثتها وحسب، ومدى الاعتماد على الأجسام والأذرع الحكومية السابقة أو التي نشأت عنها، بل في قدرتها على كسر أنماط العمل القديمة، وإعادة تعريف دور الدولة من سلطة مركزية مهيمنة إلى إطار منظم للتنمية، وضامن للحقوق، وحَكَم بين المصالح المتعددة.

وانطلاقاً من التغيرات الجذرية المتوقعة نتيجة إنهاء عقوبات قيصر، فإن الاقتصاد السوري -موضوعياً- لا يمكن إنقاذه بالأدوات نفسها، والتي اُستخدمت لإدارته في حالة الانكماش والعقوبات القصوى، فانتقال الحكومة من إدارة الأزمة إلى إدارة التحول يفرض إعادة رسم الهيكل الاقتصادي الإداري للدولة، بدءاً من إعادة توزيع الأدوار بين الوزارات الاقتصادية والهيئات الحكومية ذات الصلة، وأولها إعادة التفكير إنهاء الحالة الاندماجية في وزارتي: الاقتصاد والصناعة، والطاقة، وفي إطار نهج جديد مرن ومنفتح بعيداً عن عقلية السيطرة والتحكم.

لقد تم منح هيئة المنافذ البرية والبحرية صلاحيات تنظيم الاستيراد والتصدير والجمارك، بانتظار ربطها بالمعايير الاقتصادية الحديثة، من حيث الأتمتة والشفافية، وكذلك المراقبة البرلمانية، لتكون رافعة حقيقية للموارد والصدقية. ولعل محاربة التهريب، وضبط الإيرادات، ستصبح أكثر فعالية عندما ترتبط بلامركزية مالية، تسمح للمحافظات الحدودية بالاستفادة من جزء من عائدات المنافذ لدعم مشاريع البنى التحتية.

وزارة الاقتصاد، بالشراكة مع هيئة التخطيط والإحصاء، يجب أن تتحول إلى مركز وطني للتخطيط الاستراتيجي، يتولى إعداد استراتيجية تنمية وطنية طويلة الأمد، ويشارك بفعالية في عملية الإصلاح التشريعي وتحفيز الاستثمار، مع تركيز واضح على القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية، مثل الزراعة الحديثة، والصناعات التحويلية، والطاقة المتجددة، والخدمات التقنية.

وفي المقابل، ينبغي استعادة وزارة الصناعة مستقلة، وتمكينها من التحول من مؤسسة تنظيمية تقليدية إلى مؤسسة تطويرية فاعلة، تعيد هيكلة القطاع العام الصناعي، وتدرس سلاسل القيمة، وتضع خرائط صناعية للمحافظات وفق ميزاتها النسبية، وتفتح الباب أمام شراكات حقيقية مع القطاع الخاص، شراكة نوعية تعتمد على تعزيز الابتكار والتسويق العصري، وبما يسمح بإطلاق صناعات تحويلية تنافس الاستيراد، أو تصديرية قادرة على النفاذ إلى الأسواق الإقليمية.

في الدائرة نفسها، أثبتت تجربة الأشهر الماضية التناقض الموضوعي في إدارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك ضمن وزارة الاقتصاد، في إطار تصديها للمسؤولية الكبرى المتمثلة بتحرير الاقتصاد، ولاسيما في مواجهة ضغوط المصالح الناشئة عن عملية التحول، وبالتالي، ولتحقيق التكامل في المسار الجديد، فإننا قد نحتاج إلى إنشاء هيئة وطنية مستقلة، مُدعَّمة بالمؤسسات التخصصية والتجهيزات والكوادر، ويرتبط عملها بالقضاء عبر الضابطة العدلية، وبتشاركية مع المجتمع المدني والأهلي، لمواجهة الاحتكار، وتأمين التناسب بين الجودة والتسعير، والتحقق من المواصفات القياسية، وحماية المستهلك مالياً وصحياً، وصولاً لتأمين دعم موجَّه للشرائح الأكثر فقراً وتضرراً، يعتمد على قواعد بيانات شفافة، ويعيد للحكومة مكانتها الاقتصادية والاجتماعية بين مواطنيها الأكثر احتياجاً، وربطه بمسار العدالة الانتقالية.

وفي الإطار التفاعلي نفسه، من المعروف أن الإصلاح الاقتصادي سيفقد مساره الصحيح إذا لم يرتكز إلى سياسة نقدية مستقرة ومؤسسة مصرفية مستقلة نسبياً، لذلك فإن مصرف سورية المركزي لم يعد قادراً على أداء دوره التقليدي كحارس لسعر الصرف الذي ترغب به الحكومة، عبر أدوات بدائية أثبتت فشلها، بل بات مُطالباً بالتحول إلى مؤسسة تحمي الاقتصاد من تقلبات توجهات السلطة التنفيذية، والتمتع بمرونة تفاعلية مع تطورات السوق، دون الاستسلام لجنوح محتمل في مصالح القطاع الخاص. وهنا يتوجب على مصرف سورية المركزي التحول من إدارة سياسة نقدية توفيقية إلى سياسة نقدية تستند إلى نظام تقني آمن، لمواجهة التضخم وحماية الليرة السورية، واستخدام شفاف لأدوات السياسة النقدية في دعم النمو الاقتصادي باتجاه حالة من الاستقرار والتوازن، تؤدي إلى تحسن حقيقي في الحياة اليومية للمواطنين. كما يجب أن تتركز أولويات المصرف المركزي في إعادة بناء الاحتياطي النقدي الأجنبي من خلال إدارة ذكية للموارد المتاحة، إضافة إلى تحرير جزء من النظام المصرفي المحلي، بما يسمح بإعادة الإقراض وتمويل النشاط الاقتصادي، بدل الاكتفاء بدور الحافظ للأموال، وهنا سيكون توسيع الشمول المالي، جغرافياً ورقمياً، شرطاً أساسياً لإعادة الثقة بالقطاع المصرفي، مع تأمين آلية شفافة لربط السيولة المتاحة بالاقتصاد الحقيقي، ولكن بعد القيام بفرض التعامل بالليرة السورية على كافة الأراضي السورية، كرمز سيادي وليس اختياراً نقدياً.

من جهة أخرى، لا يقل ملف المياه أهمية عن الملفات الاقتصادية والمالية، إذ لم يعد من الممكن التعامل معه كتفصيل إداري داخل وزارة الطاقة. فالمياه اليوم عنصر أمن قومي يرتبط مباشرة بإنتاج الغذاء، واستقرار الريف، والحد من النزوح الداخلي، واستمرار الجمع بين ملفي المياه والطاقة في وزارة واحدة يتجاهل الفروق الجوهرية في طبيعتهما وأولوياتهما، لذلك يصبح نقل إدارة الموارد المائية إلى جهة عامة أخرى، كوزارة الزراعة، أو إنشاء هيئة وطنية مستقلة مرتبطة بها، خطوة ضرورية لتطوير شبكات الري، والاستعداد لتحسين إدارة حوض الفرات بوصفه ملفاً استراتيجياً، وإدخال تقنيات الزراعة الذكية، والتي باتت شرطاً للتكيف مع الشح المائي وتغير المناخ. كما يجب أن يتحول تأمين مياه الشرب للمواطنين إلى هدف وطني عاجل لا يقبل التأجيل أو التسويف.

ولتأمين علاقة سليمة ومؤسساتية بين الحكومة والقطاع الخاص، لابد من السماح لرجال الأعمال بتشكيل غرف التجارة والصناعة ومجالس الأعمال الخارجية بطريقة حرة وشفافة، وانتخاب ممثليهم بدون أي تدخل حكومي. إضافة إلى ترخيص مؤسسات المجتمع المدني المهتمة بالشأن الاقتصادي وحياة الناس، وغير مرتبطة بالحكومة، وتفعيل دورها في إطار مسؤولية مجتمعية تشاركية مع الجهات الرسمية، مع تطبيق مقاربة إعلامية غير نمطية، تسمح بتشكل مساحة أكثر اتساعاً وحريةً لمناقشة ومتابعة المشكلات والقضايا الناشئة عن عملية التحول.

وهكذا فإن المعالجة السابقة تُفضي إلى نتيجة أساسية مفادها أن جوهر التحول الاقتصادي المنشود لا يكمن في توسيع الصلاحيات أو دمج المؤسسات، بل في إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والاقتصاد على أسس وظيفية واضحة. ففعالية التخطيط، وجدوى تحرير السوق، وحماية المستهلك، واستقرار السياسة النقدية، وإدارة الموارد السيادية، تتطلب هيكلية حكومية تفصل بين الأدوار، وتحد من تضارب المصالح، ونهجاً يُعزز المساءلة والشفافية، بما يسمح لكل وزارة وهيئة أن تؤدي وظيفتها بكفاءة ضمن إطار وطني منسق، ينعكس بصورة مباشرة ولا لبس فيها على تحسين واقع حياة السوريين، مع احترام توازن المصالح مع القطاع الخاص، وفعالية حقيقية للمجتمع المدني.

تلفزيون سوريا

———————————

سوريا تستبدل عملتها.. متى تلجأ الدول لإصدار عملة جديدة وكم تبلغ كلفتها؟ محمد سناجلة

أعلنت الحكومة السورية مؤخرا عزمها إطلاق عملة جديدة، في خطوة تهدف إلى استبدال العملة الحالية الموروثة من عهد النظام السابق، وذلك ضمن مسار أوسع لإعادة هيكلة السياسة النقدية وبناء مرحلة اقتصادية جديدة.

وقال حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، إن بلاده ستباشر اعتبارا من الأول من يناير/كانون الثاني 2026 عملية استبدال الأوراق النقدية المتداولة حاليًا بأوراق نقدية جديدة، وذلك في إطار خطة رسمية لإحلال العملات الصادرة خلال حقبة حكم الأسد.

وأضاف الحصرية، في بيان نقلته وكالة الأنباء السورية (سانا) “يسرّني، بكل فخر واعتزاز، أن أبارك صدور المرسوم رقم 293 لعام 2025، المتعلق بولادة العملة السورية الجديدة، في محطة وطنية مفصلية تعكس بداية مرحلة اقتصادية ونقدية جديدة”.

وفي ضوء هذا التطور، تبرز مجموعة من التساؤلات الجوهرية، من بينها:

    ما الأسباب التي تدفع الدول إلى تغيير عملتها أو استبدالها؟

    وما الفرق بين إطلاق عملة جديدة وطباعة عملة محلية ضمن النظام النقدي القائم؟

    وما أبرز الدول العربية والإسلامية التي خاضت تجارب مماثلة؟

    وكم تكلف عملية إطلاق أو طباعة عملة جديدة؟

    وما أبرز الدول التي يتم فيها طباعة العملات؟

ما الأسباب التي تدفع الدول لتغيير عملتها؟

تمتلك معظم دول العالم عملتها الوطنية الخاصة، والتي تُعد أحد الرموز السيادية والاقتصادية المهمة للدولة، غير أن بعض الدول قد تجد نفسها، في مراحل معينة، مضطرة إلى تغيير عملتها أو استبدالها بأخرى جديدة لأسباب متعددة.

Nigerian naira currency money bills and bunch of us dollar banknotes close up. The concept of economics and currency exchange

التضخم المفرط يدفع الدول إلى استبدال العملة عندما تفقد وظيفتها اليومية (شترستوك)

ولا يُعد تغيير العملة قرارًا شكليًا أو إجراءً تقنيًا محدود الأثر، بل يمثل خطوة سيادية عميقة غالبًا ما ترتبط بأزمات اقتصادية كبرى أو تحولات مفصلية في المسار المالي والنقدي للدولة. ويظل نجاح هذه الخطوة مرهونًا بمدى استقرار السياسات المالية والنقدية المصاحبة لها، وليس بإصدار العملة الجديدة وحده.

إعلان

وفيما يلي أبرز الأسباب التي تدفع دولة ما إلى تغيير عملتها، وفقًا لصندوق النقد الدولي وأرشيف مدينة ميونخ:

التضخم المفرط وفقدان القيمة الشرائية

عندما ترتفع الأسعار بوتيرة متسارعة، وتتدهور قيمة العملة المحلية إلى درجة تصبح فيها الأرقام كبيرة وغير عملية في الحياة اليومية، تلجأ البنوك المركزية إلى إعادة إصدار عملة جديدة عبر خفض عدد الأصفار أو استبدال الوحدة النقدية، كما حدث في تركمانستان عام 2008.

إعادة بناء الاقتصاد بعد أزمات كبرى أو حروب

في حالات الانتقال السياسي أو ما بعد النزاعات والحروب الأهلية، تُستخدم العملة الجديدة كرمز لبداية مرحلة اقتصادية مختلفة وقطيعة مع الماضي، خاصة إذا ارتبطت العملة السابقة بنظام منهار، كما هو الحال في سوريا حاليًا.

التكامل الاقتصادي والانضمام إلى اتحاد نقدي

في بعض الحالات، يتغير نظام العملة نتيجة قرارات سياسية واقتصادية، مثل الانضمام إلى اتحاد نقدي مشترك، كما حدث في دول منطقة اليورو.

انهيار نظام الصرف أو ضعف النظام المالي

قد تدفع المشاكل المزمنة في النظام المالي، مثل انهيار سعر الصرف أو الانتشار الواسع لعملة أجنبية داخل الاقتصاد المحلي، إلى إعادة صياغة النظام النقدي أو اعتماد عملة جديدة لتعزيز الاستقرار.

مكافحة التزوير وتعزيز الأمان النقدي

مع تطور أساليب التزوير، تعتمد بعض الدول عملات جديدة مزودة بتقنيات أمان متقدمة لحماية النظام النقدي، وتعزيز الثقة بالعملة.

ما الفرق بين إطلاق عملة جديدة وطباعة عملة محلية؟

يشير إطلاق عملة وطنية جديدة إلى استبدال العملة القائمة أو إدخال تغيير جذري عليها، وقد يشمل ذلك تغيير اسم العملة أو شكلها وتصميمها ووحدتها الأساسية، أو حتى الانتقال إلى نظام نقدي جديد كليًا يختلف عن النظام المعمول به سابقًا.

ووفقًا لصندوق النقد الدولي، تمر عملية إدخال عملة وطنية جديدة بـ4 مراحل رئيسية مترابطة:

    توافر الشروط المسبقة

تشمل وجود سياسات اقتصادية كلية سليمة، إلى جانب إطار تشريعي ومؤسسي قوي للقطاع المالي، أو العمل على تهيئة هذه الشروط قبل الشروع في الإصلاح النقدي.

    الإعداد والتخطيط الدقيق

ويتطلب ذلك وضع السياسات والإجراءات اللازمة للإصلاح النقدي، إلى جانب إعداد ميزانية مفصلة تغطي جميع مراحل العملية، بما في ذلك تكاليف طباعة وسك العملة الجديدة.

    مرحلة إنتاج العملة الجديدة

وتشمل تصميم وطباعة وسك الفئات النقدية الجديدة وفق أعلى معايير الجودة والأمان.

    مرحلة التنفيذ

وهي المرحلة الأكثر تعقيدا، إذ تتضمن طرح العملة الجديدة للتداول، وسحب العملة القديمة تدريجيا، وضمان سلاسة الانتقال دون إرباك الأسواق، أو المساس بثقة المتعاملين.

أما عملية طباعة عملة محلية ضمن النظام النقدي القائم، فهي أقل تعقيدًا، وقد تشمل إصدار فئة نقدية جديدة أو تحديث تصميم فئة قائمة بهدف مكافحة التزوير، كما فعلت الولايات المتحدة عندما أصدرت فئة 100 دولار بتصميم أمني مُحدّث (سلسلة 2013)، مع بقاء الدولار الأميركي والنظام النقدي القائم دون تغيير.

وفي حالات أخرى، قد تلجأ الدول إلى طباعة النقود في إطار ما يُعرف بـ “التيسير الكمي”، وهي سياسة نقدية لا تعني ضخ أوراق نقدية جديدة مباشرة في الأسواق، بل تعتمد على قيام البنوك المركزية بشراء أصول مالية، غالبًا سندات حكومية، من البنوك والمؤسسات المالية الأخرى، مثل صناديق التقاعد، وفقًا لصحيفة “غارديان” البريطانية.

ويُفترض أن تسهم هذه السيولة الإضافية في تشجيع البنوك على زيادة الإقراض، بما ينعكس إيجابًا على النشاط الاقتصادي.

ما أبرز الدول العربية والإسلامية التي غيرت أو استبدلت عملاتها؟

وشهدت العديد من الدول العربية والإسلامية إصلاحات نقدية على مر التاريخ، لا سيما خلال فترات الاستقلال أو إعادة البناء الاقتصادي، سواء عبر استبدال العملات الأجنبية أو المحلية القديمة بعملات وطنية حديثة، أو من خلال إعادة تقييم العملات القائمة. ومن أبرز هذه التجارب:

    العراق: بعد احتلال العراق عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين، أصدرت سلطة الائتلاف المؤقتة عملة جديدة عُرفت باسم الدينار العراقي الجديد، لاستبدال الدينار القديم المعروف بالدينار السويسري.

    السودان: استُبدل الدينار السوداني بالجنيه السوداني عام 2007، وفقًا لاتفاقية السلام الشاملة الموقعة عام 2005 مع جنوب السودان.

    اليمن: كان الدينار مستخدما في جنوب اليمن، والريال في شماله قبل توحيد البلاد عام 1990، ليصبح الريال اليمني لاحقًا العملة الوطنية الموحدة.

    السعودية: انتقلت المملكة من استخدام العملات المعدنية الأجنبية والمحلية إلى عملة ورقية وطنية هي الريال السعودي، الذي طُرح على مراحل خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وبدأ التداول الرسمي بالأوراق النقدية عام 1961.

    الكويت: في الأول من أبريل/نيسان 1961، وبعد أقل من 6 أشهر من الاستقلال، أُصدر الدينار الكويتي بقيمة تعادل 2.48828 غرام من الذهب الخالص، ليصبح العملة القانونية الوحيدة في البلاد في مايو/أيار من العام نفسه.

    تركيا: أعيد تقييم الليرة التركية عام 2005، حيث استُبدلت العملة المتضخمة للغاية بليرة جديدة واحدة مقابل مليون ليرة قديمة.

كم تكلف عملية طباعة عملة جديدة وأين تُطبع؟

يُعد إنتاج وتوزيع الأوراق النقدية من المسؤوليات السيادية التي تتولاها البنوك المركزية. وقد بلغ حجم الإنفاق العالمي على طباعة الأوراق النقدية نحو 9.7 مليارات دولار عام 2018، وارتفع إلى نحو 11.1 مليار دولار عام 2023، وفقًا لمنصة “ناسداك”.

وتلتزم دول، مثل الولايات المتحدة الأميركية، بطباعة أوراقها النقدية داخل أراضيها بموجب القانون، في حين لا تمتلك دول أخرى مطابع خاصة، مما يدفعها إلى الاستعانة بجهات خارجية. وتطبع الولايات المتحدة سنويًا نحو 7 مليارات ورقة نقدية لتلبية احتياجات التداول واستبدال الأوراق التالفة.

وبحسب بيانات مجلس محافظي الاحتياطي الفدرالي الأميركي (البنك المركزي)، تبلغ تكلفة طباعة ورقة من فئة 10 دولارات نحو 6.8 سنتات، وترتفع إلى 7.3 سنتات لورقة 20 دولارًا، وتصل إلى نحو 11.3 سنتًا لورقة 100 دولار، نظرًا لما تتضمنه من خصائص أمان متقدمة.

أما في منطقة اليورو، فيتم إنتاج الأوراق النقدية بشكل مشترك من قبل البنوك المركزية للدول الأعضاء بمنطقة اليورو، حيث يتحمل كل بنك مركزي مسؤولية إنتاج جزء من الفئات النقدية وفقًا لتوزيع يحدده البنك المركزي الأوروبي.

وفي المنطقة العربية، تمتلك عدة دول مطابعها الخاصة التي تديرها البنوك المركزية أو الدولة. فعلى سبيل المثال، يدير البنك المركزي المصري مطبعته الخاصة منذ عام 1967، في حين تتمتع مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) بالامتياز الحصري لطباعة وسك العملة الوطنية منذ خمسينيات القرن الماضي. كما أنشأت المملكة المغربية دار سكّ العملة الوطنية “دار السكة” عام 1987، ومنذ ذلك الحين يطبع ويسكّ الدرهم داخل هذه المؤسسة.

أخيرا

لا يُعد تغيير العملة أو إصدار فئات نقدية جديدة أو اللجوء إلى طباعة النقود قرارات معزولة، بل أدوات سيادية دقيقة ترتبط بإدارة الاستقرار الاقتصادي للدولة.

ويظل نجاح أي خطوة نقدية مرهونًا بصلابة السياسات المالية والنقدية، ووضوح الأطر التشريعية، وقدرة المؤسسات على التنفيذ، إذ إن العملة، مهما تغير شكلها أو اسمها، تعكس في جوهرها قوة الاقتصاد الذي يقف خلفها.

المصدر: الجزيرة

———————————

استرداد الأصول المنهوبة.. بالقانون أم بالسياسة!/ د. أسامة القاضي

ديسمبر 28, 2025    

تفقد الدول النامية ما يتراوح بين 20 و40 مليار دولار سنوياً بسبب الفساد، وتقدر مبادرة استرداد الأموال المنهوبة (ستار) -وهي شراكة بين مجموعة البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة- بأنه تم استرداد 5 مليارات دولار فقط من الأموال المنهوبة على مدار السنوات الخمس عشرة الماضية، بمعنى استرداد أقل من 0.5 إلى 1 بالمائة من الأموال المنهوبة من الشعوب.

وواضح أن هنالك فجوة كبيرة بين أدنى تقديرات للأصول المنهوبة وتلك المستردة فعلياً، وذلك بسبب العوائق التي تعترض استرداد الأمول المنهوبة. ورغم اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، إلا أن طول أمد استرداد الأموال والصعوبات القانونية في البلاد المودعة فيها الأموال المنهوبة تشكل عائقاً في وجه الشعوب المنهوبة لاستعادة حقوقها.

لا تزال هناك فجوة كبيرة بين النتائج التي تم تحقيقها ومليارات الدولارات التي يقدر أنها مسروقة من البلدان النامية. تمت إعادة 147.2 مليون دولار أميركي فقط من قبل أعضاء منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي بين عامي 2010 وحزيران 2012، و276.3 مليون دولار بين عامي 2006 و2009، وهو جزء بسيط من 20-40 مليار دولار يُقدر أنه سُرق كل عام، كما تم تجميد حوالي 1.3 مليار دولار ما بين عامي 2010 و2012.

تمكنت الفلبين من استرداد أكثر من 1.8 مليار دولار من الأصول من الرئيس السابق فرديناند ماركوس، وكذلك استعادت نيجيريا حوالي 1.9 مليار دولار من السابق الرئيس ساني أباشا وعائلته، وهذه نسبة بسيطة من الأموال المنهوبة.

ذكرت نافي بيلاي، المفوضة السامية لحقوق الإنسان، في بيانها الافتتاحي أمام الدورة الثانية والعشرين لمجلس حقوق الإنسان في آذار 2013: “لنكن واضحين. الفساد يقتل. الأموال المسروقة من خلال الفساد كل عام تكفي لإطعام الجياع في العالم 80 مرة. ينام قرابة 870 مليون شخص كل ليلة وهم جائعون، كثير منهم من الأطفال؛ يحرمهم الفساد من حقهم في الغذاء، وفي بعض الحالات، يحرمهم من حقهم في الحياة. تؤدي الرشاوى والسرقة إلى تضخم التكلفة الإجمالية لمشاريع توفير مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي في جميع أنحاء العالم بنسبة تصل إلى 40 في المائة”.

قدر الخبير الاقتصادي دانيال كوفمان أن 2% من إجمالي الناتج المحلي العالمي تُفقَد بسبب الرشوة وحدها كل عام،  ولكن نظراً لأن الأصول المسروقة يتم نقلها غالباً إلى ولايات قضائية مختلفة، فإن جهود الاسترداد تتطلب تعاوناً دولياً تم وضع أسسه عام 2003، ولكن لا زال رغم كل الاجتماعات والندوات والمطبوعات والخبراء لم يرتفع حجم الأموال المستعادة إلى الشعوب بشكل ملحوظ.

صحيفة ديكان كرونيكال في عددها آب 2019 تقدر صافي ثروة محمد ابن رامي مخلوف ب 2 مليار دولار، الذي استثمر في أكبر مشروع لطاقة الرياح في سوريا، والذي يمتد على مساحة 30 هكتاراً بميزانية تقدر بـ150 مليون دولار.

هنالك الكثير من شركات المحاماة في العالم التي تستطيع مساعدة شبكات الفساد من أجل تأسيس شركات وهمية أو واجهات وهمية لشخصيات سياسية، من أمثال شركة فونسيكا التي تأسست في بنما عام 1977 على يد يورجن موساك المولود في ألمانيا، ورجل بنمي يدعى رامون فونسيكا، نائب رئيس الحزب الحاكم في بنما والمحامي السويسري كريستوف زولينجر، مع مكاتب تابعة له في 44 دولة ، بما في ذلك جزر البهاما وقبرص وهونغ كونغ وسويسرا والبرازيل وجيرسي ولوكسمبورغ وجزر فيرجن البريطانية وغيرها.

المحامي موساك فونسيكا، في مكتبه في بنما، أسس شبكة شركات لمنظومة فساد النظام السوري، ومنها شركة دريكس تكنولوجي المؤسسة عام 2000 في جزر بريطانيا العذراء التابعة لرامي مخلوف حسب تسريبات وثائق بنما، التي وُجدت اسم رامي وأخاه حافظ -مؤسس شركة إيغل تريدبغ آند كونترأكتنغ- عشرات المرات في تلك الملفات، كذلك الأمر بالنسبة لأخيه الآخر إياد مخلوف الذي يعتقد أنه يملك شركة هوكسم لين مانيجمينت.

على سبيل المثال، تم الكشف عام 2006 عن ربط ملف اتش إس بي سي الفردي لمخلوف بـ 18 حساباً مصرفياً على الأقل مرتبطة بـ 14 حساب عميل، ستة منهم كانت حسابات مرقمة (بدون أسماء)، كان المالك المستفيد عبارة عن شركات تم تسجيلها في لوكسمبورغ وتم فرض عقوبات عليها في عام 2012 من قبل العديد من البلدان بما في ذلك الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي،.

كما أصدر الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين معلومات حول الحسابات المصرفية في سويسرا، وقد كشفت الوثائق التي تغطي الفترة بين 1997 و2007 معاملات مالية للشركاء والشركات الأمامية العائدة لمخلوف في الملاذات الضريبية الخارجية بقيمة 43 مليون دولار، كما كشفت امتلاك عائلة مخلوف خمس شركات مسجلة في جزر فيرجن البريطانية، وهي ملاذ ضريبي معروف.

إن وثائق بنما تظهر أن علاقة رامي مخلوف بالمحامي فونسيكا تعود لأكثر من عقدين من الزمان منذ أواخر عام 1998! فكيف سيتم تقصي كل الثروات التي جمعها هو وباقي منظومة الفساد؟

لا بد من تخصيص فريق قانوني سوري بمتابعة الأموال المنهوبة، ولكن للأسف، عملية استعادة الأصول المنهوبة قد تستغرق فترة طويلة قد تتجاوز عشر سنوات فضلاً عن التكاليف، والخبرات الدولية غير مبشّرة. لذا لا يمكن للشعب السوري أن يعوّل عليها في بناء مستقبله الاقتصادي، ولكن على الدولة السورية أن تستخدم الأدوات السياسية والدبلوماسية لاسترجاعها، فما عجز عنه القانون قد يتم حلّهُ باستخدام الأدوات السياسية والتفاهمات الدولية.

الثورة السورية

—————————————

مصرف سوريا المركزي يعلن التعليمات التنفيذية الخاصة بالعملة الجديدة

الأحد 28 كانون الأول 2025

أكد حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، خلال مؤتمر للإعلان عن التعليمات التنفيذية للعملة السورية الجديدة، أن جميع أرصدة المصارف منذ بداية العام القادم ستكون بالليرة السورية الجديدة.

وأكد الحصرية خلال المؤتمر، أن إطلاق العملة الجديدة لا يُعدّ إجراءً شكلياً، بل «يمثّل محطة محورية ضمن استراتيجية شاملة تقوم على أسس مؤسساتية راسخة، في مقدمتها ترسيخ الثقة بالمؤسسات الوطنية وتحقيق استقرار اقتصادي مستدام».

وأشار الحصرية إلى أن معيار عملية استبدال العملة تقتضي حذف صفرين، بحيث تكون كل 100 ليرة تساوي ليرة سورية واحدة، لافتاً إلى أنه ستكون هناك فترة تعايش بين العملتين لمدة 90 يوماً قابلة للتمديد.

وأوضح أن عملية الاستبدال مجانية بالكامل، فيما يُحظر فرض أي عمولات أو رسوم أو ضرائب تحت أي مسمّى، وتلتزم جميع الجهات العامة والخاصة بتطبيق معيار الاستبدال على الأسعار والرواتب والأجور، والالتزامات المالية.

كذلك، أكد حاكم مصرف سوريا أنه ستصدر نشرات رسمية لأسعار الصرف بالعملتين لضمان وضوح التعاملات، ومنع أي تمييز أو مضاربة، مشدداً على أن المصرف سيحافظ على الكتلة النقدية بشكل جيد دون زيادة أو نقصان.

في السياق نفسه، أشار الحصرية إلى أن المصرف المركزي سيوفر الليرة السورية في حال زيادة الطلب عليها مقابل القطع الأجنبي، مضيفاً أن مرسوم استبدال العملة حدد الاستبدال ضمن الأراضي السورية فقط.

———————————

الزراعة في سوريا.. قطاع حيوي يستعيد حضوره/ د. يحيى السيد عمر

ديسمبر 28, 2025    

تعود الزراعة اليوم لتتصدر واجهة الاهتمام الاقتصادي في سوريا، بوصفها أحد أهم القطاعات القادرة على دعم التعافي وإسناد الاستقرار المجتمعي والاقتصادي. فهذا القطاع لم يكن يوماً نشاطاً مُكمِّلاً، بل هو ركيزة أساسية في بنية الاقتصاد الوطني، ومصدر رئيسي للدخل، ورافِد مُهِمّ للناتج القومي، إلى جانب كونه مصدر رِزْق لشريحة واسعة من السوريين.

إلى جانب دوره الاقتصادي المباشر؛ يحتفظ القطاع الزراعي بأهمية اجتماعية وإنسانية عميقة؛ لأنّه يُشكّل خطّ الدفاع الأول في مواجهة تحديات الأمن الغذائي، في وقتٍ لا تزال فيه نسبة كبيرة من السكان بحاجة إلى نظام غذائي مستقِرّ وآمِن. ومن هذا المنطلق، تبدو إعادة تأهيل الزراعة وتطويرها ضرورة وطنية واقتصادية لا يمكن تأجيلها.

ورغم امتلاك سوريا لمقومات زراعية كبيرة من حيث المساحات القابلة للزراعة، والتنوّع المناخي، والخبرة البشرية، إلا أن هذا القطاع واجَه خلال السنوات الماضية تحدّيات صعبة أثَّرت على قُدرته الإنتاجية. من أبرز هذه التحديات: تراجع الموارد المائية وموجات الجفاف، وما خلَّفَته ظروف السنوات الماضية من أضرار على البنية الزراعية وشبكات الري، فضلاً عن ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من بذور وأسمدة ومحروقات، وهو ما دفَع كثيراً من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو خفض الإنتاج.

إعادة تفعيل القطاع الزراعي

في مواجهة هذه التحديات، بدأت تتبلور رؤية أكثر تنظيمًا لإعادة تفعيل القطاع الزراعي؛ تقوم على الجمع بين الجهد الوطني الداخلي والدعم الدولي المنسَّق. وفي هذا الإطار، جاء الاجتماع التنسيقي الذي عقدته وزارة الزراعة مع عددٍ من المنظمات الدولية والإقليمية، ليس بوصفه لقاءً بروتوكوليّاً، بل كخطوة عملية تهدف إلى وَضْع إطار عمل واضح يُحدّد الأولويات، ويرسم آليات التنفيذ، ويضمن أن يكون الدعم المُقدَّم ذا أثر مباشر على الإنتاج ودخل المزارعين.

ركَّزت الرؤية المطروحة على الانتقال من مرحلة توصيف المشكلات إلى صياغة برنامج عملي يعتمد على خارطة طريق واضحة، ذات خطوات قابلة للقياس، ومؤشرات أداء محدَّدة، وآليات متابعة دقيقة، بما يضمن تحويل الوعود والخطط إلى مشاريع حقيقية على الأرض. كما تمَّت الإشارة إلى ضرورة توزيع الأدوار بين الجهات المحلية والمنظمات الدولية بشكلٍ مُنظَّم، لمنع تداخُل الجهود وتعزيز كفاءة استخدام الموارد المتاحة.

وفي هذا السياق، يحظى ملف البِنْيَة التحتية الزراعية بأولوية كبيرة، سواء من خلال إعادة تأهيل شبكات الري ومحطات الضَّخّ، أو تحسين قدرات التخزين والنقل والتسويق؛ لأن أيّ تطوير في القطاع الزراعي سيبقى محدود الأثر إذا لم يُدْعَم بإطار بنيوي متماسك. كما برز ملف الثروة الحيوانية بوصفه أحد المحاور الاقتصادية المهمة، ليس فقط باعتباره نشاطاً تقليديّاً في الريف السوري، بل كقطاع قادر على لَعِب دور اقتصادي مماثل لما تقوم به دول مثل البرازيل وأستراليا وسويسرا؛ حيث تُشكّل تربية المواشي وتصدير اللحوم مصدر دخل قومي كبير، ورافداً مُهمًاً للعملة الصعبة، ودعامة قوية للأمن الغذائي وتوفير فُرَص العمل.

وفي هذا الإطار، يمكن للثروة الحيوانية في سوريا أن تتحوَّل إلى مصدر دخل قومي فعَّال، إذا ما تم دعمها عبر توفير الأعلاف، وتأمين اللقاحات والخدمات البيطرية، وتنظيم عملية الإنتاج والتسويق. فتعزيز هذا القطاع لا ينعكس فقط على دَخْل الأُسَر الريفية، بل يُسْهم في خَلْق فُرَص تصدير حقيقية، وتوفير موارد مالية تساعد في دَعْم مرحلة إعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي.

كما احتلَّ محصول القمح مكانةً خاصةً في أولويات العمل الزراعي، باعتباره أحد أعمدة الأمن الغذائي الوطني. فالعمل على توسيع المساحات المزروعة، وتوفير مستلزمات الإنتاج، ودعم المزارعين بشكل مباشر، يُمثِّل خطوة أساسية لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتأمين احتياجات السوق المحلية بشكلٍ مستدام، وهو ما يَحْمل في الوقت ذاته أثراً اقتصاديّاً مهمّاً يتعلَّق بالحد من نزيف العملة الصعبة.

البادية السورية ومستقبل الزراعة

لا يمكن الحديث عن مستقبل الزراعة دون التوقُّف عند البادية السورية، التي تُمثّل مساحة جغرافية واسعة تمتلك إمكانات اقتصادية كبيرة غير مستثمَرة بالشكل الكافي. تجارب دول عديدة مثل السعودية والإمارات والصين أثبتت أن البيئات الجافة ليست عائقاً أمام الاستثمار الزراعي إذا توافرت الإدارة الحديثة والتقنيات المناسبة. ويمكن للبادية السورية، عبر مشاريع مدروسة في تربية المواشي والزراعات الملائمة للمناخ الجاف، أن تتحول إلى مورد اقتصادي مُهِمّ، يخلق فُرَص عمل، ويدعم المجتمعات المحلية، ويُضيف مورداً جديداً للدخل القومي.

أما على المستوى الاجتماعي والاقتصادي الداخلي؛ فإن الزراعة قادرة على لَعِب دور كبير في خَلْق فُرَص عمل للشباب، وتحسين مستوى الدخل في المناطق الريفية، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. فالريف السوري يُمثِّل بيئة خِصْبة للمشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر المرتبطة بالنشاط الزراعي، والتي لا تتطلب رؤوس أموال ضخمة، لكنها تمتلك أثراً اقتصاديّاً وتنمويّاً كبيراً. هذه المشاريع، سواء في الإنتاج الزراعي أو التصنيع الغذائي أو الخدمات المرتبطة بالقطاع، يمكن أن تساعد في تقليص البطالة، ورفع مستوى الدخل، والحدّ من الهجرة الداخلية.

إلى جانب ذلك، يمكن للقطاع الزراعي أن يُسْهم بشكلٍ غير مباشر في دعم الاستقرار النقدي والمالي، من خلال تقليل الاعتماد على الاستيراد وزيادة الصادرات الزراعية والحيوانية، وهو ما يُعزّز الميزان التجاري، ويُخفّف الضغط على العملة المحلية، ويجعل الاقتصاد أقل هشاشة أمام التقلبات الخارجية.

في المحصلة، تبدو سوريا اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء قطاعها الزراعي على أُسُس حديثة وأكثر تنظيماً. النجاح هنا لا يعتمد فقط على توافر الموارد، بل على حُسْن إدارتها، وتنظيم الشراكات الدولية، وتوجيه الدعم نحو مشاريع عملية قابلة للتنفيذ، وإشراك المزارعين والمجتمع المحلي في صياغة الحلول. وإذا ما تم التعامل مع هذا الملف بعقلية تخطيطية واضحة، فإن الزراعة لن تكون مجرد قطاع إنتاجي، بل مُحرّك للتعافي الاقتصادي، وداعم للاستقرار الاجتماعي، وركيزة أساسية لمستقبل اقتصادي أكثر توازناً واستدامة في سوريا.

الثورة السورية

—————————————

السياسة النقدية في سوريا.. خطوات جريئة خلال عام

27/12/2025

مع مرور عام على تحرير سوريا، شهد القطاع النقدي والمصرفي في البلاد تحولاً جذرياً حيث أطلق مصرف سوريا المركزي خطة وطنية شاملة هدفت إلى استعادة الاستقرار النقدي، وبناء الثقة وإعادة ربط سوريا بالمنظومة المالية الإقليمية والدولية.

وأهم خطوات السياسة النقدية في البلاد كانت بصدور المرسوم الرئاسي رقم 293 الذي قضى باستبدال الليرة القديمة بليرة جديدة وبتفويض المركزي لإجراء هذه العملية.

التحضيرات لإطلاق العملة الجديدة

تمكن مصرف سوريا المركزي خلال عام 2025 من التجهيز وطباعة الليرة السورية الجديدة بمواصفات حماية عالية، تهدف إلى تعزيز الثقة بالعملة الوطنية، وتُسهل المعاملات، وتسهم بمكافحة التضخم، ودعم الاستقرار النقدي، ليعلن المركزي عن موعد إطلاق هذه الليرة بست فئات “5، 10، 25، 50، 100، و500” ليرة في أول يوم من كانون الثاني بداية عام 2026.

العمل رسمياً بنظام SWIFT

بعد انقطاع دام نحو أربعة عشر عاماً، استأنف مصرف سوريا المركزي العمل رسمياً عبر نظام SWIFT حيث وجّه حاكم المصرف عبد القادر الحصرية أول رسالة رسمية إلى جميع المراسلين المصرفيين، من بينهم الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الذي أكد بدوره استلامها، ليمثل هذا الإنجاز بوابة دخول سوريا إلى النظام المصرفي العالمي.

هذا الأمر فتح الباب أمام إعادة تفعيل العلاقات المصرفية الخارجية، وتسهيل التحويلات المالية، وتعزيز متطلبات مكافحة غسل الأموال وفق المعايير الدولية، وبالتوازي، بدأت أنظمة عدد من البنوك الدولية بإضافة المصارف السورية مع ظهور خيار التحويل إلى سوريا في بنوك بتركيا وإيطاليا وألمانيا، كما فتح المصرف حساباته لدى البنوك المركزية الأخرى.

إصلاح مؤسسي وتقني

في إطار تحديث البنية الإدارية والتقنية، عمل المصرف على برامج تدريب فنية متقدمة لإعادة تأهيل الكوادر إلى جانب تحديث البنى التقنية وأمن المعلومات بالتنسيق مع وزارة الاتصالات.

كما أنهى المصرف تحضير الهيكل التنظيمي الجديد له وتحديد الاختصاصات الوظيفية للوحدات بما يواكب متطلبات المرحلة المقبلة.

إدارة السيولة

من جهة أخرى، ولضمان سياسة فعالة لإدارة السيولة والعرض النقدي، ألغى المصرف جميع القيود على نقل الأموال بين المحافظات، وتم توحيد نشرات سعر الصرف في نشرة رسمية واحدة، ورفع الهوامش المسموح بها للمصارف بهدف جذب القطع الأجنبي، وتقليص الفجوة مع السوق الموازية، وتخفيف الضغط على الليرة السورية، إضافة إلى التنسيق مع وزارة المالية لإيقاف التمويل بالعجز.

حماية أموال المودعين

في هذا السياق، تم إحداث مؤسسة ضمان الودائع لحماية أموال المودعين، إلى جانب إصدار تعاميم مرنة للسحب والتحويل، وتهيئة البيئة المصرفية لعودة التحويلات والاستثمارات من الخارج، وتعزيز دور حماية “المستهلك المصرفي” من خلال إحداث مديرية متخصصة لذلك داخل المصرف.

هيئة مكافحة غسل الأموال

أعاد المصرف المركزي هيكلة هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأعد الخطة الوطنية للفترة 2026–2028 إلى جانب التحضير للتقييم المتبادل الدولي عام 2027 كما جرى توقيع وإعداد مذكرات تفاهم وطنية، والمشاركة الدولية الفاعلة في مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا MENAFATF  وفي ورشات العمل في الأردن والسعودية بالتعاون مع مجموعة إيغمونت للتحريات المالية، إضافة إلى تعزيز التنسيق مع وزارة الداخلية في إطار تكامل أمني مالي لحماية الاستقرار الاقتصادي.

الانضمام لمنصة مدفوعات عربية

خلال الأشهر الماضية أقرّ المصرف المركزي البنية الوطنية للدفع الإلكتروني، ويجري التحضير حالياً لإطلاق محول وطني مركزي يربط الصرافات ونقاط البيع والبطاقات، كما تم توقيع مذكرة تفاهم مع Mastercard والاتفاق مع شركة Visa على خارطة طريق للمدفوعات الرقمية، دعماً للشمول المالي والتتبّع الرقمي للمعاملات، ووافق صندوق النقد العربي على انضمام سوريا إلى منصة ” بُنى” للمدفوعات العربية.

الإصلاح التشريعي

من جهة أخرى عمل المصرف على تعديل قانون النقد الأساسي رقم 23 لعام 2002 وإلغاء القوانين الاستثنائية المجحفة، وإعداد التعليمات التنفيذية لمصارف الاستثمار، إضافة إلى إطلاق لجنة للإشراف على الذهب.

وضمن جهود تنشيط القطاع المصرفي، تتم دراسة منح تراخيص لمصارف تقليدية وإسلامية ومصارف تمويل أصغر، مع ترخيص 26 شركة صرافة وحوالات تحت رقابة مصرف سوريا المركزي، كما جرى التنسيق مع المصارف الخاصة بعدة أمور أخرى، واعتماد ورقة سياسات لإنشاء سوق نقدي بين المصارف.

التعاون الدولي

أعاد المصرف تفعيل التعاون مع صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP وصندوق النقد العربي، إلى جانب عقد ورشات عمل مشتركة لتطوير الإحصاءات والنظم النقدية، كما جرى بحث التعاون المالي مع دول صديقة مثل السعودية والإمارات وقطر والأردن وتركيا، والمشاركة في القمة المصرفية السورية الأردنية في عمّان.

ما سبق ذكره، شكّل بمجمله إستراتيجية وطنية شاملة يعمل المركزي من خلالها على إعادة بناء القطاع النقدي والمصرفي، وفق محاور الاستقرار النقدي، والتحول الرقمي، وإصلاح التشريعات، وإعادة الاندماج الدولي، والشمول المالي، حيث تُعد هذه الإستراتيجية وفق المركزي الإطار الحاكم لكل خطوات الإصلاح الحالية والمستقبلية

—————————–

الإفتاء الأعلى يصدر بياناً بشأن عملية استبدال العملة الوطنية ويحذّر من استغلال الأمر

كانون الأول 28, 2025

أصدر مجلس الإفتاء الأعلى، في 28 كانون الأول، بياناً شرعياً بشأن عملية استبدال العملة الوطنية (الليرة السورية الجديدة)، محذّراً فيه من استغلال هذا الإجراء للإضرار بالناس، مثل رفع الأسعار أو الانتقاص من حقوقهم.

وأكد المجلس، في بيان نشره عبر معرّفاته الرسمية، أن أي استغلال “محرّم شرعاً لما فيه من الظلم، وأكل أموال الناس بالباطل”.

وذكر المجلس أن إجراء حذف الصفرين من العملة الوطنية هو إجراء تنظيمي إداري محض، لا يغيّر من قيمة الالتزامات ولا يمسّ الحقوق المالية القائمة.

وبيّن أن الديون والعقود والمهور وسائر الالتزامات المالية تبقى محفوظة ومعتبرة شرعاً، وتحوّل حسابياً إلى العملة الجديدة بالقيمة المكافئة دون زيادة أو نقصان، “فما كان التزاماً مقداره مئة ألف ليرة، يصبح ألف ليرة بالقيمة نفسها، وهكذا في سائر المعاملات”.

وأشار إلى أن تبديل العملة النقدية يتم بتسليم العملة القديمة وتسلُّم القيمة المكافئة بالعملة الجديدة، دون زيادة أو نقصان، “وفي الحال يداً بيد دون تأجيل”، أما الحسابات البنكية فيكفي ظهور الرصيد بالقيمة المكافئة بالعملة الجديدة بين الطرفين.

وختم المجلس بيانه بأن استقرار المعاملات المالية مقصد شرعي معتبر، والتعاون عليه واجب شرعاً لما فيه من تعزيز الثقة وحفظ الحقوق وتحقيق المصلحة العامة.

وقال حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية في لقاء على شاشة الإخبارية، في 25 كانون الأول الجاري: “سيكون لدينا مرونة في عملية التبديل، ولدينا 66 شركة وألف منفذ للعملية”، مشيراً إلى أن هذه التجربة الخاصة ستكون قائمة على أسس فنية.

وقدّم حاكم المصرف في منشور عبر صفحته الرسمية على منصة “فيسبوك” مؤخراً، تهنئة بمناسبة صدور المرسوم رقم (293) لعام 2025، القاضي بإصدار العملة السورية الجديدة، واصفاً إياه بأنه يمثّل مرحلة وطنية مفصلية وبداية لعهد اقتصادي جديد.

المصدر: الإخبارية

———————————–

==================

تحديث 27 كانون الأول 2025

———————————

هل تقف الليرة الجديدة على أرض صلبة؟: الأثر التضخمي المحتمل لاستبدال العملة في سياقٍ اقتصادي غير مواتٍ/ مسلم عبد طالاس

26-12-2025

        أعلن مصرف سورية المركزي عن نيته استبدال العملة السورية في مطلع العام القادم. ورغم أن الإعلان لم يتضمن تفاصيل واضحة حول آليات التنفيذ أو الإطار الزمني الدقيق، فإن مجرد طرح فكرة استبدال العملة يفتح نقاشاً اقتصادياً واسعاً يتجاوز المسائل التقنية والشكلية، ليصل إلى جوهر أكثر حساسية يتعلق بالاستقرار النقدي وبالمخاطر التضخمية المرتبطة بهذه الخطوة في الظروف الراهنة.

        من منظور الاقتصاد الكلي، يعدّ استبدال العملة من أكثر الإجراءات النقدية تعقيداً وحساسية، ليس لأنه إجراء فني صعب، بل لأنه يتداخل مع عنصر الثقة، وهو العنصر الأكثر هشاشة في أي نظام نقدي يعاني اختلالات مزمنة كما هو حالة الاقتصاد السوري. فالعملة ليست مجرد وسيلة حساب أو أداة تبادل، بل هي تعبير مكثف عن الثقة بالاقتصاد وبقدرة الدولة على إدارة التوازن بين العرض والطلب، وضبط التوقعات، والحفاظ على القيمة.

        في هذا السياق، لا يمكن تقييم خطوة استبدال العملة بمعزل عن البيئة الاقتصادية التي ستُطرح فيها، ولا عن قدرة هذه البيئة على امتصاص الصدمة النقدية التي ترافق أي تغيير جذري في النظام النقدي. وعندما تكون هذه البيئة غير مواتية، فإن الخطر الأساسي لا يكون إدارياً أو تنظيمياً، بل تضخمياً بالدرجة الأولى. وقد سبق أن تناولنا في مقال نشر في الجمهورية.نت هذا الموضوع من زاوية قدرة الدولة على التحكم بعناصر العرض والطلب، غير أن النقاش هنا لا ينطلق من تلك القدرة المفترضة، بل من المخاطر التضخمية العالية التي يمكن أن تنتج عن تنفيذ الاستبدال في بيئة اقتصادية غير مواتية.

        التضخم هو نتيجة اختلال التوازن بين عرض النقود والطلب عليها. وعندما يرتفع عرض النقود بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد على توليد طلب حقيقي عليها، تتراجع القيمة وترتفع الاسعار. هذه القاعدة لا تتغير في حالة استبدال العملة، بل تصبح أكثر حدّة.

        في أي عملية استبدال، تضطر السلطة النقدية إلى ضخ كميات كبيرة من العملة الجديدة في السوق خلال فترة انتقالية، مقابل سحب العملة القديمة تدريجياً. وحتى في الحالات التي تعلن فيها السلطات أن الاستبدال سيكون محايداً من حيث الكتلة النقدية، فإن الواقع العملي يظهر أن هذه العمليات نادراً ما تكون متوازنة زمنياً. وغالبا ما يؤدي التأخير في سحب النقد القديم، أو ضعف القدرة الادارية على ضبط العملية، إلى زيادة فعلية في عرض النقود. في اقتصاد يتمتع باستقرار نسبي ونمو معقول، يمكن امتصاص هذه الزيادة المؤقتة دون آثار تضخمية كبيرة؛ أما في اقتصاد يعاني ضعفاً شديداً في مصادر الطلب على العملة فإن هذه الزيادة تتحول مباشرة إلى ضغط تضخمي، لا سيما عندما تترافق مع تراجع الثقة والتوقعات السلبية.

        يعاني الطلب على الليرة السورية من ضعف بنيوي ناتج عن مجموعة من العوامل المتراكمة. فالنمو الاقتصادي محدود للغاية، ولا يشكل مصدراً فعلياً لزيادة الطلب النقدي. كما أن النشاط الإنتاجي لا يزال عاجزاً عن توليد قيمة مضافة كافية تدعم دورة نقدية مستقرة.

        على صعيد التجارة الخارجية، يميل الميزان التجاري بشكل واضح لصالح الاستيراد. ويعني ذلك أن الطلب على العملات الاجنبية يفوق بكثير الطلب على العملة المحلية، ما يخلق ضغطاً دائماً على سعر الصرف. وفي مثل هذه الظروف، لا يؤدي ضخ كميات اضافية من الليرة إلى تحفيز النشاط الاقتصادي، بل إلى تسريع عملية تحويلها إلى سلع أو عملات بديلة، وهو سلوك يرفع الاسعار ويغذّي التضخم.

        ويلعب عامل التوقعات دوراً حاسما في هذه المعادلة. فالتوقعات الاقتصادية والسياسية السائدة لا تشير إلى استقرار قريب، وهو ما يدفع الأفراد والفاعلين الاقتصاديين إلى تقليص الاحتفاظ بالعملة المحلية. هذا السلوك لا ينتج عن دوافع مضاربية فقط، بل عن محاولة عقلانية لحماية القوة الشرائية في بيئة تتسم بعدم اليقين؛ ونتيجة ذلك هي ارتفاع سرعة تداول النقود، وهو عامل تضخمي بحد ذاته.

        في التجارب الدولية، تلعب الاحتياطيات الأجنبية دوراً محورياً في إنجاح عمليات استبدال العملة. فهي لا تُستخدم فقط للدفاع عن سعر الصرف، بل تُشكّل أداة نفسية مهمة لضبط التوقعات. وجود احتياطيات كافية يبعث رسالة بأن السلطة النقدية قادرة على التدخل عند الحاجة، وأنها تمتلك هامش مناورة يسمح لها باحتواء الصدمات.

        في الحالة السورية، تبدو الاحتياطيات محدودة إلى درجة لا تسمح لها بلعب هذا الدور. وغياب هذا الهامش يضعف قدرة السياسة النقدية على ضبط التضخم، ويجعل أي توسع نقدي، حتى لو كان مؤقتاً، أكثر خطورة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح استبدال العملة خطوة عالية المخاطر من حيث أثرها على استقرار الأسعار.

        قد يُطرح خيار تشديد السياسة النقدية كوسيلة للحد من المخاطر التضخمية المرتبطة باستبدال العملة. نظرياً، يمكن رفع معدلات الاحتياطي القانوني، أو أسعار الفائدة، أو تقييد الائتمان. لكن هذه الأدوات تحمل كلفة انكماشية عالية في اقتصاد يعاني أصلاً من ضعف شديد في النشاط والاستثمار.  فالاقتصاد السوري لا يقف عند مستوى يسمح له بتحمل صدمة انكماشية إضافية، وأي تشدد نقدي حاد قد يؤدي إلى تعميق الركود، وتراجع الإنتاج، وزيادة البطالة المقنّعة، من دون ضمان السيطرة على التضخم، خاصة إذا كان مصدره الأساسي هو ضعف الثقة وليس فائض الطلب.

        وهكذا يجد صانع السياسة النقدية نفسه أمام معادلة صعبة: التوسع النقدي المرتبط بالاستبدال يرفع التضخم، والتشدد لكبحه يفاقم الركود. وهذه ليست معضلة نظرية، بل تجربة عايشتها دول عديدة نفّذت إصلاحات نقدية في ظروف غير مستقرة.

        بمقارنة هذه التجارب الدولية المماثلة مع الواقع السوري، يتضح أن الشروط اللازمة لاستبدال آمن للعملة غير متوافرة. فالنمو ضعيف، والميزان التجاري مختل، والاحتياطيات محدودة، والتوقعات غير مستقرة. وفي مثل هذا السياق، لا يكون الخطر التضخمي احتمالاً نظرياً، بل نتيجة مرجحة. بل إن الخطر الاكبر يتمثل في أن يتحول استبدال العملة إلى اداةٍ غير مباشرة لتمويل العجز في الموازنة العامة عبر التوسّع النقدي. وفي هذه الحالة، يصبح التضخّم وسيلة تمويل، تنقل كلفتها إلى الدخول الحقيقية للمواطنين، وتؤدي إلى تآكل إضافي في القوة الشرائية.

        وفي الخلاصة فإن استبدال العملة في بيئة غير مواتية اقتصادياً لا يشكل اصلاحاً نقدياً، بل اختباراً عالي المخاطر. وعندما تغيب شروط الاستقرار الاقتصادي والثقة العامة، يتحول هذا الإجراء إلى عامل تسريع للتضخم، وكاشفٍ للاختلالات القائمة بدل أن يكون اداة لمعالجتها.المسألة في النهاية لا تتعلق بشكل العملة الجديدة أو وحدات حسابها، بل بقدرتها على أداء وظائفها الاساسية. ومن دون تحسّن ملموس في النمو، وفي بنية التجارة الخارجية، وفي مستوى الثقة، يبقى استبدال العملة خطوة مكلفة اقتصاديا، ذات أثر تضخمي مرتفع، يتحمّله الاقتصاد والمجتمع على حد سواء.

موقع الجمهورية

————————————

عملة جديدة تطوي صفحة الماضي.. فهل تنعكس إيجابًا على جيوب السوريين؟/ نغم قدسية

26 ديسمبر 2025

في لحظة تاريخية، تستعد سوريا لمواجهة أحد أكثر الملفات الاقتصادية حساسيةً؛ تغيير العملة الوطنية. الخطوة المرتقبة التي باتت محورًا للأحاديث اليومية، ليست مجرد تبديل للأوراق المالية، بل محاولة لإعادة الثقة بالليرة السورية.

في ظاهرها، تحمل عملية تغيير العملة وعدًا بتسهيل التعاملات المالية اليومية وتبسيط العمليات الحسابية، وربما بنظرة رمزية تمثّل طي صفحة الماضي برموزه وشعاراته، إلا أنها لا تخلو من التحديات، وربما لن تتحقق الأهداف المرجوة منها، إلا إذا ترافقت مع إصلاحات هيكلية تعزز قيمة الليرة محليًا. فما التحديات المتوقعة لمرحلة تبديل العملة؟ وهل اختصار الأصفار سيعزز القدرة الشرائية للمواطنين؟

أعباء ا كبيرة وتكاليف مرتفعة

يقول الأكاديمي والباحث في الاقتصاد والتمويل، الدكتور جاسم العكلة، إن القدرة الشرائية للمواطنين لن تتحسن إلا إذا رافق ذلك تحسّن في الإنتاج والدخل الحقيقي، أما تغيير الشكل أو حذف الأصفار، فلن يؤثر على القيمة الحقيقية للنقود.

ويتفق في ذلك مع رأي الباحث الاقتصادي، محمد علبي، الذي يرى أن الناس قد يشعرون بتحسّن نفسي مؤقت بسبب انخفاض الأرقام، لكن إن لم تُعالج أسباب التضخم وسعر الصرف، فالأسعار سترتفع سريعًا بالعملة الجديدة.

ويشير علبي في حديثه لموقع “الترا سوريا” إلى أنّ تغيير العملة يمكن أن يكون مفيدًا إذا جاء كخاتمة لمسار إصلاحي أوسع، يتضمن استقرارًا ماليًا، وسياسة نقدية واضحة، إلى جانب الانضباط المالي، وتحسن في الإنتاج، أما إذا طُرح كبديل عن الإصلاح، فهو أقرب إلى إجراء شكلي يستهدف العامل النفسي وتبسيط التعاملات، متوقعًا أن يتحول ذلك إلى مصدر توتر وفقدان ثقة في حال تزامن مع تذبذب سعر الصرف أو شحّ السيولة.

ويوحي ذلك بأن عملية تغيير العملة الوطنية ربما تواجه تبعات خاصة بالمرحلة، فبحسب الأكاديمي والباحث في الاقتصاد والتمويل العكلة، قد تسبب أعباءً لوجستية كبيرة وتكاليف مرتفعة على الحكومة، ويخلق حالة من الارتباك المؤقت إذا لم يكن مدروسًا بدقة، خاصة في ظل ضعف الثقة بالمؤسسات النقدية.

من جانبه، يتطرق الباحث الاقتصادي، محمد علبي، إلى أبرز المخاطر التي يمكن أن تترافق مع مرحلة تغيير العملة، كاضطراب الثقة والسلوك، الذي قد يشمل تهافتًا على الدولار، وتسريعًا للدولرة، إلى جانب ارتفاع الطلب على الملاذات الآمنة كالذهب، وارتباك التسعير وارتفاع “تكلفة التحويل” على المواطنين، إضافة إلى مخاطر لوجستية وأمنية، ومخاطر تزوير بسبب عدم وعي المواطنين بالأوراق النقدية الجديدة. كما من المتوقع، بحسب علبي، أن تظهر مشكلة “التحويل الخاطئ” في الرواتب والأسعار والأجور، ما يخلق موجة تضخم إضافية إذا لم تُدار بدقة.

تضاعف تبعات تغيير العملة

بالنظر إلى السياق السوري، يرى علبي أن تبعات تغيير العملة قد تتضاعف بسبب غياب الثقة بالقطاع المصرفي، واتساع الاقتصاد غير الرسمي (الكاش)، إضافة إلى ضعف أدوات الرقابة على الأسعار، والحساسية العالية لسعر الصرف تجاه أية صدمات أو توقعات. ويعتقد علبي أن تغيير العملة في بيئة كهذه قد يُفاقم المشكلات، ويفتح مجالًا لممارسات احتكارية أو استغلالية في فترة الانتقال. فكيف يمكن ضبط المرحلة؟

ويشير علبي إلى حزمة متزامنة لضبط الأسعار خلال مرحلة تبديل العملة، تشمل إعلانًا واضحًا ومبكرًا لسعر التحويل والقواعد المحاسبية كالتقريب (rounding) ومنع الاستغلال، وفترة تداول مزدوج محدودة زمنيًا مع إلزام الفوترة بالعملتين، إلى جانب الحاجة إلى رقابة فعّالة على سلاسل التوريد والاحتكار، وضمان انسياب السلع الأساسية، وتنسيق مالي-نقدي لتفادي صدمة سيولة. والأهم، بحسب علبي، هو وجود مرجعية سعر صرف مستقرة نسبيًا خلال فترة الاستبدال، لأن أي اهتزاز في الصرف ينسف جهود تثبيت الأسعار فورًا، حسب رأيه.

مرحلة حساسة ودقيقة

تبدو المرحلة الاقتصادية القادمة حساسة ودقيقة، لكن ما تأثير حذف الأصفار على التضخم الاقتصادي وهل يعيد تغيير العملة ثقة المواطنين بالليرة المحلية؟

يقول الدكتور العكلة إن تغيير العملة لن يحدّ بحد ذاته من التضخم، بل قد يزيده مؤقتًا إذا ارتفعت التكاليف التشغيلية أو زادت المضاربة في السوق، ما لم تُتخذ إجراءات نقدية متوازنة. أما عن الثقة بالليرة، فيرى أن استعادة الثقة تحتاج إلى استقرار سياسي واقتصادي ومصرفي، وتغيير العملة قد يعطي مؤشرًا إيجابيًا رمزيًا، لكنه لا يكفي دون إصلاحات أعمق تتسم بالاستمرارية.

ويعتقد العكلة أن النظام المصرفي يعاني من تحديات هيكلية، ما قد يعيق قدرته على إدارة التغيير بكفاءة. وأن النجاح في ذلك يتطلب تدريبًا، وبنية تحتية قوية، وتنسيقًا دقيقًا بين الجهات المعنية.

خطوة مليئة بالتحديات

إذًا، بحسب خبراء الاقتصاد، الخطوة مليئة بالتحديات، لكن ما الميزات التي ستنعكس على المواطنين بعد تغيير العملة؟

يقول الدكتور العكلة إن ذلك قد يساعد في الحد من التعامل بالعملة التالفة، وضبط السيولة النقدية، ويُستخدم رمزيًا لتعزيز الثقة، إذا ترافق مع إصلاحات حقيقية، لكنه لا يغيّر الواقع الاقتصادي دون دعم سياسي ومؤسساتي، فتغيير العملة يمكن أن يكون خطوة إصلاحية إذا جاء ضمن حزمة سياسات اقتصادية شاملة، أما بمفرده، فغالبًا ما يُعدّ إجراء شكلي لا يعالج الأسباب الحقيقية للتدهور.

ويرى الباحث الاقتصادي علبي، أن الفوائد المتوقعة، إن نُفّذت ضمن إطار مؤسسي واضح، ستكون تقنية بالدرجة الأولى، كتسهيل التسعير والمحاسبة، وتقليل كلفة التعامل بالنقد، وتبسيط نظم الدفع والرواتب والضرائب، وتخفيف أثر “التضخم الاسمي” على السجلات والأنظمة. وقد ينعكس ذلك إيجابًا على بيئة الأعمال، لكنه لا يصنع نموًا ولا يعالج عجز الإنتاج أو البطالة أو فجوة الدخل، حسب رأيه.

وفي الوقت الذي لا يبدو فيه تغيير العملة السورية خطوة سحرية قادرة على انتشال الاقتصاد أو تحسين معيشة المواطنين، ما لم تأتِ ضمن مسار إصلاحي متكامل يعالج جذور الأزمة، إلا أنه يحمل بُعدًا نفسيًا يتمثل في محو رموزٍ ووجوه ارتبطت بمرحلة سابقة، في محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي نحو المستقبل.

الترا سوريا

———————————

بعد عام من سقوط الأسد: بناء البشر بدل الحجر أولوية/ أميمة عمر

تهيمن على محادثات إعادة الإعمار قضايا الطرقات والجسور والمباني. لكن إن أراد العالم إعادة إعمار سوريا بحق، فسيبدأ هذه المهمة من داخل الغرف الصفية وملاعب المدارس

السبت 27 ديسمبر 2025

إذا كان العالم يريد حقاً إعادة بناء سوريا، فليبدأ من المدارس وساحات اللعب حيث يتعلّم الأطفال الإيمان بمستقبلهم (أ ف ب/ غيتي)

ملخص

التعليم في سوريا لم يكن ترفاً في زمن الحرب، بل ما أنقذ الأطفال من الانكسار وحفظ قدرتهم على الحلم وسط القصف والنزوح. واليوم، بعد عام على سقوط النظام، لا يمكن بناء مستقبل البلاد ولا إعادة إعمارها فعلياً إلا بالبدء بالمدارس والمعلمين قبل الإسمنت.

كان عام 2011، وكانت الحرب في سوريا بدأت لتوها. كنا نسمع عن قصف مدن أخرى، لكننا كنا نعتقد بصدق أن مدارس حلب أكثر أماناً للأطفال من بيوتهم. كان الملعب مكتظاً. كنا أنهينا الدروس للتو وسمحنا للأطفال بالخروج إلى الاستراحة. كنت أقف مع معلمين آخرين نراقبهم وهم يركضون ويلعبون. بدا الأمر كأنه يوم عادي آخر.

ثم سمعنا صوت الطائرة يقترب. بدأنا ننادي الأطفال ليعودوا إلى صفوفهم. لا أذكر لحظة الارتطام بوضوح. كل ما أذكره هو ألم مفاجئ في صدري وأذني، ثم لا شيء. وعندما فتحت عيني، كان الغبار في كل مكان، وصوت صراخ الأطفال يملأ الأجواء. كان بعضهم ممدداً على الأرض، ووجوههم مغطاة بالغبار والدماء. اندفع الآباء إلى الداخل وهم يصرخون بأسماء أبنائهم وبناتهم. في ذلك اليوم، لم يعد ستة أطفال إلى منازلهم.

هذا الشهر، يمر عام كامل على سقوط نظام الأسد الذي قصف ذلك الملعب. يتحدث الناس اليوم عن إعادة الإعمار: عن الطرق والجسور والمباني. وبالطبع، نحن في حاجة إلى أسقف لا تتسرب منها المياه، وإلى مستشفيات غير مدمرة. لكن بعد 14 عاماً من التعليم في ظل الحرب، أعرف أمراً قد يغفله كثير من المخططين في عواصم بعيدة: التعليم ليس أمراً ثانوياً. بالنسبة إلى الأطفال، هو لا يقل أهمية عن الغذاء والمأوى في إنقاذ حياتهم، ويجب أن يكون في صلب إعادة بناء سوريا.

أدركت ذلك أولاً في منزلي. بعد الهجوم، أبقى الآباء أطفالهم في البيوت لأسابيع. وكنت أنا أيضاً خائفة من إعادة ابني ذي الأعوام السبعة إلى المدرسة. لكن خوفه وقلقه لم يتراجعا، بل ازدادا. اشتاق إلى أصدقائه، وكان يريد أن يلعب ويضحك كما في السابق. إبقاؤه محبوساً في الداخل لم يجعله أكثر أماناً.

لذلك، قررنا نحن مجموعة من المعلمين تحويل منازلنا إلى صفوف دراسية. استقبل كل واحد منا ما بين 10 و15 طفلاً في غرفة الجلوس. واصلنا إعطاء الدروس، وحاولنا أن نوفر لهم قدراً من الروتين. ساعد ذلك قليلاً، لكنه لم يكن كافياً. كان الأطفال في حاجة إلى ما هو أكثر من دفاتر التمارين وأوراق العمل.

عندها أدركنا نقطة مهمة. لا يحتاج الأطفال إلى كتب وألواح فحسب. بل يحتاجون إلى بعضهم بعضاً. وهم في حاجة إلى مشاركة مخاوفهم- ونسيانها لبعض الوقت. والمدرسة ليست مكاناً مخصصاً للعلامات والاختبارات فحسب. بل هي نافذة يتنفس الأطفال من خلالها ويعيشون طفولتهم مجدداً، وهي المكان الذي يخرجون فيه من واقع الحرب لبضع ساعات يدخلون فيها عالماً مختلفاً يحيكونه من القصص والقصائد والأغاني والألعاب والدروس.

قبل الحرب، كنت أعمل في التدريس منذ أكثر من 20 عاماً. كنت أحب عملي، لكنه كان أيضاً روتيناً: وظيفة تبدأ في السابعة صباحاً وتنتهي في الثالثة بعد الظهر. أدرس حصصي، أتقاضى راتبي، وأعود إلى المنزل. بعدما أصاب ذلك الصاروخ ساحة المدرسة، تغير كل شيء. لم أعد مجرد موظفة. شعرت بأنني على خط المواجهة. كان هناك نظام يريد أن ينتزع من أطفالنا حقهم في التعلم وفي الشعور بالأمان. وكان دوري أن أدافع عن هذا الحق، وأن أضمن أن يتمسك الأطفال به، مهما كانت الظروف.

لقد أثبتت أعوام الحرب صحة ذلك. فالتعليم في زمن النزاع ليس ترفاً يمول “بعد انتهاء الطوارئ”. إنه ما يبقي الأطفال صامدين في قلب الطوارئ نفسها. يمنحهم الاستقرار وإحساساً بالحياة الطبيعية. ويقول لهم ببساطة: ما زال لكم مستقبل.

وعندما كان المانحون يرسلون الغذاء والخيام، كنا ممتنين، لكنني تمنيت لو أن عدداً أكبر منهم أدرك أن المدرسة قد لا تقل أهمية لبقاء الطفل على قيد الحياة من سلة غذائية.

منذ ذلك اليوم، واصلنا حمل هذه المسؤولية على رغم الغارات الجوية المتواصلة والشتاءات القاسية وحالات النزوح، والقلق الذي لا ينتهي. أنشأنا صفوفاً دراسية تحت أشجار الزيتون وفي الخيام، وحتى داخل الكهوف. ولم يعد التعليم مجرد مهنتنا، بل صار وسيلتنا لإبقاء أطفالنا متماسكين من الداخل.

أستحضر اليوم أسماء أطفال كثر كانوا بالكاد قادرين على الكلام من شدة الخوف عندما اندلعت الحرب. أما اليوم، فقد أصبح بعضهم في الجامعة، وبعضهم الآخر يشارك بالفعل في قيادة وبناء سوريا الجديدة. لولا المدارس التي أبقيناها مفتوحة على رغم كل الصعاب، لما كان لدينا هؤلاء الشبان والشابات. التعليم هو السبب الكامن الذي يجعل هذا العام الأول من التحرير يبدو بداية، لا خاتمة لانهيار طويل.

لكن الأمل وحده لن يعيد بناء نظامنا التعليمي. فالحرب لم تلحق الضرر بالمباني فحسب، بل أنهكت المعلمين، وخلفت صدمات نفسية لدى الأطفال، ودفعت ملايين التلاميذ إلى خارج المدارس. وإذا كان لهذه الذكرى أن تحمل أي معنى، فلا بد أن ينتقل التعليم من هامش الموازنات والمؤتمرات إلى صلبها.

 وهذا العمل يبدأ بالمعلمين. نحن في حاجة إلى استثمار طويل الأمد في التدريب، بحيث يمتلك كل معلم الأدوات اللازمة لتقديم دروس قوية، ودعماً عاطفياً داخل الصفوف. نحتاج إلى إرشاد يستجيب لواقع كل منطقة، وإلى دعم نفسي للمعلمين أنفسهم. فلا يمكن مطالبة معلم مثقل بالصدمات، ومتدني الأجر، ومستنزف القوى، بأن يشفي جيلاً بأكمله.

يجب أن ينعكس الاعتراف بدور المعلمين أيضاً في رواتبهم. فإذا كانت السلطات الجديدة والمانحون الدوليون يؤمنون حقاً، كما يقولون، بأن الأطفال هم مستقبل سوريا، فعلى أجور المعلمين وظروف عملهم أن تعكس هذا الإيمان. وفي كل خطة لإعادة الإعمار، ينبغي تخصيص حصة عادلة ومحمية من الموازنة للمدارس، ورواتب المعلمين، وتدريبهم، لا أن يُترك للفتات بعد رصد موازنات الطرق ومحطات الكهرباء.

وخلال الوقت نفسه، نحن في حاجة إلى جهد جاد، مدعوم من المانحين، يستهدف الأطفال – الذين أصبح كثير منهم اليوم بالغين – ممن انقطعوا عن التعليم خلال أعوام الحرب. لا يمكن ببساطة شطبهم ووصمهم بأنهم “جيل ضائع”. إنهم يستحقون برامج تعليمية تمنحهم فرصة ثانية تتلاءم مع ظروف حياتهم، وتساعدهم على القراءة والكتابة بثقة وتكسبهم مهارات تقود إلى عمل حقيقي. وينبغي التعامل مع تمويل هذا النوع من التعليم التعويضي بوصفه أولوية عاجلة، لا مشروعاً هامشياً يلتفت إليه فقط عندما يتوافر فائض في الأموال.

على امتداد الـ14 عاماً الماضية، عملت منظمات محلية ودولية معنا كي نبقي أبواب المدارس مشرعة وندرب المعلمين ونصلح الغرف الصفية. ومع تحول التركيز اليوم إلى إعادة الإعمار، ينبغي ألا تتلاشى هذه الشراكة، بل أن تتعمق، مسترشدة بخبرة أولئك الذين لم يغادروا الصفوف يوماً.

بعد عام على التحرير، قد يتركز كلام السياسيين على الأسمنت والصلب والمشاريع الكبرى. لكن من موقعي أمام السبورة، فأرى أولوية مختلفة. 14 عاماً من الحرب حاولت كسر أطفالنا، لكن التعليم ساعدهم على الوقوف من جديد. وإذا كان العالم يريد حقاً المساعدة في إعادة بناء سوريا، فعليه أن يبدأ من حيث سقطت القنابل أولاً: من ساحات اللعب والصفوف الدراسية، حيث لا يزال أطفالنا يحاولون، كل صباح، أن يؤمنوا بأن لهم مستقبلاً.

———————————–

متى تعلن سوريا رسميا بدء عملية إعادة الإعمار؟/ اسماعيل درويش

لا تزال تحديات عدة تواجه الدولة الوليدة في ظل محاولاتها اللحاق بركب التنمية والحداثة

السبت 27 ديسمبر 2025

لعبت السعودية دوراً فاعلاً في التمهيد لرفع العقوبات عن سوريا من خلال تحركات دبلوماسية ووساطات جمعت أطرافاً إقليمية ودولية، مؤكدة أن إنهاء العزلة الاقتصادية شرط أساس لعودة اللاجئين واستقرار البلاد.

من العاصمة السعودية الرياض، وفي الـ13 من مايو (أيار) الماضي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه سيرفع جميع العقوبات عن سوريا “ليمنحها فرصة”، وذلك بطلب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وبعد لقاء الرياض بنحو ستة أشهر، توجهت جهود رفع العقوبات بتوقيع ترمب على قرار يتضمن إلغاء نهائياً لقانون قيصر الذي يعد أقسى العقوبات على سوريا، وبذلك تنتهي حقبة العقوبات التي كبلت البلاد منذ سبعينيات القرن الماضي، وتضاعفت خلال الأعوام الـ10 الأخيرة.

خلال عام 2025، كان السوريون يطالبون برفع العقوبات للبدء في عملية إعادة الإعمار، والعائق الأكبر اليوم أصبح من الماضي، فما الذي ينتظره السوريون قبل البدء الفعلي في إعادة بناء البلاد التي درمتها حرب من أقسى حروب الألفية الجديدة؟

إلغاء العقوبات الأميركية بصورة كاملة، يعد ضوءاً أخضر للشركات العالمية للدخول إلى السوق السورية، وهو أيضاً مؤشر ثقة باستقرار طويل الأمد تريده واشنطن لسوريا التي تحظى بدعم عربي وإقليمي غير مسبوق، وبين هذا وذاك ينتظر المواطنون وعود المسؤولين مثل وزير الخارجية الذي سبق أن قال إن “عام 2026 سيكون عام التنمية في سوريا”.

بين النص والتطبيق

من المنظور العام يرى متخصصون في الاقتصاد أن سوريا أصبحت مؤهلة للاقتراب من بدء عملية إعادة الإعمار، لكن لا تزال هناك تحديات تحتاج حلولاً نهائية للتفرغ للاقتصاد والتنمية، أبرزها الملف الأمني، وعلى وجه التحديد قضية شمال شرقي سوريا التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وقضية السويداء التي تحتاج هي الأخرى حلاً جذرياً يثبت قدرة الرئيس أحمد الشرع على توحيد البلاد.

الصحافي السوري أسامة الأحمد، تحدث لـ”اندبندنت عربية”، عن أن “رفع العقوبات يمثل شرطاً أساساً وضرورياً لكنه غير كاف، فالشركات العالمية لا تنظر فقط إلى القوانين الدولية، بل تضع في حساباتها أخطار الاستقرار السياسي والأمني، ووضوح القواعد الناظمة للاستثمار، وإمكانية حماية رؤوس الأموال على المدى الطويل”. ويضيف أن “التجربة العراقية بعد عام 2003 أو الليبية بعد عام 2011 تظهر أن فتح الباب القانوني من دون إصلاحات مؤسساتية عميقة قد يؤدي إلى استثمارات انتقائية ومحدودة، بدل انطلاق عملية إعادة إعمار شاملة ومستدامة”.

العائق الأمني

ويرى الأحمد أنه “على المستوى الأمني، لا تزال المخاوف تمثل العائق الأبرز أمام أي إعلان رسمي لبدء إعادة الإعمار، خصوصاً في ظل واقع جغرافي وسياسي لم يحسم بالكامل بعد، فعدم توحد البلاد تحت سلطة أمنية وعسكرية واحدة، واستمرار وجود قوى مسلحة ذات مرجعيات مختلفة في بعض المناطق، يثير قلق الشركات الدولية التي تعتمد في قراراتها الاستثمارية على معايير صارمة لإدارة الأخطار، كما أن أي شركة كبرى، خصوصاً في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، لن تدخل بيئة غير مستقرة أمنياً، إلا إذا حصلت على ضمانات واضحة من الدولة، أو من قوى دولية راعية، وهو أمر لم يتبلور بعد في الحالة السورية”.

ويستدرك الصحافي السوري أنه “على رغم ذلك فإن المشهد الأمني في سوريا، مع أنه معقد، فإنه قد يكون أقل خطورة مما يبدو عليه في بعض المناطق، بخاصة تلك التي شهدت استقراراً نسبياً خلال الأعوام الأخيرة، فربما تبدأ بعض الشركات الصغيرة أو المتوسطة العمل تدريجاً في مناطق تصنف على أنها منخفضة الأخطار، مثل العاصمة دمشق وبعض المدن الكبرى قبل التوسع لاحقاً، إلا أن هذا السيناريو، لن يرقى إلى مستوى إعادة إعمار وطنية شاملة، بل سيبقى محصوراً في مشاريع جزئية وانتقائية”.

مؤتمر إعادة إعمار في الرياض

المستشار الأول في وزارة الاقتصاد السورية الدكتور أسامة القاضي، يؤكد في تصريح خاص، أن “هناك بالفعل تحديات قبل بدء عملية كبرى لإعادة إعمار سوريا الجديدة، إذ إن البنية الاقتصادية والمصرفية لا تزال هشة، وهذا يشكل أحد أبرز العوائق، فالنظام المصرفي السوري يعاني ضعف الثقة، وغياب الارتباط العملي بالشبكات المالية العالمية، إضافة إلى محدودية قدرته على تمويل المشاريع الكبرى أو ضمان تحويل الأرباح ورؤوس الأموال، وهي عناصر أساسية لأي استثمار دولي واسع النطاق، إضافة إلى ذلك يأتي ضعف التشريعات الناظمة للعمل المصرفي، وهذه كلها عوامل تجعل الشركات الأجنبية مترددة في دخول السوق السورية، حتى بعد زوال القيود القانونية”.

ويوضح أنه “في هذا السياق، يبرز مقترح عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا في العاصمة السعودية الرياض، برعاية أميركية ومشاركة مؤسسات مالية دولية، كخطوة مفصلية لمعالجة هذه المعضلات، عبر وضع خريطة طريق لإصلاح القطاع المصرفي، وتقديم ضمانات سيادية واستثمارية، وإعادة دمج سوريا تدريجاً في النظام المالي العالمي، ومثل هذا المؤتمر قد يشكل الجسر العملي بين رفع العقوبات والبدء الحقيقي بإعادة الإعمار”.

توافق عربي- تركي على دعم سوريا

النائب في حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، آيدن آغا أوغلو، ينبه بدوره إلى أنه “منذ اللحظات الأولى لسقوط نظام بشار الأسد، اتفقت كل من تركيا والدول العربية على ضرورة دعم وحدة واستقرار سوريا وإعادة إعمارها، وكان الملف السوري واحد من أبرز الملفات التي اتفقت فيها وجهات النظر بين تركيا والدول العربية، بعدما عانى الشعب السوري بما فيه الكفاية، واليوم يجب علينا كجيران الوقوف إلى جانب السوريين لإعادة إعمار بلدهم، ويمثل التعاون العربي– التركي ركيزة أساسية في إنجاح مسار إعادة إعمار سوريا خلال المرحلة المقبلة، لما يحمله من تكامل جغرافي واقتصادي وسياسي يصعب تعويضه بأي شراكة أخرى، فتركيا بحكم موقعها الجغرافي وخبرتها الواسعة في مشاريع البنية التحتية والإسكان والطاقة، تمتلك قدرة عملية على تنفيذ المشاريع بسرعة وكلفة أقل، إضافة إلى امتلاكها شبكة شركات إنشائية ولوجيستية قادرة على العمل في البيئات الخارجة من النزاعات”.

ويقول، “في المقابل، تلعب الدول العربية، لا سيما الخليجية منها، دوراً محورياً في توفير الاستثمار طويل الأمد، ودعم الاستقرار الاقتصادي عبر ضخ السيولة وإعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية، هذا التعاون يتيح توزيعاً واضحاً للأدوار، وأنقرة تتولى الجانب التنفيذي والتقني، بينما تسهم الدول العربية في الدعم الاقتصادي والسياسي، وإعادة دمج سوريا في محيطها العربي والإقليمي، كما أن التنسيق العربي–التركي يخفف من حدة الاستقطاب الدولي، ويمنح عملية الإعمار طابعاً إقليمياً متوازناً، يراعي السيادة السورية ويعزز فرص الاستقرار المستدام، بعيداً من الارتهان لمحاور أحادية أو مصالح ضيقة”.

إعلان رسمي قريب

نائب رئيس المنتدى الاقتصادي السوري للتنمية، محمود الذرعاوي، يرى من جانبه أنه “بعد إزالة العقوبات، يمكن القول إن البيئة العامة باتت مهيأة أكثر من أي وقت مضى، وما تبقى هو استكمال تنظيم الإطار المؤسسي لإدارة الإعمار، وتحديث بعض التشريعات الاقتصادية والاستثمارية، وتعزيز الثقة المتبادلة بين الدولة والمستثمرين، واستعادة الجاهزية الكاملة للقطاع المصرفي بالتعاون مع المؤسسات الدولية، وهذه خطوات إجرائية طبيعية تمر بها كل الدول الخارجة من أزمات كبرى، ومن المرجح صدور إعلان رسمي خلال الفترة القريبة المقبلة يؤكد الانتقال من مرحلة التعافي إلى مرحلة إعادة الإعمار، والتنفيذ سيبدأ تدريجاً وبوتيرة متصاعدة، مع إعطاء الأولوية للمشاريع الخدمية والتنموية ذات الأثر السريع”.

ويضيف الذرعاوي، أن “سوريا مرشحة لإطلاق مؤتمر دولي/ إقليمي لإعادة الإعمار، هذا المؤتمر سيكون منصة لتقديم الرؤية الوطنية وبناء الشراكات واستقطاب التمويل والخبرة، مع حضور فاعل من المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وستكون الدول العربية والإقليمية شريكاً أساساً في مرحلة الإعمار. الخلاصة هي أن سوريا تقف اليوم على عتبة مرحلة جديدة، إذ إن العقوبات أزيلت بالكامل، والبيئة السياسية والإقليمية داعمة، والإرادة موجودة، والمرحلة المقبلة ليست سؤالَ هل يبدأ الإعمار؟ بل كيف نحسن إدارته ونسرع وتيرته، لأن بدء الإعمار لا يعني بالضرورة إعادة دورة الاقتصاد بل بداية لضخ الروح في الحياة بالنسبة إلى جزء كبير من السوريين”.

البعد الاجتماعي

في المقابل، يلفت بعض المحللين إلى أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تنتظر اكتمال كل الشروط المثالية، وأن البدء بمشاريع بنى تحتية أساسية قد يكون مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد وخلق فرص عمل. ويقول رجل الأعمال السوري بدر الدين درويش، إن “إعادة الإعمار ليست حدثاً واحداً يعلن عنه في مؤتمر صحافي، بل مسار طويل ومتدرج، يبدأ عادة بمشاريع الكهرباء والمياه والطرق، ثم يتوسع لاحقاً إلى قطاعات الصناعة والإسكان”.

لكن درويش يحذر في الوقت ذاته من أن غياب الشفافية قد يحول هذه المشاريع إلى أدوات لإعادة إنتاج الأزمات بدل معالجتها، وعلى الصعيد الاجتماعي، يحذر مراقبون من أن إعادة الإعمار إذا اقتصرت على البعد الاقتصادي، من دون مراعاة البعد الاجتماعي والإنساني، قد تعمق الانقسامات بدل رأبها، موضحين أن “إعادة الإعمار الناجحة يجب أن تشمل عودة اللاجئين، وإعادة دمج المجتمعات المحلية، وضمان عدالة توزيع المشاريع بين المناطق، وإلا فإن الشعور بالتهميش قد يتحول إلى عامل عدم استقرار جديد”.

الرياض.. المحطة الفاصلة

المستشار الإعلامي السعودي الدكتور محمد بن عبدالله السلامة، يقول في تصريح خاص، إنه “في ضوء التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام ورفع العقوبات، يبرز الدور الإيجابي للسعودية كأحد العوامل المحورية في دعم مسار التعافي وإعادة الإعمار، عبر مقاربة شاملة لم تقتصر على الجانب السياسي، بل شملت الأبعاد الدبلوماسية والاقتصادية والإنسانية”.

ويمضي في حديثه، “لعبت السعودية دوراً فاعلاً في التمهيد لرفع العقوبات من خلال تحركات دبلوماسية ووساطات جمعت أطرافاً إقليمية ودولية، مؤكدة أن إنهاء العزلة الاقتصادية شرط أساس لعودة اللاجئين واستقرار البلاد، وعلى الصعيد العملي، عززت السعودية حضورها عبر توقيع اتفاقات استثمارية واسعة مع دمشق شملت قطاعات البنية التحتية والطاقة والصناعة والاتصالات، بما يعكس ثقة واضحة بقدرة الاقتصاد السوري على التعافي، ويرسل إشارات طمأنة للمستثمرين العرب والدوليين، كما امتد دورها إلى دعم القطاع العام السوري بالتعاون مع دول خليجية أخرى، في محاولة لتخفيف الضغوط الاجتماعية والاقتصادية في مرحلة انتقالية حساسة”.

ويوضح الباحث السعودي أنه “إلى جانب ذلك، برز الدور الإنساني المبكر لمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الذي سارع فور سقوط النظام إلى تسيير جسر جوي وبري إلى سوريا لتقديم المساعدات الإغاثية والطبية والغذائية، مما أسهم في احتواء التداعيات الإنسانية العاجلة، وكرس صورة السعودية كشريك داعم للاستقرار لا يقتصر دوره على التمويل، بل يشمل بناء الثقة وتهيئة الأرضية لمرحلة إعادة الإعمار، وفي المحصلة، يعكس هذا الدور السعودي رؤية تتجاوز العلاقات الثنائية، وتسعى إلى دعم استقرار سوريا وإعادة دمجها عربياً وإقليمياً”.

بالنتيجة، يبدو أن رفع العقوبات عن سوريا فتح الباب نظرياً أمام مرحلة جديدة، لكنه لم يلغِ الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالأمن والسياسة والقانون والاقتصاد، فالإعلان الرسمي عن بدء إعادة الإعمار لا يبدو مسألة توقيت فحسب، بل استكمال شروط متداخلة، تتطلب توافقاً داخلياً، وضمانات دولية، وإصلاحات مؤسساتية عميقة، وبين من يرى أن الوقت حان للبدء ولو بخطوات محدودة، ومن يحذر من استعجال قد تكون كلفته باهظة، تبقى سوريا أمام مفترق طرق حاسم، ستحدد خياراته شكل الاقتصاد والدولة لعقود مقبلة.

———————————

حاكم مصرف سوريا المركزي يدعو لدعم الليرة الجديدة

دمشق: «الشرق الأوسط»

27 ديسمبر 2025 م

أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، أن الليرة الجديدة ليست مجرد وسيلة تبادل، بل رمز لنجاح الثورة السورية، والانتماء، والثقة بالقدرة على النهوض.

وقال الحصرية في منشور عبر صفحته على «فيسبوك»: «مع إطلاق العملة الجديدة، لا نحتفل بورقة نقدية فحسب، بل نحتفل بسيادتنا وهويتنا الوطنية»، موضحاً أن هناك تجارب دولية كثيرة تؤكد أن العملة الوطنية تصبح قوية عندما يلتفّ الناس حولها. حسبما ذكرت «وكالة الأنباء السورية».

ولفت الحصرية إلى تجربة ألمانيا، التي شكّل فيها إطلاق المارك بعد الحرب نقطة انطلاق لنهضة اقتصادية، وتجربة فرنسا، حيث كان الفرنك الفرنسي الجديد الرمز المالي للجمهورية الجديدة التي عرفت بالجمهورية الخامسة.

وأضاف الحصرية: «نحن في المصرف المركزي سنقوم بدورنا الذي نفهمه جيداً، مدركين حجم التحديات والفرص، وملتزمين بالمسؤولية والشفافية وحماية النقد الوطني، ويبقى الأساس في تكاتف الناس وثقتهم، لأن العملة القوية تبدأ بإيمان أهلها بها».

ودعا الحصرية إلى جعل هذه المناسبة حالة وطنية راقية، يعبّر السوريون فيها عن وعيهم، وثقتهم، وتمسّكهم بالليرة كرمز لسيادتهم، وخيارهم الوطني.

وختم الحصرية قائلاً: «دعم الليرة هو دعم للوطن، والاعتزاز بها اعتزاز بالمستقبل لنا ولأولادنا، إنها فرصة لنجاح جديد بعد نجاح الثورة بالتحرير، ونجاحنا في رفع العقوبات الاقتصادية التي كبلت اقتصادنا لنحو خمسين عاماً».

وكان حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية أعلن مؤخراً أن الأول من يناير (كانون الثاني) 2026، موعد إطلاق العملة السورية الجديدة، وبدء عملية استبدال العملة القديمة، وأن الاستبدال سيكون عبر 66 شركة وألف منفذ مخصص لذلك.

——————————–

شطب قانون قيصر يعزّز تعاون سورية والأردن/ زيد الدبيسية

27 ديسمبر 2025

يعتبر الأردن أنّ إلغاء عقوبات قانون قيصر التي فرضتها الولايات المتحدة على سورية يشكّل مرحلة مفصلية لتعزيز التعاون الاقتصادي مع الجانب السوري في مختلف المجالات، ويفتح الباب أمام تأسيس شراكات اقتصادية إقليمية قابلة للتوسّع عالمياً، في ضوء الفرص الاستثمارية والتجارية المتاحة، ولا سيّما في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والطاقة، بما يجعلها محور اهتمام دولي يتجاوز الإطار العربي ليشمل دولاً مثل تركيا ودول أوروبية وغيرها.

في هذا الصدد، قال الخبير الاقتصادي حسام عايش لـ”العربي الجديد” إنّ إلغاء “قيصر” يعني وضع الاقتصاد السوري على مسار الانطلاقة نحو المستقبل، عبر بدء عمليات إعادة التشغيل والتطوير وبناء المؤسّسات، واتخاذ الإجراءات اللازمة للنهوض الاقتصادي بما يلبي احتياجات الشعب السوري التنموية في مختلف المجالات، وأضاف أن سورية ستعود جزءاً من المنظومة الاقتصادية الإقليمية والدولية، وستدخل العام المقبل متحرّرة من الأعباء التي فرضها “قيصر” الذي قيّد الأنشطة الاقتصادية، ولا سيّما المالية والاستثمارية، فيما أبقى الأنشطة التجارية في حدودها الدنيا، مشيراً إلى أن مشاريع إعادة الإعمار والبناء ستنطلق بقوة في مختلف القطاعات.

ولفت إلى أنّ العلاقات الاقتصادية الأردنية – السورية، واستناداً إلى المؤشرات الإيجابية المتحققة منذ سقوط النظام السابق، مرشحة للارتفاع كثيراً خلال الفترة المقبلة، من خلال زيادة حجم التبادل التجاري، واعتبار الأردن مركزاً لوجستياً رئيسياً لإعادة إعمار سورية، ومنطلقاً لتجارتها نحو العديد من الدول. وأشار إلى أن المشاريع الاستراتيجية، ولا سيّما في قطاعَي النقل والطاقة، مثل الربط الكهربائي، ستشهد تسارعاً ملحوظاً خلال المرحلة المقبلة، إلى جانب تحفيز الاستثمارات والتجارة في مجالات متعدّدة.

وشكّلت عقوبات “قيصر” منذ 2019، عائقاً كبيراً أمام تنمية التعاون الاقتصادي الإقليمي، وأسهمت في تعطيل تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى، بخاصة الطاقة والنقل والتجارة، إذ فرضت قيوداً مشددة على سورية وأي جهة تحاول إقامة علاقات اقتصادية معها. ويرى مراقبون أن الأردن سيكون من أكثر الدول استفادةً من إلغاء العقوبات خلال المرحلة المقبلة، انطلاقاً من الجوار الجغرافي وموقعه المتوسط في الإقليم وعلاقاته المتقدمة مع النظام السوري الجديد، إضافة إلى التشابك القائم بين القطاع الخاص في البلدَين.

ورغم إلغاء العقوبات نهائياً، لا تزال ذاكرة رجال الأعمال والشركات الكبرى حاضرة بالضغوط التي مارستها الولايات المتحدة عبر سفاراتها لمنع إقامة أي علاقات اقتصادية مع سورية. وفي هذا السياق، رحّبت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية بقرار الولايات المتحدة الأميركية إلغاء العقوبات المفروضة على الجمهورية العربية السورية بموجب قانون قيصر، معتبرةً إياه خطوة مهمة لدعم جهود سورية في إعادة البناء، وتعزيز مسارات التعافي وتحقيق تطلعات شعبها في التنمية والازدهار.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد وقّع، قبل أكثر من أسبوع، قرار إلغاء العقوبات المفروضة على نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد بموجب قانون قيصر، بعد إقرارها من مجلسَي الشيوخ والنواب في الكونغرس الأميركي. وسُمّيت العقوبات بقانون قيصر نسبة إلى مصوّر في الجيش السوري ساهم في توثيق انتهاكات النظام السوري السابق بحق المدنيين.

وسارع الأردن، منذ سقوط نظام الأسد، إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع سورية وتلبية احتياجات السوق السورية من السلع ومستلزمات إعادة الإعمار، إذ ارتفعت الصادرات الأردنية إلى السوق السورية بنسبة 400%، لتبلغ نحو 400 مليون دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الحالي، كما جرى تنشيط المنطقة الحرة المشتركة وتفعيلها، استجابةً لارتفاع حركة انتقال الأفراد والبضائع في الاتجاهين، والعمل على استقطاب مزيد من الاستثمارات داخلها.

——————————-

==================

تحديث 26 كانون الأول 2025

———————————

خطة تدريجية لعودة الكفاءات السورية/ مناف قومان

26 ديسمبر 2025

يتبادر إلى ذهني دوماً سؤال يتعلق بعودة الكفاءات في الخارج إلى سورية بعد طول غياب ومكوث في بلدان المهجر، لماذا يعود ذلك الشاب بعدما اكتسب خبرة عظيمة ويترك خلفه النهضة والرفاهية والأجور العالية؟ أتراه الحب للبلد وذكريات الطفولة هو الذي يدفعه للعودة يا ترى؟ لم أجد جواباً مبنياً على استبيان لهذا السؤال، أو على الأقل لم أجده حتى الآن. لكن دائماً ما كان الجواب على سؤال الاستقرار في سورية بعد زيارة قصيرة إليها، “حالياً، كلا، ربما لاحقاً عندما تتحسن الظروف”.

يقف السؤال الصعب ماثلاً كل صباح أمام بلد مزقته الحرب واقتصاد ضعيف وبنية تحتية مدمرة، أتراها تعود الكفاءات البشرية؛ الأطباء والمهندسون والأكاديميون والتقنيون والفنانين والعمّال المهرة، إلى سورية بعد سقوط النظام وبدء مرحلة جديدة من تاريخ سورية بدون الأسد؟ يشكل هؤلاء الأشخاص قيمة تراكمية بنيت على مر الأجيال، وتعويض خروجهم ليس أمراً سهلاً.

6 آلاف طبيب سوري في ألمانيا

مهما كان حجم تدمير البنية التحتية ضربة كبيرة لسورية واقتصادها، يمكن أن يعوّض ويُعاد بناؤه، وربما أفضل مما كان. لكن ماذا عن النزيف البشري! فقد فقدت سورية حوالي مليون إنسان خلال الحرب، وإذا كانت كلفة استعادة البنية التحتية تقدر بمليارات الدولارات، فليس هناك قيمة وكلفة مادية لاستعادة الموارد البشرية.

يقدر عدد اللاجئين والمهاجرين السوريين في العالم حوالي 7 ملايين نسمة موزعين على كل أصقاع العالم. اندمج معظم السوريون في بلاد المهجر، تكيّفوا مع القوانين وتعلّم أطفالهم اللغة واندمجوا بأسلوب الحياة الجديدة. وهو ما يجعل كلفة استعادة هذه الكوادر عالية. تسببت هذه الهجرة في فقدان الكثير من التخصصات، على سبيل المثال، واجهت المشافي مشاكل كبيرة في إيجاد طبيب تخدير في دمشق كلها، واضطر النظام آنذاك إلى إصدار قوانين تحدّ من خروج الكفاءات. في حين ثمة حوالي ستة آلاف طبيب سوري في ألمانيا وحدها.

وبرز السوريون في بلدان المهجر، بالأخص في أوروبا وأميركا، ضمن تخصصات عديدة، مثل الطب والهندسة والبحث العلمي، إضافة إلى العمالة المهنية، وقد أظهروا حرفية والتزاماً عالياً في أسواق العمل. وهو ما يضع الحكومة السورية الحالية أمام تنافس غير عادل حول قدرتها على إقناعهم للعودة إلى البلاد من منظومات اقتصادية حديثة.

لا أعتقد بواقعية عودتهم إلى سورية في الوقت الحالي، لا بد للحكومة من تبني خطة متدرجة تنتهي بإقناعهم بالعودة بشكل دائم والاستقرار، بحيث يجد الشخص تعويضاً مادياً ومعنوياً عن عودته من المهجر. أما القول أو الجزم بعودة الكفاءات من الشتات من اليوم الأول فينمان عن منطق غير واقعي. ولن يكون الخطاب الوطني وحده كافياً، بل يلزم إطار سياسات يخفض كلفة المخاطرة على العائدين ويرفع عائد المساهمة حتى لمن لا يستطيع العودة الكاملة.

إذاً، ينبغي على الحكومة السورية أن تدرك أن عودة كل المهاجرين عودة كاملة غير واقعية، في حين يمكن أن يكون هناك خطوات تدريجية لانخراطهم، من مساهمات صغيرة، إلى توظيف عن بعد، إلى توظيف مزدوج بين الداخل والخارج، وأخيراً إلى الاستقرار النهائي حين تسمح الظروف.

لا بد من الإشارة إلى الفوائد الجمّة من عودة الكفاءات إلى سورية، إذ تحتاج إعادة الإعمار إلى مهندسي تخطيط عمراني وخبراء في إعادة تأهيل الشبكات الكهربائية والمائية ومتخصصين في ترميم التراث الحضاري، ومختصين في التكنولوجيا الحديثة. ومع انقطاع سورية عن العالم لمدة 14 عاماً خلال الحرب، ومع وجود خبرات سورية في كل المجالات، من شأن ذلك أن يساهم في الاستعانة بها في تسريع وتيرة الإعمار وفق أعلى جودة.

كما أن الكفاءات السورية في الخارج لم تكتسب خبرات نظرية وحسب، بل دخلت في بيئات عمل تعتمد على أحدث التقنيات والأنظمة والتفكير الابتكاري. وعودتهم بشكل جزئي أو الاستفادة من تلك الخبرات ستُساهم في توطين التكنولوجيا ونقل المعرفة إلى سورية، ما يساعد في تحديث القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية ورفع كفاءتها لتكون قادرة على المنافسة في عالم يتغير بسرعة.

فضلاً عن ذلك، فإنّ إحدى قنوات الجذب الاستثماري وبناء الثقة تمرّ عبر عودة الكفاءات الناجحة والمؤثرة من الخارج، إذ تعد رسالة للعالم عن عودة سورية إلى خريطة الجذب، واستغلال توزع أبنائها ليكونوا أشبه بسفراء سورية في بلدان إقامتهم، ويساهموا في فتح قنوات استثمارية وتجارية ناجحة.

الكفاءات تبحث عن أكثر من المال

يتطلب إقناع الكفاءات بالعودة بعدما أسسوا حياتهم في بلدان المغترب التفكير في كل الزوايا وتقديم حوافز حقيقية. يقع الأمر المالي في مقدمة تلك الحوافز، إذ يمكن أن تشمل حزمة إعفاءات ضريبية وبرامج قروض ميسرة لشراء السكن وتأسيس شركات ناشئة، ورواتب تنافسية في المناصب التنفيذية في القطاع العام والمشاريع الوطنية الكبيرة، وتأمين تمويل لمشاريعهم البحثية والريادية.

المال وحده لا يكفي، فالكفاءات تبحث عن أكثر من المال، وما أهمية المال إذا كانت البيئة غير آمنة، أو لا توفر أساليب الراحة والعمل والإبداع. وعليه فإن على الحكومة أن تعمل على تبسيط الإجراءات البيروقراطية المعقدة التي غالباً ما تكون عائقاً كبيراً، وتأمين مناطق خاصة بأحدث البنى التحتية من كهرباء ومياه وطرقات واتصالات وتكنولوجيا وبيئة عمل مرنة تشبه تلك الموجودة في الدول المتقدمة، لجذب الشركات والمشاريع الناشئة والعقول.

أيضاً، هناك البيئة التشريعية والإشكالات القانونية التي تُقلق العائدين مثل الورقيات وإعادة الممتلكات وتسهيل إجراءات العودة والاستثمار، وتعديل الشهادات، ومطابقة الإشكاليات القانونية. ويمكن أن توعز الحكومة لكل سفاراتها في الخارج بتذليل كل الصعوبات والعقبات أمامهم والمساهمة في إنجاز جميع معاملاتهم بسهولة وشفافية.

ويشكل الغموض والخوف من المستقبل أحد أبرز الأسباب التي قد تدفع العائد لتعديل قرار العودة والاستقرار، لذا على الحكومة القيام بحملة وطنية تعزّز روح المصالحة الوطنية وتؤكد أن كل سوري له دور في بناء المستقبل، وأن خبراته وشهاداته ذات تقدير في سورية.

ولا يسع الحكومة التمييز بين القادمين من الخارج ومن بقي في الداخل، بل على العكس، فالمهمة للحفاظ على ما بتقى من كفاءات في الداخل لا تقل أهمية عمّن خرج. فغياب الفرص وتدهور الظروف الأمنية والمعيشية وعدم المشاركة في صناعة القرار والغموض والتعقيدات تدفع الكفاءات الموجودة في سورية للتفكير في بلد بديل.

ولتجنب هذا السيناريو ينبغي على الحكومة اتخاذ إجراءات عاجلة، مثل تحسين ظروف العمل من خلال توفير رواتب عادلة تتناسب مع تكاليف المعيشة ووضع مسارات وظيفية واضحة تعتمد على الإنجاز بدلاً من المحسوبية. وتوفير برامج تدريبية متقدمة، ومنح دراسية وإتاحة الوصول إلى التقنيات الحديثة لجسر الفجوة التي تشكّلت خلال السنوات الماضية، وإشراكهم في صناعة القرار، سواء في التخطيط أو الإدارة، وهو ما يشعرهم بالملكية والمسؤولية تجاه المستقبل. وأخيراً تحسين الخدمات العامة ومكافحة الفساد وضمان الأمن، وهذه العوامل كلها تساعد في إقناع الكفاءات بالبقاء والمساهمة في هذه الفترة الحساسة من عمر سورية.

بالعموم لسنا الدولة الوحيدة التي واجهت تحدي إعادة الكفاءات وبناء نفسها بعد نزاع أو أزمة. هناك دول ونماذج عديدة في العالم، إذ عملت الحكومة الكورية بعد الحرب الكورية على إطلاق برنامج طموح لاستقطاب العلماء والمهندسين من الولايات المتحدة وأوروبا، مقدمةً لهم مناصب قيادية في الشركات الكبرى، وركّزت على نقل المعرفة والتكنولوجيا من العائدين، والنتيجة هي ما نراه اليوم من قفزة اقتصادية وتكنولوجيا هائلة جعلت من كوريا الجنوبية أحد أقوى الاقتصادات في العالم.

وعملت رواندا على تسهيل عودة المغتربين وتبسيط إجراءات تأسيس الشركات ومنحتهم أدواراً محورية في إعادة البناء، واستغلت توزع مواطنيها في الشتات لجذب الاستثمارات وبناء علاقات دولية قوية، وبالمثل عملت أيرلندا على الاعتماد على شبكة المغتربين لتكون جسراً لشركات التكنولوجيا والأدوية العالمية للاستثمار في أيرلندا.

أخيراً، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ فكرة استقطاب الكفاءات السورية والمحافظة عليها هي أكثر من مجرد خطة اقتصادية، فعودة الطبيب السوري من ألمانيا إلى المشفى، والمهندس إلى المشروع، والأستاذ إلى المدرسة والجامعة، ورجل الأعمال إلى شركته، والعمّال الحرفيين والمهرة إلى أعمالهم، والفنّانين وغيرهم، هي التي ستملأ الفراغات التي تركها النزاع. البناء لا يتمّ بإعادة المباني بل من الهوية الوطنية التي يعدّ المغتربون والعقول السورية جزءاً أساسياً في تشكيلها.

العربي الجديد

———————————

 الدولة كمزوّد ظل للخدمة.. كيف تُدار اشتراكات الاتصالات في سوريا؟/ طارق صبح

2025.12.26

بقطعة ورق مهملة وموعد تركيب لا يأتي، تُختصر حكاية الحصول على خط هاتف أرضي واشتراك في الإنترنت بريف دمشق. معاملة يفترض أن تكون بسيطة وروتينية، تتحول إلى اختبار طويل يكشف خللاً بنيوياً في إدارة قطاع الاتصالات، وغياباً مقلقاً للحد الأدنى من الضمانات القانونية للمشتركين، في وقت يفترض أن تكون هذه الخدمة من أبسط مسؤوليات الدولة.

تبدأ رحلة الحصول على خط هاتف أرضي ضروري للوصول إلى خدمة الإنترنت بخطوات تبدو عادية: التقدم إلى مقسم الهاتف، دفع الرسوم المطلوبة، ووعود بالتركيب خلال أسبوع، لكن من دون إيصال ولا عقد اشتراك أو رقم هاتف، ولا حتى أي وثيقة رسمية تثبت أن هذه المعاملة موجودة في النظام الخاص للشركة السورية للاتصالات.

منذ اللحظة الأولى، تتحول أبسط معاملة إلى سلسلة من الزيارات المتكررة والردود المتناقضة: “مشاكل تقنية من المركز الأساسي.. نقص في المواد.. لا يوجد جنابر.. أمّن الكابلات والتركيب ممكن.. راجع المدير.. راجع مكتب التجربة.. موضوعك عند عامل التركيب الميداني”.

تتعمق الحكاية أكثر حين يكتشف المشترك، لاحقاً، أنه عميل في مزوّد خدمة خاص من دون علمه، وأن الحساب الذي يُفترض أن يكون حكومياً بات مرتبطاً بشركة مزود خدمة إنترنت خاص، وأن تجديد الباقة يتطلب شراء رصيد مع عمولة تصل إلى 25 % من مراكز بيع مجهولة العنوان.

في نهاية هذه الرحلة البيروقراطية المرتبكة، لا يبقى للمشترك أي رابط فعلي بخط الهاتف أو خدمة الإنترنت أو حتى بالمال الذي دفعه سوى قصاصة ورق ممزقة كُتب بخط يد حساب مستخدم وكلمة سر.

قد تبدو هذه القصة في ظاهرها تجربة فردية ناتجة عن خلل إداري عابر أو حالة استثنائية، إلا أن تتبع تفاصيلها يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول كيفية إدارة قطاع الاتصالات في سوريا، وغياب القواعد الواضحة التي تنظّم واحدة من أكثر الخدمات أساسية في حياة السوريين.

خلال إعداد هذا التقرير وصلت إلى معدّه من مصادر متعددة، بينهم مواطنون وموظفون سابقون وعاملون في المجال، معلومات عن خلل مزمن داخل مقاسم الهاتف في مناطق مختلفة بريف دمشق، وممارسات غامضة ترافق تقديم أبسط الخدمات.

وبدل الاكتفاء بهذه الشهادات، قرر معدّ التقرير اختبار المسار بنفسه، وخاض التجربة كأي مواطن آخر، في محاولة لفهم كيفية عمل منظومة الاتصالات من الداخل، قبل الشروع في كتابة هذا التقرير.

اشتراك بلا سجلات

عند التقدم بطلب تركيب خط هاتف أرضي والحصول على خدمة الإنترنت، أبلغ موظف العقود في مقسم هاتف ضاحية قدسيا المشترك، بلغة مقتضبة ومباشرة، أن رسوم الحصول على رقم هاتف أرضي تبلغ نحو 70 ألف ليرة سورية، إضافة إلى 200 ألف ليرة ثمنا لجهاز الراوتر، والتركيب خلال أسبوع.

خلال الزيارة الأولى، دُفع كامل المبلغ المطلوب نقداً، من دون الحصول على إيصال أو عقد يثبت عملية الاشتراك، كما لم يُقدَّم أي رقم هاتف أو معلومات واضحة تتعلق باشتراك الإنترنت وكلفته. واكتفى موظف العقود بتزويد المشترك برقم عامل التركيب الميداني، طالبا منه مراجعته بعد أسبوع.

بعد مرور أسبوع، أبلغ عامل التركيب المشترك أن التنفيذ غير ممكن في الوقت الحالي بسبب نقص في المواد، ونصحه بمراجعة مقسم الهاتف والحديث مباشرة مع الإدارة.

خلال مراجعات متكررة استمرت قرابة شهر ونصف، تلقى المشترك تفسيرات متناقضة من إدارة المقسم وموظفيه حول أسباب التأخير، قبل أن يُطلب منه لاحقا تأمين كابلات خاصة، تُعرف باسم “الجنابر”، على نفقته الشخصية، لتسريع عملية التركيب.

بعد تأمين الكابلات وتسليمها للمقسم، تعهّد موظف في القسم الفني بأن عملية التركيب ستتم خلال 48 ساعة. إلا أن تكرار المراجعات أظهر عدم وجود أي استمارة أو وثيقة لدى القسم الفني تثبت تسجيل الاشتراك أساساً، ما أدى إلى استمرار التأخير من دون نتيجة واضحة.

في مراجعة لاحقة، برّرت إدارة المقسم توقف المعاملة بوجود خلل تقني في المكتب الرئيسي للشركة السورية للاتصالات في منطقة مشروع دمر، الذي يخدّم معظم مناطق العاصمة، مع وعد بمتابعة المشكلة وحلها.

في المراجعة الأخيرة، تولّى أحد موظفي القسم الفني متابعة الطلب، وأجرى عدة اتصالات بحضور المشترك، انتهت بتنفيذ تركيب خط الهاتف الأرضي من قبل عامل التركيب الميداني، من دون أن تكون لديه أي معلومة عن اشتراك الإنترنت المرتبط به.

عند مراجعة المقسم مجدداً لتفعيل خدمة الإنترنت، سلّم موظف العقود جهاز الراوتر، وقدّم للمشترك قصاصة ورق ممزقة من ورقة مستخدمة، دوّنت عليها بخط اليد بيانات الدخول إلى شبكة الإنترنت (الوايف فاي)، من دون أي شرح إضافي أو مستند رسمي، قبل أن تبدأ خدمة الإنترنت بالعمل في المنزل.

ما يقوله مقسم الهاتف وما يرويه المشتركون

زار معدّ التقرير مقسم هاتف ضاحية قدسيا، حيث التقى مديرة المقسم، المهندسة هيفين صنوبر، وأجرى معها حديثاً استمر نحو أربعين دقيقة، أكدت خلاله وجود أضابير وسجلات ووثائق خاصة بجميع المشتركين، ووصفت ما جرى مع بعض المراجعين، ومنهم حالة “قصاصة الورق المهملة”، بأنه حالة استثنائية لا تمثل آلية العمل العامة داخل المقسم.

وشددت المهندسة صنوبر على أن الأخطاء، في حال حصولها، هي أخطاء فردية وليست ممنهجة، وأن جزءاً من المشكلات، بما في ذلك نقص الكابلات، يعود إلى المؤسسة العامة للاتصالات ووزارة الاتصالات، وليس إلى إدارة المقسم.

في المقابل، أفاد عدد من المراجعين داخل المقسم بأنهم لم يحصلوا على أي وثائق أو إيصالات رسمية تثبت معاملاتهم المتعلقة بالاتصالات، وهو ما يتعارض مع توصيف هذه الحالات بوصفها “استثنائية”.

وعند طرح هذه النقطة، أرجعت مديرة مقسم ضاحية قدسيا الأمر إلى ضغط العمل الكبير الواقع على موظف العقود، معتبرة أنه “يحاول خدمة الناس قدر الإمكان”، من دون تقديم تفسير واضح لغياب الوثائق أو لطبيعة آلية التعامل مع المراجعين.

كما أكد مراجعون التقاهم معدّ التقرير داخل المقسم أنهم، ولمواجهة مشكلة نقص الكابلات، اشتروا “الجنابر” على نفقتهم الشخصية، في حين جددت مديرة المقسم التأكيد أن المشكلة تعود إلى الوزارة، مشددة على أن التركيب يتم فور تأمين المواد.

إلا أن أحد المراجعين قال إنه اشترى الكابلات على نفقته الخاصة منذ ثلاثة أيام، ولم يتم تركيب الخط حتى لحظة وجوده في المقسم، ما أظهر تناقضاً مباشراً بين التصريحات والواقع الذي يواجهه المشتركون.

وفي ختام الزيارة، أبلغ معدّ التقرير مديرة المقسم بنيته إرسال أسئلة محددة للحصول على إجابات واضحة ومكتوبة، وهو ما وافقت عليه مبدئياً، قبل أن تعود وتبلغه لاحقاً، عبر رسالة نصية، بعدم قدرتها على الإجابة خطياً من دون وجود إذن رسمي، من دون أن توضح طبيعة هذا الإذن والجهة المرتبطة به، بناء على توجيهات من مديرها، مكتفية بما ورد في الحديث الشفهي.

حاول معدّ التقرير التواصل مع المؤسسة العامة للاتصالات لطلب الإجابات الرسمية، من دون أن يتلقى رداً حتى لحظة نشر هذا التقرير.

اقرأ أيضاً

وزارة الاتصالات: لا نقص في المواد وتأمينها مسؤوليتنا حصراً

بعد تعذّر الحصول على رد من المؤسسة العامة للاتصالات، وللوقوف على الرواية الرسمية إزاء ما رصده التقرير ميدانياً، وُجّهت أسئلة مباشرة إلى وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات حول نقص المواد، وآليات التوثيق، والرقابة على عمل المقاسم.

وقال مدير دائرة الإعلام في وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، عمار التكلة، إن الشركة السورية للاتصالات لا تعاني من نقص عام في الكابلات أو المواد اللازمة لتركيب خطوط الهاتف والإنترنت، موضحاً أن ما حصل خلال فترة سابقة اقتصر على تأخير في تنفيذ أحد العقود المتعلقة بـ”الجنابر” وبعض التجهيزات، ما انعكس بشكل محدود على وتيرة تنفيذ بعض الطلبات.

وأشار التكلة إلى أن هذا التأخير جرى استدراكه ومعالجته ضمن الأطر التعاقدية والقانونية من قبل الشركة السورية للاتصالات.

وأكد التكلة أن سياسة الشركة واضحة في هذا الشأن، وتشدد على أن تأمين الكابلات والمواد اللازمة لتركيب الخطوط هو مسؤولية الشركة حصراً، ولا يُطلب من المواطن أو المشترك، “بأي حال من الأحوال”، شراء أي كابلات أو مواد على نفقته الشخصية.

ودعا المسؤول في وزارة الاتصالات أي مواطن يتعرض لطلب من هذا النوع إلى مراجعة أو مراسلة فرع الاتصالات في محافظته، مع ذكر تفاصيل الحادثة، لاتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية المناسبة، معتبراً أن هذه الممارسات، في حال حصولها، تخالف التعليمات النافذة.

أين الإيصال؟

وفيما يتعلق بعدم حصول بعض المشتركين على إيصالات أو مستندات رسمية تثبت العمليات التي أُجريت داخل المقاسم الهاتفية، أوضح التكلة أن المنهج المعتمد في عمل الشركة يقوم على توثيق كل عملية مالية أو خدمية بشكل رسمي يضمن الشفافية ووضوح الحقوق والالتزامات.

وأضاف أنه في السابق، كان المشترك يحصل على إيصال ورقي عند الدفع النقدي داخل المراكز الهاتفية، إلا أن الانتقال إلى منظومة الدفع الإلكتروني غيّر آلية إثبات العملية، بحيث أصبحت بيانات الدفع متاحة مباشرة للمشترك عبر تطبيقات الدفع أو القنوات المصرفية المعتمدة، وتتضمن تاريخ العملية وقيمتها والجهة المستفيدة.

وأكد التكلة أن شركة الاتصالات تواصل في الوقت نفسه توثيق جميع العمليات المالية والخدمية على نظامها المعتمد “CCBS”، بحيث تظهر كل الحركات المرتبطة برقم المشترك ضمن الفاتورة أو سجل الاشتراكات والخدمات العائد له.

وشدد رئيس دائرة الإعلام في الوزارة على أن للمشترك الحق في طلب تفصيل لفاتورته في أي وقت والحصول على بيان مفصل يوضح جميع الرسوم والعمليات المدرجة، معتبراً أن هذا البيان يشكل مستنداً رسمياً يثبت ما جرى على الخط، في إطار منظومة توثيق إلكتروني متكاملة بدلاً من الإيصال الورقي التقليدي.

وبشأن آليات الرقابة على حركة الإيصالات وسجلات الصناديق والوثائق داخل المقاسم، أوضح التكلة أن الرقابة تتم عبر برنامج “CCBS” المطبق في جميع المراكز الهاتفية، حيث تُسجّل من خلاله كل العمليات المالية والخدمية على خطوط المشتركين.

وأشار التكلة إلى أن مكتب الرقابة الداخلية يملك صلاحية طلب البيانات التفصيلية في أي وقت، وإجراء المطابقات اللازمة بين حركة الصناديق والبيانات الإلكترونية المسجلة على النظام، إلى جانب خضوع المقاسم لرقابة جهات رقابية مالية مختصة، تقوم بتدقيق دوري أو مفاجئ وفق القوانين النافذة، بما يهدف إلى ضمان الشفافية ومنع أي تلاعب أو تجاوزات.

“مزوّد خدمة غامض”

بالعودة إلى الشهادة الأولى، وبعد نحو عشرين يوماً من بدء عمل خدمة الإنترنت، انخفضت سرعة الإنترنت بشكل ملحوظ، قبل أن يتبين لاحقاً أن الباقة قد انتهت.

حاول المشترك الدخول إلى حسابه على مزود الخدمة، مفترضاً أن الاشتراك يعود لمزود حكومي، مستخدماً بيانات الدخول المكتوبة على القصاصة التي سلمها له موظف العقود في مقسم الهاتف، إلا أنه لم يتمكن من ذلك بسبب عدم وضوح البيانات المكتوبة بخط اليد وعدم معرفة الموقع المحدد للدخول إليه.

عند مراجعة المقسم، أُبلغ المشترك من قبل موظف العقود نفسه بأن اشتراكه بالإنترنت ليس مسجلاً لدى مزود الخدمة الحكومي، بل لدى مزود خدمة خاص يُدعى “أمنية”، من دون أن يكون قد أُبلغ بذلك مسبقاً عند تقديم الطلب أو تسديد الرسوم.

وعلى القصاصة المهملة نفسها، دوّن الموظف رقم هاتف شركة مزود الخدمة الخاص “أمنية”، وأبلغ المشترك بأن المشكلة لا تندرج ضمن اختصاص المقسم، وعليه مراجعة الشركة المزودة مباشرة.

بعد التواصل مع الشركة، طُلب من المشترك شحن رصيده عبر نقاط بيع معتمدة، ما اضطره إلى دفع عمولة مرتفعة وصلت إلى نحو 25 % من قيمة الشحن، قبل أن تعود خدمة الإنترنت إلى العمل.

لاحقاً، تبين وجود حساب للمستخدم على الموقع الإلكتروني لشركة “أمنية”، يتضمن تاريخ إنشاء الاشتراك وبيانات الدفع، ويُظهر أن عملية تسجيل الخدمة تمت عبر نقطة بيع معتمدة، من دون أن يظهر في الحساب ما يشير إلى أن المشترك هو من أتم عملية التسجيل بنفسه.

تلفزيون سوريا

——————————-

سوريا تطلق عملتها الجديدة مطلع 2026.. فماذا عن شكلها؟

أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، اليوم الخميس، أن بلاده ستبدأ عملية لاستبدال أوراق نقدية جديدة بالعملة الحالية في الأول من يناير/⁠كانون الثاني 2026، وذلك في إطار خطة لإحلال العُملات ​الصادرة في عهد الأسد.

وقال الحصرية، في بيان أوردته وكالة سنا، “يسرّني، بكل فخر واعتزاز، أن أبارك صدور المرسوم رقم 293 لعام 2025، المتعلق بولادة العُملة السورية الجديدة، في محطة وطنية مفصلية تعكس بداية مرحلة اقتصادية ونقدية جديدة”.

وشدد الحصرية على أن عملية الاستبدال ستكون “سلسة ومنظمة”، وهي خطوة يأمل مصرفيون أن تخفف المخاوف من أن العُملة ‌الجديدة ربما تذكي التضخم وتزيد تآكل القدرة الشرائية للسوريين الذين يعانون بالفعل من ارتفاع الأسعار.

وأكد أن عملية التبديل ستُشرح بشكل واضح وشفاف خلال مؤتمر صحفي مخصص، بما يعزز الثقة ويكرّس الشراكة مع المواطنين، لافتا إلى استمرار المصرف المركزي في العمل أيام 25-27 ديسمبر/كانون الأول لمتابعة التحضيرات.

وبيّن الحصرية أن العملة السورية الجديدة تمثل رمزا للسيادة المالية بعد التحرير، وعنوانا لمرحلة جديدة تُبنى بتعاون الجميع وبإدارة مصرف سوريا المركزي، لتكون إنجازا وطنيا يضاف إلى ما تحقق بعد التحرير، وخطوة راسخة نحو الاستقرار والنهوض الاقتصادي.

وقال: “هذه الخطوة تشكل فرصة لنجاح جديد لسوريا الجديدة، ولحظة مفصلية في تاريخها المالي والاقتصادي، للتعبير عن الوحدة والحضارة والتمسك بالسيادة المالية التي تجسدها العملة الجديدة بعد تحقيق السيادة السياسية يوم التحرير”.

وأوضحت مصادر مطلعة لرويترز في أغسطس/آب الماضي أن البلاد ستصدر أوراقا نقدية جديدة، ​مع حذف صفرين من عملتها، ‌في محاولة لاستعادة ثقة الجمهور في الليرة التي تدهورت قيمتها بشدة.

وتهدف هذه الخطوة إلى دعم الليرة السورية بعد أن انهارت قدرتها ‌الشرائية إلى مستويات قياسية متدنية عقب 14 عاما من الصراع انتهت بالإطاحة بنظام الأسد في ديسمبر/⁠كانون الأول 2024.

المصدر: وكالة الأنباء السورية بدعوة من منظمة “سويفت” العالمية، يشارك مصرف سوريا المركزي لأول مرة على الإطلاق، في مؤتمر Sibos 2025 الذي تنظمه سنوياً جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك، في مدينة فرانكفورت بألمانيا. وقال المصرف المركزي في بيان عبر قناته على تلغرام: إن المؤتمر ينعقد في الفترة الممتدة من الـ 29 من أيلول وحتى الـ 2 من تشرين الأول، مشيراً إلى أن هذه المشاركة تأتي في وقت حاسم يشهد فيه القطاع المالي السوري تحديات كبيرة ومساعٍ حثيثة نحو التعافي والإصلاح. وأوضح حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، حسب البيان، أن هذا الحدث العالمي يمثل منصة مهمة للحوار مع قادة المصارف والمؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا المالية من مختلف أنحاء العالم.

  الحصرية: عملية استبدال العملة ستكون سلسة ومنظمة (وكالة الأنباء السورية)

 شكل العملة الجديدة

وشهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي قال الحصرية إن العملة السورية الجديدة:

    ستصدر بـ6 فئات لتلبية احتياجات التداول اليومية بكفاءة أكبر؟

    ستتراوح هذه الفئات بين الصغيرة والمتوسطة والكبيرة لضمان سهولة التعامل النقدي في الأسواق

    ستكون خالية من الصور والرموز، لتكون أكثر وضوحا وسهولة في التحقق منها

    ستكون منسجمة مع الاتجاه العالمي نحو التصميم النظيف والمجرد.

    العملة الجديدة لن تكون مجرد أرقام، بل ستكون ذات هوية وطنية معاصرة تعبر عن الحداثة والاستقرار الاقتصادي.

    إطلاق العملة الجديدة سيسهم في معالجة جانب من مشكلة نقص السيولة.

أهمية إطلاق عملة جديدة

أوضح الحصرية شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي أن إيجابيات إطلاق العملة الجديدة متعددة، وعلى رأسها:

    تعزيز الثقة بالعملة الوطنية وإعطاؤها مظهرا حديثا ومتطورا.

    تحسين كفاءة التداول النقدي.

    تقليل تكاليف الطباعة المستقبلية.

    دعم النشاط الاقتصادي عبر تسهيل المعاملات التجارية والنقدية.

    على المدى المتوسط، تحسين استقرار سعر صرف الليرة السورية من خلال رفع الثقة بالسياسة النقدية، والحد من التداول بالأوراق التالفة أو المزورة.

—————————–

 مصرف سوريا: الليرة الجديدة ليست حلاً سحرياً وحذف الأصفار خطوة لإعادة الثقة

تحديد الأول من يناير 2026 موعداً لإطلاق العملة السورية الجديدة

الرياض – العربية

25 ديسمبر ,2025

أكد النائب الأول لحاكم مصرف سوريا المركزي، مخلص الناظر، أن حذف الأصفار من العملة الجديدة ليس تغييراً في القوة الشرائية لليرة، بل محاولة لإعادتها إلى مكانها الطبيعي في حياة الناس، وخطوة لتنظيم التعامل اليومي لتصبح الأسعار أوضح والحسابات أسهل والثقة أقرب.

وقال الناظر، اليوم الخميس: “بصفتي عضواً في فريق مشروع إطلاق الليرة السورية الجديدة أدرك تماماً أن هذا القرار لا يقاس بالحسابات وحدها، بل بما يعنيه لكل مواطن يحمل الليرة في يده ويعلّق عليها آماله”.

وأضاف أن “الليرة السورية الجديدة ليست وعداً سريعاً ولا حلاً سحرياً، بل خطوة على طريق طويل لإعادة بناء الثقة، والثقة هي أساس أي اقتصاد وأي مستقبل”، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

اعتبارًا من 1 يناير.. سوريا تبدأ رسميًا طرح أوراق نقدية جديدة

اقتصاد اقتصاد سوريا اعتبارًا من 1 يناير.. سوريا تبدأ رسميًا طرح أوراق نقدية جديدة

وأوضح الناظر أن العملة لا تقوى بالتصميم وحده ولا بالقرار الإداري فقط، بل بالاستقرار والانضباط والصدق مع الناس، وتابع: “العمل على هذا المشروع يتم بهدوء وبمسؤولية وبمرحلية حتى تمر المرحلة الانتقالية بسلاسة، وتحفظ حقوق المواطنين وأجورهم ومدخراتهم والتزاماتهم دون أي مساس”.

وقال الناظر: “نحن نعرف حجم التحديات، ونعرف أيضاً أن السوريين يستحقون عملة تحترم تعبهم وصبرهم وتضحياتهم، وهذه مسؤوليتنا في مصرف سوريا المركزي وسنكون على قدرها”.

وكشف حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية عن تحديد الأول من يناير 2026 موعداً لإطلاق العملة السورية الجديدة، وبدء عملية استبدال العملة القديمة، مؤكداً أن العملية ستكون سلسة ومنظمة، وسيتم شرح آليتها بكل وضوح وشفافية.

———————————

الحصرية: 66 شركة وألف منفذ لعملية استبدال العملة الجديدة

ديسمبر 26, 2025    

أكد حاكم مصرف سوريا المركزي، الدكتور عبد القادر حصرية، أن إصدار العملة الجديدة يمثّل بداية جديدة ويشكل خطوة ذات رمزية كبيرة.

وقال الحصرية في لقاء على شاشة “الإخبارية”، مساء الخميس: “سيكون لدينا مرونة في عملية التبديل، ولدينا 66 شركة وألف منفذ للعملية”، مشيراً على أن هذه التجربة الخاصة ستكون قائمة على أسس فنية.

وأوضح أن التغييرات الجديدة على قيمة الليرة الفعلية لن تؤثر، إنما هي تغيير في القيمة الاسمية فقط، وأضاف: “في عملية الاستبدال سنحافظ على الكتلة النقدية”.

ونفى الحصرية كل ما ينشر عن شكل العملة السورية الجديدة، وكشف عن أنه سيتم افتتاح فرع المصرف المركزي في إدلب أسوة بباقي المحافظات.

وكان الحصرية، أعلن أمس صدور المرسوم رقم 293 لعام 2025، المتعلق بولادة العملة السورية الجديدة، واعتبر أنه يشكل محطة وطنية مفصلية تعكس بداية مرحلة اقتصادية ونقدية جديدة في سوريا.

وأوضح الحصرية أن المرسوم منح مصرف سوريا المركزي الصلاحيات اللازمة لتحديد مهل استبدال العملة ومراكزه، بما يضمن حسن التنفيذ وسلاسة الإجراءات، لافتاً إلى تحديد الأول من كانون الثاني 2026 موعداً لبدء عملية الاستبدال.

وأضاف: إن التعليمات التنفيذية الناظمة ستصدر بقرار من حاكم مصرف سوريا المركزي، مع التركيز الكامل على خدمة المواطنين وتسهيل الإجراءات عليهم في مختلف المناطق.

وأشار حاكم المصرف المركزي إلى أن عملية التبديل ستكون سلسة ومنظمة، ومن المقرر شرح آليتها بشكل واضح وشفاف خلال مؤتمر صحفي مخصص، بما يعزز الثقة ويكرّس مبدأ الشراكة مع المواطنين.

وسيستمر المصرف المركزي في العمل أيام 25-27 كانون الأول لمتابعة تحضيرات عملية الاستبدال، وفق الحصرية.

وشدد الحصرية على أن العملة السورية الجديدة تمثّل رمزاً للسيادة المالية بعد التحرير، وعنواناً لمرحلة جديدة تُبنى بتعاون الجميع، وبإدارة مصرف سوريا المركزي، لتكون إنجازاً وطنياً يُضاف إلى ما تحقق بعد التحرير، وخطوة راسخة نحو الاستقرار والنهوض الاقتصادي.

واعتبر أن الخطوة فرصة لنجاح جديد لسوريا الجديدة، ولحظة مفصلية في تاريخ البلاد المالي والاقتصادي، لتعبر عن وحدة السوريين وحضارتهم وتمسكهم بسيادتهم المالية، التي رمزها العملة الجديدة بعد تحقيق السيادة السياسية يوم التحرير.

—————————-

==================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى