جرحى الحرب في الجنوب السوري بين ألم البتر وخذلان الجودة/ نادر دبو

بين فقدان الأطراف وغياب الرعاية: جرحى حرب الجنوب السوري في مواجهة الإهمال والأطراف الصناعية الرديئة
2025-12-27
بعد أكثر من أربعة عشر عاماً على اندلاع الحرب في سوريا لا تزال آثارها الثقيلة حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية خصوصا لدى آلاف الجرحى الذين خرجوا من ساحات القتال بإعاقات دائمة غيرت مسار حياتهم بالكامل. في الجنوب السوري الذي كان مسرحاً واسعاً للاشتباكات والمعارك على امتداد سنوات طويلة يعيش جرحى الحرب اليوم معركة مختلفة أقل ضجيجا لكنها لا تقل قسوة معركة البقاء والاستمرار في ظل واقع صحي وخدمي هش وإمكانات محدودة وغياب واضح لأي دور رسمي منظم يعالج هذا الملف الإنساني المعقد.
البتر بداية الألم لا نهايته
لم يكن فقدان الأطراف نهاية الألم بالنسبة لهؤلاء الجرحى بل كان بداية مرحلة جديدة من المعاناة. مرحلة تبدأ من العمليات الجراحية والعلاج الطويل وإعادة التأهيل ولا تنتهي عند البحث عن طرف صناعي يمنحهم القدرة على الحركة والعمل والاندماج من جديد في المجتمع. إلا أن الواقع في الجنوب السوري يكشف أن الأطراف الصناعية المتوفرة لا تزال بعيدة عن الحد الأدنى من الجودة المطلوبة سواء من حيث المواد المستخدمة أو طريقة التصنيع أو الملاءمة الجسدية. ما يحولها في كثير من الحالات من وسيلة مساعدة ضرورية إلى عبء إضافي ومصدر ألم ومعاناة يومية تتضاعف مع الوقت.
محمد السلمان أحد جرحى الحرب في الجنوب السوري أصيب خلال المعارك ضد تنظيم “داعش” ما أدى إلى بتر أحد أطرافه السفلية. ورغم قسوة الإصابة وما رافقها من صدمة نفسية وجسدية رفض محمد الاستسلام للعجز أو الجلوس على هامش الحياة. ولم يسمح للإعاقة بأن تحرمه من العمل أو تدفعه إلى العزلة فاختار طريقاً شاقاً عنوانه الاعتماد على الذات.
اليوم يعمل محمد السلمان كسائق على بوبكات أو تركس صغير بعد أن قام بتعديل نظام القيادة من الدواسات القدمية إلى التحكم اليدوي. ويتنقل يومياً بين ورشات البناء والبيتون المسلح في ريف درعا ومحيطها متحدياً إعاقته والجراح القديمة في محاولة لتأمين قوت يومه والاعتماد على نفسه بعيدا عن المساعدات التي لا تكفي لتغطية متطلبات الحياة.
ويقول محمد السلمان في حديثه لـ”963+”: “رغم أنني من ذوي الإعاقة إلا أنني أعمل يومياً في ورشات البناء. الطرف الصناعي بحد ذاته لا يعيق عملي لكن المشكلة الأساسية تكمن في جودته السيئة جداً. ومع الاستخدام الطويل ترتفع الحرارة داخل الطرف بشكل كبير ما يسبب التهابات وألما لا يحتمل”.
ويضيف بأسى واضح: “في كثير من الأحيان نتعرض لعملية خداع حقيقية. نذهب لشراء طرف صناعي ويقال لنا إنه ممتاز وعالي الجودة. وبعد يومين فقط من التجربة نكتشف أنه أسوأ من الذي سبقه. وصلت لمرحلة لم أعد أصدق أحدا لأننا نحن من يدفع الثمن في النهاية ليس مالا فقط بل صحة وألما ومعاناة مستمرة”.
حين يفكر الجريح بالتخلي عن الطرف الصناعي
لا يخفي محمد أنه بات يفكر أحياناً بالتخلي عن الطرف الصناعي بشكل كامل رغم إدراكه لصعوبة هذا الخيار. ويقول: إذا بقيت الجودة بهذا السوء فأنا لم أعد بحاجة للطرف الصناعي. أفضل أن أعمل بدونه على أن أتحمل الالتهابات والحرارة العالية والألم اليومي بانتظار جهة تقدم لي طرفا يسهل عملي ويمنحني بعض الراحة.
تجربة محمد السلمان لا تختلف كثيراً عن تجارب عشرات الجرحى في الجنوب السوري الذين أكدوا لـ”963+”: أن الأطراف الصناعية المتوفرة تسبب لهم مشاكل صحية متعددة. أبرزها ارتفاع الحرارة داخل الطرف وتشقق الجلد والتهابات مستمرة وآلام مزمنة في المفاصل والظهر. إضافة إلى عدم التوازن أثناء الحركة ما يزيد من خطر السقوط أو الإصابة مجددا ويحد من قدرتهم على العمل والاستمرار.
ومن الناحية الطبية يحذر مختصون من خطورة استخدام أطراف صناعية غير مطابقة للمواصفات. حيث يوضح الدكتور عقلة الحنفي أخصائي جراحة عظمية أن الأطراف الصناعية الرديئة قد تكون في بعض الحالات أخطر من عدم استخدامها أساساً.
ويقول الحنفي لـ”963+”: “الأطراف غير المطابقة للمواصفات الطبية تؤدي إلى التهابات مزمنة وتقرحات جلدية وارتفاع كبير في الحرارة داخل التجويف خاصة في فصل الصيف. كما قد تسبب تشوهات في العظام وآلاما مستمرة في العمود الفقري نتيجة سوء التوازن والتحميل الخاطئ على الجسم”.
ويضيف: “الطرف الصناعي يجب أن يصمم وفق قياسات دقيقة لكل مريض وبمواد طبية خاصة تسمح بالتهوية وتخفيف الضغط. وأي خلل في هذه المعايير سيؤدي إلى مضاعفات صحية طويلة الأمد وقد يضطر المصاب في النهاية للتوقف عن استخدام الطرف نهائياً”.
من داخل المراكز اعتراف بالعجز وقلة الإمكانيات
من داخل المراكز والجمعيات التي تقدم الأطراف الصناعية يعترف العاملون بوجود مشكلة حقيقية تتجاوز رغبتهم في تقديم خدمة أفضل. حيث يقول جواد العلي موظف لدى منظمة تعنى بتأمين الأطراف الصناعية: “المشكلة الأساسية تكمن في ضعف الإمكانيات وغياب الدعم الحقيقي”.
ويضيف لـ”963+”: “الأطراف عالية الجودة مكلفة جدا ومعظم المنظمات لا تستطيع تأمينها في ظل شح التمويل وارتفاع تكاليف المواد والتجهيزات”. مؤكداً أنهم يدركون تماماً أن بعض الأطراف لا تلبي طموح الجرحى ولا احتياجاتهم الفعلية لكنها المتاحة حالياً في ظل غياب أي جهة رسمية تشرف أو تضع معايير واضحة للجودة.
وبدوره يؤكد أحمد أكراد موظف لدى جمعية معنية بتأمين الأطراف الصناعية أن الجمعيات التطوعية تواجه تحديات كبيرة في هذا الملف الإنساني. ويقول لـ”963+”: الأطراف ذات الجودة الممتازة تأتي بأسعار مرتفعة جداً يصعب تأمينها دون دعم من جهات مانحة كبيرة أو تدخل حكومي مباشر.
ويضيف: “حتى الآن لا تزال الجمعيات تقدم أطرافا مصنوعة من السيليكون. ورغم أن جودتها ضعيفة نسبيا إلا أنها تساعد بعض الجرحى على الحركة والقيام بأعمالهم اليومية”. معبراً عن أمله بتدخل جهات داعمة لتوفير أطراف أفضل ومطالبا وزارة الصحة بتحمل مسؤوليتها تجاه هذا الملف.
حسام الجهماني جريح حرب فقد قدميه خلال معركة في ريف درعا الغربي يتحدث بدوره عن تجربته القاسية مع الأطراف الصناعية ويقول لـ”963+”: “الأطراف سيئة للغاية لكنه مضطر لاستخدامها لأنه فقد طرفين سفليين”. ويعمل حالياً في محل ألبسة وهي تساعده قليلا على الوقوف والحركة دون أي شعور حقيقي بالراحة.
ويضيف إنه يتحمل الوضع لأن عمله لا يتطلب جهداً بدنياً كبيراً. لكن هناك جرحى يعملون في مهن شاقة كالزراعة والبناء. وبالنسبة لهم فإن الأطراف المتوفرة لا تناسبهم إطلاقا بل تزيد من معاناتهم وتحد من قدرتهم على الاستمرار.
غياب الدولة
يؤكد متابعون وناشطون في المجال الإنساني أن غياب الدور الحكومي والرقابي ساهم بشكل مباشر في انتشار أطراف صناعية منخفضة الجودة دون محاسبة أو تقييم. كما لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات واضحة بعدد الجرحى في الجنوب السوري أو بنوع إعاقاتهم واحتياجاتهم الفعلية. ما يجعل الحلول المطروحة جزئية ومؤقتة ولا تعالج جوهر المشكلة.
ويرى مختصون أن معالجة هذا الملف تتطلب خطة وطنية واضحة. تبدأ بحصر أعداد الجرحى واحتياجاتهم الفعلية. مرورا بوضع معايير جودة صارمة للأطراف الصناعية. وصولا إلى دعم المراكز والجمعيات بإمكانات حقيقية تضمن تقديم أطراف تحترم كرامة الإنسان وتراعي احتياجاته الصحية والعملية.
وانتهت الحرب وتوقفت المعارك لكن آثارها لم تغادر أجساد جرحى الجنوب السوري. فهؤلاء الذين نجوا من الموت يعيشون اليوم مواجهة يومية مع الألم والعجز وأطراف صناعية لا تلبي أبسط احتياجاتهم الإنسانية.
ولم تعد المشكلة في الحرب بل في ما بعدها. في غياب حلول جادة ومعايير واضحة ودور رسمي يتحمل مسؤوليته تبقى معاناة الجرحى مفتوحة على الألم الدائم. فالحرب سلبت منهم أطرافهم واليوم يسلبهم الإهمال حقهم في التعافي والعمل والعيش بكرامة.
وهذه ليست مطالب رفاهية بل حقوق أساسية. ومع انتهاء الحرب يصبح الصمت عن هذا الملف خذلاناً جديداً يدفع ثمنه من ضحوا بأجسادهم. ويبقى السؤال مفتوحاً إلى متى سيبقى جرحى الحرب أسرى أطراف صناعية لا تشبههم ولا تعيد لهم حقهم في حياة كريمة.
+963



