سوريا.. صراع الأولويات بين الاستقرار والعدالة/ ميشال شماس

2026.01.04
مع دخول سوريا عامها الثاني بلا نظام الأسد، يصبح تحديد الأولويات ضرورة لا يمكن تجاوزها. فبناء سوريا الجديدة يبدأ من وضوح ما يجب أن يُنجز أولاً، وما يمكن أن ينتظر، وما لا يجوز تأجيله تحت أي ظرف. من دون ذلك، سنعيد إنتاج الفشل ذاته. في السطور التالية سأعرض أهم الأولويات التي لا يمكن لسوريا أن تبدأ مسار التعافي والبناء من تنفيذها بوضوح.
أولاً: العدالة الانتقالية – الحقيقة قبل المصالحة:
لا يمكن لسوريا أن تتجه نحو مستقبل مستقر من دون معالجة إرث الانتهاكات والعنف الذي راكمته السنوات السابقة. فالمجتمعات التي تخرج من الحروب والنزاعات الداخلية تحمل جروحاً عميقة، وذاكرة مثقلة، وشعوراً واسعاً بالظلم، ولا يمكن لأي مشروع سياسي أو اقتصادي أن ينجح ما لم تُعالج هذه الجروح بطريقة عادلة ومسؤولة.
وتتمثل الأولوية هنا في إطلاق مسار عدالة انتقالية واقعي يوازن بين المحاسبة والمصالحة وحماية السلم الأهلي. مسار يعترف بعماناة الضحايا، ويوثّق الانتهاكات، ويضع آليات واضحة للمساءلة، ويمنع تكرار الجرائم، ويتيح في الوقت نفسه مساحات للصلح المجتمعي وإعادة بناء العلاقات بين الناس.
ثانياً: بناء منظومة أمنية وعسكرية جديدة:
على خلاف كثير من التجارب الانتقالية، لم ترث سوريا بعد سقوط النظام مؤسسات أمنية أو عسكرية قابلة للإصلاح. فالجيش والأجهزة الأمنية والشرطية التابعة لنظام الأسد جرى حلّها بالكامل، واستُبدلت بعناصر جديدة تنتمي إلى السلطة الانتقالية، معظمها غير مدرّب ولا يمتلك خبرة مؤسسية، دخلت الخدمة عبر عملية دمج متسرعة اقتصرت على مقاتلين ينتمون إلى هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها. وهي تشكيلات ذات عقيدة قتالية خاصة، وبُنى داخلية مغلقة. وتم إدخالها في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية دون إعادة تأهيل حقيقية يعني نقل “منطق الفصيل” إلى داخل “منطق الدولة”، وهو ما يهدد أي مشروع لبناء مؤسسات وطنية مستقرة.
ومن أجل تجاوز هذه التحديات، لا بد من اعتماد ثلاثة ركائز أساسية لتأسيس جيش وقوى أمنية وشرطية جديدة:
1) إعادة تأهيل عناصر الجيش على أساس عقيدة دفاعية وطنية تُحدّد مهمته بوضوح، وتضمن خضوعه للسلطة المدنية، وتمنع تسييسه أو تحويله إلى قوة فصائلية.
2) تأهيل العناصر الشرطية والأمنية: وفق قواعد قانونية ومعايير مهنية واضحة، تشمل التدريب المتخصص، واحترام حقوق الإنسان، والالتزام بالقانون في جميع الإجراءات.
3) أن تخضع المؤسسة العسكرية والأمنية والشرطية لرقابة برلمانية وقضائية تضمن الشفافية والمساءلة ومنع تغوّلها.
ثالثاً: الاقتصاد المعيشي العاجل – إطفاء الحريق الاجتماعي:
رفع العقوبات لا يعني التعافي الفوري. فالبنية التحتية مدمّرة، والبطالة واسعة، والفقر عميق، والناس تبحث عن الحد الأدنى من مقومات الحياة قبل أي نقاش سياسي. ورغم التحسن في خدمات الكهرباء والمياه والنقل إلا أن هذه الخطوات لا تلبّي الاحتياجات الأساسية للسكان، ما يجعل وقف الانهيار المعيشي أولوية لا يمكن تأجيلها.
ويتطلب ذلك إجراءات سريعة ومباشرة تشمل توسيع برامج العمل العاجلة، واستكمال تشغيل وصيانة المرافق الحيوية، وإعادة تشغيل المصانع المتوقفة، ودعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الإنتاج الزراعي عبر توفير مستلزمات الزراعة والري والوقود، وضبط الأسعار ومحاربة الاحتكار، وفتح قنوات تحويل آمنة للمغتربين. فالاقتصاد شرط أساسي للاستقرار. فالجائع لا ينتظر إصلاحات سياسية، واليائس قد يتحول إلى وقود للعنف أو الهجرة.
رابعاً: إصلاح القضاء، العمود الفقري للدولة الجديدة:
لا يمكن لأي دولة أن تستعيد عافيتها من دون قضاء مستقل وفعّال. وتتمثل الأولوية هنا في إعادة بناء منظومة قضائية مستقلة، نزيهة، وموحّدة على كامل الأراضي السورية، منظومة قادرة على تطبيق القانون دون تمييز، وحماية الحقوق الأساسية، وضمان المحاكمات العادلة، ومحاسبة من يرتكب الانتهاكات، سواء كانوا أفراداً أو جهات رسمية. ويشمل هذا الإصلاح خطوات عملية مثل:
تعزيز استقلال القضاة وحمايتهم من التدخلات السياسية والأمنية
إعادة تأهيل الكوادر القضائية وتحديث البنية الإدارية للمحاكم.
تفعيل دور النيابة العامة في مكافحة الفساد والجريمة المنظمة.
رقمنة العمل القضائي لضمان الشفافية وسهولة الوصول إلى العدالة
خامساً: استكمال بناء المؤسسات الدستورية:
وبالتوازي مع تثبيت الأمن، وتحقيق حدٍّ أدنى من الاستقرار الاقتصادي والسياسي، يصبح استكمال بناء المؤسسات الدستورية خطوة لا يمكن تأجيلها، وفي مقدمتها تشكيل المجلس التشريعي. فهذه الخطوة تشكل إعلانا واضحا بأن الدولة بدأت تستعيد مؤسساتها وقدرتها على العمل وفق قواعد شرعية وواضحة.
ويجب أن يمثل المجلس جميع المكوّنات السورية، من الكفاءات والخبرات القادرة على التشريع والرقابة. ومنحه صلاحيات حقيقية، كمؤسسة فاعلة لا شكلية. من أولى مهامه إصدار القانون المنظّم لعمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والمفقودين، وإقرار قانون الأحزاب والتظاهر، وقانون تجريم خطاب الكراهية والطائفية بعقوبات مغلظة، وقانون الانتخابات، وقانون المحكمة الدستورية العليا. وتشكيل لجان برلمانية مهمتها إعادة النظر في التشريعات السابقة، عبر إلغاء أو تعديل القوانين غير المناسبة، وسنّ تشريعات جديدة تتوافق مع متطلبات الدولة الجديدة ومعايير حقوق الإنسان.
وبالتزامن مع ذلك، يجب إطلاق حوار وطني واسع حول ماهية العقد الاجتماعي الجديد الذي سيحكم سوريا مستقبلًا، بحيث يشارك فيه ممثلو المجتمعات المحلية والقوى السياسية والمدنية، ويُبنى على مبادئ المواطنة والحقوق والعدالة.
سادساً: توحيد البلاد سياسياً وإدارياً:
سقط نظام الأسد، وترك وراءه بلداً مقسماً، وإعادة توحيده يجب أن تتم عبر تفاوض وحوار سياسي يسمح بإعادة دمج المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة في إطار دولة واحدة. ويتطلّب ذلك اتفاقات مرحلية مع القوى المحلية، والأخذ بنموذج لامركزية إدارية مرنة، ووضع ضمانات حقيقية لعودة النازحين، ودمج الإدارات المحلية في مؤسسات الدولة على نحو تدريجي ومدروس. فالتوحيد ليس مجرد خرائط، بل استعادة ثقة الناس بالدولة.
فتوحيد البلاد لا يبدأ من القمة، بل من قدرة الناس على العيش ضمن إطار سياسي وإداري واحد، ومن وجود قواعد تضبط الخلاف وتمنع تحوّله إلى صراع جديد. ومن دون هذا الأساس، ستبقى أي عملية انتقالية مهددة بالانهيار عند أول أزمة.
نحو مسار واقعي لإعادة بناء الدولة
دولة خارجة من الخراب لا يمكن أن تُبنى دفعة واحدة، بل عبر خطوات متراكمة تستعيد من خلالها قدرتها على حماية الناس، وتوفير الخدمات، وضمان الحقوق، وصنع القرار ضمن مؤسسات شرعية وفعّالة. وكل أولوية من هذه الأولويات ليست منفصلة عن الأخرى، بل تعتمد عليها وتتغذّى منها: فلا أمن بلا قضاء، ولا اقتصاد بلا مؤسسات، ولا وحدة وطنية بلا عدالة، ولا عدالة بلا مجلس تشريعي قادر على تحويل المبادئ إلى قوانين.
تلفزيون سوريا



