سورية حلقة في سلسلة صراع إقليمي طويلة/ حسان الأسود

31 ديسمبر 2025
ينتهي العام 2025، ومع أفوله تنتهي المهلة التي حدّدها اتفاق 10 مارس (2025)، الموقَّع في دمشق بين الرئيس السوري أحمد الشرع والجنرال مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد). ويبدو المشهد أكثر تعقيداً من مجرّد مشاركة السلطة السياسية في البلاد بين أطراف متعدّدة، وهو أوسع من موضوع حقوق المواطنة وحقوق الأقليات، رغم أنه يشملهما بالطبع.
إذا نظرنا إلى سورية من زوايا مختلفة، نجد تشابكاً معقّداً لمصالح إقليمية ودولية تمرّ خيوطها منها، تتقاطع تارةً، وتسير بموازاة بعضها تارةً أخرى. في البدء، لا بد من تأكيد أنّه لم تكن هناك وحدة داخلية سورية، لا في ما يخصّ الموقف من نظام الأسد الهارب، ولا في ما يتعلّق بالثورة عليه، فالانقسام المجتمعي كان واضحاً خلف واجهة الاصطفاف السياسي. وإذا تجاوزنا مرحلة الأشهر الستّة الأولى التي تميّزت عموماً بسلميّتها وبالمشاركة الشعبية الواسعة، سنجد لاحقاً قوَّتَيْن كبيرتَيْن خاضتا الصراع حتى نهايته؛ انتصرت، في النهاية، القوة التي انحازت فعلاً إلى صفّ الثورة، وتلك التي حُسب أنها انحازت إليها. الانقسام السوري هو العامل الرئيس في تضخيم دور التدخّلات الأجنبية، ومن دونه كان تأثيرها سيظلّ محدوداً ومضبوطاً بقوانين الفعل المتبادل في العلاقات الدولية، كما هو سائدٌ عموماً بين الدول والمجتمعات المختلفة.
انهزمت إيران مع هزيمة حليفها في هذه الحلبة من الصراع، بينما لا تزال روسيا حاضرةً في المشهد، بل دورها آخذ بالتعاظم من جديد بسبب تعقيدات المشهد المتوتّر بين دمشق وتل أبيب. وتركيا، التي كانت الطرف الأضعف في محور أستانة، صارت اليوم الطرف الأقوى في المعادلة السورية. وللموضوعية، لا بدّ هنا أيضاً من تذكّر الانقسام الشعبي السوري حيال الصراع الإسرائيلي – الإيراني، الذي انتهى بهزيمة إيران وخروجها من المشهد راهناً. وللدقّة، كذلك لا بد من ملاحظة تقلّب المواقف الشعبية ذاتها بين الأمس واليوم؛ فتلك الجماعات التي كانت تهلّل لقصف إسرائيل مواقع إيران وحلفائها في سورية باتت اليوم تقف ضدّ إسرائيل التي تغوّلت وكشّرت عن أنيابها بمجرّد سقوط نظام الأسد. وفي المقلب الآخر، نجد القوى والجماعات التي كانت تندّد بالتدخّل الإسرائيلي في الشأن السوري تحت شعار الوطنية والحفاظ على السيادة تستدعيه حالياً بحجّة حمايتها من السلطة السياسية في دمشق، حتى لو أدّى ذلك إلى تقسيم البلاد، بل إن بعضها يجاهر علناً بطلب التقسيم والانفصال والاستقلال.
هذا الانقسام السوري الداخلي هو بالذات البوابة الأوسع للتأثير الخارجي في سورية، لكنّه ليس سببه بكل تأكيد. لا تتعامل الدول مع بعضها إلا من خلال قواعد تحقيق المصالح. وفي سبيل ذلك، تجد الوسائل المناسبة، وقد تكون هذه متناقضةً إلى درجة كبيرة لا يمكن تجاهلها. حدّدت معظم الأنظمة العربية مواقفها سلفاً بما لا يؤدّي إلى امتداد ثورات الشعوب إليها، ورأت إسرائيل الفرصةَ سانحةً لإضعاف بنى الدول والمجتمعات التي نشبت فيها هذه الثورات، بينما رأت تركيا فيها ساحةً أوسع لتمدّدها نحو الشرق بعد أن اقتنعت بأن أبواب الاتحاد الأوروبي موصدةٌ في وجهها إلى الأبد. أمّا إيران، فكانت ترى في كل بؤرة توتّر منفذاً لتعزيز مشروعها التوسّعي. وتبدّل الموقف التركي خلال السنتَيْن السابقتَيْن على سقوط نظام الأسد مثال على هذه المرونة والسيولة في العلاقات الدولية: من محاولات حثيثة للتعامل مع نظام الأسد، إلى المسارعة بدعم تحرّك قوات ردع العدوان سياسياً لاستثمار انهيار جبهات النظام، وبالتالي تقليل الخسائر البشرية وحسم المعركة داخلياً وخارجياً.
تتصاعد وتيرة الضغوط الداخلية في سورية بين شدّ الأطراف وجذب المركز، وهذا كلّه ليس بعيداً عن التنافس الإقليمي والدولي في المنطقة. وقبل عدة أيام كانت زيارة وفد وزاري تركي سيادي المستوى، مؤلّف من وزيري الخارجية والدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات، إلى دمشق حدثاً غير عابر، انعكس في توتّر ميداني أدّى إلى اشتباكات مسلّحة في حي الشيخ مقصود في حلب. ودخول روسيا على خطّ المفاوضات السورية – الإسرائيلية ورعايتها في باكو، عاصمة أذربيجان، حلقة مهمّة من بين مجموعة الحلقات المتداخلة في المشهدين، الدولي والإقليمي. فإسرائيل تريد تحجيم الدور التركي، وتركيا تريد ضمانة روسيا لعدم التصعيد مع إسرائيل بحكم قرب الأخيرة من موسكو، وروسيا تريد تعزيز حضورها في سورية، ودمشق ترى في الروس معادلاً معقولاً بين الطرفَيْن، التركي والإسرائيلي، وأميركا تجد هذه الوساطة الروسية مفيدةً لها من ناحية تهدئة التوتّرات التي لا تريد لها أن تشغلها عن حل عقدة غزّة، والسعودية ومصر تريان في موسكو حائط صدّ مقبولاً بوجه الاستفراد التركي في سورية.
وبصرف النظر عن أن حقوق التظاهر والاعتصام والإضراب مضمونة في الإعلان الدستوري، وبالتأنّي في اعتبار أن دعوة رئيس المجلس الإسلامي للسوريين العلويين الشيخ غزال غزال العلويين إلى النزول إلى الشارع للتظاهر كانت مبرمجةً بالتعاون مع إسرائيل أو إيران، فإنها قد تصبّ في النهاية ضمن خانة توتير الأجواء مع المركز، بما يسبب إضعافاً للجانب السوري في مفاوضاته مع الروس والإسرائيليين وغيرهم. وكذلك هي المواقف المتشدّدة من بعض الأطراف في السويداء وفي مناطق الإدارة الذاتية، التي تجد نفسها في معركةٍ قد تصل إلى كسر العظم؛ وهذا لا يبرّر لأيّ منها، ولا للسلطة أيضاً، الذهاب إلى هذا الخيار الصِّفري الذي لن يستفيد منه إلا الأعداء المتربّصون بالبلاد.
سقوط طائرة رئيس أركان الجيش الليبي، أو إسقاطها، فوق أنقرة بعد زيارة رسمية، مؤشّر على تصاعد التوتّرات في المنطقة، وهو من أشكال الإحراج السياسي والدبلوماسي لتركيا، وضغط مركّز عليها في ليبيا. واعتراف إسرائيل بدولة أرض الصومال جزء من معادلة التوسّع الإسرائيلي. ويندرج في الخانة نفسها الحلف الثلاثي الإسرائيلي – اليوناني – القبرصي، المُعلَن قبل أيّام، وربّما كان الاتفاق اللبناني – القبرصي على ترسيم الحدود البحرية أحد أشكال الضغط الأميركي على تركيا من خلف ستار.
وقد تؤثّر نتائج زيارة نتنياهو (الاثنين 29 ديسمبر/ كانون الأول الجاري) لواشنطن في مجمل هذا الصراع المحتدم؛ فأميركا لها مصالح متقدّمة في المنطقة، وهي ترغب في الاستثمار في حقول الغاز في المتوسّط، وبدفع من شركات الطاقة الأميركية، قد تذهب إدارة ترامب إلى حرب في فنزويلا، بينما هي ضغطت على نتنياهو للتهدئة في سورية. إنها خلطة كبيرة من معادلات صراع النفوذ والمصالح؛ فلربّما سمحت أميركا بدور روسي في التوسّط بين إسرائيل وسورية مقابل تنازلات روسية في ملفّ فنزويلا، رغم أن الموقف الروسي في مجلس الأمن كان متشدّداً جدّاً، حيث وصفت موسكو التدخّل الأميركي بـ”سلوك رعاة البقر” محذّرةً من أيّ مغامرة عسكرية أميركية ستؤدّي إلى عواقب كارثية على استقرار المنطقة بأكملها.
يوضّح ذلك كله حجم تعقيدات الحالة السورية التي هي، في النهاية، حلقة واحدة من سلسلة طويلة معقّدة ومتشابكة. ويبقى العامل الأكثر حسماً هو العامل الداخلي؛ فكلما اقترب السوريون من بعضهم وابتعدوا عن تأثيرات الخارج، ضعفت هذه الحلقة المغلقة علينا جميعاً، وازدادت قوّتنا، وعدنا إلى سوريتنا، وعادت سورية إلينا.
العربي الجديد



