سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

سيولة الحرية عند حافّة الفوضى/ شعبان عبود

30 ديسمبر 2025

في الأشهر التي تلت سقوط نظام بشار الأسد ووصول الرئيس أحمد الشرع إلى السلطة، امتلأت التقارير الصحافية والقراءات السياسية بإشارات متكرّرة إلى “اتساع هامش الحرية” في سورية. حرية في الكلام، في النقد، في تداول الأفكار، وفي كسر محظورات ظلّت قائمة عقوداً. رأى متابعون للشأن السوري أنّ الصحافة المستقلة ووسائل التواصل الاجتماعي شهدت انفراجاً غير مسبوق، إذ باتت للكتّاب والصحافيين قدرة على التعبير عن آرائهم بحرية، والنقد السياسي والاجتماعي أصبح أكثر وضوحاً. على المستوى الشعبي، بدأ المواطنون يشعرون بأن بإمكانهم مناقشة مواضيع كانت محرّمة أو حساسة، من قضايا الفساد إلى إعادة توزيع الموارد المحلية، من دون الخوف المباشر من القمع.

غير أن السؤال الجوهري لا يتعلّق بوجود هذه الحرية من عدمه، بل بطبيعتها ومصدرها ومصيرها. وعليه؛ هل نحن أمام حرية مؤسّسة على قواعد واضحة، ومحمية بقوانين وتشريعات، أم أنّنا أمام فراغ مؤقت سمح للحرية بالظهور؟ … حال الحريات وحجمها وهامشها في سورية اليوم، مع الإدارة الجديدة، يبدو لبعضهم هامشاً واسعاً، لكنه في الحقيقة يبدو أشبه بحالة المياه التي تفجّرت من أنابيب محطمة في الشوارع، إذ توحي السيولة بالخير الوفير، لكنّنا نعلم جميعاً أن هذا “الخير” ما هو إلّا مياه منفلتة بسبب عطب في الأنابيب والبنى التحتية.

ينطبق هذا التشبيه على الحالة الراهنة للحرية في البلاد، حرية الكلام والتعبير والنقد التي بدأ السوريون يختبرونها بعد سقوط النظام السابق تبدو وفيرة، لكنّنا نعلم جميعاً أنها لم تأتِ نتيجة لآليات مؤسّساتية متينة، لم تولّدها المؤسّسات، بل أتت نتيجة لمرحلة من الفوضى العامة التي سمحت بتحرّر مؤقت من القيود السابقة. كذلك يشير الواقع إلى أنّ معظم الانفتاح الحالي ليس مبنياً على أطر مؤسّساتية، بل على عدم امتلاك السلطة الجديدة لكل زمام الأمور، ومحاولتها للتكيّف مع مرحلة مليئة بالفراغ والاضطراب. سيولة الحرية هنا، كما مياه الشوارع، جميلة على السطح لكنّها تحمل مخاطر خفية.

لهذه الحرية المؤقتة مضارّها، في مجتمع مثل المجتمع السوري، الذي لا يزال يعاني من تصدّعات عميقة بعد حرب طويلة، واستقطاب طائفي مستمر، لأنّ الانفتاح غير المنضبط يمكن أن يزيد الانقسامات، ويشجع على خطاب الكراهية، ويرفع من حدّة الاستقطاب. الحرية بلا قواعد واضحة قد تؤدّي إلى فوضى أخرى، لكنّها هذه المرة في المجال الاجتماعي والسياسي، إذ تتصادم الحقوق الفردية مع الضرورات الجماعية لإعادة بناء الدولة والمجتمع.

من الناحية الثقافية، وعلى سبيل المثال، ربما يتيح هذا المناخ لبعض الفنانين والمفكّرين السوريين التعبير عن أنفسهم وابتكار أشكال جديدة من الفن والأدب، مستفيدين من فراغ الرقابة السابق، لكن هذه الحرية غير المؤسّسية تجعل استمراريتها غير مضمونة. فقد يختفي هذا الانفتاح كما ظهر فجأة، إذا ما استقرّت السلطة الجديدة وبدأت في وضع قيود جديدة أو محاسبة من يجرؤ على تخطّي خطوط معينة. أو نتيجة الخوف من سطوة الجمهور، وارتفاع الخطاب الشعبوي الخطر ضدّ كلّ رأي مخالف، وهذا أيضاً، بالمناسبة، نتيجة طبيعية لهذا الفسحة المؤقتة.

ويبقى السؤال الأكبر: هل سيستطيع السوريون العيش في مناخ الحرية هذا فترة طويلة؟ … تعلمنا تجارب التحوّل السياسي أن الحرية التي لا تُؤسَّس تُستعاد بسهولة، وأن الفوضى لا تبني ديمقراطية. وحدها الحرية المرتبطة بالقانون، والمحمية بالمؤسّسات، والقائمة على عقد اجتماعي جديد، قادرة على الاستمرار. أما ما يعيشه السوريون اليوم فهو اختبار مفتوح: إمّا أن يتحوّل إلى بداية مسار، أو أن يُسجَّل فاصلاً عابراً في تاريخ طويل من الخيبات.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى