“مشاهد من العودة إلى سورية”: بين الدمار وإرادة الحياة/ سمر شمة

29 ديسمبر 2025
لحظات ومشاعر إنسانية فارقة ومتناقضة تلاحقك لحظة بلحظة في رحلة العودة إلى سورية بعد سقوط نظام الاستبداد، من لجوء وتهجير قسري استمر لأعوام طويلة هربًا من الموت والاعتقالات والاستباحة بلا حدود لكل شيء.
فرحٌ عارم وغصة لا تفارقك إلى حد البكاء والنحيب، وبهجة لم يعشها السوريون منذ عقود، مسكونة بالأسى والحزن على ما ضاع من خصوصيات البلاد وساكنيها الأصليين، وحضاراتها، وجمالياتها، وألفة أماكنها، وحنان أرضها الخصبة، وسحر طبيعتها وطيبة شعبها. هنالك تحدٍ أيضًا، وإصرار على استعادة ما دُمر وسُرق بأعتى الأسلحة والسياسات، وبناء ما تحول إلى خراب وأشباح وأطلال تخبئ بين ثناياها ذكريات الحياة الحلوة والمرّة، وأوجاع حُكم البلاد بالحديد والنار والنهب والفساد.
هذه الرحلة الصعبة والقاسية كانت محور الفيلم الوثائقي السينمائي “مشاهد من العودة إلى سورية”، من إخراج الفرنسيين فانسان كوماغيه، وكاترين استراد، والذي سجل عودة الممثل السوري محمد آل رشي، وزوجته مريم رحيل، إلى دمشق وريفها، بعد لجوء قسري إلى فرنسا استمر لأكثر من 12 عامًا. وقد عُرض الفيلم أخيرًا، وللمرة الأولى في سورية، على مدى يومين، في النادي السينمائي في جرمانا بريف دمشق، وفي المنتدى السينمائي في أكاديمية دار الثقافة بمخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بمناسبة الذكرى السنوية الأولى للتحرير، بعد عرضه في مرسيليا والأردن.
في فبراير/ شباط الماضي، وبعد هروب بشار الأسد خارج البلاد بشهرين، قرر صناع العمل السفر إلى سورية ليبدأ الفيلم بالتشكل شيئًا فشيئًا مع مرور الوقت. كان الطريق شاقًا وطويلًا ومزدحمًا بالمفاجآت والصدمات المؤلمة والأفراح في الوقت نفسه، دارت خلاله نقاشات وأحاديث حيوية صادقة ومفعمة بأعمق المشاعر وأكثرها إنسانية، سجلتها الكاميرا التي انتقلت إلى منزل محمد المتهالك، حيث الجو البارد والصقيع الذي يسكن الأماكن المهجورة، وذكريات الحرب الدموية والحب والفقد. والعنوان الأبرز لهذه الأحاديث التي تدور حول مدفأة قديمة وأكواب من الشاي المعتق “الخمير” هو كيفية المشاركة في إعادة إعمار سورية الجديدة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه بأسرع وقت، وبأقل الخسائر والأحزان.
قام فانسان، مخرج العمل، بتصوير خطواتهم الأولى في دمشق، حيث المجال مفتوح الآن للتصوير وحرية التعبير في كل مكان، وحيث تغيب الألوان عن بعض المناطق، ليبقى اللونان الأسود والرمادي مسيطرين على البلدات والقرى الثائرة. المشهد عمومًا كان موحشًا، مغبرًا، صامتًا، وغارقًا في الخوف والشجون. تنقذه مشاهد مؤثرة وغير متوقعة من فرح الناس وإصرارهم على عودة الحياة البهيّة إلى ربوع بلدهم، كالحفلات الموسيقية التي تنشد جوقة للنساء فيها أغنيات الثورة، وعذابات أبنائها، وتضحيات أبطالها، إضافة إلى حدائق الخضراوات التي خرجت للنور وسط تلال من الأنقاض والرمال ناشرة الضوء والأمل بعد ظلام دامس وانسداد للأفق طويل الأجل.
مشاهد القصف، والقذائف الصاروخية، وروائح البارود والبراميل المتفجرة، والسلاح الكيماوي، حاضرة في كل ركن من أركان البلدات التي زارها صناع الفيلم: برزة البلد ــ جوبر ــ مخيم اليرموك ــ القابون، سجلتها الكاميرا مع تصريحات ولقاءات على عجل مع عدد من السوريين العائدين إلى موطنهم، تحدثوا فيها عن الاعتقالات التعسفية العشوائية، وآلام الحرب المدمرة التي شنها الأسد الابن على شعبه من دون توقف، ومن دون أي محظورات، أو شرائع. وعن الأموال الطائلة التي دفعوها لأجهزة النظام الأمنية وللميليشيات الطائفية لمعرفة أي خبر، أو معلومة، عن مصير ومكان أهلهم وأحبائهم وأصدقائهم وجيرانهم وأولادهم المعتقلين في المسالخ البشرية للنظام البائد التي خبروها وعرفوها جيدًا وشاهدها العالم بأسره موثقة بالصوت والصورة والوجع الكبير. وعن التجويع والحصار الخانق، وهول الدمار والخراب والرعب الذي عاشوه، وعن شعارات الثورة السورية التي آمنوا بها وتحدوا أعتى الطغاة من أجل انتصارها، ورفضهم للخطابات الطائفية والحقد والكراهية بين أبناء الشعب السوري، ودعوتهم الصادقة للحوار والمصالحة الوطنية ومحاسبة ومحاكمة مجرمي الحرب، وكل من شارك في سفك الدم السوري على مدى أربعة عشر عامًا.
رصدت كاميرا الفيلم شوارع برزة البلد التي يقطنها الفنان آل رشي، والتغيير الهائل في ملامح هذه المنطقة السكنية التي تعد جزءًا من مدينة برزة التي يعود تأسيسها إلى العهد الروماني، وكانت تسمى “أم دمشق”، لأنها كانت تشكل المنطقة الجغرافية الوحيدة البارزة في العاصمة السورية قديمًا، عندما كانت مغمورة ومحاطة بالمياه. كل شيء تغير في هذا المكان المنكوب، دمار للمنازل والبنية التحتية والمؤسسات، وأحداث دامية مروعة يرويها السكان بعد أن عاشوها في هذه البلدة التي انضمت إلى الثورة السورية في بداياتها، وبلغ الصراع ذروته فيها بين المعارضة المسلحة وقوات النظام صيف 2012، أماكن سويت بالأرض، ومنازل ومحال تجارية تعرضت للسرقة والنهب بعد أن هُجر أصحابها وانتهى ذلك كله مع بداية 2014، وفرض ما يُسمى زورًا “المصالحة الوطنية”.
تجولت الكاميرا أيضًا في مخيم اليرموك، أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في الشتات، أنشئ في 1957 بعد النكبة الفلسطينية، وكان يأوي حوالي 160000 لاجئ، وأعداد كبيرة من السوريين، والذي أصبح بعد 2011 مسرحًا لمعارك عنيفة بين الجيش السوري الحر والنظام البائد وأجهزته القمعية والعسكرية التي حاصرته حصارًا خانقًا ثم اجتاحته داعش في 2015، وجرت فيه معارك طاحنة بدت نتائجها واضحة في هذا الفيلم، وهي عبارة عن أطلال الأبنية السكنية والمشافي والجوامع والأسواق التي كانت تعج بالناس ليلًا نهارًا، إضافة إلى آثار التفجيرات التي تعرض لها المخيم، والتي دمرت بنيته التحتية بالكامل، وتصريحات قليلة لبعض العائدين إليه المصرين على استعادة الحياة فيه رغم غرقه بالدمار وذكريات الحرب المؤلمة.
أما مدينة جوبر التي أصابت الفرنسيين كاترين وفانسان، ومحمد،بالذهول والصدمة الكبيرة، فقد بدت في “مشاهد من العودة إلى سورية” عبارة عن مدينة أشباح وحجارة سوداء، فيها ملامح العمليات العسكرية الوحشية التي تعرضت لها بشكل متواصل على مدى سنوات، ومساحة من الركام تمتد على مرمى النظر، تتشابك فيها الأنفاق القديمة مع الأزقة الضيقة، ويغيب عنها كل ما يشير إلى أنها كانت ذات يوم لكل سكان دمشق وريفها، بأسواقها الكبيرة وتفاصيلها النابضة بالحياة. تدمير كامل لذاكرة مكان وشعب وجيل كامل، وانهيار لبنية الحياة، وغياب لأصوات الأطفال والباعة ورائحة الخبز التي حلت محلها رائحة الموت والأسلحة والغازات السامة والكيماوي والقنابل العنقودية والفراغية التي استخدمها الأسد المخلوع ضد أهلها.
والمعروف أن جوبر هي جزء من الغوطة الشرقية، والبوابة الرئيسة لها إلى دمشق، دُمرت مواقعها الأثرية والدينية، وأنفاقها، وأشجارها المثمرة، وأراضيها الزراعية، رغم أنها كانت مقبرة لجنود النظام ودباباته خلال سنوات الثورة، ومساحة رحبة للمظاهرات الحاشدة الشجاعة. وقد رصدت كاميرا الفيلم بدقة انهيار بنيتها التحتية وملامح التحدي الهائل أمام إعادة إعمارها وتأهيلها، لأن حجم الدمار فيها هو الأكبر في جميع أنحاء سورية.
ومن حي القابون الدمشقي، أحد الأحياء التاريخية الهامة، رصد الفيلم الأضرار الكبيرة فيه، من تدمير للمباني والأراضي الزراعية الخصبة، إضافة إلى المدارس، والمشافي، ومسجده الكبير، وهو أهم معالمه. ويعود تاريخ هذا المكان إلى العهد الآرامي، ويُعد نقطة وصل مهمة بين دمشق والمناطق الريفية المحيطة بها. كان الحي قبل الثورة يضم عددًا من البيوت القديمة التي تعود إلى العهد العثماني، والتي دُمرت جميعها بالكامل بعد أن لعب القابون وأهله دورًا محوريًا في الثورة السورية، وشهد مقاومة شرسة ضد النظام، مما أدى إلى حصاره وتدميره وقصفه وتهجير سكانه، ليصبح بعد عام 2017 تحت سيطرة النظام والميليشيات الطائفية، وليتعرض لمحاولات تغيير ديموغرافية كبيرة كانت واضحة للعيان في الفيلم لمن يعرف المكان جيدًا.
“مشاهد من العودة إلى سورية”، رغم كل ما حمله من توثيق للواقع الصادم في سورية، فإنه يصرح علانية بأن الرجوع إليها أصبح واقعًا، وأن التصوير أصبح ممكنًا، وكذلك البحث عن حقيقة ما جرى من همجية وتعسف ووحشية. لم يُقدَم الفيلم كتوثيق للأحداث بقدر ما هو عن المعنى الإنساني لما مرت به المدن والبلدات السورية وأهلها، وعن مشاعر وتطلعات صنّاعه، هو دعوة لمعرفة الواقع كما هو، ومعرفة حقيقة جرائم الحرب التي ارتُكبت، بعيدًا عن التحليل السياسي والمناظرات والمحاضرات، حواراته بسيطة وإنسانية، قريبة من الناس، وهذا ما تجلى في النقاشات التي دارت بين العائدين أنفسهم، ولا سيما في حديث محمد آل رشي عن الماضي والحاضر والحياة العادية اليومية قبل الحرب وبعدها، وعن معاناة السوريين وآمالهم اليوم بعد السقوط المدوي لأشد الأنظمة قمعًا واستبدادًا في العصر الحديث، وهو دعوة لكل سوري للتفكير بما يمكنه فعله لبناء سورية جديدة لا يحكمها اللون الأسود، ولا السجون، أو المعتقلات.
يؤخذ على العمل في بعض مشاهده الإيقاع البطيء، والإطالة غير المبررة دراميًا وفنيًا، والحضور غير الكافي لسكان المناطق المدمرة، وهم الأكثر قدرة على سرد ما جرى من سفك للدماء، وانتهاكات جسيمة لم ينجُ منها أحد حتى الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.
الفرنسي فانسان صرح بعد العرض مباشرة بأنهم ذهبوا إلى سورية يحملون كاميرا فقط، فكان هذا الفيلم الذي يُعد الأول له كإخراج متكامل، بعد أن عمل مطولًا في الإخراج السينمائي قائلًا: “عشت في سورية أربع سنوات قديمًا، وأنتجنا أنا ومحمد عددًا من الأغنيات، وقد شاركته فرحته بسقوط النظام، لذلك سجلنا تفاصيل العودة، وأنا سعيد جدًا بعرضه هنا في سورية”.
أما كاترين فقد أعربت عن سعادتها لإنجازهم فيلمًا من أجل سورية، ومن أجلهم، وقالت: “صورنا فقط في دمشق. لذلك الفيلم لا يحكي عن سورية كلها. فوجئنا كثيرًا بحجم الدمار في المدينة، 14 عامًا كانوا في منتهى الصعوبة بالنسبة للسوريين”.
أما الفنان آل رشي فقال: “عندما دخلنا إلى سورية لم نكن ننوي تصوير فيلم، كنا نصور مادة أرشيفية لنا، ولكن عندما عدنا إلى مرسيليا، وشاهدنا المواد، قررنا أن نعمل على إنجاز هذا الفيلم الوثائقي، وهو غني كمادة توثيقية للمدينة التي غبت عنها 13 عامًا، هو إعادة اكتشاف وأرشفة للمشاعر والأحاسيس التي تصيبك بعد الانقطاع الطويل”.
لقد كانت مشاهد العودة قاسية جدًا، لكنها أيضًا بدت معجونة بفرح الناس، وأصوات الباعة، وضحكات الأطفال، وزغاريد النساء وأمهات الشهداء، والضوء المنتشر في ساحتي المرجة والأمويين وشوارع العاصمة كلها، تغير كل شيء فعلًا، ولكن عيون السوريين أصبحت أكثر طمأنينة وسلامًا بعد الخوف والتعب والبحث عن النجاة من جرائم مروعة واستبداد لا مثيل له، وكأنها تقول: سورية ستنجو.
ضفة ثالثة



