إشتباكات السويداءالتدخل الاسرائيلي السافر في سورياسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سورياعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر 16 كانون الثاني 2026

متابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي:

التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

إشتباكات السويداء

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

عن أشتباكات صحنايا وجرمانا

——————————————

تحديث 16 كانون الثاني 2025

————————-

 ملف السويداء في نهايته.. والهجري يبحث عن ضمانات/ عمر علاء الدين

الجمعة 2026/01/16

على الرغم من الضجة التي أحدثها البيان المشترك بين أميركا وسوريا وإسرائيل الذي نشرته السفارة الأميركية في سوريا، حول آخر جولة مفاوضات بين دمشق وتل أبيب في باريس في 7 كانون الثاني/يناير الحالي، لم يشر ذلك البيان صراحة إلى السويداء؛ إحدى أهم الملفات على الطاولة.

الحل يبتعد أكثر فأكثر بعد تصريحات أدلى بها شيخ الطائفة الدرزية، حكمت الهجري، لصحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، معتبراً إسرائيل هي “الجهة الضامنة والوحيدة المخوّلة للتوصل إلى ترتيبات مستقبلية”.

وخلال الشهرين الماضيين، دخلت قضية السويداء حالة من الاستعصاء السياسي، تمثلت في خفوت خريطة الطريق، مع جمود رافق المفاوضات السورية الإسرائيلية.

إحياء خارطة الطريق

في 9  كانون الثاني/ يناير الحالي، زار المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، العاصمة الأردنية عمّان والتقى وزير الخارجية الأردنية أيمن الصفدي، حيث أكدا استمرار الجهود المشتركة لتنفيذ خارطة الطريق لإنهاء الأزمة في السويداء وتحقيق الاستقرار في جنوب سوريا.

ومما جاء في خريطة الطريق، التي صدرت في 16 أيلول/ سبتمبر الماضي، أن الولايات المتحدة ستعمل بالتشاور مع الحكومة السورية على التوصل إلى تفاهمات أمنية مع إسرائيل، تراعي “الشواغل الأمنية المشروعة للطرفين” مع الحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها، بدعم من الأردن.

تشير مصادر مطلعة على ملف السويداء عن قرب لـِ “المدن” إلى أن تنفيذ خريطة الطريق يحظى بأولوية لدى الحكومة السورية، بالرغم من العراقيل التي يضعها الشيخ الهجري ومن والاه؛ تارةً بمطالب الاستقلال وتارة بمطالبات بفتح “ممر إنساني” التي وصفتها المصادر بـِ “الخيالية وغير الواقعية”.

تصريحات الهجري لصحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، قرأتها المصادر على أنها قلق مفرط لدى الهجري من أن يكون “كبش فداء” التفاهمات الأخيرة بين دمشق وتل أبيب في باريس، حيث يشعر الهجري بعد التصعيد في حلب وانسحاب “قسد” منها أنه بحاجة لضمانات إسرائيلية لنجاته.

كما أن التنسيق مع الجانب الأردني والأميركي قائم للاستمرار في تنفيذ الخريطة، مع تعويل مصادر على “الدروز الوطنيين في السويداء لحلحلة الملف”.

ووفق الباحث والكاتب الصحافي، درويش خليفة، يُفهم سبب عدم إدراج السويداء بشكل صريح في نص المبادرة الأميركية على اعتبار أن الضمانة الأمنية للسويداء باتت “خارج إطار النص المكتوب”.

خليفة وفي حديث لـِ “المدن” اعتبر أن اجتماع باريس كان هدفه “تكريس بقاء إسرائيل في المواقع التي احتلتها داخل الأراضي السورية”، ومحاولة إقناع السلطة القائمة بأن هذا الوجود العسكري يُسوَّق على أنه إجراء لحماية استثمارات إسرائيلية.

كما يقدّم استمرار انتشار الجيش الإسرائيلي في المنطقة وفق خليفة، كـَ “عامل ردع” كاف لمنح السويداء مستوى من “الأمان”، بزعم حمايتها من أي انتهاكات قد تصدر عن أطراف محلية، وهذا ما ساهم وفق الباحث في تشجيع الهجري على طلب “الضمان الإسرائيلي”.

البحث عن ضمانات

يعتبر الهجري دروز سوريا “جزءاً لا يتجزأ من دولة إسرائيل” وفق ما قال للصحيفة العبرية، مشيراً إلى أن العلاقة مع إسرائيل “طبيعية” وليست وليدة اليوم، فقد تأسست هذه العلاقة قبل سقوط نظام المخلوع بشار الأسد بزمن طويل، وهناك صلات دم وروابط عائلية.

وفيما يرى الهجري أن إسرائيل هي “الضامن الوحيد” والجهة المخولة بالاتفاقات المستقبلية، يرى الباحث السوري بسام بربندي، أن ملف السويداء لم يعد “شرطاً مسبقاً” لأي اتفاق أمني أو بناء ثقة مع إسرائيل.

يعزو بربندي ذلك في حديثه لـِ “المدن” إلى أن هناك توافقاً سورياً أميركياً إسرائيلياً على أن “ملف السويداء” بات ضمن اختصاص الحكومة السورية.

البيان الثلاثي الذي صدر عن المفاوضات أكد وحدة سوريا وسلامة أراضيها وفق بربندي، مشيراً إلى أن الحل سيكون ضمن الأطر السورية.

توجه دولي

“استثمرت إسرائيل وحكومة نتنياهو أزمة السويداء استثماراً كاملاً، وضغطت عبرها على الحكومة السورية، مستغلة حالة الفوضى التي أحدثها هذا الملف”، وفق قراءة الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان.

وفي حديثه لـِ “المدن”، يعتبر علوان أن إسرائيل تبدو “غير جادة” في الدفاع عن أي من مطالب المجموعات المسلحة التابعة للشيخ حكمت الهجري؛ فهي لا يمكن أن تدعم انفصال السويداء، كما أن هذا الطرح غير مقبول إقليمياً أو دولياً. ومع ذلك، ظلَّ الاستغلال الإسرائيلي “الجشع” لهذا الملف حاضراً دائماً.

أما الولايات المتحدة الأميركية، فيقول علوان: “لم تتفاعل مع الأزمة بالمنطق الإسرائيلي ذاته؛ لأن إسرائيل سعت للاستثمار في الفوضى لكونها كانت في حالة تفاوض مع الحكومة السورية، وهي مفاوضات يبدو أنها انتهت أو أوشكت على الانتهاء”.

من جهة أخرى، سلكت المجموعات الموالية للشيخ الهجري سلوكاً أثار قلقاً إقليمياً ودولياً، وفق علوان، بما في ذلك الولايات المتحدة؛ إذ اعتُبرت مواقفها وتصريحاتها تهديداً للاستقرار في سوريا وللأمن الداخلي والخارجي.

بناءً على ذلك، يسود اعتقاد وفق الباحث السوري، أن هناك توجهاً إقليمياً ودولياً لتفكيك هذا الملف وإنهائه، بما يضمن الأمن والاستقرار في سوريا ودول الجوار.

المدن

————————-

من يحكم الخوف في سوريا.. ومن يستثمر فيه؟/ محمد طه الأحمد

ليست أخطر ما تواجهه الدول في لحظات ضعفها اختلال ميزان السلاح، بل تحول الخوف نفسه إلى نظام حكم غير معلن، تدار من خلاله المجتمعات، وتقاس به الشرعيات، ويعاد تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

في سوريا اليوم، لم يعد الخوف نتيجة عرضية للصراع، بل أصبح أداة سياسية منظمة، تستخدم لإدارة القلق العام، واحتكار الحماية، وتحويل الرعية إلى جمهور خائف يبحث عن راعٍ بالسلاح، لا عن دولة بالقانون.

ومن هنا، لا تتحرك المشاريع المسلحة والكيانات المحلية من منطلق مصلحة وطنية سورية شاملة، بل من منطق إدارة الفراغ، تحقيقا لمصالح ظاهرها الخوف وباطنها مصالح خاصة أو حزبية، وتثبيت الأمر الواقع، وتعليق فكرة الدولة، بدلا من مواجهتها أو إعادة بنائها.

ومن موقع المسؤولية الوطنية، لا من موقع الخصومة أو التخوين، لا بد من مقاربة هذه الظاهرة كما هي، بعيدا عن الخطابات المعلنة، وقريبا من الدوافع الفعلية، وما تخفيه هذه القوى خلف شعاراتها، وما تجنيه من استمرار الخوف، وما تستثمره الأجندات الخارجية في هذا الواقع.

إن مقاربة ما يجري في سوريا اليوم لا تحتمل إجابات مبسطة أو أحكاما أخلاقية جاهزة، فالقضية ليست نفي المظلومية ولا تبرير السلاح، بل فهم أن دوافع القوى المسيطرة محليا قد تتشابه في خطابها، لكنها تختلف في جذورها وغاياتها، وغالبا ما تختلط فيها المصلحة العامة المعلنة بحسابات بقاء سلطوية، أو سعي لتثبيت نفوذ، أو ارتهان خارجي مباشر أو غير مباشر.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة المشهد السوري عبر ثنائيات من نوع «وطنية/خيانة» أو «وحدة/تفكك»، ولا عبر توصيفات عامة تختزل واقعا معقدا، فالقوى التي نشأت في لحظة فراغ الدولة لا تتحرك جميعها بالمنطق نفسه، ولا تستند إلى السياق الاجتماعي والسياسي ذاته.

لكن ما يجمعها، بدرجات متفاوتة، هو توظيف الخوف بوصفه أداة حكم، لتبرير استمرار سلطات محلية تحولت مع الوقت إلى بنى قائمة بذاتها، تخشى عودة الدولة بقدر ما تخشى انهيار الواقع الذي تعيش فيه.

من هنا، يصبح من الضروري تفكيك ثلاث حالات رئيسية، لا بوصفها مشاريع متطابقة أو ملفات منفصلة، بل كنماذج مختلفة لكيفية إدارة الخوف.

أولا: قوات سوريا الديمقراطية (قسد)

الخطاب المعلن: حماية المكون الكردي وبقية المكونات، اللامركزية والديمقراطية، منع عودة الاستبداد، محاربة الإرهاب. وهو خطاب يستند إلى مظلومية تاريخية (حقبة نظام البعث)، وإلى تجربة قاسية من الإقصاء السياسي والثقافي، كباقي مكونات المجتمع السوري.

إعلان

الدوافع الحقيقية:

    هاجس البقاء السياسي والعسكري: قسد لم تعد إطارا عسكريا ظرفيا، بل تحولت إلى سلطة أمر واقع مكتملة الأركان: إدارة مدنية، أجهزة أمن، موارد نفطية وزراعية، جباية وضرائب، مؤسسات تعليم وقضاء محلي؛ أي كيان مركزي.

    مشروع قومي مؤجل لا ملغى: لا يوجد إعلان صريح الآن، لكن يوجد عمل تراكمي طويل الأمد: بناء هوية سياسية مستقلة، تكريس مفهوم «الإدارة الذاتية» كأمر طبيعي، إعداد أطر قانونية وتعليمية منفصلة. الانفصال غير ممكن في الظرف الراهن، لكن ترك الخيار مفتوحا جزء من الحسابات الإستراتيجية المستقبلية.

    ارتهان جزئي للخارج: الوجود الأميركي ليس تفصيلا تكتيكيا، بل عنصر ضمان أساسي. القرار الإستراتيجي محكوم بتوازنات دولية، ولا يصاغ وطنيا بشكل كامل.

آليات إدارة الخوف: التخويف من عودة الاستبداد، ربط الحقوق ببقاء السلاح، تصوير الدولة كخطر محتمل لا كضامن. الخوف هنا يستخدم لإقناع المجتمع بأن البديل عن قسد أسوأ دائما.

الخلاصة حول قسد: ليست حركة انفصالية خالصة حاليا، وليست مشروع مصلحة وطنية سورية عامة، وهي مشروع سلطة محلية مسلحة يسعى لتثبيت مكاسبه، ويوظف خطاب الحقوق والمظلومية لتعليق فكرة الدولة لا لإعادة بنائها.

    آليات إدارة الخوف: ربط الدولة بالانتقام، وتصوير القانون كخطر، وتخويف المجتمع من أي تغيير. فالخوف هنا يدار لمنع عودة الدولة، لا لحماية المجتمع

ثانيا: فلول النظام البائد

الخطاب المعلن: حماية الأقليات، الخوف من الإقصاء أو الانتقام، الدفاع عن الساحل. خطاب موجه أساسا إلى مجتمع منهك بالخوف، وليس إلى مشروع سياسي قابل للحياة.

الدوافع الحقيقية:

    الخوف من المحاسبة: عدد كبير من القيادات متورط بانتهاكات جسيمة أو فاسد مالي أو مستفيد من منظومة قمع طويلة. قيام دولة قانون حقيقية يعني فتح ملفات مغلقة منذ عقود، وهذا تهديد وجودي مباشر لهم.

    الحفاظ على الامتيازات المتراكمة: نفوذ أمني واقتصادي تراكم عبر شبكات تهريب والسيطرة على الموارد واحتكار القرار المحلي. أي إصلاح مؤسسي يعني خسارة هذه الامتيازات، لذلك يستبدل مطلب الدولة بمطلب «الحماية».

    استخدام الطائفة كدرع سياسي: الطائفة ليست المستفيد الحقيقي، لا عدالةَ، لا أمان طويل الأمد، لا أفق سياسيا، بل تستخدم كغطاء أخلاقي وسياسي لحماية مصالح ضيقة وشخصية.

آليات إدارة الخوف: ربط الدولة بالانتقام، وتصوير القانون كخطر، وتخويف المجتمع من أي تغيير. فالخوف هنا يدار لمنع عودة الدولة، لا لحماية المجتمع.

الخلاصة حول فلول النظام البائد: لا تمثل مصلحة الطائفة ولا تمتلك أي مشروع وطني، وهي مشروع نجاة سلطوية بحتة قائم على تعطيل الدولة باسم الخوف منها.

ثالثا: مليشيات الهجري- السويداء

الخطاب المعلن: حماية السويداء، رفض التهميش، إدارة ذاتية مؤقتة. خطاب نابع من واقع قاسٍ، لا من مشروع أيديولوجي متكامل.

الدوافع الحقيقية:

    فراغ الدولة وضعف الثقة: تجربة طويلة من التهميش وغياب الخدمات والقمع السياسي ولدت خوفا حقيقيا من الفوضى والجماعات المتطرفة وترك المجتمع بلا حماية.

    دوافع محلية أكثر من سياسية: الغالبية الشعبية ترفض الانفصال ولا تطلب سلطة بديلة، وتطلب كرامة وأمانا وخدمات. والسلاح هنا أداة حماية، لا مشروع حكم بحد ذاته.

    بروز زعامات محلية مسلحة: بعض القيادات وجدت في السلاح نفوذا، وفي الفراغ فرصة. والخطر الحقيقي أن تتحول الحماية المؤقتة إلى سلطة دائمة خارج أي مساءلة أو إطار قانوني.

آليات إدارة الخوف: تضخيم المخاطر الخارجية، تبرير استمرار السلاح، ربط الاستقرار بغياب الدولة. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب حالة غير انفصالية أصلا.

الخلاصة حول السويداء: ليست حركة انفصالية مبدئيا، والخطر في انزلاق المشروع الدفاعي إلى سياسي سلطوي، والدوافع الشعبية أقرب إلى مطالب معيشية سببها غياب الدولة لا الرغبة في بديل عنها.

الخلاصة العامة: القاسم المشترك بين هذه الحالات ليس المشروع السياسي، بل إدارة الخوف كأداة حكم. الخوف يبرر السلاح، ويعلق القانون، ويبقي الدولة غائبة. ولا توجد اليوم في سوريا قوى تتحرك من مصلحة وطنية سورية شاملة، بل مشاريع نشأت في ظل الخوف والفراغ وغياب الدولة المركزية. وحين يعاد تعريف الأمان كحق، لا كمنة، تسقط سلطات الخوف تلقائيا، لأن المجتمع لا يحتاج وسيطا حين يعود الأصل.

الخوف في سوريا لم يعد حالة طارئة يمكن تجاوزها بالزمن، بل أصبح لغة حكم، ومنظومة مصالح، وأداة إدارة مجتمع. ومن يحكم بالخوف لا يفعل ذلك لأنه قوي، بل لأنه عاجز عن الحكم بغيره. ولا يتمسك بالسلاح لأنه يحمي الناس، بل لأنه لا يملك شرعية تحميه.

لقد اعتادت قوى الأمر الواقع، على اختلاف خطاباتها وسياقاتها، أن تقدم نفسها بوصفها «أهون الشرور»، وأن تجعل من الدولة فكرة مؤجلة، ومن القانون خطرا محتملا، ومن العدالة مغامرة غير محسوبة. لكن الدولة لا تهزم حين تغيب، بل حين يقنع الناس أن غيابها طبيعي، وأن الخوف قدر، وأن الأمان لا يأتي إلا من خارجها.

إن أخطر ما يواجه سوريا اليوم ليس تعدد السلاح، ولا تنوع المشاريع، بل تطبيع الخوف بوصفه أساسا للعلاقة بين السلطة والمجتمع. وحين يصبح الخوف قاعدة، تتحول كل سلطة إلى مؤقتة، وكل حماية إلى ابتزاز، وكل خطاب إلى غطاء لمصلحة ضيقة.

الدولة التي نحتاجها ليست دولة انتقام، ولا دولة هيمنة، ولا دولة تسويات هشة، بل دولة قادرة على أن تقول بوضوح: الأمان حق، والقانون ليس خيارا، والسلاح ليس مصدر شرعية، والخوف ليس سياسة. وحين تعود الدولة بهذا المعنى، لا تسقط سلطات الأمر الواقع بالقوة، بل تسقط لأنها تفقد وظيفتها وتنكشف حقيقتها، ويصبح وجودها عبئا على المجتمع لا ضمانة له.

ويبقى السؤال الذي لا يمكن لأي سلطة أن تهرب منه، ولا لأي مشروع أن يلتف حوله: من يحكم؟ وبأي حق؟ ولمصلحة من؟ وحين لا يكون الجواب: الشعب، والقانون، والدولة، فكل ما عدا ذلك ليس حكما، بل إدارة مؤقتة للخوف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا 2025

الجزيرة

————————-

=====================

تحديث 15 كانون الثاني 2025

————————-

إسرائيل تريد تثبيت الوضع القائم لاحتلالها الجديد في سوريا

ترفض الانسحاب من الجولان ومن المواقع التسعة وترفض عودة الروس إلى القنيطرة

 تل أبيب: «الشرق الأوسط»

14 يناير 2026 م

كشف مسؤول إسرائيلي كبير، عن أن الخلافات مع سوريا كبيرة جداً، «أما عن الأجواء الإيجابية التي تتحدث عنها الولايات المتحدة حول المفاوضات، فإن الحقيقة شيء آخر».

واتضح من كلام هذا المسؤول أن إسرائيل تريد الاستمرار في الوضع الحالي لاحتلالها الجديد للأراضي السورية وترفض الانسحاب، ليس فقط من جبل الشيخ بل حتى من المواقع التسعة التي أقامتها بعد سقوط نظام الأسد، وتضع شروطاً صادمة مقابلها، منها منع سوريا من نصب صواريخ مضادة للطائرات.

وبحسب تقرير نشرته المراسلة السياسية لصحيفة «معاريف»، آنا بلريسكي، فإن المفاوضات المكثفة التي عُقدت في باريس طوال يومين، الأسبوع الماضي، بمشاركة ممثلين عن إسرائيل وسوريا والولايات المتحدة، انتهت إلى تفاهم محدود يقتصر على إنشاء آلية تنسيق تهدف إلى منع الاحتكاكات الميدانية، مع دور أميركي فاعل في إدارتها، ولكن دون تحقيق أي اختراق سياسي أو أمني أوسع.

وقالت إنه «لا توجد أي إمكانية، في المرحلة الحالية، للتوصل إلى اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا». ومع أنها تقول إن السبب في ذلك هو المطلب السوري بالانسحاب الإسرائيلي من جبل الشيخ السوري، وعدّته «العقبة المركزية التي تفجّر مسار المحادثات»، لكن يتضح في سياق التقرير، أن ما يفجر التفاهمات المطالب الإسرائيلية غير المعقولة.

وبحسب ما أفاد به المسؤول الرفيع للصحيفة، فإن المطالب الإسرائيلية تتضمن ما يلي:

الإبقاء على الواقع الحالي للاحتلال الإسرائيلي الجديد الذي تم مع انهيار نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، لما كان يسمى «منطقة الحرام» التابعة للمراقبة الأمنية لقوات الأمم المتحدة ومنطقة أخرى أعمق على طول الحدود بمساحة نحو 450 كيلومتراً مربعاً، وجميع قمم جبل الشيخ.

كذلك، تريد إسرائيل تجريد الجيش السوري من أي سلاح استراتيجي، مثل الصواريخ المتقدمة المضادة للطائرات، وأي سلاح يمكنه أن يخلخل التوازن القائم اليوم في التسلح.

بالإضافة، تطالب أيضاً بمنع وجود أي قوة أجنبية في سوريا تقيد حرية حركة الجيش الإسرائيلي، وتقصد بذلك قوات روسية أو تركية.

وتقول بريسكي في تقريرها، إن الإدارة الأميركية، التي تحث الطرفين على التقدم نحو اتفاق تفاهمات أمنية، تؤيد المطالب الإسرائيلية التي تحمي أمنها، خصوصاً البقاء في جبل الشيخ، لكنها تنوي طرح مقترحات لحلول وسط.

وأضافت أنه «في موازاة المسار الأميركي – السوري – الإسرائيلي، يوجد مسار آخر للحكومة السورية يثير قلقاً متزايداً في تل أبيب، ويتمثل بمحاولات دمشق التنسيق مع موسكو لإعادة نشر وجود عسكري روسي في سوريا، ولا سيما في الجنوب». وعدّت إسرائيل، بحسب التقرير، أن أي خطوة من هذا النوع تشكل تهديداً مباشراً لحرية عمل الجيش الإسرائيلي. وأشارت الصحيفة إلى أن القيادة السياسية الإسرائيلية أوضحت أنها عملت على إحباط مبادرات تهدف إلى نشر قوات روسية في جنوب سوريا، ونقلت رسالة حازمة مفادها أن إسرائيل لن تسمح بوجود عسكري روسي في تلك المنطقة، مؤكدة أن هذه الرسالة بُلّغت إلى دمشق وموسكو والإدارة الأميركية في آن واحد.

وربطت «معاريف» هذا الموقف الإسرائيلي بتجارب سابقة، موضحة أنه خلال فترة نظام الأسد كانت لروسيا قاعدتان مركزيتان في سوريا، هما قاعدة حميميم الجوية والمنشأة البحرية في طرطوس، لكنها نشرت أيضاً على مدى سنوات قوات شرطة عسكرية ونقاط مراقبة في الجنوب قرب منطقة الفصل. وعدّت إسرائيل أن العودة إلى هذا النموذج من شأنه أن يفرض قيوداً عملياتية جديدة ويغيّر قواعد الاشتباك في الساحة الجنوبية.

ولفت التقرير إلى أنه بعد سقوط نظام الأسد تقلص الوجود الروسي في سوريا وتركز في القواعد الأساسية، غير أن موسكو، بحسب التقديرات الإسرائيلية، لم تتخلّ عن طموحها في الحفاظ على نفوذها، وتعمل مع السلطة الجديدة في دمشق لإعادة توسيع موطئ قدم لها. وأضافت الصحيفة أن هذا التوجه يجري رغم انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا ومحدودية قدرتها على ضخ موارد إضافية في الساحة السورية، لكن موسكو ودمشق تتشاركان قناعة بأن للوجود الروسي، خصوصاً في الجنوب، قيمة استراتيجية بوصفه عامل كبح في مواجهة إسرائيل.

الشرق الأوسط

————————-

 مكانة “إسرائيل” في المؤشر العربي/ نزار السهلي

2026.01.15

تُظهر نتائج المؤشر العربي لعام 2025، الذي نفذه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في 15 بلداً عربياً، عبر إجراء استطلاع رأي يتناول مواقف الناس من قضاياهم المختلفة في السياسة والاقتصاد والأمن والمجتمع، ارتفاع أعداد المستجيبين للاستطلاع، والتي بلغت 40,130 عينة جرى اختيارها عشوائياً. كما يُلاحظ وجود تباين في الآراء حول بعض المواضيع المطروحة، كالأمن والاقتصاد، إلى جانب نسبة متغيرة تتعلق برؤية المستجيبين لعلاقة أنظمتهم مع الاحتلال الإسرائيلي، والموقف من التطبيع مع إسرائيل.

وفي ما يتعلق برأي المستجيبين حول سؤال: هل يقبل العرب أن تعترف بلدانهم بإسرائيل؟، يظهر رفض حاد للعلاقة مع إسرائيل والتطبيع معها. ففي بلدين موقعين على معاهدة سلام مع إسرائيل، شملهما استطلاع الرأي، مثل مصر، حيث بلغت نسبة الرفض 87%، والأردن 95%، عبّر المستجيبون عن رفضهم الاعتراف بإسرائيل. كذلك انخفضت نسبة المؤيدين للاحتلال في دول انضمت إلى التطبيع، كالمغرب، إذ كانت النسبة عام 2022 نحو 20% لتصبح اليوم 6%.

وقبل الخوض في مضمون هذا الاستبيان ونتائجه، لا بد من الإقرار بنموذجية معظم البيانات الإحصائية للعينة العشوائية التي استخدمها المؤشر العربي، وذلك من وجهة نظر علمية وممنهجة بحتة. وإذا أردنا محاكمة هذا الاستطلاع على أساس مضمونه وأهدافه، وخصوصاً ما يتعلق برأي الشارع العربي بإسرائيل كدولة استعمارية توسعية تسعى للهيمنة على المنطقة، من خلال ممارسة إرهاب الدولة المنظم على الشعب الفلسطيني، وعلى سيادة بلدان عربية أخرى، يصبح من الصعب تزوير بعض السياسات الرسمية لدولة الاحتلال.

وذلك لأن تعبير شرائح واسعة من المجتمع العربي عن رأيها تجاه إسرائيل لم ولن يتغير، بخلاف تغيّر بعض السياسات الرسمية. وهو ما حاول إثارته رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو قبل أيام في مقابلته مع مجلة “الإيكونوميست” البريطانية، حيث تحدث عن تقييمه لمواقف عدد من القادة العرب، مشيراً إلى أن القضية الفلسطينية لم تعد تمثل أولوية استراتيجية لكثير منهم، بقدر ما تُستخدم كملف حساس مرتبط بإدارة الرأي العام الداخلي في بلدانهم. وأوضح رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي أن الفجوة بين الخطاب السياسي الموجّه للجمهور والمواقف الفعلية في الاجتماعات الخاصة باتت واضحة، قائلاً إن الاهتمام الحقيقي لدى بعض القادة ينصب على كيفية انعكاس القضية الفلسطينية على الاستقرار السياسي الداخلي، وليس على تفاصيل الحل أو مستقبل الفلسطينيين.

إن الوصول إلى نتائج موضوعية في استطلاع رأي عربي عن إسرائيل، بعيداً عن الوقوع بين دائرتي الشك واليقين، يكمن في مراعاة الباحثين لآراء العينات المختلفة في بلدان الاستطلاع، كمقياس نجح في بث الثقة الكاملة بما أتى عليه من نتائج، سواء للمؤيدين للتطبيع أو المعارضين له. ويؤكد المستجيبون للاستطلاع أن الغالبية العربية ترى أن جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي تقترفها إسرائيل في غزة، أو سياساتها الاستعمارية في بقية الأرض الفلسطينية والعربية، تبقى من الأمور التي تمس الوجدان العربي بشكل شخصي، وهو ما يفسر حالة إبداء الإعجاب العربي، بنسبة 83%، بأداء جنوب أفريقيا من خلال رفعها قضية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، والتي أسهمت بشكل كبير في رفع الروح المعنوية لديهم.

ويلخص القائمون على المؤشر العربي الشعور العربي العام تجاه القضية الفلسطينية بعدم فاعلية وجدوى تطبيع الفاشية الإسرائيلية مع العقل العربي، وفشلها التاريخي في دول مثل الأردن ومصر، وانخفاض نسبتها في دول مثل المغرب والسودان، وهو أيضاً مؤشر على فشل بروباغندا “السلام”، ودليل دافع على بؤس السياسات العربية تجاه إسرائيل. وهي السياسات التي تحاول الإدارة الأميركية من خلالها فتح بوابات العبور السياسي والاقتصادي والأمني في العالم العربي أمام إسرائيل، بموازاة مواصلتها جرائم الإبادة والفصل العنصري وضم الأراضي وتهجير سكانها. ولهذا اعتبر المستجيبون للاستطلاع أن مصدر التهديد وعدم الاستقرار في المنطقة العربية يعود إلى إسرائيل وسياسات الولايات المتحدة الداعمة لها.

إن الاستخلاص الأبرز لنتائج المؤشر العربي حول العلاقة العربية مع إسرائيل يتمثل في نجاحه في رسم صورة المزاج العربي تجاه إسرائيل، دون التزييف الرسمي لصورة السلام والتطبيع وغيرها. فأجواء الإحباط والخيبة، بالنظر إلى العجز الرسمي العربي تجاه القضية الفلسطينية، تنعكس على اتجاهات الرأي العام العربي مستقبلاً في قبول إسرائيل في المخيال العربي ككيان طبيعي يمكنه الاستمرار والتعايش على أنقاض جرائم متواصلة. وهذا يقودنا إلى سؤال عن كيفية انتفاع الموقف الرسمي العربي من المؤشر العربي ليكون لديه رؤية علمية يعتمد عليها في سياساته تجاه القضية الفلسطينية.

وقد قُدمت الإجابة عن هذا السؤال في بقية الزوايا التي أضاء عليها المؤشر العربي، ومن خلال استمزاج الآراء حول مواضيع أخرى تتعلق بالديمقراطية والمواطنة ومكافحة الفساد والتنمية وحرية الرأي والتعبير، وجميعها تشكل معوقات حقيقية لإنجاز موقف عربي رسمي ينسجم مع المؤشر الحقيقي لوجدان الشارع في معظم قضاياه المصيرية. ولعل ما يجري اليوم من محاولات بعض الأصوات والقوى المرتبطة بالاحتلال تصوير خلاصها ضمن الانتماء إلى قوة المستعمر، بعيداً عن استقلال الدولة وسيادتها، وبمعزل عن الحقوق الأساسية، وادعاء تمثيل آراء الشارع في ما يخص محاولة زمرة ما القول إنها تنتمي تاريخياً إلى إسرائيل كمشروع استعماري في المنطقة العربية، يدلل على أهمية ما ذكره المؤشر العربي عن مكانة إسرائيل والنظر إليها ككيان استعماري دون تزوير.

كما يؤكد أن فلسطين باقية في الوجدان والعقل العربي والإنساني قضية عادلة، إلى جانب قضايا حق التعبير والرأي والمواطنة والحريات الفردية والجماعية، وإشاعة الحياة السياسية، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة، والتخلص من الاستبداد والقهر والظلم. فعندما تصبح كل تلك القضايا استراتيجية في النظام السياسي العربي، لا يجرؤ نتنياهو على التبجح بوجود استراتيجية عربية مغايرة تهمس في أذنه بعيداً عن آراء وطموحات الشارع العربي، الذي تُلقى في وجهه كل الوقاحة الصهيونية عن سلوك زعامات عربية.

تلفزيون سوريا

————————-

=====================

تحديث 14 كانون الثاني 2025

————————-

إسرائيل ترفض الوجود الروسي في جنوب سورية وتتمسك باحتلال جبل الشيخ/ نايف زيداني

14 يناير 2026

على الرغم من التقارير بشأن وجود اتفاق مبدئي على إنشاء آلية تنسيق لمنع الاحتكاكات العسكرية، بين سورية ودولة الاحتلال الإسرائيلي، توضح الأخيرة أن لا إمكانية في المرحلة الحالية للتوصّل إلى اتفاق أمني مع دمشق، والسبب الرئيسي لذلك، هو مطلب سوري واضح لا لبس فيه، بانسحاب إسرائيل من الجزء الذي احتلته قبل أكثر من عام في جبل الشيخ، وهو مطلب ترفضه إسرائيل بشكل قاطع.

وأشارت صحيفة معاريف العبرية، التي أوردت التفاصيل اليوم الأربعاء، إلى المحادثات المكثّفة التي أجريت في الآونة الأخيرة في باريس، بمشاركة ممثلين عن إسرائيل وسورية والولايات المتحدة، وتوصّلت الأطراف في ختامها، إلى تفاهمات محدودة، بشأن إنشاء آلية تنسيق هدفها منع الاحتكاك على الأرض، مع مشاركة أميركية فعّالة. وقال مسؤول إسرائيلي رفيع، لم تسمّه الصحيفة، إنّ “الموقف الإسرائيلي واضح وغير قابل للتفاوض. لن يكون هناك انسحاب من جبل الشيخ”. وأضاف المسؤول أنّ المطلب السوري بربط اتفاق أمني بانسحاب إسرائيلي هو السبب في عدم تقدّم المحادثات إلى ما بعد المرحلة التقنية الخاصة بالتنسيق.

كما تنظر تل أبيب بقلق إلى ما تصفه بمحاولة دمشق، بالتنسيق مع موسكو، لإعادة وجود عسكري روسي، خاصة في جنوب سورية، وترى بهذا التحرّك تهديداً مباشراً لحرية عمل جيش الاحتلال الإسرائيلي، ما قد يخلق قيوداً عملياتية. وأوضح المسؤول السياسي الإسرائيلي، أنّ إسرائيل أحبطت مبادرات لنشر قوات روسية في جنوب سورية، ونقلت رسالة واضحة وحاسمة بأنّها لن تسمح بوجود عسكري روسي في هذه المنطقة. وقد نُقلت الرسالة إلى سورية وروسيا والإدارة الأميركية، بحسب المسؤول.

وتقلّص الوجود الروسي في سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، ومع ذلك، ترى إسرائيل أنّ موسكو لم تتخلّ عن نفوذها في سورية، وتعمل مع السلطة الجديدة في دمشق للحفاظ على موطئ قد لها وتوسيعه من جديد، بسبب قناعة مشتركة بين الطرفين، بأنّ للوجود الروسي، خصوصاً في الجنوب السوري، قيمة استراتيجية، من بينها تشكيل عامل ردع تجاه إسرائيل. وترفض تل أبيب هذا المنطق، ويقول المسؤول الإسرائيلي إنّ “جنوب سورية لن يتحول إلى منطقة يتقلّص فيها هامش حرية عمل الجيش الإسرائيلي بسبب وجود أجنبي”.

ويتابع المسؤولون الإسرائيليون بقلق أيضاً، الاتصالات التي تجريها سورية مع روسيا وتركيا بشأن شراء أسلحة، ونقلوا رسالة إلى مختلف الأطراف، مفادها بأنّ إسرائيل لن توافق على أن تمتلك سورية، في أي تسوية أمنية مستقبلية، أسلحة استراتيجية، وعلى رأسها منظومات دفاع جوي متقدّمة، أو أسلحة قد تغيّر ميزان القوى الإقليمي.

أما الهدف الإسرائيلي، بحسب المسؤول السياسي، فهو تجميد الوضع القائم، أي عدم انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من جبل الشيخ، وعدم تعزيز القوة العسكرية السورية، وعدم وجود عسكري أجنبي يقيّد عمل الجيش الإسرائيلي. ورغم تعبير الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن رغبته في دفع اتفاق أمني على الأقل، بين إسرائيل وسورية، أوضح المسؤول الإسرائيلي، أن ترامب لا يطالب في هذه المرحلة بانسحاب إسرائيلي من جبل الشيخ، أو من مناطق أخرى سيطرت عليها قوات الاحتلال بعد سقوط النظام السوري السابق، بذرائع أمنية.

ولكن حتى لو تغيّر الموقف الأميركي مستقبلاً، توضح إسرائيل أنها لن توافق على أي انسحاب. وبحسب المسؤول ذاته، فإن “المصلحة الأمنية الاستراتيجية لإسرائيل تأتي قبل كل شيء”، مضيفاً أن الرئيس الأميركي يتقبّل هذا الموقف في الوقت الراهن.

العربي الجديد

————————-

 لا اتفاق أمنياً بين سوريا وإسرائيل: إحباط الانتشار الروسي

الأربعاء 2026/01/14

قالت صحيفة “معاريف” العبرية إنه لا إمكانية في المرحلة الحالية للتوصّل إلى اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا، بسبب مطلب سوري واضح لا لبس فيه، هو انسحاب إسرائيل من الجزء الذي احتلته قبل أكثر من عام في جبل الشيخ، وهو ما ترفضه تل أبيب بشكل قاطع.

تجميد الوضع القائم

وقالت الصحيفة إن المحادثات المكثّفة التي أجريت في الآونة الأخيرة في العاصمة الفرنسية باريس، بمشاركة ممثلين عن إسرائيل وسوريا والولايات المتحدة، توصّلت في ختامها، إلى تفاهمات محدودة، بشأن إنشاء آلية تنسيق هدفها منع الاحتكاك على الأرض، مع مشاركة أميركية فعّالة.

ونقلت عن مسؤول إسرائيلي رفيع، قوله إن “الموقف الإسرائيلي واضح وغير قابل للتفاوض. لن يكون هناك انسحاب من جبل الشيخ”، مضيفاً أنّ المطلب السوري بربط اتفاق أمني بانسحاب إسرائيلي هو السبب في عدم تقدّم المحادثات إلى ما بعد المرحلة التقنية الخاصة بالتنسيق.

وقال إن إسرائيل تهدف إلى تجميد الوضع القائم، أي عدم انسحاب جيش الاحتلال من جبل الشيخ، وعدم تعزيز القوة العسكرية السورية، وعدم وجود عسكري أجنبي يقيّد عمل الجيش الإسرائيلي.

وعلى الرغم من تعبير الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن رغبته في دفع اتفاق أمني على الأقل، بين إسرائيل وسوريا، أوضح المسؤول الإسرائيلي، أن ترامب لا يطالب في هذه المرحلة بانسحاب إسرائيلي من جبل الشيخ، أو من مناطق أخرى سيطرت عليها قوات الاحتلال بعد سقوط النظام السوري السابق، بذرائع أمنية.

وحتى لو تغيّر الموقف الأميركي مستقبلاً، توضح إسرائيل أنها لن توافق على أي انسحاب. وقال المسؤول إن “المصلحة الأمنية الاستراتيجية لإسرائيل تأتي قبل كل شيء”، مضيفاً أن الرئيس الأميركي يتقبّل هذا الموقف في الوقت الراهن.

الوجود الروسي

وتنظر تل أبيب بقلق إلى “محاولة” دمشق التنسيق مع موسكو، لإعادة الوجود العسكري الروسي، خصوصاً في جنوب سوريا، إذ ترى في هذا التحرّك تهديداً مباشراً لحرية عمل جيش الاحتلال الإسرائيلي، ما قد يخلق قيوداً عملياتية.

وأكد المسؤول السياسي الإسرائيلي، أن تل أبيب أحبطت مبادرات لنشر قوات روسية في جنوب سوريا، كما نقلت رسالة واضحة وحاسمة بأنّها لن تسمح بوجود عسكري روسي في هذه المنطقة، موضحاً أن الرسالة نُقلت إلى سوريا وروسيا والإدارة الأميركية.

وترى إسرائيل أن موسكو لم تتخلّ عن نفوذها في سوريا، وتعمل مع السلطة الجديدة في دمشق للحفاظ على موطئ قد لها وتوسيعه من جديد، وذلك على الرغم من تقلّص الوجود الروسي في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، في 8 كانون الأول/ديسمبر.

ووفق الرؤية الإسرائيلية، فثمة قناعة مشتركة بين دمشق وموسكو، بأن للوجود الروسي، خصوصاً في الجنوب السوري، قيمة استراتيجية، من بينها تشكيل عامل ردع تجاه إسرائيل، فيما ترفض تل أبيب هذا المنطق، وفق “معاريف”.

وقال المسؤول الإسرائيلي إن “جنوب سوريا لن يتحول إلى منطقة يتقلّص فيها هامش حرية عمل الجيش الإسرائيلي بسبب وجود أجنبي”.

ووفق التقرير، فإن المسؤولين الإسرائيليين يتابعون بقلق الاتصالات التي تجريها سوريا مع روسيا وتركيا بشأن شراء أسلحة، كما نقلوا رسالة إلى مختلف الأطراف، مفادها بأن إسرائيل لن توافق على أن تمتلك سوريا، في أي تسوية أمنية مستقبلية، أسلحة استراتيجية، وعلى رأسها منظومات دفاع جوي متقدّمة، أو أسلحة قد تغيّر ميزان القوى الإقليمي.

————————-

“نحن جزء من وجود إسرائيل”.. تصريحات الهجري تثير غضب المغردين

شهدت الساحة السورية على منصات التواصل الاجتماعي جدلا واسعا عقب تصريحات أدلى بها الزعيم الروحي لطائفة الدروز بالسويداء حكمت الهجري، في مقابلة مع موقع “واي نت” الإسرائيلي التابع لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، تطرق فيها إلى الوضع السياسي في محافظة السويداء الواقعة في جنوب سوريا وطبيعة علاقته بإسرائيل.

وقال الهجري في تصريحاته: “نحن نرى أنفسنا جزءا لا يتجزأ من منظومة وجود دولة إسرائيل، ونرى أنفسنا ذراعا أبرم تحالفا مع إسرائيل. ومطلبنا هو الاستقلال التام، لكن يمكن أن نقبل بمرحلة انتقالية بإشراف جهة ضامنة، وإسرائيل هي الجهة الضامنة والمخولة الوحيدة في أي اتفاق مستقبلي”.

ا

وأضاف أن علاقتهم بإسرائيل “تسبق سقوط (الرئيس المخلوع بشار) الأسد، وأن هناك روابط دم وأسرة مع دروز الجولان”.

أثارت تصريحات الهجري سجالا حادا بين المغردين وردودا غاضبة، كان أبرزها من مدير أمن مدينة السويداء سليمان عبد الباقي، الذي ظهر في مقطع فيديو موجها رسالة شديدة اللهجة إلى الهجري، ووصفه بأنه “خائن وعميل ومندس ولا يمثلهم كسوريين”، محملا إياه مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في المحافظة.

وقال عبد الباقي إن ما وصفه بـ”تفريط الهجري” لا يمس كرامة أبناء بني معروف، مؤكدا أن أبناء الطائفة “عرب أقحاح وأبناء هذه الأرض، ووجودهم غير مرتبط بأي دولة أو كيان خارجي”.

وأضاف أن أبناء الطائفة قدموا “مئات بل آلاف الشهداء من أجل كرامة ووحدة سوريا، ومن أجل الشعب السوري واستقلال البلاد والثورة السورية”.

وعلق كتّاب ومتابعون على تصريحات الهجري للصحافة الإسرائيلية بالقول إن ما لا ينتبه إليه من وصفوه بـ”المتصهين” هو أنه بهذا الخطاب لا يعلن حربا على سوريا والسوريين فحسب، بل على الأمة بأسرها، إذ يتحالف مع ألد أعدائها في لحظة فارقة يجاهر فيها هذا العدو بأحلامه التوسعية ومشاريعه الهيمنية.

إعلان

وأضافوا أن المعادلة الراهنة التي تسمح للهجري بالاستقواء بـ”الكيان الإسرائيلي” ليست دائمة ولن تكون، وفي النهاية ستستعيد سوريا وحدتها.

وطالب مغردون الهجري بأن يخرج من سوريا “بكل هدوء ووضوح”، قائلين: “إن لم تجد نفسك منسجما مع هذه الأرض، فخذ أهلك وجماعتك وارحل عنها، واترك سوريا لأهلها. وإن كنت تبحث عن وجهة تفهمك وتحتضن ولاءك، فالبوصلة معروفة إسرائيل. هناك الهجرة أسهل، والاصطفاف أوضح، وتحل المشكلة بلا ضجيج، ولا شعارات وطنية مستهلكة، ولا ادعاءات لا تصمد أمام الواقع”.

وكتب مدونون أيضا أن الدروز في السويداء يمثلون جماعة تاريخية سياسية أدّت دورا محوريا في التاريخ العربي والإسلامي، لكنهم حذروا من انخراط بعضهم “في المشروع الإسرائيلي الذي يسعى لتحويلهم من مذهب إلى قومية واستخدامهم في مخططاته التقسيمية”.

ووصف آخرون تصريحات الهجري بـ”الغباء السياسي”، مبررين ذلك بأن “التصريح بالتواصل مع إسرائيل وطرح فكرة التقسيم يمنحه وزنا لا يستحقه، فالإسرائيلي لا يملك حلفاء حقيقيين، بل أدوات مؤقتة يستخدمهم ذريعة لمصالحه ثم يتخلى عنهم بمجرد انتهاء دورهم. واختتم هؤلاء بقولهم إن التقسيم وهم، وسوريا لا تقسّم على مقاس أوهام أشخاص يتوهمون أنهم أكبر من حجمهم”.

المحتوى غير متاح بسبب إعدادات ملفات تعريف الارتباط الخاصة بك

قم بتحديث تفضيلاتك لتتمكن من مشاهدته

المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي

————————-

 الكيانات الهشّة.. قراءة في فشل أوهام التقسيم السوريم د. طلال المصطفى

2026.01.14

منذ سقوط نظام الأسد البائد في 8 كانون الأول/ديسمبر عام 2024، لم تتوقف الأسئلة المصيرية حول مستقبل الدولة السورية، وحدودها، وطبيعة نظامها السياسي. ومع كل تحوّل عسكري، أو ضغط سياسي، أو تدخل خارجي، كانت تطفو إلى السطح دعوات انفصالية وخرائط لدويلات جديدة، تُقدَّم أحيانًا بوصفها حلولًا واقعية لأزمة مستعصية. وقد تحوّل الساحل، والسويداء، وشمال شرقي سوريا إلى عناوين دائمة في هذا النقاش، حيث طُرحت أفكار «الحكم الذاتي» و«الإدارات المحلية الموسعة»، وحتى «الاستقلال»، باعتبارها بدائل عن الدولة المركزية. غير أن التمحيص في هذه المشاريع يكشف أنها لم تكن سوى أوهام سياسية تفتقر إلى مقومات بناء الدولة المتعارف عليها دوليًا، وتنهار قبل أن تولد فعليًا.

أول ما يفضح هشاشة الكيانات الانفصالية في سوريا هو اعتمادها شبه المطلق على الدعم الخارجي. فالدولة، في معناها السياسي والاقتصادي، لا تقوم على النيات ولا على الخطابات السياسية أو الدينية الطائفية، بل على القدرة على إنتاج الموارد، وإدارة الاقتصاد، وتأمين حاجات المجتمع بشكل مستقل. وفي الحالة السورية، لم يمتلك أي مشروع انفصالي هذه الشروط. فشمال شرقي البلاد، رغم امتلاكه موارد نفطية وزراعية، لم يستطع تحويلها إلى اقتصاد وطني متكامل، وبقي رهينة المعابر والقرارات الدولية، والدعم العسكري والسياسي الخارجي، ولا سيما الأميركي. وقد تحولت هذه الموارد، بدل أن تكون أساسًا للاستقلال، إلى عنصر ابتزاز سياسي يُستخدم للضغط والمساومة مع السلطة السورية الجديدة.

أما الساحل السوري، الذي يُطرح أحيانًا ككيان محتمل بدعم من روسيا، فيعاني أصلًا من ضعف البنية الاقتصادية الذاتية. فاقتصاده مرتبط تاريخيًا بالدولة المركزية، من حيث الوظائف العامة، والخدمات، والبنية التحتية. وأي مشروع انفصالي في هذه المنطقة يعني، عمليًا، الانفصال عن شبكة اقتصادية كانت تشكّل شرطًا لبقاء المجتمع واستقراره. وفي السويداء، حيث الموارد محدودة والبنية الاقتصادية هشّة، يصبح الحديث عن كيان مستقل أقرب إلى مغامرة سياسية غير محسوبة، لا يمكن أن تصمد من دون دعم خارجي دائم، ولا سيما من الدولة الإسرائيلية.

هنا يظهر الوهم المركزي في الخطابات الانفصالية؛ فالاستقلالية السياسية المعلنة ليست سوى واجهة شكلية. فالكيانات التي رُوّج لها على أنها «بدائل» عن الدولة لم تنتج سيادة حقيقية، بل أعادت إنتاج التبعية بصيغة جديدة. وقد تحوّل الدعم الخارجي إلى شرط وجود، ومع كل تغير في المزاج الدولي أو تراجع في هذا الدعم، كانت الدعوات إلى هذه الكيانات تتآكل بسرعة، ما يؤكد أنها لم تُبنَ على أسس داخلية متينة، بل على رهانات خارجية متقلبة.

إلى جانب غياب المقومات الاقتصادية، يبرز غياب الشرعية الداخلية بوصفه العائق الأهم أمام أي مشروع انفصالي. فالشرعية لا تُفرض بالقوة، ولا تُمنح بقرار خارجي، بل تُبنى على قبول اجتماعي واسع، وعلى مؤسسات تمثل المواطنين فعلًا. وفي سوريا، ورغم سنوات الحرب والانقسامات السياسية والطائفية، بقيت الهوية الوطنية السورية إطارًا مرجعيًا عميقًا لدى غالبية السوريين. وحتى في المناطق التي شهدت أشكالًا من الإدارة الذاتية أو المحلية، ظل المواطن السوري مرتبطًا بالدولة السورية بوصفها فكرة جامعة، لا مجرد سلطة سياسية عابرة.

هذا الارتباط جعل أي سلطة موازية تصطدم بحاجزين أساسيين: غياب القبول الشعبي الكامل، ووضوح التبعية السياسية للخارج. فالإدارات المحلية الجديدة لم تستطع إنتاج عقد اجتماعي مستقل، ولا بناء مؤسسات قادرة على فرض توازن داخلي مستدام. وبدل أن تكون تعبيرًا عن إرادة محلية، تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات وظيفية في صراع إقليمي ودولي، تُستخدم للضغط والمساومة في المفاوضات مع الحكومة السورية الجديدة، بدلًا من تحقيق تطلعات المواطنين في هذه المجتمعات المحلية.

إن المشاريع الانفصالية في الساحل، والسويداء، وشمال شرقي سوريا تكشف بوضوح أن التقسيم ليس مجرد قرار سياسي خارجي يمكن فرضه، بل هو عملية معقدة تتطلب شروطًا غير متوافرة. فالدولة القابلة للحياة تحتاج إلى اقتصاد مستقل، وأمن مستقر، وحدود واضحة، ومؤسسات شرعية، وكل هذه العناصر غير متوافرة على أرض الواقع. وما تحقق حتى الآن لم يكن سوى «خطابات انفصالية هشّة ومؤقتة»، مرتبطة باستمرار التمويل والحماية الخارجية، لا بقدرة ذاتية على البقاء.

والأخطر من ذلك أن خطاب التقسيم يتجاهل طبيعة المجتمع السوري نفسه. فسوريا لم تُبنَ تاريخيًا على كيانات مغلقة أو مجتمعات منفصلة، بل على تداخل ديمغرافي وجغرافي عميق. فالمكونات القومية والدينية والطائفية متداخلة إلى حد يجعل رسم حدود واضحة أمرًا شبه مستحيل من دون عنف واسع النطاق. لذلك، فإن أي مشروع تقسيم لا يعني فقط إعادة رسم الخرائط، بل تفجير صراعات جديدة، وفتح الباب أمام حروب لا نهاية لها.

كما تؤكد التجربة الإقليمية محدودية هذه المشاريع. فحتى في حالات امتلكت مقومات أكبر، مثل تجربة إقليم كردستان العراق، بقيت الدولة المستقلة بعيدة المنال، رغم الموارد والدعم والواقع الجغرافي. فإذا كان ذلك حال كيان يمتلك عناصر قوة نسبية، فكيف الحال في سوريا، حيث التداخل السكاني أعمق، والموارد أكثر هشاشة، والقرار السياسي مرتهن لتوازنات دولية معقدة؟

إن تفكيك الدولة السورية، كما تُظهر التجربة، ليس حلًا للأزمة السورية الحالية، بل تعميق لها. فالخطابات الانفصالية لم تُظهر أي قدرة على بناء مجتمع متماسك أو اقتصاد مستقل، بل ملأت فراغ ضعف الدولة الوليدة بتدخل خارجي مؤقت. وهذا التدخل، بدل أن يكون مخرجًا، عمّق هشاشة هذه الدعوات الانفصالية، وجعلها أكثر عرضة للانهيار عند أول تغير في ميزان القوى.

خلاصة القول، إن «وهم الكيانات الانفصالية» في سوريا ليس مجرد توصيف أدبي، بل حقيقة سياسية أثبتها الواقع والتاريخ. فكل المحاولات الانفصالية، مهما ارتدت من شعارات محلية أو حقوقية، فشلت لأنها افتقرت إلى الاستقلالية الاقتصادية، والشرعية الداخلية، والقدرة على بناء مؤسسات سيادية. وفي المقابل، ورغم كل ما أصابها من ضعف وإنهاك، بقيت الدولة السورية الإطار الوحيد القادر على الصمود بوصفها بنية جامعة.

وفي النهاية، فإن أي نقاش جدي حول مستقبل سوريا لا يمكن أن ينطلق من أوهام التقسيم، بل من قراءة واقعية لطبيعة المجتمع والدولة. فالاستقلالية الحقيقية لا تُعطى ولا تُفرض، بل تُبنى من الداخل، عبر إعادة بناء العقد الاجتماعي، وإعادة الإعمار، وترميم الثقة بين الدولة والمجتمع. وهذا ما لم تفعله، ولن تفعله، الخطابات الانفصالية التي وُلدت على وهم، وستبقى رهينة له حتى زوالها.

تلفزيون سوريا

————————

=====================

تحديث 13 كانون الثاني 2025

————————-

العجوز الأخرق يضرب من جديد../ وائل طربية

قبل التعقيب على آخر التصريحات المشينة للهجري، أود التأكيد أن مسألة دروز سوريا والسويداء ليست لها أية مكانة عندي تختلف عن مكانة أية بقعة أخرى في سوريا.. أكتب عن السويداء بوصفها جزءا من وطني سوريا، وعن “الدروز” بوصفهم مواطنين سوريين من بلدي.

في الوقت الذي يسعى فيه عدد من أبناء السويداء الى إيجاد مخارج عملية من الأزمة، ومحاولة مداواة الجراح التي نجمت عن عمليات القتل على الهوية والانتهاكات الفظيعة التي طالت المدنيين من أبناء السويداء والتي أنتجت ذعرا واستقطابا وتصلبا وفقدانا للثقة عند عموم الناس هناك..  يخرج حكمت الهجري بتصريحات تذكي نار الكراهية ويعود لتكرار هذياناته الخرقاء.

الشيء الوحيد الإيجابي في هذه التصريحات أنه يقر بأن علاقته مع إسرائيل قديمة؛ لم تبدأ مع الأحداث الأخيرة، وإنما منذ أكثر من عقد.. فمنذ بدايات الثورة السورية، لم يتوقف إرسال المساعدات المالية إلى أهالي السويداء من أقاربهم في الجولان السوري المحتل ومن قرى الجليل والكرمل شمال فلسطين. تحت غطاء هذه المساعدات تم بناء ارتباطات ومجموعات موالية لإسرائيل في السويداء، وتم تعويم شخصيات تخدم الأجندات الإسرائيلية من طرفي خط وقف إطلاق النار.. لم يبق عميل في الجولان المحتل إلا وحشر أنفه في ملف المساعدات، الذي بادر اليه، بالأساس، جولانيون شرفاء، عملوا بنوايا صادقة وبنظافة يد وما زالوا، لمساعدة أهلهم في سوريا. من الطرف الثاني، كان جزء من المساعدات يصل الى المحتاجين فعلاً، وأجزاء لا يُعرف كيف توزع، ووفق أية معايير، لكن العناوين معروفة والهجري من أبرزها.

في الجانب السياسي، ومع بدايات الثورة، تم أيضاً تجنيد مجموعة من الدروز المتصهينين لنسج علاقات مع أطراف وشخصيات تابعة للمعارضة السورية آنذاك، واستقدام بعضهم لزيارة إسرائيل والتنسيق معها.. الجميع يتذكر، على سبيل المثال، زيارة المعتوه كمال اللبواني – من ضمن آخرين – ومشاركته في مؤتمر للدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية في هرتسليا واستقباله في بيت أيوب القرى في دالية الكرمل في الجليل، والتي نشرت تسجيلات فيديو لها آنذاك..

يكذب الهجري عندما يقول إنه “.. خلال فترة حكم الأسد مُنع أي تواصل مع حاملي الجنسية الإسرائيلية، ومورست حملة تخويف منهجية ضد الصهيونية ودولة إسرائيل”.. الحقيقة أن التواصل بين أهالي الجذر الفلسطيني في مناطق الـ 48 مع سوريا عموماً كان مشروعاً عمل عليه مجموعة من الوطنيين الفلسطينيين ونجحوا في فتح الطريق وإتاحة الزيارات الى سوريا، ودفعوا أثماناً لهذا المسعى من ملاحقات وتضييقات واعتقال في سجون إسرائيل.

“حاملو الجنسية الإسرائيلية” تعبير مخاتل يهدف لتمييع الحقيقة.. لأن كل الفلسطينيين في مناطق الـ 48 يحملون الجنسية الإسرائيلية، ليس أمامهم خيارات أو بدائل، لكن هذه الجنسية “الرسميّة” لا تجعل منهم إسرائيليين بمعنى الانتماء الروحي والهوية السياسية والثقافية. للفلسطينيين في مناطق الـ 48، ومن كل الأديان والطوائف والإثنيات، امتدادات وتواصل مع كل المحيط العربي في بلاد الشام، من قبل قيام دولة إسرائيل وستبقى من بعدها.

أما في الجولان المحتل فالأمر يختلف. بقي في الجولان 6400 سوري لم تطلهم عمليات التطهير العرقي عشية احتلاله عام 67، وكانوا موزعين على خمس قرى في أقصى شماله، غالبيتهم من الدروز السوريين. في نفس الوقت تم تهجير 137 ألف سوري من 340 قرية ومزرعة ومدينتين، على امتداد الجولان. اليوم عدد السوريين المتبقين في الجولان المحتل حوالي 28 ألف، وعدد السوريين في الشتات الذين تم تهجيرهم من الجولان يتراوح بين 500 الى 700 ألف وفق التقديرات الوسطية.

أما “حاملو الجنسية الإسرائيلية” في أوساط السوريين في الجولان المحتل، فيقدّر اليوم، بعد 59 سنة، بحوالي 30 بالمئة. وما زال 70 بالمئة يحملون وثائق سفر، بوصفهم مقيمين دائمين حسب قوانين الاحتلال. هؤلاء ورغم قلة عددهم ونسيانهم من قبل نظام الأسد لعقود، رفضوا الجنسية الإسرائيلية عام 1982 عندما أقرت إسرائيل قانون ضم الجولان، وفرض الجنسية عليهم بالقوة..

وفي نفس الأيام التي كانت فيها مدفعية رفعت الأسد ترتكب مجزرة حماه وتهدم البيوت على ساكنيها، كان 13 ألف سوري أعزل في قرى الجولان المحتل يواجهون آلة القمع الإسرائيلية بصدور عارية ويدافعون عن انتمائهم لسوريا بالرغم من فقدان الأمل بتحرير الجولان في المدى المنظور. المضحك في الأمر أن بعض أصوات التيار الانفصالي في السويداء يستخدمون وقفة “سوريي الجولان المحتل” (الدروز) هذه، في معرض تراشقهم مع باقي السوريين، ليثبتوا عمق الوطنية السورية عند “الدروز”.. يستخدمون المثال الضد لما يفعلونه.. إذ لم يتطلب الأمر سوى بضعة أيام، بعد اجتياح إسرائيل للمنطقة العازلة، حتى بدأوا يطالبون بالانضمام الى إسرائيل على لسان أحد شيوخهم في قرية حضر. 

يكذب الهجري عندما يصور خلافه مع حكومة دمشق الحالية على انه خلاف على طبيعة الدولة والحكم.. ببساطة لأنه كان تابعا وداعماً للمجرم بشار الأسد، وكان يدعو لانتخابه عام 2012 في أوج مذبحة الشعب السوري.. واليوم يلتحق بنظام أبرتهايد، ويكيل المدائح لكيان عنصري ارتكب أكبر عملية إبادة في العصر الحديث.. 

كذب الهجري ويكذب عندما يقول إنه “.. حتى مارس/آذار 2025 جرت محاولات لبناء دولة مدنية بدستور متساوٍ، لكنها انهارت”.. فقبل مذابح السويداء، وعندما كانت محافظة السويداء ما تزال المحافظة المدللة عند السلطة الجديدة في دمشق، وعندما كان السوريون يحجون الى ساحة الكرامة في السويداء، بدأ الهجري ببناء العداء بشكل ممنهج اتجاه دمشق، وفي نفس الوقت، مطلع آذار 2025، كان ابن اخته خلدون الهجري، المقيم في واشنطن، والذي يقدّم نفسه انه الممثل السياسي للشيخ حكمت الهجري، يجري اتصالات مع أعضاء كونغرس، ويعرض عليهم مشروعاً للتمرد والانقلاب على سلطة دمشق الجديدة، بالتعاون مع أطراف في الساحل وفي الجزيرة السورية، وبتنسيق وتحت إدارة اسرائيل.. لم يلق مشروع خلدون الهجري آذاناً صاغية آنذاك، ولم ينفٍ هذه المحاولة عندما وجه اليه معدّو التقرير، المنشور في موقع الجمهورية، سؤالا حول صحة هذه المزاعم.. أجاب.. في السياسة كل شيء ممكن..

أعرف أن من يده في الماء ليس كمن يده في النار، وأن الكلام بالنسبة لي سهل، وأنا بعيد وفي مكان آمن، مقارنة مع المخاطر والتهديدات التي يتعرض لها الوطنيون السوريون في السويداء.. ولكن يبدو أنه لا يمكن الخروج من البؤس والاستعصاء في السويداء بدون التحييد النهائي والتام لتيار الهجري.. وإعادة السياسة الى الناس، كل الناس..

أما الهجري وأعوانه، وإذا ما انطلق مسار العدالة قبل أن يهّربهم مشغّلوهم خارج سوريا، فيجب أن نراهم يوماً ما يُحاكمون أمام القضاء السوري بتهمة الخيانة الوطنية العظمى.

———————————-

حديث عن تعاون سوري إسرائيلي… الاقتصاد لا يحلّ ما تعجز عنه السياسة/ عدنان علي

13 يناير 2026

انتهت الجولة الخامسة من المحادثات بين الجانبين السوري والإسرائيلي أخيراً في باريس برعاية أميركية بإحراز تقدّم محدود، تمثّل في بلورة تفاهماتٍ أمنيةٍ أولية، ترافق معها طرح أميركي أكثر وضوحاً لفكرة التعاون الاقتصادي عبر الحدود، ما يعكس عزم واشنطن إعادة تسويق مقاربة “السلام الاقتصادي” باعتبارها المدخل الأنسب لخفض التوتر، في ظل تعثّر التوصل إلى تفاهماتٍ أمنيةٍ وسياسيةٍ شاملة.

وفق المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، توم برّاك، شهدت محادثات باريس اختراقاً، معتبراً أن القيادة السورية الجديدة لا تحمل نياتٍ عدوانيةً تجاه إسرائيل، وتسعى إلى علاقة “قائمة على الاحترام والتعايش”. وفي المقابل، تحدث عن استعداد إسرائيلي للتعامل مع الواقع السوري المستجد، انطلاقاً من قناعة بأن النظام السابق، الذي كان يُنظر إليه باعتباره عدائياً، قد استُبدل بسلطةٍ أكثر انفتاحاً على التعاون.

هذا التوجه تُرجم في البيان المشترك الصادر عن الجانبين، السوري والإسرائيلي والراعي الأميركي، والذي نصّ على إنشاء آلية اتصال دائمة للتنسيق في القضايا الأمنية والاستخبارية والتجارية. وبحسب وزارة الخارجية الأميركية، ستعمل هذه الآلية على تسهيل تبادل المعلومات، وخفض التصعيد العسكري، وفتح قنوات تواصل دبلوماسي، إضافة إلى بحث فرص التعاون الاقتصادي، تحت إشراف مباشر من واشنطن.

وتفيد المصادر المفتوحة بأن الرئيس ترامب ضغط على نتنياهو خلال لقائهما في واشنطن أواخر ديسمبر/ كانون الأول الماضي للتوصل إلى اتفاق أمني مع دمشق، ولو عبر تصور أولي يمكن البناء عليه لاحقاً عبر مقاربات اقتصادية، في حال توفرت الشروط السياسية والأمنية.

ورغم هذه الأجواء الإيجابية المفترضة، واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي ممارساتها الاستفزازية داخل الأراضي السورية، فعمدت أواخر الأسبوع الماضي إلى رفع العالم الإسرائيلي على قمّة تل أحمر شرقي بريف القنيطرة الجنوبي. كما اعتقلت أربعة مدنيين من جباتا الخشب على حاجز لها عند مفرق عين البيضة بريف القنيطرة الشمالي.

حلحلة الملفات السياسية أولاً

وبطبيعة الحال، لا يمكن التطرّق إلى أي تعاونٍ اقتصاديٍّ عبر الحدود من دون التوصل إلى تفاهمات ولو بالخطوط العريضة حول القضايا السياسية والأمنية الساخنة، وفي مقدمتها الانسحاب إسرائيل من كل الأرض التي احتلتها بعد سقوط النظام السابق، بما فيها قمة جبل الشيخ، ووقف أي دعم إسرائيلي للمشاريع الانفصالية في السويداء وشرق سورية أو التواصل مع فلول النظام السابق. كما يرفض الجانب السوري مطالب إسرائيل المبالغ فيها للمنطقة منزوعة السلاح، والتي تريدها أن تصل إلى حدود العاصمة دمشق، متمسّكاً بإعادة تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، مع بحث تعديلات عملية تأخذ في الاعتبار التحولات الميدانية التي شهدتها سورية منذ عام 2011.

ووفق مصادر إسرائيلية وأميركية، أعطى حضور المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، في اليوم الثاني من المفاوضات إلى جانب توم برّاك، أعطى المفاوضات زخماً ونقلها من إطار مفاهيمي إلى سيناريوهاتٍ تنفيذية، تتصل بتدرج الخطوات، وضمانات الالتزام، وآليات المتابعة مع تأكيد أن ترامب يريد إطاراً تنفيذياً وليس عملية تفاوض مفتوحة.

ووفق تسريبات لمسؤولين أميركيين، ستتولى خلية الاتصال المقترحة، ومقرها الأردن، أيضاً الإشراف على الوضع الأمني في جنوبي سورية، واستضافة محادثات حول نزع السلاح في الجنوب السوري، وهو تعبير يشمل على الأغلب الفصائل والمجموعات المختلفة، إضافة إلى الحكومة السورية نفسها، في ما يخص السلاح الثقيل.

تعاون اقتصادي

وتستكمل هذه الطروحات الأميركية غير التقليدية بطرح مشاريع مدنيةٍ في مجالات الطاقة والزراعة والصحة، بحيث يجري تحويل المنطقة العازلة بين الطرفين إلى منطقةٍ اقتصادية مشتركة، تضم مشاريع للطاقة المتجدّدة، ولا سيما مزارع الرياح، إلى جانب نشاطات زراعية وسياحية بكلفة تصل إلى أربعة مليارات دولار يجري تمويلها من “شركاء إقليميين”. ووفق تقارير إسرائيلية وأميركية فان ذلك يشمل بيع الغاز الإسرائيلي إلى سورية، وتزامن ذلك مع إعلان عن توقيع اتفاق بين سورية ومصر للتعاون في مجال الطاقة وبيع الغاز المصري إلى سورية، ومن المعتقد أن مصدر الغاز إسرائيل التي تبيعه مادة خام لمصر، وتبيعه الأخيرة لطرفٍ ثالثٍ بعد تحويله إلى غاز مسال.

من حيث المبدأ، تبدو هذه الأرقام جذابة بالنسبة لسورية، التي تعاني تدهوراً اقتصادياً واسع النطاق. ووفق تقديرات أممية، تجاوزت الخسائر التراكمية للاقتصاد السوري خلال سنوات الحرب 400 مليار دولار، فيما انخفض الناتج المحلي الإجمالي من نحو 60 مليار دولار عام 2010 إلى أقل من 20 مليار دولار في السنوات الأخيرة. كما تراجع إنتاج الكهرباء من أكثر من 50 مليار كيلوواط/ ساعة سنوياً قبل الحرب إلى ما دون 20 ملياراً، في حين تقلصت المساحات المزروعة بنحو 40%، وتدهورت البنية التحتية الزراعية والصناعية بشكل كبير.

تجارب سابقة

غير أن المقارنة الإقليمية تكشف حدود الرهان الأميركي. فحتى في الحالات التي وُقّعت فيها اتفاقات سلام رسمية، لم يتحول التعاون الاقتصادي إلى رافعة تنموية حقيقية. فبعد أكثر من أربعة عقود على اتفاقية كامب ديفيد، لا يتجاوز حجم التبادل التجاري السنوي بين مصر وإسرائيل، وفق معظم التقديرات، 300 إلى 400 مليون دولار، أي أقل من 0.1% من حجم الاقتصاد المصري. أما في الحالة الأردنية، فرغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على توقيع معاهدة وادي عربة، لم يتجاوز حجم التبادل التجاري السنوي في أحسن حالاته مليار دولار، وظل محصوراً إلى حد كبير في المناطق الصناعية المؤهلة (QIZ)، التي ترتبط أساساً بسلاسل التوريد الموجهة إلى السوق الأميركية، من دون أن تنعكس إيجاباً على بنية الاقتصاد الوطني أو تحظى بقبول شعبي.

تعزّز هذه الأرقام الشكوك حول قدرة “السلام الاقتصادي” على إحداث تحول نوعي في العلاقات، خصوصاً في غياب تسوية سياسية عادلة، فالتجارب السابقة أظهرت أن التعاون الاقتصادي، حين يُطرح بديلاً عن الحلول السياسية، يتحول إلى مسار نخبوي محدود التأثير، سريع التأثر بالأزمات الأمنية والسياسية، ويعجز عن خلق مصالح عميقة ومستدامة بين المجتمعات.

قيود سياسية وأمنية وشعبية

في الحالة السورية، تبدو هذه الإشكالية أكثر حدّة. فالموقف السوري الرسمي، كما نقلته وكالة رويترز عن مسؤول حكومي، يربط أي تقدّم في “الملفات الاستراتيجية” بوجود جدول زمني واضح وملزم لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي سيطرت عليها بعد ديسمبر/ كانون الأول 2024. كما يؤكد الجانب السوري أن تعليق العمليات العسكرية لا يكفي، ما لم يترافق مع تغيير جذري في السياسة الإسرائيلية واحترام السيادة السورية.

في المقابل، تضع إسرائيل خطوطاً حمراء صارمة، تشمل رفض أي نقاش حول الجولان المحتل عام 1967 أو قمم جبل الشيخ التي سيطرت عليها عام 2024، مع استعداد مشروط للانسحاب من مناطق أخرى مقابل ترتيبات أمنية مشدّدة تشمل نزع السلاح ومنع أي نشاط تعتبره معادياً. وفي هذا السياق، تحاول واشنطن الدفع نحو حلول تقنية وسطية، مثل نشر قوات دولية أو تعزيز دور الأمم المتحدة، لتجاوز عقدة الانسحاب الكامل في المدى المنظور.

ضمن هذا المشهد، يبدو التعاون الاقتصادي أقرب إلى أداةٍ سياسيةٍ لتليين المواقف وإدارة المواجهة، أكثر منه مساراً تنموياً متكاملاً. ويرى محلّلون أن الإدارة الأميركية تراهن على خلق “وقائع اقتصادية صغيرة” في المناطق الحدودية، يمكن البناء عليها تدريجياً، على أمل أن تفضي لاحقاً إلى تفاهمات أوسع. غير أن هذا الرهان يظل محفوفاً بالمخاطر، في ظل هشاشة الوضع الأمني، وغياب الثقة المتبادلة، واستمرار الخلافات الجوهرية حول الاحتلال والسيادة.

أي تعاون اقتصادي سوري – إسرائيلي سيواجه، على الأرجح، معضلة الرفض الشعبي، فالتجارب المصرية والأردنية أظهرت أن السلام الذي لا يبنى على العدالة والقبول الشعبي وينعكس تحسّناً ملموساً في حياة المواطنين يبقى محصوراً في إطار رسمي.

مشاريع قديمة

والواقع أن مشاريع دمج إسرائيل في محيطها الإقليمي أداة لتحقيق السلام ليست جديدة، منها أخيراً إنشاء خط سكك حديدية يربط بين السعودية وأوروبا عبر فلسطين المحتلة، ومشروع قناة البحرين بمشاركة إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية المقرر أن تربط البحر الأحمر مع البحر الميت. ولم تكن مثل هذه المشروعات الضخمة وليدة اللحظة، إذ كان مخطّط لها منذ سنوات عدة، والهدف منها إيجاد واقع جديد في المنطقة العربية وترويج السلام الاقتصادي، وفق طروحاتٍ كان قد افتتحها أصلا وزير الخارجية الإسرائيلي، شمعون بيريز، في تسعينات القرن الماضي، والذي بشّر بولادة شرق أوسط جديد تسوده الرفاهية والازدهار، وذلك في كتابه أصدره عام 1993 بعيد انطلاق مؤتمر مدريد بعنوان “الشرق الأوسط الجديد”.

وأكثر ما يتجلى فشل مفهوم “السلام الاقتصادي” كان على المسار الفلسطيني، حيث سعت إسرائيل إلى ترويج هذا المفهوم بديلاً عن الانسحاب إلى حدود 4 جزيران (1967) وحق العودة للاجئين وإزالة المستوطنات، بحيث تحتفظ بالسيطرة على الأراضي الفلسطينية وتواصل استيطانها مقابل تسهيلات اقتصادية للفلسطينيين. وبعد توقيع منظّمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية اتفاق أوسلو في سبتمبر/ أيلول 1993، والاتفاقات اللاحقة برعاية أميركية، ساد اعتقاد بإمكانية أن ينقل ذلك الاقتصاد الفلسطيني تحت الاحتلال إلى طور جديد ينهي تحكم الاحتلال بهذا الاقتصاد، لكن الوقائع اللاحقة جاءت بنتائج معاكسة نتيجة فشل عملية التسوية في إنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وعدم التزام إسرائيل بالاتفاقيات الموقعة مع انحياز الولايات المتحدة المعهود إلى إسرائيل، بالتزامن زيادة معدلات مصادرة الأراضي، والاستيطان، والحصار والإغلاق، وتقييد حركة الأشخاص والسلع داخل المناطق الفلسطينية ومع العالم الخارجي، وعرقلة النمو الاقتصادي.

وبعد 7 أكتوبر2023 (عملية طوفان الأقصى) ظهر الاقتصاد أداةً من أدوات الاحتلال للتحكّم في حياة المجتمع الفلسطيني في قطاع غزّة والضفة الغربية على السواء، بهدف إخضاعه وتهجيره من خلال إغلاق المعابر وسياسة إصدار تصاريح العمل والعبور والتنقل والسفر والتحكم بعائدات الضرائب عبر تجميدها المتكرر، وقطع إمدادات الوقود والكهرباء والغذاء، وصولاً إلى التجويع المتعمّد في قطاع غزّة، ما جعل الاقتصاد وسيلةٍ لخنق المجتمع وإخضاعه للاحتلال.

الاتفاقات الإبراهيمية… اختراق ترامب

ومقابل هذا المسار الحذر بين إسرائيل والدول العربية التي وقعت اتفاقيات سلامٍ مع إسرائيل، جاءت القفزات من دول أخرى ليس لديها مشكلة أراض محتلة مع إسرائيل، ولا ترتبط معها بحدود مشتركة. ونجح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال ولايته الأولى في دفع عدة دول عربية من خارج “دول الطوق” إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل ضمن ما عُرفت بـ”الاتفاقيات الإبراهيمية” فنظم في سبتمبر/ أيلول 2020 احتفالاً في البيت الأبيض للتوقيع على تلك الاتفاقيات التي تتضمن إقامة علاقات بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين، أعقبها بعد شهر اتفاقية مع السودان ثم اتفاقية أخرى مع المغرب، وكان من المقرر انضمام دول أخرى.

وبحسب بيانات التجارة الدولية لعام 2023، صدّرت الإمارات إلى إسرائيل بنحو 977 مليون دولار، معظمها من الألماس واستوردت منها بحدود 654 مليون دولار. أما مصر، فقد صدّرت ما قيمته 338 مليون دولار، واستوردت من إسرائيل بنحو 2.25 مليار دولار، معظمها تخص استيراد الغاز الإسرائيلي. وسجّلت الإمارات حجم تبادل تجاري مع إسرائيل بلغ 6.4 مليار دولار بين 2021 و2024، بينما بلغ حجم التبادل بين المغرب وإسرائيل نحو 576 مليون دولار، ولم يتجاوز 50 مليون دولار مع البحرين، بحسب قاعدة بيانات الأمم المتحدة.

في الخلاصة، يعكس الطرح الأميركي في مفاوضات باريس أخيراً محاولة لإدارة الصراع بأدوات اقتصادية في ظل انسداد الأفق السياسي. وقد ينجح هذا الطرح في خفض مستوى التوتر مؤقتاً، وفتح قنوات تواصل محدودة بين دمشق وتل أبيب، لكنه يظل عاجزاً عن تجاوز حقيقة أن الاقتصاد لا يمكنه أن يحل محل السياسة، وأن أي تعاون اقتصادي، مهما بلغت أرقامه أو تنوعت مشاريعه، سيبقى هشاً ومحدود الأثر ما لم يستند إلى تسوية سياسية عادلة تعالج جذور الصراع، وفي مقدمتها مسألة الأراضي المحتلة والسيادة والأمن. كما أن إسرائيل، في كل أدبياتها وممارساتها على الأرض، تركّز على نقطة أن تكون هي في مركز القيادة في المنطقة باعتبارها “العقل القائد”، كما قال مرة شيمون بيريز، بينما يقتصر دور الأطراف العربية على الاستهلاك وتغذية المركز الإسرائيلي بالمال والعمالة الرخيصة، وعين إسرائيل تتّجه طبعاً، بالدرجة الأولى، إلى دول الخليج العربي بوصفها المموّل الرئيس لكل هذه المشاريع، وهو ما تعتقده أيضاً وتدفع إليه إدارة ترامب.

العربي الجديد

—————————–

من باريس إلى دمشق إلى حلب/ بكر صدقي

في خمسة أيام تمكنت القوات المحسوبة على سلطة دمشق من بسط سيطرتها على حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب اللذين كانا خاضعين لقوات الأمن المحلي (الأسايش) المحسوبة على قوات سوريا الديمقراطية، بموجب اتفاق الأول من نيسان العام الماضي. بذلك تكون سلطة دمشق قد أنهت من جانبها هذا الاتفاق الذي شكّل أول تطبيق محلي في إطار اتفاق العاشر من آذار الذي تتهم السلطة، ومن ورائها تركيا، «قسد» بالمماطلة في تنفيذه.

الواقع أن التجييش الإعلامي اليومي، خلال الأشهر الماضية، كان يدفع في اتجاه الصدام العسكري مع قوات سوريا الديمقراطية، سواء على وسائل الإعلام الداعمة لسلطة دمشق أو من خلال تصريحات وزيري الدفاع والخارجية التركيين. ولكن من جهة أخرى صدرت إشارات إيجابية من سلطة دمشق بشأن كيفية دمج قوات سوريا الديمقراطية في جيش السلطة المركزية، فقيل إنه تم التوافق على عملية إدماج على شكل ثلاث فرق عسكرية تحتفظ بمواقعها في المحافظات الشمالية الشرقية الثلاث، الحسكة ودير الزور والرقة، إضافة إلى لواء مكافحة الإرهاب ولواء قوات حماية المرأة. بدا وكأن الأمر يتعلق في اتجاهين داخل سلطة دمشق، أحدهما يميل إلى الحلول السياسية التوافقية فيما يدفع الثاني في اتجاه الصدام العسكري بقصد الإخضاع. قد يمكن تفسير التزام أحمد الشرع الصمت طوال معركة السيطرة على الحيين الكرديين في حلب، بل وقبل ذلك، بهذه الازدواجية.

لنعد إلى الثامن والعشرين من كانون الأول الماضي حين زار دمشق وفد تركي وازن ضم وزيري الخارجية والدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات القومي حيث اجتمعوا مع نظرائهم السوريين. أثناء المؤتمر الصحافي الذي أعقب الاجتماع تمت مقاطعة كلام وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. نشرت وزارة الخارجية لاحقاً اعتذاراً عما حدث مبررة إياه بأنه خطأ غير مقصود. وفي اليوم التالي توجه الفريق السوري إياه (الخارجية والدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات) إلى موسكو حيث اجتمعوا بنظرائهم الروس! ثم تم الإعلان على عجل عن اجتماع خامس بين سلطة دمشق ووفد إسرائيلي في باريس بإشراف أمريكي من الوزن الثقيل، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وتوماس باراك جميعاً. ولم يغب هاكان فيدان عن هذا الاجتماع، إلا ليتابع مجرياته من العاصمة الفرنسية نفسها!

وحدها وزارة الخارجية الأمريكية أصدرت بياناً عن اجتماع باريس، جاء فيه أن دمشق وتل أبيب توافقتا على إنشاء خلية اتصال مشتركة لتبادل المعلومات الاستخبارية و«خفض التصعيد العسكري» إضافة إلى آلية للانخراط الدبلوماسي والتجاري بإشراف أمريكي مباشر!

وفي اليوم التالي مباشرةً عقد اجتماع في دمشق بين وفد من قسد برئاسة قائدها مظلوم عبدي ووفد من سلطة دمشق لم يضم أحمد الشرع كما كان متوقعاً. ووفقاً لتصريحات عضو وفد قسد، فوزة يوسف، أدلت بها لمنصة المونيتور «حدث أمر غريب» حين دخل أسعد الشيباني على الاجتماع الذي كانت تسوده «أجواء إيجابية» فسحب الضابط الأمريكي من قيادة التحالف الدولي الذي كان مشاركاً في الاجتماع، ثم عاد بعد قليل ليعلن انتهاء الاجتماع وتحديد موعد الثامن من كانون الثاني لاستئنافه!

لم تمض بضع ساعات على مغادرة وفد قسد دمشق إلا وكانت المناوشات المتفرقة حول حيي الأشرفية والشيخ مقصود قد تحولت إلى حرب شاملة استخدمت فيها فصائل الشمال الدبابات والمدافع والطائرات بدون طيار لقصفهما. غير أن الحرب الإعلامية لم تقل شراسة عن الحرب الميدانية. فقد سعى الناطقون باسم سلطة دمشق إلى تثبيت رواية مفادها أن «الدولة» تقاتل جيباً «يحتله» تنظيم قسد «الإرهابي» المتحالف مع إسرائيل وإيران (!) وأن قسد هي التي أشعلت فتيل الحرب، وأنها تتخذ من السكان المدنيين دروعاً بشرية، وأن قوات «الجيش العربي السوري» حريصة على حياة المدنيين… إلى آخر هذه الدعاية الحربية التي حفظنا مفرداتها من إعلام نظام الأسد كما من الناطقين باسم الحكومة الإسرائيلية أثناء حربها الإبادية على قطاع غزة.

لا يمكن لهذا التسلسل في الأحداث أن يكون اعتباطياً بلا معنى. ونلاحظ أن اجتماع باريس السوري ـ الإسرائيلي ينطوي على أهمية كبيرة في تفسير ما سبقه وما تلاه. لا نأتي بجديد حين نقول إن فراغ القوة في سوريا الذي نشأ بعد سقوط النظام وخروج إيران يتنافس على إشغاله كل من إسرائيل وتركيا بدعاوى تتعلق بـ«أمنهما القومي»، وأن الولايات المتحدة بقيادة ترامب تحاول التوفيق بين حليفيها من خلال توزع مناطق النفوذ: إسرائيل في الجنوب وصولاً إلى قرب العاصمة دمشق منطقة خالية من السلاح، وتركيا في الشمال بمدى غير محدد إلى الآن، مع نفوذ سياسي كبير على سلطة دمشق، وسعي دؤوب للتخلص من الشوكة التي تمثلها قوات سوريا الديمقراطية الحليفة لواشنطن، في أسرع وقت ممكن.

إسرائيل غير مطمئنة للنفوذ التركي في سوريا وعلى سلطة دمشق، وتركيا تتوجس من احتمال تحالف كردي ـ إسرائيلي يجعل تل أبيب على حدودها الجنوبية.

الصحافي عبد القادر سلفي المقرب من الحكومة التركية نقل، في مقالته الأخيرة في صحيفة «حرييت» عن مصادر أمنية تركية عن اكتمال الاستعدادات لشن حرب على شرقي الفرات، بتحالف تركي ـ سوري ـ أمريكي، بعد اكتمال سيطرة سلطة دمشق على الأشرفية والشيخ مقصود، ما لم ترضخ قيادة قسد لتنفيذ عملية الاندماج في إطار اتفاق العاشر من آذار. هذا تعبير عن استماتة تركية لحل قسد استكمالاً لحل حزب العمال الكردستاني الذي تم بصورة طوعية في إطار عملية سياسية يقودها عبد الله أوجلان، باتت تراوح مكانها في الأسابيع الأخيرة لأن أنقرة لا تريد المضي فيها قبل الحصول على جائزتها السورية.

ويمكن الاستنتاج من التلكؤ الأمريكي في التدخل لوقف معركة حلب أن واشنطن أعطت تركيا «جائزة ترضية» في حلب، مقابل ما حصلت عليه إسرائيل في تفاهمات باريس.

ما دام السوريون عاجزين عن التفاهم فيما بينهم، على رغم الفرصة العظيمة التي أتاحها سقوط نظام الأسد، وما دامت سلطة دمشق تستسهل كل شيء في سبيل الاحتفاظ بها، ستبقى سوريا ملعباً للقوى الإقليمية والدولية.

كاتب سوري

القدس العربي

————————-

الزعيم الدرزي حكمت الهجري: إسرائيل أنقذتنا من الإبادة والتقسيم هو الحل

“سوريا تتجه نحو التقسيم وبناء أقاليم ذاتية الاستقلال، هذا هو المسار الوحيد لضمان مستقبل الأقليات واستقرار الشرق الأوسط، وإسرائيل هي الطرف الوحيد المؤهل والضامن لأي ترتيبات مستقبلية في المنطقة”.

هذا ما قاله حكمت الهجري، الزعيم الروحي لطائفة الدروز في السويداء، في مقابلة مع موقع “واي نت” الإسرائيلي التابع لصحيفة يديعوت أحرونوت، حول وضع السويداء السياسي وعلاقته مع إسرائيل.

الحكومة السورية “داعشية”

وزعم الهجري أن صراع الطائفة الدرزية اليوم لم يعد مجرد خلاف سياسي مع السلطة، بل معركة وجودية ضد نهج “بربري” يستهدف الأقليات، واصفا معارك يوليو/تموز بين مسلحين من الدروز وآخرين من العشائر البدوية بأنها “حرب إبادة” لم ينقذ الدروز منها إلا إسرائيل.

وقال إن الحكومة السورية تقودها عقلية لا تختلف عن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أو القاعدة، واتهم الحكومة بتبني ما وصفه بـ”أيديولوجية داعشية”، وادعى -دون أدلة- أن الدروز تعرضوا في يوليو/تموز لإعدامات ميدانية وحالات اغتصاب وحرق أحياء سكنية.

كما ادعى أن أعمال العنف المزعومة جاءت “بقرار من النظام في دمشق” و”تنسيق” مع جماعات مسلحة، معتبرا ما جرى إبادة جماعية متكاملة الأركان، وفق توصيفه.

يذكر أن القتال في يوليو/تموز تطور لاحقا إلى مواجهات مفتوحة بين الدروز وقوات الجيش والأمن السوري التي كانت تحاول حفظ الأمن في المنطقة.

ونفّذ الاحتلال الإسرائيلي حينها ضربات عسكرية استهدفت مواقع للجيش السوري في مدينة السويداء دعما للفصائل الدرزية المحلية، وتوسعت رقعة القصف لتشمل مقر قيادة هيئة الأركان في العاصمة دمشق.

كما نكث المسلحون الموالون للهجري بالاتفاق الذي أفضى إلى انسحاب قوات الأمن والجيش السوري من السويداء في يوليو/تموز، من خلال مهاجمة مناطق العشائر البدوية، وفرض حصار عليها، وتنفيذ عمليات تصفية ميدانية وجرائم قتل، وفق ما أفاد به قائد تجمع العشائر في الجنوب السوري مفلح صبرا للجزيرة.

العرب خذلوا الدروز

ولم يتردد الهجري في الإشادة بالدور الإسرائيلي، قائلا: “ليس سرا أن إسرائيل كانت الدولة الوحيدة في العالم التي تدخلت عسكريا وأنقذتنا من الإبادة الجماعية عبر ضربات جوية أوقفت المجزرة في ذروتها”.

وأضاف أن العلاقة مع إسرائيل “طبيعية” وتقوم على روابط دم وعائلات ممتدة، معتبرا إسرائيل “دولة قانون ومؤسسات دولية”، وهو النموذج الذي يطمح الدروز للوصول إليه.

وفي المقابل، أعرب الهجري عن خيبة أمل عميقة من العالم العربي، متهما الدول العربية بالوقوف إلى جانب “القاتل ضد الضحية”، ومنتقدا الصحافة العربية التي وصفها بأنها “صوّرتنا كأبناء للشيطان”.

الحل.. تقسيم سوريا

ويرى الهجري أن الحل الوحيد المتبقي أمام الدروز هو “الاستقلال التام”. وزعم أن محاولات بناء دولة مدنية انتهت بعد انهيار التفاهمات في مارس/آذار 2025، مشددا على أن “الأيديولوجية الحاكمة في دمشق هي أيديولوجية القاعدة، ولا يمكن للدروز العيش تحت ظلها”.

وكشف الهجري عن تأسيس “الحرس الوطني”، وهو بمثابة جيش دروز محلي لحماية المحافظة، مؤكدا وجود تنسيق إستراتيجي مستمر مع قوات سوريا الديمقراطية في الشمال السوري.

وخلص إلى أن الدروز لم يعد بإمكانهم تحمل المعاناة التي يعيشونها الآن، وأنه على إسرائيل التدخل، مؤكدا أن “الدروز يرون أنفسهم جزءا لا يتجزأ من منظومة الوجود التي تمثلها إسرائيل”.

المصدر: واي نت

————————-

الهجري يرى مستقبل سوريا في التقسيم… وإسرائيل «ضامناً» لدولة درزية

هاجم في مقابلة مع «يديعوت أحرونوت» العبرية نظام الشرع

رام الله: كفاح زبون

13 يناير 2026 م

هاجم الزعيم الدرزي السوري الشيخ حكمت الهجري، الحكم الجديد في سوريا بشدة، وقال إنه يتطلع إلى إنشاء كيان درزي مستقل في محافظة السويداء، مضيفاً: «نرى أنفسنا جزءاً لا يتجزأ من إسرائيل».

ولفت الهجري، في تصريحات لصحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، أن العلاقة بين إسرائيل والدروز في سوريا ليست وليدة اليوم، «فقد تأسست هذه العلاقة قبل سقوط نظام الأسد بزمن طويل. وتربطنا صلات دم وروابط عائلية، وهي علاقة طبيعية. إسرائيل دولة تحكمها قوانين، وهذه هي الآيديولوجية التي نسعى إليها. نحن مسالمون، ونريد الحفاظ على طابعنا المميز». وأردف: «لا نطالب بالحكم الذاتي فحسب، بل بمنطقة درزية مستقلة».

وهاجم الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع، زاعماً أنها «امتداد لـ(داعش) و(القاعدة)، وتسعى إلى التخلص من كل الأقليات في سوريا وليس فقط الدروز»، متهماً إياها بارتكاب أبشع مجزرة بحقهم في يوليو (تموز) الماضي، «أودت بحياة أكثر من ألفي درزي».

وزعم الهجري أن الأمر لا يقتصر على الحكومة الحالية، بل هو امتداد فكري. وتابع: «الجريمة الوحيدة التي قُتلنا بسببها هي أننا كنا دروزاً».

وتقول «يديعوت» إن الهجري، البالغ من العمر 60 عاماً، وُلد في فنزويلا، حيث هاجر والده مع جالية درزية كبيرة. ويعيش اليوم نحو 150 ألف درزي في فنزويلا، ما يجعلها رابع أكبر تجمع للدروز في العالم. وفي وقت لاحق من حياته، عاد إلى سوريا ودرس القانون في جامعة دمشق.

وفي عام 2012، خلف أخاه في منصب الزعامة الروحية للطائفة الدرزية، بعد وفاته في حادث سير لم يُجرَ تحقيق كامل فيه، ويُشتبه في أن نظام بشار الأسد كان وراءه. وتشغل عائلة الهجري هذا المنصب منذ القرن التاسع عشر.

ويقول الهجري إن الدروز «كانوا دائماً ضحية»، مضيفاً: «أثبتت لنا المجزرة الأخيرة أننا لا نستطيع الاعتماد على أحد لحماية طائفتنا. كان الثمن باهظاً للغاية، لكنه لن يذهب سدى. نتطلع إلى مستقبل لا يكون فيه الدروز ضحايا».

وبحسب «يديعوت»: «الواقع في السويداء صعب للغاية. لا مفرّ ولا دخول. من كانوا يعملون خارج المحافظة لا يستطيعون العودة إلى وظائفهم. الطلاب يتجنّبون الدراسة في جميع أنحاء سوريا. لا تُقبل المستشفيات خارج المحافظة لتلقّي العلاج، ويُرسل مرضى السرطان في مراحله الأخيرة إلى حتفهم لعدم وجود قسم للأورام في المحافظة. وقد عالجت إسرائيل بالفعل مئات المرضى والجرحى في مستشفياتها».

وتُعدّ السويداء أكبر معقل للدروز في العالم؛ إذ يبلغ عدد سكانها نحو نصف مليون نسمة، بالإضافة إلى الآلاف الذين نزحوا إلى بلدان أخرى حول العالم هرباً من قسوة الحياة في ظل حكم الأسد. وتسيطر الحكومة السورية حالياً على 36 قرية محترقة، تُشكّل نحو 5 في المائة من مساحة المحافظة البالغة 5550 كيلومتراً مربعاً.

وأشارت «يديعوت» إلى تأسيس «الحرس الوطني»، العام الماضي، وهو أشبه بجيش درزي يعمل في السويداء. وبحسب الهجري، فإن «الحرس» لا يمثل فئة صغيرة، بل يعتمد على السكان المحليين النشطين في الساحة المحلية.

ويضيف أن هناك اهتماماً شعبياً ورغبة في الانضمام إلى الحرس، على الرغم من أنه لا يزال في مراحله التأسيسية ويعاني حالياً من بعض الصعوبات اللوجيستية. ويوضح أن هذه الصعوبات من المتوقع أن تُسد تدريجياً في المستقبل القريب، مع تقدم عملية البناء والتنظيم.

ويفتقد الهجري لممر مع إسرائيل، ويقول إنه بغياب هكذا ممر، فإن تلقي المساعدات أمر بالغ الصعوبة، لكنه يشكر إسرائيل رغم ذلك، ويقول: «ليس سراً أن إسرائيل كانت الدولة الوحيدة في العالم التي تدخلت عسكرياً وأنقذتنا من الإبادة الجماعية في ذلك الوقت. وقد تم ذلك من خلال غارات جوية أوقفت المجزرة بالفعل».

من جهة أخرى، أعرب عن خيبة أمله العميقة من العالم العربي، قائلاً: «لم تدعمنا دولة عربية واحدة. لقد اختاروا الوقوف مع القاتل لا مع الضحية. وقد صورتنا الصحافة العربية كأبناء الشيطان».

وشدد الهجري على أنه «لا توجد اليوم أي صلة بنظام دمشق»، وبحسبه، «عانت جميع مكونات المجتمع السوري من عنف شديد، بمن في ذلك العلويون». كما يؤكد استمرار العلاقة الاستراتيجية مع القوات الكردية، ويعرب عن تقديره لأدائها في المجالين المدني والأمني.

وعندما سألته الصحافية عيناف حلبي: كيف ترون المستقبل؟ قال: «نحن نرى أنفسنا جزءاً لا يتجزأ من وجود دولة إسرائيل، كذراعٍ أقامت تحالفاً معنا. هذه العلاقة ذات أهمية بالغة. إسرائيل هي الضامن الوحيد والجهة المخولة بالاتفاقات المستقبلية».

وأردف: «المطلب الأساسي هو الاستقلال التام، لكن من الممكن أيضاً المرور بمرحلة انتقالية من الحكم الذاتي تحت إشراف ضامن خارجي… في رأيي، دولة إسرائيل هي الجهة الأنسب لهذا الأمر».

وختم قائلاً: «سوريا تتجه نحو التقسيم وبناء أقاليم ذاتية الاستقلال. هذا هو المستقبل. هكذا سنبني مستقبلاً أفضل للأقليات واستقراراً إقليمياً لمنطقة الشرق الأوسط بأكملها».

الشرق الأوسط

————————-

عبر صحيفة إسرائيلية… الهجري يطالب بإقليم درزي حليف لإسرائيل

13 كانون الثاني 2026

طالب الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا، الشيخ حكمت الهجري، بإنشاء إقليم درزي مستقل متحالف مع إسرائيل.

وقال الهجري، في مقابلة مع صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية: «نطالب ليس فقط بالإدارة الذاتية، بل بإقليم درزي مستقل»، موضحاً أن «المطلب المركزي هو الاستقلال الكامل، مع إمكانية المرور بمرحلة انتقالية من الحكم الذاتي تحت إشراف طرف عربي خارجي».

كما أعرب عن قناعته بأن «سوريا تتجه نحو التقسيم وإنشاء أقاليم مستقلة وذاتية الحكم (…) وهو المستقبل الأفضل للأقليات وتحقيق الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط».

وفي هذا السياق، اعتبر الهجري أن إسرائيل يمكن أن تلعب هذا الدور بالنسبة للإقليم الدرزي، متابعاً: «نرى أنفسنا جزءاً لا يتجزأ من الإطار الاستراتيجي لإسرائيل، وكذراع متحالفة معها».

وأضاف أنه «ليس سرّاً أن إسرائيل كانت الدولة الوحيدة في العالم التي تدخّلت عسكرياً وأنقذتنا من إبادة جماعية كانت تجري بالفعل (…) من خلال غارات جوية أوقفت المجزرة فعلياً».

إلى ذلك، لفت الهجري إلى أن العلاقات بين إسرائيل والدروز في سوريا «ليست جديدة»، بل «تشكّلت قبل سقوط نظام الأسد بوقت طويل»، معتبراً أنه «هناك روابط دم وعلاقات عائلية، وهي رابطة طبيعية».

وأكد أنه «لا يوجد حالياً أي تواصل على الإطلاق مع نظام دمشق»، مشيراً إلى أن عقيدة الحكم الجديد «متجذّرة في القاعدة، ولا يمكن للطائفة الدرزية أن تعيش تحت حكمه».

وكانت محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية قد شهدت، في تموز الفائت، اشتباكات بين مسلحين دروز وبدو، قبل أن تتدخّل قوات حكومية ثم مسلّحون من العشائر إلى جانب البدو، ما أسفر عن مقتل أكثر من ألفي شخص.

ومن بين القتلى، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، 789 مدنياً درزياً «أُعدموا ميدانياً برصاص عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية».

كذلك، شنّت إسرائيل ضربات عدّة على سوريا، بعضها قرب القصر الرئاسي ومقرّ هيئة الأركان العامة في دمشق، بالتزامن مع الاشتباكات في السويداء، مدّعيةً أنها ستحمي الأقلية الدرزية في سوريا.

———————-

=====================

تحديث 11 كانون الثاني 2025

————————-

 باريس السورية – الإسرائيلية: مفاوضات بضوابط أميركية!/ سمير صالحة

2026.01.11

تتكشف في باريس، وعلى طاولة مفاوضات سورية–إسرائيلية برعاية أميركية، أهداف إدارة ترمب من خلال الضغط على الجانبين الإسرائيلي والسوري لتسجيل اختراق سياسي يسهل لواشنطن مواصلة خطة إعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط الجديد.

ما بدأ كمحادثات معقدة لإعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 ، سرعان ما سيتحول إلى مسار من التحركات الأميركية والتركية والإسرائيلية، بمشاركة فرنسية وسورية، وثقل عربي بطابع استراتيجي إقليمي، بعد تضييق الخناق على النفوذ الإيراني، واحتواء التمدد الروسي، ومحاصرة محاولات الاختراق الصيني.

أعلن بيان مشترك سوري–إسرائيلي صادر عن وزارة الخارجية الأميركية أن جولة المفاوضات الأخيرة التي استمرت ليومين في العاصمة الفرنسية، أسفرت عن الاتفاق على إنشاء خلية اتصال مشتركة لتبادل المعلومات الاستخبارية وخفض التصعيد العسكري، إضافة إلى آلية للانخراط الدبلوماسي والتجاري بإشراف أميركي مباشر.

وأضاف البيان أن قيادة الرئيس ترامب أتاحت “مناقشات مثمرة” بشأن احترام سيادة سوريا وأمن إسرائيل، في إشارة إلى أن واشنطن لا تكتفي بدور الوسيط، بل تمسك بمسار التفاوض بمختلف أبعاده.

أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يدعم قيام سوريا مستقرة وموحدة وذات سيادة، تعيش بسلام داخل أراضيها ومع دول الجوار، معتبرًا أن ذلك يشكل أحد المرتكزات الأساسية لرؤية الإدارة الأميركية تجاه الشرق الأوسط.

ويقول المبعوث الأميركي توم باراك إن مستقبل حلب وسوريا ككل “يعود إلى شعبها”، ويجب أن يُصاغ عبر وسائل سلمية لا عبر العنف، مشددًا على أن المرحلة الجديدة في سوريا “هي مرحلة تعاون لا مواجهة”، وأن الوصول إليها يتطلب عملًا مشتركًا من جميع الأطراف.

ما بدأ كمحادثات لتثبيت خطوط الفصل في الجولان، يتجه بعد المرحلة الأولى إلى إطار أوسع، تديره وساطة أميركية نشطة تخدم استراتيجية واشنطن الإقليمية. تسعى إسرائيل لضمان حدود آمنة مع دمشق، وتتمسك سوريا باستعادة حقوقها، بينما تؤدي باريس دور الواجهة الدبلوماسية للمسار، وحيث تقود العديد من العواصم العربية عملية العودة إلى قلب المشهد السوري.

باريس ليست مجرد مكان للقاء بين وفدي سوريا وإسرائيل، بل منصة يفاوض من خلالها كل طرف لتحقيق أهدافه الحقيقية. فالمفاوضات التي تبدو تقنية وأمنية تحمل إشارات إلى إعادة تقاسم النفوذ وتوزيع الأدوار في المنطقة برعاية المايسترو الأميركي. وهذا ما يجعلها مساحة لتسوية ملفات متعددة تحت إشراف أميركي صارم.

وهنا يبرز السؤال: هل ستنجح الولايات المتحدة في تثبيت هذه الهندسة في منطقة تميل إلى تقلب الخرائط باستمرار؟

تركّز واشنطن على إدارة حزمة مترابطة من الملفات: تثبيت أمن إسرائيل وحدودها في الجولان، تأكيد سيادة دمشق على الدولة السورية، ومنع أي تصعيد سوري–إسرائيلي أو تركي–إسرائيلي محتمل. بالتوازي، تسعى إلى التحكم بخطوط الطاقة والمعابر البرية والبحرية، وربط مشاريع الطاقة العابرة لسوريا ولبنان بشبكة تحالفاتها الإقليمية.

في هذا السياق، تستثمر الولايات المتحدة في إعادة هندسة التحالفات الإقليمية، مستغلة التباينات بين الأطراف المحلية والإقليمية، والفراغ النسبي في توازنات القوى بهدف الحد من النفوذ الإيراني، وضبط الدور الروسي، ومراقبة التحركات الصينية.

لم تكن باريس مجرد مكان للقاء دمشق وتل أبيب، بل منصة يراقبها اللاعبون الإقليميون والدوليون، حيث أصبح لكل طرف دور يساهم في تحديد ملامح المسار التفاوضي. برز الدور الفرنسي كواجهة دبلوماسية للمسار، في حين كانت العواصم العربية تتابع باهتمام، ساعية إلى إعادة سوريا للحضن العربي وضمان حماية مصالحها في المنطقة.

كما ظهر التنسيق الوثيق بين واشنطن وأنقرة، من خلال توقيت وجود وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في العاصمة الفرنسية ولقائاته مع المبعوث الأميركي باراك، ونظيره السوري الشيباني، لضمان حماية المصالح التركية وحدود تركيا مع سوريا، ومما يعكس حرص الولايات المتحدة على دمج جميع الأطراف الإقليمية في هندسة التوازنات الجديدة.

الرسائل التي خرجت من هذه الجلسات لم تكن موجهة لسوريا وإسرائيل فحسب، بل لكل اللاعبين الإقليميين والدوليين. فكيف يمكن للولايات المتحدة استخدام هذا المسار لضبط النفوذ الإيراني، والحد من التحركات الروسية والصينية، وضمان مصالح حلفائها الإقليميين؟

ليست مفاوضات باريس مجرد طاولة ثنائية، بل منصة متعددة الأبعاد لإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط تحت إشراف أميركي دقيق. من هنا يمكن تلخيص حسابات واشنطن في مفاوضات باريس في محورين مترابطين:

    الأول، تثبيت الهيمنة الأميركية عبر الإمساك بملفات الحدود، الأمن، خطوط الطاقة، والتحالفات الإقليمية؛

    الثاني، إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي من خلال تحويل أي تقارب بين دمشق وتل أبيب إلى أداة لتوجيه التوازنات الإقليمية بما يخدم مصالح الولايات المتحدة ويحد من نفوذ منافسيها التقليديين في المنطقة.

وبهذه الطريقة، تصبح مفاوضات باريس أداة شاملة لتثبيت مصالح واشنطن الاقتصادية والسياسية والأمنية، وتعكس البعد الاستراتيجي الحقيقي للحضور الأميركي في المنطقة.

غير أن واشنطن تعرف جيدًا أن التجارب التاريخية في الشرق الأوسط تقول إن الخرائط التي تُرسم على الطاولات نادرًا ما تنفذ كما يُراد لها على الأرض. والسؤال لم يعد ما إذا كانت مفاوضات باريس ستنجح، بل إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة تثبيت هذه الهندسة في بقعة من الرمال المتحركة. فالمسار، مهما بدا محكمًا، يبقى رهينة تفاعلات إقليمية معقّدة ومدى قدرة أميركا على فرض هندسة مستقرة في منطقة اعتادت تمزيق الخرائط.

تلفزيون سوريا

————————

=====================

تحديث 10 كانون الثاني 2025

————————-

ما وراء التوافق السوري-الإسرائيلي في مسار باريس 2026: إعادة تعريف الخلاف/ محمد السكري

نشر في 10 كانون الثاني/يناير ,2026

شهدت الجولة الخامسة من المفاوضات السورية-الإسرائيلية، في كانون الثاني/ يناير 2026، تقدّمًا نوعيًّا يُعدّ الأبرز منذ انطلاق المسار التفاوضي الثنائي في مرحلة ما بعد سقوط النظام، وفق البيان الذي أصدرته الولايات المتحدة الأميركية، حيث أكّد البيان انخراط الطرفَين في مساع تهدف إلى بلورة ترتيبات أمنية جديدة تشكّل مدخلًا لتحقيق استقرار طويل الأمد[1]. ويأتي هذا التطوّر في أعقاب فترة استمرّت عدة أشهر، وتأرجحت بين الجمود التفاوضي، والتصعيد المدروس على مستوى الاعتداءات والاختراقات والاعتداءات غير المشروعة من قبل إسرائيل في الجنوب السوري، مع وجود حراك دبلوماسي مزدوج مع الإدارة الأميركية أسهم في تحسّن المسار التفاوضي.

وكانت إدارة الرئيس دونالد ترامب قد أبدت اهتمامًا واضحًا بدفع الطرفين نحو اتفاق، في سياق مقاربة أميركية أوسع لإعادة ترتيب منظومة الأمن الإقليمي، غير أن هذا الدور اتسم بمعيارية، إذ لم يعنِ الدفع للتفاوض الامتثال الأميركي للأحقية السورية في السيادة على الجولان، بل تمثّل في توكيد الاحتلال، لكنّه ركّز على مكامن آنية في طبيعة الخلاف “الاتفاق الأمني”، حيث تنصبّ الرغبة السورية على تنشيط اتفاق فضّ الاشتباك الموقعة عام 1974 من جديد، في حين أن الرغبة الإسرائيلية كانت أكثر تشددًا، حيث تسعى لتثبيت مكاسب الفراغ والفوضى السابقة.

لم تركّز المفاوضات الراهنة على الملفات الإشكالية-السيادية البارزة، كملف الجولان المحتل، إنما ركزت على ضرورة التوصل إلى اتفاقية أمنيّة جديدة، بغلاف اقتصادي وبترتيب أميركي، يمكن أن يقلل من التباين الجوهري في أولويات الطرفَين ومصالحهما. وترى واشنطن أن الاتفاق ضروري، وفق مقاربة الرئيس ترامب تجاه الشرق الأوسط. أمّا في منظومة مصالح الطرفين المعنيين، فهناك خلاف جوهري، فبينما تسعى إسرائيل إلى توسيع نطاق حضورها الأمني داخل الأراضي السورية، بهدف إنشاء عمق ردعي متقدّم يجعلها حرّة في المحيط الجنوبي لسورية؛ تحاول سورية من جهتها التعامل مع الإرث الأمني البنيوي الذي خلّفه النظام السابق، وما أفرزه سقوطه من فراغات وثغرات سيادية، وذلك من خلال السعي عمليًا إلى إعادة تعريف قواعد الاشتباك القائمة بين الجانبين، والتخلّص من عبء الإشكالات الأمنية في سورية. ولذا تنطلق الورقة بدرجة أساسية من هدف تفسير المسار والجولة الخامسة وتتبع حركته ونتائجه، مع محاولة فهم دوافع الأطراف، والمركزية الأميركية، والأدوار الإقليمية، وتلمّس حدود السيادة والشرعية والانتقالية في السياق التفاوضي، بالبحث عن موقعها المركزي، مع محاولة قراءة ملامح التفاهم على المصالح الوطنية السورية وآثاره البنيوية.

أولًا. سياق الاتفاق الأمني: من باكو إلى باريس

لم يكن الوصول إلى مخرجات الجولة الخامسة من مسار باريس التفاوضي، بين سورية وإسرائيل، معزولًا عن تطورات مركبة أمنية-دبلوماسية، تطورت وامتدت نحو عام كامل عقب سقوط الأسد. فمنذ تلك الانعطافة في تاريخ سورية الراهن، تحوّل الميدان السوري إلى ساحة للصراع على نمط جديد في تحديات إعادة بناء الشرعية السياسية، وأعقبتها تطورت بالغة الأهمية، جاءت نتيجة لمجموعة من العوامل الموضوعية في الملف، بدءًا من كيفية الاستثمار والتسيير من قبل إسرائيل، مرورًا بكيفية التعامل والتفاعل السوري معه، وصولًا إلى الضغوط الدولية والإقليمية التي تحاول على ما يبدو التوصّل إلى أي شكل من أشكال الترتيبات السياسية والأمنية، لإنهاء عبء حرب محتملة[2].

عمليًا، قد يكون من الصعب تفسير مسار المفاوضات في باريس، إلا عبر ما جرى في أذربيجان-باكو، كخطوة أولى وتأسيسية، حيث بدأت المفاوضات السورية-الإسرائيلية عمليًا، في باكو بأذربيجان، في الربع الأول من العام 2025، ضمن مسار وساطة تركية-أذرية، يهدف إلى التعامل مع التحديات الأمنية المتراكمة في جنوب سورية، في ظل تصعيد عسكري متزايد بين الجانبَين التركي والإسرائيلي داخل الملف السوري، أبرزه كان القصف الإسرائيلي لوسط سورية لا سيّما مطار T4 العسكري، بالتزامن مع رغبة تركية في إعادة انتشار في سورية ومحاولة التوسّع من الشمال نحو وسط سورية.

مثّل اختيار أذربيجان منصّة للمحادثات انعكاسًا لخريطة تحالفات إقليمية، تمتد من علاقات باكو الوثيقة مع أنقرة ومع إسرائيل في الوقت ذاته، حيث جاءت هذه العلاقات المركبة كاستثمار مهمّ من أجل الحد من التصعيد بين الدولتَين على الأراضي السورية، وتخوّف من انعكاس إقليمي مباشر؛ مما ساعد في استضافة جولتين من المحادثات التشاورية بين تركيا وإسرائيل من جهة، باعتبارهما طرفين فاعلين في الساحة السورية لتخفيف التوتر ومنع التصادم العسكري المباشر بين قواتهما على الأرض السورية، والجانب السوري من جهة أخرى، الذي حرص على التأكيد في مرات عديدة أن المباحثات تجري بشكل غير مباشر.

ولم تقتصر هذه الجولات على التفاوض بشأن قواعد الاشتباك فحسب، بل حملت أيضًا أبعادًا سياسية وأمنية واسعة، من ضمنها سعي الحكومة السورية إلى تأطير الحالة السياسية داخليًا، والحفاظ على تماسك الدولة خلال مرحلة حساسة كالانتقالية، في مواجهة محاولات متصورة لاستغلال المرحلة والسياق الراهن والتوترات الداخلية في ما يصب في مصالح إسرائيل. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود طرف سوري واحد يحمل المقاربة ذاتها، وإنما يوجد أطراف متعددة، منها رافض للمسار بشكل كامل، ومنها من يعتقد ضرورة التعامل معه بواقعية سياسية، وطرف يرى الانخراط في مسار التفاوض خطوة تحتاج إلى التقييم والمراقبة قبل الحكم عليها[3].

تتغذى منظومة المصالح الإسرائيلية على التناقضات بدرجة أساسية، وعلى الفوضى كعامل حيوي وتطبيعي مرصود سوريًا من شكل التدخل. وبهذا، شكّل مسار باكو أول أشكال العودة للمفاوضات بين سورية وإسرائيل بطريقة عبر مباشرة، كمنصة أولية للبدء بخطوات تفاوضية، تهدف إلى معالجة الملفات الأمنية المعقدة، سواء تلك المتعلقة بالملف التركي-الإسرائيلي، أو المتعلقة بالملف السوري-الإسرائيلي.

سعى هذا المسار في ما يبدو لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية وإرساء أساس لهدنة على الأراضي السورية، ضمن تصور تركي-أميركي مشترك، يرى أن الحلّ يبدأ من خلال دفع دمشق نحو الانخراط في محادثات مع تل أبيب، بهدف التوصّل إلى اتفاق لفضّ الاشتباك يُعيد رسم التسوية الأمنية في الجنوب السوري بما يتناسب مع المصالح الإقليمية المتغيرة، في ظلّ تباين سورية حول المسار، مع وجود رغبة أقرب إلى العامة نحو المسار الدبلوماسي.

لم تُسفر الجولتان الأوليان عن نتائج عملية واضحة، بسبب الخلاف الجوهري على ملفات الانسحاب الإسرائيلي لما قبل 8 كانون الأول 2024، في ظلّ إصرار إسرائيلي على انسحاب جزئي ضمن واقع سيطرة إسرائيلية على المنطقة العازلة في هضبة الجولان بمساحة (235 كيلومترًا مربعًا)، بجانب توسّع في النفود بعد السيطرة على مساحة إجمالية وصلت إلى نحو( 600 كيلومتر مربع)، ولعلّ عدم التوصل إلى نتيجة أدى إلى ضرورة البحث عن مسارات أخرى، مع أن الحكومة السورية تُظهر مرونة بإمكانية القبول بالعودة لاتفاقية فض الاشتباك، مع استعدادها لقبول تعديلات عليها (اتفاق 1974 “بلس”)، على عكس إسرائيل التي ترى موقف دمشق ضعيفًا لفرض شروط على شكل الاتفاق[4].

دفع ذلك إلى إطلاق مسار آخر، تحت رعاية فرنسية-أميركية، في باريس في أواخر 2025، وامتد حتى الآن إلى 2026، يقوده المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توماس بارك، كجزء من مساعي الوساطة الرسمية أو ما يُعرف بـ Track I Diplomacy . وقد تميز هذا المسار بعقد لقاءات مباشرة غير مسبوقة بين الإدارتين السورية والإسرائيلية، برعاية باريس، إلى جانب جهود الوساطة في عملية التهدئة بين دمشق و(قسد)، ما يعكس ارتفاع مستوى التمثيل الدبلوماسي السوري، مقارنة بانخفاض التمثيل الأميركي والإسرائيلي، وهذه سمة واضحة في كل جولات التفاوض في مسار باريس، ولا سيما في الجولة الخامسة، عندما رفعت سورية مستوى التمثيل الدبلوماسي في الأيام الأخيرة، وهذا يمثّل مؤشرًا على اندفاع الحكومة السورية للمشاركة في المحادثات الساعية نحو التهدئة[5].

بشكل أساسي، هدف مسار باريس إلى عقد توافقات سياسية، قد تُسهم في احتواء الانزلاقات الأمنية على المستوى الإقليمي، وتفادي استدامة التوظيف الأمني للخلافات الداخلية ضمن سورية، بالنسبة إلى دمشق. وجاء الانخراط الإسرائيلي في المسار في ما يبدو إذعانًا بضغوط أميركية بشكل أساسي، في حين يستمر الضغط الدولي والدبلوماسي، ولا سيما من طرف واشنطن، لإيجاد صيغة تفاهم جديدة بين دمشق وتل أبيب، تتجاوز توقف الجهود السابقة، وتستجيب للتحولات الأمنية والمصالح الإقليمية في المنطقة التي تراها واشنطن مفيدة لها. لكن عودة إسرائيل لتقديم طروحات مختزلة أدّت إلى تعطيل المسار، ففي الجولات السابقة قدّمت طرحًا يعكس رؤيتها، حيث تتضمن رؤيتها تقسيم جنوب سورية إلى ثلاث مناطق أمنية، على غرار نموذج كامب ديفيد، مع نزع السلاح الثقيل، وفرض منطقة عازلة، وحظر جوي.

وتنطلق مقاربة تقسيم هذه المناطق من دوافع إسرائيلية لإعادة هندسة المجال الأمني الإسرائيلي من جديد، على حساب السوري السيادي، وهذا يتّضح من شكل التقسيم، حيث تبقى المنطقة الصفراء تحت السيطرة الفعلية الإسرائيلية، والمنطقة الزرقاء كشريط فصل قوات، وتكون الحمراء منزوعة السلاح، والمنطقة الخضراء منطقة حظر جوي، تمتد نحو محيط دمشق. عمليًا، يقترح الترتيب الإسرائيلي انسحابًا تدريجيًا إلى خطوط فصل القوات لعام 1974، مع استثناء مواقع متقدمة في جبل الشيخ، وتأجيل البتّ في مصير الجولان. وفي المقابل، تلتزم سورية بمنع أي هجمات على إسرائيل من أراضيها، وتلتزم إسرائيل بعدم التدخل الداخلي والاعتراف بالحكومة السورية، وهو شرطٌ يثير إشكالية سياسية وسيادية واضحة. وقد شكلت هذه الرؤية تعطيلًا شاملًا للمسار، حيث رفض الجانب السوري هذه الترتيبات بشكل كامل، مما أدّى إلى توقف المسار عدة أشهر، قبل عودته في 5-6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، عبر تحقيق اختراق في التوافق على شكل الترتيبات الأمنية الجديدة.

ثانيًا. الجولة الخامسة: أقل من اتفاق وأكثر من توافق

يُعبّر مصطلح “الاختراق”، في توصيف المفاوضات السورية-الإسرائيلية، عن تسويق التقدم التفاوضي أكثر مما يعكس بالضرورة تحوّلًا جوهريًا في بنية التوافق أو في محدداته الأساسية. فالتوصيف لا يحيل فقط إلى مستوى التقدم المحقق، بل يكشف عن سياق تفاوضي غير اعتيادي، من حيث شكل العملية التفاوضية، وتركيبة الأطراف المشاركة، وطبيعة الإخراج السياسي الذي رافقها.

عُقد الاجتماع الثلاثي من الناحية الرسمية، في باريس في 6 كانون الثاني/ يناير 2026، بحضور سوري تمثل في وزير الخارجية السوري “أسعد الشيباني”، وفريق استخباراتي عسكري متمثًلا برئيس الاستخبارات “حسين سلامة”، في حين كانت المشاركة الإسرائيلية عبر السفير الإسرائيلي في واشنطن “يحيئيل لايتر” المسؤول المباشر عن الملف السوري، والسكرتير العسكري لرئيس الحكومة رومان غوفمان، والقائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي “غيل رايخ”، حيث غيّر نتنياهو الفريق التفاوضي الإسرائيلي بعد استقالة رئيس الوفد المفاوض في الجولات الماضية وزير الشؤون الاستراتيجية “رون ديرمر”. وكان من اللافت الحضور عالي المستوى من الجانبين الأميركي والتركي، إذ حضر من الجانب الأميركي ممثل الرئيس ترامب الخاص “ستيف ويتكوف”، بجانب صهره “جاريد كوشنر”، في حين حضر من الجانب التركي وزير الخارجية “هاكان فيدان”.

بالرغم من الفوارق في الوفود التفاوضية، بين الجانبين السوري والإسرائيلي، فإن رفع الوفد التفاوضي السوري في اللحظات الأخيرة يشير إلى اختلاف هذه الجولة عن سابقاتها، وتبيّن ذلك أكثر في نوع الحضور الأمني-الاستخباراتي، مما قد يشير إلى وجود نوع من الترتيبات الأمنية، التي لم تنعكس على البيان بطبيعة الحال، في حين كان الحضور الأميركي بدرجة أساسية في سياق التوصل إلى نتائج إيجابية برعاية الرئيس ترامب، وهذا ما حصل لاحقًا، ومثل الحضور التركي رغبة في مراقبة مستوى التقدم والإدراك التركي لتأثير أي اتفاق في مصالح تركيا المباشرة داخل سورية، ولا سيما في إطار قواعد الاشتباك مع إسرائيل. وقد هدفت هذه الجولة في إطار مساعي الوساطة الأميركية الهادفة إلى إعادة إطلاق الحوار بين إسرائيل وسورية، وترتيب الملفات العالقة.

في الواقع، مثّل البيان المشترك الذي أصدرته الإدارة الأميركية شكلًا من الإعلان عن “خرق”، بوصف واشنطن، الوسيط العملياتي لهذا “التقدّم”، الذي يأتي في سياقات مهمة زمنيًا، إذ أعقب زيارة سابقة “غير مسبوقة” للرئيس السوري “أحمد الشرع” للبيت الأبيض، لمناقشة ملفات عديدة، منها الاتفاق الأمني مع إسرائيل، وتلاه زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” لواشنطن ولقاء الرئيس ترامب في فلوريدا، حيث ناقشا جملة من الملفات منها “الملف السوري”. وفي وصف الزيارتين بـ “التاريخية”، على لسان الشرع سابقًا، وعلى لسان نتنياهو لاحقًا، تعبير عن القدرة الأميركية لعقد الصفقات الإقليمية.

من هذا المنطلق، كانت الجولة الخامسة من المفاوضات بمنزلة إعلان أميركي مسبق، عن نجاح سياسي قيد التشكل، يتقاطع مع مقاربة إدارة الرئيس دونالد ترامب التي أولت أهمية خاصة لإبراز مسارات خفض النزاعات وإدارتها كإنجازات استراتيجية. ويتوافق هذا النهج مع ما ورد في وثيقة الأمن القومي الأميركي لعام 2025، التي تؤكد الانتقال من سياسات التدخل المباشر إلى إدارة الصراعات عبر الترتيبات الأمنية والتفاهمات المرحلية، ما يجعل الاتفاق وفق هذا المنظور أداة سياسية ضرورية لإعادة ضبط التوازنات الإقليمية أكثر من كونه تسوية نهائية، وهذا يتوضح في دباجة التوافق، وفي غموض الإعلان عن شكل التقدم.

وحمل مضمون البيان النقاط التالية:

    التزام الطرفين بالعمل نحو ترتيبات أمنية واستقرار دائمين، يخدمان مصالح كل من سورية وإسرائيل، مع إبقاء الولايات المتحدة راعيًا ومسهّلًا للعملية. وهذا يعكس هدفًا مركزيًا للبيان، وهو تحويل التوتر الأمني بين الطرفين من مناخات تصادمية إلى آليات تنسيق وإدارة للخلاف.

    أهمّ بند في البيان هو الاتفاق على إنشاء آلية مشتركة، لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر في المجالات التالية: تبادل المعلومات الاستخباراتية، خفض التصعيد العسكري، الانخراط الدبلوماسي، استكشاف الفرص التجارية. وهذا شكل من الانتقال من حالة أمنية مضطربة، إلى شكل من “الليبرالية المؤسسية”، التي تقوم على معالجة الأمن عبر الاقتصاد بدرجة أساسية.

    وضع البيان آلية المراقبة تحت إشراف مباشر من قبل واشنطن، وهذا يعني إبقاء واشنطن في مركز العملية التفاوضية كمصدر لتشكيل ديناميات التفاوض.

ومن ثم، يتضح أن مقاربة البيان لا تنطلق من منطق الحلّ الجذري للنزاع السوري-الإسرائيلي، ولا إشارة فيها إلى “حل”، وإنما تمهيد لأن يكون “مقدمة”، وصياغة “لتجميد التصعيد”، حيث ورد بشكل واضح فيها “الالتزام بالسعي من أجل تحقيق ترتيبات أمنيّة واستقرار”. وهذا يشير إلى أن الترتيبات لم تحصل بعد، أو لم يفصح عنها ولم يتناولها البيان. ومن ثم، لا يُمثّل البيان اتفاقًا، ما دام يخلو من أي إعلان عن “اتفاق”، ويقتصر على “المساعي”.

الإشكالية الأعقد هي تناول البيان بوضوح آليات تنسيق أمني يتجاوز الإطار التقني، ويصل للمرحلة “الاستخباراتية”، بما تمثّل من أهمية سيادية عالية المستوى يمكن أن تشكّل إشكالية بنيوية عميقة في حال تحوّل التنسيق إلى خلافات لاحقة، في ظلّ العقيدة الأمنية التي تنطلق منها إسرائيل كمقاربة للمنطقة، ويعكس ذلك توجّهًا عمليًا، ولا سيّما من جانب الولايات المتحدة، يُعلي أولوية خلق منظومة الثقة الثنائية بشكل قسري، مما يشكل مدخلًا للعبور من الأمننة نحو السوق، ويتلو ذلك الحدُّ من فرص الانزلاق الأمني، والتركيز على التفاوض السياسي، قبل الانتقال إلى تسوية سياسية شاملة، مع أن هذا قد يعكس فهمًا أميركيًا أحاديًا، لسمات الدولة في إسرائيل، من دون أن يعني اهتمامًا بما يترتب على تلك الآلية، على الصعيد الوطني السوري، لكن القبول السوري، في هذه النقطة الحساسة دون تفسيرها، يجعل الملف السيادي السوري أمام إشارات استفهام كثيرة.

مقابل ذلك، انتقلت مركزية المراقبة الأميركية في الاتفاق نحو التوجيه والإشراف، عبر وضع الإشراف الأميركي في صلب الآلية المشتركة هذا المنحى، إذ يؤكد البيان استمرار الولايات المتحدة، بوصفها الوسيط المركزي والفاعل الأبرز في هندسة مسارات التفاوض والأمن الإقليمي، فضلًا عن دور مركزي للرئيس ترامب في صلب البيان كراع للحدث، وكضامن لمصداقية تنفيذ التفاهمات. ويعكس ذلك الثقلَ الأميركي الواضح في المنطقة، ولا سيما في الملفين السوري والإسرائيلي، وشكلًا من إشكال الضمانة للجانب السوري الذي بقي يبحث عن ضمانات موضوعية تحدّ من عدم الالتزام الإسرائيلي، مع أن شكل هذه الضمانات لم يكن تقنيًا، لكنه قد يشكل إجابة مختزلة عن “الضمانة” بالعقلية الأميركية للرئيس ترامب.

مع ذلك، قد يشكّل البيانُ خطوة تدريجية، لخفض التصعيد وتهيئة بيئة تفاوضية أكثر استقرارًا، وإحداث تقدّم عملي لا يتجاوز الإدارة الأمنيّة للنزاع، من دون وجود توافق سياسي شامل حول الملفات الخلافية الجوهرية التي تؤجل في سياق المفاوضات، أو لا يشار لها، إلا عند ارتفاع منسوب الخلافات، كما في حالة استحضار السيادة على الجولان في أثناء الخلافات، سواء من قبل الرئيس الشرع أو من قبل نتنياهو، وفي ذلك إشارة إلى هندسة الخلافات، بناءً على التطوّرات التفاوضية بما يسمح لتشكيل الخريطة الأمنية من جديد في سورية، وهذا يطرح تساؤلًا عن ملفّ السيادة السورية، وعن موقعها في ظل التفاوض، بما أن الملف يشكل إرثًا وطنيًا سوريًا[6].

بالعموم، يمثّل البيان انتقالًا غير عادي في مستوى التفاوض، بوجود توجيه أميركي غير مسبوق، من أجل الوصول إلى حلّ أولي، يمهّد لضبط واحتواء التصعيد، مع بقاء الولايات المتحدة وسيطًا محوريًا موجّهًا للمسار، ويعكس في المحصلة تطورًا وظيفيًا تقنيًا في العلاقات السورية-الإسرائيلية، خلال المرحلة الانتقالية أكثر منه تحوّلًا سياسيًا جوهريًا، فقد كانت الدعوة الإسرائيلية، بشأن ملفّ حيي الشيخ مقصود والأشرفية “لحماية الأقليات”، بمنزلة الاستمرار في السياسات ذاتها: “استمالة المكونات وتحويلها إلى كرت تفاوضي”، رغم أنها أتت عقب نهاية الجولة بيومين.

ثالثًا. التوافق كإطار لاستفادة ومخاطر

يأتي هذا المسار التفاوضي في سياق انتقالي بالغ الحساسية، تتشابك فيه اعتبارات إعادة بناء الدولة السورية مع ضغوط إقليمية ودولية متزايدة، وفي ظل اختلال واضح في موازين القوة بين الأطراف المعنية. وبينما يُقدَّم المسار بصيغة أمنية-تقنية تهدف إلى خفض التصعيد وضبط التوتر، فإنه يثير في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية تتعلق بالسيادة والشرعية والمشروعية وحدود الممكن سياسيًا، في مرحلة ما بعد سقوط النظام. وانطلاقًا من ذلك، يفرض هذا الواقع مقاربة تحليلية مزدوجة، تتناول من جهة المخاطر البنيوية الكامنة في طبيعة هذه الترتيبات، وتتناول من جهة أخرى فُرص الاستفادة المحتملة التي قد توظفها الدولة السورية مرحليًا، ضمن حسابات دقيقة لا تنفصل عن الأفق السياسي والسيادي الأوسع.

·      الاستفادة السورية المحتملة:

يتيح هذا المسار لسورية هامشًا محدودًا، لكنه هامشٌ مهمٌّ لإعادة ضبط البيئة الأمنية المحيطة بها، في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، فالانخراط في ترتيبات خفض التصعيد قد يُسهم في تحييد الجنوب السوري، وتقليص احتمالات المواجهة المباشرة، ومنح الحكومة مساحة زمنية لإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية. ويمكن توظيف هذه التفاهمات كأداة مرحلية لإعادة التموضع السياسي، وفتح نوافذ تفاوضية أوسع، مستقبلًا، شريطة عدم فصل المسار الأمني عن أفق سياسي واضح يحفظ المصالح السيادية.

    خفض التصعيد العسكري المباشر: من الممكن أن تؤدي إشارات الاتفاق الأولى إلى إمكانية إنضاج ترتيبات أمنية مرحلية، قد تُسهم في تقليص احتمالات التدخل الإسرائيلي شبه اليومي، داخل العمق السوري، ولا سيّما في أرياف القنيطرة ودرعا، بما يخفف الضغط الأمني على الدولة في مرحلة انتقالية هشّة، ويساعد في انخفاض مستوى استخدام الكرت الاجتماعي “حرب الوكالة”، باستخدام الكرت الطائفي لخلق إشكالات أمنية كما في حالة السويداء.

    كسب وقت لإعادة ترميم الدولة أمنيًا: تقليص الاحتكاك مع إسرائيل قد يمنح الحكومة السورية القدرة على تنفيذ رؤيتها، تجاه التركيز على التعافي والملفات الاقتصادية، لا سيما في إطار إعادة الإعمار، عوضًا من التركيز على الأمن فحسب، وذلك بما قد يوفّره “خفض التصعيد” من هامش زمني، لإعادة بناء المنظومة الأمنية والعسكرية والتعامل مع الإرث الاجتماعي التعاقدي الإشكالي، ومعالجة إرث التفكك والفراغ الذي خلّفه النظام السابق.

    تحسين الموقع التفاوضي دوليًا: الانخراط في مسارٍ ترعاه الولايات المتحدة من الممكن أن ينعكس بشكل إيجابي على طبيعة العلاقات، من الناحية الاقتصادية والأمنية، لا سيّما في الملفّات الإشكالية التي تشكّل واشنطن عقدتها، كملف “قوات سوريا الديمقراطية”، أو ملفّ العقوبات، وملف مكافحة ورعاية الإرهاب، الذي يخضع لتقييمات مستمرة من قبل الخارجية الأميركية، خلال العام الحالي.

·      المخاطر البنيوية المحتملة:

ينطوي هذا المسار التفاوضي، بصيغته الأمنية-التقنية الحالية، على جملةٍ من المخاطر البنيوية التي لا تتعلق بمضمون الترتيبات المقترحة فحسب، بل بطبيعة الإطار الذي يحرّكه صراع الشرعية السورية، والاعتداء والابتزاز الإسرائيلي. فتركيز العملية على إدارة التوتر، بدلًا من معالجته وفقًا لمنطلقات السيادة، قد يؤدي إلى تكريس وقائع أمنية جديدة تُقيد السيادة السورية تدريجيًا، وتحوّل الاستثناءات المؤقتة إلى قواعد دائمة، وإنّ اختلال ميزان القوة بين الأطراف، وغياب ضمانات سياسية متبادلة، يفتح المجال أمام توظيف هذه التفاهمات لخدمة أجندات أمنية خارجية، على حساب المصالح الوطنية طويلة الأمد.

    تآكل السيادة تحت غطاء أميركي: الولوج في المقاربة الأميركية قد يعني إمكانية فرض التخلي عن الجولان من الجانب الأميركي، في ظل حماسة ترامب من أجل عقد صفقات تاريخية، حيث تنطلق مقاربة ترامب، من جانبين: تمكين إسرائيل من السيادة على الجولان، وإدخال سورية في اتفاقيات إبراهام. وهذا يتضارب في العمق مع الأولويات السورية الوطنية، ويضع الحسابات السورية موضع مقامرة سياسية، ويربطها بشخص ترامب نفسه.

    شرعنة الأمر الواقع الإسرائيلي: عدم تضمين ترتيبات واضحة من الناحية الزمنية قد يؤدي إلى إشكاليات بنيوية لاحقة، تخدم الجانب الإسرائيلي، ومن ضمن ذلك تحويل “تأجيل الحديث عن الجولان” إلى ملفّ أقرب إلى التمييع، ضمن تثبيت السيطرة الإسرائيلية وتعزيز عمقها داخل سورية، بالتالي، سيتحوّل تكتيك “التميع المدروس” إلى خيار استراتيجي يشمل ملفات أخرى، كما في حال جبل الشيخ ومناطق جنوب سورية الحساسة.

    اختلال توازن المصالح التفاوضية: إسرائيل تدخل المفاوضات من موقع قوة ميدانية وعسكرية، مقابل دولة سورية خارجة من صراع طويل تريد التفاوض من أجل إيقاف التصعيد والاعتداءات، ما يجعل أي اتفاق أمني عرضة لأن يكون غير متكافئ وظيفيًا، وما يؤدي إلى نتائج غير مُرضية، بالقياس إلى الواجبات الوطنية السيادية السورية، والوقائع العملية الميدانية، وما بينهما من سوء تقدير واستخدام لمكامن القوة بسبب حداثة الحكومة السورية.

    مخاطر داخلية على الشرعية السياسية: الانخراط في ترتيبات أمنية مع دولة احتلال، من دون إطار وطني واضح، مع عدم انعقاد البرلمان السوري، وعدم وجود مشروعية قانونية ودستورية للتفاوض على الملفات السيادية في المرحلة الانتقالية، يُشكّل نكسة مباشرة على مستوى الشرعية السياسية في سورية. وإن أي تأثيرات جانبية لاحقة تخلق توترات داخلية ستُضعف السردية الوطنية الحكومية، وتُعرّض المرحلة الانتقالية، وما سينجم عنها من كيان الدولة المتخيل، لمخاطر عملية.

    الوهم مقابل الأمن: تنطلق الدعاية الأميركية من القفز على التحديات الأمنية والسيادية، إلى الحديث عن ترتيبات اقتصادية عميقة، عبر إظهار هذه الترتيبات على أنها صفقة استراتيجية. وفي الواقع قد تكون نوعًا من تقديم الوهم الاقتصادي بناءً على الحاجة السورية، وهذا يظهر بشكل واضح في خطاب المبعوث الدولي “توماس بارك”، حيث أكّد “أن إسرائيل وسورية تبدأان أيضًا مناقشة قضايا مدنية في: الطب، والزراعة والطاقة، لأول مرة في التاريخ الحديث”[7].

    لبنان كمسرح لسيطرة جديدة عبر تحييد سورية: يحاول نتنياهو استمالة الجانب السوري، من أجل ترتيبات محتملة بشأن معركة عسكرية في لبنان، إطارها العام “حزب الله” وإطارها الضمني “الهيمنة”، وقد أكد أن ترامب منحه الضوء الأخضر في لبنان، وعلى الرغم من تقاطع العداء تجاه الحزب بين الدوافع الإسرائيلية والإرث السوري، لكون الحزب انخرط مع نظام الأسد في قتال السوريين، فإن الطرف السوري لديه حسابات داخلية وفق السياق الجديد، تنطلق من عدم التفرّد الإسرائيلي اللاحق في مواجهة سورية، لذلك قد تكون المواجهة الإسرائيلية في لبنان ذات تأثير سلبي، في سياق أمنيّ ينعكس على ملفّ الجنوب السوري، في حين تنطلق المصلحة الإسرائيلية من تأمين تحييد سورية العملياتي التقني، من هذه الجبهة، وقد يؤدي هذا -بطريقة أو بأخرى- إلى إمكانية استمالة الحكومة السوري تجاه انخراط سوري عملياتي استخباراتي في الملف، وقد تكون هذه النقطة هي السبب غير المباشر لفكرة التنسيق الاستخباراتي المشترك[8].

الخاتمة ومبدأ التفاوض الوطني

تُعدّ الجولة الخامسة من المفاوضات السورية-الإسرائيلية والبيان المشترك الصادر عنها خطوةً انتقاليةً شكلية، تقدّم الإغراءات الاقتصادية كبديل عن التفكيك الأمني لملفات سيادية، تحت عباءة الاستقرار، ما يعني أن التوافق الأولي لا يرقى إلى مستوى اتفاق سياسي وأمني، لا جزئي ولا شامل، بل هو أقرب إلى تغير بوصلة التفاوض، من الاشتباك الأمني-السيادي نحو التعاون الاقتصادي. وتتيح الرعاية الأميركية أهمية لحل إشكالية “الثقة”، مما يعني دفع دمشق إلى التفكير بحدود الهامش الذي قد توفره إعادة ضبط البيئة الأمنية، من أجل كسب الوقت لتهيئة ظروف تساعد في ترتيب أولوياتها الداخلية.

لكن هذه المكاسب تواجه تحديات جسيمة بطابع بنيوي واستراتيجي، وتشمل هذه التحديات استغلال ملفات سيادية داخلية، وإمكانية تقديم التفاوض على ملفات حساسة، لأجل شرعنة السيطرة الإسرائيلية على مناطق حساسة، عبر استغلال اختلال موازين القوة التفاوضية. وفي ظل الانخراط في المفاوضات في فترة حرجة، لا تمتلك دمشق قدرة دبلوماسية عالية على مستوى الملفات، ما يجعل أي تقدم عرضة لإعادة صياغة الوقائع الأمنية، على حساب المصالح الوطنية الطويلة الأمد.

بناءً على ذلك، يمكن النظر إلى الوضع الراهن بوصفه مرحلة انتقالية تمثّل اختبارًا جديدًا ما زال غير ناضج بما يكفي، وما زالت حدوده غير واضحة، يقدّم وعودًا اقتصادية هشة، مقابل ترحيل قضايا إشكالية عميقة، وهذا يتطلب من الحكومة السورية إدارة حذرة للتفاهمات، وضمان ربط أي ترتيبات أمنية بأفق سياسي واضح يحفظ السيادة والمكتسبات الوطنية. وفي الوقت نفسه، يوفّر التقدم المؤقت قاعدة استراتيجية يمكن البناء عليها مستقبليًا نحو تسوية أكثر شمولية واستدامة، توازن بين إدارة النزاع بشكل مرحلي واستعادة الحقوق الوطنية الجوهرية.

تُظهر معطيات مسار باريس أن أي ترتيبات مرحلية لا يمكن أن تشكّل أساسًا مستدامًا للاستقرار، ما لم تُربط صراحةً بأفق سياسي واضح المعالم ومحدّد زمنيًا، يحفظ مبدأ السيادة، ويمنع تحويل “التمييع المدروس” إلى بديل دائم عن معالجات بنيوية. وعليه، فإنّ الشرط الحاكم لأي مسار تفاوضي يتمثل في عدم فصل الأمن عن السياسة، وعدم ترحيل الأمن نحو الدعائية الاقتصادية، وعدم القبول بتحويل “سياسة ترحيل القضايا”، إلى مقاربة تكتيكية إسرائيلية تطبّق على الجولان بدايةً، ومن ثم قد تشمل مناطق جنوبية لاحقة، وذلك تحت ذريعة خفض التصعيد أو الإغراءات الاقتصادية.

[1] وزارة الخارجية الأمريكية، البيان المشترك حول الاجتماع الثلاثي بين حكومات الولايات المتحدة وإسرائيل والجمهورية العربية السورية، 6 كانون الثاني/ يناير 2026، الرابط HTTPS://SHORTURL.AT/EXAMPLE1

[2] الشرعية في هذا السياق مفهوم مركّب يشير إلى الاعتراف القانوني والسياسي والداخلي بسلطة الدولة السياسية، أما في السياق السوري، فترتبط الشرعية بمدى التزام السلطة بالحفاظ على السيادة والحقوق الوطنية، بما يجعلها عنصرًا حاسمًا في تقييم أي مسار تفاوضي أو ترتيبات انتقالية.

[3] المرحلة الانتقالية تشير إلى فترة سياسية مؤقتة تفصل بين نظامَين، تتسم بهشاشة مؤسسية وسيولة في الشرعية، وتهدف إلى إعادة بناء الدولة وإعادة تعريف قواعد الحكم من جديد، وهي مرحلة تنحصر فيها الخيارات السيادية والقرارات الاستراتيجية بحسابات الشرعية السياسية الناقصة، وبأهداف الاستقرار وإدارة المخاطر وما بين الحفاظ على القضايا الوطنية، ما يجعل أي ترتيبات أمنية أو سياسية خلالها ذات أثر بنيوي طويل الأمد.

[4]أحكام وتوقعات الاتفاق الأمني السوري-الإسرائيلي المقترح، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تقدير موقف 2026، الرابط: :HTTPS://SHORTURL.AT/EXAMPLE2

[5] Barak Ravid, Senior Israeli and Syrian officials hold U.S.-brokered talks on de-escalation, Axios, 20 july 2025, link: https://shorturl.at/4ypV1

[6] تشير السيادة على الجولان إلى حقّ سورية القانوني والسياسي الكامل في الإقليم، بوصفه أرضًا محتلة، وفق القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وإلى قدرتها على تقرير مصيره دون إكراه. وهي تمثل ركيزة رمزية للشرعية والهوية الوطنية، ما يجعل أيّ مساس بها أو أي ترحيل مفتوح لقضيتها ذا دلالات سيادية عميقة.

[7] المفاوضات السورية-الإسرائيلية: تحركات أمنية ودبلوماسية، i24News، 7 كانون الثاني، 2026، الرابط: HTTPS://SHORTURL.AT/EXAMPLE3

[8] هيئة البث الإسرائيلية، تلفزيون سوريا، 8 كانون الثاني/ يناير 2026 الرابط: HTTPS://SHORTURL.AT/EXAMPLE4

علامات الجنوب السوري ، إسائيل

مركز حرمون

————————-

 العرس في إسرائيل والطبل “تريند” سوري/ عمر قدور

السبت 2026/01/10

ثمة مثل قديم يعرفه معظم السوريين هو: العرس في دوما والطبل في حرستا. الفهم الدارج له مفاده انفصام شخص ما عن حدث ما، فيكون بمثابة الطبل الذي يُقرع في حرستا بينما العرس في مكان آخر هو دوما. ومن يعرف المكانين، وهما متجاوران، يستطيع استنباط فهم آخر للمثل، كأن يكون الطبل مضلِّلاً فيذهب الناس إليه، ظناً منهم أنه في مكان العرس، في حين أن الأخير في مكان آخر أقل إصداراً للضجيج.

كُتب الكثير عن ثقافة السوشيال ميديا، وكُتب عن طابعها الاستهلاكي المعتمد على “تريند” يدوم لساعات أو أيام، فيأخذ الانتباه إلى شأن ما، ثم سرعان ما يصير منسياً مع حلول تريند جديد مكانه. وقد صار من المعلوم جداً أن التريند بمعظمه مسيَّس، بمعنى وجود قوى ومجموعات خلف ترويجه، إما بهدف لفت الأنظار إلى قضية ما، أو بهدف حرف الأنظار عن قضية ما لصالح شأن آخر غير مهم بذاته، بقدر ما هو مهم للتغطية على “العرس” الذي هو في مكان ثانٍ.

في “طبل” التريند السوري لم تحظَ بأدنى انتباه أخبار من قبيل اعتقال الجيش الإسرائيلي أربعة أشخاص على طريق عين البيضة-جباتا الخشب في ريف القنيطرة الشمالي، بعد أن توغلت قوات إسرائيلية ونصبت حاجزاً هناك يوم الخميس. أيضاً لم يحظَ بأدنى انتباه خبر توغل الجيش الإسرائيلي وصولاً إلى تل الأحمر في ريف القنيطرة، حيث أفادت مصادر قناة العربية بأنه رفع العلم الإسرائيلي فوق التل. وعلى نحو خاص، لم تلفت هذه الأخبار الانتباه، رغم أن توغلات الجيش الإسرائيلي أتت عقب تفاهمات وزير الخارجية أسعد الشيباني مع الجانب الإسرائيلي في باريس قبل يوم واحد من تلك الانتهاكات.

ونزعم أن هذه التفاهمات هي بمثابة “العرس في دوما” الذي صدرت أصوات الطبل في مكان آخر لتغطّي عليه، وتجعله خارج النقاش السوري. بل نزعم أن ضربات الطبل الخاصة بوجود مقاتلين أكراد في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب قد تصاعدت مع المفاوضات التي رأينا نهايتها “السعيدة” في باريس، إذ من المتوقع والمعتاد أن تكون لقاءات الإعلان عن التفاهم تتويجاً لمفاوضات طويلة، وأن تكون الأيام الأخيرة هي التي تبلورت فيها النتائج الأساسية، وهي نفسها الأيام هي التي شهدنا فيها فجأة التصعيد الخاص بوجود عناصر قسد في حلب.

طوال أيام بقي التريند السوري هو قسد، وأصحابه واصلوا القرع عليه والنفخ فيه، بلا التفات إلى ما تنقله وسائل إعلام عربية وأجنبية عن التفاهم في باريس الذي وصلت حدوده إلى الاتفاق على مشاريع اقتصادية، ثم أتت لغة البيان لتؤكد على ذلك إيحاءً لا تصريحاً. فمثلاً جاء في البيان المشترك الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية: “لقد قرر الطرفان إنشاء آلية تواصل لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر في ما يتصل بتبادل المعلومات الاستخباراتية، واحتواء التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي والفرص التجارية بإشراف الولايات المتحدة”. بينما ذهب بعض وسائل الإعلام أبعد بالإشارة تحديداً إلى مشاريع بعينها، من قبيل إنشاء منتجعات سياحية مشتركة على الأراضي السورية الصالحة للتزلج على الثلوج.

في كل الأحوال، لم يتضمن البيان ما ينص على عودة الجانب الإسرائيلي إلى حدود اتفاقية الهدنة عام 1974، ولغته تشير بوضوح إلى إمكانية التطبيع من دون الخوض في مفاوضات سلام بين البلدين للنظر في مستقبل مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل. أي أن ثمة موافقة ضمنية على نسف أساس المفاوضات القديمة، القائمة على مبدأ الأرض مقابل السلام، وعلى أن التطبيع لاحق على معاهدات السلام. ونذكّر بالتوغلات الإسرائيلية اللاحقة على البيان، وعدم ورود ما يفيد بالاحتجاج الرسمي عليها، ما يوحي بأن التفاهم الجديد لم يغيّر في السلوك الإسرائيلي المعتاد.

سيكون السؤال مشروعاً عمّا حصلت عليه السلطة في دمشق لقاء ذلك التفاهم، وبما أن أنصارها مواظبون على اتهام فئات سورية بالعمالة لإسرائيل، فقد يكون (على الأقل) تمريناً ذهنياً مفيداً الظن بأن تل أبيب تخلّت عن دعم فئة ما من تلك الفئات المتهمة بالعمالة لها مقابل توقيع التفاهم. ولنا، في سياق التمرين الذهني نفسه، أن نتذكر كيف واظب العهد البائد على وصم المختلفين معه بالعمالة لإسرائيل وأميركا، وعلى القول إنه مستعد للتفاوض مع “سادتهم” في الخارج، لا معهم بوصفهم “أذناباً وإرهابيين”. ولنا، استئنافاً للتمرين الذهني، أن نتذكر كيف كان جمهور السلطة الحالية يستخدم أخبار القصف الإسرائيلي على مواقع الأسد وحلفائه لإهانته ووصمه بالمهانة أو العمالة لإسرائيل والسخرية من إعلانه الاحتفاظ بحق الرد.

ما يعرفه جميع السوريين أن لا قدرة لأية سلطة سورية على مواجهة إسرائيل ضمن موازين القوى الحالية، وليس هذا مطلوباً اليوم، ولا في المدى المنظور. لكن هذه الخلاصة الواقعية لا تقود تلقائياً إلى البيان الذي أعقب لقاءات باريس، ولا إلى التفاصيل التي تسرّبت على هامشه. والتطبيع الذي أشير إليه مواربة في أكثر من عبارة يُفترض أنه ليس من صلاحيات حكم انتقالي غير منتخب، هذا إذا تجاوزنا التحفظات المتعلقة بهذه الحكومة الإسرائيلية تحديداً وسجلها كحكومة إبادة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الحكومات الإسرائيلية.

ولئن كان السلام قيمة إنسانية ينبغي التشبّث بها، فالتأكيد عليه هو تأكيد أولاً على ثقافة تُعلي من شأن السلام ومن شأن السياسة كوسيلة لحل النزاعات. ولا أدنى مخاطرة بالقول إن هذه الثقافة مفقودة في الواقع السوري الحالي، والذين يصمتون عن بشائر التطبيع، أو يدعون إلى السلام مع إسرائيل، هم أنفسهم الذين يدعون إلى حل الخلافات الداخلية بالقوة. وهم أنفسهم، بقراءة متأنية أكثر، محقّين إذ لا يرون تناقضاً بين الاثنين، فقبول السلام مع إسرائيل نابع من الرضوخ للأقوى، مثلما توسّل العنف في الداخل نابع من الاستقواء على الضعفاء الذين يمكن إخضاعهم.

يستحق التفاهم مع إسرائيل بوساطة ترامب نقاشاً سورياً عاماً، يتناول كافة جوانبه السياسية والقانونية؛ يستحق على الأقل أن يكون “تريند” سوري ليومين أو ثلاثة. أما في الواقع فقد فرضت ثقافة التريند نفسها، من أجل أن يشير “طبل حرستا” إلى الداخل السوري، ويصبح العدو الأكبر في الداخل لا في الخارج. هكذا تسلطت الأضواء على قسد التي راحت توصف (بالحد الأدنى) تنظيماً إرهابياً، مع أن المفاوضات بين قسد ودمشق لم تنقطع، وثمة اتفاق لم يُعلن عن إلغائه حتى كتابة هذه السطور.

ولمن لا يكفي الطبل لأخذه إلى الوجهة المرغوبة، ثمة تريند آخر تسبب به محمد حمشو، وهذا كان بمثابة واجهة مالية واقتصادية لماهر الأسد. ويبدو أن جهة ما أو أحداً ما أوعز إليه، في هذا التوقيت، كي يصدر على صفحته بياناً يعلن من خلاله “توقيع اتفاق شامل بينه وبين الحكومة”، “من دون الدخول في أي سجالات أو نقاشات تتعلق بالمراحل السابقة”. هذا سقف مختلف لمن يريد الاحتجاج “المقبول” على قرارات الحكومة، مثلما يشير التريند الآخر إلى عدو داخلي للذين يبحثون عن عدو بديل. المهم في الحالتين أن تشير الطبول إلى مكان غير مكان العرس، وأن يغفل الذاهبون إليه عن ذلك العرس الحقيقي في الجوار.

المدن

——————————–

هذه “التفاهمات” السورية الإسرائيلية/ توفيق شومان

10 يناير 2026

انتهت جولة المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية في باريس قبل أيام إلى مجموعة من تفاهمات عامة، بينها مشروع المنطقة الاقتصادية والسياحية. وعلى ما قال الراعي الأميركي توم برّاك لقناة “آي 24” الإسرائيلية في 6 يناير/ كانون الثاني الحالي، إن المفاوضين تطرّقوا “إلى مناقشة قضايا مدنية مثل الطبّ والزراعة والطاقة والازدهار الاقتصادي”. وذكر موقع أكسيوس الأميركي (6/1/2026) أن الولايات المتحدة “قدّمت خلال محادثات باريس بين سورية وإسرائيل مقترحاً بشأن اتفاقية أمنية بينهما، تتضمّن إنشاء منطقة اقتصادية مشتركة في جانبي الحدود”. وعلى ما يظهر، هذه المنطقة التي ينتعش الحديث عنها مع كل جولة تفاوضية سورية ـ إسرائيلية محفوظة في خزائن التفكير في واشنطن وتل أبيب، ويُصار إلى استدعائها من ذاكرة المفاوضات الإسرائيلية غير الرسمية مع سورية بين الأعوام 2004 و2006، حين تولّى رجل الأعمال السوري إبراهيم سليمان المسار التفاوضي مع تل أبيب عبر ما عُرفت بـ”القناة السويسرية”، بعدما شهدت القناة التركية انسداداً.

بالعودة إلى تلك الفترة، يطل إلى الواجهة تقرير مطوّل كتبه عكيفا ألدار في صحيفة هآرتس العبرية (16/1/2007) كشف فيه تفاصيل المفاوضات السرّية بين دمشق وتل أبيب، إذ أفضى إطارها العام إلى ما يسمّيه المفاوض السوري سليمان والإسرائيلي ألون يائيل تفاهماً مبدئياً حول تحويل مرتفعات الجولان السورية المحتلة إلى “حديقة سياحية دولية”. وجاء في افتتاحية “هآرتس” في اليوم التالي لنشر التقرير، أن المفاوضين توصّلوا إلى وثيقة في صيف 2006 “تضمّنت أفكاراً خلّاقة” تراعي المطلب السوري بانسحاب إسرائيل من هضبة الجولان إلى خطوط 5 يونيو1967، وتُقرّ بمطلب إسرائيل بإبقاء سيطرتها على طبريا وعلى مياه نهر الأردن الجبلية. وفي المنطقة الفاصلة على امتداد طبريا تُقام حديقة للاستخدام السوري ـ الإسرائيلي تمتدّ على جزء معقول من مرتفعات الجولان. كما اتفق المفاوضون غير الرسميين على نزع السلاح، وعلى أن تكون المساحة السورية المنزوعة السلاح أكبر بأربعة أضعاف من مساحتها في الجانب الآخر.

وفي 19 يناير/ كانون الثاني 2007 نشرت صحيفة الأخبار اللبنانية حواراً معرّباً أجراه إبراهيم سليمان مع صحيفة يديعوت أحرونوت، أكّد فيه ما أوردته “هآرتس”، وقال إن تلك المفاوضات جرت مع مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية ألون يائيل، فاجتمعا ثماني مرّات في عامَين. أما يائيل، فقد حاورته صحيفة الجريدة الكويتية (11/4/2008) فشرح التصوّرات التي توصّل إليها مع المفاوض السوري غير الرسمي إبراهيم سليمان، فقال: “تفاهمنا على إقامة حديقة سياحية وصناعية على ثلث من هضبة الجولان إلى الشرق من طبريا، يكون دخول السوريين والإسرائيليين إليها من دون الحاجة إلى تأشيرات، والسيادة والسلطة عليها لسورية، والمناطق الباقية التي ستخليها إسرائيل فتبقى خالية من السكّان وتقام فيها مرافق سياحية وترفيهية، وإسرائيل تتعهّد بعدم هدم القرى والمدن التي ستخليها لجعلها أرضية المتنزهات والفنادق، والثلث المتبقّي يبقى منزوع السلاح، والجولان يعود إلى السيادة السورية تدريجياً”. وأوضحت “الأخبار” البيروتية (8/3/2007) أن المفاوض السوري حدّد الانسحاب التدريجي من الجولان السوري المحتل بخمس سنوات، والمفاوض الإسرائيلي طالب بخمس عشرة سنة، وفقاً للمتداول في الإعلام العبري.

وعلى ما بدا لاحقاً، بقي رئيس الطاقم الإسرائيلي المفاوض، يائيل، مصرّاً على مواقفه المشيرة إلى إطلاع المستوى السياسي في تل أبيب على الجولات التفاوضية مع إبراهيم سليمان. ففي محاضرة ألقاها في واشنطن، بحسب صحيفة الرأي الكويتية (23/2/2008)، أكّد حصوله على موافقة وزارة الخارجية الإسرائيلية، وبيّن أن الاتفاق مع نظيره السوري انطوى على “إنشاء ما يسمّيها السوريون حديقة دولية تغطّي ثلث مساحة الجولان واستعادة سورية سيادتها عليه، وتحويل المنشآت السورية في الهضبة المحتلة إلى استثمارات أجنبية في سورية”. أما سليمان فقال لصحيفة الجمهورية اللبنانية (31/10/2012) إن “الاتفاق” الذي توصّل إليه مع ألون يائيل “موثّق ومكتوب ومزوّد بالخرائط عن نقاط الانسحاب والانتشار الجديد والعلاقة بين الجانبَين، وسيعمد إلى نشر كتابَين، أحدهما باللغة العربية والآخر بالإنكليزية، ويروي فيهما التفاصيل كلّها”.

بعد هذا العرض، لعل السؤال الذي يهيمن على النتيجة الخاوية لمفاوضات تلك المرحلة يبدأ وينتهي بالبحث عن أسباب فشلها. وتنطلق الإجابة عنه من إعادة استحضار الأزمات العميقة التي غطّت المنطقة آنذاك؛ فالعراق كانت أثقلته إحدى أخطر مراحله الدموية التي أعقبت إسقاط نظام صدّام حسين، وما تلاها من تشظّيات داخلية رهيبة أدخلته في مسار حالك سياسياً وأمنياً. وجاءت عملية اغتيال رفيق الحريري عام 2005 لتُدخل لبنان في متاهة شبيهة بالمتاهة العراقية، وازدادت الأمور سوءاً واضطراباً مع العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو/ تموز 2006. وإذا أضيفت إلى هذه المفاصل اتهامات واشنطن دمشق بتسهيل دخول أعوان التنظيمات الجهادية إلى العراق لمواجهة القوات الأميركية، تغدو قائمة الأسباب معروفة.

وعن ذلك، يقول ألون يائيل لـ”الجريدة” الكويتية إن الرئيس الأميركي جورج بوش (الابن) ونائبه ديك تشيني لم يكونا جاهزين للدفع نحو تسوية سورية ـ إسرائيلية. وفي محاضرته تلك، أفصح أن الرئيس بوش أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت أن “لتل أبيب الحرية في المفاوضات مع دمشق، ولكن الولايات المتحدة لن تشارك فيها”، فأقفل الباب على المفاوضات. لكن مشروع “الحديقة الدولية” بقي حاضراً في غرفة الأفكار وفي حجرة التصوّرات والمخططات. وعلى ما يظهر، حان الوقت لإخراجها بعد طول احتجازها، ولكن من دون أن يُعرف كم توسّعت مساحة الحديقة وإلى أين امتدّت وانبسطت… والله أعلم!

العربي الجديد

—————————–

كيف تحوّل دروز من السويداء إلى “أمانة” في سجن عدرا المركزي؟/ عمّار المأمون

10.01.2026

لم يعرف “المحتجزون” المبرّر القانوني لوجودهم في سجن عدرا، وحين السؤال عن وضعيتهم القانونية كان الجواب: “أنتم برسم الأمانة”!

وصل “مخطوفون” دروز من السويداء إلى قراهم بعد أشهر من “الاحتجاز” في سجن عدرا المركزي، دون أن يعلموا سبب “اختطافهم/ احتجازهم/ مصادرة حرّيتهم” من قِبل حكومة دمشق، إذ لم يحصلوا على ورقة “إخلاء سبيل”، ولم توجّه لهم تهم بصورة رسمية، كلّ ما حصلوا عليه هو مبلغ مليون ليرة سورية و هاتف نقّال جديد!

هؤلاء الذين ما زالوا عاجزين عن معرفة سبب “احتجازهم”، تنقّلوا بين عدد من المؤسّسات الرسمية الحكومية في درعا ودمشق، قبل أن يعودوا إلى منازلهم، هناك استقبلهم ذووهم وأهالي “المحتجزين” الموجودين إلى الآن في السجن، محاصرين إيّاهم بالسؤال الكافكاوي الذي سبق أن طرحه “المحتجزون” على الجهات الرسمية: “ما الجُرم الذي ارتكبناه كي نوضع في السجن، ثم يُطلق سراحنا دون دليل رسمي على احتجازنا؟”.

كيف بدأت أزمة “المخطوفين”؟

الحكاية الرسمية التي تبنّتها سلطات دمشق لتفسير مجازر السويداء في تمّوز/ يوليو 2025، جاءت على لسان وزارة الداخلية التي أعلنت أن “وحدات من قوّاتها بالتنسيق مع وزارة الدفاع، ستبدأ تدخّلاً مباشراً في المنطقة لفضّ النزاع، وإيقاف الاشتباكات، وفرض الأمن، وملاحقة المتسبّبين بالأحداث وتحويلهم إلى القضاء المختصّ”، وطرفا النزاع هذا: مسلّحون من عشائر البدو ومسلّحون من السويداء.

“تمّوز الدموي” الذي شهدته السويداء، نتج عنه قتل وتهجير وخطف متبادل، إذ يُتّهم مسلّحون من العشائر وعناصر تابعون لسلطات دمشق بـ”خطف” سوريين من السويداء، وتسليمهم للأمن العام الذي “أودعهم” في سجن عدرا المركزي، كذلك قام مسلّحون من السويداء بـ”خطف” سوريين من البدو.

فُتح لاحقاً باب “المفاوضات” من أجل تبادل “المخطوفين”، الكلمة التي يتمّ تفاديها حين تتبّع البيانات والأخبار الرسمية الصادرة من دمشق، وكالة الأنباء الرسمية “سانا”، تُطلق على الموجودين في سجن عدرا اسم “المحتجزين”، وفي زيارة لـسجن دمشق المركزي التقت اللجنة الوطنية الخاصّة بأحداث السويداء بـ”الموقوفين” بحسب الكلمة التي استخدمها وكالة “سانا”، وذلك لـ”الاطّلاع على أوضاعهم الصحّية والإنسانية، وتعكف حالياً على التنسيق مع الجهات المعنيّة لتسوية الأوضاع القانونية للمعتقلين”، نلاحظ في الخبر نفسه استخدم لفظ “المُعتقلين” أيضاً، علماً أن صلاحيات اللجنة هي “التحقيق في الاعتداءات والانتهاكات التي تعرّض لها المواطنون”، و”إحالة من يثبت مشاركته في الاعتداءات والانتهاكات إلى القضاء”.

“مخطوفون” و”معتقلون” و”محتجزون” و”موقوفون”، كلّ هذه التسميات تُستخدم لوصف مجموعة من المواطنين السوريين الدروز من السويداء، الذين “نقلتهم” سلطات دمشق من السويداء إلى سجن عدرا المركزي، ولا يوجد عدد رسمي لهم، خصوصاً أن سلطات دمشق “تفرج عنهم” تباعاً إثر المفاوضات مع مسلّحي السويداء، الذين “خطفوا” أيضاً سوريين آخرين، وإلى الآن تتناقل صفحات غير رسمية أخباراً مختلفة عن فشل “المفاوضات”.

كلّ واحدة من التسميات السابقة تحمل تبعات قانونية تلعب سلطات دمشق دوراً محورياً فيها، دور يُختصر بـ”الاحتجاز” و”التبادل”، إذ صرّح قائد الأمن الداخلي في محافظة السويداء حسام الطحان أن “الدولة السورية ماضية في استكمال عمليّة التبادل على نحوٍ كامل وعادل”.

تحوّل ملفّ “المخطوفين” إلى ورقة ضغط، كلّ فئة تحتجز سوريين لتبادلهم بسوريين آخرين، ونقصد “حكومة دمشق” و”مسلّحي العشائر” و”مسلّحي السويداء”، والجهة الرسمية المفترض التي تمتلك السيادة والقرار تتمثّل بسلطة دمشق، كونها “الحكومة”، وهنا نعود إلى السؤال، ما هو وصف المواطنين السوريين المحتجزين في سجن عدرا؟ هل هم “مخطوفون” كجزء من مفاوضات لتبادل الرهائن، أم “محتجزون”،أم “موقوفون” للتحقيق بشبهة ارتكابهم جرائم؟

هناك غموض في البنية القانونية التي تعتمد عليها سلطات دمشق في التعامل مع “المحتجزين/ المخطوفين”،  إلى جانب غموض التوصيفات القانونية ذات التبعات التي تمسّ هؤلاء السوريين، الذين وجدوا أنفسهم في السجن دون تهمة واضحة، ودون دليل قانوني على الإجراءات التي تتّبع بخصوصهم، لا سيّما أنه بعد جمع شهادات منهم قالوا إن سبب خطفهم هو أنهم دروز.

 هذه الصيغة الغامضة قانونياً لاحتجاز مواطنين دون توجيه تهمة واضحة لهم، أو إجراءات قانونية لحجز حرّيتهم، أشار إليها تحقيق نشرته وكالة “رويترز” مؤخّراً، الذي ردّت فيه وزارة الإعلام السورية على أسئلة الوكالة، قائلة: “إن عدد النزلاء في سجن دمشق المركزي 3599، بينهم 439 موقوفاً على خلفية جرائم متنوّعة لصالح القضاء المختصّ في قضايا الإرهاب، و3160 نزيلاً مدنياً بجرائم جنائية”، لا نعلم بدقّة ضمن أي فئة يقع “المخطوفون” من السويداء، أو ما إذا كانوا ضمن هذه الإحصائيّة.

نتتبّع هنا، بناء على تقاطع شهادات “محتجزين” تحدّثوا لـ”درج” عن “نقلهم” من السويداء إلى سجن عدرا المركزي، ثم تمّت “إعادتهم” إلى السويداء، والإجراءات القانونية والبيروقراطية والشُرطية التي اتّبعت منذ “احتجازهم” حتى “إطلاق سراحهم”، أي لن نقدّم شهادة ناجين أو ضحايا، بل نتتبّع البنية التحتية البشرية والقانونية التي تحرّك ضمنها “المخطوفون”، في محاولة لفهم الصيغة القانونية التي احتُجزوا عبرها، كما قمنا بإغفال بعض التفاصيل الخاصّة بمكان “الخطف” وتاريخه، لحماية من تحدّثوا معنا، من أيّ تهديد قد يمسّ من لم يزل في سجن عدرا.

“التوقيف” أثناء الاشتباك

أثناء الهجمات على محافظة السويداء، لجأ بعض سكّان المدينة إلى منازلهم أو منازل فارغة خوفاً من إطلاق النار، بعض هؤلاء تمّ “أخذهم” من هذه المنازل تحت تهديد السلاح. المسلّحون كانوا من العشائر ومن قوّات وزارة الدفاع السورية، وبعد احتجاز حرّيتهم تمّ تكديسهم في سيّارات بيك آب و”تطميش” أعينهم.

أثناء الرحلة في السيّارة، تعرّض “المخطوفون” للإهانات والسباب، وأثناء مرورهم على الحواجز تعرّضوا أيضاً لمزيد من الشتم والإهانات والضرب إلى جانب التهديدات بالتصفية، وأخيراً وصلوا إلى منزل في درعا.

بقي “المخطوفون” في منزل في درعا لنحو 24 ساعة، لا يعلمون من هي الجهة التي تحتجزهم، ثم وُضعوا  في سيّارة بيك آب “فوق بعضهم بعضاً”، نقلتهم بـ”سرعة جنونية”، لتسليمهم إلى الشرطة العسكرية في درعا.

قبل دخولهم البناء الخاصّ بالشرطة العسكرية، كان هناك نحو 30 عنصراً يمرّ “المحتجزون” بينهم، حيث شُتموا وضُربوا أثناء مرورهم، أو حسب أقوال “المحتجزين” الذين تحدّثنا معهم: “كان هذا تعذيباً”، في وصف للضرب والإهانات التي تعرّضوا لها أثناء الدخول، وما إن دخلوا المبنى، يمكن القول، إن “المحتجزين” أصبحوا بيد مؤسّسة رسمية تابعة لحكومة دمشق.

في مقرّ الشرطة العسكرية في درعا أقام “المحتجزون” مدّة تصل إلى 10 أيّام، لم يتمّ تقييدهم حين وصلوا، لكن تمّ تصويرهم عبر الموبايل صوراً ثابتة، وسُجلت معلوماتهم (الاسم الرباعي والمواليد)، وأُخذت أوراقهم الشخصية وممتلكاتهم  وُوضعت في الأمانات، خلال هذه المدّة كانوا ممنوعين من التواصل مع أيّ أحد في الخارج، ولا تعلم أسرهم ما هي مصائرهم.

خلال الاحتجاز في مقرّ الشرطة العسكرية، حصلوا على ثلاث وجبات طعام يومياً، وكان بإمكانهم استخدام الحمّام خارج المهجع، التهوية كانت سيّئة لعدم توفّر الكهرباء بشكل دائم، ولا يوجد نوافذ مفتوحة، ولكلّ شخص فراش وغطاء.

في “ضيافة” الأمن العامّ!

نُقل “المحتجزون” لاحقاً، دون “تطميش” أعينهم أو تقييد أيديهم من مقرّ الشرطة العسكرية إلى مقرّ الأمن العامّ في درعا بـسيّارة “فان”، وسُلّمت أماناتهم إلى الأمن العامّ، وهناك وُضعوا في مهجع صغير، عالي الرطوبة، كثير الحشرات، وخُصّص لكلّ واحد منهم فراش، أما الحمّام فداخل المهجع، كما حصل “المحتجزون” على 3 وجبات طعام يومياً.

 قضى “المحتجزون” لدى الأمن العامّ 14 يوماً تقريباً دون القدرة على التواصل مع الخارج، بعدها  أصبح بإمكانهم التواصل عبر موبايل مسؤول السجن مع أهلهم تقريباً كلّ 3 أو 5 أيّام، يؤكّد “المحتجزون” أن التواصل لم يكن  له وقت محدّد، أو ضمن جدول محدّد.

 درج

————————-

إسرائيل تتوجس اتفاقها مع سوريا الشرع: هل يجتمع حسن النية و”شيطان التفاصيل”.. وماذا عن “بند القنبلة”؟

في اللقاءات التي عقدت هذا الأسبوع في باريس بين سوريا وإسرائيل برعاية أمريكية، تم التوصل إلى تفاهمات، لكنها ما زالت بعيدة عن ضمان “الاستقرار” أو تطبيع العلاقات بين البلدين الجارين. وسيأتي اختبارها العملي قريباً، عندما يتبين أن إسرائيل ستوقف بالفعل نشاطاتها الجوية والبرية في سوريا، وتتم إقامة “غرفة عمليات” أو “آلية” مشتركة، ويتم نقل المعلومات الاستخبارية من إسرائيل إلى سوريا، وتوافق سوريا على العمل بناء عليها، وتظهر النتائج على أرض الواقع.

مصدر دبلوماسي غربي قال لصحيفة “هآرتس” هذا الأسبوع: “هناك حسن نية بين الطرفين، لكن المشكلات كالعادة تكمن في التفاصيل. من الذي سيحدد ماهية التهديد؟ من سيتصدى له وكيف؟ هل يجب على الولايات المتحدة الموافقة على أي إجراء؟ وماذا إذا لم يتحرك الجيش السوري بالسرعة والنطاق التي تطالب بها إسرائيل؟ في نهاية المطاف، لدينا تجربة سابقة مع اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان الذي لم يساعد من اليوم الأول”. وحسب الدبلوماسي نفسه الذي يمثل دولة مشاركة في المحادثات مع سوريا (لكنها ليست طرفاً فيه)، فإنه يجب أيضاً أخذ تدخل تركيا في سوريا في الحسبان. وأوضح بأن تركيا ليست شريكة مباشرة في المحادثات، لكنها كانت وستبقى تؤثر على قرارات الرئيس السوري أحمد الشرع.

حسب معرفتنا، ما زال الخلاف موجوداً حول الجوانب الأكثر تعقيداً. مثلاً، انسحاب إسرائيل إلى حدود اتفاق الفصل من العام 1974 كما تطلب سوريا، بل وحتى قبل ذلك، وانسحاب إسرائيل من المناطق التي سيطرت عليها في هضبة الجولان على الفور بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024. وما زال من السابق لأوانه التحدث عن القضايا المدنية الواردة في بيان وزارة الخارجية الأمريكية، مثل التعاون الاقتصادي وإقامة مناطق تجارية مشتركة، لأنها “مشوبة” بمخاوف إجراء تطبيع سياسي، الذي أبعد الشرع نفسه عنه حتى الآن.

على الرغم من البيان المشترك الذي نشر عند انتهاء المحادثات لم يتطرق إلى تفاصيل التفاهمات، فمن مهم الانتباه إلى جملته الافتتاحية: “المحادثات ركزت على احترام سيادة واستقرار سوريا وأمن إسرائيل وازدهار الدولتين”.

إن التركيز على “سيادة سوريا” ينطوي على قنبلة سياسية، لأنه وفقاً لشكوك ومخاوف دمشق وأنقرة، وكما عبر عن ذلك المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك، فإن إسرائيل تسعى إلى تقسيم سوريا إلى مقاطعات لخلق كانتونات لتنتج لنفسها معاقل أمنية ومراكز نفوذ بين الأقلية الدرزية والأقلية الكردية. وبالتالي، إحباط تطلع الشرع إلى إقامة دولة موحدة ذات سيادة تحتكر حيازة السلاح.

في جنوب سوريا، بالأساس في محافظة السويداء، ورغم اتفاقات وقف إطلاق النار التي تم التوصل إليها بين قيادة الدروز والنظام، ما زال الحل بعيداً. فقد أنشأ الزعيم الروحي للطائفة في السويداء، حكمت الهجري، قوة مسلحة كبيرة باسم “الحرس الوطني” ونجح في فرض موقفه على الزعيمين الروحيين الآخرين، يوسف جربوع وحمود الحناوي. مع ذلك، ما زال الهجري يرفض التعاون مع النظام، ويطالب بإقامة حكم ذاتي للدروز في السويداء، بل وحتى يطالب بدولة مستقلة للدروز. ويسعى الهجري، الذي تستفيد قواته -حسب مصادر درزية- من التعاون العسكري الإسرائيلي، إلى تنظيم “ممر مباشر للمساعدات الإنسانية” بين إسرائيل ومحافظته، ولكن النظام يعارض هذا الطلب بشدة ويعتبره تهديداً لسلامة الدولة، لأنه سيخلق منطقة عازلة جغرافية بين المحافظة والدولة، وسيؤسس بالفعل لاستقلالها.

لكن الطلبات الانفصالية للأقلية الدرزية ليست إلا أحد العوامل التي تعيق تنفيذ طموح الشرع، الذي تشاركه فيها تركيا والولايات المتحدة لتوسيع سوريا. الثلاثاء الماضي، اندلع اشتباك عنيف بين مليشيا “قوات سوريا الديمقراطية” الكردية وبين قوات النظام في حيين بمدينة حلب. وحسب رواية النظام، فقد هاجمت القوات الكردية مواقع للجيش السوري وقصفت أحياء تعيش فيها أغلبية كردية، وهي أحياء محاصرة منذ ستة أشهر تقريباً. في المقابل، يقول الأكراد إن جيش النظام – جيش مرتزقة حسب وسائل إعلام كردية – هو الذي أطلق النار واستهدف المدنيين. وقد أسفرت الاشتباكات حتى الآن عن قتل عشرة أشخاص على الأقل وإصابة العشرات ونزوح عشرات الآلاف من بيوتهم وهربهم من الأحياء التي أعلنها النظام منطقة عسكرية مغلقة.

“قضية الأكراد” التي تتورط فيها الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل، معقدة أكثر بكثير من قضية الدروز؛ فهي ليست مجرد نزاع محلي في مدينة حلب، بل صراع مستمر على السلطة والسيادة والاستقلال ضد الأكراد منذ تولي الشرع للحكم. يبلغ عدد الأكراد في سوريا 1.5 – 2.5 مليون نسمة، مقارنة مع أقل من مليون درزي. ويتركز معظمهم في عدد قليل من المناطق في شمال البلاد، حيث أسسوا لأنفسهم حكماً ذاتياً أثناء الحرب الأهلية، “إدارة ذاتية”، ويسيطرون على معظم آبار النفط في سوريا، وفي مناطقهم مخزن غذاء الدولة.

في آذار الماضي، في إطار جهود توحيد القوات المسلحة في سوريا تحت سيطرة النظام، تم التوقيع على اتفاق مبادئ بين زعيم القوات الكردية مظلوم عابدي والشرع، ينص على أنه حتى نهاية السنة كان يجب على القوات الكردية الانضمام والاندماج في الجيش، وسيضمن لهم الحقوق الثقافية، وحتى تم الحديث عن نوع من الإدارة المحلية.

لكن رغم جهود المضي بالاتفاق إلى مستوى التنفيذ، تعثرت المفاوضات. ويشترط الأكراد دمج قواتهم في الجيش بالحفاظ على إطار تنظيمي طائفي، أي تشكيل قوة كردية موحدة يكون نشاطها الرئيسي الدفاع عن المناطق الكردية في مواجهة خطر هجوم تركي.

الزاوية التركية

هنا تدخل تركيا إلى الصورة، التي تعتبر القوات الكردية “تنظيماً إرهابياً” ينتمي إلى التنظيم السري الكردي “بي.كا.كا” الذي تشن ضده حرباً دموية منذ الثمانينيات. إضافة إلى ذلك، منذ احتلت أجزاء في المحافظات الكردية في سوريا قبل عقد تقريباً، تطمح تركيا إلى إبعاد القوات الكردية عن حدودها إلى عمق يبلغ 20 كم. والسيطرة على كل “القطاع الأمني” الذي سيقام في شمال سوريا. ولكنها واجهت موقفاً أمريكياً متشدداً يستند إلى تعاون استمر سنوات كثيرة بين الولايات المتحدة والقوات الكردية، التي كانت رأس الحربة البرية في الحرب ضد “داعش” في سوريا. القوات الكردية تواصل الحصول على تمويل أمريكي ودعم السياسي، ولكن الإدارة الأمريكية في الوقت نفسه تستخدم عليها ضغطاً كبيراً للاندماج في الجيش السوري، لتمكين النظام من نشر قواته في محافظاتهم وإدارة النضال ضد “داعش” معاً. إذا ثبتت نجاعة هذه الخطوة، يمكن للولايات المتحدة سحب ما بقي من قواتها من سوريا، والتي عددها ألف جندي.

الضغط الأمريكي على الأكراد ازداد في الفترة الأخيرة بعد أن انضمت سوريا في تشرين الثاني عقب اللقاء بين الشرع وترامب، إلى تحالف الدول التي تعمل على استئصال “داعش”، وحتى إنها أظهرت قدرة عسكرية معينة لإدارة معارك محلية ضد هذا التنظيم. تركيا، التي بدأت قبل أشهر في تدريب وتسليح الجيش السوري، اعتبرت انضمامها إلى التحالف منح شرعية أمريكية لمواصلة تدخلها في بناء قوة سوريا التي تشارك فيها قطر والسعودية مالياً على الأقل.

ولكن من ناحية الأكراد، هذا التحالف الجديد يعتبر تهديداً لتطلعاتهم بالحكم الذاتي، بل وبقائهم العسكري وقدرتهم على الدفاع عن أنفسهم ضد ما يصفونه بحرب الإبادة التي تشنها تركيا ضدهم.

في بيان لوزارة الدفاع التركية، جاء أن “أمن سوريا هو أمن تركيا… بلادنا تدعم نضال سوريا ضد مجموعات الإرهاب حسب مبدأ “دولة واحدة، جيش واحد” من أجل وحدة سوريا الجغرافية”. صيغة البيان توسع جوهر العلاقات بين الدولتين، الذي بحسبه لا يدور الحديث فقط عن الرعاية والمساعدة الاقتصادية والعسكرية من قبل تركيا، بل عن حلف يستند إلى رؤية أمنية استراتيجية.

تسفي برئيل

هآرتس 9/1/2026

القدس العربي

——————————

مسؤول إسرائيلي: الآلية المشتركة مع سوريا تحمل إمكانات لتوسيع اتفاقيات “أبراهام

دمشق: إسرائيل قد تسعى إلى استثمار حالة التوتر القائمة في سوريا

2026-01-10

أكد السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر، اليوم السبت، أن الآلية المشتركة بين إسرائيل وسوريا والولايات المتحدة تحمل “إمكانات كبيرة” لتوسيع اتفاقيات “أبراهام” مستقبلاً.

وقال لايتر في تصريح لصحيفة “جيروزاليم بوست”، إن “الإمكانات كبيرة، ونحن نأمل بذلك بالتأكيد. لا يوجد سبب يمنع حدوث ذلك، إلا إذا تبين أن عناصر جهادية داخل الجيش السوري الجديد باتت تمتلك نفوذاً وتأثيراً”.

وأضاف أن “مسيرة جرت مؤخراً في دمشق ظهر خلالها أحد الجنود وهو يرتدي شعار تنظيم داعش على بزته العسكرية التابعة للجيش السوري. إذا كان هذا الأمر مجرد حالة استثنائية وعابرة وغير معبّرة، فسيختفي. أما إذا كان مؤشراً على أمر أعمق، فذلك مقلق جداً”، مشيراً إلى أن إسرائيل تمنح الآلية الجديدة الوقت الكافي للتطور.

وتابع: “نريد أن نرى هذا المسار يتطور إلى شيء يمكننا الوثوق به. إذا انسحبنا من جنوب سوريا، يجب ألا تتدفق قوات جهادية لتهديد اليهود وتهديد حدودنا، وهذا هو مصدر قلقنا الأساسي”.

وأشار لايتر إلى أن الآلية المشتركة الموقعة ستسمح بتوسيع قنوات الحوار وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين إسرائيل وسوريا، موضحاً أن “هذه الآلية تعني التواصل المستمر بدلاً من عقد اجتماعات كل ثلاثة أو أربعة أسابيع. وهي ستعالج مسائل منع الاحتكاك”.

وأردف، أنه “إذا طرأ أي تحرك ميداني، أو تحركت قوات باتجاه معين، أو رُصد نشاط إرهابي، أو توترات بين الأقليات، يمكننا تفادي التصعيد، وفي الوقت نفسه مناقشة آليات تعميق التعاون، سواء في المجال الاقتصادي أو الصحي. أي مجال يمكن استكشافه لدعم التنمية الاقتصادية سيساعد السوريين على التقدم”.

واعتبر لايتر أن “الدول الموقعة على اتفاقيات أبراهام تمثل التيار الإصلاحي داخل الإسلام”، مشيراً إلى أن “الإمارات والبحرين والمغرب والسودان أقاموا علاقات سلام مع إسرائيل دون شروط مسبقة”.

وحول أي اتفاق أمني مستقبلي محتمل بين إسرائيل وسوريا، قال لايتر إن الأمر سيتضمن بالدرجة الأولى ترسيم حدود واضحة تحظى بالاحترام المتبادل، مشدداً على “ضمان حماية صارمة لأبناء الطائفة الدرزية في محافظة السويداء، البالغ عددهم نحو نصف مليون نسمة”.

وأضاف السفير الإسرائيلي في واشنطن، أن “أي اتفاق يجب أن يمنع تحرك القوات التركية أو الروسية أو الجماعات الجهادية باتجاه الجنوب السوري، بما يهدد الاستقرار”.

ويوم الثلاثاء الماضي، أصدرت حكومات الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وسوريا، بياناً ثلاثياً مشتركاً، أعلنت فيه نتائج اجتماع رفيع المستوى عُقد في العاصمة الفرنسية باريس برعاية واشنطن.

وذكر البيان الذي نشر على موقع وزارة الخارجية الأميركية الرسمي، أن مسؤولين إسرائيليين وسوريين رفيعي المستوى اجتمعوا برعاية من واشنطن، في إطار جهود تقودها الولايات المتحدة لتعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط.

وأشار إلى أن “سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المنطقة أتاحت إجراء مناقشات مثمرة، تمحورت حول احترام سيادة سوريا واستقرارها، وأمن إسرائيل، وازدهار البلدين”.

وأوضح البيان أن إسرائيل وسوريا وصلتا، خلال هذا الاجتماع، إلى عدد من التفاهمات المشتركة، أكّد فيها الجانبان مجدداً “التزامهما بالسعي نحو تحقيق ترتيبات أمنية تحفظ الاستقرار لكلا البلدين”.

وبحسب البيان الثلاثي، قرر الطرفان إنشاء آلية تنسيق مشتركة، تتمثل في خلية اتصالات مخصصة، بهدف تسهيل التنسيق الفوري والمستمر في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والمشاركة الديبلوماسية، إضافة إلى بحث الفرص التجارية، وذلك تحت إشراف الولايات المتحدة الأميركية.

وأشار البيان إلى أن هذه الآلية ستعمل كمنصة لمعالجة أي نزاعات بشكل فوري، وللعمل على منع سوء الفهم بين الجانبين، بما يسهم في تعزيز الاستقرار وتخفيف حدة التوتر.

وفي السياق ذاته، أشادت الولايات المتحدة بهذه الخطوات التي وصفتها بالإيجابية، مؤكدة التزامها بدعم تنفيذ هذه التفاهمات، باعتبارها جزءاً من جهود أوسع تهدف إلى تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط.

واختتم البيان الثلاثي بالتأكيد على أن هذا الإعلان المشترك يعكس روح الاجتماع الذي عُقد في باريس، ويجسد عزم الجانبين الإسرائيلي والسوري على فتح صفحة جديدة في علاقاتهما، بما يخدم مصالح الأجيال القادمة.

—————————

السويداء: خارطة طريق دولية تبحث عن حلول وسط مناوشات مستمرة

10 يناير 2026

تشهد محافظة السويداء في جنوب سوريا أزمة مستمرة منذ أحداث تموز/يوليو 2025 الدامية، التي شهدت اشتباكات مسلحة بين عشائر بدوية وأبناء الطائفة الدرزية، أسفرت عن مئات القتلى والجرحى.

وعلى الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار، استمرت الانتهاكات، مما دفع إلى جهود دبلوماسية دولية لإيجاد حل دائم، كان أهمها إطلاق خارطة طريق شاملة لحل الأزمة في المحافظة.

الموقف الدبلوماسي

بعد غياب لفترة، وفي لقاء جمع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي بالمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك في عمّان، أكد الطرفان التزامهما بدعم جهود الحكومة السورية لضمان أمن سوريا وسيادتها.

وركز اللقاء على ضرورة التنفيذ الفوري للاتفاقات القائمة والتأكيد على العمل المشترك لتطبيق خارطة الطريق لإنهاء الأزمة في السويداء، والتي أُقِرّت في أيلول/سبتمبر 2025.

محتوى الخارطة المقترحة

تتضمن خارطة الطريق الشاملة، التي تم إطلاقها بمشاركة سورية وأردنية وأميركية، حزمة من الإجراءات تتراوح بين الإنسانية والأمنية والمصالحة الوطنية.

ومن أبرز بنودها دعوة لجنة تحقيق دولية، وتأمين وصول المساعدات، وسحب المقاتلين، والإسراع في إطلاق سراح المحتجزين. كما تنص على قيادة جهود من أجل اعتماد سردية وطنية تدعم الوحدة والتعددية وتجريم خطاب الكراهية.

وضمن الإطار الأمني الأوسع، تهدف الخارطة إلى العمل على التوصل لتفاهمات أمنية مع إسرائيل حول جنوب سوريا، بقيادة الولايات المتحدة وبالتشاور مع الحكومة السورية، لمعالجة الشواغل الأمنية مع التأكيد على سيادة سوريا.

التحديات وعقبات التنفيذ

تواجه الخارطة تحديات جسيمة على الأرض. ففي يوم أمس الجمعة، قُتل عنصر من قوات “الحرس الوطني” في السويداء، إثر تجدد الاشتباكات بين “الحرس الوطني” وقوات الأمن الداخلي، ومنذ عدة أيام، اندلعت اشتباكات عنيفة في ريف السويداء الغربي بين “الحرس الوطني” وقوى الأمن الداخلي، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من الجانبين، في انتهاك واضح لوقف إطلاق النار.

كما أن المسار التفاوضي الموازي بين سوريا وإسرائيل، الذي تعتبره الخارطة جزءًا مهمًا لاستقرار الجنوب، يعاني من جمود. ويبدو أن إسرائيل، وفقًا لتحليلات خبراء، لا تريد منح الحكومة السورية السيطرة الكاملة على المحافظة، مما يتناقض مع هدف عودة الدور المركزي للدولة السورية التي ترمي إليها الخارطة.

الترا سوريا

—————————–

=====================

تحديث 09 كانون الثاني 2025

————————-

أهمية اللحظة الألمانية – اليابانية للحالة السورية الراهنة/ ماجد كيالي

الاعتراف الواضح بأن الهزيمة اسمها هزيمة

09 يناير 2026

أتى البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، بخصوص نتائج المفاوضات السورية-الإسرائيلية، التي جرت مؤخرا في باريس برعاية أميركية، مفاجئا وملتبسا ومثيرا لتساؤلات عديدة، وبخاصة مع غياب موقف سوري رسمي يبيّن أو يوضّح ما حصل.

قبل ذلك كان من المفهوم أن المفاوضات ستتركز على الجانب الأمني، لوقف اعتداءات إسرائيل، والتزامها باتفاق وقف إطلاق النار (1974)، وانسحابها من الأراضي التي دخلتها بعد سقوط نظام الأسد، ووقف تدخّلاتها في الشأن السوري.

بيد أن ذلك البيان أتى بحمولات أخرى أثقل وأعمق، بتضمنه تفاهمات بشأن “إنشاء آلية تنسيق مشتركة”، لا تقتصر على المشكلات الأمنية فقط، إذ تشمل أيضا “الانخراط الدبلوماسي والتجاري”، مع حديث عن إنشاء منطقة اقتصادية، تمتد على طول الشريط المنزوع السلاح الحالي، ومشاريع طاقة رياح، وخط أنابيب نفط، ومصانع أدوية، ومنطقة سياحية، علما بأن ذلك يشبه المشاريع التي تسعى إدارة ترمب لإقامتها جنوبي لبنان، وفي قطاع غزة، بجهود وسطاء أميركيين عقاريين مثل ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، وتوم باراك.

وبغض النظر عن صحة تلك التفاهمات من عدمها، فإن أية مفاوضات في هذا الظرف، ستكون متأثّرة بموازين القوى المختلة لصالح إسرائيل، سيما في ظل حكومة متطرفة، تؤكد أنها ستفرض السلام بالقوة، وتعتبر نفسها في أوج قوتها، بعد تقويضها أطراف محور “المقاومة والممانعة”، بدعم من الإدارة الأميركية التي تبدو الأكثر تماهيا مع حكومة نتنياهو.

في المقابل، تعاني القيادة الجديدة في سوريا من شروط ومحددات المرحلة الانتقالية، بما في ذلك إعادة الثقة للسوريين كشعب، وبناء مؤسسات الدولة، واستنهاض الوضع الاقتصادي، وتأهيل البنى التحتية، وفرض السيادة على الجغرافيا السورية، والتخلص من آثار العقوبات المفروضة على سوريا، بعد رفعها.

على ذلك، يفترض ملاحظة أن سوريا اليوم، لا تملك خيارا عسكريا ضد إسرائيل، ليس فقط لأن إسرائيل دمرت كل البنى التحتية، والقدرات العسكرية للجيش السوري، في الأيام القليلة التي تلت انهيار نظام الأسد، وإنما لأن هذا الخيار في ظل التغول الإسرائيلي، المدعوم أميركياً تم تجريبه، ولم يؤد إلا إلى كوارث ونكبات. أيضا، لأن زمن الحديث عن انتصارات لم يعد مقبولا، وبات يدل على انفصام عن الواقع، واستخفاف بالكوارث التي حلت بالفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والعراقيين واليمنيين، وحتى بالإيرانيين.

أيضا، يفترض إدراك أن الظروف والمعطيات الراهنة لا تنتج مفاوضات متكافئة ولو بالشكل النسبي، وربما الأجدى في هذه الحال التركيز على تقليل المخاطر في البعد الأمني، وترك القضايا الاستراتيجية لفرص أو ظروف أخرى أكثر مواءمة، أو إحالة ذلك إلى توافقات عربية، ما يشكل للحقوق السورية نوعا من تغطية عربية ودولية.

الواقع أن مشكلة سوريا اليوم، بغض النظر عما تريده أو تعتقده قيادتها، عدم امتلاكها وسائل القوة التي تمكنها من التملص من ضغوطات إسرائيل والولايات المتحدة، التي باتت بمثابة عوامل داخلية بتأثيرها على الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني.

المشكلة الأخرى، التي تضغط على الوضع السوري في هذا المجال، تنبع من غياب السياسة، وافتقاد الشعب السوري لكيانات سياسية، والتعود على تحويل السياسة إلى لعبة شعارات، طوال ستة عقود من الزمن، وضمن ذلك يأتي حصر الصراع مع إسرائيل في الميدان العسكري، وفي ميدان الصراع على الأرض، بغض النظر عن الإمكانيات، وعن حالة الاجتماع والاقتصاد.

لنلاحظ مثلا أنه ورغم أن الصراع العربي-الإسرائيلي انتهى عمليا منذ حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، التي اعتبرت آخر الحروب العربية-الإسرائيلية، وتاليا الانتقال من الصراع ضد وجود إسرائيل إلى الاعتراف بها، وأن كل الدول العربية وافقت في مؤتمر قمة بيروت (2002) على مبادرة السلام العربية، إلا أن نظام الأسد (الأب والابن) ظل يتلاعب بالقضية الفلسطينية، وقضية الصراع ضد إسرائيل، ويستخدمها في تغطية سياساته الاستبدادية ضد شعبه، وفي ابتزاز الأنظمة العربية، علما أنه فعل كل شيء لإضعاف شعبه وإفقاره.

الآن، في مثل هذه الظروف، وبعد كل تلك التجارب الكارثية، وبناء على دروسها المكلفة، ربما آن الأوان لإضفاء نوع من العقلانية والواقعية على السياسة العربية، بعيدا عن الروح العاطفية والاستهلاكية والشعبوية.

ولعل ذلك يتطلب أولا، الاعتراف الواضح بأن الهزيمة اسمها هزيمة، وليس لها اسم آخر. ثانيا، أن إسرائيل استطاعت تحقيق الغلبة على الأطراف التي واجهتها طوال ثمانية عقود تقريبا، بواسطة الميدان العسكري الذي تتفوق فيه، بدعم من الولايات المتحدة الأميركية. ثالثا، أن الأطراف التي ادعت مواجهة إسرائيل عسكريا افتقرت لكل مقومات القوة المجتمعية والاقتصادية والتكنولوجية، التي أكدت فيها إسرائيل أيضا تفوقها.

بيد أن ما يجب إدراكه هنا أن الاعتراف بواقع الهزيمة، ليس دعوة لـ”وهن عزيمة الأمة”، بقدر ما هو تحريض على عودة الوعي للواقع وللإمكانيات ولشروط السياسة، إلى درجة أن المفكر السياسي السوري ياسين الحافظ اعتبر نفسه أمام كشف كبير بإدراكه أن ثمة شيئا اسمه “موازين القوى” في كتابه “اللاعقلانية في السياسة العربية”.

في التجربة التاريخية العالمية، اعترفت دولتان كبيرتان وقويتان، هما ألمانيا واليابان بالهزيمة في الحرب العالمية الثانية (1945)، لكن هذا الاعتراف الذي أتى مصحوبا بمشاعر الانكسار والألم، منحا الفرصة لهاتين الدولتين لإعادة بناء ذاتهما، بحيث أصبحتا بعد (10-15) عاما، بمرتبة الدول الخمس الأولى الأقوى في العالم، من كل النواحي.

وربما أن العالم العربي كله وليس سوريا فقط، بحاجة لمقاربة تلك اللحظة الألمانية-اليابانية، لكن ذلك لا يعني الاستسلام، وإنما الانطلاق للنهوض بالاستفادة من التجربة، التي دفع ثمنها باهظا، ولعل أولى الأولويات في ذلك النهوض هو أن يتأسس على إعادة بناء الدولة كدولة مؤسسات وقانون، وعلى قيام المواطن في دولة مواطنين أحرار ومتساوين، فهذان هما أكثر ما يحتاجه الشعب السوري، بوجود التحدي الإسرائيلي أو بعدم وجوده.

وفيما يخص إسرائيل فهي ستبقى ظاهرة مصطنعة، بحكم تاريخها وطبيعتها، كدولة استعمارية وعنصرية وعدوانية في المنطقة، بانتظار تغير المعطيات الدولية والإقليمية والعربية التي أسهمت في إقامتها، ومكنتها من عوامل الاستقرار والقوة والغلبة.

المجلة

—————————-

 مفاوضات سوريا و”إسرائيل”.. هل تقود الوساطة الأميركية إلى ضمانات أمنية؟/ فاضل خانجي

2026.01.08

اختتمت سوريا وإسرائيل جولة جديدة (الخامسة) من المفاوضات في باريس برعاية أميركية مباشرة، وذلك في السادس من كانون الثاني الحالي. عقب المحادثات، أعلن بيان أميركي-إسرائيلي-سوري صادر عن وزارة الخارجية الأميركية على أنَّ المحادثات تمحورت “حول احترام سيادة سوريا واستقرارها وأمن إسرائيل وازدهار البلدين”، وأفضت إلى إنشاء آلية تنسيق مشتركة “لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر في ما يتعلق بتبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية، وذلك تحت إشراف الولايات المتحدة”.

تعد هذه الخطوة الأولى من نوعها في مسار المفاوضات، في وقت ما تزال فيه إسرائيل تفرض وقائع غير مقبولة سوريَّاً، بدءاً من سيطرتها على قمة جبل الشيخ، مروراً بتوغلاتها واختراقاتها المتكررة في جنوب سورية ولا سيما في القنيطرة، وصولاً إلى دعمها للمجموعات الانفصالية في السويداء، وأثر ذلك المباشر على ملف اندماج قسد الذي كان من المفترض أن يكون قد تم بحسب اتفاقية آذار من العام الفائت. يناقش هذا المقال مسار التفاوض بين سوريا وإسرائيل من ناحية دلالات توقيت الجولة الأخيرة، الدور الأميركي في المسار، والخيارات السورية.

دلالات التوقيت سوريَّاً وإسرائيليَّاً وأميركيَّاً

يكتسب توقيت هذه الجولة دلالات إضافية إذا ما قُرأت في سياق توقيتها السياسي. فقد دخلت تل أبيب هذه الجولة بعد إعلانها الاعتراف بأرض الصومال، في خطوة جديدة لاستعراض القوة إقليميَّاً، تراها غالبية الدول الإقليمية، بما فيها سورية، جزءاً من سياسة إسرائيلية تهدف إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي وفتح بؤر توتر جديدة. في المقابل، دخلت دمشق المفاوضات بعد انقضاء المدة الزمنية المخصصة لمسار دمج “قوات سورية الديمقراطية” في مؤسسات الدولة، من دون تحقيق أي تقدم ملموس.

ضمن هذا الإطار، من المرجح أن تكون إسرائيل قد أرادت الدخول في المفاوضات وهي تعتقد أنها تمتلك اليد العليا، بناء على عاملين متوازيين: ضغطاً جيوسياسياً مرتبطاً بالاعتراف بأرض الصومال، وضغطاً داخلياً سورياً ناتجاً عن استمرار الجمود في مسار دمج قسد. حيث لا يمكن في هذا السياق فصل ملف اندماج قسد عن ملف التفاوض الأمني مع إسرائيل، باعتبار أن مساعي قسد لكسب الوقت مرتبطة بشكل جوهري بثقتها بالقدرة على الحفاظ على الوضع الراهن في ظل المعادل الراهنة، سيما بعد أزمة السويداء والتدخل الإسرائيلي آنذاك.

من زاوية أخرى، فإنَّ عقد الجلسة الأخيرة للمفاوضات تأتي بعد ما يقارب الأسبوع من اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وعقدهما لمؤتمر صحافي أكَّد فيه ترامب على أهمية إيجاد تفاهم – لم يحدد صيغته – بين سوريا وإسرائيل. إذ يعتبر الدور الأميركي حيويَّاً وحاسماً في دفع إسرائيل للانخراط في مسار المفاوضات، وهو ما كان من تجلياته مشاركة مستشاري ترامب جارد كوشنر وستيف ويتكوف إلى جانب المبعوث الأميركي لسوريا توماس براك كوسطاء في المحادثات.

إسرائيل وأميركا، اختلاف التصورات الاستراتيجية

ليس سرَّاً أن المخيال الإسرائيلي تجاه سورية كان، وما يزال، مخيالاً عدوانياً بحتاً يرتبط بسوريا الجغرافيا والتاريخ من جهة، وبهيئة تحرير الشام (سابقاً) وحلفائها من جهة أخرى. فمنذ سقوط نظام الأسد، شنَّت إسرائيل عدداً واسعاً من الضربات الجوية استهدفت الترسانة التسليحية السورية القديمة، ونفَّذت هجمات في مناطق متعددة من الجغرافيا السورية، وتدخلت بشكل مباشر في السويداء ضد الجيش السوري، وصولاً إلى استهداف مواقع سيادية كمبنى الأركان في دمشق. وإلى جانب ذلك، استمرت في تنفيذ الاقتحامات والتوغلات في جنوب سورية، فضلاً عن احتلالها قمة جبل الشيخ ذات الأهمية الاستراتيجية. لقد سعت إسرائيل عملياً إلى تجاوز اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974، وإلى ترسيخ واقع تكون فيه الأجواء السورية مستباحة بشكل دائم، معتمدةً على التفوق العسكري-التكنلوجي.

غير أن هذا التصور الإسرائيلي اصطدم تدريجيَّاً بتغيرات جيوسياسية مهمة، تمثلت في الانفتاح السوري الإقليمي والدولي، وعودة دمشق إلى الفضاءين الإقليمي والدولي، وفتح صفحة جديدة في السياسية الخارجية السورية مع الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. هذا المسار أسهم في رفع كلفة استمرار إسرائيل في سياساتها العدوانية بذات الصيغة السابقة، ولا سيما ما يتعلق بالاستباحة المستمرة للمجال الجوي السوري. إذ باتت السياسة الإسرائيلية تلك تصطدم ليس فقط بمصالح الدول الإقليمية الداعمة لاستقرار سورية، بل أيضاً بمصالح واشنطن نفسها، في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات السورية-الأميركية تقدمُّاً تدريجيَّاً، حيث تلعب واشنطن دوراً محورياً في عدة ملفات متشابكة: ملف دمج قسد، ومكافحة تنظيم داعش، وخريطة الطريق الخاصة بالسويداء (وإن كانت مجمدة)، وملف الاتفاق الأمني مع إسرائيل.

يرتبط هذا بعجز إسرائيل عموماً، في مخلتف الساحات، عن إنضاج تصور تجاه “يوم تالي” ووضع قائم جديد قابل للاستمرار، وتعويلها على القوة فقط والاستمرار بتحقيق مكاسب ميدانية تكتيكية من دون أفق سياسي-استراتيجي، في الوقت الذي تميل فيه واشنطن لإعادة إنتاج وضع قائم جديد، وهو ما يعني نوع ما من توازن قوى معين، مفيد لها استراتيجيَّاً.

ترابط الملفات والخيارات السورية

على الرغم من أنَّ قدرة إسرائيل على “فعل ما تشاء في الوقت الذي تشاء” أصبحت مقيدة نسبيَّاً بفعل الاندماج التدريجي لسوريا الجديدة بالمجتمع الدولي، إلَّا أنَّها ما زالت تحتفظ على قدرتها بالتأثير المباشر على الوضع الأمني في الجنوب السوري عموماً، والسويداء خصوصاً، وهو ما ينعكس بشكل غير مباشر على شمال شرقي سوريا والجمود الفعلي لمسار دمج قسد وفق اتفاقية آذار العام الفائت. لهذا، فالنظر للاتفاق الأمني مع إسرائيل من وجهة نظر سورية لا يرتبط فقط بالتهديد الخارجي فحسب، بل بإحراز تقدُّم في مسائل داخلية ستنعكس على وحدة البلاد وإعادة إعمارها. فالتقدُّم الإيجابي في أحد الملفات المذكورة سينعكس تدريجيَّاً بشكل إيجابي على الملفات الأخرى، والتدهور في إحداها – كما حصل في أزمة السويداء في منتصف العام السابق – سينعكس سلباً على نظيراتها.

إنَّ إحراز تقدُّم في مسار المفاوضات مع إسرائيل، وقبول الأخيرة بذلك نابع عن الضغط والانخراط لواشنطن ورغبتها الحالية في ترسيخ وضع قائم جديد، وليس عن تغيير في المخيال الإسرائيلي تجاه سوريا، ناهيك عن أنَّ شكل وسرعة التقدُّم في هذا المسار، بناءً على مخرجات جولة المفاوضات الأخيرة، ما زال غامضاً حتى اللحظة الحالية. وبالأخذ بعين الاعتبار سجل إسرائيل الطويل في إطالة عمر المفاوضات وتفريغها من مضمونها مع الزمن، يبقى الانخراط الحذر والمدروس الخيار الوحيد لدمشق. باختصار، يمثِّل التقدُّم الأخير في المفاوضات اختراقاً قد يتحول مع الزمن إلى ضمانات أمنية ضرورية لإرساء الاستقرار وإعادة الإعمار، إلا أنَّ المخاطر المحيطة به ما زالت حاضرة أيضاً.

تلفزيون سوريا

—————————

 سوريا الجديدة بين فرض الأمر الواقع الإسرائيلي ومسار التفاوض/ عبد المجيد عرفة

2026.01.09

نتحدث عن سوريا منذ حكم حافظ الأسد المطلق لها عام 1970م، الذي كان وزير الدفاع إبان هزيمة حزيران عام 1967م، حيث خسرت سوريا الجولان ومدينة القنيطرة، التي تم إعلان سقوطها قبل وصول القوات الإسرائيلية إليها؟!

بقي احتلال الجولان عقدة لدى حافظ الأسد، وحتى يردّ اعتباره اتفق مع الرئيس المصري أنور السادات على خوض معركة جديدة ضد إسرائيل لتحرير ما خُسر في سيناء والجولان. وحصلت المعركة عام 1973م، وكانت نتيجتها كارثية.

فقد تم احتلال أراضٍ جديدة، ووصل الجيش الإسرائيلي إلى سعسع السورية على بعد 40 كم من دمشق. وتم إيقاف الحرب بقرار أممي رقم 338، ودخلت سوريا في مفاوضات مع إسرائيل، وتم التوصل إلى اتفاق فضّ اشتباك تعود بموجبه إسرائيل عن الأراضي التي احتلتها مجددًا إلى حدود الجولان المحتل أصلًا منذ عام 1967م، وتعطي منه شريطًا ضيقًا مع مدينة القنيطرة إلى حكومة حافظ الأسد عام 1974م. ويرفع حافظ الأسد العلم السوري في القنيطرة، في رسالة رمزية مفادها أنه أعاد ما خسره في حزيران عام 1967م.

استمر نظام حافظ الأسد ملتزمًا بعدم الاعتداء على طول خط فضّ الاشتباك المتفق عليه عام 1974م طوال عقود.

ترك حافظ الأسد موضوع الجولان المحتل واستعادته، إن كان فعلًا يرى ضرورة تحريره، إلى متغيرات دولية. وحصلت هذه المتغيرات عندما شاركت قوات سورية مع قوات التحالف الدولي لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام 1991م. وكان من نتائج ذلك عقد مؤتمر السلام في مدريد في العام نفسه، وحصلت خلاله جولات مفاوضات مباشرة بين السوريين والإسرائيليين، وأصبحوا قريبين من اتفاق، لكن تعنّت الإسرائيليين والسوريين عند بعض النقاط الجزئية، حول الحدود السابقة للدولة السورية بجوار فلسطين وبحيرة طبريا وتفاصيل أخرى، فشّل المفاوضات، وانتهت من دون نتيجة.

هناك رأي يرى أن نظام حافظ الأسد وابنه بشار من بعده، الذي خاض أيضًا في بداية حكمه مفاوضات على فترات مع إسرائيل، كانت تفشل بسبب تعنّت الطرفين، لأن نظام الأسدين كان يعتاش على كونه يحارب إسرائيل ويقود مقاومة إقليمية ضدها، وهو بذلك يحاول خلق شرعية ومكاسب إقليمية من وراء ذلك.

وهكذا استمر واقع الحال بين سوريا وإسرائيل، حيث لم يصطدم نظام الأسدين مع إسرائيل بشكل مباشر، لا في الجولان ولا في لبنان، وبقي يحارب إسرائيل لفظيًا، وعبر شركائه، خاصة حزب الله.

واستمر الحال على هذا النحو في مرحلة الثورة السورية منذ عام 2011م، حيث صدر تصريح رامي مخلوف الذي ربط بين وجود نظام الأسد الابن وإسرائيل. وانشغل النظام بمحاربة الشعب السوري حتى سقوطه نهاية عام 2024م.

الانتهاكات الإسرائيلية

زادت إسرائيل من عملياتها العسكرية ضد حزب الله اللبناني وإيران والحوثيين بعد عملية طوفان الأقصى، التي قامت بها المقاومة الإسلامية في غزة عام 2023م. ووصل نشاطها إلى ما يتعلق بإيران وحزب الله في سوريا. وبقي النظام السوري ورموزه وجيشه خارج خريطة أهداف إسرائيل، رغم قيامها بقتل حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، وقيادات من حماس العسكرية والسياسية، ومهاجمة العمق الإيراني. وذلك مؤشر على احتمال وجود علاقة ما في العمق بين نظام بشار الأسد وإسرائيل؟

وعندما سقط النظام السوري في كانون الأول عام 2024م، بدأت إسرائيل بعمليات عسكرية جوية وبكل الأسلحة، وصلت الهجمات إلى المئات، وطالت معظم، إن لم نقل كل، البنية العسكرية السورية. وباشرت بالتقدم العسكري داخل الأراضي السورية الجنوبية في درعا والسويداء والقنيطرة. وقامت بعمليات حفر خنادق على طول الحدود مع الجولان المحتل، بعمق كيلومترات عدة داخل الأراضي السورية، وتم تجريف أراضٍ وبناء دُشم واستحكامات عسكرية على معظم التلال، وتجريف الأحراش، وتوغلت يوميًا في البلدات المجاورة للحدود، واعتقلت البعض وقتلت البعض الآخر. وكانت حجتها أنها تطارد خلايا نائمة لحزب الله، لكن واقع الحال أنها تؤسس لخلق أمر واقع لاحتلال جديد.

من جهة الحكومة الجديدة، بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، فقد أعلنت منذ انتصار الثورة أنها ستكون على علاقة حسن جوار مع الدول المجاورة. وكانت هذه رسالة ضمنية لإسرائيل بأن الحكومة الجديدة ليست معنية بالصراع مع إسرائيل من أجل حقوق الدولة السورية في الجولان، وأن مطلب الحكومة الجديدة هو عودة الأوضاع على حدود الجولان إلى اتفاق فك الاشتباك لعام 1974م بين سوريا وإسرائيل، وأن مستقبل الجولان مرهون بمسار تفاوضي سيأتي وقته.

لم ترد الحكومة السورية على التعديات والتوغلات والتوسع الإسرائيلي في الأراضي السورية إلا بالرفض الإعلامي، والمطالبة بالعودة إلى القانون الدولي الذي يثبت حق سوريا بالسيادة على كامل ترابها، بما فيه الجولان المحتل. وكان مبرر الحكومة الجديدة هو عدم إعطاء إسرائيل ذريعة لأعمال عدوانية أكثر، وعدم وجود إمكانية موضوعية لدى الحكومة الجديدة لخوض حرب غير متكافئة مع إسرائيل.

وزاد الدور الإسرائيلي التخريبي في سوريا عندما قامت بدعم الحراك الانفصالي للشيخ الدرزي حكمت الهجري، الذي هاجم الحكومة الجديدة. وقدمت له إسرائيل المال والعتاد العسكري، وجنّد ميليشيا طائفية درزية، وأعلن شبه دولة درزية في جبل العرب، وسمّاها الباشان. وقام بحملات اعتقال وقتل واضطهاد لكل من اختلف معه. وحصلت نزاعات بين داعميه من جهة، وبين العشائر العربية والجيش السوري من جهة أخرى، ووقعت صراعات راح ضحيتها العديد من جميع الأطراف. ودخلت السويداء في اللعبة الإسرائيلية بعد أن هيمن عليها الشيخ الهجري وقواته العسكرية، وأصبح حل ملف السويداء مرهونًا بحل إقليمي يشمل سوريا وإسرائيل والأردن ولبنان أيضًا.

أميركا ترمب والعصا السحرية في سوريا

اعتمد الرئيس الأميركي ترمب سياسة قائمة على الاستثمار في رعاية التنمية بدلًا من استثمار الصراعات.

وتبيّن أن الحكومة السورية الجديدة هي حليف تركيا والسعودية وقطر، وأصبحت بذلك تحت رعاية أميركا ترمب، الذي رعى إلغاء قانون قيصر ودعم سوريا، وعمل على كبح جماح بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، ورعى مفاوضات بين سوريا وإسرائيل. حيث بقيت سوريا تصرّ على العودة إلى اتفاق فك الارتباط لعام 1974م، وأن مستقبل الجولان والسلام مع إسرائيل مرهون بمفاوضات مستقبلية. أما إسرائيل، فهي تعتمد أسلوب فرض أمر واقع احتلالي جديد وإلزام الحكومة الجديدة به، وهو ما ترفضه الأخيرة، ولذلك توقفت المفاوضات بين الطرفين منذ أشهر من دون أي تقدم يُذكر.

أما الجديد الذي غيّر المعادلات كلها، فهو حصول مفاوضات سورية–إسرائيلية بأعلى المستويات، برعاية أميركية، في فرنسا بتاريخ 5 و6 كانون الثاني 2026م. وصدر عنها بيان مشترك سوري–إسرائيلي–أميركي، يتحدث عن علاقات واعدة بين هذه الدول الثلاث، تتابع شؤونها لجنة مشتركة تجتمع في عمّان. كما يتحدث البيان عن الحفاظ على أمن إسرائيل، ورعاية المصالح السورية، وبناء منطقة صناعية زراعية سياحية إقليمية في الجولان والحدود المشتركة، إضافة إلى مراكز تزلج وسياحة في جبل الشيخ، وغيرها.

وهكذا أعاد هذا البيان العلاقة السورية–الإسرائيلية إلى نقطة الصفر، حاملًا وعودًا بمتغيرات كثيرة وكبيرة قد تكون لمصلحة الدولة والشعب السوري والمنطقة كلها. ننتظر حتى تتضح هذه الاتفاقيات وما هي أجندتها؟

تلفزيون سوريا

————————————-

تقرير: مفاوضات باريس.. أمن إسرائيل أولًا والسيادة السورية لاحقًا

8 يناير 2026

استعرض الصحفي الإسرائيلي، رون بن يشاي، في تقرير نشر في صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، خلفيات وتفاصيل المفاوضات التي تُجرى بين إسرائيل والحكومة السورية برعاية أميركية، مركّزًا على واقع الانتشار العسكري في المنطقة العازلة، والمطالب الأمنية الإسرائيلية، والمصالح المتشابكة لإدارة ترامب.

يدعي بن يشاي أن لدى حكومة الاحتلال، في ظل الوضع الراهن، مصلحة واضحة في الإبقاء على انتشار جيش الاحتلال في المنطقة العازلة، والذي يتمثل في تسعة مواقع عسكرية متقدمة داخل سوريا. إلى جانب إنشاء منظومة أُخرى من المواقع داخل الأراضي المحتلة، بحيث يمنح الانتشار الحالي لجيش الاحتلال قدرة مثالية على السيطرة بالنظر والنار، والمتابعة الاستخباراتية والتكنولوجية، ليس فقط لِما يجري في منطقة دمشق وشمالها، بل أيضًا للزاوية الشمالية الشرقية من لبنان، حيث ينشط “حزب الله” وتنظيمات فلسطينية.

وبحسبه، يقوم جيش الاحتلال حاليًا بإنشاء حواجز ضد المركبات، وضد تسلّل الأفراد، يمكنه إعاقة هجوم مباغت من الجولان بشكل كبير، على غرار الهجوم الذي تعرضت له مستوطنات غلاف غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر. وزعم أن هذه الإجراءات كلها عامل ردع، وتوفّر قدرًا من الحماية لمستوطنات الجولان، وما لا يقلّ أهمية عن ذلك، أنها تشكل ورقة تفاوُض في أي مفاوضات مستقبلية مع الحكومة السورية، الذي يرغب بشدة في إزالة هذه المواقع من أراضيه ذات السيادة.

وبحسب تحليل بن شاي، فإن ترامب معنيّ بالدفع نحو مفاوضات وتسوية دائمة بين إسرائيل والحكومة السورية، أو على الأقل تسوية أمنية، كون ذلك يخدم خطته للتطبيع، وهو ملف مهم جدًا بالنسبة إليه، وبسبب رغبته في نيل اعتراف دولي، وربما جائزة نوبل للسلام.

وأضاف أنه بعد لقاء نتنياهو وترامب، وبعد العدوان على فنزويلا، لا توجد مصلحة لإسرائيل في الدخول في مواجهة مع ترامب، بل في مجاراته، على الرغم من عدم وجود مصلحة فورية وملّحة لها، في التوصل إلى تسوية مع الحكومة السورية، وبصورة خاصة في ظل المطالب السورية التي تسعى لتقييد حرية جيش الاحتلال في الجولان. ولهذا السبب، أرسل نتنياهو للمفاوضات في باريس ممثلين إسرائيليين من مستوى منخفض نسبيًا، مقارنةً بالممثلين الذين أرسلهم كل من سوريا والولايات المتحدة.

لفهم ما يجري فعليًا في هذه المفاوضات، وما المتوقع حدوثه، يجب النظر إلى خريطة المصالح؛ فالمصلحة الإسرائيلية الحيوية يمكن تلخيصها في جملة واحدة: إسرائيل تريد الحفاظ على إنجازاتها في حرب “السيوف الحديدية” على الساحة السورية، وتحسين وضع أمنها القومي، مقارنةً بما كان عليه قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، بحسب التقرير ذاته.

وتابع بن يشاي أن مصلحة حكومة الاحتلال الأولى والرئيسية هي منع إمكان شن هجوم مباغت من الأراضي السورية في الجولان؛ ففي سوريا تنشط جهات جهادية قريبة من “داعش”، وجِهات قريبة من إيران، تمتلك مركبات ويمكنها، بدعم من الميليشيات العراقية والحوثيين، تنفيذ هجوم مباغت خلال ساعات.

المطلب الثاني هو منع تمركُز جهات معادية مسلحة ضمن مدى نيران مباشرة، مدافع هاون، وصواريخ مضادة للدروع، وصواريخ قصيرة المدى، وطائرات مسيّرة، وإبعادها عن بلدات الجولان ومحاور الحركة.

المصلحة الثالثة هي منع نقل السلاح والذخائر والمواد الخام ووسائل تصنيع السلاح إلى “حزب الله” في لبنان. وعلى الرغم من جهود الحكومة السورية ونشاط الجيش اللبناني، فإن عمليات التهريب من إيران لا تزال جارية هناك، عبر العراق، إلى البادية السورية، ومنها إلى “حزب الله”، ولو بحجم أقلّ. إن تعاظُم قوة “حزب الله” يشكل تهديدًا استراتيجيًا حقيقيًا.

وهناك مصلحة استراتيجية إضافية هي منع الوجود العسكري التركي في جنوب سوريا، والذي يمكن أن يقيّد حرية عمل جيش الاحتلال في سوريا والأردن وما وراءهما، مذكّرًا بإحباط جيش الاحتلال محاولة تركية لنشر وسائل كشف وبطاريات دفاع جوي في قاعدة T4 السورية، بعد أن رسمت حكومة الاحتلال خطًا أحمر واضحًا.

تنبثق من هذه المصالح المطالب الإسرائيلية التالية: نزع السلاح من جنوب سوريا، المنطقة الواقعة بين دمشق والحدود الأردنية، أي منع دخول مجموعات مسلحة وأسلحة ثقيلة ومركبات إلى المنطقة القريبة من حدود الأراضي المحتلة، حتى مسافة عشرات الكيلومترات، شرقي الخط البنفسجي في الجولان؛ وتقييد قوات الأمن السورية بالسلاح الخفيف فقط؛ وضمان حق جيش الاحتلال في العمل داخل الأراضي السورية لإحباط التهديدات.

أمّا بخصوص المواقع العسكرية المتقدمة داخل سوريا، فهناك اثنان منها في جبل الشيخ، وواحد على الأقل في منطقة مثلث الحدود في جنوب الجولان، وهي حيوية للسيطرة الاستخباراتية والإنذار المبكر، وللرد السريع في مواجهة “حزب الله” والتنظيمات الفلسطينية في لبنان وسوريا و”داعش”.

في المقابل، يطالب الرئيس أحمد الشرع بانسحاب جيش الاحتلال من المنطقة العازلة والعودة إلى اتفاق عام 1974، كي يتمكن من الادّعاء أنه ليس متعاونًا مع الاحتلال الإسرائيلي، كما رأى التقرير، وأنه أعاد أراض سورية كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي. لكن إسرائيل ترفض العودة إلى خطوط فصل القوات القديمة، بحجة أنها لا توفّر ردًا كافيًا على تهديدات الهجمات المباغتة التي ظهرت على الساحة.

وبحسب التقرير، يدرك الشرع أيضًا أن دول الخليج لن تستثمر دولارًا واحدًا في إعادة إعمار سوريا، ما لم يفرض سيطرته على كامل أراضيها، وما لم يتحقق استقرار حكومي حقيقي. أما المصلحة الأميركية، فيمكن تلخيصها بجملة واحدة: ترامب يريد إرضاء السعودية وقطر وتركيا، ولا يهمه كثيرًا أن يكون ذلك على حساب الهوامش الأمنية الواسعة التي تطالب بها إسرائيل في الجولان.

في باريس، اقترح الأميركيون، عبر سفيرهم في تركيا توماس باراك، تشكيل لجنة تنسيق لمنع الاحتكاك، على غرار الآلية التي عملت سابقًا مع روسيا، على أن يكون مقرّها في الأردن، وتضم ممثلين لإسرائيل والحكومة السورية والولايات المتحدة، ومن خلال هذه اللجنة، يمكن لإسرائيل مثلًا نقل إنذار استخباراتي، وتقوم الحكومة السورية بإحباط التهديد.

علاوةً على ذلك، من المفترض أن تتيح اللجنة إجراء حوار مدني بشأن قضايا إعادة الإعمار والبنى التحتية والتجارة، على أن يتوسع هذا الحوار لاحقًا ليشمل قضايا سياسية وغيرها عندما تحين ساعة الحديث عن السلام، وفي هذه المرحلة، توافق الدولتان فقط على البحث في اتفاق أمني، بحسب بن يشاي.

لكن من وجهة نظر حكومة الاحتلال، لا يمكن الحديث حتى عن تفاصيل تطبيق الاتفاق الأمني، ما لم تُلبّ المطالب الجوهرية لإسرائيل: نزع السلاح من جنوب سوريا، وضمان حق العمل الإسرائيلي داخل سوريا لإحباط التهديدات، ومنع أي وجود تركي يقيّد حرية العمل الجوي ويشكل تهديدًا للجولان الإسرائيلي.

وختم بن يشاي تحليله مشيرًا إلى أنه ما دام لم يتم الاتفاق على هذه المبادئ فلن تسفر المحادثات عن نتيجة حقيقية، وإذا تم الاتفاق عليها، يمكن تنفيذ الاتفاق بسرعة، عندها تتمكن إسرائيل من الانسحاب من جزءٍ من المواقع المتقدمة في وسط الجولان.

الترا سوريا،

————————–

البيان الثلاثي: لُغة تُنكر الاحتلال وتساوي الضحية بالمعتدي/ مصطفى ديب

7 يناير 2026

يُقرأ البيان الثلاثي الصادر بعد اجتماع باريس كأنه إعلان صادر عن علاقات طبيعية بين دول متجاورة، تتبادل الآراء بشكل عادي، وتدير خلافاتها من خلال تنسيق فني هنا، أو لجنة اتصال هناك، كما لو أن الأرض ليست محتلة منذ أكثر من نصف قرن، ولا حتى كأنّ الواقع الحالي يشهد أريحية في التعامل والتعاون، وليس فيه فرض لمنطقة عازلة على جزء هائل من سوريا، ولا وجود لتوغلات إسرائيلية متواصلة يتخللها قتل أو اعتقال لسوريين!

لا يعترف البيان بأن إسرائيل قوة احتلال ترابط على الأرض السورية منذ عقود، ولا يسجل أي اعتراض على توسّعها بالقوة على حساب السيادة السورية.

يتعامل البيان مع واقع غير موجود، فالاحتلال ليس نظامًا سياسيًا وعسكريًا، بل هو مجرد “خلل” يمكن احتواؤه عبر تنسيق استخباراتي ولجنة اتصال، عبر اللغة الدبلوماسية الملساء.

ولعل الأمر الأكثر فجاجة هو الجمع بين “احترام سيادة سوريا” وبين “أمن إسرائيل” في سطر واحد، من دون أي إشارة صريحة إلى إنهاء الاحتلال أو احترام القانون الدولي، أو إلى التزامات واضحة بإعادة الأراضي المحتلة إلى أصحابها.

أما الرعاية الأميركية فهي العنصر الثابت الذي لا يحتاج إلى تفسير إضافي. تلك الرعاية التي نعرفها جيدًا، خصوصًا من خلال التجربة الفلسطينية في التفاوض، والتي تمتد على أكثر من ثلاثين عامًا لم تكن فيها وسيطًا محايدًا، بل طرفًا منحازًا وضاغطًا لصالح المحتل الإسرائيلي، يعمل على تحويل حقوق الشعوب إلى “ملفات تفاوض تقنية”، وعلى تعليق العدالة إلى أجلٍ غير مسمى.

وهذه الرحلة الطويلة من اتفاق أوسلو، مرورًا بكل المشاريع والخطط حتى يومنا هذا، لم تكن الرعاية الأميركية فيها إلا اسمًا آخر لشرعنة الوقائع التي فرضتها القوة الاستعمارية الإسرائيلية.

ومن هنا يمكن النظر إلى البيان بوصفه يقوم على لغة تُجمّل الاحتلال وتُضعف مطالب السيادة، ويُمهِّد لدمج سوريا في نظام أمن إقليمي تُدار فيه ملفاتها من غرفة استخباراتية تحت إشراف واشنطن، لا من ساحات تفاوض تعيد الحقوق إلى أصحابها.

ولعل أخطر ما في هذا التحوّل الذي تمر به السياسة السورية تجاه إسرائيل هو أن الخطاب نفسه يُقدّم الاحتلال كجار “مزعج” ليس أكثر، وكل المطلوب منه أن يتعاون مؤقتًا، بينما يبقى مشروعه الاستعماري نشطًا ومُفعَّلًا، بلا مساءلة حقيقية ولا جدول زمني للانسحاب، ولا اعتراف صريح بحق سوريا في استعادة أرضها.

ليست المشكلة في بند أو صيغة في هذا البيان، بل في المنطق الذي يقدمه ككل، لأنه بُني على إنكار وجود الاحتلال، وساوى بين المعتدي والمعتدى عليه لغويًا، وتحدث عن تعاون في ملفات اقتصادية وطبية قبل الوصول إلى شكل قانوني من الاتفاق، ولعل إنجازه الأوضح هو اقتراحه شكلًا من الإدارة الأمنية للصراع، تحت مظلة الرعاية الأميركية.

تكمن خطورة هذا البيان في كونه منعطفًا سياسيًا يمتحن قدرتنا على التمسك بالمبدأ حين يُعرض علينا “الازدهار” و”الاستقرار” بدلًا من السيادة والحرية. وهذه ليست مجرد مفردات قاموس الحياة العادي، بل هي أدوات لإعادة تحديد شكل الصراع.

إنها اللغة نفسها التي شكّلت جوهر الاتفاقات “التطبيعية” التي دفع بها دونالد ترامب منذ ولايته الأولى، حيث يُعاد إنتاج الاستعمار على أنه خطة سلام وتنمية، ويُطلب من الضحية أن ترى في هذه التسويات فرصًا سياسية كبرى للتقدم والنهوض.

الترا سوريا

————————

الاتجاه السوري المعاكس: أكثر من تطبيع/ وائل قنديل

09 يناير 2026

“اتفق الطرفان على إنشاء آلية تنسيق مشتركة – خلية اتصالات مُخصّصة – لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية، تحت إشراف الولايات المتحدة”.

هذه فقرة من البيان الثلاثي المُشترك بين سورية أحمد الشرع والكيان الصهيوني والإدارة الأميركية، تتويجاً لمفاوضات مُعمّقة في العاصمة الفرنسية، وكما تُنبئ الصياغة فإنّنا بصدد زلزال سياسي يتجاوز فكرة التطبيع منعًا للصدام، إلى تعاون، وربّما تحالف، يشمل السياسة والاقتصاد والتنسيق الأمني، بين احتلال وعدو تاريخي من جانب وبين سلطة بلد واقع تحت هذا الاحتلال منذ أكثر من نصف قرن.

من المفترض أنّ السلطة السورية الراهنة ترى نفسها تعبيراً عن ثورة على نظام ترك الجولان السوري مُحتلًا من دون مشروع للتحرير وإنهاء الاحتلال، لكن المفارقة أنّ السلطة الجديدة التي وصلت إلى الحكم عبر ما اشتُهرت باسم “عملية ردع العدوان”، وأسقطت النظام على نحو أسهل وأسرع من إسقاط ثمرة فاكهة من شجرة منخفضة العلو، سكتت عن توّغل العدو في الأراضي السورية وضمّه مساحات جديدة في محيط العاصمة لرقعة احتلاله، في خضم الاحتفالات بسقوط نظام الأسد، بل وأسرعت تطلب التطبيع حثيثاً ردًاً على انفراد الكيان الصهيوني بمناطق الدروز وإعلان الوصاية عليها حماية لسكانها السوريين من حكومتهم.

في الليلة التي شهدت صدور البيان الثلاثي عن التنسيق والتعاون السوري الإسرائيلي برعاية أميركية، كانت قناة الجزيرة تستضيف وزيراً صهيونيّاً سابقاً في برنامج “الاتجاه المعاكس” ليُجيب عن سؤال الحلقة: هل تسعى إسرائيل إلى إحياء وثيقة “كيفونيم” وتفتيت الدول العربية؟ ويقدّم فاصلاً دعائيّاً عن “إسرائيل الطيّبة” التي لا توجد لديها نيّة لتقسيم الدول، بل تبحث عن الاستقرار والأمن، وأنّها لم تتحرّك في العمق السوري إلا بعد أن وجدت مكوّنات، بينها الدروز، في مواجهة تهديدٍ وجودي، مُعتبراً أنّ غياب الإدانة العربية لما جرى في السويداء دفع هذه المجموعات إلى البحث عن حماية بديلة، كما أنّ وجودها في مناطق مثل القرن الأفريقي مرتبط بمحاربة ما وصفه بالإرهاب وحماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

تقدّم القناة الكيان الصهيوني هنا بوصفه وجهة نظر مقابلة لوجهة نظر عربية مثّلها الدكتور أحمد الهواش، وهذا اندفاع غير مسبوق في مضمار التطبيع، إذ كانت مثل هذه القضايا تُناقش في السابق بين طرفين عربيين، أحدهما ضدّ التطبيع والآخر من باعة التطبيع الجائلين على الفضائيات، لتحضر إسرائيل بشحمها ولحمها طرفًا في نقاش قضايانا العربية.

عقب إعلان التفاهم السوري الإسرائيلي مباشرة، غطّت أدخنة القصف الصاروخي المُتبادل بين قوات الشرع وقوات “قسد” سماء حلب، واشتدّ دوي المدافع والانفجارات وانفتح الفضاء التلفزيوني ليمنح الاشتباكات نحو 95% من وقت النشرات والفترات الإخبارية، غير أنّ كلّ ذلك لن يكون كافيًا لتمرير اتفاق التعاون والتنسيق الأمني المُزلزل بين سلطة الأمر الواقع السورية، كما يسميها شركاؤها السابقون خصومها الحاليون، وبين الكيان الصهيوني، كما سيكون شكلًا من أشكال الفكاهة السياسية عندما تصبح قوات سوريا الديمقراطية (قسد) متهمة بالتعاون مع إسرائيل، على نحو ما ذهب إليه وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، بتصريحاته عن التصعيد في حلب من أنّ “قوات قسد تتعاون مع إسرائيل واختارت أن تلعب لصالح سياسة فرق تسد”. فالحاصل أنّه يمكن الزعم أنّ الطرفين المتقاتلين بالأسلحة الثقيلة، واللذين يَنسب كلاهما لنفسه الدور الأكبر في إطاحة نظام بشار الأسد، سواء في مسألة التعاون مع إسرائيل، التي باتت في لحظة عبثية ملتقى رغبات كلّ خصوم النظام السابق، من السويداء حيث الدروز، إلى دمشق حيث النظام، إلى مناطق وجود قوات سوريا الديمقراطية.

مرّة أخرى هذا الذي يدور بين سورية الجديدة والكيان الصهيوني تحت المظلّة الأميركية أشدّ خطرًا على القضية الأولى والمركزية للشعب العربي “فلسطين” وعلى الأمن القومي العربي كلّه، من تمدّد إسرائيل سياسيًا وأمنيًا في أرض الصومال، ذلك أنّه بدخول سورية ولبنان إلى غرف السلام الصهيوني المُظلمة، تكون كلّ ما عُرفت بدول الطوق العربية التي تُحاصر العدو، قد تحوّلت إلى “أسوارة” فاخرة في معصم الكيان الصهيوني، أو مجموعة من الخواتم في أصابعه، الأمر الذي يجعل أيّة محاولة لتسويغه أو تبريره نوعًا من أنواع الإهانة لوعي الشعوب، لا يمكن تسميته إلا بمفردة تنتمي إلى عالم السمسرة على الشرف.

العربي الجديد

——————————-

===================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى