استهداف المزة المتكرر.. رسائل إحراج في قلب دمشق/ ركان الخضر

من المسؤول وما إمكانيات الضبط
شهدت منطقة المزة في مدينة دمشق خلال الأشهر الأخيرة عدة أحداث أمنية، أحدثها سقوط ثلاث قذائف صاروخية، في 3 من كانون الثاني الحالي، لم تسفر عن إصابات أو ضحايا.
وقالت مديرية إعلام دمشق، إن إحدى القذائف أصابت قبة مسجد “المحمدي”، والثانية مبنى الاتصالات، فيما سقطت الثالثة في محيط مطار “المزة”.
وأشارت إلى أن مديرية الطوارئ في دمشق قامت بمعالجة الأضرار وتأمين المنطقة، كما قامت قوات الأمن باستطلاع المكان وتقدير الموقف، ومتابعة منطقة إطلاق المقذوفات، ولم ترد أي معلومات حول الحادثة بعد ذلك.
وشهدت المنطقة ذاتها، في 9 من كانون الأول 2025، انفجارًا في محيط مطار “المزة” العسكري، بعد استهدافه بثلاث قذائف مجهولة المصدر، دون وقوع إصابات أو أضرار مادية.
مراسل عنب بلدي في دمشق، أفاد حينها أن الانفجار ناجم عن استهداف قذائف صاروخية مجهولة المصدر محيط مطار “المزة” العسكري، وأضاف أن دوي الانفجار سمع في أرجاء العاصمة دمشق، قبل أن تعلن “سانا” نقلًا عن مصدر أمني أن قوى الأمن الداخلي تمكنت من العثور على منصات إطلاق القذائف الصاروخية، دون إيراد أي تفاصيل أخرى.
كما أصيبت امرأة جراء انفجارات هزت العاصمة دمشق، في 14 من تشرين الثاني 2025، في وقت قالت وزارة الدفاع إن الحادث ناتج عن استهداف حي “المزة 86” بصواريخ من نوع “كاتيوشا”.
وقالت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع لوكالة “سانا” الرسمية، إن الانفجار أسفر عن إصابة عدد من المدنيين وإلحاق أضرار مادية بالمكان.
وأعلنت وزارة الدفاع في وقت لاحق تحديد موقع إطلاق الصواريخ، وأظهر تسجيل مصور نشرته قناة “الإخبارية” الرسمية دارات كهربائية، قال المصور إنها استخدمت لإطلاق الصواريخ، إضافة إلى غطاء إغلاق صمام الصاروخ.
ووفق الخريطة التي أدرجتها “الإخبارية” في التسجيل، يقع مكان إطلاق الصواريخ في منطقة اللوان ضمن كفر سوسة على أطراف مدينة دمشق.
ويعد حي “المزة 86” من الأحياء المكتظة سكانيًا، وتنتشر فيه المساكن العشوائية بكثرة، ولا يبعد كثيرًا عن حي المزة فيلات الذي يضم مقار أمنية ودبلوماسية.
كما شهدت المنطقة، في 21 من الشهر ذاته، انفجار سيارة بالقرب من فندق “جولدن مزة”، وانفجرت عبوة ناسفة في حي “المزة 86″، في 3 من أيلول 2025، دون وقوع خسائر بشرية.
ورغم الإعلانات الرسمية من قبل الحكومة حول التحقيق بهوية المنفذين، لم تعلن عن التوصل إلى أي نتائج حتى لحظة تحرير التقرير، كما لم تتبنَ أي جهة مسؤوليتها عن هذه العمليات.
أطراف متعددة لها مصلحة
الأطراف التي لديها مصلحة بقصف دمشق متعددة، وفق الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، وتشمل بعض الفصائل المندمجة في الحكومة، لكنها غير راضية عن بعض توجهاتها سواء من ناحية الانفتاح على كافة مكونات الشعب السوري، أو من ناحية الانفتاح والمرونة التي تبديها دمشق في مسألة المفاوضات مع إسرائيل.
وقال جلو، في حديث إلى عنب بلدي، إن هناك أطرافًا أخرى من خارج الحكومة، مثل فصائل السويداء أو “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وبعض خلايا تنظيم “الدولة الإسلامية”، وفلول النظام السابق، ولديها مصلحة في إظهار الحكومة على أنها ضعيفة وغير قادرة على حفظ الأمن في مراكز حساسة ضمن العاصمة السورية.
من جهته، يرى الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” معتز السيد، أن المعطيات تشير إلى أن المستفيد الأبرز من هذه العمليات، هو جماعات مسلحة مرتبطة بفلول النظام السابق، تسعى لإحداث بلبلة أمنية داخل العاصمة، مشيرًا إلى أن هذا النمط من العمليات لا يعكس قدرة استراتيجية بقدر ما يعكس محاولة استعراضية لاستجرار دعم أو إعادة إحياء حضور متآكل، الأمر الذي يجعل العملية محدودة الأثر وضمن سقف إرباك مؤقت لا أكثر.
منطقة أمنية حساسة
يعتقد الباحث معتز السيد أن التركيز على المزة مرتبط بعوامل جغرافية وأمنية متداخلة، فالمنطقة تقع غرب دمشق وتتسم باتساعها وتداخلها بين العمران المدني والمواقع العسكرية، ما يجعل ضبطها الأمني أكثر تعقيدًا من مركز العاصمة.
وقال الباحث، إن هذا الاتساع يوفر هامش حركة ونقل وإخفاء لوسائط بدائية دون كشف سريع، مشيرًا إلى أن المزة ومطارها قريبان من عقدة وصل لمحاور تمتد غربًا وجنوبًا باتجاه مناطق مفتوحة وصولًا إلى مسارات تؤدي لاحقًا نحو الحدود اللبنانية، موضحًا وجود تجمعات مرتبطة بفلول سابقة في محيط هذه المحاور، الأمر الذي يخلق بيئة مساعدة للحركة والتخفي بعد التنفيذ، بحسب رأيه.
الباحث عمار جلو قال، إن التركيز على المنطقة يأتي من كونها منطقة حساسة تضم مقار أمنية وحكومية، وتتطلب استقرارًا سياسيًا وأمنيًا وإداريًا، وبالتالي فإن كانت الحكومة غير قادرة على فرض الأمن في منطقة كهذه، فإنها لن تكون قادرة على فرضه في مناطق أخرى، وهذا ما يريد إيصاله المنفذ، بحسب جلو.
زعزعة صورة السيطرة الأمنية
الرسائل من وراء العمليات السابقة تهدف إلى إظهار أن العاصمة ليست محصنة بالكامل، والأجهزة الأمنية تواجه ثغرات في مناطق حساسة، وفق الباحث معتز السيد.
وقال إن الرسالة تحمل شقين، الأول داخلي يعبر عن قدرة الجهة المنفذة على إحداث بلبلة مؤقتة وتقليل شعور الأمان، وشق خارجي يأتي كرسالة تحذيرية أو استعراضية، في محاولة لاستجرار دعم أو إظهار وجود سياسي أو إعلامي، دون أن تمتلك العملية قدرة استراتيجية حقيقية لتغيير التوازن العسكري في دمشق.
وأضاف السيد أن هذا النوع من العمليات يهدف إلى زعزعة صورة السيطرة الأمنية، وفرض ضغط سياسي أو إعلامي، ومحاولة لدفع الحكومة لإعادة توزيع مواردها الأمنية على حساب أولويات أخرى، في وقت تعاني فيه من أعباء اقتصادية واجتماعية متراكمة، سعيًا وراء تصوير العاصمة كبيئة مضطربة، وعرقلة جهود بناء الدولة وتقليل فرص الاستثمار فيها بعد سقوط نظام الأسد.
الباحث جلو يرى أن الرسائل تختلف بحسب الجهة المنفذة التي لا تزال مجهولة، مشيرًا إلى أن أغلب هذه العمليات تأتي بعد محاولات تفاوضية أو تقارب مع جهات خارجية أو أحداث داخلية في سوريا.
وأضاف أن الرسالة المطلوب إيصالها بغض النظر عن المنفذ، تهدف إلى إظهار الحكومة السورية على أنها هشة وضعيفة، وإعطاء صورة أن المنفذ قادر على زعزعة استقرار الحكومة في قلب العاصمة، وإرسال رسالة إلى الخارج أنه فاعل محلي يجب الأخذ بشروطه والنظر إليه على أنه قوة ذات إمكانية قادرة على زعزعة الاستقرار.
ما المطلوب حكوميًا؟
الخطوات الحكومية محصورة جدًا في حالة كهذه، أوضح الباحث عمار جلو، مبينًّا أن الحل أمامها هو الضرب “بيد من حديد” لأقرب الجماعات التي من الممكن أن تفكر بهذا الموضوع، وهذا مفترض في أي حكومة دائمًا لإظهار صورة الدولة القوية غير العاجزة عن ضرب أي طرف ولو كان يدور في فلك الحكومة أو من أجنحتها الأساسية.
وأضاف أن خيارات كهذه قد لا تكون صحيحة بالحالة المجتمعية، لكنها متبعة في الحالة السياسية، في ظل سعي أي حكومة في العالم نحو بقائها ومصالحها، الأمر الذي يُنظر إليه بمعنى إيجابي في إطار العلاقات الدولية، من مبدأ إظهار شجاعة الدولة وعدم عجزها أمام أي طرف يفكر أو يمارس عملية الاعتداء على الحكومة أو إظهارها بمظهر الضعيف.
جلو يعتقد أن التحديات أمام هذا الخيار كبيرة، لأن الحكومة السورية ناشئة عن ائتلاف متوافق في شيء معيّن، ومتباين في كثير من القضايا، بالإضافة إلى التحديات الأخرى من المجاميع التي نشأت من مكونات عرقية أو طائفية، والعدوان الخارجي، وبقايا الفلول، وتنظيم “الدولة”، الأمر الذي يدفع دمشق لانتهاج سياسة ضبط النفس، بصفتها الخيار الأفضل في الظروف الراهنة.
ونوه إلى أن الحكومة السورية تذهب باتجاه عدم فتح أي صراع سواء مع طرف موالٍ أو معارض لمسارها، مشيرًا إلى أن هذا الخيار ليس سليمًا دائمًا، لأنه يكرس نظرة ضعف الحكومة ويجعلها غير قادرة على الاستمرار.
الباحث معتز السيد يرى أن هناك خطوات كثيرة ينبغي للحكومة الإسراع فيها لمواجهة تهديدات كهذه، مثل تطوير أجهزة الاستخبارات والرصد وتفكيك الخلايا المرتبطة بنظام الأسد، وتجفيف مصادر تمويلها، بالإضافة إلى فرض سيطرة أكبر على المناطق الحدودية بالتزامن مع تطوير الخطاب الإعلامي لتقليل الأثر النفسي ومعالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في المناطق التي من الممكن أن تكون حاضنة لمثل هذه الجماعات.
عنب بلدي



