الأحداث التي جرت في الساحل السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعصفحات الحوار

عمار جلو، الباحث في مركز الحوار للأبحاث والدراسات: المشكلة في الساحل متعددة ومركّبة ومتشعّبة

عمار جلو: الساحل السوري بعد سقوط الأسد بين الأمن والسياسة والمجتمع

عمار زيدان

2026-01-13

يُشكّل الساحل السوري إحدى أكثر المناطق حساسية في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي وأهميته الاقتصادية والعسكرية، بل أيضاً نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية عميقة تشكّلت على مدى عقود من حكم النظام المخلوع.

وتبرز هذه المنطقة بوصفها مساحة تتقاطع فيها الهواجس الأمنية مع الأسئلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فمن جهة، تسود مخاوف حقيقية لدى قطاعات من السكان من منطق الانتقام أو الإقصاء الجماعي، في ظل إرث ثقيل من الربط القسري بين المجتمع المحلي والنظام المخلوع. ومن جهة أخرى، تواجه الحكومة الانتقالية تحدياً كبيراً يتمثل في بسط سيطرتها ومنع تحوّل الساحل إلى بؤرة توتر ومكان لإعادة إنتاج شبكات النفوذ القديمة.

ولا يمكن اختصار ملف الساحل في الوقت الحالي بمقاربة أمنية ضيّقة فقط، بل يستدعي قراءة شاملة تعترف بتنوّع المجتمع هناك وباختلاف ما حدث من أفراد ومجموعات خلال سنوات حكم نظام الأسد، بين من كانوا جزءاً من بنية السلطة ومن هم ليسوا كذلك. كما يتطلّب تسليط الضوء على مقاربة صريحة فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية بوصفها المدخل الأساسي لبناء الثقة، عبر التمييز الواضح بين المسؤولية الفردية عن الجرائم والحقوق الجماعية التي لا يمكن التعدّي عليها.

وفي حوار خاص لـ “963+” مع عمار جلو، الباحث في مركز الحوار للأبحاث والدراسات، أجاب فيه عن العديد من الأسئلة، أبرزها: هل المشكلة في الساحل أمنية أم اقتصادية أم سياسية؟ داخلية أم خارجية؟ وهل الحراك في الساحل ضد الحكومة “مشروع”، خاصة أن المنطقة المذكورة كانت تقف سابقاً، بمعظمها، في وجه أي حراك سلمي معارض؟

وفي ما يلي الحوار كاملاً:

هل الساحل السوري بيئة حاضنة لضباط وعناصر سابقين في النظام المخلوع، أم أن ما يتم تصويره مبالغ فيه؟

منطقة الساحل، في بيئتها الرئيسية، تتضمن عدداً كبيراً من الضباط أو ما يمكن تسميتهم بفلول النظام السابق، وذلك لعدة عوامل، منها الامتداد الديمغرافي، على اعتبار أن كبار القادة لدى نظام الأسد هم من الطائفة العلوية. والجانب الثاني يتمثل في أن لهؤلاء حاضنة شعبية في هذه المنطقة نظراً لعوامل القرابة، الأمر الذي يُعد مهماً للغاية فيما يتعلق بعمليات التخفي والتحرك بسهولة في تلك المنطقة التي تمتاز بطبيعتها الجغرافية، حيث تكثر فيها الجبال والأحراش والغابات، ما يُسهّل عمليات التمركز بالنسبة لهذه المجموعات، إضافة إلى قربها من الحدود مع لبنان، التي تُعد غير منضبطة إلى حد كبير، وتتم عبرها عمليات تهريب للأسلحة والعناصر من كلا الجانبين، وهو ما كشفت عنه صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية في وقت سابق.

وهناك مبالغة في تصوير حجم فلول النظام في الساحل، وأعتقد أن هذا الأمر مقصود وليس عبثياً من بعض الجهات أو الأطراف المحلية والخارجية، حيث إن كافة الشخصيات المتداولة لضباط سابقين في نظام الأسد على أنهم فاعلون ويديرون خلايا ومجموعات من الفلول في الساحل هو أمر مبالغ فيه إلى حد كبير، فهؤلاء الأشخاص سقطوا عسكرياً مع سقوط النظام.

بعد الاحتجاجات والتظاهرات، هل المشكلة في الساحل أمنية أم اقتصادية أم سياسية؟ داخلية أم خارجية؟

المشكلة في الساحل متعددة ومركّبة ومتشعّبة؛ أمنية، وسياسية، واقتصادية. وهناك أيضاً مشاكل أمنية ترافق ولادة الأنظمة، حيث تكون الأوضاع في حالة فوضى، وتأخذ الأمور أبعاداً سياسية وطائفية. وتُعد الأبعاد الاقتصادية الجزء الأساسي، فسكان الساحل في الوقت الحالي يهمهم بالدرجة الأولى الوضع الاقتصادي والمعيشي، الذي يُعتبر عاملاً مهماً للغاية، وكان أحد الأسباب التي أدت إلى خروج المظاهرات الأخيرة في الساحل.

ومن الضروري ألّا يكون العلويون في الساحل ضحية لإرث النظام السابق، الذي اتسم بإجرامه وتعدد أدواته القمعية من كل الطوائف، لكنه كان يُرمز إليه بالطائفة، على اعتبار أن هناك دائرة ضيقة لا يدخل فيها إلا أبناء الطائفة العلوية المقرّبون من سلطة عائلة الأسد.

المشكلة في الساحل داخلية بدرجة كبيرة، على الرغم من وجود أطراف خارجية كروسيا وإيران كانتا داعمتين للنظام، لكن من الخطأ القول إن العلويين يستندون إلى روسيا، وكذلك بالنسبة لإيران التي فشلت سابقاً في اختراق الطائفة العلوية من خلال نشر التشيّع، وهو ما يحدث حالياً أيضاً. فإيران ليست لها حاضنة شعبية في الساحل، وعند العلويين على وجه الخصوص. وأعتقد أن أحداث الساحل التي وقعت في مارس الماضي كانت رسالة من روسيا للحكومة الجديدة مفادها: “نحن موجودون ولدينا مصالح في الساحل نرغب في المحافظة عليها كما في السابق”.

كيف يمكن أن يكون الساحل السوري أداة لتوحيد البلاد أو العكس، انطلاقاً من الإيديولوجية والمذهبية المختلفة؟

من الممكن جداً أن يكون الساحل أداة لتوحيد البلاد نتيجة تنوّعه وتعدد مكوناته الدينية والقومية. ومن المهم أيضاً أن تعمل الحكومة على إعادة ترتيب الأولويات في الساحل من خلال رسم صورة جديدة مفادها أن العلويين في الساحل وسوريا عموماً لا يتحمّلون “وزر” ما فعله النظام السابق. فالفرد المجرم سيُقدَّم للعدالة، أما المواطن العلوي الذي لم يرتكب أي جرائم فيجب أن يمارس حياته بشكل طبيعي، وبمساواة مع بقية المواطنين السوريين من كافة المكونات.

ويجب على الطائفة العلوية أن تلعب دوراً هاماً عبر تقديم المتورطين من النظام المخلوع إلى العدالة والقضاء، وليس التستّر عليهم. كما أؤكد على المضي قدماً في العدالة الانتقالية والبدء بالمحاكمات بحق المتورطين، كما حدث منذ أسابيع في حلب عبر المحاكمات العلنية لضباط وعناصر من النظام المخلوع.

هل ترى أن الحراك في الساحل ضد الحكومة “مشروع”، خاصة أن المنطقة المذكورة كانت تقف سابقاً، بمعظمها، في وجه أي حراك سلمي معارض؟

الحراك السلمي، وفق كافة القوانين والدساتير، هو حراك شرعي. والمظاهرات السلمية الأخيرة في الساحل كانت عبارة عن مواجهة بين فئات المجتمع أنفسهم، وليس بين المحتجين والحكومة. فما يزال هناك نوع من الحساسية بين فئات المجتمع في الساحل نتيجة ممارسات النظام المخلوع من تخوين وغيره.

يجب على الحكومة أن تكون إيجابية في التعامل مع التظاهرات المناهضة لها، مع التأكيد على حماية المتظاهرين، وعدم تكرار ما حدث قبل أيام في اللاذقية من صدام عنيف بين متظاهرين مؤيدين وآخرين معارضين.

كيف يمكن إعادة تعريف الهوية الوطنية بعيداً عن ربط الساحل بالنظام المخلوع؟

هناك الكثير من دول المنطقة فشلت في تأسيس هوية وطنية جامعة، ومنها سوريا خلال العقود الماضية، وحتى قبل وصول نظام الأسد إلى السلطة، حيث كانت الأحزاب الحاكمة في سوريا عبارة عن “طبقات جهوية” تضع فوارق، على سبيل المثال، بين المدينة والريف.

في الوقت الراهن، نحن بحاجة إلى إعادة بناء هوية وطنية جامعة بين كافة السوريين على اختلاف مكوناتهم، وردم الهوة بين فئات المجتمع، والعمل على تعزيز القوانين القائمة على المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات. وكل ذلك سيتم تكريسه خلال فترة زمنية ليست قريبة، وربما تمتد لعشرات السنوات.

ما شكل العدالة الانتقالية المقبول في الساحل السوري؟

العدالة الانتقالية المقبولة هي بالتأكيد تلك القائمة على محاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات في عهد النظام السابق، إلى جانب الذين ارتكبوا انتهاكات من الفصائل أيضاً خلال الفترة الماضية. فالعدالة التامة دون استثناء هي المقبولة في الساحل وبقية المناطق السورية، وأي جهة أو طرف لا يقبل بالعدالة الانتقالية سيكون مرفوضاً من الجميع.

الحكومة الحالية عملت على تغيير جذري في هيكليتها السابقة، وكانت منفتحة بشكل كبير على الداخل والخارج، وهو ما لم يكن يتوقعه أشد المتفائلين. ويعود التخوّف في الساحل من الحكومة بشكل كبير إلى فقدان الكثير من الأشخاص التابعين للنظام السابق لنفوذهم، وباتوا يعملون على إيصال رسائل بأنهم لن يتنازلوا عن مرتبة “المواطن السوري من الدرجة الأولى”.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى