مراجعات الكتب

قصورنا الذاتي في «صيد العصاري»/ قراءة في رواية عزيز تبسي/ راتب شعبو

13-01-2026

        يختار عزيز تبسي مدينته حلب، في فترة تاريخية متقلّبة تعود إلى القرن التاسع عشر، كي يفرش روايته «صيد العصاري» (ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، 2025). نسيج روائي يضعك بصورة مُثيرة للإعجاب في ثنايا ذلك الزمن. اللغة هي أول ما يُمسك بك، ويغمرك بزمن قديم، حتى لو بقيت ضبابية المعنى للقارئ، رغم أن الكاتب يشرح بعضها في الهوامش، وبعضها في المتن، ولكن تبقى في السرد مفردات قديمة كثيرة شحيحة المعنى وغير مفهومة تماماً لقارئ اليوم، تُولّد انطباعات غامضة عن ذلك الماضي (استكرى، أرمغانات، صوايح، قلقات، قلاية، قادوس، حاصل، قيساريات، يغمة…). لا يكتب عزيز عن الماضي بلغة الحاضر، بل يضع على عاتقه المهمة الأصعب، وهي رواية الماضي بلغة الماضي نفسها، ما يُشير إلى كمّ الجهد الذي بذله الكاتب كي يُعيد بناء تفاصيل ماضٍ بعيد، في اللباس والطعام والمعالجات الطبية والزواج والتجارة والعبادات… هذه مَقدرة تُحرّض في القارئ متعة خاصة، متعة الانغماس في التاريخ، في الحياة اليومية لمجتمع مضى.

        رغم أن اسم الرواية يتصل بالصيد، ورغم أن المعلم بشير، الشخصية الرئيسية في الرواية، يقضي معظم وقته في الصيد، يبقى الصيد غائباً أو مجرد خلفية بلا تفاصيل، وكأنه شاشة للعرض أو ذريعة للراوي، ليس أكثر. هناك تشابه يفرض نفسه بين الصيد في «صيد العصاري» وبين اشتغالنا المعاصر في السياسة، نحن أيضاً نقضي الكثير من وقتنا في الكلام والكتابة السياسية دون أن «نصطاد» شيئاً. وكاتب الرواية هو جزء من تجربة قضت عمرها في السياسة وقدمت الكثير ولم تحصد أكثر مما حصد المعلم بشير من صيده. ينشر تبسي روايته على حبل الصيد المشدود من أول مشهد في الرواية حتى آخر كلمة فيها حين يقضي المعلم بشير «قابضاً على قصبة بترت الريح نهايتها»، وكأنه حبل غسيل يحمل قطع الملابس المتنوعة دون أن يكون مرئياً بذاته.

        الصيد في «صيد العصاري» هو فسحة للكلام أو للهروب اليائس من فراغ يملأ الحياة. يحضر في الرواية مُحيط الصيد أكثر مما يحضر هو نفسه، شرب العرق من البطة، وتناول أنواع الأكل البسيط المُناسب الذي يأتي به المعلم بشير وتلميذه سليمان إلى النهر. تعرض الرواية الطريقة البرية البسيطة في تجهيز لُقَم الطعام وتناولها على ضفة النهر، وفي إعداد الغليون وضم السيكارة إلى الأَمزُك، بما يزيد عن الانشغال بالصيد ومحاصيله، فصيد المعلم بشير ليس سوى «ترقب أصم لاصطياد أسماك أقل وزناً من الطعوم التي تُطبق أفواهها عليها»، وبتعبير مختصر إنه «صيد عقيم» كما يصفه الكاتب في موقعين مدروسين، الأول في مطلع الرواية، والثاني مع اقتراب نهايتها، وكأنهما قوسان يحتضنان الرواية كلها.

        صيدٌ لا صيدَ فيه، صيد «ينتظر وصول الأسماك التائهة إلى طعوم بالوعِه المترنِّح في مجرى النهر العكر»، إنه صيد في أماكن لا تصلها سوى الأسماك التائهة إذن، كأنه صيدُ من لا يستطيع أو لا يريد أن يصيد. في السياق «الطبيعي» نفسه لشخصية المعلم بشير، أنه اشترى بارودة (تَفَنكَة) وصلت إليه من مرسيليا، واشترى باروداً وخردقاً وكبسوناً، ولكنه لم يصطَد، فلم يكن يضغط على الزناد إلا بعد طيران الطير وابتعاده، ويعزي فشله إلى أن البندقية سيئة، ومغشوشة ونيشانُها أعوج. هذا لغز تحبكه الرواية في شخصيتها الرئيسية، الرجل يذهب إلى النهر للصيد كي لا يصيد، ويشتري بارودة ليخرج بها إلى الصيد كيلا يصطاد. يهرب إلى الصيد كي يهرب من الصيد. هل يريد الكاتب أن يبين لنا هذا النوع من الشخصيات التي يستهويها شكل الفعل فتتخذه دون قدرة على الفعل نفسه؟ أم يريد أن يكشف في شخصية المعلم بشير هذا الصراع أو التوتر «التراجيدي» بين الرغبة في شيء والعجز الداخلي عن تحقيقه؟ أم أن الصيد العقيم هو مجرد ملء فراغ في حياة فارغة؟

        عقم الصيد ليس إلا صورة عن عقم الزمن نفسه الذي «لا يكاد يتعالى كسروةٍ، حتى تجتثه السواطير وتُلحقه بكومة الحطب» كما تقول الرواية. وقد أكمل المعلم بشير هذا العقم غير المختار ربما، بعقم مختار، هو الامتناع عن الزواج. بات التلميذ سليمان هو الامتداد النفسي لبشير الذي اختار ألا يكون له امتداد بيولوجي، ولكن طريق الحياة الذي مهده المعلم بشير لسليمان كان هو الطريق إلى اختفاء سليمان وانقطاعه عن المعلم، الانقطاع الذي فتح باب النهاية البائسة والكئيبة لبشير على ضفة النهر، النهاية التي أنهت الرواية نفسها. هذا جانب من العبثية التي لا تخلو منها «صيد العصاري». لنقرأ مثلاً هذا المشهد الرهيب، «عادا بعدها إلى الحوش، أكملا يومهما بحضور الأختين المكورتين فوق كرسيين واطئين، تتلهيان من نصف قرن بالصمت، وتتفقدان متانة أزرار أثوابهما المسترسلة إلى البلاط». ولنقرأ أيضاً هذا الحوار:

        – كيف يكون الاختيار يا معلم؟

        – ما بعرف، في صعوبة بالتمييز بين اختيار صحيح واختيار خاطئ، يمكن لأنه بالأصل ما في اختيار.

        التأمل في الفترة التي تجري فيها الأحداث، الفترة السابقة لدخول قوات إبراهيم باشا إلى حلب واللاحقة لانسحابه منها دون قتال (1832 – 1840)، يُشير إلى أن زمننا راكد بالفعل، وأننا بعد حوالي قرنين من الزمن لا نزال نتخبط في إشكالات العنف الهوياتي نفسها، ولم نستطع أن نستقر على حال متوازن من الحق والعدل. الرواية ترصد حلقات من العنف الأهلي، ولا سيما ذاك الذي طال المسيحيين بعد سنوات من خروج إبراهيم باشا من حلب، حين تعرّضت الكنائس والأحياء (القلالي والصوايح بلغة الرواية) للنهب وقُتِل فيها العشرات. هناك مؤرخون يردون ذلك إلى أن إبراهيم باشا كسر التوازنات التقليدية بين الطوائف حين اتبع سياسة مساواة قانونية نسبية بين المسلمين والمسيحيين وألغى قيوداً كثيرة كانت مفروضة على المسيحيين، فسمح لهم بحمل السلاح والخدمة في الإدارة، ما زاد في نفوذهم الاقتصادي والإداري، الأمر الذي خلق احتقاناً لدى شرائح مسلمة فقيرة جرى استغلاله مع عودة سيطرة السلطة العثمانية. مع الزمن، يستقر التمييز ويُصبح تقليداً معتاداً تحرسه جموع من الشعب، حتى يغدو السعي إلى المساواة، سبيلاً مُمكناً إلى الفوضى.

        تُقدم الرواية شخصية غنية في صراعاتها وحدودها الداخلية، وهي تحمل، فيما نرى، رؤية الكاتب لشريحة واسعة من المجتمع اليوم كما في الأمس. المعلم بشير الذي لا يرضى بواقعه ولا ينجح في تغييره، ليس فقيراً ولكن الفقر يُلاحقه ويبقى تحت تهديد الانزلاق إليه، يريد الوجاهة ولكنها «تتجاهله بنظرتها المتشامخة المثبتة على لفة رأسه المبرومة كقرنبيطة»، يشتغل في التجارة ويتعثر، ثم بالإقراض ويتعثر، ثم بتربية الحمام ويتعثر، ثم يُخدع بسبب طيبته ورغبته في اقتناء حمار يستخدمه في الحركة موكلاً أمر العناية به لشريك شاب لعين. هذه الشخصية التي تبدو كأن الزمن رسم حدودها بخطوط لا تراها، تشبه شريحة واسعة من الناس، ولا سيما «المثقفين» الذين يعلو شعورهم بذاتهم أكثر من قدرتهم على تجاوز قيود الزمن الثقيلة على أقدامهم. وقد يكون المشهد الذي يخترق طبقات هذه الشخصية هو لقاؤه مع المومس في دغل القصب بجانب النهر. جبرا، الذي أدرك حاجة صديقه إلى النساء من غياب رائحة شراب اللوز عن ثيابه، رتب الأمر مع المومس دون معرفته. يدخله جبرا في التجربة ويمضي، يجلس بشير بجانب المرأة صامتاً ومُطرقاً كولدٍ خجول، تستحثه المرأة التي لا وقت فائضاً لديها، وحين يلتفت إليها يرى نصفها السفلي عارياً وقد استلقت، فيقضي حاجته ويعود إلى جبرا الذي يذهب إلى المرأة كي يعطيها الأجر.

        المعلم بشير يُعلم التلاميذ القراءة والكتابة، ويحرص على والديه وأخواته الأربع، ومع اندلاع العنف ضد المسيحيين، يهرب للاختباء عند الكندرجي المسلم، تاركاً عائلته لمصيرها، فيعيش الصراع بين ضميره الذي يؤنبه على هذه الوضاعة، وبين طبيعته الجبانة والأنانية. صراع آخر خفي يعيشه المعلم بشير الذي يعتني بتلميذه سليمان ويسعى إلى فتح آفاق المستقبل أمامه، ولكنه يقوم بضربه دون شفقة في مرتين، وكأن أنانية المعلم وغيرته تتفجر بضرب وحشي مجنون ضد التلميذ الذي لا يبدو مقتنعاً بالسير على خُطا معلمه. يُفرغ بشير شحنته النفسية ثم «يرتمي فوق سريره وتلتمع عقوبته الشنيعة في عينيه كوشم إهانة لا يزول». سلوك أرعن لا سيطرة له عليه، يعقبه شعورٌ مُذل بالمهانة.

        في اللغة وفي العرض وفي الجرأة على تقصي النفس وفي الأمانة التاريخية والحسّية للفترة التي يجري تناولها، يُقدم عزيز تبسي رواية ممتعة وموحية للقارئ، وغنية للمحلل والباحث عن معانٍ ثاويةٍ خلف الأحداث والشخصيات.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى