تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

كان عاماً سورياً ممتلئاً بالفرح والألم/ جمال الشوفي

09 يناير 2026

لم يتوقف هيغل في فلسفته المثالية التصاعدية عند مفهوم “التطوّر عودة للبدء”، والبدء وجود كوني يكتنف العقل بالمبدأ، بل ساقه التفكر إلى مسارات الألم حين الخذلان العمومي، فرصد في “فينومينولوجيا الروح” أيضاً “مكر التاريخ” وتغاير مجريات التاريخ التحرري المفترض للإنسان لمصالح ذاتوية سياسية. فهل سنقارب تلك اللحظة وجدانياً وفكرياً؟ أم سنعيش مثاليّتها منفصلين عن الواقع؟ أم سنحاول رتق ما عبثت به طباع الأنفس الأمّارة بشهوة الذاتوية: سلطة، جاه، مال ومصالح… والنتيجة تبدو عودة إلى البدء، لكنها ليست مثالية هيغلية، بل مادية تعاين المصالح وفجيعة الزمن في مكره السياسي والمادي.

أجل، كان عام السوريين المنصرم شديد الألم رغم بداياته فائقة الفرح. أمثالنا من عايش لحظات ألمها وقسوتها المفرطة والموجعة دقيقة بدقيقة. من عايش ساعات وأيام الحزن وصدمة الوجدان، وشحوب قلوب الناس قبل وجوههم بفجائعهم بأبنائهم، بآبائهم، بأمهاتهم، ببيوتهم المحترقة أمام أعينهم…

ليس الحديث هنا عن مدينة أو قرية ذات صفات محلية بعينها، بل عن سوريين كانوا يعلّقون الأمل بالحرية والأمان والاستقرار من أي طائفة وأي ثقافة أو عرق أو جنس. وأمثالي من ردّدوا مرات وعلى الإعلام المرئي بعد أحداث الساحل وجرمانا وصحنايا: “لا نريد لعين أم سورية أن تدمع بعد، يكفينا ما دفعناه نحن السوريين خلال 14 عاماً من العذابات والقتل والاعتقال والتهجير”. أجل، الأم دامعة القلب والعين هي نفسها الإنسانية التي تهزّ الوجدان، سواء كانت أماً لمدني قُتل أو لشابٍّ لم ير من الحياة شيئاً سوى أنه وجد نفسه مهجّراً إلى إدلب، ثم فرداً في فصيل عسكري وبعدها في وزارة الدفاع أو الأمن العام. فلا فرق، إلا إذا أردنا الانتكاس مع مكر السياسة للتطييف والتكفير والتخوين بالتعميم وبالجملة. وهذا ما كنت وكنا نخشى تكراره، ولكنه للأسف حدث. أجل، فقد عايشنا زمن الوجع المرّ حين يمكر التاريخ ونصبح في محراب جريمته، ومكره تجلى بوضوح، ليس فقط في المجازر بعد سقوط النظام، بل وأيضاً في اغتيال العقل عمداً، في اغتيال الحكمة ومعايير الاستقرار والأمان، وكيفية تجنّب مرحلة فوضى ما بعد الثورات بالاستفادة من سابقاتها، والعقل كان فعلاً يسعى إلى تغليب الحوار والتوافق السياسي بدلاً من تغليب شروط القوة ومشاريع السياسة الذاتوية، وأمثالنا ممن أصابته موجات الحزن والاكتفاء بوحدته، فبقاؤه في سورية 14 عاماً، هُدرت فيها حياته وعلمه عمداً أمام مكر السياسة وخبث الأنفس الأمّارة بالموت والجريمة، سواء كانت آلة حربٍ لا تعرف من شؤون الحكم سوى بطش القوة، أو كانت مجرّد أدوات سياسية لأجندات خارجية تبحث عن مجدها السياسي الشخصي، كزعيم أمة أو طائفة أو جماعة ما، فيحدُث صدام الموت والجريمة الذي يدفع ثمنه الأبرياء. وهو ما أدركنا خطره وحاولنا منعه بحكم صراع المصالح بعد نجاح الثورات ومحاولة الاستفراد بالمرحلة التالية والبحث عن أكبر حصة سياسية منها، ويا لبؤس التاريخ وليس مكره وحسب.

كنت قد عاهدت نفسي ألا أكتب عن هذه المرحلة، ولا أحلل فواصلها سياسياً، مكتفياً بتحليل السيكولوجيا السائدة العامة، وما زلتُ على عهدي، حتى تستقر وتستوضح بواعثها. وليس فقط، بل خروجاً من معادلة الدم وخطاب الكراهية الطائفي السائد شعبياً مع أو ضد لدرجة التفاني المثنوي والتشظي العام، وهذا خطر جسيم بعد ثورة كبرى، وحفاظاً على قيم الثورة التي عايشنا لحظاتها بكل تقلباتها، حزناً وألما وقهراً وكمداً، ثم فرحاً وبهجة. لكن ذكريات هذه الفترة من العام المنصرم تصدمنا في وجداننا وتصيب موقع الألم فينا بجرح عميق يصعب علاج تقرحاته. أجل هو ذاك الفرح العارم الذي عايشناه لحظةً لحظة، وليس فقط منذ الساعة 6:18 صباح 8 ديسمبر/كانون الأول قبل نحو عام، بل قبلها بأيام وشهور ونحن ننتظر ونعمل حتى ساعة هروب أو فناء رأس النظام السوري وطغمته الحاكمة واختفائهم دفعة واحدة كما كنّا نقرأ الواقع والتاريخ؛ ومن نحن؟ نحن الذين لم نبرح ساحة الحرية والكرامة في السويداء يوماً طوال ما يزيد عن خمسمائة يوم في خضم موجة ثورية سورية سلمية ثانية، استعصى على نظام القتل والجريمة قمعها أو إفشالها أو جرّها إلى مستنقع العسكرة أو الانفصال بإدارة ذاتية قزمة، فصمدت وعاشت لحظات سقوطه يوماً وراء يوم، واستقبلت حجيج السوريين من كل بقاع سورية إليها منارةً في مسار الثورة السورية الكليمة. واليوم تصيبنا صدمة مكر التاريخ، وبدل تجدّد الفرح نغرق بالوحدة والحزن العميق.

في لحظات الفرح تلك، كنّا نتساءل من أين تأتي هذه الوفود إلى الساحة؟ فكان جوابي المتكرّر: هذه الحشود التي كانت تخشى دخول ساحات التظاهر قبل هذا، وها هي اليوم تشعر بأن جبل الخوف قد انزاح عن صدرها، وبات بإمكانها أن تتنفّس الفرح والحرية، وما فعلته ساحة الحرية والكرامة أنها كانت عنوان الفرح الذي يعم جميع السوريين بلحظات الحرية هذه، فالحرية الحقيقية ليست حكراً على متظاهر أو ثائر بعينه، بل هي لحظة عمومية، لحظة الصعود بالأهداف السياسية لقيم نبيلة مجتمعية، وليتها دامت.

بعيداً عن تكرار سرد الأحداث التي لا أرغب بالعجلة بتحليلها، فقد مرّ هذا العام علينا بكل تقلباته بعناوين عدة:

عام نهاية نظام الأسد وسقوط “الأبد” بلا رجعة رغم بقاء بعض فلوله يعبث هنا وهناك. عام يفتح بوابة الإنصاف لآلاف السوريين المعذبين رغم عدم البدء بالعدالة الانتقالية. عام عودة سورية دولة شرعية دولياً وزوال العقوبات وقانون قيصر رغم شروطه السياسية الملزمة. عام انكشاف الأجندات ما دون الوطنية، وأجندات الوظائف السياسية الشخصية، وأجندات الشرعيات العسكرية والأيديولوجية باكراً. عام بدأ فرحاً، ولكنه تبدل لعام ألم وحزن على من قضوا في السويداء، ومنهم من كانوا رفاق معتقل أو ثواراً ضد النظام لم يبرحوا ساحات الحرية والكرامة أو مدنيين بلا ذنب. عام اشتدت فيه نزعات الانتقام وخطاب الكراهية الطائفي وتهديد النسيج الوطني، وهذا ما يجب حلّه قبل تفاقمه.

ليست سورية اليوم ذات هوية متماسكة، ولم تتعاقد وطنياً بعد، وهي أقرب إلى قراءة هوبز للحدث الإنكليزي قبل قرون، إذ لا بد للبشر أن يمارسوا تجاربهم الشخصية بحكم الشرعية المفردة، ولن يصلوا إلى ضرورة الاقتناع بالاستقرار والانتظام، إلا بعد أن يتحاربوا ويكتشفوا أن الجميع خاسرون… إنه احتراب الكل ضد الكل، ودلالته سورياً في اضطراب الهوية ومشروع الكلية القابل للتجزئة طائفياً ومذهبياً، و/ أو هيمنة عقدة التفوق الديني عامةً أو القبلي خصوصاً. هنا يمكننا تحديد مسؤولية السلطة الانتقالية بالمبدأ في إعادة تقييم العام المنصرم بكل تفاصيله، وألا نكتفي بالنتائج الدولية المتحققة، فهذه قابلة للتغيير حسب المصالح الدولية وقد عايشناها طوال فترة الثورة. فيما الأجدى العودة إلى حكمة الشرق البوذية القديمة، وإن كانت عودة إلى المثالية، لكنها في صلب التغيرات المادية وهدفها لدى البشر.

تقول الأسطورة البوذية إن البشر في بدء الكون كانوا بلا أبعاد مادية من طعام ولباس، وبلا ملكية خاصة أو سلطة. وحين أصبحت دورة الكون تأخذ في التغير، وباتوا يشعرون بالحاجة إلى الطعام والملجأ، ظهرت الفروق المادّية وتكاثرت نزعات القتل والاعتداء، فاجتمع البشر وقرّروا تنصيب أحدهم ليحفظ النظام مقابل جزءٍ مما ينتجونه، وأطلقوا عليه “المختار العظيم” (ماهاسماتا)، ولُقّب “راجا”، لأنه أسعد الناس. وكان هذا الاتفاق أول القوانين التي تجيز التنازل عن بعض الحقوق الفردية، مقابل القبول بمؤسّسة السلطة من خارج سلطات البشر الذاتية، وهو ما تطور حديثاً للتعاقد الاجتماعي المؤسس للعدالة والمواطنة ودولة القانون والدستور العصرية؛ وأجزم أنها حاجتنا الراهنة والضرورية. وهذا ليس طوباوية سياسية، بل هو الواقعية بعينها، والمصلحة العامة بذاتها، والممكن المفقود في مرحلة الفوضى وتضارب المصالح؛ وتطور من حيث هو عودة للبدء، للقاعدة الشعبية الداخلية وعدم الاكتفاء بملفات سورية الخارجية وحسب. والأهمّ هو القدرة على ترويض النفوس لا ترويض الآخرين، والغاية كسب المعركة سياسياً، لا موقعة سلطوية أو فئوية طائفية وحسب، فهل هذا صعب للعام الجاري؟

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى