الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"العلاقات السورية-الأميركيةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

ما بعد معركة الأشرفية والشيخ مقصود في حلب  – مقالات وتحليلات مختارة – تحديث 16 كانون الثاني 2026

وقائع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وحكومة الجمهورية العربية السورية مقالات وتحليلات تتحدث يوميا  تحديث  11 كانون الثاني 2026

متابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي:

دوافع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وأحمد الشرع

م

تحديث 16 كانون الثاني 2025

كيف تصل الطائرات المسيرة الإيرانية إلى “قسد”؟/ اسماعيل درويش

يوم سقوط نظام الأسد دخلت “قوات سوريا الديمقراطية” إلى الجزء الغربي من محافظة دير الزور واستولت على كميات من الأسلحة

الجمعة 16 يناير 2026 10:53

يُجمع المراقبون على وجود علاقة وثيقة بين “قسد” وإيران، ويتفقون على أن هذه العلاقة تضرّ بـ”قسد” بشدة بسبب الموقف الأميركي من إيران، لكن المصادر ترجح أن “قسد” تريد رسم تحالفات جديدة في ظل بدء تخلي واشنطن عنها، أما مصادر الطائرات الإيرانية المسيرة التي بحوزتها، فجزء منها استولت عليه من المستودعات الإيرانية شرق سوريا بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، والجزء الآخر يأتي من إيران بشكل غير مباشر من خلال معبر سيمالكا الحدودي الذي تسيطر عليه “قسد”، ويربط سوريا بإقليم كردستان العراق.

بريف مدينة البوكمال، في أقصى شرق محافظة دير الزور شرق سوريا، وبالقرب من الحدود العراقية، قاعدة عسكرية نصفها تحت الأرض، تحمل اسم “قاعدة الإمام علي”، أنشأتها إيران على مدار سنين في الفترة ما بين عامي 2018 و2024، وتعرضت القاعدة لضربات إسرائيلية عدة، وكلما تعرضت القاعدة لقصف كانت إيران تعيد ترميمها، وتعتبر “قاعدة الإمام علي” أكبر قاعدة عسكرية إيرانية في الخارج.

في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، سقط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، وتم طرد إيران بصورة مهينة وكاملة من الأراضي السورية، تاركة خلفها إنجازات كلفتها مليارات الدولارات ومئات القتلى من ضباط “الحرس الثوري الإيراني”، وفي يوم سقوط نظام الأسد نفسه، دخلت “قسد” إلى الجزء الغربي من محافظة دير الزور، واستولت على كميات من الأسلحة التي تركها الإيرانيون خلفهم، جزء من هذه الأسلحة يقول مراقبون إن “قسد” تستخدمه اليوم في مواجهاتها مع الجيش السوري، بما في ذلك ثلاث طائرات مسيرة أطلقتها الأسبوع الماضي على مدينة حلب، وتمكنت إحداها من إصابة مبنى المحافظة بعد دقائق من انتهاء مؤتمر صحافي لمسؤولين سوريين.

معبر سيمالكا طريق النقل البري

من جانب آخر، في ريف الحسكة الشرقي، يقع معبر سيمالكا الحدودي، وهو معبر غير رسمي يربط مناطق سيطرة “قسد” بإقليم كردستان العراق، وتم افتتاحه عام 2013، ولا يزال يعمل حتى اليوم، ويقول الخبراء العسكريون إن إيران تستخدم المعبر لنقل طائرات مسيرة إلى “قسد” التي تخوض مواجهات غير مسبوقة مع الدولة السورية في ظل تعثر الحل السياسي، وتعذر تطبيق اتفاق الـ 10 من مارس (آذار) حتى الآن.

وسيط بين “قسد” وطهران

وأفاد مصدر عسكري “اندبندنت عربية” بأن “إيران لا تدعم قسد بشكل مباشر، لأن الأوضاع في إيران خلال الفترة الماضية تستدعي استنفاراً داخلياً، لكن هناك دعماً وتواصلاً غير مباشر بين قسد وإيران، يتم التواصل من خلال القيادي في حزب العمال الكردستاني جميل بايك، وهو أحد أعضاء اللجنة القيادية في منظومة المجتمع الكردستاني، التي تضم تحت لوائها حزب العمال الكردستاني”. وأضاف المصدر “ليس من مصلحة قسد التعاون مع إيران حيث إن تعاوناً من هذا النوع من شأنه أن يسرّع عملية التخلي الأميركي التي باتت واضحة، الأفضل لقسد ومستقبلها الاستراتيجي قطع كل أشكال التواصل والتعاون مع إيران، لكن المشكلة تكمن في وجود تباين في وجهات النظر بين قيادات قسد، إذ يدعم مظلوم عبدي تخفيف العلاقات مع إيران، والتوجه نحو دمشق، بينما يعارض سيبان حمو ذلك، ويستمع الاثنان لتوصيات جميل بايك، هذه الاختلافات تسببت في مزيد من تعقيد المسألة”.

بين “شاهد 110” و”أبابيل”… دور إيران في دعم “قسد”

من جانبه، قال الباحث في الشأن الإيراني الصحافي السوري ضياء قدور إن “الطائرات المسيرة التي تمتلكها قسد مطابقة تماماً للمسيرات الإيرانية، سواء مسيرات شاهد 110، أو مسيرات أبابيل، وبالتالي يتم تهريب هذه المسيرات عبر الحدود من جهة إقليم كردستان – العراق، حيث يتواجد في الإقليم بعض الميليشيات العميلة لإيران، ومن جانب آخر لم تنكر مراكز الأبحاث الإسرائيلية أن مناطق سيطرة قسد كانت إحدى طرق التهريب التي كانت تُعتمد لنقل الأسلحة الإيرانية عبر سوريا إلى حلفائها بما فيهم حزب الله اللبناني، وبالتالي قد تكون بعض هذه الشحنات وقعت في يد قسد، والأمر الآخر قد يكون تم تعزيز التعاون الأمني بين إيران وقسد بعد سقوط النظام، واليوم قسد هي أداة مفيدة بالنسبة لإيران، خصوصاً لمناكفة تركيا في سوريا، لا سيما أن إيران تعتقد أن تركيا هي أحد أسباب طردها من سوريا، ومن جانب آخر، فإن إيران هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تعتمد على تسليح الوكلاء والميليشيات ما دون الدولة بأسلحة غير تقليدية مثل المسيرات والصواريخ”.

وتابع قدور أن “قسد كانت تتجنب أي علاقات واضحة مع إيران وميليشياتها تجنباً للحساسية مع الولايات المتحدة، لكن قسد اليوم بدأت تشعر أن الاحتضان الأميركي بدأ يتراجع، وعملية بدء التخلي الأميركي عن قسد أيضاً باتت واضحة، لذلك تتجه قسد لرسم تحالفات جديدة لكن تحالف قسد مع إيران يشبه عملية انتحار”.

الخبير العسكري العميد عبدالله الأسعد قال، من ناحيته، إن “قسد كانت تنسق مع إيران قبل سقوط نظام الأسد، وكانت هناك غرفة عمليات مشتركة وحتى مستودعات أسلحة مشتركة، كذلك شاركت إيران في تدريب عناصر من قسد مع عناصر من الفرقة الـ 25 بجيش النظام السابق، لذلك من الطبيعي أن يكون لدى قسد مخزون من الأسلحة الإيرانية، واليوم الحدود السورية – العراقية، خصوصاً المعابر التي تسيطر عليها قسد مع جهة شمال العراق تعد ساحة مفتوحة يمكن من خلالها أن تحصل قسد على طائرات مسيرة إيرانية”.

في المحصلة، تأتي المسيرات الإيرانية إلى “قسد” من معبر سيمالكا الحدودي، وجزء آخر منها استولت عليه من المستودعات التي تركتها الميليشيات الإيرانية في يوم سقوط نظام الأسد، في وقت يحذر مراقبون من أن استمرار التعاون بين “قسد” وإيران سيؤدي إلى تسريع عملية تخلي الولايات المتحدة والتحالف الدولي عنها، خصوصاً مع الإصرار الأميركي على دعم وحدة الأراضي السورية

—————————

من يحكم الخوف في سوريا.. ومن يستثمر فيه؟/ محمد طه الأحمد

ليست أخطر ما تواجهه الدول في لحظات ضعفها اختلال ميزان السلاح، بل تحول الخوف نفسه إلى نظام حكم غير معلن، تدار من خلاله المجتمعات، وتقاس به الشرعيات، ويعاد تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

في سوريا اليوم، لم يعد الخوف نتيجة عرضية للصراع، بل أصبح أداة سياسية منظمة، تستخدم لإدارة القلق العام، واحتكار الحماية، وتحويل الرعية إلى جمهور خائف يبحث عن راعٍ بالسلاح، لا عن دولة بالقانون.

ومن هنا، لا تتحرك المشاريع المسلحة والكيانات المحلية من منطلق مصلحة وطنية سورية شاملة، بل من منطق إدارة الفراغ، تحقيقا لمصالح ظاهرها الخوف وباطنها مصالح خاصة أو حزبية، وتثبيت الأمر الواقع، وتعليق فكرة الدولة، بدلا من مواجهتها أو إعادة بنائها.

ومن موقع المسؤولية الوطنية، لا من موقع الخصومة أو التخوين، لا بد من مقاربة هذه الظاهرة كما هي، بعيدا عن الخطابات المعلنة، وقريبا من الدوافع الفعلية، وما تخفيه هذه القوى خلف شعاراتها، وما تجنيه من استمرار الخوف، وما تستثمره الأجندات الخارجية في هذا الواقع.

إن مقاربة ما يجري في سوريا اليوم لا تحتمل إجابات مبسطة أو أحكاما أخلاقية جاهزة، فالقضية ليست نفي المظلومية ولا تبرير السلاح، بل فهم أن دوافع القوى المسيطرة محليا قد تتشابه في خطابها، لكنها تختلف في جذورها وغاياتها، وغالبا ما تختلط فيها المصلحة العامة المعلنة بحسابات بقاء سلطوية، أو سعي لتثبيت نفوذ، أو ارتهان خارجي مباشر أو غير مباشر.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة المشهد السوري عبر ثنائيات من نوع «وطنية/خيانة» أو «وحدة/تفكك»، ولا عبر توصيفات عامة تختزل واقعا معقدا، فالقوى التي نشأت في لحظة فراغ الدولة لا تتحرك جميعها بالمنطق نفسه، ولا تستند إلى السياق الاجتماعي والسياسي ذاته.

لكن ما يجمعها، بدرجات متفاوتة، هو توظيف الخوف بوصفه أداة حكم، لتبرير استمرار سلطات محلية تحولت مع الوقت إلى بنى قائمة بذاتها، تخشى عودة الدولة بقدر ما تخشى انهيار الواقع الذي تعيش فيه.

من هنا، يصبح من الضروري تفكيك ثلاث حالات رئيسية، لا بوصفها مشاريع متطابقة أو ملفات منفصلة، بل كنماذج مختلفة لكيفية إدارة الخوف.

أولا: قوات سوريا الديمقراطية (قسد)

الخطاب المعلن: حماية المكون الكردي وبقية المكونات، اللامركزية والديمقراطية، منع عودة الاستبداد، محاربة الإرهاب. وهو خطاب يستند إلى مظلومية تاريخية (حقبة نظام البعث)، وإلى تجربة قاسية من الإقصاء السياسي والثقافي، كباقي مكونات المجتمع السوري.

إعلان

الدوافع الحقيقية:

    هاجس البقاء السياسي والعسكري: قسد لم تعد إطارا عسكريا ظرفيا، بل تحولت إلى سلطة أمر واقع مكتملة الأركان: إدارة مدنية، أجهزة أمن، موارد نفطية وزراعية، جباية وضرائب، مؤسسات تعليم وقضاء محلي؛ أي كيان مركزي.

    مشروع قومي مؤجل لا ملغى: لا يوجد إعلان صريح الآن، لكن يوجد عمل تراكمي طويل الأمد: بناء هوية سياسية مستقلة، تكريس مفهوم «الإدارة الذاتية» كأمر طبيعي، إعداد أطر قانونية وتعليمية منفصلة. الانفصال غير ممكن في الظرف الراهن، لكن ترك الخيار مفتوحا جزء من الحسابات الإستراتيجية المستقبلية.

    ارتهان جزئي للخارج: الوجود الأميركي ليس تفصيلا تكتيكيا، بل عنصر ضمان أساسي. القرار الإستراتيجي محكوم بتوازنات دولية، ولا يصاغ وطنيا بشكل كامل.

آليات إدارة الخوف: التخويف من عودة الاستبداد، ربط الحقوق ببقاء السلاح، تصوير الدولة كخطر محتمل لا كضامن. الخوف هنا يستخدم لإقناع المجتمع بأن البديل عن قسد أسوأ دائما.

الخلاصة حول قسد: ليست حركة انفصالية خالصة حاليا، وليست مشروع مصلحة وطنية سورية عامة، وهي مشروع سلطة محلية مسلحة يسعى لتثبيت مكاسبه، ويوظف خطاب الحقوق والمظلومية لتعليق فكرة الدولة لا لإعادة بنائها.

    آليات إدارة الخوف: ربط الدولة بالانتقام، وتصوير القانون كخطر، وتخويف المجتمع من أي تغيير. فالخوف هنا يدار لمنع عودة الدولة، لا لحماية المجتمع

ثانيا: فلول النظام البائد

الخطاب المعلن: حماية الأقليات، الخوف من الإقصاء أو الانتقام، الدفاع عن الساحل. خطاب موجه أساسا إلى مجتمع منهك بالخوف، وليس إلى مشروع سياسي قابل للحياة.

الدوافع الحقيقية:

    الخوف من المحاسبة: عدد كبير من القيادات متورط بانتهاكات جسيمة أو فاسد مالي أو مستفيد من منظومة قمع طويلة. قيام دولة قانون حقيقية يعني فتح ملفات مغلقة منذ عقود، وهذا تهديد وجودي مباشر لهم.

    الحفاظ على الامتيازات المتراكمة: نفوذ أمني واقتصادي تراكم عبر شبكات تهريب والسيطرة على الموارد واحتكار القرار المحلي. أي إصلاح مؤسسي يعني خسارة هذه الامتيازات، لذلك يستبدل مطلب الدولة بمطلب «الحماية».

    استخدام الطائفة كدرع سياسي: الطائفة ليست المستفيد الحقيقي، لا عدالةَ، لا أمان طويل الأمد، لا أفق سياسيا، بل تستخدم كغطاء أخلاقي وسياسي لحماية مصالح ضيقة وشخصية.

آليات إدارة الخوف: ربط الدولة بالانتقام، وتصوير القانون كخطر، وتخويف المجتمع من أي تغيير. فالخوف هنا يدار لمنع عودة الدولة، لا لحماية المجتمع.

الخلاصة حول فلول النظام البائد: لا تمثل مصلحة الطائفة ولا تمتلك أي مشروع وطني، وهي مشروع نجاة سلطوية بحتة قائم على تعطيل الدولة باسم الخوف منها.

ثالثا: مليشيات الهجري- السويداء

الخطاب المعلن: حماية السويداء، رفض التهميش، إدارة ذاتية مؤقتة. خطاب نابع من واقع قاسٍ، لا من مشروع أيديولوجي متكامل.

الدوافع الحقيقية:

    فراغ الدولة وضعف الثقة: تجربة طويلة من التهميش وغياب الخدمات والقمع السياسي ولدت خوفا حقيقيا من الفوضى والجماعات المتطرفة وترك المجتمع بلا حماية.

    دوافع محلية أكثر من سياسية: الغالبية الشعبية ترفض الانفصال ولا تطلب سلطة بديلة، وتطلب كرامة وأمانا وخدمات. والسلاح هنا أداة حماية، لا مشروع حكم بحد ذاته.

    بروز زعامات محلية مسلحة: بعض القيادات وجدت في السلاح نفوذا، وفي الفراغ فرصة. والخطر الحقيقي أن تتحول الحماية المؤقتة إلى سلطة دائمة خارج أي مساءلة أو إطار قانوني.

آليات إدارة الخوف: تضخيم المخاطر الخارجية، تبرير استمرار السلاح، ربط الاستقرار بغياب الدولة. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب حالة غير انفصالية أصلا.

الخلاصة حول السويداء: ليست حركة انفصالية مبدئيا، والخطر في انزلاق المشروع الدفاعي إلى سياسي سلطوي، والدوافع الشعبية أقرب إلى مطالب معيشية سببها غياب الدولة لا الرغبة في بديل عنها.

الخلاصة العامة: القاسم المشترك بين هذه الحالات ليس المشروع السياسي، بل إدارة الخوف كأداة حكم. الخوف يبرر السلاح، ويعلق القانون، ويبقي الدولة غائبة. ولا توجد اليوم في سوريا قوى تتحرك من مصلحة وطنية سورية شاملة، بل مشاريع نشأت في ظل الخوف والفراغ وغياب الدولة المركزية. وحين يعاد تعريف الأمان كحق، لا كمنة، تسقط سلطات الخوف تلقائيا، لأن المجتمع لا يحتاج وسيطا حين يعود الأصل.

الخوف في سوريا لم يعد حالة طارئة يمكن تجاوزها بالزمن، بل أصبح لغة حكم، ومنظومة مصالح، وأداة إدارة مجتمع. ومن يحكم بالخوف لا يفعل ذلك لأنه قوي، بل لأنه عاجز عن الحكم بغيره. ولا يتمسك بالسلاح لأنه يحمي الناس، بل لأنه لا يملك شرعية تحميه.

لقد اعتادت قوى الأمر الواقع، على اختلاف خطاباتها وسياقاتها، أن تقدم نفسها بوصفها «أهون الشرور»، وأن تجعل من الدولة فكرة مؤجلة، ومن القانون خطرا محتملا، ومن العدالة مغامرة غير محسوبة. لكن الدولة لا تهزم حين تغيب، بل حين يقنع الناس أن غيابها طبيعي، وأن الخوف قدر، وأن الأمان لا يأتي إلا من خارجها.

إن أخطر ما يواجه سوريا اليوم ليس تعدد السلاح، ولا تنوع المشاريع، بل تطبيع الخوف بوصفه أساسا للعلاقة بين السلطة والمجتمع. وحين يصبح الخوف قاعدة، تتحول كل سلطة إلى مؤقتة، وكل حماية إلى ابتزاز، وكل خطاب إلى غطاء لمصلحة ضيقة.

الدولة التي نحتاجها ليست دولة انتقام، ولا دولة هيمنة، ولا دولة تسويات هشة، بل دولة قادرة على أن تقول بوضوح: الأمان حق، والقانون ليس خيارا، والسلاح ليس مصدر شرعية، والخوف ليس سياسة. وحين تعود الدولة بهذا المعنى، لا تسقط سلطات الأمر الواقع بالقوة، بل تسقط لأنها تفقد وظيفتها وتنكشف حقيقتها، ويصبح وجودها عبئا على المجتمع لا ضمانة له.

ويبقى السؤال الذي لا يمكن لأي سلطة أن تهرب منه، ولا لأي مشروع أن يلتف حوله: من يحكم؟ وبأي حق؟ ولمصلحة من؟ وحين لا يكون الجواب: الشعب، والقانون، والدولة، فكل ما عدا ذلك ليس حكما، بل إدارة مؤقتة للخوف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا 2025

الجزيرة

————————-

انتهت المعركة عسكرياً في حلب فمن يُنهيها مجتمعياً؟/ شفان إبراهيم

16 يناير 2026

انتهت المعركة في حلب، في حيَّين، معظمهما من الكرد السوريين. جملة تحتاج إلى كثير من الجهد والتفكير بعقل بارد كي نستطيع معاً، نحن السوريين، تجاوز المحنة الجديدة بعد سلسلة المحن الأخرى في الساحل والسويداء، والتوترات في حمص.

يدرك متابعو “السوشيال ميديا” وسرديات بعض الضيوف المشاركين في مختلف البرامج الحوارية في التلفزيونات العربية، ومنها السورية الرسمية، (أو يشعرون) أن مخطّطاً أو اتفاقاً ما كان موجوداً؛ أو أن احتقاناً ضخماً وجد صداه لدى السوريين، ولم يكن ينقصه سوى شرارة صغيرة لإشعال فتيل خطاب الكراهية والمواجهة، وهي في مجملها يُخشى أن تجرَّ الوضعَ إلى صراع عربي – كردي. إذ يكفي أن يخرُج أحدُهم، ويقول في برنامج تلفزيوني: “اقتلوهم كلّهم”، في إشارة إلى عناصر “أسايش” (قوى الأمن الداخلي للإدارة الذاتية) في حيّ الشيخ مقصود. ومن الطبيعي أن يتأثّر قسمٌ كبيرٌ من الكرد بهذا الخطاب، أو أن يُشكّل مشهد رمي مقاتلة كردية من شرفة منزل (شاركت في المعارك) على يد عنصر عسكري سوري، مع هتافات “الله أكبر”، نمطيةَ خوفٍ من السلطة، وهو خوفٌ لن يقود إلى الاستكانة أو الهروب، بل إلى البحث عن مسارات أخرى كلّنا في غنىً عنها. أو وصف الوجود الكردي بأنه طارئ وحديث وأنهم جماعة مهاجرة لا غير، متناسين أن الوجود الكردي الجغرافي والاجتماعي تشكّل قبل وجود الدولة السورية الحديثة بقرون، بل سبق وجودُه معظم الكيانات التي ستوجد بعد اتفاقية سايكس – بيكو التي رسمت الحدود وأعلنت الدولة السورية. هذه هي الطامّة الكُبرى، ولا بدّ من التحرّك السريع لمنع انزلاق البلاد نحو صورة أبشع، ربما يُخطَّط لها.

خطاب الكراهية والتنمّر والتشفّي (وإن كان يخصّ في كلماته وعباراته قوات سوريا الديمقراطية)، مع عبارات عن حقوق الكرد يحرّك التفكير في أربع قضايا متشابكة. الأولى، أنه بعد تواصل الرئيس أحمد الشرع مع رئيس إقليم كردستان العراق السابق، مسعود البارزاني، ثم شُكر وزارة الخارجية لدور البارزاني في استدامة السلم والاستقرار في سورية، جاء الخطاب الرسمي للسلطة بأن الكرد جزء من النسيج السوري. كان المفروض أن تهبط حملات التحريض عبر مختلف وسائل الإعلام إلى أدنى درجاتها؛ فالرئيس الانتقالي ووزير الخارجية يشيدان بمواقف الكرد. لكن زيادة الوتيرة والسعي نحو حصر حقوق الكرد ضمن إطار فولكلوري ثقافي – لغوي، وبشكل شفهي، من دون أيّ وعود، مع تضخيم التهجّم، يقودان إلى الاستفسار حول أدوار داخلية أو ربما خارجية في قيادة هذه الحملة التي يصفها كثيرون بالممنهجة. فمثلاً، النظام السوري بجبروته وإجرامه لم يغيّر تسمية حيّ الشيخ مقصود في حلب، لكن بعضهم بادر إلى إطلاق تسميات جديدة له، والغمز من قناة فتح صراع كردي – مسيحي عبر تكرار سردية أن المسيحيين هم من بنوا هذه الأحياء وأن الكرد استولوا عليها. القضية الثانية أن موقف المبعوث الأميركي، توم برّاك، كان واضحاً عبر إعادة إحياء اتفاقية 10 مارس (2025)، إذ يقول للطرفَين: لا خيار أمامكم، ولا فرص جديدة خارج هذا السياق. فلماذا تصرّ تلك الألسن على قرع طبول الحرب، وحصر الخيارات بين ثنائيات الحرب أو السلم، الاستسلام أو القصاص؟

أما ثالثة هذه القضايا، فتخصّ طبيعة العلاقة مع إسرائيل. ألم يكن الأولى تمتين الجبهة الداخلية أولاً؟ وهل الاتفاق مع إسرائيل أهم من الترتيبات الداخلية مع جميع المكوّنات؟ أليس رفض النُّخب والصحافيين والنشطاء لتغييب بنود الاتفاق مع إسرائيل أهم ممّا يجري حالياً من تحريض وتدليس؟ والقضية الرابعة أن الدول الأوروبية كلّها تؤيّد استمرار الدعم السياسي وضمان الاستقرار في سورية بإشراك المكوّنات والأقليات في الحكم. كذلك إن الإنهاء الكامل والشامل لقانون عقوبات “قيصر” يشترط على السلطة حسن الجوار وضمان حقوق الأقليات والقوميات. اتجهت السلطة مسرعةً نحو “حسن الجوار”، لكنّها غير مستعدّة للانفتاح على المكوّنات. هي ترى نفسها أمام خطرَين: خطر خارجي متمثّل بإسرائيل، تحرص على التفاوض معها، مع استمرار توغلها في الأراضي السورية، فيما يُنظر إلى عقد حوار وطني جدّي وحقيقي بوصفه تنازلاً وزعزعةً لهيبة الدولة! أيُّ وطنية ومواطنة وعيش مشترك هذا؟ فمن دون الأخذ بالحسبان طبيعة التركيب الاجتماعي والسياسي السوري وحساسيته والشرط الدولي، فإن نفقاً مظلماً ينتظر بلادنا.

ما يدفعني إلى الخوف ورفض هذه النمطية من التعامل الإعلامي أن ضمن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كتلةً كرديةً وأخرى عربية، لهم أقرباء وأصدقاء خارجها، وتوجد جماعات سياسية وشعبية من جميع المكوّنات خارج “قسد”. سيقود هذا الخطاب التحريضي إلى إشعال فتيل أزمة ومواجهة، وربّما إلى صراع محلّي أهلي لن ينتهي بمن يفوز؛ لأنها على قاعدة خاسر – خاسر. لماذا لا نعترف بأن السبب الأساس للمشكلات ليس الشيخ مقصود أو الأشرفية؟ ليست انتهاكات الساحل ولا السويداء وفقدان الآلاف أرواحهم من المدنيين والعسكريين (سواء من الأمن العام السوري أو من الأطراف الأخرى). المشكلة، باختصار شديد، أنه لا آفاق لحلول سياسية في سورية، بل تفضيل للعقلية الأمني العسكرية على الحل السياسي.

تطالب الألسن المدافعة عن السلطة (والمحسوبة عليها) بمنحها الوقت والمساعدة في الاستقرار كي تُنجز مهامها. من حيث المبدأ هذا أمر جيّد ومهم ومفهوم، لكن غير المفهوم أن تسند السلطة كل شيء إلى نفسها من دون الأخذ بالاعتبار أن مكوّنات أخرى جزء أصيل من هذه البلاد، وأن المرحلة الانتقالية التي يتحدثون عنها، وحتى تكون متينة وراسخة، لا بدّ أن يُفعّل ما تحتاج إليه من مجلس انتقالي أو هيئة حكم انتقالي تُشارك فيه جميع المكوّنات، مع إعلان دستوري يخلق الانتماء والشعور بالاستقرار والأمان، وليس العكس.

أغفلت السلطة أبرز محرّضَين ومحرّكَين لسلوك السوريين: الأول أنها لم تأتِ عبر الانتخابات، أو في حالة مجتمعية وسياسية سليمة، أو تداول سلمي للسلطة، أو حتى بعملية انقلابية؛ بل جاءت عقب نصف قرن من ظلم آل الأسد، و14 عاماً من الدماء والقتل على الهُويّة وخطف الدولة من عصابة النظام السابق. بمعنى أن حمولة التوتّرات والتشنّجات وتراكم الاحتقان و”مكبس” العنف الذي تحوّل جزءاً من الذات السورية لا يمكن نسيانها أو القفز فوقها أو التعامل معها على أنها أمر ثانوي، بل هي المدماك الأساس في بناء الدولة السورية. والثاني أن السوري اليوم ليس هو سوري الأمس، فالصبر نصف قرن على العسف والمحق يدفع السوري إلى البحث عن الأمان كي لا يفكّر في البديل أو يسأل: ماذا يفعل؟ وبالتالي، كان يرغب في ألا تأتيه السلطة وأفرعها الأمنية أبداً. السوري اليوم خائفٌ من بقاء الوضع على ما هو عليه، ومن فقدان هذه البلاد بريقها وألقها، ومن أن تبقى السلطة من دون تحوّل إلى مفهوم الدولة، ودون أن يحدث أي تغيير حقيقي.

من دون جسر حقيقي بين أطراف البلاد، وحوار وطني جادّ (وفاعل وحقيقي) بعيداً من لغة التخوين والتحريض، لن تقوم قائمة لهذه البلاد. وحتى لو سيطرت السلطة على كامل الجغرافيا السورية، فإن غياب عقل الدولة والعقل السياسي الجمعي لن يؤمّن الالتزام الشعبي، بل إن الخضوع القائم على التخويف والسلاح ليس سوى أرض معبّدة لاستمرار الصراع.

العربي الجديد

————————–

تحذير كردي من فوضى في سوريا والمنطقة ودعوة لتدخل دولي/ عبد الحليم سليمان

مسؤولة العلاقات الخارجية قالت إن دمشق تفعل عكس وعودها بمحاربة التطرف وإنهاء وجود المقاتلين الأجانب وعدم التعرض للأقليات

الجمعة 16 يناير 2026

في ردها على سؤال “اندبندنت عربية” حول بدء الحرب من عدمها بين قوات سوريا الديمقراطية وحكومة دمشق، دعت إلهام أحمد الولايات المتحدة والدول الداعمة لمسار التفاوض مع دمشق إلى ممارسة الضغط على حكومة الشرع ووقف الهجمات بصورة عاجلة، محذرة من أن “مع استمرار الوضع وعدم تدخل المجتمع الدولي لوقف هذا القتال، فإن الفوضى ستعم سوريا والمنطقة”.

بنبرة قلقة بدأت مسؤولة العلاقات الخارجية بالإدارة الذاتية للأكراد في سوريا إلهام أحمد مؤتمراً صحافياً عبر الإنترنت، حضرته “اندبندنت عربية”، حول التصعيد الأخير في حلب وريفها الشرقي بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حيث بدأت سلطات دمشق هجومها خلال السادس من يناير (كانون الثاني) الجاري على حيي الشيخ مقصود والأشرفية اللذين كانا يؤويان قوى الأمن الداخلي الكردية مع نحو 400 ألف شخص غالبيتهم من الكرد.

المسؤولة الكردية استهلت حديثها بخطورة الوضع الذي آلت إليه الأوضاع داخل حلب على البلاد، ولا سيما اتفاق الـ10 من مارس (آذار) 2025 بين الرئاسة السورية وقيادة قوات سوريا الديمقراطية، وحملت دمشق مسؤولية عدم تطبيق بنوده، إضافة إلى اتفاق الأول من أبريل (نيسان) 2025 الذي يعد اتفاقاً فرعياً خاصاً بالحيين الكرديين في حلب.

أحمد تحدثت عن خطاب الحكومة الذي تبنى وجود قوات سوريا الديمقراطية في الحيين، مؤكدة أن قواتهم بالأساس لم تكن موجودة داخل الحي إنما كانت وحدات حماية الشعب التي انسحبت بدورها وفق اتفاق أبريل، وأن الحكومة حشدت من أجل هذه المعركة على الحيين أكثر من 80 دبابة وعشرات الآلاف من الجنود المدججين بالسلاح الثقيل والطائرات المسيرة.

وكشفت القيادية في الإدارة الذاتية عن أن 48 شخصاً قتلوا و118 من أبناء الحيين جُرحوا جراء هذه العملية العسكرية إلى جانب عدم معرفة مصير العشرات، وبحسب إلهام أحمد فإن سبعة أشخاص من عائلتها قضوا في الحي أثناء وجودهم داخل حافلة استهدفتها طائرة درون مفخخة تابعة للحكومة بحلب، وتناولت أحمد الانتهاكات التي جرى توثيق بعضها من عناصر القوات السورية المهاجمة مثل إلقاء جثة مقاتلة من شاهق وانتزاع قلب أحد الأسرى وإعدامه، إضافة إلى إعدام آخرين على الطرقات أثناء نقلهم إلى المعتقلات، وفق ما وثقت كاميرات المقاتلين السوريين أنفسهم.

السياسية الكردية طالبت بفتح ممر لإجلاء الجرحى المتبقين داخل الحيين، وقالت إن أعدادهم كبيرة وإن بعضهم اعتُقل ونُقل إلى إدلب وإعزاز.

دور المجتمع الدولي

حاولت إلهام أحمد من خلال هذا اللقاء مخاطبة المجتمع الدولي، مشيرة إلى أن الوعود التي قطعتها دمشق بخصوص التزاماتها بمحاربة التطرف والمقاتلين الأجانب وعدم التعرض للأقليات تفعل عكسها تماماً، مستشهدة بوجود مقاتلين أجانب من إيغور وأتراك في الهجوم على الحيين، وأضافت أن دمشق تروج الآن لعملية جديدة وهذه المرة في مواجهة مباشرة مع قوات سوريا الديمقراطية داخل منطقة دير حافر بريف حلب الشرقي، مضيفة أن “الحكومة الموقتة قدمت التزامات بحماية السوريين للمجتمع الدولي، لكنها هاجمت الدروز والعلويين والآن الكرد”.

وفي خضم المواقف الدولية، أشارت أحمد إلى الجهود التي كانت تبذلها الولايات المتحدة لرعاية المفاوضات مع دمشق، لكنها بدت منزعجة من المواقف الدولية التي سمحت لتحرك دمشق عسكرياً وارتكاب انتهاكات بحق الكرد داخل حلب، وقالت إن ثمة معادلة غير مقبولة حيث “توجد شراكة مع التحالف الدولي والولايات المتحدة في مواجهة الإرهاب، وفي المقابل نتعرض لهجمات ومجازر من دون أن نلقى أي اعتراض من الشركاء”، متسائلة “كيف تدعم الحكومة الأميركية دمشق التي تهاجم شعبها بجحافل جيشها؟ داعية إياها إلى اتخاذ موقف مما يجري.

فوضى عارمة

في رد على سؤال “اندبندنت عربية” حول بدء الحرب من عدمها بين قوات سوريا الديمقراطية وحكومة دمشق، دعت إلهام أحمد الولايات المتحدة والدول الداعمة لمسار التفاوض مع دمشق إلى ممارسة الضغط على حكومة الشرع ووقف الهجمات بصورة عاجلة، محذرة من أنه “مع استمرار الوضع وعدم تدخل المجتمع الدولي لوقف هذا القتال فإن الفوضى ستعم في سوريا والمنطقة”.

من جهتها، دعت وزارة الدفاع السورية قوات سوريا الديمقراطية إلى الانسحاب من منطقة دير حافر ومسكنة الواقعتين بريف حلب الشرقي وأعلنت المنطقة مغلقة عسكرياً، فيما أعلنت أمس الأربعاء عن فتح ممر لخروج السكان من المنطقة باتجاه مناطق سيطرة الحكومة وذلك بعد قصف مركز المدينة بعدة استهدافات عبر المدفعية والمسيرات المفخخة، التي أوقعت أضراراً بفرن في المدينة ومركز البريد ومؤسسات أخرى وفق ما أعلنته قوات سوريا الديمقراطية.

ميدانياً، ترافق ذلك مع استقدام القوات الحكومية تعزيزات كبيرة في عدة أرتال إلى محيط المنطقة، تضمنت عربات تحمل أسلحة رشاشة ثقيلة وراجمات صواريخ محلية خلال وقت توجد قوات سوريا الديمقراطية في المنطقة ذاتها بكثافة، لكنها تعلن باستمرار وقوع هجمات من خلال قذائف أو طائرات مسيرة مفخخة على نقاطها أو المناطق السكنية الخاضعة لسيطرتها، بما فيها سد تشرين الواقع شمال منطقة دير حافر وهو الآخر يتوقع أن يكون مسرحاً لمواجهات محتملة بين الطرفين في حال وقوع الصدام العسكري الوشيك.

قبل منتصف ليل أمس أصدر المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية تحديثاً عن الأوضاع الميدانية، جاء فيه أن أجواء دير حافر ومسكنة شرق حلب تشهد تحليقاً مكثفاً للطيران المسير التركي من طراز بيرقدار، “تزامناً مع تحركات مشبوهة لمجموعات مسلحة تابعة لفصائل دمشق في محيط المدينتين، يرافقها إطلاق نار بالأسلحة الرشاشة”، مضيفاً أن قواتهم تتابع التطورات ميدانياً من كثب، وتتعامل مع المستجدات وفق ما تقتضيه الضرورة”. وبعد ذلك بقرابة الساعة أعلن ذات المركز تعرض معمل السكر بدير الحافر لقذائف مدفعية نشرت الدمار في أرجائه.

مصير اتفاق مارس

الرئيس السوري أحمد الشرع وضمن مقابلته الشهيرة مع قناة شمس الكردية والتي امتنعت الفضائية عن نشرها، قال إن “تنظيم ’قسد‘ هو من بدأ مهاجمة أحياء حلب ونحن لم نبدأ العملية العسكرية إلا بعد خروج 90 في المئة من سكان الأشرفية والشيخ مقصود”، وأضاف ضمن مقاطع بثتها “الإخبارية السورية” الرسمية أنهم في الحكومة تجاوزوا الذاكرة السابقة مع تنظيم “قسد”، “في سبيل أن ننقذ سوريا ونبني الدولة جميعاً من دون إقصاء أحد ولا يزال الباب مفتوحاً أمامهم ولم أتراجع عن اتفاق الـ10 من مارس”.

————————-

كرد سوريا ووهم النموذج!/ يحيى الكبيسي

أعادت المواجهة بين الحكومة السورية المعترف بها، اليوم، دوليا، وقوات سوريا الديمقراطية قسد، السؤال الكردي في سوريا مرة أخرى. لقد كتبنا في مقال نشر في «القدس العربي» بعد أسابيع من سقوط نظام بشار الأسد حول عملية الانتقال الصعبة في سوريا، أن قسد «قد نجحت في التمدد في مناطق واسعة بعيدا عن الجغرافيا والديمغرافيا الكردية، وإذا كانت قد خسرت منبج في ريف حلب الشرقي، وانسحبت من دير الزور، وربما ستنسحب من الطبقة أيضا، وبالتالي تخلي مناطق نفوذها تماما غرب الفرات، فإنها ما تزال تسيطر على أجزاء من محافظتي حلب ودير الزور الواقعة شرق الفرات، وليس واضحا ما إذا كانت ستتخلى عنها، أو ستتخلى عن الرقة بالسهولة نفسها وتكتفي بمنطقة إدارة ذاتية في محافظة الحسكة وحدها. والواقع أن الموقف الأمريكي هو الحاسم في هذه الحالة، فهو الداعم الأساسي لهذه القوات، وهو موقف مرتبط بالموقف الأمريكي من الحالة في سوريا عموما.

ولقد ازدادت الأمور تعقيدا بعد أن أعادت قسد انتشارها في دير الزور، ولم تنسحب من حيي الأشرفية والشيخ مقصود التي تسيطر عليها منذ العام 2012، أو المناطق الواقعة على غرب نهر الفرات مثل دير حافر ومسكنة والطبقة. كما أن المفاوضات التي جرت بين الإدارة السورية وقسد والاتفاقات التي أُعلن عنها، بدت وكأنها نتيجة لضغوط أمريكية وليست نتيجة إرادة ذاتية بالتوصل إلى حلول عقلانية، لهذا لم ينتج عنها أي شيء حقيقي على الأرض.

لا يمكن الحديث عن قسد وتمددها دون الحديث عن الدور الأمريكي في هذا التمدد في سياق الحرب على داعش. فقد كان الدعم الأمريكي العسكري والسياسي حاسما في سيطرة قسد على المناطق التي كانت تخضع لسيطرة داعش في شمال شرق سوريا، خاصة بعد نجاحها في طرد داعش من عين العرب في بداية العام 2015، هكذا تمددت قسد في جغرافيا واسعة بعيدا عن المناطق ذات الغالبية الكردية دون أن ينتبه الأمريكيون، كعادتهم، إلى الحساسيات ذات الطبيعة القومية التي تنتج عن هذا التمدد! وبالتالي لا يمكن تفسير سيطرة قسد على هذه المناطق بوصفها نتاجا لقوة ذاتية حقيقية لقسد من الناحية العسكرية، خاصة وأن قسد اعتمدت على الدعم الأمريكي في تجنيد آلاف المقاتلين العرب ضمن قواتها، وهؤلاء سينقلبون عليها إذا ما تغيرت علاقات القوة الحاكمة في مناطقهم، بشكل خاص في دير الزور والرقة ووسط وجنوب محافظة الحسكة!

وكما أن سيطرة قسد على الأشرفية والشيخ مقصود في حلب على مدى 13 عاما قرار سياسي، بدأ مع نظام بشار الأسد، واستمر بعد سقوطه، ولم يكن نتاج علاقات قوى عسكرية، فما كان بإمكان قسد السيطرة عسكريا على حيين محاصرين من جميع الجهات، وأقرب وجود لقسد، في دير حافر، يبعد ما يقارب 35 كيلو مترا عنها، تسيطر عليها قوات الطرف الآخر! لهذا لا يمكن الحديث عن سيطرة قوات الحكومة السورية على هذين الحيين، وحركتها التالية في اتجاه دير حافر ومسكنة، إلا على أنها مقدمة للوصول إلى الطبقة ودير الزور (وفي مرحلة لاحقة إلى محافظة الرقة نفسها، وربما في مرحلة أخيرة إلى الحسكة نفسها) وما كان لهذا أن يحدث لولا التنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية، في سياق عملية أوسع تتعلق بترتيبات المنطقة ككل!

وكانت قسد قد أعلنت في بداية عام 2014، عما أسمته «إقليم الفرات»، والذي يضم عين العرب/ كوباني والبلدات والقرى التابعة لها وهي صرين وقنايا والجلبية (تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظة حلب) وعين عيسى (تقع ضمن الحدود الادارية لمحافظتي الرقة). أما منطقة عفرين، والتي تعد من أهم مناطق وجود المجتمع الكردي في سوريا، وتقع أقصى الشمال الغربي لمحافظة حلب، وتبعد عن عين العرب مسافة تتجاوز 200 كيلو متر بخط مستقيم، ولا تقل عن 300 كيلو متر عبر الطريق البري، وفيها أعلنت وحدات حماية الشعب/ قسد سيطرتها عليها في بداية عام 2014، فقد اضطُرَت للانسحاب منها بعد تدخل القوات التركية والمعارضة السورية الحليفة لها إلى المدينة ومحيطها عام 2018، وهو ما نتج عنه نزوح واسع النطاق للمواطنين الكرد من هناك في اتجاه مناطق سيطرة قسد في مدينة حلب وفي شرق وشمال شرق محافظة حلب، كما شهدت المدينة ومحيطها نزوحا عكسيا من المواطنين في المواجهات الأخيرة في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، فوفقا لأرقام مؤسسة البارزاني الخيرية فقد نزح 139 ألف مواطن كردي/ 27 ألف عائلة في اتجاهها.

وتشكل مدن القامشلي وعمودا والمالكية والدرباسية، التجمع الكردي الثالث الأهم في سوريا، وتقع في أقصى شمال شرق سوريا ضمن الحدود الإدارية لمحافظة الحسكة. وليس ثمة إحصاء رسمي يحدد حجم السكان العرب أو الكرد في المحافظة، حيث إن ثمة تضاربا في الأرقام والسرديات حول الوضع الديمغرافي نسب كل من العرب والكرد فيها!

هذا الافتقاد الحقيقي للجغرافية الكردية في سوريا، وبعيدا عن السرديات المتوهمة، يطيح بأي إمكانية تتعلق بفيدرالية كردية تضم هذه التجمعات الثلاثة، على غرار نموذج إقليم كردستان العراق؛ ومن ثم على قسد أن تفكر بنموذج آخر أكثر واقعية وعقلانية، خاصة وأن حركة النزوح الواسعة التي تسببت بها الحرب في سوريا قد عقدت الأوضاع على الأرض؛ فوفقا لأرقام مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «OCHA»، بلغ عدد النازحين في عفرين 180 ألفا و161 نسمة أي ما نسبته 84٪ من إجمالي السكان، بينما بلغ عدد المقيمين الأصليين 35 ألفا و420 أي ما نسبته 16٪ من سكانها فقط! فقد كانت حركة النزوح العربية واسعة في اتجاه عفرين بعد عام 2018 (من مناطق الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي ودرعا وريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي) فضلا عن الهجرة العسكرية للكرد من المدينة بعد فقدان قسد السيطرة عليها.

في المقابل، لا يمكن لعاقل أن يتوهم أنه بالإمكان العودة إلى الوضع الذي كان قائما قبل العام 2011، وأنه يمكن للكرد أن يتخلوا عن حقوقهم السياسية والثقافية المكتسبة، أو أن يجبروا على ذلك!

ولتلك الأسباب جميعها على الطرفين الحكومة السورية وقسد، وبوساطة أمريكية وكردية عراقية (الأستاذ مسعود البارزاني شخصيا) أن يتوصلا إلى اتفاقية طويلة المدى، تبدأ بتطبيع الأوضاع في هذه المناطق، وإعادة النازحين منها وإليها إلى مناطقهم الأصلية، وإجراء استفتاء في هذه التجمعات الثلاثة: القامشلي وما حولها، وعين العرب وما حولها، وعفرين وما حولها، حول إدارة ذاتية واسعة الصلاحيات، قد تقترب من الصلاحيات الفيدرالية، وأن تتحول القوات العسكرية التابعة لقسد إلى وحدات أمن داخلي وشرطة محلية، مع التأكيد على وحدة الأراضي السورية وعدم المساس بها.

في الحروب الأهلية ليس هناك منتصر ومهزوم، بل الجميع خاسرون في النهاية، العقل والحكمة وحدهما يحققان نصرا حقيقيا لكل الأطراف!

كاتب عراقي

القدس العربي

————————-

قسد بين انسداد المسار التفاوضي مع دمشق وتآكل المظلة الأمريكية/ خليل البطران

تعثّر المفاوضات: خلاف بنيوي لا تقني

لا يزال المسار التفاوضي بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وحكومة دمشق يراوح مكانه، رغم تعدد الجولات والوساطات غير المعلنة. فجوهر الخلاف لم يعد مرتبطا بتفاصيل إجرائية أو أمنية، بل بطبيعة الصيغة السياسية للدولة السورية في مرحلة ما بعد الحرب.

«قسد» ما زالت تطرح نفسها كقوة عسكرية ـ سياسية تسعى إلى الحفاظ على شكل من أشكال اللامركزية الإدارية والعسكرية، بما يضمن لها نفوذا مؤسسيا في مناطق سيطرتها. في المقابل، تصرّ دمشق على مقاربة تقليدية تقوم على إعادة دمج الأفراد، ضمن مؤسسات الدولة، مع رفض أي كيان عسكري أو إداري ذي طابع مستقل أو شبه مستقل.

هذا التباين البنيوي، جعل المفاوضات أقرب إلى إدارة خلاف، لا إلى تسوية حقيقية، ما يفسر تعثرها المتكرر رغم الإشارات الإيجابية التي تظهر أحيانا في الخطاب الإعلامي للطرفين.

من التفاوض السياسي إلى المقاربة التنفيذية

في مراحل سابقة، امتنعت الحكومة السورية عن استقبال وفود سياسية موسعة تمثل «قسد»، مفضلة الاكتفاء بقنوات محددة يُقال إنها ترتبط بتفاهمات أولية مع قيادة «قسد». ويعكس هذا السلوك توجّه دمشق إلى التعامل مع الملف بوصفه مسألة تنفيذية ـ أمنية، لا مسارا سياسيا مفتوحا، إذ ترى دمشق أن الإطار العام للتسوية قد حُسم، وما تبقى هو آليات التطبيق، في حين ما تزال قسد تطالب بضمانات سياسية واضحة، ما يعمّق فجوة الثقة بين الطرفين. رغم أن الولايات المتحدة لم تعلن انسحابا نهائيا من سوريا، إلا أن سياستها خلال المرحلة الأخيرة تتسم بتقليص الانخراط المباشر، والتركيز على ملفات محددة، مثل محاربة تنظيم داعش، ومراقبة التحركات الإيرانية، وحماية المصالح الاستراتيجية بأقل كلفة ممكنة. هذا التوجه أضعف موقع «قسد» التفاوضي، إذ بات واضحا أن واشنطن لم تعد مستعدة للدخول في مواجهة مفتوحة دفاعا عن مشروع سياسي شمال شرق سوريا، بقدر ما تسعى إلى إدارة مرحلة انتقالية تضمن عدم انهيار أمني مفاجئ، ولو جاء ذلك على حساب سقف طموحات «قسد».

تتعامل الحكومة السورية مع عامل الوقت بوصفه عنصر قوة، فهي تدرك أن «قسد» تواجه تحديات داخلية متزايدة، سواء على مستوى الحاضنة الشعبية في المناطق ذات الغالبية العربية، أو على مستوى الانقسامات داخل بنيتها القيادية، بين تيار براغماتي يميل للتسوية، وآخر متشدد يراهن على استمرار الدعم الخارجي. هذا الإدراك يجعل دمشق أقل استعجالا وأكثر ميلا لترك «قسد» أمام استحقاق الاختيار بين تسوية مكلفة سياسيا أو مواجهة مفتوحة متعددة الجبهات. بالتوازي مع الجمود السياسي، يشهد الميدان تحركات عسكرية وأمنية تعكس حالة «اللاحرب واللاسلم». فعمليات التحصين، وإعادة الانتشار، والتجنيد، تُستخدم كأدوات ضغط ورسائل ردع متبادلة، أكثر من كونها مؤشرا على قرار فوري بالحسم العسكري. غير أن خطورة هذا الواقع تكمن في قابليته للانفجار عند أي خطأ في الحسابات، خاصة في ظل تداخل اللاعبين الإقليميين، وعلى رأسهم تركيا، التي تراقب المشهد وتحتفظ بخيارات التدخل متى رأت أن مصالحها مهددة.

فشل التفاهمات وانعكاسها الميداني

تأتي هذه القراءة في وقت كشفت فيه مصادر رسمية سورية، وفق ما نقلته الإخبارية السورية، عن وجود مفاوضات جرت مؤخرا بين الحكومة السورية وميليشيا «قسد»، من دون أن تُسفر عن أي تقدم ملموس في تنفيذ اتفاق 10 آذار، ولاسيما في الشقين الأمني والعسكري. ولم يلبث هذا التعثر أن انعكس ميدانيا، مع تسجيل تصعيد أمني في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، الخاضعين لسيطرة «قسد»، في مؤشر واضح على أن الجمود السياسي بات يُترجم مباشرة على الأرض، وأن الاتفاقات القائمة تفتقر إلى آليات إلزام حقيقية وقابلة للاختبار الميداني.

المتغير الإقليمي والدولي: تضييق هوامش المناورة

إقليميا، تشهد المنطقة مسار إعادة تموضع سياسي تُعاد فيه صياغة العلاقات والتحالفات، وفق منطق المصالح لا الشعارات. ودوليا، لم تعد سوريا ملفا ذا أولوية قصوى، بل جزءا من مشهد أوسع تتداخل فيه اعتبارات الأمن والطاقة والتوازنات الكبرى. في هذا السياق، تتراجع قدرة «قسد» على المناورة، بعدما فقدت كثيرا من أوراق الضغط، التي كانت تمتلكها في سنوات سابقة، سواء بفعل التحولات الدولية أو التغيرات الميدانية.

أرى أن مآلات ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي الأشمل، ولا سيما مسار التفاهمات الأمنية غير المعلنة في الجنوب السوري. فمستقبل «قسد»، حسب رأيي، مرهون بدرجة أساسية بمدى إنجاز اتفاق أمني بين حكومة دمشق والكيان الصهيوني، سواء جاء على شكل اتفاق مباشر، أو تفاهم برعاية دولية يهدف إلى تثبيت قواعد اشتباك جديدة وضمان أمن الحدود الجنوبية. في هذا الإطار، يغدو مفتاح الحل الحقيقي خارج شمال شرق سوريا، وليس مرتبطا بأمرالي، حيث يقبع عبد الله أوجلان، كما يزعم البعض، إذ لم تعد العوامل الأيديولوجية أو التنظيمية هي الحاكمة للقرار، بقدر ما تحكمه حسابات الأمن الإقليمي والتوازنات الدولية.

تقف «قسد» اليوم أمام مفترق طرق حاسم، فالحل السياسي المتاح، على الرغم من كلفته العالية، قد يضمن بقاءها ضمن معادلة الدولة السورية، ولو بشروط أدنى من طموحاتها. أما خيار التصعيد، فيحمل مخاطر كبيرة في ظل اختلال ميزان القوى، وتراجع الغطاء الدولي، وتشابك الجبهات المحتملة. وبين هذين الخيارين، يبدو أن مستقبل «قسد»، ومعه مستقبل شمال شرق سوريا، سيتحدد بمدى قدرة الفاعلين المحليين والدوليين على إنتاج تسوية واقعية، أو الفشل مجددا والدخول في مرحلة جديدة من الصراع المفتوح، حيث ليس هناك رابح حقيقي.

كاتب سوري

القدس العربي

—————————–

 لماذا يتحشّد الجيش السوري في دير الزور بينما المعركة المتوقعة في دير حافر؟/ سامر العاني

2026.01.15

في ظل الحديث المتصاعدة حول قرب اندلاع معركة عسكرية في منطقة دير حافر بين القوات الحكومية السورية وتنظيم قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تشهد منطقة دير الزور تحشيداً عسكرياً مكثفاً على طول سرير نهر الفرات، ما أثار حول أنّه إذا كانت المعركة المنتظرة في دير حافر، فلماذا التعزيزات في دير الزور؟

يبرز هذا السؤال في ظل عدم وضوح في الوضع الميداني، يترافق مع تحركات لقوّات الجيش العربي السوري على الأرض، ومعلومات مقتضبة من مصادر عسكرية، ممّا يتطلّب فحصا دقيقا للوقائع والتحركات، والدوافع المحتملة وراء هذه التحشيدات.

دير حافر ودير الزور في بؤرة التوتر

منذ أسابيع، تصدرت منطقة دير حافر في ريف حلب الشرقي عناوين التحليلات العسكرية بعد تكرار الحديث عن احتمال شنّ عملية عسكرية كبيرة بين الجيش العربي السوري وقسد، وتُعد دير حافر موقعاً استراتيجياً على الطريق الدولي M4 الذي يربط حلب بشرق سوريا، وهو ما يجعل السيطرة عليه ذات قيمة لوجستية وعسكرية كبيرة لأي طرف.

في المقابل، ظهرت تحركات لافتة في دير الزور، خصوصاً على امتداد ضفتي نهر الفرات، حيث تم رصد تعزيزات عسكرية للفرقتين 66 و 86 التابعة لقوّات الجيش السوري، وهو ما حوّل التركيز الإعلامي والعسكري من دير حافر إلى دير الزور.

يقول مصدر عسكري في الجيش السوري، لموقع تلفزيون سوريا، إن تعليمات رُفعت إلى الوحدات العسكرية في دير الزور برفع مستوى الجاهزية، مشيراً إلى أن هذا التحشيد لا يقتصر على تحريك آليات أو تشكيلات قتالية، بل يشمل أيضاً تعزيز خطوط الاتصال، والإمداد، والتنسيق بين الوحدات المختلفة على الأرض.

المصدر نفسه أكد أنهم تلقوا تعليمات بالتعامل مع أي تحصينات جديدة تقوم قسد بإنشائها على سرير نهر الفرات بـ”السلاح المناسب”، مع التأكيد على عدم إلحاق أذى بالمدنيين، في إشارة واضحة إلى حرص القيادة العسكرية -كما قال المصدر- على تفادي وقوع خسائر بشرية بين المدنيين.

وأضاف أن قسد استبدلت مؤخراً العناصر الموجودة في نقاط عدة على سرير النهر بمقاتلين جُلبوا من خارج دير الزور، ما يشير إلى أنّها خطوة تصعيدية تستدعي رداً لأي تحصين جديد.

لماذا في دير الزور وليس في دير حافر فقط؟

لتفسير التحشيد في دير الزور، لا بد من فهم أهميته الاستراتيجية، حيث أنّ نهر الفرات يشكّل محوراً مهمّا في شرق سوريا، والسيطرة على ضفتيه تمنح أي طرف قدرة على تأمين طرق الإمداد، وتحركات القوات، ومناطق النفوذ، ومن زاوية عسكرية، فإن أي نية لشنّ هجوم كبير في دير حافر من الممكن أن تتطلب تأمين خطوط إمداد إضافية من الشرق، ما يجعل دير الزور قاعدة خلفية مهمة.

يقول المحلل العسكري حاتم العبيد، إنّ استبدال قسد لعناصرها في مواقع عدة، وإحضار مقاتلين من خارج دير الزور، إلى أنّه يهدف إلى تعزيز الدفاعات حول مواقع حساسة على نهر الفرات، مضيفا أنّ مثل هذه التحركات عادة ما تفسّر بكونها محاولة للاستعداد لرد محتمل على أي عملية يقودها الطرف المقابل، أو كتحصين لمواضع إستراتيجية مهمة.

ويضيف العبيد، إذا كانت الحكومة السورية تخطّط لتحرك شامل نحو دير حافر، فمن المرجّح أن يشمل ذلك عمليات متزامنة في مناطق أخرى لتأمين المسرح العملياتي بشكل كامل، وبالتالي فإن وجود تعزيزات في دير الزور يمكن أن يكون جزءاً من خطة أوسع لتأمين محاور متعددة قد تشمل، حماية خطوط الإمداد، والضغط على مواقع قسد في أكثر من اتجاه، وضمان عدم ترك مناطق خلفية دون رقابة في حال اندلاع المواجهات الرئيسية في دير حافر.

تداعيات الأشرفيّة والشيخ مقصود

من المتوقّع أن تطرأ تغييرات كبيرة جداً، تندرج جميعها تحت عنوان تداعيات ما حصل في الشيخ مقصود والأشرفية، وستتأثّر الكثير من المناطق بسلوك قسد الذي ظهر خلال هذه المعارك، وهذا السلوك وجّه رسائل صريحة إلى مختلف الأطراف، قد تدفعها إلى تغيير مقارباتها في التعامل مع قسد، سواء كانت قوى محلية في دير الزور والرقة، أو الحكومة السورية، أو حتى البعد العشائري والمكوّنات الاجتماعية.

يقول الباحث وائل علوان، لموقع تلفزيون سوريا إنّ ما حصل في الشيخ مقصود والأشرفية هو أنّ قسد هي من بدأ بالاستفزاز والضغط والاعتداء، وذهبت بعيداً في الإفراط باستخدام القوة ضد المدنيين، وفي تهديد السلم الأهلي وحياة المدنيين، ثم لجأت بعد ذلك إلى التبجّح بشعارات المقاومة والثبات والصمود، لكنها سقطت خلال يومين أو ثلاثة أيام من المعركة، ولم تستطع أن تقدّم أي إنجاز يُذكر، لا على المستوى الإعلامي، ولا على المستوى الأمني والعسكري، فضلاً عن إخفاق كبير جداً على المستوى السياسي، حيث لم تقبل حتى بخروجٍ مقبول نسبياً لمقاتليها من الشيخ مقصود والأشرفية.

وهذا المشهد بحسب علوان، ستكون له انعكاسات كبيرة جداً على كامل الخريطة السورية، وعلى تموضع قسد داخلياً وخارجياً، مضيفا أنّ الثقة بقسد أصبحت مهزوزة بشكل واضح، سواء على المستوى السياسي ومستوى حكمة القرار، أو على المستوى الأمني والعسكري، وكذلك على مستوى التماسك الداخلي، وهذا الأمر ينعكس على جميع المناطق التي تسيطر عليها.

ويرى علوان أنّ ما بعد قسد في الشيخ مقصود والأشرفية هو قسد في دير حافر، وسد تشرين، ومسكنة، وكل المناطق الواقعة غرب نهر الفرات، وهذا الواقع، إلى جانب موقف قسد غير المرن والمتشبّث، سيؤدي إلى مزيد من تدهور سمعتها على امتداد الخريطة السورية.

ويختم أنّ هناك حراك محلي، وهناك قدرة كبيرة جداً على الضغط من قبل الحكومة السورية على مناطق أخرى، أبرزها الرقة ودير الزور، إضافة إلى منطقة عين العرب التابعة إدارياً لمحافظة حلب، وهذه المناطق ستكون أيضاً محاور ضغط مستمر، وستشهد تحركات على المستوى المحلي، نتيجة عجز «قسد» عن إدارة موقف يتيح لها بناء قدر من الثقة داخل المناطق التي تسيطر عليها.

في المحصلة، يبدو أن التحشيد العسكري في دير الزور، بالتوازي مع قرب اندلاع معركة في دير حافر، يعكس توتّرا كبيرا وإعادة التموضع، فدير حافر تبقى هدفاً استراتيجياً، فيما تشكّل دير الزور عمقاً جغرافياً وعسكرياً لا يمكن تجاهله في أي سيناريو تصعيدي، وبين هاتين المنطقتين، تتداخل الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية، ليبقى المشهد مفتوحاً على أكثر من احتمال، بانتظار ما ستكشفه التطورات الميدانية أو تفاهمات قد توقف المواجهة، أو تدفع بها إلى الواجهة.

تلفزيون سوريا

—————–

بعد التطورات الأخيرة.. اتفاق آذار مجمد والمسار العسكري مستمر/ محمد كساح

15 يناير 2026

يبدو أن اتفاق آذار/مارس الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي قد بات أقرب إلى التجميد، خاصة في ظل سيطرة الجيش السوري على حيي الشيخ مقصود والأشرفية ما يفقد قسد ورقة ضغط كبيرة طالما استعملتها سابقًا، مقابل زيادة الحمولة التفاوضية للحكومية السورية في هذا الملف.

قسد ترغب بجولات تفاوض

وتؤشر تصريحات مسؤولي قسد على أنها لا تزال ترغب بجولات جديدة من المفاوضات. وقالت القيادية في “الإدارة الذاتية” إلهام أحمد، إن الحكومة السورية “نقضت” اتفاق 10 آذار/مارس مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” إلا أنها أعربت عن استعداد الأخيرة للتفاوض على أساس الاتفاق.

وقالت أحمد للصحافيين إن “قسد” ما زالت ملتزمة باتفاق 10 آذار حتى الآن، “ونحن مستعدون للتفاوض في إطار الاتفاق”، وذلك على الرغم من “نقض” الحكومة السورية الاتفاق بالهجوم على حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب.

واعتبرت أن “إشعال الحرب من قبل الحكومة السورية هو نقض أحادي الجانب للاتفاق”، وأن الأحداث الجارية في سوريا “تشكل خطرًا على البلاد والمنطقة وستزيد التدخلات الخارجية ومن الممكن أن يتم تصدير الإرهاب مرة أخرى لخارج سوريا”.

وقالت إن “الحكومة السورية الانتقالية هي المسؤولة الأكبر عن عدم تطبيق الاتفاق”.

الحكومة تعمل ضمن مسارين

بالنسبة للحكومة السورية، يبدو أنها ستمضي في الأعمال العسكرية لكنها لن تكون المسار الوحيد الذي ستتخذه، حيث يمكن تفعيل المسار السياسي لكن كجزء لاحق داعم للعمليات الحربية.

وفيما يشهد ريف حلب الشرقي تصعيدًا متزايدًا بين الجيش السوري و”قوات سوريا الديمقراطية”، أعلنت هيئة العمليات العسكرية في الجيش أن المنطقة الممتدة من دير حافر وحتى مسكنة منطقة عسكرية مغلقة، على ضوء ما قالت إنه حشود عسكرية كبيرة مستمرة لـ”قسد” في المنطقة.

وأكدت الهيئة أن الجيش السوري سيقوم “بكل ما يلزم لمنع المجموعات المسلحة التي تحتشد في هذه المنطقة من استخدامها كنقطة انطلاق لعملياتها”.

بينما وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سيطرة الجيش السوري على حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب بأنه “مكسب مهم للسلام والاستقرار في سوريا”، معتبرًا أنه “فرصة تاريخية لتطبيق اتفاق 10 آذار/مارس” بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية.

واعتبر أردوغان أن الحكومة السورية تتصرف بـ”منهجية شاملة”، مؤكدًا أن الوضع الراهن في حلب، ما بعد العملية العسكرية للجيش السوري، وفّر “فرصة لتطبيق” اتفاق 10 آذار/مارس.

اتفاق آذار بحكم المنتهي ميدانيًا

وتعليقًا على هذه التصريحات، يستبعد الباحث في العلاقات الدولية والشأن التركي، د. مهند حافظ أوغلو إقدام قسد على تقديم خطوات ملموسة وجادة لتفعيل اتفاق آذار، معتبرًا خلال حديث لـ”ألترا سوريا” أن الاتفاق ميدانيًا بحكم المنتهي، بل ولد ميتًا ويسير نحو الإلغاء التام بسبب تصرفات قسد التي تحاول نشر الفوضى الأمنية في مناطق سيطرة الحكومة السورية.

ويرى أن الاتفاق فرغ من مضمونه وأصبح عبئًا على الدولة السورية بشكل أساسي لكنها لا تعلن انتهاءه كونها ترغب بإبقائه كمرجعية سياسية يمكن الرجوع إليها في حال جرت جولات أخرى من المباحثات.

ومثلما يشكل اتفاق آذار عبئًا على الحكومة السورية، يلفت حافظ أوغلو إلى أنه بات أيضًا عبئًا على قسد التي تحاول التملص منه، عبر محاولة فرض وقائع ميدانية مختلفة، عازيًا هذا التعنت في رفض تنفيذ بنود الاتفاق إلى قرارات تتحكم بقسد وتأتي من خارج الجغرافيا السورية.

ويلاحظ أن قسد تحاول خلق مظلومية جديدة عقب معركة الشيخ مقصود، لكنها فشلت خاصة في ظل الحرب النفسية التي تمارسها الحكومة السورية ضدها، مؤكدًا أن الموقف بين الطرفين قابل للانفجار، ما يعني أن المعركة الكبرى قد تندلع في أي لحظة.

فرص دمشق وخياراتها أوسع

من جانبه، يعتقد الكاتب والمحلل السياسي فراس علاوي زوال أسباب وجود اتفاق آذار بشكله السابق، خاصة في ظل حصول الحكومة السورية على ورقة كانت تستخدمها قسد للضغط، والمتمثلة بالسيطرة على حيي الأشرفية والشيخ مقصود.

ويضيف خلال حديث لـ”ألترا سوريا” أن انتصار الحكومة في هذه المعركة زاد حمولتها على طاولة المفاوضات وغدت في موقف أقوى من موقف قسد، وهذا يعني أنه حتى لو اختار الطرفان المضي في اتفاق آذار، فسوف يكون اتفاقًا معدَّلًا لصالح الحكومة السورية.

ومن حيث إلغاء الاتفاق رسميًا، يشير علاوي إلا أن الاتفاق لا يزال ساري المفعول نظرًا لوجود تصريحات أمريكية تنص على العودة إلى الاتفاق، لكنه يلفت إلى أن الحكومة ستفرض شروطًا جديدة على قسد.

وبعد عملية حلب، يرى علاوي أن المسار العسكري غالبًا لن يتوقف، لكنه سيكون موازيًا لجولات تفاوضية ومباحثات بين الطرفين، مؤكدًا أنه بعد خسارة قسد حيي الشيخ مقصود والأشرفية أصبحت الكفة متوازنة بين المسارين العسكري والسياسي.

ويرى أن مقومات العمل العسكري في هذا التوقيت باتت متوفرة بشكل ملموس، حيث يمكن لأي صدام أو تحرك غير مبرر أن يقود إلى عمليات حربية، مرجحًا حدوث عملية غربي الفرات تشابه ما حدث في حلب، حيث ستلجأ الحكومة إلى سياسة قضم جديدة، مع بقاء شرقي الفرات ضمن المسار السياسي التفاوضي.

ألترا سوريا

———————–

هل سقط اتفاق الأول من نيسان في أزقة “الأشرفية” و”الشيخ مقصود”؟/ معاذ الحمد

فشل اتفاق نيسان كيف سيؤثر على سكان حيي الشيخ مقصود والأشرفية

2026-01-16

لم يكن اتفاق الأول من نيسان/ أبريل سوى انعكاس لبيئة سياسية وأمنية غير ناضجة للحل، إذ وُلد في ظل غياب قرار سيادي جامع، وهيمنة مقاربات أمنية ضيقة على حساب الشراكة المجتمعية، وافتقار واضح لآليات التنفيذ والضمان، بحسب ما يرى محللون، فاتفاق خفض التصعيد انهار بسبب ضعف الثقة، تداخل الحسابات المحلية والإقليمية، وتجاهل الطبيعة الاجتماعية المركبة للحيين.

عن البيئة السياسية التي وُلد فيها الاتفاق، يقول الكاتب والباحث السياسي شفان الخابوري لـ”963+” إن الاتفاق سقط “لأنه وُلد في بيئة سياسية غير ناضجة للحل”، مشيراً إلى أن غياب قرار سيادي داخلي موحّد يضع حماية المدنيين فوق الحسابات الأمنية الضيقة، أبقى عقلية الغلبة سائدة على حساب منطق الشراكة.

وفي تفسير العوامل الإقليمية المؤثرة، يوضح الخابوري أن “تعثر الاتفاق لا يمكن فصله عن الدور التركي”، الذي يرى، بحسب تعبيره، في استقرار حيي الشيخ مقصود والأشرفية “تهديداً مباشراً لمشروعه القائم على الفوضى”، معتبراً أن أي تفاهم يخفف التوتر ويمنح الأكراد شعوراً بالأمان “يُنظر إليه في أنقرة على أنه تقويض لأدوات الضغط التي تستخدمها في الشمال السوري”. ويضيف حرفياً: “الاتفاق سقط لأن هناك من لا يريد الاستقرار، بل يفضّل بقاء مناطق رخوة قابلة للاشتعال عند الحاجة”.

وشهدت المنطقة تصعيداً تدريجياً انتهى، مع بداية عام 2026، إلى اشتباكات واسعة بين قوات من وزارة الدفاع والأمن الداخلي (الأسايش)، ما عكس انهياراً فعلياً للاتفاق الأمني. ويرى الباحث والمحلل السياسي حسن جابر في تصريحات لـ”963+” أن اتفاق الأول من نيسان كان مرحلياً لخفض التصعيد، وجزءاً من تفاهمات أوسع، ولم يُفترض قراءته بوصفه الغاية النهائية للمفاوضات، بل خطوة تمهيدية على طريق الاندماج الكامل لقسد ضمن مؤسسات الدولة السورية. وهو يردّ تعثره إلى “غياب الالتزام الجاد ببنوده، ولا سيما ما يتعلق بسحب السلاح الثقيل من حيي الأشرفية والشيخ مقصود”، مشيراً إلى أن الاشتباكات الأخيرة كشفت استمرار وجود هذا السلاح.

من زاوية التركيبة المحلية وتعقيد المشهد الاجتماعي، يشير الباحث في شؤون الجماعات الأصولية عمرو فاروق إلى أن انهيار الاتفاق يعود أيضاً إلى “تنوع التركيبة المجتمعية والمعقدة للحيّين، وسيطرة هياكل اجتماعية تقليدية من شيوخ وأعيان محليين على جزء من القرار، إلى جانب تعدد الفاعلين العسكريين والمدنيين، وانتشار فصائل معارضة متعددة، بعضها مستقل عن المجالس المحلية وبعضها مرتبط بداعمين إقليميين”، وهو “ما أضعف سلطة الاتفاق الرسمي على الأرض”. ويضيف لـ”963+”: “تسعى الحكومة السورية الانتقالية للهيمنة العسكرية على حلب بسبب فشل المسار التفاوضي وتعثر تنفيذ اتفاق 10 مارس 2025، نظراً لأهميتها الاقتصادية والاستراتيجية ورفض أي بنود تمييزية للأكراد دستورياً وسياسياً”.

يتقاطع هذا التوصيف مع ما طرحه جابر حول تبدل المقاربات السياسية، إذ يشير إلى أن “العامل التركي يشكل عنصراً ضاغطاً إضافياً، في ظل صراع بنيوي ممتد بين الدول الإقليمية والمشاريع الكردية”.

ومع تصاعد القتال، أعلن قائد “قسد” الجنرال مظلوم عبدي التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بوساطة دولية يشمل إخراج القتلى والجرحى والمقاتلين، فيما أعلنت وزارة الدفاع سيطرتها الكاملة على حيّي الأشرفية والشيخ مقصود، وسط نزوح مئات المدنيين ونقص الخدمات الأساسية.

سياسياً، حذّرت الأمم المتحدة ودول غربية من أن تصاعد القتال في حلب قد يهدد استقرار تفاهمات سابقة، بينها اتفاق 10 آذار 2025. وفي المقابل، صدرت دعوات للحوار، شملت مطالبات بدمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية بطريقة سلمية. وفي هذا الإطار، يشدد الخابوري على أن التجربة أفرزت دروساً أساسية، أبرزها أن “لا أمن بلا كرامة”، وأن “أي اتفاق بلا ضمانات تنفيذ واضحة هو تأجيل للانفجار لا منعه”، معتبراً أن حماية مناطق محاصرة لا يمكن أن تتم بعقلية الطوارئ الدائمة. كما يؤكد جابر أن مسؤولية تعثر الاتفاق لا تقع على طرف واحد، داعياً إلى “تغليب لغة الحوار والاندماج والتسوية السلمية، بما يحفظ وحدة سوريا وهويتها، وحقوق مكوناتها الاجتماعية، دون الانزلاق نحو مشاريع حكم ذاتي قد تقود في نهايتها إلى تقسيم البلاد”.

+963

———————————

 سد تشرين بين الجغرافيا والسياسة.. لماذا يتقدّم على سلّم أولويات الحكومة السورية؟/ باسل المحمد

2026.01.15

 بعد أيام من انسحاب قوات سوريا الديمقراطية “قسد” من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، إثر معارك دقيقة قوات الجيش السوري في تلك الأحياء، تتجه الأنظار إلى ريف حلب الشرقي حيث تستعد الحكومة السورية لبسط سيطرتها على مناطق دير حافر ومسكنة، وصولًا إلى سد تشرين الاستراتيجي.

ويأتي هذا التحرك في ظل اتهامات متكررة لقسد بالمماطلة في تنفيذ كامل بنود الاتفاق، ما دفع دمشق إلى التعامل مع ملف شرقي حلب بوصفه أولوية سيادية وأمنية لا تحتمل التأجيل، خاصة أن سد تشرين يشكّل أحد أهم المفاصل الجغرافية والاقتصادية في شمالي سوريا.

الأهمية الاستراتيجية والعسكرية

يشكّل سد تشرين أحد أبرز المفاصل الجغرافية والعسكرية في شمالي سوريا، نظرًا لموقعه على نهر الفرات في ريف حلب الشرقي، حيث يتحكم عمليًا بإحدى أهم نقاط العبور بين ضفتي النهر. هذا الموقع يمنح الجهة المسيطرة عليه قدرة مباشرة على ضبط الحركة الميدانية بين غرب الفرات وشرقه، ويجعل منه بوابة استراتيجية نحو مناطق الجزيرة السورية.

عسكريًا لا يُنظر إلى السد باعتباره منشأة خدمية فحسب، بل كعقدة تحكم ميداني تؤثر في خطوط الإمداد وانتشار القوات، وتتيح فرض وقائع أمنية تتجاوز محيطه الجغرافي المباشر، وقد أثبتت سنوات الحرب أن السيطرة على سد تشرين غالبًا ما كانت تمهّد لتغيرات أوسع في موازين القوى شرق حلب، سواء من حيث تأمين العمق الدفاعي أو فتح مسارات التقدم نحو مناطق أخرى.

كما أن الطبيعة الجغرافية للسد وبحيرته تمنحه بعدًا دفاعيًا إضافيًا، إذ يشكّل حاجزًا طبيعيًا يصعب تجاوزه في العمليات العسكرية، ما يجعله نقطة ارتكاز مثالية لأي قوة تسعى لتثبيت نفوذها أو منع خصومها من التمدد؛ ولهذا السبب، ظل سد تشرين حاضرًا في صلب الحسابات العسكرية والسياسية لمختلف الأطراف، وتحول إلى هدف دائم في أي سيناريو لإعادة رسم خريطة السيطرة في شمالي البلاد.

دوره الاقتصادي في توليد الكهرباء وتوفير مياه الري والشرب

إلى جانب ثقله العسكري، يحتل سد تشرين موقعًا محوريًا في المنظومة الاقتصادية والخدمية شمالي سوريا، حيث بدأت أعمال إنشاء السد عام 1991 ودخل حيز التشغيل الفعلي عام 1999، ويصنف كثالث أكبر محطة لتوليد الكهرباء في البلاد بعد سد الطبقة في محافظة الرقة، والمحطة الحرارية في حلب.

كما يسهم السد في ري عشرات آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، ما يجعله عنصرًا أساسيًا في دعم الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي في المنطقة.

ولا تقتصر أهمية السد على الكهرباء والري فحسب، بل تمتد إلى تأمين مصادر المياه لعدد كبير من التجمعات السكانية، سواء للاستخدام الزراعي أو لتلبية احتياجات الشرب، إذ يسهم السد في تغذية مساحات واسعة من ريفي حلب والرقة بالمياه، بما في ذلك محطة الخفسة التي تشكل مع محطة البابيري مصدراً رئيسياً لإمدادات المياه داخل محافظة حلب.

وقد أظهرت التجربة خلال الفترات التي تعطّل فيها عمل السد مدى حساسية هذه المنشأة، إذ انعكس أي توقف أو تراجع في أدائها بشكل مباشر على حياة المدنيين، عبر انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي واضطرابات في إمدادات المياه. من هنا، يُنظر إلى استقرار تشغيل سد تشرين بوصفه ضرورة خدمية واقتصادية ملحّة، تتجاوز الحسابات السياسية والعسكرية إلى صلب الحياة اليومية لسكان شمالي البلاد.

تعدد جهات السيطرة على السد

منذ اندلاع الثورة السورية، كان سد تشرين هدفًا مباشرًا لتبدّل موازين القوة في شمالي البلاد، ففي عام 2012، سيطر الجيش السوري الحر على السد بعد خروجه عن سيطرة النظام المخلوع، قبل أن ينتزع تنظيم داعش السيطرة عليه عام 2014 بالتزامن مع تمدده في مدينة منبج ومحيطها.

وفي أواخر عام 2015، تمكنت قوات سوريا الديمقراطية من السيطرة على السد ضمن عمليات عسكرية مدعومة من التحالف الدولي، ليبقى منذ ذلك الحين تحت إدارتها الفعلية.

ومنذ إحكام قسد سيطرتها، تحوّل سد تشرين إلى أحد أبرز نقاط الصراع العسكري والسياسي، باعتباره منشأة استراتيجية ذات وزن اقتصادي وأمني بالغ. ودافعت قسد عن السد بوصفه خطًا دفاعيًا متقدمًا، في مواجهة محاولات متكررة من فصائل الجيش الوطني للتقدم في ريف منبج والوصول إلى ضفاف الفرات.

وقد شهد محيط السد مواجهات عنيفة خلال السنوات الماضية، كان أبرزها أواخر عام 2024، حين اندلعت معارك مكثفة في محاولة للعبور نحو غرب الفرات، قبل أن تتمكن قسد من تثبيت سيطرتها ومنع أي اختراق ميداني.

وفي ظل هذه المعادلة، بات سد تشرين ورقة ضغط أساسية في العلاقة بين قسد والحكومة السورية، خصوصًا مع تصاعد الضغوط السياسية والعسكرية على قسد للتراجع عن بعض مواقعها والالتزام باتفاق العاشر من آذار، تفاديًا لانزلاق المشهد إلى مواجهة مفتوحة.

سد تشرين بين الحسم والتسوية

تشكل استعادة الحكومة السورية السيطرة على سد تشرين منعطفًا مفصليًا تتقاطع عنده الأبعاد السيادية والاقتصادية والسياسية، فمن جهة يتيح هذا التطور لدمشق بسط نفوذها على مرفق حيوي يُعد ركيزة أساسية في منظومة الطاقة والمياه، ما يعزز قدرتها على إدارة الموارد الوطنية، وتقوية شبكة الكهرباء، وتوسيع نطاق ري الأراضي الزراعية، ضمن مسار إعادة تكامل البنية التحتية للدولة.

وفي المقابل يعني فقدان السد تراجعًا إضافيًا في أوراق القوة بيد قسد، ويضعف موقعها التفاوضي، لا سيما بعد انكفائها مؤخرًا من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وهو ما قد يشجع الحكومة على المضي قدمًا في استعادة مزيد من المناطق الخارجة عن سيطرتها في الشمال الشرقي.

في هذا السياق يكتسب الموقف التركي وزنًا لافتًا في رسم ملامح المرحلة المقبلة، إذ أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن وجود قسد غرب نهر الفرات، بما في ذلك مناطق دير حافر وغيرها، يُعد “أمرًا غير قانوني”، داعيًا هذه القوات إلى إظهار حسن النية والخروج من دوامة العنف.

 وجاءت تصريحات فيدان اليوم الخميس خلال لقائه المبعوث الأميركي توم باراك، في إشارة تعكس توافقًا تركيًا–أمريكيًا متزايدًا على ضرورة إنهاء حالة السيطرة المنفردة لقسد في مناطق غرب الفرات، وفتح الباب أمام ترتيبات جديدة أكثر استقرارًا.

غير أن تداعيات استعادة سد تشرين تبقى مرهونة بكيفية تحققها، فسيناريو التسليم المنظم أو التسوية السياسية، ضمن تنفيذ متفق عليه لبنود المصالحة والاندماج، من شأنه تحييد المنشأة عن أي صدام عسكري، وضمان استمرار تشغيلها من دون انقطاع، بما يحول دون انعكاسات إنسانية أو خدمية واسعة.

في المقابل ينطوي خيار الحسم العسكري على مخاطر جسيمة، أبرزها احتمال تعرض السد لأضرار قد تؤدي إلى أزمة إنسانية وبيئية، في منطقة يعتمد مئات الآلاف من سكانها بشكل مباشر على ما يوفره من كهرباء ومياه.

وفي ظل هذا المشهد المعقّد، تتزايد الدعوات الدولية، وفي مقدمتها الأميركية، إلى ضبط النفس وتغليب الحلول السياسية، تفاديًا لاتساع رقعة المواجهة في شمال شرقي سوريا. وبين ضغوط أنقرة، وحسابات واشنطن، وإصرار دمشق على استعادة سيادتها، يبدو سد تشرين اختبارًا حاسمًا لمسار المرحلة المقبلة، ولحدود الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق تثبيت الدولة.

تلفزيون سوريا

———————————

 هل يوجه أوجلان نداء تاريخيا لـ “تنظيم قسد” بترك سلاحه على غرار PKK؟/ حمود عثمان

2026.01.16

في 27 شباط / فبراير 2025، أُعلن مؤسس تنظيم PKK عبد الله أوجلان، من سجنه بجزيرة إمرالي في تركيا، بيانا تاريخيا دعا فيه إلى إلقاء السلاح وإنهاء الكفاح المسلّح وحل الحزب نفسه بشكل نهائي.

اعتبر هذا النداء نقطة تحول محورية في تاريخ الصراع الطويل، بين الدولة التركية وتنظيم PKK، إذ قال أوجلان في بيانه “على جميع المجموعات المسلحة أن تلقي أسلحتها، وعلى حزب العمال الكردستاني أن يحلّ نفسه” مضيفا أنه يتحمّل المسؤولية التاريخية لهذا النداء، وطلب من الحزب عقد مؤتمر يتخذ فيه قرارًا رسميًا بترك السلاح وتفكيك التنظيم.

إجلاء قوات قسد من حلب

في الجانب السوري، اندلعت بتاريخ 6 كانون الثاني اشتباكات دامية، في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، بين قوات الجيش السوري وقوات قسد المتمركزة في هذين الحيين.

وجاءت الحشود العسكرية الحكومية، بعد ردود فعل شعبية غاضبة، من جراء تفاقم اعتداءات قسد، باستهداف قناصتها للمدنيين، وقصف الأحياء السكنية بقذائف الهاون، وإصابة مدنيين من جراء استهداف أحياء مدينة حلب بمسيرات انتحارية، مما أحدث حالة قلق وإرباك أمني بين سكان المدينة.

وكان مدير صحة حلب، الدكتور محمد وجيه جمعة، قد اتهم “حزب العمال الكردستاني المصنّف إرهابياً والمجموعات المسلحة المرتبطة به، بطرد الكوادر الطبية والعاملين بمستشفى ياسين في حي الشيخ مقصود، وتحويله إلى نقطة عسكرية”.

وبلغت حدة التذمر الشعبي ذروتها، بعد إحجام كثير من المستثمرين المحليين والأجانب عن الاستثمار في مدينة حلب بسبب عدم استقرار الحالة الأمنية فيها.

وبدل اللجوء إلى لغة الحوار والتفاهم، ذهبت قوات قسد إلى مزيد من التصعيد، باستهدافها مبنى محافظة حلب بطائرة مسيرة، في أثناء مؤتمر صحفي، شارك فيه كل من وزير الإعلام حمزة المصطفى، ووزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، ومحافظ حلب عزام الغريب.

الحكومة السورية سارعت إلى إدانة الحادث، معتبرةً هذا التصعيد “اعتداء إرهابياً سافراً يهدد حياة المدنيين ويتجاهل كافة التفاهمات الأمنية”.

في حين أكد وزير الإعلام حمزة المصطفى أن الاستهدافات “المتكررة لتنظيم قسد على المنشآت المدنية والخدمية ليست جديدة. مضيفا أنه خلال الأشهر الثمانية الماضية، انطلق من حيي الشيخ مقصود والأشرفية نحو “350 اعتداءً استهدف مرافق حيوية ومدنية، ما أدى إلى مقتل أكثر من 30 مواطناً، وإصابة عشرات آخرين”.

في غضون ذلك قال محافظ حلب عزّام الغريب إن نحو 155 ألف شخص نزحوا من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب من جراء المعارك الدائرة هناك.

بعد أربعة أيام من الاشتباكات العنيفة، أعلن مقاتلو قسد المتمركزون في مستشفى ياسين استسلامهم، وتم نقلهم بالحافلات إلى مدينة الطبقة تحت إشراف وزارة الداخلية.

الجيش السوري أعلن من جانبه بأنه “علق كافة العمليات العسكرية في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب اعتباراً من الساعة الثالثة بعد ظهر السبت بالتوقيت المحلي، على أن يتم ترحيل عناصر قسد إلى مدينة الطبقة”.

بيان وزارة الخارجية السورية حول أحداث حيي الشيخ مقصود والأشرفية

أعلنت وزارة الخارجية السورية أن الحكومة نفذت عملية “محدودة لتطبيق القانون” في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، مؤكدة أن العملية “ليست حملة عسكرية ولا تهدف إلى أي تغيير ديمغرافي أو استهداف أية فئة سكانية على أساس عرقي أو ديني”.

وأوضح بيان الوزارة أن التدخل استهدف “مجموعات مسلحة تعمل خارج أي إطار أمني متفق عليه، وهي التي عطّلت تنفيذ التفاهمات السابقة، وارتبطت بانتهاكات خطيرة، بما في ذلك تجنيد القاصرين”.

ردود الأفعال الدولية حول أحداث حلب

اعتبر المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، أن الاشتباكات الأخيرة بين قوات قسد والقوات الحكومية في حلب “مقلقة للغاية” وتشكل تهديداً لاتفاقية التكامل التي تم توقيعها في مارس 2025 بين الطرفين.

وأكد باراك، عقب لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، على ضرورة أن تمارس جميع الأطراف “أقصى درجات ضبط النفس”، مشدداً على وقف الأعمال العدائية فوراً والعودة إلى طاولة الحوار.

وفي سياق ردود الفعل الدولية على العمليات في حلب، أكّد الأردن والولايات المتحدة استمرار تعاونهما لدعم الاستقرار في سوريا، وتثبيت وقف إطلاق النار، وتنفيذ الاتفاقات ذات الصلة.

كما أعلن وزير الدفاع التركي يشار غولر ترحيب بلاده بهذه العملية “التي تستهدف جميع الجماعات الإرهابية”، على حد وصفه. وقال: “أرغب بالتأكيد على أننا نرى أن أمن سوريا هو أمننا وندعم معركة سوريا ضد المنظمات الإرهابية”.

ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره السوري إلى “ضبط النفس” بحسب بيان للخارجية الفرنسية.

نداء عبد الله أوجلان السلمي المدني

ثمة من يركز على أهمية نداء عبد الله أوجلان لترك السلاح والتركيز على العمل السياسي من خلال الأطر الديمقراطية، كونه ليس مجرد موقف تكتيكي، بل يعتبر تحوّلاً فكرياً وسياسياً عميقاً، سيكون له انعكاسات واسعة على تركيا وسوريا وعموم المنطقة.

وتأتي أهمية نداء عبد الله أوجلان، كونه صادراً عن مؤسس PKK نفسه، مما يمنحه ثقلًا رمزيًا لا يمكن تجاهله، كما يُعد اعترافًا ضمنيًا بأن الكفاح المسلح وصل إلى طريق مسدود، وأن الحقوق لا تُنتزع بالسلاح في الدولة الحديثة، بل من خلال النضال الديمقراطي، والعمل البرلماني، والنشاط عبر منظمات المجتمع المدني.

بناء على ما سبق، إذا كان عبد الله أوجلان صادقاً في تحوله من النضال المسلح إلى النضال السياسي، وقد لاقى نداءه أصداء إيجابية، حيث تمخضت عن خطوات عملية ملموسة، بدأت تأخذ طريقها نحو تنفيذ مضمون هذا الخطاب.

إذا كانت الحال كذلك في تركيا، فلماذا لا يوجه عبد الله أوجلان خطابه لقسد في سوريا، يدعوها فيه إلى ترك السلاح والاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية ؟..

خصوصاً وأنه لا توجد حروب ولا دماء بين الدولة السورية الوليدة وقسد، ولا غيرها من التنظيمات الكردية الأخرى..

خصوصاً وأن هناك اتفاقية رسمية تم التوقيع عليها برعاية أميركية..

خصوصا وأننا لم نسمع اعتراضا يذكر على أي بند من بنودها من أي طرف كان..

إذا كان الهدف تحقيق السلم والاستقرار في سوريا والمنطقة فهذا وقته..

اليوم عبد الله أوجلان أمام امتحان المصداقية، إما أن يثبت أن نداءه كان صادقا، وأنه وصل الى قناعة بأن الحرب لا توصل إلى الهدف المنشود. وأنه لم يكن ناتجا عن خسارته الحرب أمام الدولة التركية، أو أن نداءه كان تكتيكيا، يعتمد على مخزون قسد من السلاح الأميركي المتطور، الذي يكفيها لخوض حرب قد تمتد لسنين طويلة!

للتذكير فقط، فقد بلغت حصيلة حرب تنظيم PKK ضد الدولة التركية، خسارة ما يزيد على تريليون ونصف دولار، ومقتل أكثر من ستين ألف إنسان، معظمهم من الأكراد.

ولأن سوريا غير قابلة للقسمة، فعلى قسد أن تختار.. إما الحرب وويلاتها، وقد جربتموها في تركيا، ووصلتم إلى ما وصلتم إليه بسببها، أو السلم والوئام والعيش المشترك في سوريا حرة موحدة مزدهرة.

تلفزيون سوريا

———————-

سكان يغادرون مناطق سيطرة الأكراد في ريف حلب بعد مهلة جديدة من الجيش السوري

حلب: «الشرق الأوسط»

16 يناير 2026 م

يواصل السكان الجمعة مغادرة مناطق تسيطر عليها القوات الكردية في ريف حلب الشرقي في شمال سوريا، بعدما أعطى الجيش مهلة جديدة لهم، مع إرساله تعزيزات إلى المنطقة استعداداً لعمل عسكري.

إلى ذلك، أعلنت الولايات المتحدة الأميركية عبر مبعوثها الخاص إلى سوريا توم برّاك، أنها على تواصل «مع جميع الأطراف» في البلاد، وتعمل «على مدار الساعة من أجل خفض التوتر ومنع التصعيد والعودة إلى محادثات الاندماج بين الحكومة السورية و(قوات سوريا الديمقراطية)».

وبدأ السكان منذ الخميس مغادرة مناطق تسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد في ريف حلب، بطلب من الجيش. ويأتي ذلك على وقع تعثر المفاوضات بين السلطات في دمشق و«الإدارة الذاتية» الكردية، وبعد سيطرة الجيش أواخر الأسبوع الماضي على حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية ذوَي الغالبية الكردية في مدينة حلب بعد اشتباكات دامية لأيام.

وشاهد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» في محيط دير حافر العشرات من السكان يغادرون المنطقة ويعبرون جسراً متهالكاً فوق نهر متفرّع من نهر الفرات، صباح الجمعة.

ومن بين المغادرين أبو محمد (60 عاماً) الذي رفض إعطاء اسمه كاملاً. وقال بعدما عبر الجسر إن «(قسد) منعونا من الخروج؛ ولذلك خرجنا عبر الطرق الزراعية والقرى، وعبرنا فوق المياه».

وأضاف الرجل الذي جاء مع عدد من أفراد عائلته: «متجهون إلى حلب، إلى مراكز الإيواء. نتمنى ألا يطول بقاؤنا هناك».

وبعدما أعطى مهلة مماثلة الخميس، أعلن الجيش تمديد مدة «الممر الإنساني ليوم آخر»؛ أي الجمعة من التاسعة صباحاً حتى 17:00 مساء، بحسب وكالة الأنباء الرسمية «سانا».

وأكّد الجيش ليل الخميس في الوقت عينه أنه «تم الانتهاء من كافة التحضيرات الميدانية لتأمين المنطقة»، بعدما أعلن الأربعاء مدينة دير حافر ومحيطها في ريف حلب الشرقي «منطقة عسكرية مغلقة» ودفع بتعزيزات، داعياً المدنيين للابتعاد عن «مواقع» قوات «قسد». وطلبت دمشق من القوات الكردية الانسحاب من هذه المناطق إلى شرق الفرات.

من جهة أخرى، اتهمت «قوات سوريا الديمقراطية» في بيان فجر الجمعة القوات الحكومية بمواصلة «تصعيدها العسكري عبر القصف المدفعي العشوائي على المناطق المأهولة بالسكان في مدينة دير حافر، في محاولة جديدة للضغط على الأهالي ودفعهم قسراً إلى التهجير من مناطقهم».

وقالت إن المدينة تعرضت إلى «أكثر من 20 قذيفة مدفعية، إضافة إلى استهداف بطائرة مسيّرة مفخخة» خلال الليل.

واتهم الجيش الخميس «قسد» ومسلحين تابعين لحزب «العمال الكردستاني» بمنع المدنيين من الخروج، محذّراً من أنه «سيتمّ استهداف أي موقع يقوم بعرقلة مرور المدنيين بالطريقة المناسبة». لكن المتحدث باسم «قوات سوريا الديمقراطية»، فرهاد الشامي، نفى ذلك، مؤكداً أن الاتهامات «عارية عن الصحة».

——————————-

توم برّاك: نعمل على خفض التصعيد بين الحكومة السورية و”قسد”/ عبدالله البشير

16 يناير 2026

أكد المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توم برّاك، اليوم الجمعة، مواصلة الجهود لخفض حدة التوتر بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مع استمرار التحشدات العسكرية على جبهة دير حافر في ريف حلب الشرقي، وتمديد مهلة خروج المدنيين من المنطقة لليوم الثاني. وقال برّاك، في منشور على منصة إكس، إن الولايات المتحدة على تواصل وثيق مع جميع الأطراف في سورية، وهي تعمل على مدار الساعة لخفض التصعيد وحدة التوتر، والعودة إلى محادثات الاندماج ما بين الحكومة السورية و”قسد”، في إشارة إلى اتفاق العاشر من مارس/ آذار 2025، والسعي للعودة إليه.

وجاءت تصريحات برّاك وسط إعلان الحكومة السورية، أمس، عن عملية عسكرية وشيكة تستهدف “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في منطقتي دير حافر ومسكنة بريف حلب الشرقي، اللتين سبق أن تقدمت إليهما “قسد” بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024.

في المقابل، أكد مصدر ميداني في منطقة دير حافر لـ”العربي الجديد” أن المنطقة تشهد عمليات قصف لأهداف محددة من جانب الجيش السوري، بالتوازي مع منع مقاتلي “قسد” المدنيين من المغادرة عبر الممر الإنساني الذي أعلنت عنه الحكومة السورية في وقت سابق، مشيرا إلى أن الأهالي يسلكون الطرق الزراعية والترابية للوصول إلى مناطق سيطرة الحكومة السورية، ومن ثم التوجه إلى مراكز الإيواء في مدينة منبج.

نذر الحرب بين دمشق و”قسد”… تصعيد ميداني وسياسي

وأعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري، أول من أمس الأربعاء، فتح ممر إنساني من ريف حلب الشرقي باتجاه مدينة حلب، مؤكدة أن الجيش السوري “سيتخذ عددا من الإجراءات للقضاء على أي تهديد يمس أمن المنطقة والمواطنين”. وقالت هيئة العمليات: “نهيب بأهلنا المدنيين ضرورة الابتعاد عن كل مواقع تنظيم قسد والمليشيات الإرهابية بالمنطقة المحددة مسبقا”.

بدوره، أوضح المكتب الإعلامي لـ”قسد” أن الجيش السوري استهدف بأكثر من 20 قذيفة مدفعية، بالتزامن مع عمليات قصف بالطائرات المسيرة، الأحياء السكنية في مدينة دير حافر، مشيرا إلى أن عمليات القصف تهدف إلى الضغط على الأهالي لإجبارهم على مغادرة مناطقهم. وأكدت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية لوكالة “سانا”، أمس الخميس، أن عناصر من “قسد” انشقوا عنها على جبهة دير حافر، حيث أمنت وحدات الجيش السوري وصولهم إلى نقاط انتشارها.

————————-

الجيش السوري يدعو مسلحي “قسد” للانشقاق والتوجه إلى نقاطه العسكرية

دمشق: دعا الجيش السوري، الجمعة، مسلحي تنظيم “قسد” للانشقاق والتوجه إلى أقرب نقطة عسكرية تابعة له في أماكن وجودهم.

وقالت هيئة العمليات التابعة للجيش لوكالة الأنباء الرسمية “سانا”: “إلى الأفراد السوريين بتنظيم قسد كردا وعربا، نعلن عن فتح باب الانشقاق وترك هذا التنظيم، وذلك من خلال التوجه إلى أقرب نقطة للجيش العربي السوري”.

وأضافت الهيئة: “بادروا بالانشقاق عن تنظيم قسد، فوطنكم يرحب بكم بأي وقت ومكان، ومشكلتنا كانت وما زالت مع ميليشيات بي كا كا الإرهابية وفلول النظام البائد الذين يريدون استهداف الأهالي وتدمير المجتمع السوري”.

وختمت تصريحاتها بالقول: “سارعوا بالانشقاق عن هذا التنظيم، وعودوا إلى دولتكم وأهلكم”.

ومساء الخميس، أعلنت وزارة الدفاع السورية، انشقاق عدد من عناصر “قسد” في جبهة دير حافر شرق مدينة حلب شمالي البلاد.

وصباح الخميس، فعّل الجيش السوري ممرات إنسانية لإجلاء المدنيين المقيمين في المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم غرب نهر الفرات، التي أعلنها سابقا مناطق عسكرية.

ونقلت “سانا” عن مديرية إعلام حلب، قولها إن “ممارسات قسد تسببت في صعوبات كبيرة، وتهديد مباشر لحياة مئات آلاف الأهالي، حيث اضطرتهم إلى سلوك ممرات غير مؤهلة، ولا سيما بعد قيام تنظيم “قسد” بتدمير جسور في المنطقة”.

والاثنين، أرسل الجيش السوري قوات إلى شرقي محافظة حلب، عقب رصده وصول مزيد من “المجاميع المسلحة” لتنظيم “قسد” وفلول النظام المخلوع قرب مدينتي مسكنة ودير حافر بريف المحافظة الشرقي.

ويتنصل “قسد” من تطبيق بنود اتفاق أبرمه مع الحكومة في 10 مارس/ آذار 2025، وينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية بمناطق شمال شرقي البلاد في إدارة الدولة.

كما ينص الاتفاق على إعادة فتح المعابر والمطار وحقول النفط والغاز في هذه المناطق، ويشدد على وحدة أراضي البلاد، وانسحاب قوات التنظيم من حلب إلى شرق الفرات.

(الأناضول)

——————————

حشود عسكرية ضخمة لـ”قسد” في ريف حلب الشرقي.. ومصدر أمني: مئات من مقاتلي “pkk” في دير حافر

16 يناير 2026

كشف مصدر أمني خاص في قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لموقع “الترا سوريا” عن وصول حشود عسكرية كبيرة إلى منطقة دير حافر بريف حلب الشرقي، تضم مئات من مقاتلي حزب العمال الكردستاني (PKK)، إلى جانب تعزيزات أخرى من قسد بشكل عام.

وأشار المصدر إلى أن هذه الحشود تشمل عتادًا ثقيلًا جدًا وعناصر بالآلاف، فيما وصفها بأنها “غير مسبوقة” من حيث حجم التحشيد لحزب العمال في المنطقة.

وتأتي هذه التطورات وسط تصاعد التوتر العسكري في محوري دير حافر ومسكنة، حيث يبدو أن الأوضاع تتجه نحو عمل عسكري محتمل.

ووفق تقديرات المصدر، فإن هناك “حشودًا ضخمة من الطرفين، كذلك من طرف الجيش السوري”.

وأكد المصدر التزام الجناح العربي في قوات قسد، وخصوصًا فصيل جيش الثوار، بالحياد التام في بعض المناطق، مشيرًا إلى تركيز معظم قواتهم في الحسكة، وأن المنطقة بين دير حافر ومسكنة قد “تُؤخذ بسهولة” في حال تقدم الجيش السوري، باستثناء منطقة الطبقة التي توقع أن تشهد دفاعًا شرسًا من قبل قوات “قسد”، خاصة عناصر حزب العمال ومقاتلي النظام السابق.

وتشهد المنطقة منذ أيام توترًا متصاعدًا، حيث أعلن الجيش السوري تحويل المنطقة الممتدة من دير حافر إلى مسكنة إلى منطقة عسكرية مغلقة، محذرًا المدنيين من الاقتراب من مواقع “قسد”، وداعيًا المجموعات المسلحة إلى الانسحاب شرق الفرات، وسط تبادل اتهامات بإطلاق مسيرات واستهدافات متبادلة.

ومن جهتها، تنفي قوات “قسد” رسميًا وجود تحشيد هجومي في المنطقة، مؤكدة أن تحشيداتها دفاعية فقط.

ويبقى الوضع في ريف حلب الشرقي قابلًا للتطور السريع، وسط ترقب لأي خطوة عسكرية قد تغير المعادلة في المنطقة.

وسبق أن كشف مصدر عسكري رفيع المستوى في الجيش السوري، في حديث خاص لموقع “الترا سوريا”، عن استمرار الإعدادات والتحضيرات النهائية للعمليات العسكرية المرتقبة في مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مؤكدًا أن الخطط مفصلة وجاهزة.

وقال المصدر إن التقدم العسكري سيكون “تحصيل حاصل” وأن العملية برمتها تنتظر الظروف الميدانية والسياسية المثلى لبدئها، نافيًا أي جمود في الملف. وأضاف أن الجيش السوري يمتلك خططًا بديلة لضمان تحقيق الأهداف الاستراتيجية في حال تعثر أي محور.

—————————-

=====================

تحديث 15 كانون الثاني 2025

————————-

الشرع: حقوق الكرد محفوظة وقسد لا تمثلهم

قال الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال مقابلة تليفزيونية، إن حقوق المكون الكردي ستكون محفوظة بالدستور، مضيفا “نريد مشاركة الأكراد في الجيش والأمن والبرلمان لكن تنظيم بي كيه كيه يريد حرمانهم من فرص التنمية”.

وأشار الرئيس السوري، في مقتطفات من مقابلة تلفزيونية نشرتها الإخبارية السورية، اليوم الأربعاء، إلى أن حلب تمثل تقريبا أكثر من 50% من الاقتصاد السوري، وهي شريان اقتصادي وممر أساسي للاقتصاد، ما يجعل الاستقرار والهدوء ضرورة قصوى.

وأضاف الرئيس الشرع أن تنظيم قسد هاجمنا عند دخولنا حلب وأعاق تقدم القوى العسكرية واتخذنا إجراءات إسعافية سريعة نتج عنها تقدم قسد داخل أحياء حلب، مضيفا أن “قسد أعاق الحياة المدنية والاقتصادية في حلب ولم يلتزم ببنود اتفاق نيسان (أبريل)”.

وكشف الرئيس الشرع، عن كواليس أول لقاء جمعه بقائد قوات “قسد” مظلوم عبدي بعد التحرير، مشيرا إلى أن اللقاء مع عبدي جاء بعد قرابة شهر ونصف من الوصول إلى دمشق.

وأوضح أنه في بداية اللقاء قال لعبدي “سيد مظلوم، إذا كنت تقاتل من أجل حقوق المكون الكردي، فأنت لا تحتاج إلى صرف قطرة دم واحدة، لأن حقوق المكون الكردي محفوظة وستكون محفوظة بالدستور، كما أن حق المواطن وحق المشاركة، وأن يكون من المكون الكردي ضباط في الجيش السوري، هذا شيء أساسي”.

القانون يحفظ الحقوق

وأكد الرئيس السوري أن المكون الكردي “شارك في الثورة السورية ولا ينتمي إلى قسد”، مشددا على أنه لا يعتقد أن المكون الكردي يمثله التنظيم، وأن هناك خلافات داخلية بين المكونات الكردية.

وأضاف “يكفي أن نفكر بالوطن جميعا، وأن نفكر بحقوق المكون الكردي وفق إجراءات قانونية، بحيث يكون القانون هو الذي يحفظ حقوق الجميع”.

وقال الرئيس الشرع إن المكون الكردي “مندمج مع الحالة السورية وموجودون في أحياء دمشق ويدرسون في الجامعات، وفي الحكومة السورية وزير التربية من المكون الكردي”.

إعلان

وأضاف “أن حشر المكون الكردي بحالة حزبية مسلحة لها ارتباطات خارجية تتلقى أوامر من جبال قنديل من أناس معزولين عن الحياة الاجتماعية منذ أكثر من 40 عاما يحرمهم من فرصة التنمية والإعمار”.

وأشار الرئيس إلى أن أي حق كردي، بما في ذلك ما حدث خلال الـ14 عاما الماضية من هجرات قسرية، يجب أن يعود دون التفاوض، مؤكدا “أن حقوق المجتمع الكردي غير قابلة للمساومة، وتشمل المواطنة والمشاركة في البرلمان والمناصب السيادية”.

وأوضح الرئيس الشرع أن كل ذلك يجب أن يكون مبنيا على الكفاءة وليس على المحاصصة.

واختتم حديثه بالقول إن النقاشات مع عبدي تطورت حتى تم التوصل إلى اتفاق شامل، مؤكدا حرصه على حماية حقوق جميع مكونات المجتمع السوري، وفق القانون والدستور.

وكانت الحكومة السورية نجحت مؤخرا في دمج آخر حيَّين في مدينة حلب كانا تحت سيطرة قسد، في إطار مسار سيادي يهدف إلى تعزيز الاستقرار الأمني والاقتصادي في العاصمة الاقتصادية للبلاد.

وفي 6 يناير/كانون الثاني الجاري، تفجرت الأحداث في مدينة حلب بشن قسد من مناطق سيطرته في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد هجمات على أحياء سكنية ومنشآت مدنية ومواقع للجيش، ما خلّف 24 قتيلا و129 جريحا.

ورد الجيش في 8 يناير/كانون الثاني الجاري، بإطلاق عملية عسكرية  محدودة أنهاها في 10 من ذات الشهر، وتمكن خلالها من السيطرة على هذه الأحياء، وسمح لمسلحين في التنظيم بالخروج إلى شمال شرقي البلاد، حيث معقله.

ويتنصل قسد من تطبيق بنود اتفاق أبرمه مع الحكومة في 10 مارس/آذار 2025، وينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية بمناطق شمال شرقي البلاد في إدارة الدولة.

وكانت قناة “شمس” العراقية أعلنت، الثلاثاء، اعتذارها عن بث الحوار الذي أجرته مع الرئيس الشرع، والذي جاء على خلفية استعادة  الجيش السوري سيطرته على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، من تنظيم قسد.

وأعلنت وزارة الإعلام السورية، أنها تحتفظ بحقها الكامل في بث اللقاء الذي أجرته القناة مع الرئيس الشرع، وذلك بعد اعتذار القناة عن عدم بثه.

وأفادت في بيان، أنها تابعت الملابسات التي رافقت اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة شمس مع الرئيس السوري، واعتذارها عن عدم بثه بناء على تقديرات سياسية خاصة بها.

المصدر: الجزيرة + وكالات

———————–

مستقبل “قسد” بعد معارك حلب/ فارس الخطّاب

تتواصل في شمال شرق سوريا حالة من التوتر السياسي والأمني بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية، في ظل واقع ميداني بات يشكل إحدى أكثر القضايا تعقيدا في الملف السوري.

ويأتي هذا التعقيد من تشابك عوامل داخلية وإقليمية ودولية تجعل من مستقبل (قسد) ومنطقة نفوذها ملفا مفتوحا على احتمالات متعددة، تتراوح بين التسوية الجزئية واستمرار الوضع القائم، وصولا إلى سيناريوهات أقل ترجيحا كالتصعيد الواسع أو التفكيك القسري.

أميركا ومنذ انخراطها في مكافحة تنظيم الدولة “داعش”، تحول التعاون مع (قسد) إلى ركيزة أساسية في إستراتيجيتها شرق سوريا. منذ عام 2015 أصبحت (قسد) شريكا رئيسيا لواشنطن في الحرب على الإرهاب في سوريا.

وبمرور الوقت تحول هذا التعاون العسكري إلى نفوذ سياسي مباشر، حيث باتت القوات الأميركية الراعية الأساسية لوجود (قسد). وشيئا فشيئا باتت ليس مجرد شريك محلي، بل ورقة ضغط إستراتيجية في الملف السوري، كانت تُستخدم لمنع عودة السيطرة الكاملة لقوات (الأسد) على الشرق السوري، ولموازنة النفوذ الروسي والإيراني.

هذا التعاون لم يعد مقتصرا على الجانب العسكري، بل بات يمثل أداة نفوذ فعالة في التوازنات السورية؛ فوجود (قسد) وما تسيطر عليه من موارد اقتصادية أساسية، وفي مقدمتها النفط والقمح والمياه، يشكل بالنسبة للولايات المتحدة وسيلة للحد من نفوذ دمشق، وللضغط في أي مسار تفاوضي محتمل حول مستقبل البلاد.

كما ترى واشنطن في المنطقة الشرقية حاجزا جغرافيا يمنع اكتمال الاتصال بين طهران، وبغداد، ودمشق، وبيروت، وهو ما يمنح وجودها في تلك المنطقة أهمية إضافية في سياق سياساتها الإقليمية.

وإلى جانب ذلك، يشكل الملف الكردي ورقة تستخدمها الولايات المتحدة بشكل غير مباشر في إدارة علاقتها المتوترة مع تركيا، بصرف النظر عن حساسية أنقرة تجاه أي كيان ذي صلة بحزب العمال الكردستاني على حدودها الجنوبية.

إعلان

تتعامل الحكومة السورية مع (قسد) بوصفها حالة استثنائية فرضتها ظروف الحرب على الإرهاب، وأيضا نظام الأسد، لكنها لا تعبر عن صيغة حكم قابلة للاستمرار.

وتؤكد دمشق بشكل واضح رفضها أي شكل من أشكال الاعتراف السياسي بالإدارة الذاتية، معتبرة أن وحدة الدولة وبنيتها المركزية تشكلان خطوطا حمراء في أي تسوية محتملة.

كما تولي دمشق أهمية خاصة لملف الموارد في الشرق، وترى أن استعادة السيطرة على حقول النفط والقطاعات الحيوية شرط أساسي لإطلاق عملية التعافي الاقتصادي، كما تشدد على أن أي اتفاق مستقبلي يتطلب دمج القوات التابعة لـ(قسد) ضمن مؤسسات الدولة، أو إعادة هيكلتها بما ينسجم مع منظومة الجيش السوري وأجهزته الأمنية.

تركيا ترفض بنيويا بقاء (قسد) بعد التخلص من نظام الأسد وتعتبرها وخاصة وحدات حماية الشعب (YPG) التي تشكل عمودها الفقري امتدادا مباشرا لحزب العمال الكردستاني (PKK).

وبناء على ذلك، ترى تركيا أن أي بقاء أو توسع لكيان كردي شبه مستقل شمال سوريا على حدودها الجنوبية يُعد تهديدا مباشرا لأمنها القومي، وأن (قسد) تملك مواصفات هذا الكيان المرفوض تركيًا، حيث لديها إدارة ذاتية واسعة: قوة عسكرية مستقلة، موارد اقتصادية، قدرة على التحكم بالحدود، وتواصل جغرافي بين القامشلي، وعين العرب، ومنبج، وعفرين، والأهم دور حزب العمال الكردستاني في توجيه (قسد) رغم تعهد هذا الحزب بالتخلي عن سلاحه والانخراط بالعمل السياسي داخل تركيا، ومحيط أمنها القومي في العراق، وسوريا.

إدارة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تتخذ قراراتها بين التأثير الخارجي وحسابات البقاء ضمن المنظومة السورية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اختزال قرار (قسد) بجهة واحدة واشنطن أو دمشق أو حتى تركيا؛ إذ تتداخل في صناعة قرارها ثلاثة مستويات رئيسية:

    أولها، التأثير الأميركي المباشر الذي يحدد سقف التحركات العسكرية والسياسية الكبرى.

    وثانيها، التأثير الأيديولوجي والتنظيمي لحزب العمال الكردستاني، والذي يظهر في بنية القيادة وبعض خياراتها، وقد يصل إلى حد توجيهها نحو مواجهات غير محسوبة نتائجها بدقة.

    أما المستوى الثالث، فيتعلق بحسابات (قسد) نفسها، التي تسعى إلى الحفاظ على وجودها العسكري والإداري ومنع أي فراغ أمني قد تستفيد منه أطراف أخرى، سواء كانت تركيا أو خلايا تنظيم الدولة.

وبذلك يمكن القول إن أي توترات بين دمشق و(قسد) تنشأ غالبا من تداخل المصالح المحلية مع خطوط النفوذ الخارجية، وليس بالضرورة نتيجة “تحريك مباشر” من طرف خارجي واحد.

مراكز الدراسات والمحللون السياسيون يضعون سيناريوهات متعددة لمستقبل علاقة (قسد) مع دمشق داخليا، والولايات المتحدة، وتركيا خارجيا؛ فمنذ التاريخ الحالي حتى سنتين مقبلتين تشير المعطيات الحالية إلى استمرار حالة “التوتر المنضبط”، حيث يحافظ كل طرف على خطوط حمراء تمنع انزلاق الوضع إلى مواجهة شاملة.

كما يبقى الوجود الأميركي العامل الأكثر تأثيرا في تثبيت الوضع الراهن، في ظل غياب مؤشرات على تسوية سياسية واسعة.

فيما يرتفع احتمال حدوث تغيرات ملحوظة خلال السنوات الخمس المقبلة، قد تدفع نحو اتفاق جزئي بين الطرفين، خصوصا إذا شهد الوجود الأميركي إعادة تموضع أو تقليصا مؤثرا. وتشمل هذه التغيرات المحتملة ترتيبات حول عودة بعض مؤسسات الدولة السورية إلى الشرق، وتفاهمات تتعلق بتوزيع الموارد وآليات الإدارة المحلية.

إعلان

أما إذا استمرت الحالة القائمة بين دمشق و(قسد) فسيتوقف المشهد بشكل شبه كامل على مسار الوجود الأميركي، ففي حال انسحاب القوات الأميركية، فمن المرجح أن تتجه (قسد) نحو دمشق بشكل سريع، وإن تحت شروط أقل مرونة من اليوم. أما إذا استمر الوجود الأميركي، فقد يبقى الوضع على ما هو عليه، مع إمكانية إعادة هيكلة (قسد) ضمن صيغ جديدة يحددها تطور المشهد الإقليمي.

واقعيا يمثل المشهد في شرق سوريا نموذجا مكثفا للصراع الإقليمي والدولي على الجغرافيا السورية، حيث تتقاطع المصالح وتتعارض الحسابات بين واشنطن، وموسكو، وأنقرة، وطهران، وإسرائيل، ودمشق.

الاشتباكات العنيفة بين الجيش السوري و(قسد) خلال الأيام الماضية، وتجدد القتال بين قوات وزارة الدفاع السورية (الجيش السوري، من جهة، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) وعناصر مرتبطة بها في أحياء مثل الشيخ مقصود، الأشرفية وبني زيد داخل مدينة حلب، مع تبادل قصف ومدفعية بين الطرفين، أجبرت آلاف السوريين من أهالي هذه المناطق المتضررة على النزوح صوب مناطق أقل خطورة تحت إشراف قوات الدفاع الحكومية.

في هذه البيئة المعقدة، تبدو العلاقة بين دمشق و(قسد) محكومة بتوازنات تتجاوز حدود الطرفين، وسيبقى مستقبل منطقة شمال شرق سوريا مرهونا إلى حد كبير بمدى قدرة الحكومة المركزية على فرض سيطرتها على المساحة السورية من خلال المفاوضات السياسية أولا، ثم من خلال بسط الأمن والاستقرار بكافة الوسائل الكفيلة بعدم خروج الأمور هناك عن سيطرتها.

تركيا ترى أن تفكك خطوط (قسد) غرب الفرات يجعل الضغط العسكري التركي أكثر تأثيرا، وأن أي تراجع لـ(قسد) في أحياء حلب، خصوصا الشيخ مقصود والأشرفية، يُضعف مكانتها التفاوضية ويقلص نطاق حمايتها العسكرية.

بشكل عام، تركيا تعتبر وجود (قسد) قرب حدودها “تهديدا قوميا”، ومعارك حلب تسهل عليها دفع المجتمع الدولي لتفهم أي خطوات توسعية ضدها.

العامل الأكثر حسما وحساسية في تحديد اتجاهات المشهد ومستقبل بقاء (قسد) كقوة عسكرية-سياسية مؤثرة، أو اتجاهها إلى الانحسار أو الاندماج القسري في بنية الدولة السورية، هو القواعد الأميركية في الحسكة، ودير الزور، والشدادي، والرميلان، التي منحت (قسد) حتى الآن مساحة كبيرة من الأمان وقدرة على فرض شروطها السياسية خلال أي مفاوضات مع دمشق، أو روسيا وحتى تركيا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

أكاديمي ومحلل سياسي وخبير في الشأن العراقي مقيم في لندن.

الجزيرة

————————-

كسب الأرض في حلب على حساب السلام/ حايد حايد

آخر تحديث 14 يناير 2026

ااندلعت مجددا اشتباكات بين قوات الحكومة السورية والمقاتلين الأكراد في حلب، في أخطر مواجهة بين الطرفين منذ سقوط نظام الأسد، وانتقلت التوترات المتقطعة خلال السنوات الفائتة بين الطرفين إلى مرحلة أكثر حسما. فبعد أشهر من المناوشات المتبادلة، يبدو أن دمشق خلصت إلى أن خلافها مع السلطات الكردية بحكم الأمر الواقع في الأحياء ذات الغالبية الكردية في حلب لن يجد طريقه إلى الحل عبر المسار السياسي.

لم تكن محصلة المعركة موضع شك، إذ ما كان بإمكان مجموعة صغيرة من المقاتلين الأكراد، المحاصرين في حيّين مطوقين بالكامل، أن تملك فرصة حقيقية أمام قوات حكومية تتمتع بتفوق كاسح في العدد والعتاد. وقد ظهر هذا الاختلال سريعا، إذ سيطرت القوات الحكومية على الأحياء المتنازع عليها خلال أيام.

لكن السؤال الأهم هو ما الذي يعنيه تصعيد حلب لمسار سوريا السياسي الأوسع. هل سيقوض القتال اتفاق الاندماج الموقّع في العاشر من مارس/آذار بين الرئيس السوري المؤقت وقيادة “قوات سوريا الديمقراطية”؟ أم إن الهدف منه كان دفع عملية متعثرة إلى الأمام بالقوة؟

لم يأت التصعيد من فراغ. ففي الأول من أبريل/نيسان 2025، توصلت دمشق والسلطات الكردية في حلب إلى اتفاق يقضي بدمج حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مؤسسات الدولة المركزية. وبموجب الاتفاق، ينسحب المقاتلون التابعون لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، فيما تبقى قوات الأمن الداخلي الكردية في مواقعها، وتستمر المجالس المحلية القائمة في إدارة المناطق بالتنسيق مع مؤسسات محافظة حلب.

اعتُبر الاتفاق على نطاق واسع، وقتها، تسوية برغماتية وخطوة لبناء الثقة. لكن التنفيذ تعثر سريعا، فانزلقت المهل الزمنية، وتصاعدت الاتهامات المتبادلة، وزادت وتيرة الاشتباكات. ومع تآكل الثقة، فقد الاتفاق الكثير من أثره المهدئ. أما الجولة الأخيرة من القتال، فقد اندلعت إثر تبادل جديد لإطلاق النار، حمّل كل طرف مسؤوليته للطرف الآخر، فيما جعل غياب آليات مراقبة مستقلة من الصعب التحقق من الوقائع بشكل محايد.

وعلى خلاف الحوادث السابقة، لم تنتهِ هذه الجولة بوقف إطلاق نار جديد. هذه المرة، بدا أن دمشق مصممة على فرض حل عسكري. تحركت القوات الحكومية بسرعة، وسيطرت على الأشرفية والشيخ مقصود خلال أيام. وجرت العملية مع قتال محدود نسبيا، ويُقال إن ذلك تم بتسهيل من اتفاق أبرمته الحكومة مع عناصر من قبيلة البكارة التي كانت تقاتل إلى جانب القوات الكردية.

عكست العملية تحولا في التكتيك. فبدلا من الاعتماد على القوة النارية العشوائية أو المفرطة، نفذت القوات الحكومية ضربات دقيقة ضد مواقع عسكرية محددة، وتقدمت على مراحل مع إعلان وقف إطلاق نار بين كل مرحلة وأخرى. وحددت السلطات علنا المناطق التي ستُستهدف، وحثت المدنيين على الإخلاء مسبقا، في محاولة واضحة للحد من الخسائر. ومع ذلك، وقعت وفيات ونزوح بين المدنيين، لكن النهج عموما بدا مختلفا عن العمليات السابقة التي شهدت انتهاكات واسعة.

السيطرة السريعة على معظم الأحياء الكردية قد يُفهم منها أن صبر دمشق قد نفد وأنها مستعدة لاستخدام القوة عندما تتعثر المفاوضات. ووفق هذا الفهم، لم تكن حلب تحولا استراتيجيا بقدر ما كانت طلقة تحذيرية، هدفها الضغط على “قوات سوريا الديمقراطية” لتنفيذ اتفاق العاشر من مارس.

ويذهب البعض أبعد من ذلك، معتبرين أن الجهود المبذولة للحد من الأذى المدني كانت أيضا محاولة لطمأنة الحكومات الغربية، التي حذرت مرارا من الكلفة الإنسانية لأي عمل عسكري ضد مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”، خصوصا بعد الانتهاكات الخطيرة التي أعقبت الاشتباكات على الساحل وفي السويداء العام الماضي.

ومن خلال إظهار عملية أكثر انضباطا في حلب، قد تسعى دمشق إلى إثبات أن الاندماج بالقوة لا يعني بالضرورة سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وإلى الإيحاء في الوقت عينه بأن هذا الخيار– على أي حال– لا يزال مطروحا. ويرى المحللون المتعاطفون مع دمشق أن التصعيد قد يقنع القادة الأكراد بأن المماطلة لم تعد خيارا قابلا للاستمرار، وأن استمرار المقاومة قد يفتح الباب أمام حل عسكري يفقدهم المكاسب التي وفرها اتفاق مارس.

سوى أن المسؤولين الكرد يرون المشهد بصورة مختلفة تماما، فهم يؤكدون أن دمشق هي من بدأت الاشتباكات، في إطار خطة مدروسة لاستعادة الأحياء بالقوة، مع ما يحمله ذلك من تبعات بالغة الضرر. وبينما يتجنبون إعلان وفاة اتفاق العاشر من مارس، يؤكدون أنه “في حالة غيبوبة”، وهو توصيف يعكس حجم انعدام الثقة الذي بات يحكم العلاقة بين الطرفين.

وقد يرى البعض أن عملية حلب أعادت مفاوضات الاندماج إلى الوراء بدلا من دفعها إلى الأمام. فكل ما تبقى من حسن نية، على حد قولهم، قد تبخر تقريبا، ما يجعل التوصل إلى تسوية أصعب لا أسهل. فلا طرف يرغب في التفاوض من موقع ضعف. لذلك، من غير المرجح أن تقبل “قوات سوريا الديمقراطية” بالوقائع العسكرية الجديدة في حلب، وقد تواصل الضغط لتنفيذ اتفاق الأول من أبريل، مضيفة بذلك عقدة جديدة إلى محادثات معقدة أصلا. أما دمشق، وقد غيّرت ميزان القوى على الأرض، فمن المستبعد أن تقبل بهذا المطلب، وهو مأزق يهدد بمزيد من تفكك العملية.

المجلة

—————————-

 “قسد” بعد حلب.. نهاية الوجود غرب الفرات

الأربعاء 2026/01/14

بسطت الحكومة السورية سيطرتها الكاملة على مدينة حلب، منهيةً وجود قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، بعد حضور عسكري وسياسي استمرّ 14 عاماً، منذ عام 2012. حينها، كان نظام الأسد قد سلّم هذين الحيَّيْن لوحدات حماية الشعب، الجناح المسلح لحزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، والتي أصبحت لاحقاً العمود الفقري لـ”قسد”.

لم يكن الوجود العسكري لـ”قسد” في هذين الحيَّين مجرد تموضع أمني محدود، بل تحوّل مع مرور الوقت إلى عقدة سياسية وأمنية داخل مدينة تُعدّ الشريان الاقتصادي الأكبر في سوريا. فمنذ خروج أحياء شرق حلب عن سيطرة الفصائل المعارضة عام 2016، ظلّ حيّا الشيخ مقصود والأشرفية الاستثناء الوحيد، خارج السيطرة الحكومية الكاملة، ما جعل المدينة تعيش حالة سيادة منقوصة امتدت لسنوات.

شرارة التصعيد

بدأ المسار الذي انتهى بحسم حلب في 6  كانون الثاني/يناير الجاري، عندما استهدفت “قسد” نقطة عسكرية تابعة للجيش السوري. لم يقتصر الأمر على هذا الاستهداف، بل توسّع ليشمل قصف مؤسسات رسمية وأحياء مدنية، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من المدنيين والعسكريين، وأعاد فتح جبهة داخل المدينة كانت تُعدّ مجمّدة نسبياً.

تركزت الاشتباكات في أحياء الأشرفية وبني زيد ومساكن الشقيف، قبل أن تنتهي بمحاصرة ما تبقى من مجموعات “قسد” في حي الشيخ مقصود. عند هذه النقطة، بدا أن الطرفين يتجهان إلى تسوية مؤقتة، تجنب المدينة جولة تدمير جديدة.

تسوية معلّقة وانفجار الخيار العسكري

نصّت التسوية التي جرى التوصل إليها على انسحاب مجموعات “قسد” نحو شرق الفرات، في إطار تطبيق متأخر لاتفاق 1 نيسان/أبريل، الذي كان قد أُبرم سابقاً، وينص على خروج القوات المسلحة من حيّي الأشرفية والشيخ مقصود، مع الإبقاء على قوى أمنية محلية ذات طابع خدمي.

غير أن هذا المسار تعثّر سريعاً. فعلى الرغم من وصول الحافلات المخصصة لنقل المقاتلين، امتنعت “قسد” عن تنفيذ الانسحاب، ورفضت الصعود إلى الحافلات، في خطوة فسّرتها الحكومة السورية على أنها محاولة لكسب الوقت أو فرض شروط جديدة على الأرض.

أمام هذا التعطيل، أطلق الجيش السوري، مساء 9 كانون الأول، عملية عسكرية هدفت إلى تمشيط حي الشيخ مقصود وإنهاء الوجود المسلح فيه. وجاء هذا القرار بعد ثلاث موجات تصعيد متتالية بدأت بها “قسد” داخل المدينة، استهدفت خلالها منشآت مدنية وحكومية، في خرق واضح لاتفاقي نيسان وآذار.

غرب الفرات

مع حسم المعركة داخل حلب، برز سؤال مركزي حول الجبهة التالية. في هذا السياق، تبدو جبهات دير حافر ومسكنة، الواقعتين على مسافة لا تتجاوز 60 كيلومتراً شرق المدينة، أكثر ترجيحاً من حيث احتمالات التصعيد، مقارنةً بمناطق شرق الفرات كالرقة ودير الزور.

فخلال موجة التصعيد الأخيرة، استخدمت “قسد “وجودها العسكري غرب الفرات كورقة ضغط مباشرة على الحكومة السورية، وأطلقت عشرات الطائرات المسيّرة الانتحارية باتجاه الأحياء المدنية في حلب، في محاولة لرفع كلفة العملية العسكرية، ونقل المعركة إلى العمق المدني.

هذا السلوك يعزز فرضية أن الحكومة السورية، بعد استكمال تمشيط أحياء حلب، قد تتجه نحو عملية عسكرية محدودة تهدف إلى إخراج “قسد” بالكامل من غرب الفرات، وإنهاء أي تهديد مستقبلي للمدينة، سواء عبر الطائرات المسيّرة أو قطع طرق الإمداد الحيوية، وعلى رأسها المياه.

الرهان على الحماية الدولية: حسابات خاطئة

كان واضحاً خلال المعركة أن “قسد” لم تكن تراهن فقط على قوتها العسكرية، بل سعت إلى استدعاء حماية دولية وحشد تعاطف على أساس إثني، عبر الصمود داخل أحياء مكتظة بالسكان. غير أن هذا الرهان أخفق لأسباب متعددة.

أولها، الانضباط العالي لسلوك الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي، حيث جرى الالتزام بالقوانين المحلية والدولية الخاصة بالنزاعات المسلحة، ما حدّ من وقوع الانتهاكات، وقلّص قدرة “قسد” على تحريض الرأي العام المحلي والدولي.

وثانيها، الموقف الأميركي الذي جاء أقل بكثير من توقعات “قسد”. إذ بدأ بالصمت، ثم صدرت تصريحات من الرئيس دونالد ترامب ومبعوثه الخاص توم باراك اتسمت بالغموض، لكنها فُهمت على نطاق واسع بوصفها أقرب إلى دعم الحكومة السورية في بسط سيادتها على المدينة.

خارطة منبج: الاتفاق المؤجل يعود

مع حسم معركة حلب، ومع الدعوات الأميركية لوقف إطلاق النار، يُرجّح أن تستحضر الحكومة السورية ما يُعرف بـ”خريطة طريق منبج”، التي جرى التوصل إليها بين الولايات المتحدة وتركيا منتصف عام 2018، خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب.

نصّت هذه الخارطة على إخلاء مناطق غرب الفرات من أي وجود لـ”قسد”، وهو ما يجعل من بقاء هذه القوات في دير حافر ومسكنة مسألة مؤقتة من وجهة نظر دمشق. وعليه، قد ترفض الحكومة أي تهدئة جديدة مع “قسد” قبل انسحابها الكامل من غرب الفرات، معتبرةً أن هذا الوجود يشكّل تهديداً دائماً لحلب.

قسد بين التوقيع والمماطلة

رغم خيبة الأمل، لا تبدو قسد غافلة عن مآلات الموقف الأميركي والدولي. فقد قبلت مسبقاً بتوقيع اتفاق 1 نيسان، إدراكاً منها لصعوبة الدفاع عن وجودها غرب الفرات. لكنها، في الوقت نفسه، راهنت على دعم إسرائيلي يمنحها مساراً سياسياً جديداً شرق الفرات، على غرار ما جرى في السويداء.

هذا الرهان دفعها إلى المماطلة في تنفيذ اتفاقي آذار ونيسان، قبل أن تجد نفسها مضطرة للخروج الكامل من مدينة حلب في 11 كانون الثاني/ يناير 2026، وسقوط اتفاق نيسان عملياً، وبقاء اتفاق آذار بوصفه الإطار الوحيد المنظّم للعلاقة مع الحكومة السورية.

ما بعد حلب: استراتيجيات بديلة

من غير المرجّح أن تتجه “قسد”، بعد خسارة حلب، إلى مواجهة عسكرية مباشرة في مناطق شرق الفرات، في ظل إدراكها لغياب الغطاء الدولي. وبدلاً من ذلك، يُتوقع أن تعتمد استراتيجيات أقل كلفة سياسياً، تشمل الاستمرار في المفاوضات حول اتفاق 10 آذار، مع إظهار إيجابية شكلية أمام المجتمع الدولي، مقابل وضع عراقيل جديدة تعرقل تنفيذه.

كما يُتوقع أن تلجأ إلى عمليات تخريبية غير مباشرة، كالهجمات بالطائرات المسيّرة على منشآت عسكرية ومدنية، والتنصل من المسؤولية عنها، أو التساهل في مراقبة السجون والمخيمات التي تضم عناصر تنظيم “داعش”، بما يسمح بإعادة تنشيط الخلايا النائمة، وتحميل الحكومة مسؤولية أي انفلات أمني لاحق.

الحكومة أمام اختبار ما بعد الحسم

في المقابل، تجد الحكومة السورية نفسها أمام اختبار معقّد لإدارة مرحلة ما بعد حلب. فمن جهة، يُتوقع أن تطالب الولايات المتحدة بسحب الأسلحة الثقيلة التي سلّمتها لـ”قسد” خلال فترة مكافحة تنظيم “داعش”، وأن تطلب دعماً في مراقبة الأجواء السورية لمنع استخدام الطائرات المسيّرة.

ومن جهة أخرى، يُرجّح أن تعمل على إخلاء كامل مناطق غرب الفرات وجنوبه من أي وجود لـ”قسد”، في عمليات مشابهة لعملية حلب، مع جعل نهر الفرات حاجزاً أمنياً طبيعياً، وفرض رقابة مشددة على المعابر النهرية.

نهاية مرحلة لا نهاية صراع

تكشف معركة حلب أن “قسد”، التي نشأت بوصفها قوة قتالية ضمن التحالف الدولي لمكافحة تنظيم “داعش”، فقدت معظم الذرائع التي برّرت استمرارها، مع سقوط النظام السابق وانضمام الحكومة السورية الجديدة إلى التحالف الدولي. ومع فشل مشروعها السياسي في التحول إلى كيان مستقل أو فيدرالي، باتت خياراتها محدودة بين الانسحاب المنظم أو الدخول في مرحلة طويلة من الاستنزاف السياسي والأمني.

في المقابل، تمثل استعادة حلب للحكومة السورية أكثر من انتصار عسكري؛ إنها نقطة تحوّل في إعادة رسم معادلة السيطرة غرب الفرات، وبداية مرحلة جديدة عنوانها تثبيت السيادة، لكن بثمن سياسي وأمني سيستمر في اختبار قدرة الدولة على إدارة مرحلة ما بعد الحسم، لا الاكتفاء بتحقيقه.

المدن

———————-

 قناة “شمس”.. آخر فضائح “الإعلام الكُردي”/ حسين جلبي

2026.01.15

أن تُقدم قناة فضائية مغمورة على إجراء لقاء مع شخصية تحظى باهتمام عالمي، في ظرف سياسي حساس يتطلع فيه الرأي العام إلى معرفة موقفه، وأن يخصص الضيف وقتاً للقناة ليقدم تصريحات حصرية حول قضايا استثنائية ساخنة، ثم تقرر القناة – رغم إعلانها المسبق عن موعد البث – عدم إذاعة اللقاء، بحجة اكتشاف القائمين عليها أن الضيف عبر عن آراء لا تنسجم مع رغباتهم ولا تتطابق مع أجنداتهم، وأنه لم يقل ما كانوا يتوقعونه أو يشتهونه؛ ثم يخرج مدير القناة ليمنح نفسه حق انتقاء مقاطع بعينها من اللقاء ونشرها بشكل أحادي، فإن ذلك لا يعد فقط سقطة مهنية فادحة، بل سقوطاً أخلاقياً مكتمل الأركان.

هذه الوقائع كانت بطلتها قناة “شمس”، الكُردية التمويل، العربية اللسان، التي انطلقت قبل نحو عام من إقليم كُردستان، في محاولة جديدة لوضع “الصوت الكُردي الغائب” على خريطة العالم العربي. وقد افتتحت القناة مسيرتها بلقاء مع السيد مسعود بارزاني، رئيس الإقليم، على أمل أن يشكل ذلك انطلاقة قوية، بالنظر إلى ثقل الرجل السياسي، وما تحظى به لقاءاته مع الإعلام العربي عادة من اهتمام. غير أن ذلك اللقاء مرَّ باهتاً، ولم يحظ بمتابعة تُذكر خارج بعض الأوساط الكُردية السورية، ولم تتداوله أي وسيلة إعلامية مؤثرة، خاصة أنه لم يحمل جديداً يُعتدّ به، سوى كونه أقرب إلى قصّ شريط افتتاح لمشروع محلي محدود الأثر.

بعد ذلك، دخلت قناة “شمس” في سبات طويل، بل كادت أن تنطفئ تماماً، إلى أن عادت بعد أشهر لتعلن عن لقاء جديد مع السيد بارزاني، على أمل إنعاش حضورها الإعلامي. إلا أن مصير اللقاء الثاني لم يكن أفضل حالاً من سابقه. ومؤخراً، عادت القناة إلى الواجهة، لا من باب التميّز الإعلامي، بل عبر إثارة الجدل، حين أعلنت عن إجراء لقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع وحددت موعد بثه، ثم أعلنت تأجيله من دون تقديم أي تفسير واضح، ما فتح الباب أمام موجة من التكهنات، خصوصاً في ظل حساسية التوقيت. وهكذا، تحولت القناة إلى “ترند”، ربما للمرة الأولى في تاريخها، بل تعرّف إليها كثيرون لأول مرة من خلال هذه الفضيحة.

دخل إيلي ناكوزي إلى إقليم كُردستان من بوابة الإعلام العربي، بعد أن أجرى سابقاً لقاءً ناجحاً مع السيد مسعود بارزاني حين كان يعمل في قناة “العربية”، حيث تحدث الضيف الكُردي حينئذ من دون “خطوط حمراء عربية”، كما بدا واضحاً.

أما في اللقاء الأخير مع الرئيس الشرع، فقد بدا المشهد معكوساً؛ إذ لم يكتفِ ناكوزي بوضع “خطوط حمراء كُردية” لضيفه، بل تحوّل إلى ما يشبه “مقصّ الرقيب”، فنشر روايته الخاصة عمّا جرى في اللقاء، وهو تصرف يُعدّ أسوأ، مهنياً، من عدم نشر اللقاء أصلاً. ويزداد الأمر خطورة حين نعلم أن الحزب الديمقراطي الكُردستاني، الحاكم في الإقليم، كان قد توسط لإجراء اللقاء ثم لإلغائه، ما يجعل القضية تتجاوز حدود تصرف إعلامي معيب، إلى مسألة تمس طبيعة العلاقة بين النظام السوري الجديد وإقليم كُردستان، وهي علاقة يُفترض أن تكون في أفضل حالاتها.

في الواقع، لم ينجح “الإعلام الكُردي”، في الخروج من عباءة النشرات الحزبية الجامدة التي تتكرر بتكرار المناسبات، حتى ليخيل للمرء أن القائمين عليه ما زالوا يعيشون في زمن سحيق، لم تلامسهم فيه رياح التغيير، حيث تُضخم أخبار محلية هامشية، وتُقدم على أنها أحداث عالمية كبرى، ويقدم أبطالها على أنهم أصحاب رأي، مؤثرون، ويُستعاض عن المهنية بالشحن العاطفي والشعبوية. وحتى حين حاول هذا الإعلام تطعيم نفسه بخبرات من خارج محيطه، سرعان ما غرقت تلك الخبرات في المستنقع ذاته، بدل أن تنتشله منه.

تلفزيون سوريا

———————————-

العرب والكورد في سياق الشراكة الاجتماعية التاريخية في سوريا/ طالب عبد الجبار الدغيم

يناير 15, 2026

في المجتمعات التي أنهكتها الحروب الطويلة، يصبح استدعاء الذاكرة الوطنية فعلاً أخلاقياً بقدر ما هو ضرورة معرفية. فالانقسام حين يتغذّى على الخوف والتحريض، لا يكتفي بتفكيك الحاضر، بل يعمل على تشويه الماضي، وتفخيخ المستقبل، وكأن التاريخ لم يكن سوى صراع دائم بين جماعات متناحرة.

وفي سوريا بعد سقوط نظام الأسد وبداية عهد وطني جديد، تبرز العلاقة بين العرب والكورد بوصفها إحدى أكثر العلاقات تعرضاً لهذا التشويه والتلاعب من أطراف محلية ودولية، رغم أنها تشكّلت، تاريخياً، داخل فضاء اجتماعي وسياسي وإنتاجي اقتصادي واحد، وأسهمت في بناء الدولة والمجتمع على مرّ الأزمان.

ولذلك، فإن إعادة قراءة هذه العلاقة اليوم ليست تبريراً لأخطاء واستقطاب سياسي فحسب، بل محاولة واعية لحماية المجتمع من الانزلاق إلى فتنة مفتوحة لا تخدم إلا من يتغذّى على الانقسام.

ومن منظور علم الاجتماع السياسي، لا تُفهم الهوية الوطنية بوصفها انتماءً جامداً، بل باعتبارها حصيلة مشاركة في المجال العام، وفي مؤسسات الدولة، وفي إنتاج الثقافة والمعرفة. وبهذا المعنى، كان حضور الكورد في التاريخ الوطني السوري حضوراً فاعلاً وواضحاً.

فقد برزت شخصيات كردية لعبت أدواراً محورية في الحياة الفكرية والسياسية السورية، وأسهمت في صياغة الوعي الوطني الحديث، ومنهم محمد كرد علي، أحد أبرز أعلام الفكر والتاريخ في سوريا الحديثة، والذي ارتبط اسمه ببناء المؤسسات الثقافية (المجمع العلمي للغة العربية)، وعمله على ترسيخ فكرة الدولة الجامعة القائمة على المعرفة والقانون.

كما شكّل حسني البرازي نموذجاً لمشاركة الكورد في الحياة السياسية السورية، حيث تولّى رئاسة الحكومة السورية في أربعينيات القرن العشرين، ضمن سياق وطني لم يكن يقيس الانتماء بالكردية أو العربية، بل بالدور والمسؤولية. ومن بينهم، نور الدين ظاظا، وهو مفكر وسياسي كردي سوري، دعا مبكراً إلى الاعتراف بالحقوق الثقافية للكورد ضمن الدولة السورية، ورفض العنف والانفصال، وطرح رؤية إصلاحية سلمية في تجربته الوطنية.

هذه المشاركة لم تكن استثناءً، وحالات فردية، بل تعبيراً عن اندماج اجتماعي وسياسي مكثف وطويل الأمد، انعكس في الإدارة، والتعليم، والاقتصاد، والجيش، وفي المدن المختلطة التي أنتجت علاقات يومية تجاوزت الهويات الضيقة. وفي هذا الإطار، يوضح علم الاجتماع أن المجتمعات التي تشترك في المجال العام تتكوّن بينها ما يُعرف بـ”الذاكرة الجمعية”، وهي ذاكرة تتجاوز الأصل العرقي لتؤسس شعوراً بالمصير الواحد.

ومع اندلاع الثورة السورية (2011)، ظهر هذا المعنى مجدداً في لحظاته الأولى، حين خرج السوريون، عرباً وكورداً ومن المكونات الوطنية الأخرى، مطالبين بالحرية والكرامة. وكان من بين الرموز الكردية البارزة في هذا المسار مشعل تمو، الذي مثّل خطاباً وطنياً جامعاً، رفض الاستبداد كما رفض تحويل القضية الكردية إلى أداة فصل أو صدام. وشكَّل اغتياله رسالة قاسية مفادها أن كل صوت وطني جامع يُنظر إليه كخطر من قبل القوى التي لا تعيش إلا على الانقسام.

ومن منظور تحليلي، فإن استهداف هذا الخط الوطني، عربياً كان أو كردياً، لا يمكن فصله عن سعي تنظيمات قومية مسلحة تحالفت موضوعياً مع نظام الأسد البائد، وأسهمت بمرور الوقت بتفجير المجتمع من الداخل.

فهذه التنظيمات لا ترى في الوطنية والتعايش قوة، بل تهديداً مباشراً لمشروعها القائم على الاستقطاب والتقسيم، وظلت وفية لمنظومة القمع الأسدية حتى زوالها، وتمارس ذات الدور في حلب والجزيرة السورية، وكان لممارساتها اللاإنسانية الدور الفاعل في تعميق حدة الاستقطاب وخلق مفاهيم ورؤى لا تعكس حال الشارع ولا التلاحم الوطني الذي تميز به الشعب السوري في تاريخه.

ولهذا، يُعاد اليوم إنتاج خطاب يدفع نحو الاقتتال والفتنة بين العرب والكورد والتركمان وغيرهم، عبر شيطنة جماعية، وربط مكوّن اجتماعي كامل بممارسات تنظيم بعينه، مقابل ربط المكون الأكبر بالسلطة الجديدة في دمشق، وهذا تجاهل متعمّد للتاريخ الاجتماعي المشترك وللضحايا، وتغييب للحقوق والواجبات من الطرفين.

في علم الاجتماع السياسي، يُنظر إلى هذا النمط من الخطاب بوصفه شكلًا من “العنف الرمزي”، حيث تُستخدم اللغة لإقصاء جماعة كاملة ونزع شرعيتها الأخلاقية، تمهيداً لإقصائها اجتماعياً أو سياسياً. والخطورة هنا لا تكمن في الكلمات ذاتها، بل في قدرتها على إعادة تشكيل الوعي العام، ودفع المجتمع إلى صراع أفقي يخدم من يريد إدامة التفكك ومنع تشكّل مشروع وطني جامع.

إن التذكير بمشاركة السوريين الكورد في التاريخ الوطني السوري، وبوقوفهم إلى جانب إخوانهم العرب في لحظات مفصلية، ليس استدعاءً انتقائياً للماضي، بل تصحيح لمسار الذاكرة الجمعية. وحين نذكر حقوقهم المسلوبة من النظام البائد، فهو من ضمن الوفاء لتلك العلاقة التاريخية.

فالعرب والكورد لم يلتقوا في سوريا على قاعدة المصلحة المؤقتة، بل على قاعدة العيش المشترك والمشاركة في بناء الدولة والمجتمع، إلى جانب بقية المكوّنات السورية من تركمان وآشوريين وسريان وكلدان وإسماعيليين وأرمن ودروز وعلويين وأيزيديين وشيعة وأصحاب معتقدات وعرقيات أخرى.

إن مواجهة خطاب الكراهية اليوم تتطلب شجاعة أخلاقية، وترسانة معرفية، تعترف بالألم دون تحويله إلى أداة لتصفية الحسابات، وبالاختلاف دون تسليحه في داخل المجتمع السوري. فالدولة العادلة، والمجتمع المتماسك، لا يقومان على الإقصاء، وإنما يقومان على استعادة معنى الشراكة الوطنية بوصفها حقيقة سياسية واجتماعية راسخة.

وفي هذا السياق، يبقى التاريخ المشترك بين العرب والكورد هو أحد أهم صمّامات الأمان لسوريا، في مواجهة كل مشروع يسعى إلى تحويل هذا التنوع الرائع من مصدر قوة وإثراء إلى أداة فتنة وانقسام وحروب لا حدود لها.

الثورة السورية

————————

الكتاب الأبيض: في الفصل بين حقوق الأكراد و«قسد»/ خلف علي الخلف

2026 / 1 / 15

اطلعت على مقتطفات من لقاء الأخ الرئيس أحمد الشرع، رئيس الجمهورية العربية السورية، مع قناة شمس الكردية. وهو اللقاء الذي رفضت بثه القناة بعد تلقيها تهديدات من حزب العمال الكردستاني، كما أورد موقع المدن نقلا عن مسؤول أمني كردي، وبثت مقتطفات منه قناة الإخبارية السورية الرسمية هذا اليوم، 15/01/2026. وقد تمحور اللقاء حول مسار المفاوضات مع «قسد» وحقوق المواطنين السوريين الأكراد. وقد وجدت أن ما تحدث به الشرع يصلح لأن يكون اللبنة الأساسية للبناء عليها في معالجة القضية الكردية في سوريا.

ففي مناخ سياسي مشحون، وفي خضم نقاشات حامية بين السوريين حول اتفاق 10 آذار 2025، بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وفي ظل التطورات العسكرية الأخيرة التي ما تزال قائمة، من الضروري، بداية، فصل قضية حقوق الأكراد كمواطنين سوريين عن علاقة الدولة بمنظمة مسلحة. وهذا الفصل ليس تحليلا تكتيكيا، بل ضرورة وطنية تضمن سيادة الدولة، وتحترم حقوق المكونات الوطنية ضمن مؤسساتها دون القفز فوق الدستور أو الالتفاف عليه.

إتفاق آذار بين الرئيس أحمد الشرع وقائد «قسد»، مظلوم عبدي، مثل محاولة لإعادة توحيد البلاد، وإعادة الوجود الرسمي السوري إلى منطقة الجزيرة وحوض الفرات بعد سنوات من الصراع والهيمنة شبه المستقلة. وقد تضمن بنودا تهدف إلى دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في إطار الدولة السورية، وتأكيد وحدة الأراضي والمواطنة المتساوية لكل السوريين، بمن فيهم الأكراد.

لكن جوهر الإشكالية لا يكمن في طريقة التنفيذ وفهم الطرفين لطبيعة العلاقة العسكرية، وبدرجة أقل السياسية. بل بالارتباط الإقليمي والدولي لملف «قسد» كتنظيم مسلح عابر للدولة وتشابكات هذا الملف الإقليمية والدولية. فعلى الرغم من الإعلان الرسمي عن الاتفاق، فإن المسار التنفيذي بقي معطلا، وقاد ذلك إلى تصعيد عسكري في مناطق مثل حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب خلال بداية عام 2026، بعد فشل تنفيذ ترتيبات دمج «قسد» في مؤسسات الدولة، وأدى إلى مواجهات بين القوات الحكومية و«قسد»، ونشهد الآن تطورات مشابهة في دير حافر ومسكنة ومناطق أخرى في حوض الفرات الغربي.

في المقتطفات التي بثتها قناة الإخبارية السورية، شدد الشرع على أن حقوق الأكراد ستكون محفوظة في الدستور القادم، وأن حماية المجتمع الكردي لا تكون عبر التنظيمات المسلحة مثل «قسد»، بل عبر اندماجهم الكامل في الدولة ومؤسساتها، مشيرا إلى ضرورة وحدة الدولة وسيادتها وعدم التفريط في مقدراتها مقابل اتفاقات جزئية. هذا الموقف يلخص قضية أساسية: الأكراد السوريون مواطنون لهم حقوق ثابتة ومشروعة في المواطنة والمشاركة السياسية والثقافية واللغوية والإدارية، ولا يمكن أن تكون تلك الحقوق رهنا لمنظمة مسلحة، أو رهينة صيغ تفاوضية لم تطبق أو تفسر بشكل متناقض أو تعطل من خارج الدولة.

ومن هنا، أرى أن لدينا قضيتان منفصلتان تماما، وإن بدا أنهما متداخلتان:

الأولى، القضية الكردية في سوريا. إنها قضية شعب، مكون أصيل من السوريين، لحقه ظلم تاريخي، مضاف إلى الظلم الذي لحق بجميع السوريين. وهذه القضية لا علاقة لها بحزب أو جماعة أو تيار أو منظمة عسكرية. إنها قضية الدولة في التزاماتها أمام مواطنيها. والقضية الكردية هنا ليست قضية الأكراد فقط، بل هي قضية سورية تهم وتنعكس على كل الشعب السوري بكل مكوناته. ويجب أن يكون حلها أحد مسؤوليات الدولة، ليس فقط عبر الاعتراف بالمواطنة المتساوية، بل بالاعتراف بالحقوق التمييزية للأكراد، إذ لا يكفي القول إنهم مواطنون سوريون لهم كافة حقوق المواطنة، فهم سوريون أكراد، لديهم لغة وثقافة تخصهم، ومنتشرون في توزع جغرافي يشكلون في بعض مناطقه غالبية عظمى. إذ يجب أن يكون حل القضية الكردية عبر دستور واضح وشفاف، وقوانين ومراسيم وإجراءات تنفيذية معلنة، وليس عبر هيكلة عسكرية لهذا التنظيم المسلح أو ذاك، أو خطابات ونوايا، ومصطلحات سياسية قابلة للتبدل أو التأويل.

القضية الثانية هي قضية «قسد»، باعتبارها قضية تنظيم عسكري مسلح خارج سلطة الدولة. إن تعريف «قسد» لنفسها، وخطابها المعلن، يقول إنها تنظيم عسكري لكافة مكونات الجزيرة من عرب وكرد وسريان وتركمان ومكونات أخرى، بل إن خطابها المعلن بشكل مستمر يقول إن العرب يشكلون ستين بالمئة من تشكيلاتها العسكرية، وبالتالي فهي ليست تنظيم عسكري كردي، كما أن لها، بشكل واقعي، ارتباطا عضويا بتنظيم مسلح آخر خارج الدولة، وكذلك ارتباطات عسكرية معلنة مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش.

إذن، نحن أمام ميليشيا عسكرية عربية-كردية خارج سلطة الدولة، تشكلت في ظروف دولية وإقليمية ومحلية، ومرتبطة بملفات إقليمية ودولية. وبالتالي، فإن مسار المفاوضات مع هذه الميليشيا العسكرية منفصل كليا عن الحقوق الكردية بوصفها التزام الدولة تجاه مواطنيها.

إن استمرار اعتبار «قسد» شريكا تفاوضيا مع الدولة من دون تمييز واضح بين مواطنين أكراد وقادة ميليشيا مسلحة عابرة للدولة يشوش على الخريطة السياسية، ويمنح مساحة لمنظور غير دستوري وغير مؤسساتي في حل القضايا الوطنية. فالدولة، بوصفها جهة سيادية وممثلة للمواطنة المتساوية، وحدها التي تمتلك الشرعية لحل ملفات المواطنة والحقوق التي يطالب بها أي مكون. بل إن «مؤتمر القامشلي» الذي عقد في أيار الماضي بدعوة وإشراف من «قسد» وضم مشاركين من مختلف الأطياف الكردية ذهب باتجاه الفصل هذا. ويمكن للرئيس الاجتماع مع الوفد التمثيلي الذي تشكل من مخرجات المؤتمر لطرح رؤية الدولة أمامهم لحل القضية الكردية في سوريا والاستئناس بآرائهم.

وهنا تكمن الفكرة الجوهرية التي نقترح أن تعلن عبر ما يمكن أن نسميه بـ«الكتاب الأبيض» لتصور الدولة السورية لحل القضية الكردية:

حقوق الكرد كمواطنين متساوين، لهم تمايز خاص، بالإضافة للمكونات الأخرى التي لديها هذا التمايز، يجب أن ترسخ دستوريا دون تفاوض مع أي جهة حزبية أو عسكرية. و«قسد» مسألة تحلها الدولة حسب رؤيتها وتسوياتها الإقليمية والدولية، ولا تتفاوض معها بوصفها طرفا سياسيا أو قائما على حقوق مكون، بل تنظيما مسلحا، تقوم المفاوضات معه على بند رئيسي هو دمجه في بنية الدولة ومؤسساتها، مع كل تداعيات وتشابكات هذا الدمج مع الأطراف الإقليمية والدولية.

بهذا، تفصل نقطة الخلاف الأساسية: حل الحقوق لا يكون عبر قنوات غير دستورية، ولا يخضع للتفاوض والمساومات، أما التفاوض مع تنظيم مسلح فيخضع لتشابكات إقليمية ودولية، ولمساومات وتسويات وتنازلات من جميع الأطراف.

ومن ذلك، ندعو الدولة السورية، وعبر رئيسها، إلى أخذ زمام المبادرة، وإعلان خطاب تاريخي يقدم فيه رؤية الدولة لحل القضية الكردية في سوريا، ويعلن عن إصدار «الكتاب الأبيض لحل القضية الكردية في سوريا»، ويكون قابلا للتعديل بعد نقاش عام يجب أن يشترك فيه جميع السوريين، وليس الأكراد فقط. وبهذا يمكن نزع الورقة الكردية من يد تنظيم مسلح عابر للدولة، والتفاوض معه بوصفه ملفا يخضع لتسويات وتشابكات دولية.

***

الحوار المتمدن-العدد: 8588

———————————

قسد بين أوجلان وأنقرة وتوم باراك: الطريق إلى الحرب معبَّد بسوء التقدير/ حسين أحمد

2026 / 1 / 14

    عندما أطلق دولت بهجلي زعيم حزب الحركة القومية “نداء السلام”، وطالب بدعوة عبد الله أوجلان إلى البرلمان التركي؛ ليعلن إلقاء السلاح، وحل حزب العمال الكردستاني.

    رأى أوجلان، بحسب المانفستو الأخير، إن حل حزب العمال الكردستاني ضرورة ملحة، وإنهم كان عليهم التنبه إلى هذا الحل، باعتبار تحول حزب العمال الكردستاني إلى عقبة، ولكن للمفارقة فقد جاء ذلك الطرح من دولت بهجلي!

    كان الاقتراح التركي منصباً على “عملية سلام موضعية”، بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني، كأي عملية سلام تحصل بين أية دولة وجماعة متمردة، وبدأ الإعلام التركي وقتها بطرح سيناريوهات متعددة بالنظر إلى تجارب مشابهة في التاريخ الحديث في دول العالم المختلفة.

    لكن عبد الله أوجلان ومناصروه رفضوا ذلك، وتمسكوا برؤية أوجلان للعملية:

    – العملية ليست بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني فقط.

    – بخصوص تركيا؛ يجب إشراك كافة الفعاليات التركية، السياسية والمؤسساتية، والاجتماعية، والاقتصادية.

    – بخصوص الأكراد؛ يجب إشراك أكراد الأجزاء الأخرى من كردستان في الحل.

    بالمقابل كانت رؤية الجانب التركي، بعد هذه الشروط، تتمحور حول عدة نقاط، منها:

    – الكلمة الفصل في أي اتفاق هي لأوجلان، ولن تتم المفاوضة مع غيره.

    – شمولية القرار والحل؛ بمعنى أن القرارات الصادرة عن أوجلان بخصوص حزب العمال الكردستاني يجب أن تسري على كافة أفرع حزب العمال الكردستاني السياسية والعسكرية، بغض النظر عن طبيعتها ومكان تواجدها.

    عند هذه النقطة المبدئية المتفق عليها، بدأت الخطوات العملية. ومع أولاها تبين أن حسابات الطرف الكردي كانت خاطئة فيما يتعلق بأن كل ما يقرره أوجلان بخصوص حزب العمال الكردستاني، يجب أن يسري على كافة فروعه.

    توضح ذلك بشكل جزئي مع قرار حل حزب العمال الكردستاني، وظهر جلياً مع قرار إلقاء السلاح.

    كان الموقف الحكومي، وخاصة موقف دولت بهجلي، واضحاً: قرار حل الحزب وإلقاء السلاح يسري على كافة فروع حزب العمال الكردستاني، بما في ذلك حزب الاتحاد الديمقراطي وأجنحته العسكرية في سوريا.

    في البداية لم يُظهر حزب المساواة وديمقراطية الشعوب أي رد فعل مناقض لتصريحات دولت بهجلي، ثم بدأت ردود الفعل المرتبكة تصدر عنهم، إلى أن خرج محمد أوجلان، شقيق عبد الله أوجلان، بتصريح مصور عن فحوى لقائه العائلي به في سجن إمرالي، قال فيه:

    لقد التقيت بالقائد، ونقلت له مخاوف أهلنا في روج آفا حول سريان قراره عليهم.

    قال لي القائد: لم أقل إن قرار إلقاء السلاح يشملهم، يجب أن يحلوا مشاكلهم مع دمشق لوحدهم، وهم أعلم بظروفهم، أنا فقط أدعمهم حتى لو أعلنوا جمهورية هناك.

    بعد تصريح محمد أوجلان، أصدر حزب المساواة وديمقراطية الشعوب باسم وفد إمرالي بياناً، نفوا فيه ما نسب إلى أوجلان دون تسمية شقيقه، وأكدوا على أن وفد إمرالي هو الوحيد المخول والموثوق في نقل تصريحات ورؤى عبد الله أوجلان.

    في ظل تضارب التصريحات حول هذا الموضوع، يبدو أن أوجلان أخد زمام الأمور، وحمل على عاتقه إدارة الملف كاملاً، بعد أن تبين له أن هناك خلل كبير بين قيادات حزب العمال الكردستاني وأجنحته المختلفة، لذلك انتقدهم انتقاداً لاذعاً في “المانفستو”، وجمع حوله فريقاً من المستشارين يقدر عددهم بخمس وعشرين من القيادات المحكومين بالسجن، ونفهم ذلك من خلال تأخر إطلاق سراح أكثرهم قرباً منه والذي يدعى ويسي أكتاش (سجن 31 سنة و 3 أشهر) لعدة أشهر بطلب من أوجلان.

    طلب أوجلان من المخابرات التركية فتح قناة اتصال مباشرة له مع مظلوم عبدي، كانت تعليمات أوجلان ورؤيته واضحة، بحسب العديد من المصادر:

    – وقف كافة أشكال التعاون مع أمريكا.

    – إيقاف تطبيق اتفاقية العاشر من آذار.

    – إيقاف المفاوضات مع أحمد الشرع.

    – سيقوم أوجلان ببحث ترتيبات الوضع الكردي السوري مع الجانب التركي.

    – في مرحلة لاحقة، يدعى مظلوم عبدي وأحمد الشرع إلى أنقرة لعقد اتفاق شامل مع خطة طريق لتطبيقها.

    – ليس هناك ثقة بأحمد الشرع بسبب خلفيته الجهادية، لذلك ستكون أنقرة هي الضامن لتطبيق الاتفاق المحتمل.

    – لمزيد من الثقة، سيكون مسعود البارزاني هو الضامن للطرف الكردي في الاتفاق.

    مهما كان أحمد الشرع قريباً من تركيا، لا يمكننا اعتباره رجل تركيا في سوريا، لكن رؤية عبد أوجلان لحل القضية الكردية في سوريا عبر اتفاق شامل بين مظلوم عبدي وأحمد الشرع في أنقرة وبرعاية وضمان تركيا، يعطيها أفضل موقع تريده لها في سوريا وبشكل سلمي، وبرضا الأطراف المتصارعة، ويزيل كافة مخاوفها.

    رؤية أوجلان لطريقة الاتفاق وكيفيته أزعج المبعوث الأميركي توم باراك، مما جعله يطلق تصريحات نارية في مواجهة قسد، واجتمع على عجل بمظلوم عبدي وطلب منه بصيغة الأمر توقيع اتفاق فوري مع أحمد الشرع في الأردن.

    كان توم باراك يقوم باللعب مع قسد والحكومة السورية، تارة يهدد قسد بتركيا، وأخرى يهدد الحكومة بعدم إزالة العقوبات، أو بتدخل تركي في مواجهة قسد بمساعدة الفصائل الموالية لها، مما يزعزع الاستقرار الهش أصلاً، ويضعضع شرعية الشرع الداخلية.

    لكن عندما تحولت تركيا، العقبة الرئيسة أمام أي حل، إلى راعٍ وضامن لأي اتفاق بين الحكومة وقسد، تم سحب أهم وأقوى ملف سوري من يد توم باراك.

    بسبب ضغوطات المبعوث الأمريكي توم باراك، ووجود أجنحة متشددة داخل حزب العمال الكردستاني وقسد معارضة لعملية السلام مع تركيا؛ رضخ مظلوم عبدي ودخل في مسار تطبيق اتفاق العاشر من آذار مع السلطة، برعاية أمريكية، بعيداً عن الغطاء التركي الذي طرحه أوجلان، وتمخض عن ذلك اتفاق الواحد من نيسان الخاص بحيي الشيخ مقصود والأشرفية، برعاية وضمانة أمريكية مباشرة.

    رأت تركيا في ذلك مناورة من قبل قسد، ولعباً على الحبال؛ لكسب الوقت والتهرب من التفاهمات التي تكون قد حصلت بين قسد وتركيا بطلب من أوجلان، وابتعاداً عن شرط الرعاية التركية لأي اتفاق مزمع حصوله، وتحت أنظارها وبرضاها، وبما يخدم مصالحها، ويبدد مخاوفها.

    فالنتيجة النهائية لهذا كله؛ الحرب.

    لن تقبل تركيا بأي حل مع قسد، دون أن يكون حلاً صادراً من أنقرة بالاتفاق مع أوجلان.

    حتى لو كان الاتفاق المتصور برعاية أمريكية يقضي بإلقاء قسد سلاحهم، لن تقبل تركيا، وستطالب باعتقالهم!

    يتوضح ذلك من الخطاب الأخير لدولت بهجلي أمام كتلته البرلمانية حيث قال:

    “مظلوم عبدي إرهابي، مؤيد للصهيونية، لا يحترم القائد المؤسس لحزب العمال الكردستاني، وغير مخلص له”

    قد تكون قسد جزءاً من النفوذ الأمريكي، أو أداةً وظيفية أمريكية، أو حليفاً استراتيجياً إذا افترضنا.

    لكن قسد بالنسبة إلى تركيا؛ مسألة أمن قومي، ولن تسمح ببقاء هذه القوات خارج إطار الحلول التي ترتضيها بالتوافق مع أوجلان، حتى لو كانت النتيجة شن حرب على مناطق سيطرة قسد مع التضحية بعملية السلام وتكرار اندلاع عصيان مدني قاسٍ مشابه لما حدث عقب أحداث كوباني 2014.

الحوار المتمدن-العدد: 8587

—————————-

حلب بعد “قسد”: نكسة لمشروعات التقسيم والتفتيت/ صهيب جوهر

يناير 15, 2026

لم يكن ما شهدته مدينة حلب خلال الأيام الماضية مجرّد جولة اشتباك محدودة، ولا يمكن اختزاله بخروج “قسد” من بضعة أحياء شمالي المدينة. ما جرى، وانتهى يوم السبت 10 كانون الثاني/يناير 2026 بخروجها الكامل من هذه الأحياء، يُمثّل أول نصر عسكري صريح للدولة السورية الجديدة، بكل ما يحمله ذلك من دلالات داخلية وإقليمية تتجاوز الجغرافيا الحلبية نفسها.

أهمية هذا التطور لا تكمن في نتيجته فحسب، بل في طبيعته. فقد جرى الحسم بتكاليف بشرية منخفضة جداً، وضمن قواعد اشتباك واضحة، من دون دمار واسع أو فوضى أمنية، وهو ما يكشف تطوراً ملموساً في تنظيم وأداء الجيش السوري الجديد، وقدرته على إدارة عمليات داخل مدينة كبرى بحجم حلب. هذا “النصر النظيف” يختلف جذرياً عن نماذج الحسم التي عرفتها سوريا خلال سنوات الحرب، ويبعث برسالة داخلية مفادها أن الدولة الجديدة تحاول بناء شرعيتها بالسلوك قبل الخطاب.

لكن المواجهة لم تكن معركة أحياء بقدر ما كانت اختباراً مصغّراً لإرادة الدولة وقدرتها على فرض قرارها السيادي. اختبار نجح فيه الرئيس أحمد الشرع في إدارة التوازن بين السياسة والقوة، واختيار توقيت التدخل وحدوده، بحيث يصبح العمل العسكري أداة لتعزيز المسار السياسي لا عبئاً عليه. في المقابل، فشلت قوات سوريا الديموقراطية في أول مواجهة جدّية مع الدولة، وهو فشل لا تُقاس خطورته بخسارة الأرض فقط، بل بانكسار الهيبة التي بنتها طوال سنوات من دون أن تُختبر فعلياً.

الانتكاسة الحقيقية لـ”قسد” لا تكمن في خروجها من أحياء حلب، بل في ما سيترتب على ذلك لاحقاً. فالجزيرة السورية، حيث ثقلها الرئيسي، تراقب ما جرى بدقة. أول مواجهة مباشرة انتهت بخسارة سريعة ومنضبطة، وهو ما سيترك أثره على المعنويات، وعلى شبكات الولاء، وعلى حسابات القوى المحلية المرتبطة بها. هذا النوع من الهزائم لا يبقى محصوراً في الميدان، بل يتسرّب تدريجياً إلى البنية السياسية والعسكرية للمشروع بأكمله.

سياسياً، تُعدّ “قسد” أخطر مشاريع التقسيم التي واجهتها سوريا، ليس فقط لأنها مشروع انفصالي بحد ذاته، بل لأنها تحوّلت إلى رافعة لمشاريع تفكيك أخرى، وتغذّت منها في الوقت نفسه. بدء تآكل هذا المشروع لا يعني سقوطه فوراً، لكنه يضعف الرهانات الدولية والإقليمية عليه، ويُربك شبكات المصالح التي استثمرت فيه كأداة ضغط أو كورقة تفاوض طويلة الأمد.

في هذا السياق، كان الموقف الأميركي لافتاً. بخلاف محطات سابقة، لم تُسارع واشنطن إلى احتواء التصعيد فور اندلاعه، بل انتظرت فرض الدولة السورية واقع “لا قسد في مدينة حلب”، ثم أعلنت دعمها لتهدئة تُكرّس هذا الواقع. هذا السلوك يعكس تحوّلاً في المقاربة الأميركية، مرتبطاً بإعادة ترتيب الأولويات وتقليص الانخراط العسكري المباشر، أكثر مما هو تعبير عن دعم غير مشروط لأي طرف.

هذا النهج مرشّح للتكرار. استراتيجية “الضرب التدريجي تحت الحزام” التي يعتمدها الرئيس أحمد الشرع – أي إنهاك الخصم عبر خطوات محدودة، محسوبة، ومنخفضة الكلفة – قد تكون أكثر إيلاماً لقوات سوريا الديموقراطية وحزب العمال الكردستاني من مواجهة شاملة. فهي تستنزف القوة، وتفكك النفوذ، وتكشف مكامن الضعف، من دون أن تمنح الخصم فرصة لاستدرار تعاطف دولي واسع أو فرض وقائع مضادة.

غير أن ما جرى في حلب يتجاوز قسد بوصفها طرفاً عسكرياً. في هذه المدينة، يُرسم مستقبل الصراع بين سوريا الموحَّدة ومشروع تمزيقها. صراع فُرض على الدولة السورية الجديدة كعقاب مباشر على تحررها من نظام الأسد، لا كخيار سياسي اختارته بإرادتها. فالدولة التي أطاحت بالنظام السابق وجدت نفسها أمام اختبار مفصلي: إمّا القبول بسوريا مجزأة تُدار بالوكالة، أو خوض معركة تثبيت السيادة خطوة خطوة.

ولا يتوقف أثر ما جرى في حلب عند حدود الجغرافيا السورية. فمشروع “قسد” لم يكن معزولاً عن محيطه، بل شكّل خلال السنوات الماضية مرجعاً عملياً ونظرياً لكل أطروحات التفكيك التي طُرحت في الإقليم تحت عناوين مختلفة. في لبنان تحديداً، جرى في أكثر من محطة استحضار النموذج السوري، سواء في النقاشات غير المعلنة حول الفدرلة، أو في أطروحات الأمن الذاتي، أو في تبرير بقاء السلاح خارج الدولة بوصفه “حاجة خاصة” لمكوّنات بعينها. بدء انهيار مشروع “قسد” يوجّه ضربة مباشرة لهذه المقاربات، لأنه يسحب منها النموذج والذريعة في آنٍ واحد.

من هنا، فإن تآكل المشروع لا يعني فقط تضييق هامش التقسيم داخل سوريا، بل يُسهم في تحصين الكيان اللبناني نفسه من مسارات مماثلة كانت تجد في التجربة السورية مظلّة سياسية أو أمنية. المسار الذي انطلق من حلب يُعيد الاعتبار لفكرة الدولة المركزية القادرة، ويُضعف رهانات الهروب إلى الكيانات الهشّة أو الصيغ الانتقالية المفتوحة.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن انعكاساته الإقليمية الأوسع. فالولايات المتحدة لا تبدو في موقع يسمح لها بالدخول في مواجهة مباشرة مع دمشق داخل مدينة بحجم حلب، في ظل أولويات إعادة الانتشار. أما إسرائيل، فتنظر إلى الملف من زاوية أمنية بحتة، مع تركيزها على الجنوب السوري، واستخدام بعض الملفات الداخلية كورقة ضغط غير مباشرة في مفاوضاتها مع واشنطن ودمشق. في هذا الإطار، يبدو أن الإبقاء الشكلي على بعض التفاهمات يخدم توازنات مرحلية، من دون تمكين “قسد” أو غيرها من فرض وقائع جديدة داخل المدن.

الخلاصة أن ما جرى في حلب ليس محطة عابرة ولا حدثاً معزولاً. سوريا، بقيادتها الجديدة، تختبر نفسها وتنجح في أولى اختبارات السيادة. الجيش يُظهر احترافية متنامية، والقرار السياسي يُدار بعقل بارد، والدولة تراكم نقاطاً لمصلحتها داخلياً وخارجياً. من يراهن على الزمن لعكس هذا المسار قد يكون مخطئاً، لأن لعبة الوقت – على غير ما اعتاد كثيرون – بدأت تميل لمصلحة الدول، لا لمصلحة مشاريع التفكيك.

الثورة السورية

———————-

واشنطن تراقب وأنقرة تستعجل الحسم.. ملف “قسد” في ظل التوازنات الإقليمية

14 يناير 2026

شهدت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، في الأيام القليلة الماضية، اشتباكات عنيفة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين وعسكريين ونزوح واسع، قبل أن يعلن الجيش السوري تعليق عملياته العسكرية والبدء بنقل مقاتلي قسد إلى مناطق شمال شرقي البلاد.

تركيا أبدت دعمًا صريحًا لتحرك الجيش السوري، إذ أكدت وزارة الدفاع التركية استعدادها لتقديم “أي دعم” مطلوب من دمشق لمواجهة ما تصفه بـ”التنظيمات الإرهابية”.

وفي تصريحات لوزير الخارجية هاكان فيدان، وُصفت قسد بأنها “لا تستجيب إلا للقوة”، مشددًا على ضرورة إنهاء أي “هيكل موازٍ” في حلب وانسحاب قسد من الأحياء المتنازع عليها.

في المقابل، تتبنى الولايات المتحدة موقفًا أكثر حذرًا؛ فهي تعتبر قسد شريكًا أساسيًا في مكافحة تنظيم الدولة، لكن مبعوثها الخاص توم باراك دعا إلى الالتزام باتفاق مارس/آذار 2025 لدمج قسد في مؤسسات الدولة السورية، محذّرًا من أن استمرار الاشتباكات “يدعو لتدخلات أجنبية”.

د. طه عودة أوغلو، باحث تركي في العلاقات الدولية، قال لموقع “الترا سوريا” إن التصريحات التركية الأخيرة اتسمت بسقف عالٍ، لا سيما تلك الصادرة عن مسؤولين بارزين، مشيرًا إلى أن أنقرة باتت تتحدث بلغة القوة وليس الوعود.

وأوضح أن تركيا تواصلت مع القوى الفاعلة في الملف السوري، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، لإيصال رسالة مفادها أن استمرار عرقلة مسار حكومة دمشق قد يؤدي إلى فوضى داخلية في سوريا.

وأضاف أوغلو أن أنقرة ، وإن لم تكن قد حصلت على تفويض كامل، فقد أخذت هامشًا يسمح لها بالتحرك ميدانيًا، وهو ما يفسر حالة الغضب لدى قوات قسد، والتي تعكس امتعاضًا واضحًا من الموقف الأمريكي.

واعتبر أن ما جرى مؤخرًا في حلب يمثل معادلة جديدة في المشهد السوري، تشارك فيها تركيا بشكل مباشر، بينما تؤكد دمشق أن مرحلة “التسويات الهشة” قد انتهت، وأن التحرك بات فعليًا وعلى الأرض، لا في إطار الوعود.

كما أشار الباحث التركي إلى أن هذه المعادلة المركبة تمثل تقاطعًا في المصالح بين دمشق وأنقرة، وتحمل رسالة واضحة، وإن كانت غير مباشرة، إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وحول مسار التقارب السوري التركي، أوضح أوغلو أنه وصل إلى مراحل متعددة، ولم يعد مقتصرًا على البعد السياسي فقط، بل شمل تقاربًا أمنيًا وعسكريًا، وهو ما تراقبه واشنطن بدقة.

وبيّن أن الولايات المتحدة تأخذ هذا التطور بعين الاعتبار، خاصة في ظل الرسائل التركية المتعددة خلال الأيام الماضية، والتي أكدت أن عدم اتخاذ خطوات عملية على الأرض، وخصوصًا فيما يتعلق بردع “قسد”، سيؤدي إلى تعميق هذا التقارب واتساع أبعاده في المرحلة المقبلة.

وأوضح أوغلو أن التركيز التركي على مدينة حلب يحمل أهمية خاصة، مرجحًا أن تسمح واشنطن بتكرار سيناريو حلب في مراحل لاحقة، خصوصًا في ظل الرهان الذي تعوّل عليه قيادة الشرع لنجاح هذه التجربة، لما ستمنحه من قوة سياسية وميدانية.

كما لفت إلى أن حلب تمثل بالنسبة لتركيا منطقة صناعية استراتيجية يمكن أن تنعكس إيجابًا على الوضع الداخلي في سوريا، ليس سياسيًا فحسب، بل اقتصاديًا أيضًا.

وفي سياق متصل، أشار الباحث إلى أن الانشغال الدولي بملفات أخرى، مثل إيران والحرب الروسية الأوكرانية، إضافة إلى قضايا متعددة على أجندة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يمنح أنقرة فرصة لاستغلال هذه الظروف لإعادة صياغة مقاربتها مع قسد، إلى جانب تعميق تقاربها مع دمشق على مختلف المستويات.

وختم أوغلو بالقول إن “الكرة باتت اليوم في ملعب أنقرة، التي تمتلك هامشًا واسعًا للتحرك، لكنها تسعى إلى تحقيق أهدافها بالطريقة الصحيحة دون تكبد خسائر استراتيجية، مع السعي لتحقيق مكاسب ميدانية وسياسية، إضافة إلى ضمان نجاح إدارة الشرع في المرحلة المقبلة”.

من جهته، قال د. سامر الصفدي، عضو المجلس السوري الأمريكي للسلام والازدهار، في حديث لموقع “الترا سوريا”، إن الترحيب الأميركي بالهدنة في حلب، دون إدانة صريحة للعملية العسكرية السورية، يعكس تغيرًا واضحًا في مقاربة واشنطن للملف السوري.

وأوضح أن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد، كما في السابق، على شريك واحد في مكافحة الإرهاب، مشيرًا إلى أن تمويل “قوات سوريا الديمقراطية” شهد تراجعًا خلال السنوات الماضية، وأن ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية تتضمن نحو 130 مليون دولار مخصصة لدعم قسد و”جيش سوريا الحرة”، منها حوالي 65 مليون دولار تُصرف على رواتب مظلوم عبدي وضباطه.

وأشار الصفدي إلى أن واشنطن اليوم بات لديها شريك بديل وأكثر أهمية يتمثل في الدولة السورية، مع التركيز على دمج قسد ضمن وزارة الدفاع السورية كما حدث مع “جيش سوريا الحرة”، محذرًا من أن عدم استجابة قسد لهذه المطالب قد يدفع واشنطن إلى إعادة النظر في آلية التمويل المخصصة لها ضمن موازنة 2026.

بدوره، قال الباحث السياسي محمد خير الشرتح، لموقع “الترا سوريا”، إن “المشهد الأخير في حلب يعكس تحولًا جوهريًا في المعادلة السورية التركية الأمريكية. أنقرة باتت تتحرك بوضوح على الأرض، مستغلة الفراغ الدولي وتراجع الاهتمام الأمريكي المباشر بملف قسد، بينما تسعى دمشق إلى تعزيز سيطرتها على الأماكن المتنازع عليها ضمن خطة أوسع لدمج القوات المحلية في مؤسسات الدولة”. وأضاف: “واشنطن، رغم حرصها على الحفاظ على شراكتها مع قسد، بدأت تمارس ضغوطًا لإعادة ترتيب الأولويات، مما يتيح لأنقرة هامش تحرك محدودًا ولكنه مؤثر”.

وختم بالقول: “حلب لم تكن مجرد ساحة نزاع، بل نقطة اختبار لمدى قدرة القوى الإقليمية والدولية على فرض حلول عملية. وفي ظل هذا الواقع المعقد، يبقى التساؤل قائمًا حول مدى استعداد الولايات المتحدة للتخلي عن أدواتها السابقة لصالح شريك سوري رسمي، ومدى قدرة تركيا ودمشق على تحويل هذا التقارب الميداني إلى نفوذ سياسي طويل الأمد”.

————————

الإدارة الذاتية” تواجه ارتدادات الميدان بالقبضة الأمنية

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى الخارطة العسكرية في حلب وريفها، تشهد مناطق نفوذ “الإدارة الذاتية” شمال شرقي سوريا تحولات داخلية حادة، بدأت تخرج إلى العلن عبر استقالات جماعية واحتجاجات طلابية، قوبلت بإجراءات أمنية مشددة.

وتكشف المعلومات التي حصلت عليها عنب بلدي، من مصادر متقاطعة وعبر مراسليها في عدة مناطق، عن استراتيجية جديدة تتبعها السلطات لضبط “الولاء” داخل مؤسساتها، مستخدمة وسائل تتراوح بين الترهيب الوظيفي وسلاح “اللقمة المعيشية”.

تصدع في الماكينة الإعلامية.. استقالات الرقة “ليست وظيفية“

في تطور هو الأول من نوعه بهذا الحجم، علمت عنب بلدي من مصادر إعلامية متقاطعة داخل مدينة الرقة، عن تقديم مجموعة من الإعلاميين العاملين في “مركز الرقة الإعلامي” استقالاتهم بشكل مفاجئ، احتجاجًا على ما وصفوه بـ “التحول الأمني” في إدارة الملف الإعلامي.

وأفاد مصدر إعلامي (طلب عدم الكشف عن اسمه لضرورات أمنية) بأن الشرارة بدأت عندما تحولت مجموعات التنسيق الرسمية إلى “غرف تحقيق”، حيث طُلب من الكوادر الإعلامية تبني سردية عسكرية مطلقة وتخوين أي صوت يدعو للحياد.

وأوضح المصدر أن عددًا من الإعلاميين تعرضوا لـ”تنبيهات أمنية” بسبب منشورات على حساباتهم الشخصية، عبّروا فيها عن تساؤلات حيال الجدوى من استمرار المعارك في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب.

هذا الضغط، الذي انتقل من العتاب المهني إلى التهديد بالاعتقال، ولّد شعورًا لدى الكوادر المحلية بأنهم تحولوا إلى “أدوات تعبئة” تفتقر لأدنى هوامش التحرك الصحفي، مما أحدث شرخًا عميقًا بين الطواقم المحلية والقيادات الإعلامية المركزية التابعة للإدارة، وهو ما ينذر بشلل في التغطية الإعلامية الميدانية في أهم معاقل الإدارة الذاتية.

جامعة “روج آفا”.. اعتقالات انتقائية تفجر التوتر القومي

لم تقتصر الأزمة على الجانب الإعلامي، بل وصلت شرارتها إلى الحرم الجامعي في مدينة القامشلي. ففي واقعة وثقتها عنب بلدي عبر شهادات طلابية، تحولت جامعة “روج آفا” (التي تُقدم كنموذج أكاديمي للتعددية) إلى ساحة للصدام القومي بين الطلاب العرب والكرد.

وبدأت الحادثة بمشادات كلامية على خلفية التطورات الميدانية في حلب، وسرعان ما تطورت إلى تدخل مباشر من قوات “أسايش” (قوى الأمن الداخلي). وبحسب شهادات الطلاب، فإن التدخل الأمني اتسم بـ “الانتقائية”؛ حيث تركزت عمليات المداهمة والاعتقال داخل السكن الجامعي والقاعات على الطلاب المنحدرين من المكون العربي، بتهمة “التعاطف مع الحكومة”.

“الولاء الرقمي” أو التخوين.. الرقابة تطارد الموظفين

داخل أروقة المؤسسات المدنية، رصدت عنب بلدي نمطًا جديدًا من “الإرهاب الوظيفي” يُمارس عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي. إذ تحولت مجموعات “واتساب” الخاصة بالعمل إلى منصات للمزايدات الوطنية، حيث يتم رصد تفاعلات الموظفين بدقة.

وكشفت مصادر من داخل مؤسسات الإدارة أن إعلاميين وشخصيات مقربة من دوائر صنع القرار بدأت بنشر قوائم بأسماء ناشطين وصحفيين محليين، واصفة إياهم بـ “الطابور الخامس”.

وتعتمد هذه القوائم على رصد “إعجابات” أو تعليقات لا تتماشى تمامًا مع الخطاب الرسمي، مما خلق حالة من الرعب والرقابة الذاتية لدى آلاف الموظفين، الذين باتوا يخشون الفصل أو الملاحقة الأمنية في حال التزام الصمت أو إبداء الرأي.

الكومينات.. استخدام “الخبز والغاز” كأدوات تحشيد

في تطور يمس الحياة اليومية للمدنيين، حصلت عنب بلدي على تسريبات لرسائل وجهها رؤساء “كومينات” (مجالس أحياء) في القامشلي والحسكة، تُلزم الأهالي بالمشاركة في مسيرات داعمة للقوات العسكرية ومنددة بالتحركات الأخيرة في حلب.

وفي “كومين لوند” بالقامشلي وحي “تل حجر” بالحسكة، تجاوزت الدعوات طابعها الاختياري لتصبح “أوامر إجبارية” تحت طائلة العقوبات الخدمية.

وتضمنت التهديدات التي اطلعت عليها عنب بلدي ما يلي:

    الحرمان من الخبز: التلويح بإيقاف توزيع مخصصات الخبز من الأفران الآلية عن العائلات المتخلفة عن الحضور.

    قطع المستحقات: إيقاف توزيع أسطوانات الغاز المنزلي ومازوت التدفئة، وهي مواد حيوية تخضع لسيطرة الكومينات بشكل كامل.

    الفصل من الوظيفة: توجيه إنذارات نهائية لموظفي الإدارة الذاتية القاطنين في تلك الأحياء بضرورة التواجد في مقدمة المسيرات لإثبات الولاء.

القلق الأمني وتآكل السلم الأهلي

يعكس لجوء “الإدارة الذاتية” لهذه الأساليب الخشنة حالة من “القلق الأمني” المتزايد من احتمالية تغير موازين القوى في دير الزور والرقة، نتيجة الضغوط العسكرية في حلب.

إلا أن ناشطين في المنطقة يحذرون من أن سياسة “التعبئة القسرية” قد تؤدي لنتائج عكسية تمامًا، فاستخدام الحاجات الأساسية (الخبز، الغاز، الوظيفة) كأدوات للضغط السياسي يولد شعورًا بالانفصام بين السلطة والمجتمع، ويفاقم من حالة “المظلومية” لدى المكونات التي تشعر بالتهميش.

وفي منطقة تتسم بتداخل عشائري وقومي معقد، فإن أي شرخ في “الثقة المجتمعية” قد يتحول إلى فتيل صدام أهلي يصعب احتواؤه مستقبلًا.

تواجه “الإدارة الذاتية” اليوم تحديًا مزدوجًا، فمن جهة تسعى لضبط الجبهة الداخلية عسكريًا، ومن جهة أخرى تخسر “الحاضنة الشعبية” نتيجة القبضة الأمنية المفرطة، مما يجعل استقرار المنطقة مرهونًا بمدى قدرتها على التراجع عن سياسات “التخوين” والعودة إلى مسار الحوار المجتمعي الحقيقي.

عنب بلدي،

—————————

 تصعيد في دير حافر بريف حلب وسباق بين المواجهة والحوار

2026.01.15

أعلن الجيش السوري فتح ممر إنساني من ريف حلب الشرقي باتجاه مدينة حلب، في ظل تصعيد عسكري متسارع تشهده منطقة دير حافر ومحيط مسكنة، بعد إعلانها منطقة عسكرية مغلقة ودفع تعزيزات جديدة إليها.

وقال بيان لهيئة العمليات في الجيش السوري إن الممر الإنساني يمر عبر قرية حميمه على طريق “أم 15” الواصل بين دير حافر ومدينة حلب، ودعا المدنيين إلى الابتعاد عن مواقع قوات سوريا الديمقراطية وحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا، محذرًا من إجراءات عسكرية ضد أي تهديد يمس أمن المنطقة.

دير حافر بعد الشيخ مقصود والأشرفية

شهد ريف حلب الشرقي تحشيدًا عسكريًا متبادلًا بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية، تزامن مع اتهامات متبادلة باستخدام المدفعية والطائرات المسيّرة.

وأعلن الجيش إحباط محاولة لقوات سوريا الديمقراطية تلغيم وتفجير الجسر الواصل بين قريتي رسم الإمام ورسم الكرو، في وقت تحدثت مصادر ميدانية عن وصول تعزيزات للجيش من الساحل ومن محور البادية، في خطوة تهدف إلى تطويق المنطقة من أكثر من اتجاه.

جاء التصعيد بعد أيام من إخراج آخر مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، ما أعاد الأنظار إلى ريف حلب الشرقي باعتباره ساحة التوتر التالية. ويرى محللون أن دير حافر ومسكنة تمثلان عقدة ميدانية حساسة، كونها مناطق ذات غالبية عربية، وتربط بين حلب والرقة، وتُستخدم كورقة ضغط في أي مفاوضات مستقبلية.

وقال الأكاديمي والباحث سمير العبد الله ضمن برنامج “سوريا اليوم” الذي يبثه تلفزيون سوريا، إن الجيش السوري لم يتخذ قرارًا نهائيًا ببدء عملية عسكرية واسعة حتى الآن، موضحًا أن فتح الممر الإنساني يمنح المدنيين مهلة للخروج ويؤشر إلى رغبة بتقليل الخسائر البشرية.

وأضاف في لقاء ضمن برنامج سوريا اليوم الذي يبثه تلفزيون سوريا، أن القوات الحكومية باتت في وضع ميداني متقدم، خاصة من الجبهة الجنوبية عبر البادية، معتبرًا أن المنطقة “ساقطة عسكريًا” في حال اندلاع المواجهة، لكن الحكومة تفضّل الضغط التدريجي لدفع قوات سوريا الديمقراطية إلى الانسحاب.

موقف أميركي يدعو إلى التهدئة

برز الموقف الأميركي كعامل مؤثر في مسار التصعيد، إذ دعت القيادة المركزية الأميركية جميع الأطراف إلى ضبط النفس والعودة إلى طاولة المفاوضات.

ونقلت صحيفة “ذا ناشونال” عن مصادر كردية أن واشنطن أبلغت القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي بضرورة تسليم الأحياء التي تسيطر عليها قواته في مدينة حلب، ووقف أي مواجهة مع الحكومة السورية، في إطار مساعٍ أوسع للحفاظ على الاستقرار.

كما أشارت الصحيفة إلى أن الإدارة الأميركية قد تعيد النظر في دعمها لقوات سوريا الديمقراطية، في ظل تقاطع مصالح مع سوريا وتركيا، سواء في مكافحة الإرهاب أو في ملفات إقليمية أوسع.

في المقابل، حمّلت مسؤولة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد دمشق مسؤولية عدم تنفيذ اتفاق 10 آذار، مؤكدة أن الإدارة الذاتية ما تزال تؤيد الحوار واستمرار المفاوضات.

وحذّرت من أن التصعيد العسكري يشكل خطرًا على سوريا والمنطقة، وقد يفتح الباب أمام تدخلات خارجية أوسع، مطالبة الولايات المتحدة بتوضيح موقفها من الحكومة السورية.

جدل حول المسار السياسي والخطاب التحريضي

أثار النقاش حول دير حافر جدلًا أوسع بشأن المسار السياسي في سوريا، حيث اعتبر الكاتب والمحلل السياسي شيفان إبراهيم أن التركيز على الحلول العسكرية يعمّق الانقسام، ويفشل في بناء سردية وطنية جامعة.

ودعا إبراهيم إلى وقف الخطاب التحريضي والعودة إلى حوار سياسي شامل، محذرًا من مخاطر الانزلاق نحو صراع داخلي أوسع، في ظل غياب ضمانات دستورية تحمي حقوق جميع المكونات.

وقال إبراهيم إن المطلوب اليوم هو بناء إجراءات ثقة، مثل انسحاب “قسد” من دير حافر، ووقف التحريض الإعلامي، وإعادة الاعتبار لفكرة الحوار الوطني. لكنه أكد أن ذلك لا يمكن أن يتم دون تغيير حقيقي في الخطاب والممارسة من جميع الأطراف، وخصوصًا في ما يتعلق بتقاسم السلطة والثروة وضمان الحريات.

في المقابل، شدد العبد الله على ضرورة الفصل بين قوات سوريا الديمقراطية والمكونات الكردية، معتبرًا أن الصراع الحالي يدور مع “سلطة أمر واقع” وليس مع مكون اجتماعي، داعيًا النخب السياسية إلى الضغط على قوات سوريا الديمقراطية لتقديم تنازلات حقيقية.

تركيا لاعب حاضر في المشهد وسيناريوهات مفتوحة

برز الدور التركي بوضوح في خلفية التصعيد، سواء عبر تحركات ميدانية بطائرات مسيّرة أو عبر قنوات سياسية ودبلوماسية. ويرى مراقبون أن أنقرة تسعى إلى إنهاء وجود قوات سوريا الديمقراطية غرب الفرات، لضمان استقرار حلب وفتح الباب أمام مشاريع اقتصادية، بالتوازي مع ضغوط أميركية لاحتواء التصعيد والعودة إلى مسار التفاوض.

حتى اللحظة، تبقى دير حافر أمام سيناريوهين: انسحاب لقوات سوريا الديمقراطية يفتح الباب أمام التهدئة وتنفيذ اتفاق آذار، أو مواجهة عسكرية قد تفرض واقعًا جديدًا في ريف حلب الشرقي.

وقال العبد الله إن المسيرات التركية نفذت عمليات في محيط دير حافر ومناطق مسكنة خلال الأيام الأخيرة، واستهدفت عناصر من “قسد” أثناء محاولتهم نقل معدات من معمل السكر. وأكد أن أنقرة تسعى إلى إنهاء وجود “قسد” غرب الفرات، لضمان استقرار مدينة حلب، وفتح المجال أمام مشاريع اقتصادية.

وأضاف أن هناك تنسيقًا سياسيًا بين الولايات المتحدة وتركيا في هذا الملف، وأن واشنطن تعمل على إقناع أنقرة بعدم الدفع نحو معركة شاملة مقابل ترتيبات سياسية تشمل شرق الفرات.

في انتظار الساعات الحاسمة

في ختام النقاش، اعتبر الدكتور سمير العبد الله أن الحشود العسكرية باتت جاهزة، وأن المنطقة مهيأة ميدانيًا لانطلاق معركة، إذا لم تنسحب قوات سوريا الديمقراطية. لكنه أشار إلى ضغوط دولية مكثفة تحاول تجنيب المدنيين تداعيات مواجهة مفتوحة.

وأكد أن القوات الحكومية تحاول استخدام الضغط التدريجي، وليس المواجهة المباشرة، لكنها ستضطر للتصعيد إذا لم تتجاوب “قسد” مع المطالب بالانسحاب.

من جهته، رأى إبراهيم أن الحوار لا يزال ممكنًا، لكنه يحتاج إلى إرادة حقيقية من الطرفين، ومقاربة قائمة على الشراكة لا الإقصاء. ودعا إلى الفصل بين الملفات الإنسانية والعسكرية والسياسية، خاصة في ما يتعلق بعودة المهجرين ووقف الانتهاكات

تلفزيون سوريا

———————

عملية وشيكة للجيش السوري ضد “قسد” شرقي حلب.. وتركيا مستعدة للدعم/ عبد الله البشير و محمد شيخ يوسف

بدء استقبال النازحين من دير حافر عبر الممر الإنساني

إعلان افتتاح ثلاثة مراكز إيواء في مدينة منبج

“ٌقسد”: تصعيد الحكومة السورية غير مبرر

أعلنت إدارة منطقة منبج التابعة للحكومة السورية تنفيذ عملية عسكرية تستهدف “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) شرقي محافظة حلب اليوم الخميس مشيرة إلى افتتاح ثلاثة مراكز للإيواء في مدينة منبج بهدف استقبال الأهالي الوافدين من منطقتي دير حافر ومسكنة.

وقالت الإدارة على حسابها في “فيسبوك” إنه “في إطار الإجراءات المتخذة لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية دقيقة ينفذها الجيش العربي السوري لتحريرها من تنظيم قسد، نحيطكم علماً بأنه افتُتِحَت ثلاثة مراكز إيواء في مدينة منبج شرق حلب، وهي: مركز جامع الفتح، ومركز الصناعة، ومركز الشرعية، وذلك بهدف تأمين أماكن آمنة وتقديم الخدمات الأساسية للأهالي خلال فترة العمليات”.

في المقابل، أكدت إدارة منطقة دير حافر أن قوات “قسد” تمنع المدنيين من مغادرة مناطق سيطرتها عبر الممر الإنساني الذي أعلنت عنه هيئة العمليات في الجيش السوري أمس الأربعاء، موضحة أن الأهالي وفرق الدفاع المدني وصلوا إلى قرية الحميمة استعداداً لاستقبال العوائل التي يمكن أن تغادر المنطقة عبر الممر الإنساني من مدن وبلدات “دير حافر ومسكنة وقواص بابيري” باتجاه مناطق سيطرة الحكومة.

بدورها، أعربت “الإدارة الذاتية” التابعة لقسد عن قلقها وإدانتها ما وصفته بالتصعيد غير المبرر للحكومة السورية، مشيرة إلى أن نهج الحكومة الحالي يهدد فرص الاستقرار والسلام في البلاد.

وقالت في بيان إن اللجوء إلى التصعيد العسكري يقوّض أي عملية سياسية جادة ويضرب السلم الأهلي، مضيفة أن “لغة الحوار والنقاش المسؤول لحل القضايا العالقة يجب أن تكون هي السائدة بين جميع القوى السورية، بعيداً عن لغة التهديد والحرب والسلاح، التي لن تفضي إلا إلى المزيد من الدماء والدمار، ولن يكون فيها رابح أو خاسر، بل سيكون الوطن والشعب السوري هما من يدفعان الثمن، على نحو يتناقض كلياً مع آمال السوريين وتطلعاتهم”.

ودعت الإدارة الذاتية في بيانها الحكومة السورية إلى “التحلي بالحكمة والمسؤولية في قراراتها، وترجيح كفة التفاوض والحلول السياسية على لغة الحرب والسلاح، لما في ذلك من مصلحة عليا للشعب السوري ووحدة البلاد”، مشيرة إلى استعدادها للعودة إلى مناقشة جميع القضايا بالحوار والتفاهم. وناشدت المجتمع الدولي والدول الفاعلة في الشأن السوري اتخاذ مواقف واضحة وخطوات جدية وفعالة لمنع “افتعال أي حرب جديدة في سورية ودعم مسارات التفاهم السياسي”.

وكانت وزارة الداخلية السورية قد أعلنت مساء أمس إخلاء سبيل مجموعة من الأشخاص الذين كانوا منضوين في صفوف تنظيم “قسد” في حيّ الشيخ مقصود بمدينة حلب، وذلك بعد تسليم أنفسهم وسلاحهم طواعية لقوات الجيش السوري.

وقال بيان للوزارة إن عملية الإفراج جاءت بعد إتمام الأجهزة المختصة الإجراءات القانونية والتدقيق في بيانات الموقوفين وسجلاتهم الشخصية، مضيفة أن القرار شمل “من ثبت عدم تورطهم في أعمال جرمية أو تلطخ أيديهم بدماء السوريين”.

في الأثناء جددت تركيا، اليوم الخميس، استعدادها لدعم الحكومة السورية في دمشق ضد “قوات سوريا الديمقراطية”، من أجل ضمان وحدة البلاد إن طلبت الحكومة من تركيا هذا النوع من الدعم. وقالت وزارة الدفاع التركية في المؤتمر الصحافي الأسبوعي للمتحدث باسمها زكي أكتورك أن “الحكومة السورية نفذت انطلاقاً من مبدأ المساواة بين جميع المجموعات العرقية في سورية، وسعياً منها لضمان وحدتها وسلامة أراضيها، عملية عسكرية ناجحة لمكافحة الإرهاب في حلب، بهدف إرساء النظام العام وحماية المواطنين”.

وأضاف أكتورك: “نتيجة لهذه العملية التي استهدفت المسلحين فقط، سيطرت الحكومة السورية على حلب، ونؤكد مجدداً أن تركيا لا تفصل أمن سورية عن أمن تركيا، تماشياً مع مبدأ دولة واحدة جيش واحد”. وشدد على أن تركيا “ستدعم سورية في حربها ضد التنظيمات المسلحة، إذا طلب منا ذلك، استناداً إلى مبدأ وحدة سورية وسلامة أراضيها”.

العربي الجديد

————————

 تحرك عشائري مرتقب شرق سوريا قد يطيح بقوات “قسد” في الرقة

الخميس 2026/01/15

أفاد مصدر خاص لـ”المدن” عن تنسيقات مكثفة بين الحكومة السورية وشخصيات عشائرية بارزة، تهدف إلى تشجيع الانشقاق عن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والسيطرة على مواقعها الرئيسية، خاصة في محافظة الرقة القريبة من خطوط التماس مع الجيش السوري.

يأتي هذا التحرك في سياق تصعيد عسكري متبادل، حيث أعلن الجيش السوري رفع جهوزيته في ريف حلب الشرقي، مع توقعات بمعارك جديدة في مناطق مثل دير حافر والطبقة والرقة.

وفقاً لمعلومات حصلت عليها “المدن” من مصدر مطلع، يركز التنسيق على استغلال التركيبة العشائرية داخل صفوف “قسد”، حيث تشكل العشائر نحو 70% من قواتها، بينما يشكل الأكراد 30% فقط، معظمهم من سوريا وجبل قنديل، إضافة إلى قوات نخبة تشمل عناصر “غوريلا” تركية وإيرانية.

تسويات عشائرية

وأكدت المصادر أن هذه النسبة تجعل “قسد” عرضة للانهيار الداخلي، خاصة في المناطق ذات الأغلبية العربية مثل الرقة، حيث يمكن تجنب المواجهات العسكرية المباشرة من خلال التسويات العشائرية.

في تفاصيل التحرك المرتقب، كشف المصدر عن اجتماعات عقدت بين الجانب التركي والقيادات العشائرية بهدف تنسيق الجهود من أجل ضمن ترتيب الأمور في إطلاق معركة في شرق سوريا.

وأوضحت المصادر أن المخطط يشمل التقدم باتجاه دير حافر ومسكنة، وكذلك فتح محور من نحو الرقة وعقد اتفاق مع العشائر، بهدف حصار “كوباني” بريف حلب والتي تعتبر مدينة ذات طابع رمزي لدى الأكراد.

تنسيقات سرية

وقبل أيام، كشف مصدر سوري مطلع لـ”المدن” في مدينة حلب عن تنسيقات سرية بين بعض العناصر العشائرية التي تعمل مع “قسد” داخل أحياء الأشرفية والشيخ مقصود منذ شهر، في ظل التوترات المستمرة في المنطقة من المدينة.

وأفادت المصادر بأن مجموعات من أبناء عشيرة البكارة، وخاصة من منطقة الشيخ مقصود في حلب، كانت مرتبطة بـ”قسد” منذ عام 2012، ويتواجد بعضهم حالياً في منطقة المرجة بدمشق تحت حماية الأمن العام.

وأضافت المصادر أن تنسيقاً حديثاً حدث بين هذه العناصر وأبو أحمد زكور، مستشار الرئيس أحمد الشرع لشؤون العشائر، منذ شهر تقريباً، بهدف تنفيذ عملية وُصفت بـ”الانقلاب” و”اختراق قسد”، مشيرة إلى أن الأحداث الجارية تشبه ما سمي بـ”معركة ردع العدوان”.

وأكدت المصادر أن العشائر العربية في المنطقة منسقة بشكل مباشر مع أبو أحمد زكور، مما يعكس جهوداً لإعادة ترتيب الأوضاع في شرق الفرات وسط مخاوف من تصعيد جديد بين العشائر وقسد.

يأتي هذا التنسيق في سياق التحركات العشائرية الأخيرة التي ترفض ممارسات قسد، وتطالب بوحدة الأراضي السورية وإنهاء السيطرة الانفصالية في المنطقة

————————-

قسد ترفع ورقة السجون وتحذر: داعش يحاول استغلال التصعيد

قسد: عدم الاستقرار يشكل تهديداً حقيقياً لأمن السجون التي تحتجز عناصر داعش ويهدد بإعادة المنطقة إلى نقطة الصفر بعد سنوات من التضحيات في مكافحة الإرهاب

الرياض – العربية.نت

15 يناير ,2026

وسط التوترات والمواجهات بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) مؤخراً في مدينة حلب، وبينما أكد الرئيس السوري أحمد الشرع على أن الموقف العسكري ليس في صالح قسد، رفعت الأخيرة ورقة سجون تنظيم داعش محذرة.

الشرع: أنا لا أهدد لكن الموقف العسكري ليس في صالح قسد

سوريا الشرع: أنا لا أهدد لكن الموقف العسكري ليس في صالح قسد

“مخاطر داعش”

فقد أصدرت قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، الخميس، بيانا تحدّثت فيه عن نقطة أمن السجون ومخاطر زعزعة الاستقرار في شمال وشرق سوريا، وفق زعمها.

وقالت في البيان، إنه على وقع الوضع الأمني وما رافقه من اشتباكات، تحاول خلايا تنظيم داعش الإرهابي استغلال هذا التصعيد لشن هجمات تستهدف السجون التي تضم عناصره.

وأعلنت قسد أن قواتها في حالة جاهزية ويقظة تامة، وأنها اتخذت جميع الإجراءات اللازمة لضمان أمن السجون ومنع أي خروقات أمنية، وفق البيان.

كما لفتت إلى أن السجون آمنة حاليا وتخضع لسيطرة كاملة، لكنها رغم ذلك حذرت من أن استمرار هذا الوضع، وما يرافقه من تصعيد عسكري، قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار العام، ما يشكل تهديداً حقيقياً لأمن السجون التي تحتجز عناصر داعش، ويهدد بإعادة المنطقة إلى نقطة الصفر بعد سنوات من التضحيات في مكافحة الإرهاب، وفق البيان.

جاء هذا التحذير بينما تستمر المناوشات بريف حلب بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية، حيث أكدت إدارة منطقة دير حافر أن قسد تمنع خروج المدنيين من المنطقة العسكرية.

وأوضح مراسل العربية/الحدث، اليوم الخميس، من موقع الاشتباكات، أنه لم يتم رصد أي عمليات خروج لمدنيين من مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.

كما تابع أن الجيش السوري كان أعلن كل منطقة غرب الفرات منطقة عسكرية حتى إشعار آخر، داعياً كل المجاميع المسلحة في هذه المنطقة إلى الانسحاب لشرق الفرات.

فيما أكد مصدر لـ”تلفزيون سوريا”، أن قسد أغلقت الطرق بالكتل الأسمنتية لمنع عبور أهالي دير حافر.

أتى ذلك بعدما دفع الجيش بتعزيزات كبيرة إلى محاور القتال، تضمنت آليات عسكرية وجنودا، إضافة إلى أسلحة ثقيلة ومتوسطة.

كما جاء بعدما دعت إدارة منطقة دير حافر في ريف حلب، أمس الأربعاء، الأهالي إلى الالتزام بالخروج المنظم عبر الممر الإنساني الذي حددته الجهات المختصة، وفي الأوقات المعلنة.

“تبادل الاتهامات مستمر”

يذكر أنه منذ أشهر، تتبادل دمشق وقسد الاتهامات بإفشال الجهود المبذولة لتطبيق الاتفاق المبرم بينهما في العاشر من مارس 2025 والذي كان يُفترض إنجازه في نهاية 2025.

فيما شهدت مدينة حلب الأسبوع الماضي اشتباكات بين قسد والجيش السوري في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد، ما أدى إلى نزوح آلاف السكان. ليعلن لاحقا عن وقف لإطلاق النار وخروج مقاتلي قسد نحو شمال شرق البلاد دون أسلحتهم.

خريطة تمركز “قسد” في شرق حلب.. ما أهمية دير حافر؟

كما دعا الجيش قبل أيام قليلة المدنيين في مناطق سيطرة القوات الكردية في ريف حلب الشرقي إلى الابتعاد عن مواقع قوات قسد، إثر إرساله تعزيزات عسكرية وإعلانها “منطقة عسكرية مغلقة”.

يشار إلى أن مسألة سجون داعش تعتبر أحد أكثر الملفات الأمنية حساسية في المنطقة، نظرا لمحاولات التنظيم المتكررة تنفيذ هجمات وعمليات فرار، كان أبرزها الهجوم على سجن الصناعة في الحسكة عام 2022.

————————-

لوموند: أكراد سوريا يخشون مما يحمله الغد بعد سقوط حي الشيخ مقصود في حلب

قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن الخوف يخيّم على سكان حي الشيخ مقصود، ذي الغالبية الكردية في مدينة حلب، بعد استعادته من قبل القوات الحكومية السورية من أيدي “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مشيرةً إلى أن الأهالي يخشون التمييز والملاحقات الأمنية، ويشعرون بأنهم تُركوا لمصيرهم من قبل إخوتهم الأكراد في شمال-شرق سوريا.

ونقلت الصحيفة عن روجين (اسم مستعار)، وهي سيدة كردية في الأربعين من عمرها وأم لأربعة أطفال، قولها إنها عادت إلى الحي هذا الثلاثاء، وهي تحمل “كرة من الخوف في معدتها”، بعد أيام من المعارك التي انتهت مساء السبت الـ 10 يناير/ كانون الثاني بسيطرة القوات الحكومية.

وأضافت روجين، التي كانت تعمل في قسم الصحة التابع للمجلس المحلي المرتبط بالإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، أنها تخشى اعتقال موظفي مجلسي الأشرفية والشيخ مقصود.

وأوضحت “لوموند” أن مسؤولي المجالس المحلية وقوات الأمن الداخلي الكردي نُقلوا ضمن قوافل آمنة إلى شمال-شرق سوريا، بينما بقي بعض المقاتلين والموظفين. وذكرت الصحيفة أن روجين فرت مع أطفالها قبل المعركة الأخيرة، خوفاً من القصف ومن اعتقال ابنها البالغ عشرين عاماً، بينما بقي زوجها في المنزل.

وأضافت الصحيفة أن السكان تلقوا، قبل سقوط الحي، تعليمات بالبقاء في منازلهم، في حين كان بعض المسؤولين المحليين يُخرجون عائلاتهم سراً. وقالت روجين إن مكبرات الصوت في المساجد دعت الناس إلى “الاستعداد للقتال حتى الموت”، لكنها أدركت اقتراب المعركة الحاسمة عندما رأت جيرانها يغادرون.

وذكرت “لوموند” أن عدداً من العائلات المرتبطة بالإدارة الذاتية حاولت الخروج مع قوافل الإجلاء، لكن القتال اندلع حولها، ما أدى إلى احتراق عشرات السيارات وسقوط قتلى مدنيين. وروى شهود عيان للصحيفة مشاهد “مروعة” لمدنيين احترقوا داخل سياراتهم.

وأوضحت أن السلطات منحت السكان مهلة حتى الساعة السادسة مساءً لمغادرة الحي، قبل أن تتجدد المعارك ليلاً وحتى ظهر اليوم التالي. ونقلت عن تاجر يُدعى طارق كردي قوله إن القوات المتقاتلة أطلقت النار وسط سيارات المدنيين، ما أدى إلى احتراق نحو ثلاثين سيارة. وذكرت أن الدفاع المدني في حلب أعلن انتشال 50 جثة، بينما أحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان 105 قتلى، بينهم 45 مدنياً.

وأشارت “لوموند” إلى أن أجهزة الأمن السورية أوقفت عدداً كبيراً من سكان الحي بعد السيطرة عليه، حيث نُقلوا في حافلات إلى مراكز احتجاز مؤقتة. وروى بعض المفرج عنهم أنهم احتُجزوا في ظروف اكتظاظ شديد، لكن من دون تحقيقات قاسية، وأن الإفراج يتم تدريجياً.

وأكدت أن أعداد المعتقلين والمفقودين ما تزال غير واضحة، إذ تحدثت مصادر رسمية عن 300 موقوف بلا أوراق ثبوتية، بينما قدّرت شخصيات كردية أن العدد أكبر بكثير. ونقلت عن المسؤولة الكردية إلهام أحمد قولها إن 276 شخصاً يُعدّون في عداد المفقودين أو المحتجزين، وفق أرقام أولية.

كما قالت “لوموند” إن الخوف يتضاعف لدى العائلات التي لديها شبان، خصوصاً من يُشتبه بعلاقتهم بـ“الأسايش” أو بالمجالس المحلية؛ حيث أشارت الصحيفة إلى قصة أب يبحث عن ابنه القاصر الذي أُصيب خلال المعارك واعتُقل لاحقاً، مؤكداً أنه ليس مقاتلاً.

وأضافت أن معركة الشيخ مقصود كانت عنيفة وقصيرة، واستمرت نحو 24 ساعة من القصف المتواصل، وأسفرت عن مئات الجرحى والقتلى الذين نُقلوا إلى مستشفى خالد فجر. كما تم إجلاء 419 مقاتلاً كردياً، بينهم 59 جريحاً، وفق مسؤول سوري.

ونوهت “لوموند” إلى أن السلطات السورية في حلب تحاول طمأنة السكان الأكراد، إذ أكد محافظ حلب أن المقاتلين الذين ألقوا السلاح “لن يُلاحقوا”، وأن من ارتكب جرائم سيُحاكم من الطرفين. كما شددت وزارة الداخلية على أن هدفها “خدمة الناس لا تخويفهم”.

لكنها نقلت عن روجين تعبيرها عن غضب عميق وحزن شديد، إذ وصفت القوات التي دخلت الحي بـ“الأعداء” واتهمتهم بقتل الأطفال والنساء، قائلة إن حلب “لم تعد سوريا” بل أصبحت، في نظرها، تحت النفوذ التركي.

وعبرت عن خوفها من إرسال أبنائها إلى الجامعات والمدارس الحكومية، خاصة بعد تعرض ابنها سابقاً للاعتقال فقط لأنه كان يتحدث الكردية. ورغم انتقادها لبعض أفكار عبد الله أوجلان، فإنها تؤكد تمسكها بكل ما “يخدم القضية الكردية”، وتشعر في الوقت نفسه بأن حزبها تخلى عنها واعتبر من بقي في الحي “خائناً”.

وذكرت الصحيفة أن أحد أكثر الجروح إيلاماً لدى سكان الشيخ مقصود الأكراد هو شعورهم بأنهم تُركوا وحدهم من قبل أكراد شمال-شرق سوريا. ونقلت عن روجين قولها إنهم وُعدوا بالمساندة إذا تعرض الحي لهجوم، لكنها لم ترَ أي دعم أو تعزيزات من “قسد”.

وأشارت “لوموند” إلى أن كثيرين في الحي يعتقدون أن اتفاقاً عُقد مع دمشق على حسابهم، وأن “دماء الشيخ مقصود” كانت ثمناً لمفاوضات تتعلق بمستقبل الحكم الذاتي في شمال-شرق سوريا، وهو شعور سيترك، بحسب السكان، جرحاً نفسياً عميقاً لسنوات طويلة

—————————–

الإفراج عن عناصر من “قسد” في حلب

أفرجت وزارة الداخلية السورية عن مجموعة من عناصر قوات سوريا الديمقراطية “قسد” الذين سلّموا أنفسهم وسلاحهم في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، وذلك عقب استكمال الإجراءات القانونية والأمنية بحقهم.

وقالت وزارة الداخلية، في بيان نشرته عبر قناتها الرسمية على تطبيق تليغرام، إن عملية الإفراج جرت مساء الأربعاء بعد أن أنهت الجهات المختصة عمليات التدقيق في البيانات الشخصية وسجلات الموقوفين من خلال لجان قانونية وميدانية مختصة، مؤكدة أن القرار شمل من ثبت عدم تورطهم في أعمال إجرامية أو مشاركتهم في جرائم بحق المدنيين السوريين.

وأضافت أن هذه الخطوة تأتي في إطار نهج الدولة القائم على فتح باب العودة أمام من وصفتهم بـ”الذين ضلوا الطريق”، شرط عدم تلطخ أيديهم بدماء السوريين، وبما ينسجم مع القوانين النافذة والإجراءات المعتمدة.

وبحسب المشاهد التي نقلتها الجزيرة مباشر من حلب، فإن عملية الإفراج جاءت في سياق العملية العسكرية التي شهدها حي الشيخ مقصود، حيث تمكنت قوى الأمن الداخلي من تأمين انشقاق عدد كبير من عناصر تنظيم قسد، وذلك بعد دعوات وجهتها هيئة العمليات في الجيش العربي السوري لعناصر التنظيم لإلقاء السلاح، مع التعهد بتأمينهم واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

وتظهر اللقطات المصورة خروج المفرج عنهم من مواقع الاحتجاز، في مشهد يعكس، وفق وزارة الداخلية، ما وصفته بالمسار المتبع لمعالجة هذا الملف، القائم على التسويات الفردية، والتدقيق القانوني، وإتاحة الفرصة للعودة إلى الحياة المدنية لمن لم يثبت تورطه في أعمال عنف.

المصدر: الجزيرة مباشر

——————————

من أحياء حلبية إلى جزيرة معزولة.. ماذا فعلت قسد بالأشرفية والشيخ مقصود؟

إذا زرت حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب لأول مرة، وشعرت بنظرات الاستغراب تلاحقك في الشوارع، فلا تتفاجأ. فهذان الحيان عاشا سنوات طويلة في عزلة شبه تامة عن محيطهما، فرضتها سيطرة قوات قسد وتحويل المنطقة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية المغلقة.

مراسل منصة “سوريا الآن” هادي طاطين يشرح كيف حولت قسد الشيخ مقصود والأشرفية إلى جزيرة معزولة داخل مدينة حلب؟

يقول المراسل إنه على مدى أعوام عُزل السكان عن امتدادهم الاجتماعي والثقافي في مدينة حلب، وتحولت أحياء كاملة، بحسب شهادات الأهالي، إلى “مناطق عسكرية” تراجعت فيها الخدمات الأساسية، وتدهورت البنية التحتية، وغابت عنها مظاهر الحياة الطبيعية التي اعتاد عليها الحلبيون.

ويقول أحد السكان إن الحواجز كانت تقيد حركتهم منذ أكثر من 14 عاما: “كان في حواجز لا نعرف نفوت ولا نطلع، والحمد لله اليوم راحت”. ويضيف أن الحواجز جعلت الخروج من المنطقة والدخول إليها عملية معقدة، تحتاج إلى موافقات وإجراءات، وتبقي السكان تحت مراقبة دائمة.

أما تاريخيا، فقد مثّل حيا الأشرفية والشيخ مقصود نموذجا للتنوع السكاني والهويات المتداخلة، فسكانهما ينتمون إلى مكونات مختلفة: أرمن، سريان، أكراد، عرب، تركمان، وشركس.

فسيفساء اجتماعية تعكس التعددية التي عُرفت بها مدينة حلب لعقود طويلة. ولكن هذا التنوع تراجع مع مرور الزمن، خاصة بعد سيطرة قسد وتحويل الحيين إلى ساحة لتجريب نموذج “الإدارة الذاتية” الكردية، سياسيا وأمنيا وإداريا.

أحد أبناء الحي يلخص هويته بكلمات بسيطة تحمل في طياتها حنينا لوحدة سورية غابت عن الواقع اليومي: “كلنا شعب واحد، سوري سوري نحن، مو نفرق (لا نفرق) بين هذا وهذا… كلنا سوريين”.

ويؤكد طاطين أن الإقامة أو الدخول إلى الحيين في فترة سيطرة قسد لم تكن أمرا عاديا، بل كانت تحتاج إلى إجراءات خاصة، والتأكد من أن الزائر أو المقيم لا يحمل توجها سياسيا معارضا، وإلا صار مهددا بالاعتقال، وفقا لما يرويه السكان.

إعلان

يقول أحدهم: “كان الدخول والخروج بالزور، إما تطلع غصبا عنك، أو ما بيخلوك تطلع.. وإذا شغلك بالبلد (وسط حلب) لازم تحسب ألف حساب قبل ما تنزل”.

ويكمل المراسل في تقريره أن هذا التضييق ترك أثره العميق على العلاقات العائلية والاجتماعية. بحسب شهادة امرأة من أبناء الأشرفية تروي بحرقة ما كانت تعايشه في ظل سيطرة قسد قائلة: “إخواتي ما شفتهم بعشر سنين.. كان في خوف نروح على أحياء حلب الثانية، نخاف نطلع وما نرجع نفوت. اليوم الحمد لله بساعة ونص بقطع الطريق وبرجع، وبشوف إخواتي بعد سنين من الفراق”.

ويرى بعض الأهالي أن قسد لم تنجح في بناء علاقة ثقة أو مودة مع السكان، ويقول أحدهم: “ما عرفوا يتعاملوا مع المواطنين، عاملونا كأننا غرباء، ولا صار بيننا مودة ولا أخوة.. كانوا فاشلين، همهم البسطات والمجالس البلدية الشكلية، فإيش هالسيطرة اللي ما إلها معنى؟ سيطرة سياسية ما طلعت بنتيجة”.

ومع هذا الواقع، يقول طاطين إنه تشكل لدى شريحة من السكان شعور عميق بالعزلة عن محيطهم الحلبي الأوسع، عزلة غذتها القيود الأمنية، والخطاب الأيديولوجي، والمسيرات والتعبئة السياسية، إلى جانب نموذج حكم خاص فُرض على الحيين، وأخضع حركة الناس للدخول والخروج لمراقبة دائمة.

وتواجه الجهات المعنية اليوم، في أي مسار لإعادة الإعمار أو إعادة الدمج، مهمة صعبة تتمثل في توفير فرص العمل، وتحسين البنية التحتية، وتعزيز المشاركة المدنية، وإعادة الثقة بين الناس ومؤسساتهم، وبين هذه الأحياء ومدينة حلب ككل.

—————————–

قسد تغلق معبرا في دير حافر شرقي حلب

قال مراسل الجزيرة إن قوات قسد أغلقت، اليوم الخميس، المعبر الواصل بين مناطقها ومناطق الحكومة السورية في دير حافر بريف حلب الشرقي.

وكانت هيئة العمليات في الجيش السوري أعلنت بدء فتح ممر إنساني في منطقة دير حافر لعبور المدنيين نحو مدينة حلب.

وأوضح المراسل أن فتح الممر الإنساني وفقا لإعلان هيئة العمليات في الجيش السوري يبدأ من التاسعة صباحا بتوقيت دمشق وحتى الخامسة مساء، كما أعلنت إدارة منطقة منبج افتتاح 3 مراكز إيواء بالمدينة.

وقالت وكالة الأناضول التركية الرسمية إن قوات قسد تمنع المدنيين في المنطقة من الخروج إلى منطقة الحميمة التي أعلنتها السلطات مركز إخلاء أولي.

وأشارت الوكالة إلى أن الأهالي بدؤوا بالتجمع قرب حاجز في منطقة الحميمة التي تبعد عن دير حافر نحو 5 كيلومترات، منذ ساعات الصباح الباكر.

وقد تحولت الأنظار إلى دير حافر باعتبارها جبهة جديدة في المواجهة بين قسد والقوات الحكومية، بعدما بسط الجيش سيطرته على حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب إثر اشتباكات على مدى 3 أيام، قُتل خلالها أكثر من 20 شخصا ونزح عشرات الآلاف.

المصدر: الجزيرة + الجزيرة + الأناضول

—————————-

 شرق حلب: فتح مراكز إيواء.. واتهامات لقسد بمنع خروج المدنيين

الخميس 2026/01/15

أعلنت إدارة منطقة منبج التابعة للحكومة السورية، عن بدء تنفيذ عملية عسكرية تستهدف مواقع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في ريف حلب الشرقي، بالتزامن مع افتتاح ثلاثة مراكز إيواء داخل مدينة منبج لاستقبال المدنيين القادمين من مناطق دير حافر ومسكنة، في خطوة تعكس استعداداً لموجة نزوح محتملة مع اتساع رقعة المواجهات.

وقالت الإدارة إن المراكز هي: جامع الفتح، مركز الصناعة، ومركز الشرعية، وتهدف إلى تأمين أماكن آمنة وتقديم الخدمات الأساسية للأهالي خلال فترة العمليات.

اتهامات لقسد بمنع خروج المدنيين

وقالت إدارة منطقة دير حافر إن قوات “قسد” تمنع المدنيين من مغادرة مناطق سيطرتها عبر الممر الإنساني الذي أعلنت عنه هيئة العمليات في الجيش السوري، موضحة أن فرق الدفاع المدني والأهالي وصلوا إلى قرية الحميمة استعداداً لاستقبال العوائل القادمة من دير حافر ومسكنة وقواص بابيري باتجاه مناطق سيطرة الحكومة.

وأغلقت قوات “قسد” المعبر الواصل بين مناطق سيطرتها ومناطق الحكومة السورية في دير حافر، رغم إعلان هيئة العمليات في الجيش السوري بدء فتح ممر إنساني لعبور المدنيين من التاسعة صباحاً حتى الخامسة مساءً.

تجمع الأهالي قرب الحميمة

ونقلت وكالة الأناضول التركية الرسمية أن قوات “قسد” تمنع المدنيين من الخروج باتجاه منطقة الحميمة التي حددتها السلطات السورية مركزاً للإخلاء الأولي، مشيرة إلى أن الأهالي بدأوا منذ ساعات الصباح الباكر بالتجمع قرب أحد الحواجز في محيط القرية الواقعة على بعد نحو خمسة كيلومترات من دير حافر.

وأعربت الإدارة الذاتية التابعة لـ”قسد”، عن قلقها وإدانتها ما وصفته بـ”التصعيد غير المبرر” للحكومة السورية، معتبرة أن هذا النهج يهدد فرص الاستقرار والسلام ويقوض أي عملية سياسية جادة، ويضرب السلم الأهلي.

الدعوة إلى الحوار

وأكدت الإدارة الذاتية أن لغة الحوار والنقاش المسؤول يجب أن تكون السائدة بين جميع القوى السورية، محذرة من أن اللجوء إلى السلاح “لن يفضي إلا إلى المزيد من الدماء والدمار”، وأن الخاسر الحقيقي سيكون الوطن والشعب السوري.

وناشدت المجتمع الدولي والدول الفاعلة في الشأن السوري اتخاذ مواقف واضحة وخطوات جدية وفعالة لمنع “افتعال حرب جديدة في سوريا” ودعم مسارات التفاهم السياسي.

إفراج عن عناصر من قسد في الشيخ مقصود

في سياق متصل، أعلنت وزارة الداخلية السورية إخلاء سبيل مجموعة من الأشخاص الذين كانوا منضوين في صفوف “قسد” في حي الشيخ مقصود بحلب، بعد تسليم أنفسهم وسلاحهم طواعية، وبعد استكمال الإجراءات القانونية والتدقيق في سجلاتهم.

———————–

تركيا: خيار استخدام دمشق للقوة ضد قسد مطروح

فيدان شدد على ضرورة تطبيق اتفاق العاشر من مارس في أسرع وقت ممكن

الرياض- العربية.نت

15 يناير ,2026

بينما شددت تركيا على وجوب الخروج من دوامة العنف مع استمرار التوتر بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، على خلفية المواجهات التي شهدتها مدينة حلب شمال البلاد، الأسبوع الماضي، أوضحت في الوقت عينه أن خيار القوة مطروح.

فقد أعرب ‍وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في تصريحات للصحافيين، الخميس، من اسطنبول، عن أمل ⁠تركيا في حل المشكلات في سوريا سلمياً.

لكنه رغم ذلك أشار إلى أنه في حال تعذر ‍المفاوضات فإن استخدام القوة ‍من قبل الحكومة ‍السورية ⁠ربما ‌يكون خياراً ⁠مطروحاً. ورأى أن على قسد “إظهار نوايا حسنة والخروج من دوامة العنف”.

“في أسرع وقت ممكن”

كما أكد أن وجود قسد في مناطق غرب الفرات غير قانوني. وحث “قوات سوريا الديمقراطية” على تطبيق اتفاق العاشر من مارس في أسرع وقت ممكن.

أتت تلك التصريحات بعدما أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن اتفاق العاشر من مارس الذي وقع بينه وبين قائد قسد مظلوم عبدي العام الماضي (2025) نص على سوريا موحّدة بدون فيدرالية.

كما اعتبر أن “عدم الالتزام باتفاق مارس بات في ملعب قسد”، لكنه شدد على أن “سوريا لن تقف متفرجة”.

ومنذ أشهر، تتبادل دمشق وقسد الاتهامات بإفشال الجهود المبذولة لتطبيق الاتفاق المبرم بينهما في العاشر من مارس 2025 والذي كان يُفترض إنجازه في نهاية 2025.

فيما شهدت مدينة حلب، الأسبوع الماضي، اشتباكات عنيفة بين قسد والجيش في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد، ما أدى إلى نزوح آلاف السكان، ومقتل أكثر من 24.

ليعلن لاحقاً عن وقف لإطلاق النار وخروج مقاتلي قسد نحو شمال شرق البلاد دون أسلحتهم.

————————

=====================

تحديث 14 كانون الثاني 2025

————————-

عن عقدة الندّية في علاقة “قسد” بدمشق/ مروان قبلان

14 يناير 2026

كان واضحاً، منذ حتى ما قبل سقوط نظام الأسد، في ديسمبر/ كانون الأول 2024، أن قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والتي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عمودها الفقري، نظراً لظروف ومعطيات إنشائها من إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، وتحويلها إلى “ذراع” لها على الأرض لهزيمة مشروع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، سوف تمثل أحد أكبر التحدّيات التي تواجه أي مشروع مستقبلي لتوحيد سورية. ففضلا عن امتلاك تياراتٍ فيها تطلّعات قومية، خصوصاً جناحها الأكثر تشدّداً، المرتبط بجبال قنديل، وحزب العمّال الكردستاني، نسجت “قسد” شبكة علاقات دولية مهمّة، أبرزها، طبعاً، مع مجتمع واشنطن السياسي، وبعض دول الخليج، فضلا عن روسيا وإيران، بحكم علاقة حزب العمال الوطيدة تاريخيّاً بالطرفين (مع روسيا لأسباب أيديولوجية، ومع إيران بحكم العداء المشترك لتركيا، الأردوغانية خصوصاً). هناك شبهات أيضاً بشأن علاقة تكتيكية محتملة بين “قسد” وإسرائيل؛ فبحسب تقرير “واشنطن بوست” أخيراً، دعمت إسرائيل خصوم الإدارة السورية الجديدة، وتصريحات قائد “قسد”، مظلوم عبدي، في فبراير/ شباط 2025، حول انفتاحه على إسرائيل، بقوله: “نرحب بأي كيان في العالم يدعمنا للحصول على حقوقنا وحفظ مكاسبنا”. الأهم من ذلك كله هو القوة التي راكمتها “قسد”، وحولتها، بفضل الرعاية الأميركية، إلى جيش لا يستهان به، في مناطق الجزيرة السورية. وتملك “قسد” اليوم، وفق أكثر التقديرات واقعية، نحو 60 ألف مقاتل، فضلا عن نحو 30 ألف عنصر من قوات الشرطة “الأسايش”. فوق ذلك، أنشأت “قسد” سلطة مدنية ممثلة بـ “الإدارة الذاتية”، تسيطر حاليا على الجزء الأكبر من ثروات سورية الطبيعية (نفط، غاز، مياه) فضلا عن أكثر الأراضي الصالحة للزراعة.

استغلت “قسد” سنوات الحرب السورية الطويلة، وانشغال خصومها (النظام والمعارضة) وحرب واشنطن على داعش لبناء كيان أقرب ما يكون إلى دولة (جيش، شرطة، إدارة مدنية، وواجهة سياسية، ممثلة بمجلس سورية الديمقراطية، “مسد”). تحاول “قسد” التمسك بهذه المكتسبات، وترفض مغادرتها، وهذا ما أفشل تطبيق اتفاق 10 مارس (2025). كما استغلت “قسد” أخطاء حكومة دمشق الوليدة في أثناء “تمرّد” الساحل، وحراجة موقفها، بفعل الانتهاكات الواسعة التي حصلت، وخوفها من تفجر جبهات أخرى تزامناً في وجهها، لانتزاع اعتراف منها على قاعدة الندّية، حين وافق الرئيس أحمد الشرع على شرط “قسد” توقيع الاتفاق بنفسه مع قائدها، مظلوم عبدي. ما تحاول “قسد” فعله الآن ترجمة هذه الندّية في تنفيذ الاتفاق من خلال اشتراطها، للاندماج، احتفاظها بقدراتها العسكرية، وفق خريطة انتشارها الحالية، وبنيتها، وتجهيزاتها، في مقابل الجيش (العربي) الذي ينتشر غرب الفرات، وتقاسم ثروات المنطقة التي تحكمها مناصفة مع حكومة دمشق، وإقامة إدارة مشتركة للمعابر التي تسيطر عليها، والحصول، فوق ذلك، على أكبر نسبة ممكنة من المناصب المدنية والعسكرية في جهاز الدولة. هذا يعني أن “قسد” ترى نفسها سلطة موازية، تخضع، شكليا، لدمشق. لن تقبل حكومة سورية بهذا، ما يعني أن احتمالات المواجهة، خصوصاً بعد ما جرى في حلب، تتزايد.

سقف طموحات “قسد” المرتفع، رهاناتها بخصوص ديناميّات الصراع الداخلي السوري، وقراءاتها الخاطئة العامليْن التركي والإسرائيلي، والموقف الأميركي، لعبت دوراً رئيساً في الوصول إلى نقطة الصدام، لكن الإدارة السورية تحتاج أيضاً أن تدرك أن استراتيجية “الإطفائي” التي تعتمدها لا تساعد في حل المشكلات التي تواجهها، فمن أجل أن نغطي على انتهاكات الساحل، وقعنا اتفاقاً يعقد المشكلة مع “قسد”، ومن أجل أن نحتوي مشكلة السويداء، جعلنا إسرائيل شريكا فيها، ومن أجل تحييد إسرائيل نقبل بوصاية تركية، … وهكذا. يجب أن نقر أيضا بأن “قسد” ليست إلا “عرضاً” لأزمة وطنية أعمق في سورية، لا مفرّ، لمعالجتها، من الاعتراف بوجودها. يجب أن تدرك “قسد”، في المقابل، أن دمشق تعلمت من أخطائها؛ وأنها (قسد) لا تملك، أخذًا في الاعتبار الظروف الإقليمية والدولية الراهنة (تفاهمات باريس، أحداث اليمن أخيراً، الوضع المتفجر في إيران، السياسات الأميركية والأوروبية تجاه سورية) أي فرصة للربح في مواجهة شاملة مع دمشق، وأن الوقت، فوق ذلك، لا يسير لمصلحتها.

خلاصة القول، لا تحتاج سورية الدخول في فصل دموي جديد من فصول صراعاتها التي ما فتئت تتوالى تحت عنوان إثني/ قومي هذه المرّة (عرب X كرد). ما نحتاجه لحل العقدة “الكردية”، والعقد الأخرى المواكبة لها، أن ترتقي دمشق، قليلا، فوق الجميع، وتدعوهم بقيادتها إلى حوار وطني شامل، بدلاً من طريقة التعاطي الراهنة التي تعزّز الشعور لديهم بالندّية، وتعطيهم الفرصة للتشكيك في قدرتها على احتواء الجميع، وضمّهم باعتبارها سلطة أبوية أعلى منهم.

العربي الجديد

————————-

ما مصير اتفاق 10 آذار بعد أحداث حلب وتداعيات اتفاق 1 نيسان؟/ معاذ الحمد

من تفاهمات الورق إلى اختبار الميدان: هل صمد اتفاق 10 آذار بعد حلب؟

2026-01-14

أعادت التطورات العسكرية الأخيرة في مدينة حلب، ولا سيما في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، ملف اتفاق العاشر من آذار إلى واجهة المشهد السياسي، بعد أن انتهت الاشتباكات بانسحاب آخر مقاتلي قوات سوريا الديموقراطية من الشيخ مقصود، وبسط القوات الحكومية الانتقالية سيطرتها على الحيين، وسط نزوح واسع للمدنيين وتقارير عن تدهور الوضع الإنساني.

وجاءت هذه التطورات بعد تعثر تنفيذ اتفاق الأول من نيسان، الذي كان ينص على انسحاب قسد من الحيين وتوحيد الإدارة وفتح المعابر، ما طرح تساؤلات حول جدية الاتفاقات الموقعة وإمكانية صمودها أمام منطق الحسم العسكري.

وفي هذا السياق، يرى الباحث السياسي إياس فرحان الخطيب في تصريحات لـ”963+” أن المشكلة لا تتعلق باتفاق بعينه، بل بطبيعة الجهة الموقعة، معتبراً أن: “أي اتفاق يُبرم مع السلطة المؤقتة في دمشق محكوم عليه بعدم الجدوى، لأن القرار الفعلي لا يصدر عن هذه السلطة، بل يخضع لتأثير مباشر من تركيا، التي تُعد الطرف الضاغط الأول وصاحب القرار الحقيقي، وتمارس المراوغة والمماطلة في تنفيذ الاتفاقات”، مضيفاً أن “مرور أكثر من عشرة أشهر على توقيع اتفاق العاشر من آذار وكذلك اتفاق الأول من نيسان دون تنفيذ أي بند منهما على الأرض يؤكد هذا الواقع”.

اتفاق 1 نيسان: التطبيق الذي لم يكتمل

كان اتفاق الأول من نيسان يُنظر إليه بوصفه خطوة تنفيذية على طريق تفعيل تفاهمات العاشر من آذار، إلا أن مساره توقف قبل اندلاع التصعيد الأخير. الحكومة السورية الانتقالية حمّلت قسد مسؤولية عدم الالتزام، فيما تؤكد “قسد” أن الاتفاق خُرق من جانب دمشق.

وفي هذا الإطار، تقول مريم إبراهيم، المتحدثة باسم وفد ممثلي شمال وشرق سوريا، لـ”963+” إن: “الوفد كان يأمل أن تشكّل اتفاقية العاشر من آذار مدخلاً للحلول السلمية ولعملية دمج شاملة للمؤسسات العسكرية والسياسية والمدنية، إلا أن خرق اتفاق الأول من نيسان بعث رسالة واضحة بأن مصير اتفاقية العاشر من آذار لا يزال غامضًا ومشوّشًا من قبل حكومة دمشق”.

وتوضح أن المسار التفاوضي كان قد اقترب من نهايته، مشيرة إلى أن: “اللقاء الأخير بين الوفد العسكري لقوات سوريا الديموقراطية والحكومة السورية وصل إلى مراحله النهائية تمهيداً للتوقيع، إلا أن الحكومة انسحبت في اللحظة الأخيرة، قبل أن يتبع ذلك هجوم على حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وهو ما نعتبره مخالفًا للتفاهمات السابقة”.

ميدانياً، أدى التصعيد إلى خروج قسد فعلياً من مدينة حلب، في تطور اعتبره مراقبون نقطة فاصلة في مسار الاتفاقات.

ويرى إياس الخطيب أن ما جرى يمثل نسفاً مباشراً لجوهر أي تفاهم سياسي، قائلاً: “جوهر الاتفاقات السياسية هو تحييد العمل العسكري وحماية المدنيين، لكن ما جرى كان استخداماً للقوة العسكرية، وقصفاً مدفعياً، ووقوع عمليات تهجير وتغيير ديموغرافي، وهذا ينسف اتفاق العاشر من آذار من أساسه، وينهي ما تبقى من أي أمل بتطبيقه”.

وفي السياق نفسه، تؤكد إبراهيم أن اللجوء إلى الخيار العسكري شكّل “صدمة” للوفد، موضحة أن: “وفد شمال وشرق سوريا لا يحمل أي نوايا للحل العسكري، واللقاء الذي عُقد في الرابع من كانون الثاني تضمن تقديم كامل البيانات والمعدات العسكرية، وتوجه الوفد العسكري إلى دمشق بحسن نية وثقة كاملة بأن الاتفاق سيتم توقيعه في اليوم ذاته”، معتبرة أن ما حدث لاحقاً “يشكّل تقصيراً في المسؤولية تجاه المجتمع المحلي الذي عانى خمسة عشر عاماً”.

دمج “قسد” خلاف جوهري بلا أرضية مشتركة

أحد أبرز محاور اتفاق 10 آذار تمثل في الحديث عن دمج قوات سوريا الديموقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية، إلا أن هذا الملف بقي موضع خلاف حاد.

ففي حين ترى “قسد” أن مطالبها تندرج ضمن إطار وطني عام، يعتبر الخطيب أن الإشكالية تكمن في غياب الالتزام السياسي، موضحاً أن: “الحديث عن دمج قوات سوريا الديموقراطية ضمن الجيش السوري، بصيغته الحالية، هو أمر مستحيل ويشبه محاولة خلط الزيت بالماء، لأن ما تطالب به قسد يشمل بناء جيش وطني حقيقي، وإنهاء الوجود التركي، وإبعاد الفصائل الجهادية والعناصر الأجنبية”، مضيفاً أن “ما واجه هذه المطالب هو تعنّت من السلطة المؤقتة بدعم مباشر من أنقرة، دون أي التزام سياسي أو عسكري بتنفيذها”.

في المقابل، يطرح الدكتور إحسان الخطيب قراءة مختلفة، معتبراً أن أصل الخلاف يعود إلى سقف المطالب، إذ يقول: “الإشكالية الأساسية في الملف السوري تتعلق بالطموحات السياسية للأكراد التي تتجاوز إمكاناتهم الواقعي”، مضيفاً أن “طرح قسد يفتقر إلى الواقعية من حيث التوازن الديمغرافي والجغرافي، ومحاولة استنساخ النموذج الكردي في العراق داخل سوريا أمر مستحيل ولن يحظى بقبول داخلي”.

الدور الأميركي.. تهدئة مؤقتة بلا حسم

التطورات في حلب أثارت قلقاً دولياً، حيث حذّر المبعوث الأميركي براك من أن ما يجري قد يهدد أثر اتفاق العاشر من آذار، ودعا إلى تسريع تنفيذه. كما أسهمت تدخلات أميركية في فرض وقف إطلاق نار مؤقت.

غير أن تقييم هذه التحركات يختلف. فإياس الخطيب يرى أن: “هذه التصريحات بقيت في إطار التنظير الإعلامي دون أي أثر عملي على الأرض، والحاجة إلى ضمانات وضغوط دولية لتطبيق اتفاق داخلي تؤكد أن السلطة المؤقتة غير مقتنعة أصلًا بتنفيذ أي اتفاق”.

فيما يعتبر إحسان الخطيب أن واشنطن تتحرك ضمن هامش ضيق، قائلاً: “الولايات المتحدة تجد نفسها في موقع وسطي بين الحكومة الانتقالية في دمشق وقوات سوريا الديموقراطية، وتسعى إلى إقناع الجانب الكردي باتباع نهج أكثر واقعية، لكن وجود أطراف داعمة للأكراد داخل واشنطن يدفع الإدارة إلى سياسة مترددة في ممارسة الضغوط الكافية”.

اتفاق 10 آذار.. بين الالتزام المعلن والمصير المجهول

في ظل هذه المعطيات، تؤكد “قسد” أنها لا تزال متمسكة بالمسار السياسي، إذ تقول مريم إبراهيم: “نحن نؤمن بأن الحل لا يكون إلا عبر الحوار والدمج بين الطرفين، لما لذلك من دور في حماية السوريين من الانزلاق إلى حرب أهلية، ونحرص على وحدة الشعب السوري ووحدة البلاد”، محذّرة من أن “استمرار العرقلة وتباطؤ الحكومة السورية قد يدفع الأوضاع نحو مزيد من التصعيد”.

وبينما يرى باحثون أن ما جرى في حلب أضعف فرص إنقاذ اتفاق العاشر من آذار، يبقى الاتفاق، عملياً، معلقاً بين نصوص موقعة وواقع ميداني متغير، في ظل غياب آليات تنفيذ وضمانات قادرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى وقائع مستقرة على الأرض.

+963

——————————–

تجنيد الأطفال في مناطق قسد: الإطار القانوني والممارسات الموثقة/ فضل عبد الغني

يناير 14, 2026

يُعدّ تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة من أخطر الانتهاكات في منظور القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، لما ينطوي عليه من مساس مباشر بجوهر حماية الطفل وتقويض لمستقبله البدني والنفسي والاجتماعي. وفي السياق السوري، برزت ظاهرة تجنيد القاصرين لدى أطراف النزاع السوري بوصفها إشكالية مركّبة تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والإنسانية والتوثيقية.

وتأتي قوات سوريا الديمقراطية ضمن أبرز الأطراف التي وُثّقت بحقها ممارسات تجنيد للأطفال اتسمت، في كثير من الحالات، بسمات تنظيمية متكررة، بما يفرض فحصاً قانونياً دقيقاً في ضوء الأطر المعيارية الدولية ذات الصلة بحماية الطفل في النزاع المسلح.

ومن زاوية قانون حقوق الطفل، يُحظر تجنيد أي شخص دون سن الثامنة عشرة من قبل جماعة مسلحة غير تابعة لدولة، وذلك على نحوٍ قاطع، ولا سيما بموجب البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة. ويستتبع هذا الحظر التزاماً بالمنع واعتماد تدابير فعّالة للتجريم والمساءلة، باعتبار التجنيد سلوكاً يضرب في صميم الحماية الخاصة التي يتمتع بها الأطفال في سياق النزاعات.

أما في إطار القانون الجنائي الدولي، فإن تجنيد الأطفال دون سن الخامسة عشرة أو ضمّهم أو استخدامهم للمشاركة الفعّالة في الأعمال العدائية يُصنَّف جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

تُظهر الوقائع الموثقة لدى جهات دولية ومحلية، ومنها لجنة التحقيق الدولية المستقلة والشبكة السورية لحقوق الإنسان عبر سنوات، أن تجنيد القاصرين في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية اتخذ، في أغلب الحالات، نمطاً متكرراً يقوم على الاستدراج أو الخطف، يعقبه عزل الطفل عن أسرته وقطع صلاته بها. ويرتبط هذا السياق، في روايات متعددة، بوجود بنى تدريب ومعسكرات تُستخدم لترسيخ الانضباط وإعادة التوجيه.

ويثير هذا النمط مؤشرات قانونية جدية تتصل بالحرمان غير المشروع من الحرية، قد يصل إلى الإخفاء القسري، وانتهاك ضمانات حماية الأسرة، وتقويض الحق في الشكوى وطلب الانتصاف.

وفيما يتعلق بوسائل الاستقطاب، وُثّقت محاولات لإقناع الأطفال وتشجيعهم على الالتحاق عبر حوافز أو إغراءات مادية أو معنوية تُستخدم للتأثير في القاصر ودفعه إلى الانضمام. كما أُشير إلى الاستفادة من بعض المؤسسات المحلية، بما في ذلك مدارس خاضعة لسلطة الإدارة الذاتية، بوصفها بيئات يُحتمل أن تُستثمر في الدعم أو التسهيل، بما يفتح إشكاليات مضاعفة تتعلق بحماية الفضاء التعليمي من العسكرة وبواجب تحييد المدارس عن أنشطة التجنيد والاستقطاب.

وعلى صعيد الاستدراج أو الخطف من الفضاء العام، يبرز نمط متكرر يتمثل في انتزاع الأطفال من المدارس أو الشوارع أو الأحياء بقصد التجنيد. وفي هذه الحالات، لا ينحصر الانتهاك في فعل التجنيد وحده، بل يمتد إلى أفعال تمهيدية تندرج ضمن الحرمان التعسفي من الحرية واستهداف الأطفال في فضاءات يفترض أن تكون آمنة، بما يقوّض أمنهم الشخصي ويُضعف البيئة الوقائية المحيطة بهم.

أما بشأن العزل بعد التجنيد وقطع الروابط الأسرية، فقد وُثّقت منظمات حقوقية محلية ودولية عدة، نقل أطفال إلى معسكرات تدريب تقع في مناطق بعيدة عن مناطقهم الأصلية، بما يزيد من صعوبة الوصول إليهم ويعمّق حالة العزل. كما أُشير إلى تقييد الاتصال والزيارات بصورة متكررة، بحيث يُمنع الأطفال من التواصل مع أسرهم أو تُمنع الأسر من الزيارة، أو تُواجه بعراقيل وإجراءات تنطوي على الإهانة عند محاولة الوصول إلى أبنائها. ويشكّل هذا النمط انتهاكاً مركّباً لا يطال الطفل وحده، بل يمتد إلى حقوق الأسرة في معرفة المصير، والتواصل، والحصول على معلومات، بما يفاقم الأثر النفسي والاجتماعي المترتب على حالات التجنيد القسري أو الاستدراج.

ومن جانب آخر، وُثِّق تعرّض عائلات الأطفال المُجنّدين أو المختطفين لتهديداتٍ وترهيبٍ بهدف منعها من الإبلاغ إلى جهات دولية أو منظمات حقوقية، بما يمسّ مباشرةً الحق في الوصول إلى العدالة وطلب الانتصاف. كما أُشير إلى لجوء بعض العائلات إلى مظاهرات أو اعتصامات للمطالبة بإعادة أبنائها، وإلى تعرّض بعض المشاركين لتهديدات أو اعتداءات أو تحذيرات من تكرار الاحتجاج.

وتدلّ هذه الوقائع على أن الانتهاك بحق الطفل في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، على النحو الذي يورده هذا المقال، لا يقتصر على فعل التجنيد ذاته، بل يتخذ ملامح منظومة ضغط اجتماعي وأمني تستهدف إسكات الأسر وتحييدها عن أدوات المطالبة والمساءلة. وفي جميع الأحوال، يواجه هؤلاء الأطفال مساراً طويلًا للتعافي من الآثار النفسية والتعليمية والاجتماعية للتجنيد القسري، بما يستدعي ضمانات عملية لعودتهم الآمنة إلى بيئتهم الطبيعية، وفي مقدمتها المدرسة، واستعادة شروط الحماية والرعاية التي يكفلها القانون.

الثورة السورية

———————————-

 ترويع العشائر.. “الشبيبة الثورية” تصعّد أنشطتها في مناطق قسد/ مصطفى محمد

الأربعاء 2026/01/14

صعّد تنظيم “الشبيبة الثورية” (جوانن شورشكر)، عمليات “ترهيب” المدنيين في الأحياء ذات الأغلبية العربية (العشائرية) داخل مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وتنوعت هذه العمليات بين اعتداءات على الممتلكات في حي “طي” بمدينة القامشلي، وبين إجبار التجار على إغلاق المحلات التجارية، والخروج بمظاهرات، في أكثر من منطقة بالحسكة، احتجاجاً على انسحاب “قسد” من أحياء حلب، بعد مواجهات مع الجيش السوري.

وأكدت مصادر من الحسكة لـ”المدن”، أن عناصر من تنظيم الشبيبة الثورية، هددوا التجار العرب بحرق المحال التجارية غير الملتزمة بالإضراب أثناء المسيرات التضامنية مع سكان حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب.

وعند كل تصعيد ضد المناطق الكردية، يخشى أبناء العشائر في مناطق سيطرة قسد، من تصعيد تنظيم الشبيبة الثورية لعمليات “الترهيب”، خصوصاً أن “قسد” تتعامل مع أنصار التنظيم على أنهم “فوق القانون”.

وتربط المصادر بين زيادة وتيرة عمليات “الترهيب” لأبناء العشائر، بمخاوف “قسد” من حصول انشقاقات جماعية في صفوف المقاتلين من أبناء العشائر.

في مصلحة قسد

وقبل أيام، هاجم أنصار الشبيبة الثورية قاعدة تتبع للتحالف الدولي في حي غويران بمدينة الحسكة، وذلك بعد دعوة التنظيم إلى تنفيذ اعتصام أمام القاعدة، تنديداً بـ”التخلي الأميركي” عن مقاتلي “قسد” في حلب، وقبل ذلك حاول أعضاء تنظيم الشبيبة اقتحام مقر الأمم المتحدة في مدينة القامشلي للغرض ذاته.

واللافت أن أجهزة الأمن التابعة لقسد، لم تتدخل لاحتواء الموقف، ليبدو وكأن التنظيم “راضٍ” عن أفعال هذا الشبيبة الثورية.

ووفق مصادر “المدن”، فإن قسد تستفيد من أنشطة تنظيم الشبيبة الثورية، دون تبعات قانونية، باعتبار أن الأخير لا يتبع لها تنظيميا، وهو ما يؤكد عليه الرئيس السابق للهيئة السياسية في الحسكة محمود الماضي لـ”المدن”.

ويصف الماضي، التنظيم بـ”القوة الضاربة بلا رقيب ولا حسيب”، ويقول: “تمارس الشبيبة انتهاكات بحق أبناء العشائر والأكراد، فالتنظيم هو المسؤول المباشر عن كل عمليات خطف القاصرين والقاصرات لتجنيدهم في صفوف حزب العمال”.

ويؤكد أن التنظيم يمارس سياسة الابتزاز المالي ضد أصحاب المحلات التجارية والتجار العرب والأكراد على حد سواء، ويفرض غرامات مالية بشكل كيفي، دون أي تدخل أو محاسبة من “قسد”.

وبجانب المدنيين، تعرضت مكاتب تتبع للمجلس الوطني الكردي في القامشلي وغيرها للتخريب والحرق أكثر من مرة، وسط اتهامات لتنظيم الشبيبة الثورية بالمسؤولية المباشرة.

تبعية مباشرة للعمال الكردستاني

ويتبع تنظيم الشبيبة السورية، بشكل مباشر لقيادات حزب العمال الكردستاني، كما يؤكد رئيس “رابطة المستقلين الكرد السوريين” عبد العزيز تمو لـ”المدن”، مبيناً أن التنظيم يتلقى أوامره من مصطفى بايق المقيم في رميلان بالحسكة، وهو شقيق جميل بايق، أحد مؤسسي حزب “العمال”.

ويوضح أن الشبيبة الثورية تُعدّ من الأذرع الاستخباراتية للعمال الكردستاني، مثل قوات التدخل السريع، والاستخبارات، ويردف: “هذه الأذرع رفضت دعوة زعيم حزب العمال عبد الله أوجلان إلى حل الحزب”.

ويلفت تمو، إلى وجود تنسيق “غير معلن” بين “قسد” وتنظيم الشبيبة الثورية، ويشير إلى عدم تسجيل التنظيم لأي نشاط معاد لـ”قسد” أو لأهدافها، ما يعني أن “قسد تستخدم التنظيم ذراعاً لتنفيذ أجنداتها، دون أن تعترف بوجود علاقة معه”.

وسجلت مناطق ريف حلب الشرقي تواجداً لتنظيم الشبيبة الثورية، مثل منبج قبل انسحاب “قسد” منها، ودير حافر المقبلة كما يبدو على مواجهات بين “قسد” والجيش السوري.

————————-

 سوريا: المشروع الوطني والسلاح الفئوي/ ميشال شمّاس

الأربعاء 2026/01/14

الأزمة الراهنة بين الحكومة السورية و”قسد” تعود في جوهرها، إلى غياب مشروع وطني جامع يضبط المرحلة الانتقالية ويعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومكوّناتها، وإلى خيارات سياسية خاطئة انتهجتها “قسد”. إذ لم تتعامل مع الثورة السورية بوصفها فرصة تاريخية لإنهاء نظام الأسد وبناء دولة وطنية مشتركة، بل اعتبرتها مجالاً لتعزيز مشروعها الخاص وتوسيع نفوذها الجغرافي والعسكري. وأسهم هذا المسار في تعميق الانقسام الوطني، وإطالة معاناة السوريين، عرباً وكرداً، وأتاح لنظام الأسد البقاء لفترة أطول.

وزاد من خطورة هذا المسار ارتهان “قسد” لكوادر مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، رغم أن الحزب نفسه ألقى سلاحه وتخلى عن العمل المسلح داخل تركيا وخارجها، الأمر الذي أدخل القضية الكردية السورية في اشتباك إقليمي لا يخدم السوريين ولا الأكراد، ووفّر لتركيا ذرائع مستمرة للتدخل العسكري.

ما جرى في حلب كان انفجاراً محدوداً لمشكلات كبرى متراكمة: معضلة السلاح الذي لم يُحسَم موقعه بعد، ومعضلة الدولة التي تحاول استعادة احتكار القوة بعد الخراب الذي خلّفه نظام الأسد، ومعضلة “قسد” التي تتحرك داخل مساحة رمادية بين الحقّ والقدرة؛ الحقّ بمعنى حقّ المكوّن الكردي كسائر المكوّنات السورية في التنظيم والتمثيل والمطالبة بالاعتراف، والقدرة بمعناها العسكري الذي لا يشكّل حقاً بحد ذاته، لأن امتلاك السلاح امتياز حصري للدولة. هذا الخلط هو ما جعل قسد تتصرف كما لو أن امتلاك السلاح يمنحها شرعية تمثيل مكونات لم تفوض أحداً بتمثيلها، رغم وجود قوى كردية سورية تخالفها الموقف.

ولم تلاحظ “قسد” تغيّر البيئة الدولية التي كانت تمنحها هامشاً واسعاً للمناورة، ولم تلتقط مبكراً إشارات تراجع الدعم الأميركي. فواشنطن، التي وفّرت لها غطاءً حاسماً خلال الحرب على داعش، باتت اليوم تميل إلى مقاربة تُقدّم وحدة الدولة السورية على حماية نفوذ قسد، وتسمح بتآكل موقعها تدريجياً عبر ترك الوقائع الميدانية تعيد رسم ميزان القوى. ومع تضاؤل هذا الدعم، تضيق الهوامش التي يمكن لقسد التحرك ضمنها، ويصبح الرهان على السلاح أو على سند خارجي رهاناً خاسراً لا يخدم الأكراد ولاعموم السوريين.

في المقابل، نحن أمام سلطة جديدة في دمشق لم يمضِ على تولّيها السلطة سوى ثلاثة عشر شهراً، تحاول أن  تتعلم من أخطائها وتبتعد عن الفوضى والانتهاكات التي طَبعت سلوكها العام الماضي. وتجلّى هذا التوجّه في معركة حلب، حيث تحركت قواتها بانضباط واضح، وتجنّبت الفوضى والانتهاكات، وحمت المدنيين. غير أن هذا الانضباط لم يخلُ من انتهاكات، أبرزها رمي جثة مقاتلة كردية من أحد الطوابق والتلفظ بعبارات غير لائقة، وهو سلوك مدان أخلاقياً وقانونياً، ويستوجب محاسبة مرتكبيه أمام القضاء، لتأكيد أن ما جرى ليس سياسة دولة، بل تجاوز فردي ترفضه الحكومة وتسعى إلى منعه. هذه الحادثة  تؤكد أن الانتقال من عقلية الفصائل إلى الانضباط المؤسسي يحتاج وقتاً ومحاسبة صارمة، كما يحتاج إلى توسيع القاعدة البشرية للمؤسسات العسكرية والأمنية، وإدماج السوريين من مختلف المناطق والمكوّنات، بما يكسر أي غلبة فصائلية ويعيد ربط هذه المؤسسات بالمجتمع كله. من خلال بناء وتدريب أجهزة عسكرية وأمنية على أسس وطنية احترافية، وخضوعها لرقابة ومحاسبة قضائية تضمن عدم انحرافها عن دورها في حماية أمن الناس والبلد.

غير أن التحديات التي تواجه الحكومة السورية لا تختزل في معركة حلب ولا في قسد  ولا في السويداء فقط. فحادثة حمص الأخيرة، واستشهاد أربعة موظفين مدنيين أمام مشفى الكندي، تؤكد أن فلتان السلاح وخطاب الكراهية لا يزالان يشكلان تهديداً مباشراً. هذه الحوادث ليست مجرد اختلالات أمنية متناثرة، بل تعبير عن غياب إطار وطني واضح يحدد من يملك حق استخدام القوة، وكيف تُدار العلاقة بين الدولة والمجتمع في مرحلة انتقالية حساسة.

عندما يغيب مشروع وطني جامع، تتكاثر الولاءات الفئوية والمناطقية، ويتحوّل كل خطأ عسكري أو أمني إلى شرخ اجتماعي يتجاوز حجمه الطبيعي. ومن دون رؤية تجعل السوريين يشعرون بأنهم جزء من مسار واحد، يبقى المجال مفتوحاً لمناخ “نحن وأنتم” الذي يعمّق الانقسام ويقوّض الثقة، ويمنح قوى محلية وفي مقدمتها قسد فرصة الادعاء بتمثيل مكوّنات لا يحقّ لأحد احتكار تمثيلها. وقد ساهم غياب الانفتاح على الفاعلين الاجتماعيين والقوى السياسية الكردية في ترسيخ “قسد” كعنوان كردي واحد ودفع شرائح واسعة من الكرد للاصطفاف خلفه رغم اختلافها معه، ما أضعف بقية القوى الكردية ومنح قسد زخماً إضافياً.

استمرار هذا الفراغ يضعف قدرة الدولة على فرض القانون، ويفتح الباب أمام صراعات هوياتية وولاءات ضيقة تجعل أي توتر محلي قابلاً للتحول إلى أزمة وطنية جديدة.

سيستمر هذا النمط ما دام النهج الوطني القائم على المواطنة والانتماء لسوريا ككل، غائباً أو مغيَّباً. فالسوريون جميعاً دفعوا ثمن المرحلة السابقة، ولا يمكن بناء مرحلة جديدة على سرديات تقسّم الضحايا، أو تمنح فئة ما امتيازاً أخلاقياً على أخرى، أو تبرّر بقاء السلاح خارج سلطة القانون تحت شعار “الحماية الذاتية”. وإعادة إنتاج أي صيغة سياسية تقوم على الإقصاء، سواء تحت راية قومية أو دينية لا يقود إلا إلى دورة صراع جديدة، ويمنع تشكيل عقد اجتماعي يضمن شعور الجميع بالشراكة في الدولة.

الحاجة إلى مسار وطني شامل أصبح شرطاً للخروج من دوامة السلاح الفئوي. مسار يمكن أن يبدأ بمؤتمر وطني يمثّل فعلياً كل المناطق والمكوّنات، ويعيد تعريف أسس الشراكة والمواطنة وتقاسم السلطة والموارد، بما في ذلك الحقوق التي حُرم منها الأكراد لعقود من التهميش والإنكار. فمعركة حلب ليست النهاية، بل بداية اختبار لقدرة السلطة الجديدة والمجتمع معاً على تحويل الحسم الأمني إلى مسار سياسي جامع، يحدّ من الانقسام بدلاً من تعميقه، ويُخضع السلاح لسلطة الدولة بدلاً من أن يخضع الدولة لمن يحمل السلاح.

المدن

————————-

من أحياء حلب إلى خرائط النفوذ: كيف انكسر اتّفاق آذار؟/ بشير أمين

14.01.2026

ما جرى في حلب لم يكن مجرّد معركة نفوذ، بل كسر لأوّل محاولة سورية جدّية لإنتاج حلّ سياسي غير صفري، وما يُكسر مرّة يمكن أن يُرمّم… لكنّه لا يعود كما كان.

مثّلت الأحياء الكردية في حلب بذرة الحلّ لاتّفاق العاشر من آذار/ مارس، بين السلطة في دمشق والإدارة الذاتية الكردية، باعتباره أوّل الخطوات التجريبية نحو دمج أوسع لمؤسّسات الإدارة الذاتية في الدولة.

لكنّ سقوط الأحياء الثلاثة بيد سلطة دمشق بغطاء تركي، في عمليّة عسكرية سريعة، يُحيلنا إلى إعادة تقييم هذا الاتّفاق واحتمالات تطبيقه.

كنتُ قد جادلت في مقال سابق أن اتّفاق الأوّل من نيسان/ أبريل للأحياء الكردية، هو نواة تجريبية للحلّ بين القطبين الرئيسين في سوريا، وعلى اعتبار أن الحالة القطبية بين الطرفين لها أبعاد إقليمية ودولية أيضاً، فإن احتمالية الصدام مُستبعدة.

فهل نُسف الاتّفاق بنسف نواته؟ يبقى السؤال قائماً حول أهمّية الحيّين الاستراتيجية، ولماذا الآن؟ وهل يمكن التعويل على إعادة إحياء اتّفاق آذار/ مارس بين عبدي والشرع؟

خلفية الصراع وسياق المعركة

الأسبوع الأوّل من العام شهد حدثين يكملان الصورة الممهّدة وسياق المعركة. الأوّل، في الرابع من كانون الثاني/ يناير، عندما اجتمع وفد من “قوّات سوريا الديمقراطية/ قسد”، بوفد من السلطة في طابع عسكري، وجدته “قسد” إيجابياً، متطلّعة إلى استمرار المشاورات بعد أيّام قليلة، بينما نفت السلطة أيّ تقدّم ملحوظ، فيما سرّبت “المونيتور” أن الشيباني قد أنهى ذلك الاجتماع ونسف ما جاء فيه، بسبب عدم الرضا التركي على سير المفاوضات.

الحدث الثاني كان اجتماع باريس عشية السادس من كانون الثاني/ يناير، الذي أسفر عن التوصّل إلى تفاهمات متقدّمة بين إسرائيل والسلطة، يمكن وصفها ببداية لتطبيع العلاقات، في حضور حقّان فيدان وزير الخارجية التركي.

لم تمرّ ساعات، حتى أذعن المسؤولون الأتراك بعمليّة سورية في أحياء حلب لإخراج المقاتلين الكُرد، وانتهت بسيطرة سريعة وانتهاكات بشعة مع سقوط مدنيين ونزوح مئات الآلاف، مع حديث متكرّر عن التوجّه إلى تلّ حافر، حيث توجد نقطة استراتيجية أخرى تسيطر عليها “قسد” غرب الفرات- شرق حلب.

ربما لم تخفِ أنقرة وقوفها واستثمارها في هذه المعركة. غاب الشرع عن واجهة هذا الصراع وتصدّر بعض المسؤولين في حلب والمسؤولين الأتراك لها إعلامياً. أبعد من ذلك، الاتّصال بين الشرع والزعيم الكردي مسعود بارزاني، من أجل مناقشة هذا الملفّ كان لافتاً للانتباه. كما نقلت وسائل إعلام كردستانية عن مقابلة مرتقبة مع الشرع، قبل أن يتمّ تأجيلها “لأسباب تقنية”، في هذه الأثناء نقل “المرصد السوري لحقوق الإنسان” رغبة الشرع في الحديث من خلال الإعلام الكردستاني.

تقاطعات عدّة يمكن أن تشير إلى قرار أنقرة لهذه المعركة، ورغبتها في إنهاء أيّ وجود كردي في غرب الفرات، بخاصّة في مدينة حلب التي تحضر في الاعتبارات التركية وحزب “العدالة والتنمية” بشكل عالٍ. بمعنى آخر، الحيّان لا يشكلان نقطة استراتيجية عسكرياً، أو مركز تهديد كردي للسلطة أو لتركيا، لكنهما يشكلان رمزية انتصارية في خطاب أردوغان أمام حزبه، وبالتالي حلب خالية من أيّ نفوذ كردي.

الاستفادة التركية الأهمّ من هذه المعركة هو انهيار اتّفاق نيسان/ أبريل، ولأن هذا الاتّفاق كان نواة لتطبيق اتّفاق آذار/ مارس، فإن تركيا دفعت إلى نسفه. اتّفاق آذار/ مارس في موضع شكّ وعدم رضى بالنسبة إلى تركيا منذ توقيعه، دفعت تركيا إلى تأويل هذا الاتّفاق إلى أقصاه، في تجريد “قسد” من سلاحها وإبعادها من أن تكون شريكاً في السلطة، ومن خلال زيارات وزير خارجيتها ورئيس استخباراتها إلى دمشق، قُبيل أو بعد أيّ جولة مفاوضات ما أسفر عن مماطلة وتسويف.

لكنّ الرغبات التركية تصطدم بالتسيير الأميركي للمفاوضات، الذي نجح في التقدّم خطوات قليلة، أدركت تركيا أن هذا الاتّفاق يعطي مساحة سياسية واسعة لـ”قسد”، وأنه يشكّل أرضية تشارك في السيادة والمرحلة الانتقالية، وفي غياب موافقة أميركية لعمليّات تركية في شرق الفرات، وجدت تركيا في الأحياء الحلبية فرصة يمكن أن تنسف كامل الاتّفاق، وهذا يفسّر أيضاً دعوة “قسد” للتهدئة.

ما لم يكن مفهوماً في سياق هذه المعركة، فيما كانت “قسد” على علم بهذه العمليّة، وما جرى الاتّفاق عليه في باريس، واضطرارها للتخلّي عن الحيّين، أم أن المعركة كانت على حين غفلة منها؟ كما أبدت خطاباً دبلوماسيا يتجنّب التصعيد في تصريحات قياداتها (مظلوم عبدي وإلهام أحمد)، على النقيض، دعت “قسد” لتجنّب الحلول العسكرية، ولم تتدخّل عسكرياً أو تشارك في إشعال جبهات أخرى، بل سعت بطرق دبلوماسية لإخراج قوّات الأمن الداخلي (الأسايش) من الأحياء، و”الأسايش” هو جهاز قوّات الشرطة المحلّية التابعة للإدارة الذاتية، لكنّها مؤسّسة منفصلة عن “قسد”، التي تعتبر القوة العسكرية الرسمية، وهذا التفصيل مهمّ لأنه يشي بانهيار اتّفاق نيسان/ أبريل، ولكن يُبقي الباب مفتوحاً أمام اتّفاق آذار/ مارس.

السؤال الأخلاقي وسؤال المقاومة

رفض بعض المقاتلين الكُرد مسعى قياداتهم لإخراج آمن من أحياء حلب نحو شرق الفرات وقرّروا المقاومة والموت على الاستسلام. رغم الرومانسية اليسارية غير البعيد عن أيديولوجيا هؤلاء المقاتلين، فإنه فتح أسئلة أخلاقية أمام السوريين عن المقاومة وجدواها، وعن أحقّية الدولة في بسط سيطرتها عن طريق الحلّ العسكري.

مشهد الحافلات التي أقلّت المقاتلين وعائلاتهم ومشاهد أخرى، أعادت إلى الأذهان حصار الغوطة الشرقية في دمشق في ذروة حرب نظام الأسد على الأحياء الثائرة. كانت حينها تردّ المعارضة بقذائف طائشة على الأحياء المدنية في دمشق، واتّخذها نظام الأسد حجّة للقصف والاستباحة.

في هذا السياق أصبحت انتهاكات “قسد” في حلب، أو خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، أرضية للنظر إلى الطرفين بميزان متساوٍ، وغفلت هذه الآراء مصير مئات الآلاف من المدنيين المعرّضين لمجازر مشابهة لمجازر السويداء والساحل السوري.

أغفل الكثيرون الصورة العامّة في هذا الصراع. صورة صراع قطبين في المعادلة السورية وصلا إلى سوريا خالية من الأسد، من سلطات أمر واقع، لكلّ منهما مشروعه في الحوكمة وتاريخ في الانتهاكات. يدّعي طرف مشروعيتها في التحكّم بالسلطة وأنسى السوريين مشروع الديمقراطية، ولا يرغب في طرح قانون أحزاب أو تشكيل دستور يمثّل جميع الأطياف السورية، ويُعيد تدوير منظومة فساد نظام الأسد.

إذا كان هناك إيمان بأن يتمّ تطبيق اتّفاق آذار/ مارس بين الطرفين، من الواجب حينها الحفاظ على مشروعية الطرف المفاوض وعدم التوجّه إلى شيطنته. لأن في شيطنة “قسد” نسف للمفاوضات وإعطاء مشروعية للحرب، لذلك شكر “هيئة تحرير الشام” على إسقاط الأسد، وتذكّر الكثيرون جرائم “قسد” وانتهاكاتها (وهي كثيرة ولا رغبة في إنكارها)، من الواجب تذكّر بعض إنجازاتها. مشروع الإدارة الذاتية الذي يتبنّى الديمقراطية، وحقوق النساء، وحافظ على نسبة معقولة جدّاً من السلم الأهلي في منطقة متعدّدة الإثنيات، توقّع لها المراقبون في عام ٢٠١١ نشوب حروب عبثية بين كُردها وعربها، منطقة تحمل إرث عقود من صراع قومي عمّقتها حرب العراق. حافظت الإدارة الذاتية على قرى “الغمر” التي استوطنها نظام الأسد، وكانت يمكن أن تكون عرضة لانتقامات وتهجير خلال الحرب.

فالمسألة إذاً لا تتعلّق بانحياز طائفي أو فئوي، إنما هي نذير بإنهاء أيّ حالة سياسية ممكنة في سوريا. الإدارة الذاتية المشروع الوحيد الذي يطرح نفسه باعتباره مشروعاً سياسياً يطالب ببناء عقد اجتماعي جديد، ويطلب أن يشمل هذا العقد جميع الشعوب السورية وحقوقها السياسية أو الثقافية، علاوةً على الديمقراطية.

إن صكّ هذه المطالب في الدستور القادم، ضرورة مصيرية بالنسبة إلى السوريين في بحثهم عن العدالة، حتى وإن لم تطبّق الإدارة الذاتية هذه المبادئ في مناطقها، إلا أن السوريين أكثر من يعلم أن لا سلطة أبدية، والقوانين هي التي ستبقى.

خلال عام من وصول السلطة الجديدة، أنهت جميع الأحزاب ودعتها إلى حلّ نفسها، ولم تنشئ قانون أحزاب أو برلماناً يسمح بممارسة العمل السياسي، كما أنها لم تعترف بالأجسام السياسية السورية المعارضة للأسد، وبالتالي فإن القضاء على مشروع الإدارة الذاتية سيُنهي آمال السوريين في ممارسة السياسة، وأيّ أمل في صنع موازنة في المعادلة السورية.

اتّفاق باريس أبرزَ مناطق النفوذ بشكل أكبر، حيث استسلمت السلطة للنفوذ الإسرائيلي في الجنوب مع رعاية أميركية، وأعلنت تركيا سطوتها في الشمال الغربي، بينما يبقى شرق الفرات تحت النفوذ الأميركي، ورغم استبعاد عمليّة عسكرية مفتوحة على شرق الفرات في ظلّ المعطيات الحالية، ووجود عمليّة سلام جارية في تركيا مع الكُرد، فإن معركة شبيهة بمعركة الشيخ مقصود في تلّ حافر تنهي وجود “قسد” في شرق حلب واردة، بخاصّة أنها منطقة تواصل استراتيجية عسكرياً، لكن يبقى السؤال حول مصير اتّفاق آذار/ مارس.

مع تراجع الثقة المهزوزة أصلاً بين الطرفين، لا يمكن التوقّع بأن “قسد” ستكون أكثر ليناً في المفاوضات المقبلة، كما ارتفع منسوب الالتفاف الكردي الشعبي حولها، باعتبارها القوّة العسكرية التي تحميها من الإبادة وتعبّر عن غضبها، ليس بوصفها الحلم السياسي المنشود، كما تجلّى الغضب الكردي من خلال مطالب بالخلاص من الكيان السوري دون رجعة، وبين أصوات مدنية ومثقّفة تطالب الإدارة الذاتية في بيانات عدّة، بالمراجعة والنقد الذاتي للشعور بوجود فشل استراتيجي في إدارة ملفّ الأحياء الحلبية الثلاثة، وحمايتها.

لا يمكن التيقّن بمجريات الأحداث في المنطقة، في ظلّ تشابك ملفّات عديدة من غزّة إلى لبنان وصولاً إلى إيران، لكن إذا صدقت الرغبة الأميركية في خفض التصعيد، فإن إعادة إحياء اتّفاق آذار/ مارس سيكون مساراً صعباً.

سيتطلّب ذلك إعادة صياغته وتطبيقه على كامل المناطق السورية، في إطار لا مركزية حتمية بديلها الحرب الشاملة، وربما محاولة تركيا نسف الاتّفاق من خلال معركة حلب تكون نتائجه عكسية. ما جرى في حلب لم يكن مجرّد معركة نفوذ، بل كسر لأوّل محاولة سورية جدّية لإنتاج حلّ سياسي غير صفري، وما يُكسر مرّة يمكن أن يُرمّم… لكنّه لا يعود كما كان.

درج

————————-

 الكيانات الهشّة.. قراءة في فشل أوهام التقسيم السوريم د. طلال المصطفى

2026.01.14

منذ سقوط نظام الأسد البائد في 8 كانون الأول/ديسمبر عام 2024، لم تتوقف الأسئلة المصيرية حول مستقبل الدولة السورية، وحدودها، وطبيعة نظامها السياسي. ومع كل تحوّل عسكري، أو ضغط سياسي، أو تدخل خارجي، كانت تطفو إلى السطح دعوات انفصالية وخرائط لدويلات جديدة، تُقدَّم أحيانًا بوصفها حلولًا واقعية لأزمة مستعصية. وقد تحوّل الساحل، والسويداء، وشمال شرقي سوريا إلى عناوين دائمة في هذا النقاش، حيث طُرحت أفكار «الحكم الذاتي» و«الإدارات المحلية الموسعة»، وحتى «الاستقلال»، باعتبارها بدائل عن الدولة المركزية. غير أن التمحيص في هذه المشاريع يكشف أنها لم تكن سوى أوهام سياسية تفتقر إلى مقومات بناء الدولة المتعارف عليها دوليًا، وتنهار قبل أن تولد فعليًا.

أول ما يفضح هشاشة الكيانات الانفصالية في سوريا هو اعتمادها شبه المطلق على الدعم الخارجي. فالدولة، في معناها السياسي والاقتصادي، لا تقوم على النيات ولا على الخطابات السياسية أو الدينية الطائفية، بل على القدرة على إنتاج الموارد، وإدارة الاقتصاد، وتأمين حاجات المجتمع بشكل مستقل. وفي الحالة السورية، لم يمتلك أي مشروع انفصالي هذه الشروط. فشمال شرقي البلاد، رغم امتلاكه موارد نفطية وزراعية، لم يستطع تحويلها إلى اقتصاد وطني متكامل، وبقي رهينة المعابر والقرارات الدولية، والدعم العسكري والسياسي الخارجي، ولا سيما الأميركي. وقد تحولت هذه الموارد، بدل أن تكون أساسًا للاستقلال، إلى عنصر ابتزاز سياسي يُستخدم للضغط والمساومة مع السلطة السورية الجديدة.

أما الساحل السوري، الذي يُطرح أحيانًا ككيان محتمل بدعم من روسيا، فيعاني أصلًا من ضعف البنية الاقتصادية الذاتية. فاقتصاده مرتبط تاريخيًا بالدولة المركزية، من حيث الوظائف العامة، والخدمات، والبنية التحتية. وأي مشروع انفصالي في هذه المنطقة يعني، عمليًا، الانفصال عن شبكة اقتصادية كانت تشكّل شرطًا لبقاء المجتمع واستقراره. وفي السويداء، حيث الموارد محدودة والبنية الاقتصادية هشّة، يصبح الحديث عن كيان مستقل أقرب إلى مغامرة سياسية غير محسوبة، لا يمكن أن تصمد من دون دعم خارجي دائم، ولا سيما من الدولة الإسرائيلية.

هنا يظهر الوهم المركزي في الخطابات الانفصالية؛ فالاستقلالية السياسية المعلنة ليست سوى واجهة شكلية. فالكيانات التي رُوّج لها على أنها «بدائل» عن الدولة لم تنتج سيادة حقيقية، بل أعادت إنتاج التبعية بصيغة جديدة. وقد تحوّل الدعم الخارجي إلى شرط وجود، ومع كل تغير في المزاج الدولي أو تراجع في هذا الدعم، كانت الدعوات إلى هذه الكيانات تتآكل بسرعة، ما يؤكد أنها لم تُبنَ على أسس داخلية متينة، بل على رهانات خارجية متقلبة.

إلى جانب غياب المقومات الاقتصادية، يبرز غياب الشرعية الداخلية بوصفه العائق الأهم أمام أي مشروع انفصالي. فالشرعية لا تُفرض بالقوة، ولا تُمنح بقرار خارجي، بل تُبنى على قبول اجتماعي واسع، وعلى مؤسسات تمثل المواطنين فعلًا. وفي سوريا، ورغم سنوات الحرب والانقسامات السياسية والطائفية، بقيت الهوية الوطنية السورية إطارًا مرجعيًا عميقًا لدى غالبية السوريين. وحتى في المناطق التي شهدت أشكالًا من الإدارة الذاتية أو المحلية، ظل المواطن السوري مرتبطًا بالدولة السورية بوصفها فكرة جامعة، لا مجرد سلطة سياسية عابرة.

هذا الارتباط جعل أي سلطة موازية تصطدم بحاجزين أساسيين: غياب القبول الشعبي الكامل، ووضوح التبعية السياسية للخارج. فالإدارات المحلية الجديدة لم تستطع إنتاج عقد اجتماعي مستقل، ولا بناء مؤسسات قادرة على فرض توازن داخلي مستدام. وبدل أن تكون تعبيرًا عن إرادة محلية، تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات وظيفية في صراع إقليمي ودولي، تُستخدم للضغط والمساومة في المفاوضات مع الحكومة السورية الجديدة، بدلًا من تحقيق تطلعات المواطنين في هذه المجتمعات المحلية.

إن المشاريع الانفصالية في الساحل، والسويداء، وشمال شرقي سوريا تكشف بوضوح أن التقسيم ليس مجرد قرار سياسي خارجي يمكن فرضه، بل هو عملية معقدة تتطلب شروطًا غير متوافرة. فالدولة القابلة للحياة تحتاج إلى اقتصاد مستقل، وأمن مستقر، وحدود واضحة، ومؤسسات شرعية، وكل هذه العناصر غير متوافرة على أرض الواقع. وما تحقق حتى الآن لم يكن سوى «خطابات انفصالية هشّة ومؤقتة»، مرتبطة باستمرار التمويل والحماية الخارجية، لا بقدرة ذاتية على البقاء.

والأخطر من ذلك أن خطاب التقسيم يتجاهل طبيعة المجتمع السوري نفسه. فسوريا لم تُبنَ تاريخيًا على كيانات مغلقة أو مجتمعات منفصلة، بل على تداخل ديمغرافي وجغرافي عميق. فالمكونات القومية والدينية والطائفية متداخلة إلى حد يجعل رسم حدود واضحة أمرًا شبه مستحيل من دون عنف واسع النطاق. لذلك، فإن أي مشروع تقسيم لا يعني فقط إعادة رسم الخرائط، بل تفجير صراعات جديدة، وفتح الباب أمام حروب لا نهاية لها.

كما تؤكد التجربة الإقليمية محدودية هذه المشاريع. فحتى في حالات امتلكت مقومات أكبر، مثل تجربة إقليم كردستان العراق، بقيت الدولة المستقلة بعيدة المنال، رغم الموارد والدعم والواقع الجغرافي. فإذا كان ذلك حال كيان يمتلك عناصر قوة نسبية، فكيف الحال في سوريا، حيث التداخل السكاني أعمق، والموارد أكثر هشاشة، والقرار السياسي مرتهن لتوازنات دولية معقدة؟

إن تفكيك الدولة السورية، كما تُظهر التجربة، ليس حلًا للأزمة السورية الحالية، بل تعميق لها. فالخطابات الانفصالية لم تُظهر أي قدرة على بناء مجتمع متماسك أو اقتصاد مستقل، بل ملأت فراغ ضعف الدولة الوليدة بتدخل خارجي مؤقت. وهذا التدخل، بدل أن يكون مخرجًا، عمّق هشاشة هذه الدعوات الانفصالية، وجعلها أكثر عرضة للانهيار عند أول تغير في ميزان القوى.

خلاصة القول، إن «وهم الكيانات الانفصالية» في سوريا ليس مجرد توصيف أدبي، بل حقيقة سياسية أثبتها الواقع والتاريخ. فكل المحاولات الانفصالية، مهما ارتدت من شعارات محلية أو حقوقية، فشلت لأنها افتقرت إلى الاستقلالية الاقتصادية، والشرعية الداخلية، والقدرة على بناء مؤسسات سيادية. وفي المقابل، ورغم كل ما أصابها من ضعف وإنهاك، بقيت الدولة السورية الإطار الوحيد القادر على الصمود بوصفها بنية جامعة.

وفي النهاية، فإن أي نقاش جدي حول مستقبل سوريا لا يمكن أن ينطلق من أوهام التقسيم، بل من قراءة واقعية لطبيعة المجتمع والدولة. فالاستقلالية الحقيقية لا تُعطى ولا تُفرض، بل تُبنى من الداخل، عبر إعادة بناء العقد الاجتماعي، وإعادة الإعمار، وترميم الثقة بين الدولة والمجتمع. وهذا ما لم تفعله، ولن تفعله، الخطابات الانفصالية التي وُلدت على وهم، وستبقى رهينة له حتى زوالها.

تلفزيون سوريا

————————

 بعد انسحابها من الشيخ مقصود والأشرفية.. كيف تحاول “قسد” ترميم ثقة جمهورها؟/ خالد الخطيب

2026.01.13

تحاول قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الترويج لرواية “مقاومة أسطورية” في حي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، في وقت تبدو فيه في أضعف حالاتها بعد أن فقدت وجودها العسكري في المدينة، وهذه الخسارة غير المتوقعة وضعت “قسد” في أزمة ثقة أمام مؤيديها وحواضنها التقليدية، الذين انخرطوا في جدل واسع حول أدائها العسكري، ومدى تمسكها بمناطق سيطرتها السابقة في حلب، حيث لم يظهر دفاعها في الشيخ مقصود والأشرفية وما جاورهما بالمستوى الذي ينسجم مع شعاراتها المعلنة عن “المقاومة” والصمود، ولا مع الأدبيات التي لطالما روجت لها، بما في ذلك قائمة طويلة من الوسائل والتكتيكات الدفاعية مثل الأنفاق والمخابئ والتحصينات.

خسارة “قسد” بهذا الشكل في حلب اعتبرت إشارة مقلقة بالنسبة لمؤيديها، إذ ربط كثيرون بين ما جرى هناك وما قد ينتظرها في مناطق الجزيرة السورية، معتبرين أن مصيرها هناك قد يكون مشابهاً، وأن المكاسب السياسية والعسكرية التي يمكن أن تحققها ستكون أقل بكثير مما كان متوقعاً لو أنها التزمت بتطبيق اتفاق العاشر من آذار الذي كان من شأنه أن يخفف من حدة المواجهة ويمنحها مساحة أكبر للمناورة.

وفي محاولة لتجاوز وقع الهزيمة وإلهاء جمهورها، لجأت “قسد” إلى أساليب دعائية متعددة، أبرزها صناعة أسطورة مفترضة عن “مقاومة بطولية” في الشيخ مقصود، وإبراز أحد القادة المغمورين على أنه بطل المرحلة، في مسعى لإعادة بناء صورة معنوية أمام جمهورها، وتثبيت سردية جديدة تظهرها كقوة ما تزال قادرة على الصمود رغم الانكسارات، هذه الاستراتيجية الإعلامية تأتي في سياق أوسع من محاولات “قسد” الحفاظ على تماسك حاضنتها الشعبية، وسط مخاوف متزايدة من انتقال عدوى الهزيمة من حلب إلى مناطق نفوذها الأخرى في شمال شرقي سوريا.

“قسد” تحاول ترميم صورتها أمام مؤيديها

قال الباحث والمحلل السياسي عبد الرحمن الحاج لموقع تلفزيون سوريا إن صورة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) انكسرت أمام قاعدتها الاجتماعية على نحو غير مسبوق، فالهزيمة التي تعرضت لها في حلب كانت صادمة ومفاجئة حتى لمؤيديها.

وأوضح الحاج أن الأنفاق التي حفرتها، والأسلحة التي خزنتها، واستخدام المدنيين كرهائن، لم يمنحها أي ميزة حقيقية في مواجهة الجيش، بل سرعان ما انهارت دعايتها حول امتلاك القوة والانضباط والتدريب، وهو ما شكّل صدمة مزدوجة لقيادة “قسد” وجمهورها على حد سواء.

ويضيف الحاج أن “قسد” سعت إلى ترميم صورتها المكسورة عبر عدة أساليب دعائية وإعلامية، من بينها:

    الزعم بأن قواتها صمدت أمام جحافل الجيش لثلاثة أيام متواصلة.

    اختراع بطولات لا يمكن إثباتها أو التحقق من صحتها.

    تنفيذ عمليتين انتحاريتين بهدف تحسين صورتها وإظهار استعدادها للتضحية.

    محاولة قصف مبنى المحافظة وقتل مسؤولين حكوميين باستخدام طائرة مسيّرة إيرانية الصنع.

    البحث عن انتهاكات أو فبركة أحداث لتشويه صورة الجيش، الذي نفذ واحدة من أنجح العمليات العسكرية في منطقة مدنية مكتظة بالسكان من دون وقوع ضحايا مدنيين تقريباً، الأمر الذي عزز صورته كجيش قوي ومنظم ويتطور في أدائه بسرعة مذهلة.

ويتابع الحاج بالقول إن السؤال الجوهري هو: هل يمكن لهذه الأساليب أن تؤدي فعلاً إلى تحسين صورة “قسد” بعد الهزيمة؟ الواقع أن ردود الأفعال على وسائل التواصل الاجتماعي تكشف عن حالة واسعة من الإحباط والشعور بالخديعة والوهم بين مؤيديها، حيث يرى كثيرون أن الدعاية لم تعد قادرة على إخفاء حجم الانكسار، وبحسب الحاج، فإن الطريقة الوحيدة التي قد ترمم صورة “قسد” هي أن تكسب معركة حقيقية على الأرض، لكن تجربة حلب ستجعلها تفكر ألف مرة قبل الإقدام على أي مواجهة جديدة، خاصة في ظل تراجع ثقة جمهورها وتزايد الضغوط الداخلية والخارجية عليها.

تفنيد أسطورة “زياد حلب” الدعائية

بعد انسحاب “قسد” من حي الشيخ مقصود في حلب، ركزت دعايتها الإعلامية على إبراز اسم أحد قادتها الذين قتلوا في المعركة الأخيرة التي شنها الجيش السوري، وزعمت أن “القائد الأسطورة زياد حلب” وهو الاسم الحركي لزياد زعيم قدور، عضو قيادة الأمن الداخلي (الأسايش) سابقاً في الحي، قد سطر “ملاحم البطولة في الدفاع عن المنطقة”، ووفقاً لروايتها، جرى نقل جثمانه مؤخراً إلى مدينة عين العرب (كوباني) في ريف حلب الشمالي الشرقي ليدفن هناك، في محاولة لإضفاء رمزية على شخصيته.

زياد قدور، المعروف أيضاً بلقب “زياد عفرين”، كان قد ظهر إعلامياً في كانون الأول/ديسمبر 2025 عبر إحدى القنوات الكردية بصفته عضواً في قيادة “الأسايش” في الشيخ مقصود، كما ظهر في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه عقب زيارة سيبان حمو، أحد أبرز قادة “قسد”، إلى الحي، وقبيل انسحاب “قسد” من حلب، ظهر زياد في مقطع مصور إلى جانب عدد من المجندين والمجندات، موجهاً كلمة لرفع المعنويات والتأكيد على حضوره الميداني، ومنذ ذلك الحين، بدأ أنصار “قسد” بإطلاق لقب “الجنرال” عليه، مستخدمين صوراً غالبها مولّد بالذكاء الاصطناعي لتكريس صورة أسطورية له.

مصادر محلية في الشيخ مقصود تؤكد أن زياد لم يكن يوماً قيادياً بارزاً في الحي، بل كان نشاطه الأساسي في مناطق الجزيرة السورية، وفي عام 2024 كان أحد القادة الميدانيين في مدينة الطبقة بريف الرقة، في حين ظهر عام 2020 في مقابلات إعلامية بصفته قيادياً في “قسد” في ناحية عين عيسى شمالي الرقة، من دون أي سجل فعلي لنشاطه في الشيخ مقصود.

وتشير المصادر أيضاً إلى أن زياد ليس القيادي الوحيد الذي ظهر فجأة في الشيخ مقصود، فقد سبقت ذلك حالة القيادية آخين نوجان، التي كانت عضواً في وحدات حماية المرأة (YPJ) في الجزيرة، ثم ظهرت فجأة في الشيخ مقصود لتطلق تصريحات إعلامية من دون أن يكون معروفاً متى أو كيف انتقلت إلى الحي، وبحسب المصادر، فإن زياد وآخين نوجان ظهرا إعلامياً من الشيخ مقصود خلال الشهرين الأخيرين من عام 2025، ويرجح أن سيبان حمو هو من جاء بهما إلى الحي في إطار زيارة دعائية في نوفمبر/كانون الأول الماضي.

مصادر محلية متابعة في الشيخ مقصود ترى أن الترويج لزياد حلب على أنه “أسطورة المقاومة” منذ تأسيس وحدات الحماية في حلب عام 2012، ليس سوى جزءا من بروباغندا تتبعها “قسد” والوحدات في إطار الإلهاء والتغطية على الانكسار، واستخدام حدث عاطفي بشكل مخادع لصرف الأنظار عن إخفاقات عسكرية كبيرة وهزيمة قاسية تعرضت لها “قسد”، وهذه الرواية الدعائية، وفق المصادر، تهدف إلى ترميم صورة “قسد” أمام جمهورها بعد الانكسار، لكنها لا تصمد أمام الحقائق الميدانية التي تكشف أن “الأسطورة” المزعومة لم يكن له أي دور بارز في الشيخ مقصود، وأن حضوره هناك كان أقرب إلى الاستعراض الإعلامي منه إلى القيادة الفعلية للمعركة.

أداء دفاعي دون متوقع

قدرت مصادر عسكرية وأمنية في حلب أن أعداد مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) قبل بداية المعركة الأخيرة في حي الشيخ مقصود كانت بالآلاف، وتضم خليطاً من المقاتلين، بعضهم من العشائر التي كانت موالية للنظام المخلوع سابقاً ولجأت إلى الحي، إضافة إلى مجموعات تتبع لفلول النظام المخلوع، وأكدت المصادر لموقع تلفزيون سوريا أنه خلال الساعات الأولى من المعركة انشق وغادر المدينة أكثر من ألف عنصر، حيث تسلل بعضهم إلى خارج الشيخ مقصود، في حين نسق آخرون مع الجهات الأمنية وانسحبوا من مواقعهم، واستمرت الانشقاقات بشكل يومي طوال أيام المعركة، ما أدى إلى تراجع سريع في أعداد المقاتلين، حتى لم يبق سوى عدد قليل جداً مقارنة بالقوة الكاملة التي كانت موجودة قبل بدء المواجهة، هؤلاء القلة لم يخوضوا سوى ساعات محدودة في مواجهة الجيش السوري قبل أن تنهار خطوطهم الدفاعية.

وتوضح المصادر أن أداء “قسد” في الشيخ مقصود لم يكن بالمستوى المتوقع، إذ كانت تمتلك العديد من الوسائل الدفاعية التي كان يُفترض أن تطيل عمر المعركة، مثل شبكة الأنفاق، وحرب الشوارع، والاستفادة من البقعة العمرانية الكثيفة التي توفر تغطية وحماية طبيعية، فضلاً عن معرفتها الدقيقة بتفاصيل الأحياء مقارنة بالقوة المهاجمة، لكن كل هذه العوامل لم تترجم إلى مقاومة فعلية، ما جعل المزاعم التي تتحدث عن “استبسال” و”مقاومة بطولية” مجرد رواية دعائية لا تعكس الواقع الميداني.

كشفت معركة الشيخ مقصود أن الفجوة بين الدعاية الإعلامية لـ”قسد” والواقع الميداني كانت واسعة، وأن محاولات صناعة أساطير عن “بطولات” لم تحدث فعلياً لن تنجح في إخفاء حجم الانهيار والانشقاقات التي ضربت صفوفها، الانسحاب السريع، والانشقاقات اليومية، وضعف الأداء العسكري رغم توفر وسائل دفاعية متعددة، كلها عوامل جعلت صورة “قسد” أمام جمهورها أكثر هشاشة من أي وقت مضى، وفي المقابل، أظهرت العملية العسكرية قدرة الجيش السوري على تنفيذ هجوم منظم في منطقة مدنية مكتظة من دون خسائر كبيرة بين المدنيين، وهو ما عزز صورته كقوة تتطور بسرعة في الأداء الميداني، وفي حين تحاول “قسد” ترميم صورتها عبر الدعاية، يبقى السؤال مفتوحاً حول مستقبلها في مناطق أخرى، وما إذا كانت قادرة على استعادة ثقة جمهورها بعد هزيمة بهذا الحجم.

———————————

حلب تنهي مشاريع قسد العبثية/ ماجد عبد النور

يناير 14, 2026

استيقظت حلب قبل أيام، وللمرة الأولى منذ أربعة عشر عاما، على إيقاع المدينة الواحدة التي لم يعد يعكر صفو سمائها أزيز رصاص القناصة ولا دوي القذائف الغادرة، أو حواجز  كانت ترفع رايات غريبة مزقت أحياءها وفرقت شملها وزعزعت أمنها واستقرارها.

فبعد عقد ونصف من تمزق أحياء المدينة، استعاد الحلبيون حقهم الفطري في عبور جميع شوارعهم وأحيائهم وأزقتهم دون خوف من قتل عشوائي أو اعتقال، طاوين بذلك فصولاً دموية طويلة، دفعوا خلالها أثماناً باهظة من أرواحهم وممتلكاتهم في سبيل استعادة الاستقرار والأمان المفقود.

إلا أن هذا المشهد من الحرية لم يكن ليكتمل لولا تضحية أبنائها وصبرهم وصمودهم، وبالتأكيد سقوط الرهانات الخاطئة التي حاولت العبث بأمن المدينة في لحظة خاطئة من التاريخ. لقد ارتكبت قيادة قسد خطأً استراتيجياً فادحاً في حساباتها السياسية حين توهمت أن مدينة حلب، بثقلها التاريخي وأهميتها الاستراتيجية والحضارية والاقتصادية، يمكن أن تتحول إلى مجرد بريد سياسي يرسل عبره رسائل تفاوضية ممهورة بدماء المدنيين الذين استهدفتهم رصاصات قناصتها وقذائف رجالاتها، متناسية أن المتاجرة بأرواح الأبرياء هي أقصر الطرق للسقوط الأخلاقي والسياسي.

لقد منحت قسد في حلب فرصة طويلة امتدت لعام كامل، لتثبت جدارتها كشريك وطني حقيقي في إدارة المدينة والمساهمة في بنائها وتضميد جراح السوريين وإعادة بناء الدولة المنهكة، إلا أنها اختارت بدلاً من ذلك استنساخ نهج الأسد في القمع والترهيب وافتعال الأزمات وزعزعة استقرار المدينة وسفك دماء أهلها، لتصبح إدارتها امتداداً حقيقياً لحقبة الأسد في عيون السوريين، وهو ما جعل رحيلها عن المدينة لحظة تحرر عظيمة بعدما تلطخت أيدي قياداتها بدموع المكلومين ودماء الأبرياء التي ستبقى شاهدة على زيف الشعارات المخادعة التي حملت معها إرث مئات الشهداء الذين قتلوا بعمليات القنص والقصف والقتل تحت التعذيب.

على مدار عام كامل، مارست الدولة السورية أقصى درجات ضبط النفس السياسي والعسكري، مانحة قسد الفرصة تلو الأخرى للعودة إلى الصف الوطني والالتزام ببنود اتفاق آذار الذي وقع عليه مظلوم عبدي بنفسه، وهو الاتفاق الذي كان يمثل خارطة طريق لنزع فتيل الحرب ودمج القوى المحلية ضمن مؤسسات الدولة الشرعية، وهو ما استقبله السوريون بأمل كبير بأن تطوى صفحة الدم وتخفت أصوات الرصاص ليحل محلها السلام والبناء والسير في طريق الازدهار.

إلا أن المماطلة والمناورة بدماء أهل حلب أدت حتى إلى تآكل الثقة في السلطة نفسها أمام الشارع الحلبي الذي ضاق ذرعاً بسياسات تقطيع أوصال المدينة والعبث بأمنها واستقرارها ونشر الفوضى المنظمة انطلاقاً من أحياء حولتها قسد إلى بؤر أمنية وملاذات آمنة لفلول الشبيحة واللصوص الذين استكملوا تحت مظلتها ممارسات القتل والترويع.

إن شعور الحلبيين بالسيادة الحقيقية لم يكتمل إلا حين سقط آخر معاقل الجريمة التي اتخذت من المنشآت الطبية وأسطح المشافي منصات لنشر الرعب والموت والفتك بالآمنين، لتنتهي بذلك حقبة من الابتزاز الذي حاول على أجساد الآمنين القفز فوق التفاهمات السياسية المبرمة ومحاولة تعطيل الحلول والدفع نحو استمرار الحرب وزعزعة الاستقرار.

إن ما جرى في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، يتجاوز كونه مواجهة عسكرية محدودة، بل هو في جوهره وأد للمشاريع العرقية والطائفية التي حاولت قيادة قسد تسويقها عبر مطالبات فيدرالية، مستغلة توظيف ثروات النفط السوري المنهوبة لزعزعة الاستقرار والعبث بأمن البلد وتفكيك النسيج الاجتماعي.

فالهزيمة التي مني بها مشروع قسد في حلب هي هزيمة سياسية ونفسية ستلقي بظلالها الثقيلة ليس على مناطق شرق الفرات فحسب، بل ستمتد إلى الساحل والسويداء التي حاولت قسد فيها اللعب على وتر الطائفية، وتصدير نفسها كراع للأقليات عبر مؤتمر الكونفرانس، وهو الخطأ الذي لا يمكن أن يغتفر، خاصة بعد انكشاف التنسيق العلني مع شخصيات طائفية تدعو لتقسيم البلاد وتهديد وحدة الوطن واستقراره.

ومع ذلك ما تزال الدولة السورية حتى اليوم تغلب لغة العقل وتبقي أبوابها مشرعة أمام حوار جدي ينهي حالة الاستعصاء، شريطة الإيمان بأن دمشق هي الباب الوحيد نحو الحوار العقلاني بعيداً عن المشاريع العبثية والمطالب غير الواقعية التي تحتاج لإجماع وطني لا إلى فرضها عبر قوة السلاح والاستقواء بالغرباء، وأن تدرك أيضاً أن الواقع الإقليمي والدولي قد تجاوز زمن الميليشيات والكيانات الموازية، وأن مشروعية قسد بدأت تتلاشى فعلياً منذ اللحظة التي انخرطت فيها سوريا رسمياً في منظومة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وأن كل محاولاتها لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء هو عبث وضرب من الخيال.

ففي ظل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها الشرق الأوسط، والذي شكل فيه سقوط نظام الأسد ركيزة أساسية في تغيير موازين القوى والاستراتيجيات في هذه المنطقة، فقد بات واضحاً أن التوجه الإقليمي والعربي يدفع نحو استقرار سوريا ودعم قيادتها لتحقيق الأمن والاستقرار، وأن المقاربة الدولية تصب في ذات السياق.

فالولايات المتحدة، وبدفع من الرئيس ترامب، تتبنى الرؤية الاقتصادية والسياسية التي تصب في صالح دعم استقرار الحكومة السورية كركيزة أساسية لتنفيذ مشاريع التنمية والاستثمار الكبرى في الشرق الأوسط. فالجميع أدرك أن كلفة الفوضى السورية باتت باهظة الثمن على الأمن العالمي، وأن استقرار دمشق له أهمية كبيرة في الأمن الإقليمي، وهي رؤى تتطلب إنهاء كافة المشاريع العبثية التي تقوض سيادة الدولة وتمنع استقرارها واستقرار الإقليم.

إن الرسالة الموجهة لقسد اليوم واضحة؛ فالعالم لم يعد يحتمل وجود كيانات خارج إطار الدولة الشرعية، والفرصة ما زالت سانحة للعودة إلى اتفاق آذار كمرجعية وحيدة تضمن الانخراط في المشروع الوطني بعيداً عن أوهام الانفصال أو التبعية للخارج قبل أن يجدوا أنفسهم وحيدين أمام استحقاقات التاريخ والجغرافيا التي لا ترحم المتخلفين عن ركب الاستقرار، وأن على قيادة قسد أن تدرك يقيناً أن ما يقدم لها اليوم ربما لن تحصل على شيء منه في الغد القريب.

الثورة السورية

———————-

من محاربة “داعش” إلى مواجهة العشائر: التحول الكبير في مسيرة “قسد

14 يناير 2026

تسلط التطورات المتلاحقة في سوريا، وخاصة في محافظة حلب والمناطق الشرقية، الضوء على طبيعة التحالف الدقيق بين المكون الكردي المهيمن داخل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والفصائل العربية التي تنضوي تحت جناحها. فما بين اشتباكات عنيفة وتوترات سياسية مستمرة، يبرز تساؤل جوهري حول مدى واقعية شعار “التعددية” الذي ترفعه “قسد”، ومصير هذا التحالف في ظل تحديات وجودية مصيرية.

النشأة والهوية: تحالف مصلحة أم مشروع وطني؟

ظهرت “قسد” رسميًا في مدينة القامشلي في آب/أكتوبر 2015، معلنةً نفسها كتكتل عسكري يمثل جميع السوريين من خلفيات عرقية ودينية مختلفة. لكن هذا الإعلان كان في جوهره استجابة لضرورات مرحلية ملحة أكثر منه تجسيدًا لرؤية وطنية توافقية.

ووقف وراء تشكيلها عاملان حاسمان: الأول هو التمدد السريع والمخيف لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” الذي سيطر على مساحات شاسعة من شمال وشرق سوريا، مما شكل تهديدًا وجوديًا للمجتمعات المحلية عربًا وأكرادًا على حد سواء. والثاني هو تحول جذري في الاستراتيجية الأميركية، حيث سعت واشنطن بعد تجارب فاشلة مع فصائل معارضة أخرى إلى إيجاد شريك محلي قوي وفعال على الأرض ليكون حليفًا بريًا في معركتها ضد الإرهاب.

وهكذا، ارتبط مصير “قسد” منذ ولادتها عضويًا بالدعم الغربي وبمهمة محددة هي الحرب على “داعش”، وليس ببناء مشروع وطني طويل الأمد.

التركيبة التنظيمية: القلب الكردي والجسد العربي

وراء واجهة “التعددية” التي تسوقها “قسد”، تكشف البنية الداخلية للقوات عن هيمنة واضحة لا لبس فيها للمكون الكردي، المنبثق فكريًا وتنظيميًا من “حزب الاتحاد الديمقراطي”، الذي يعتبر الجناح السوري لـ “حزب العمال الكردستاني”. وهذا الارتباط هو جوهر الصراع مع تركيا التي ترى في “قسد” امتدادًا إرهابيًا وتهديدًا أمنيًا مباشرًا.

يتشكل العمود الفقري العسكري والأيديولوجي لـ “قسد” من “وحدات حماية الشعب” كقوة قتالية وإدارية مركزية، و”وحدات حماية المرأة” كجناح نسائي فاعل.

أما المكونات العربية فقد دخلت المعادلة كحاجة عملية وليس كشريك مؤسس متساو. فمع توسع سيطرة “قسد” جغرافيًا بعد معاركها ضد “داعش” ووصولها إلى مناطق عربية صرفة مثل الرقة ودير الزور، أصبح دمج فصائل عربية أمرًا لا مفر منه لثلاثة أسباب رئيسية: أولًا، لشرعنة الوجود والسيطرة في عيون المجتمع الدولي والمحلي وتقديم صورة “قوة وطنية محررة” وليس “قوة كردية دخيلة”. ثانيًا، لإدارة المجتمعات العربية المعقدة بنسيجها القبلي والاجتماعي الذي يصعب على العنصر الكردي تفهمه والتعامل معه. وثالثًا، لتعزيز القوة البشرية العسكرية من خلال استقطاب مقاتلين من العشائر والعناصر المنشقة عن فصائل المعارضة الأخرى.

الفصائل العربية: ولاء مشروط وهُويات متقلبة

من بين التشكيلات العربية البارزة المنضوية تحت لواء “قسد” نجد جيش الثوار الذي يعد الأكبر حجمًا والأكثر تنظيمًا، وقوات الصناديد المرتبطة بقبيلة شمر في الحسكة، ولواء ثوار الرقة، ولواء السلاجقة التركماني الذي يمثل حالة تحالف استثنائية.

لكن الواقع يكشف أن هذا الوجود العربي لم يتحول أبدًا إلى شراكة استراتيجية حقيقية. فقيادة “قسد” العليا والعسكرية تتركز بيد قادة من وحدات حماية الشعب، وعلى رأسهم مظلوم عبدي ذو الخلفية التاريخية في صفوف حزب العمال الكردستاني.

كما شهدت المناطق العربية، ولا سيما في ريف دير الزور، موجات متكررة من الاحتجاجات والاشتباكات المسلحة بين فصائل “قسد” ومقاتلين عشائريين محليين، كانت أبرزها في عامي 2023 و2024. وترجع جذور هذه الصدامات إلى شكاوى عميقة من سوء الإدارة والتهميش الاقتصادي والممارسات الأمنية القمعية، فضلًا عن سياسات التجنيد الإجباري التي تفرضها “قسد” على الشباب العربي. وعلى الصعيد السياسي، تظل “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” التي يهيمن عليها الحزب الكردي هي الجهة الفعلية الحاكمة، مما يضع المكون العربي في موقع المواطن المُدار وليس الشريك في الحكم.

مفترق طرق مصيري: بين مطرقة الدولة وسندان العشائر

تقف “قسد” اليوم عند منعطف حاسم تشكله ضغوط متقاطعة وقوية. يأتي في مقدمتها اتفاق آذار/مارس 2025 مع الحكومة السورية، الذي ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية وتسليم حقول النفط، مما يهدد بزعزعة التحالف من أساسه وإعادة الفصائل العربية إلى فلك الدولة المركزية.

كما تتسع الانقسامات داخل الصف الكردي نفسه بين تيار براغماتي يؤيد التفاوض مع دمشق، وتيار متشدد يرفض التنازل عن مكاسب الإدارة الذاتية، وتيار عقائدي مرتبط بحزب العمال الكردستاني يرفض الدمج من حيث المبدأ.

وتبرز العشائر العربية في دير الزور والحسكة كفاعل أمني وسياسي جديد وقادر على زعزعة الاستقرار، محولةً ولاءها المشروط إلى عنصر ضغط لا يستهان به. لقد أثبتت الاشتباكات الأخيرة أن هذه العشائر لن تكون مجرد أداة بيد “قسد”، بل يمكن أن تتحول إلى شرارة تضعفها وتقوض سيطرتها. وفي الوقت نفسه، يُضاف إلى هذه التحديات خطر التراجع المحتمل للدعم الأميركي والتهديد العسكري التركي المستمر، مما يضع “قسد” في موقف بالغ الحساسية.

مستقبل مجهول

“قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) هي تحالف ولد من رحم التحالف الدولي ضد “داعش” والضرورات الميدانية الملحة، وليس من رؤية وطنية متكاملة. فهي تقوم على عمود فقري كردي عقائدي مرتبط تاريخيًا بحزب العمال الكردستاني، بينما يشكل الوجود العربي فيها غطاءً وظيفيًا لشرعنة السيطرة على المناطق العربية دون منحها حق القرار الحقيقي.

ويواجه هذا التحالف الهش اليوم مصيرًا غامضًا، معلقًا بين مطرقة اتفاق دمشق الذي قد يؤدي إلى تفكيكه، وسندان تمرد العشائر العربية التي لم تعد تقبل بدور التابع الصامت. وقد تكون الاشتباكات المتكررة في دير الزور وما دار حول تسليم بعض العناصر العربية لمنطقة الأشرفية في حلب، نذيرًا بانفصال الجناح العربي أو انهياره من الداخل، ليعيد تشكيل ولاءاته في ظل المعادلة السورية الجديدة، تاركًا المكون الكردي وحيدًا أمام خياراته الصعبة بين الاندماج المرير تحت سقف الدولة أو البقاء ككيان منكشف على أعداء متعددين.

الترا صوت

—————————————

دير حافر ومسكنة: خط التماس الهش الذي يهدد بانفجار ريف حلب الشرقي

13 يناير 2026

تشهد منطقتا دير حافر ومسكنة في ريف حلب الشرقي وضعًا عسكريًا بالغ الحساسية، حيث تمثلان خط التماس المباشر والأبرز بين الجيش السوري و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

تبقى هاتان المنطقتان تحت النفوذ العسكري لـ “قسد” منذ توسعها بعد سقوط النظام السابق نهاية عام 2024، فيما تعتبرهما دمشق تهديدًا مباشرًا لمناطق سيطرتها وتعمل بكل الوسائل على استعادتهما.

أهمية استراتيجية: عقدة مواصلات وقلب الرقة

تأتي أهمية دير حافر ومسكنة من موقعهما الجغرافي الاستراتيجي. تقع دير حافر على بعد خمسين كيلومترًا شرق حلب، وتشكل البوابة الرئيسية التي تربط ريف حلب بمحافظة الرقة، كما تتحكم بطريق حلب-الرقة الدولي ومحاور إمداد حيوية.

هذا الموقع جعل المنطقتين، وفق الرواية الحكومية الرسمية، منصة انطلاق للهجمات بالمسيرات التي استهدفت مدينة حلب، مما ضاعف من حدة التوتر وجعلها بؤرة تهديد دائم لأمن المحافظة.

تصعيد ميداني وإجراءات عسكرية متبادلة

تصاعدت التحركات العسكرية في الأسابيع الأخيرة بشكل ملحوظ. أعلنت هيئة العمليات بالجيش السوري المنطقة منطقة عسكرية مغلقة، وطالبت جميع التشكيلات المسلحة بالانسحاب شرق الفرات. في المقابل، نفت “قسد” أي تحشيدات عسكرية غير اعتيادية، مؤكدة أن تحركاتها اقتصرت على النقل اللوجستي وجرحي الأحداث الأخيرة.

على الأرض، شهدت المنطقة تدمير جسور الربط بين الجانبين وتبادلًا للقصف بالمدفعية، ما يؤشر إلى هشاشة الهدوء القائم وارتفاع سقف الاستعداد للتصدي لأي تقدم.

خلفية الصراع: زخم دمشق وورقة ضغط “قسد” الأخيرة

يأتي هذا التصعيد الميداني في أعقاب الخسارة الاستراتيجية لـ “قسد” بخروجها من حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مؤخرًا. تسعى الحكومة السورية لاستغلال الزخم العسكري والسياسي لدفع “قسد” نحو تنفيذ اتفاق آذار/مارس 2025، الذي ينص على دمج قواتها في الجيش الوطني.

من جهتها، تحاول “قسد” الحفاظ على ورقة ضغطها الأخيرة عبر هذه المواقع الاستراتيجية التي تهدد منها استقرار حلب وطرق إمداداتها، سعيًا لفرض وقائع جديدة أو ضمان مكاسب في أي تفاوض مقبل.

بدوره، تدخل المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم براك في المشهد عبر زيارته لدمشق وعرضه الوساطة، مؤكدًا دعم بلاده لسوريا موحدة ذات سيادة مع حفظ حقوق جميع المكونات. هذا الموقف يضع “قسد” أمام خيارين صعبين: إما القبول بالاندماج في أطر الدولة مع ضمانات لحقوق المجتمعات المحلية، أو المخاطرة بمواجهة عسكرية شاملة وعزلة دولية في لحظة ضعف نسبي.

نموذج لمأزق وجودي ومستقبل غامض

تشكل دير حافر ومسكنة نموذجًا للإشكالية الوجودية التي تواجه مشروع “قسد”. فهي تملك من المواقع والموارد ما يؤهلها للضغط، لكنها تواجه في المقابل حكومة مركزية استعادت زخمها وعازمة على فرض سيطرتها الكاملة. الصراع في هاتين المنطقتين قد يحسم ليس فقط مصير ريف حلب الشرقي، بل ومستقبل الوجود العسكري والسياسي لـ “قسد” برمته.

يشير المشهد الحالي إلى اتجاه المعادلة نحو تصعيد متدرج. تبدو الحكومة السورية مصممة على منع تحويل المنطقتين إلى قواعد لتهديد حلب، وقد تلجأ إلى إجراءات عسكرية واقتصادية ضاغطة لتحقيق أهدافها. القادم من الأسابيع سيكون حاسمًا في تحديد المسار: إما الانزلاق نحو مواجهة مكلفة، أو فتح الباب عبر وساطات دولية أمام حل تفاوضي يوقف نزيف المنطقة ويكتب فصلًا جديدًا من الصراع على النفوذ في سوريا.

————————-

دير حافر.. ماذا يجري على جبهة التوتر الجديدة شمالي سوريا؟

تتواصل التطورات في المشهد الأمني السوري، مع تصاعد نذر المواجهة في دير حافر شرقي حلب، بين الجيش السوري وقوات قسد، وسط تعزيزات عسكرية متبادلة في المنطقة، وذلك بعد سيطرة القوات الحكومية، مطلع الأسبوع الجاري، على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب إثر اشتباكات دامت 3 أيام.

واتهمت قسد، اليوم الأربعاء، الجيش السوري باستهداف مبنى بريد دير حافر بالمدفعية والمسيّرات الانتحارية، تزامنا مع إرسال الحكومة تعزيزات من محافظة اللاذقية (غرب) باتجاه جبهة دير حافر التي أعلنها الجيش السوري مع مدينة مسكنة المجاورة، منطقة عسكرية مغلقة.

من ناحية أخرى، أعلنت هيئة الداخلية التابعة لقسد، أمس الثلاثاء، فرض حظر تجوال جزئي في عموم محافظة الرقة شمالي سوريا، في خطوة عزتها إلى “متطلبات المصلحة العامة والحرص على سلامة الأهالي”.

ووفقا لتعميم الهيئة، يسري الحظر يوميا من العاشرة مساء حتى السادسة صباحا اعتبارا من 13 يناير/كانون الثاني الجاري، وحتى إشعار آخر، مع التأكيد على إخضاع المخالفين للمساءلة القانونية.

“تجنيد الفلول”

ترافق ذلك مع اتهامات الحكومة لقوات قسد التي تسيطر على أجزاء واسعة من شمال شرقي سوريا، بإرسال تعزيزات إلى دير حافر.

ونقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن مصدر استخباري قوله إن قسد تقوم بتجنيد المطلوبين للدولة السورية والهاربين إلى مناطقها مقابل البقاء فيها.

وأوضح المصدر أن أعدادا كبيرة من فلول النظام المخلوع والمطلوبين من مختلف الجرائم أصبحوا مقاتلين إلى جانب قسد، مشيرا إلى أنه يتم تجنيد هؤلاء “المجرمين بدعم من إيران وحزب العمال الكردستاني”.

منطقة عسكرية مغلقة

وقد أعلن الجيش السوري، أمس الثلاثاء، مسكنة ودير حافر في ريف حلب الشرقي منطقة عسكرية مغلقة، ودعا المجموعات المسلحة هناك إلى الانسحاب إلى شرق الفرات.

ونشرت قناة الإخبارية السورية عن هيئة العمليات في الجيش تحذيرا إلى “المجاميع المسلحة” في المنطقة بضرورة الانسحاب إلى شرقي الفرات “حفاظا على أرواحهم”.

وتتفاعل الأحداث في شمالي سوريا منذ سيطرة الجيش السوري على حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، بعد اشتباكات دامت 3 أيام وانتهت بإخراج مقاتلي قسد إلى معقلهم في شرقي البلاد.

إعلان

وخلفت الاشتباكات في الحيين 24 قتيلا و129 جريحا، ونزوح 165 ألف شخص، وفق سانا.

وتسيطر قسد على نحو ثلث الأراضي السورية، تتركز معظمها شرقي نهر الفرات، وتضم أهم مصادر الطاقة والأراضي الزراعية، إضافة إلى سدود إستراتيجية منها سدا “الطبقة” و”البعث” في محافظة الرقة، وسد “تشرين” في محافظة حلب.

ووقّعت الحكومة وقسد اتفاقا في 10 مارس/آذار 2025 نصَّ على دمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق البلاد ضمن مؤسسات الدولة السورية، بما في ذلك اندماج قوات قسد ضمن الجيش السوري، خلال مدة أقصاها نهاية العام الجاري.

لكنّ الحكومة السورية اتهمت قسد بالمماطلة وتأخير وفائها بالتزاماتها في الاتفاق، في حين ترد قسد بالقول إن الحكومة تعطل تنفيذ الاتفاق بضغط من تركيا.

المصدر: الجزيرة + الصحافة السورية

————————–

بعد حيي الأشرفية والشيخ مقصود: دير حافر على خط النار/ أغيد حجازي

14 يناير 2026

بعد انتهاء معركة حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، والتي انتهت بدخول قوات وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة السورية إلى الحيين وإنهاء سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” عليهما بعد نحو 12 عامًا، أعلنت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري اعتبار مناطق جديدة “منطقة عسكرية مغلقة” اعتبارًا من تاريخه.

وبحسب ما أعلنت الهيئة، تشمل المنطقة المغلقة التي حددتها باللون الأحمر، المساحة الممتدة من دير حافر إلى مسكنة وبابيري قوص، الواقعة في الريف الشرقي لمحافظة حلب، داعية المدنيين إلى الابتعاد عن مواقع انتشار “قسد” داخل هذه المنطقة، حرصًا على سلامتهم.

كما وجّهت الهيئة نداءً إلى جميع المجموعات المسلحة الموجودة في المنطقة بضرورة الانسحاب إلى شرق نهر الفرات، محذّرة من مخاطر البقاء، ومشددة على أن الجيش العربي السوري “سيقوم بكل ما يلزم” لمنع استخدام هذه المنطقة كنقطة انطلاق لما وصفته بـ”العمليات الإجرامية”.

ويأتي هذا الإعلان في سياق يُشبه، من حيث الشكل، ما سبق معركة حيي الأشرفية والشيخ مقصود، غير أن ثمة اختلافات جوهرية بين الحالتين. ففي حين لم يكن للحيين أي خطوط إمداد أو اتصال مباشر بمناطق سيطرة “قسد” شمال شرقي نهر الفرات، ولم تكن “قسد” تعترف بوجود عسكري لها داخلهما، مؤكدة أن التواجد يقتصر على قوات الأمن الداخلي “الآسايش” التابعة لها، فإن المناطق الجديدة التي أعلنتها هيئة العمليات منطقة عسكرية تتمتع بامتداد جغرافي متصل بالمناطق الخاضعة لسيطرة “قسد”، إضافة إلى اعتراف الأخيرة بشكل رسمي بوجودها العسكري فيها.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن الحكومة السورية تتبع أسلوب “القضم المتدرج” في التعامل مع مناطق سيطرة “قسد” غرب نهر الفرات، ولا سيما المناطق التي سيطرت عليها “قسد” عقب سقوط نظام الأسد، وتشمل دير حافر وبابيري ومسكنة في محافظة حلب، إضافة إلى المنصورة والطبقة والسبخة غربي محافظة الرقة.

وبناءً على ذلك، يبدو أن الاستراتيجية الحكومية تهدف إلى إجبار “قسد” على الانسحاب من كامل مناطق سيطرتها الواقعة غرب نهر الفرات، وحصر وجودها شرق النهر. ومع ذلك، لا يُعتقد حتى الآن أن “قسد” ستنسحب من هذه المناطق بسهولة، لا سيما في ظل التحشيد العسكري الذي عززت من خلاله جبهة دير حافر خلال الأيام السابقة، إضافة إلى تفجير جسر قرية أم تينة في محيط دير حافر، وهو الجسر الفاصل بين مناطق سيطرة “قسد” والقوات الحكومية، في أول رد على إعلان هيئة العمليات السورية، ما يعني أن خيار المواجهة حاضر لدى “قسد”.

استراتيجيات القضم المتدرج واحتمالات المواجهة

وتُعد هذه المعركة أكثر تعقيدًا من معركة حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، ما يضع كامل خطوط التماس بين قوات “قسد” والقوات الحكومية على شفا مواجهة شاملة، وهو سيناريو مرجّح، في مقابل سيناريو آخر يتمثل في تكرار ما جرى في الحيين، عبر اندلاع أيام قتالية محدودة تنتهي بانسحاب “قسد” إلى شمال شرقي نهر الفرات.

كما أن هذه المعارك تضع اتفاق “10 آذار” الموقع بين الحكومة السورية و”قسد”، والذي يقضي بدمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، أمام اختبار حقيقي.

بين الضغط الكردي والضغط الدولي

وفي السياق نفسه، حمّلت عدد من الأوساط الكردية قائد “قسد” مظلوم عبدي مسؤولية ما جرى في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، معتبرين أن المعركة انتهت بخسارة الحيين بعد مواجهات عسكرية أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين والعسكريين، إضافة إلى تهجير عدد من سكان الحيين ذوي الغالبية الكردية. ويرى هؤلاء أنه في “حال كان هناك قرار بالانسحاب ضمن إطار اتفاق دولي، كان ينبغي إما القتال حتى النهاية بدعم من مناطق سيطرة “قسد”، أو الانسحاب قبل اندلاع المعركة، تجنبًا لخسارة معركة وسقوط ضحايا من مختلف الأطراف”.

وبالتالي، فإن المعركة القادمة، إذا أفضت إلى السيناريو نفسه الذي شهدته معركة الحيين، ستكون لها تبعات كبيرة على شعبية “قسد” داخل بيئتها، وتضع قيادتها في موقف محرج.

وعلى المستوى الدولي، دعت أطراف عدة إلى وقف كامل الأعمال القتالية، محذّرة من توسيع رقعة الاشتباكات، ولا سيما مبعوث الرئيس الأميركي إلى سوريا، توماس باراك، خلال زيارته إلى دمشق ولقائه الرئيس أحمد الشرع عقب معركة الحيين. واعتبر بارك أن معركة الحيين أثارت قلقًا بالغًا، داعيًا إلى الوقف الفوري للأعمال القتالية والعودة إلى الحوار، بما يتوافق مع اتفاقي 10 آذار.

لذلك إعادة فتح أي معركة من هذا النوع تستدعي موقفًا دوليًا، ولا سيما أميركيًا، لتحديد المسار الذي قد تؤول إليه التطورات.

في ضوء التطورات الميدانية المتسارعة غرب نهر الفرات، تبدو معركة دير حافر إحدى المحطات المفصلية في مسار الصراع بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، ليس فقط من حيث البعد العسكري، بل أيضًا على مستوى التفاهمات السياسية والاصطفافات الإقليمية والدولية. وبين سيناريو الانسحاب المحدود وسيناريو المواجهة المفتوحة، تبقى المنطقة على صفيح ساخن، فيما تتجه الأنظار إلى قدرة الأطراف المعنية على تفادي تكرار كلفة معركة الأشرفية والشيخ مقصود، سواء على المستوى الإنساني أو على مستوى توازنات النفوذ، في مرحلة تبدو فيها خرائط السيطرة في سوريا أكثر هشاشة من أي وقت مض

—————————-

الجيش السوري يرسل تعزيزات إلى الشرق من مدينة حلب بعد مطالبة القوات الكردية بإخلاء نقاط سيطرتها

يستقدم الجيش السوري الأربعاء تعزيزات إلى ريف حلب الشرقي، وفق ما أفاد مصدر عسكري ميداني، غداة إعلان الجيش المناطق الواقعة تحت نفوذ القوات الكردية هناك “منطقة عسكرية مغلقة” عقب مناوشات محدودة بين الطرفين.

على وقع التصعيد في حلب، حثّ قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر الذي قدمت قواته دعما كبيرا للمقاتلين الأكراد خلال السنوات الماضية وتعد بلاده اليوم من داعمي السلطة الجديدة في دمشق، جميع الأطراف على “تجنّب أي أعمال من شأنها تصعيد مستوى التوتر”.

وقال مصدر عسكري سوري في ريف حلب الشرقي صباح الأربعاء إن الجيش “استقدم تعزيزات عسكرية من محافظتي اللاذقية (غرب) ودمشق، في طريقها إلى منطقة دير حافر”، غداة إعلانها “منطقة عسكرية مغلقة”، ومطالبته المدنيين “بالابتعاد عن مواقع تنظيم قسد (قوات سوريا الديمقراطية) في المنطقة”.

ونشرت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” صورا أظهرت عشرات الآليات العسكرية بينها دبابات وشاحنات مزودة بمدفعية، قالت إنها في إطار “تعزيزات عسكرية من محافظة اللاذقية باتجاه جبهة دير حافر”.

وتم سماع دوي قصف بين الحين والآخر، قال المصدر العسكري إنه ناجم عن “استهداف مدفعي لمواقع قسد في المنطقة”.

ويأتي التصعيد في منطقة دير حافر، على وقع تعثر مفاوضات بين السلطات والإدارة الذاتية الكردية، وبعد سيطرة الجيش الأحد على حيي الشيخ مقصود والأشرفية ذوي الغالبية الكردية في مدينة حلب، ثاني كبرى مدن البلاد، بعد اشتباكات دامية انتهت بإجلاء نحو 400 مقاتل كردي منهما إلى مناطق نفوذ القوات الكردية في شمال شرق البلاد.

وكان الجيش السوري والقوات الكردية قد أفادا خلال الساعات الأخيرة عن مناوشات في منطقة دير حافر.

ونقلت وكالة سانا عن مصدر عسكري إن قوات سوريا الديمقراطية استهدفت منازل مدنيين ونقاطا للجيش السوري في محيط قرية حميمة “بالرشاشات الثقيلة والطيران المسير. وقالت إن “الجيش السوري ردّ على مصادر النيران”.

وأوردت قوات سوريا الديمقراطية من جهتها أنها “تصدّت لمحاولة تسلّل نفذتها فصائل حكومة دمشق على محور قرية زُبيدة في الريف الجنوبي لدير حافر، حيث اضطر المهاجمون إلى الفرار بعد فشل محاولتهم، وذلك تحت غطاء من الطيران المُسيّر وباستخدام الأسلحة الرشاشة”.

“ضبط النفس”

وطالب الجيش السوري الثلاثاء القوات الكردية بالانسحاب من نقاط سيطرتها في ريف حلب الشرقي، معلنا المنطقة الواقعة إلى الشرق من مدينة حلب وصولا إلى نهر الفرات “منطقة عسكرية مغلق

ونشر خريطة حدّد فيها باللون الأحمر المناطق التي طلب الانسحاب منها وتشمل بلدات مسكنة وبابيري وقواس ودير حافر. وبعد ذلك، اتهمت قوات سوريا الديمقراطية القوات الحكومية بقصف بلدتين في المنطقة.

وقالت الرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية الكردية إلهام أحمد في حديث لصحافيين الثلاثاء إن القوات الحكومية “تحضّر لهجوم جديد، النية هي توسيع هذه الهجمات”.

وأضافت “يدّعون أنهم يحضرون لعملية صغيرة لقتال حزب العمال الكردستاني لكن في الواقع النية هي هجوم شامل”، مؤكدة “سندافع عن أنفسنا، ومن أجل تفادي فوضى أكبر في سوريا لا بدّ من الدعم، ولا بدّ من الضغط على الحكومة لوقف هجماتهم ضد قواتنا”.

واتهمت إلهام أحمد السلطات “بإعلان الحرب”، لتكون بذلك قد “قامت فعليا بخرق اتفاق العاشر من آذار/ مارس” الذي وقعه قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع، ونص على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية المدنية والعسكرية في إطار مؤسسات الدولة، وانتهت مهلة تطبيقه من دون إحراز تقدم.

وفي بيان ليلا، حضّ قائد سنتكوم “جميع الأطراف على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وتجنّب أي أعمال من شأنها تصعيد مستوى التوتر وإعطاء الأولوية لحماية المدنيين والبنية التحتية الحيوية”.

وقال الأدميرال كوبر في بيان “نواصل دعوة جميع الأطراف المعنية للعودة إلى طاولة المفاوضات بحسن نية والسعي إلى حل دبلوماسي دائم من خلال الحوار”.

وتتبادل دمشق والإدارة الكردية منذ أشهر الاتهامات بإفشال الجهود المبذولة لتطبيق الاتفاق المبرم بينهما والذي كان يُفترض إنجازه بنهاية 2025.

وتسيطر القوات الكردية على مساحات واسعة في شمال سوريا وشرقها، تضم أبرز حقول النفط والغاز. وشكّلت رأس حربة في قتال تنظيم الدولة الإسلامية وتمكنت من دحره من آخر معاقل سيطرته في البلاد عام 2019 بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن.

“الدماء تسيل”

في وسط مدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية في شمال شرق البلاد، تظاهر آلاف الأكراد الثلاثاء رافعين لافتات مؤيدة لقوات سوريا الديموقراطية ومنددة بـ”الانتهاكات” التي وقعت خلال معارك حلب الأخيرة. كما رددوا هتافات مناوئة للشرع وأحرقوا صوره.

وقال جودي علي (29 عاما) وهو صاحب مقهى خلال مشاركته في الاحتجاجات “لم تف هذه الحكومة بوعودها معنا أو مع أي سوري… منذ أتت إلى السلطة والدماء تسيل، كمجازر الساحل والدروز”.

وتأتي اشتباكات حلب بعد أعمال عنف دامية على خلفية طائفية طالت في آذار/ مارس الأقلية العلوية في الساحل السوري، ثم الأقلية الدرزية في جنوب البلاد في تموز/ يوليو. وشنّت إسرائيل حينها ضربات على دمشق قالت إنها دعما للدروز.

وأسفرت المعارك في حيي الشيخ مقصود والأشرفية الأسبوع الماضي عن مقتل 105 أشخاص بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، هم 45 مدنيا و60 مقاتلا من الطرفين.

وأفاد قائد عمليات الدفاع المدني في حلب فيصل محمّد الثلاثاء عن “إزالة أكثر من 50 جثة من حيي الشيخ مقصود والأشرفية بعد المعارك من قبل الدفاع المدني”، بدون أن يوضح ما إن كانوا مدنيين أو عسكريين.

——————————

 وزارة الدفاع تطالب “قسد” بالانسحاب إلى شرق الفرات

قصف يستهدف دير حافر وسد تشرين شمالي سوريا

2026-01-13

طالبت وزارة الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية، اليوم الثلاثاء، قوات سوريا الديموقراطية (قسد) بالانسحاب من المناطق المتمركزة فيها بريف محافظة حلب نحو شرق نهر الفرات.

وبيّنت هيئة العمليات في وزارة الدفاع، أنها حددت مدينتي دير حافر ومسكنة والمناطق المحيطة بهما في ريف حلب الشرقي منطقة عسكرية، مضيفة أن قوات سوريا الديموقراطية مستمرة باستقدام التحشيدات العسكرية باتجاه ريف حلب الشرقي.

وأرفقت وزارة الدفاع بيانها بخريطة حُدّدت فيها باللون الأحمر المناطق المطلوب الانسحاب منها، وتشمل بلدات مسكنة وبابيري وقواس ودير حافر، الواقعة بين غرب نهر الفرات وشرق مدينة حلب.

كما أعلنت وزارة الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية، ريف محافظة حلب الشرقي منطقة عسكرية مغلقة، داعية المدنيين للابتعاد عن مواقع قوات سوريا الديموقراطية بهذه المنطقة، وفق ما أفادت به قناة “الإخبارية” السورية.

وعقب هذه التحذيرات، أعلنت قوات سوريا الديموقراطية في بيان أن القوات الحكومية بدأت باستهداف بلدة دير حافر بقذائف المدفعية، في حين أفادت “الإخبارية” بمقتل مدني برصاص قناص قسد أثناء محاولته الخروج على دراجته النارية من مدينة دير حافر.

وبالتزامن مع ذلك، شهدت مدينة القامشلي شمالي شرقي سوريا، تظاهرات شارك فيها آلاف الأشخاص، عبّروا خلالها عن رفضهم لسياسات الحكومة السورية الانتقالية.

وأفادت وكالة أنباء الصحافة الفرنسية (فرانس برس)، أن المتظاهرين رددوا هتافات من بينها “ارحل ارحل جولاني”، في إشارة إلى اللقب الذي كان يحمله الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع عندما كان يتزعم هيئة تحرير الشام، كما أقدموا على إحراق صوراً للشرع ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان.

ورفع المشاركون لافتات مؤيدة لقوات سوريا الديموقراطية ومنددة بـ”الانتهاكات” التي وقعت خلال معارك حلب الأخيرة، كما حملوا الأعلام الكردية وصور قائد قوات سوريا الديموقراطية الجنرال مظلوم عبدي.

وقال جودي علي (29 عاماً)، وهو صاحب مقهى شارك في الاحتجاجات لوكالة “فرانس برس”، إن “هذه الحكومة لم تفِ بوعودها لا معنا ولا مع أي سوري. منذ وصولها إلى السلطة والدماء تسيل، كما في مجازر الساحل والدروز”.

وذكرت “فرانس برس”، أن المعارك التي شهدتها مدينة حلب وانتهت يوم الأحد الماضي عززت مخاوف من اندلاع مواجهات جديدة بين قوات سوريا الديموقراطية والحكومة الانتقالية، في ظل تبادل الطرفين، منذ أشهر، الاتهامات بشأن تعطيل تنفيذ الاتفاق المبرم بينهما

من جهتها، قالت الرئيسة المشاركة لهيئة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية الذاتية، إلهام أحمد، في حديث للصحافيين الثلاثاء، إن القوات الحكومية “تحضّر لهجوم جديد، والنية هي توسيع هذه الهجمات”.

وأضافت أحمد: “يدّعون أنهم يحضرون لعملية صغيرة لقتال حزب العمال الكردستاني، لكن في الواقع النية هي هجوم شامل”، مؤكدة بالقول: “سندافع عن أنفسنا، ومن أجل تفادي فوضى أكبر في سوريا لا بدّ من الدعم، ولا بدّ من الضغط على الحكومة لوقف هجماتها ضد قواتنا”.

اقرأ أيضاً: قصف يستهدف دير حافر وسد تشرين شمالي سوريا

وفي الوقت ذاته، شددت على أن الإدارة الذاتية مع المفاوضات ومع الحوار، شريطة توقف الهجمات وتقديم ضمانات لحماية أمن المدنيين، مقترحة إشراك أطراف دولية في هذه المفاوضات

وبيّن قائد عمليات الدفاع المدني في حلب، فيصل محمد، لوكالة “فرانس برس”، بأنه “تمت إزالة أكثر من 50 جثة من حيي الشيخ مقصود والأشرفية بعد المعارك من قبل فرق الدفاع المدني”، دون أن يحدد ما إذا كان الضحايا من المدنيين أم المقاتلين.

وفي هذا السياق، رأى حزب “العمال الكردستاني”، أن المعارك الأخيرة في حلب تهدف إلى “تقويض وقف إطلاق النار” بين أنقرة ومقاتلي الحزب، علماً أن تركيا منخرطة منذ العام الماضي في جهود لإنهاء نزاع استمر أربعة عقود مع الحزب، وفق ما أفادت به وكالة “فرانس برس”.

وفي وقت سابق اليوم الثلاثاء، قصفت قوات وزارة الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية، مواقعاً في مدينة دير حافر ومحيط سد تشرين بريف محافظة حلب شمالي البلاد.

وأوضحت قوات سوريا الديموقراطية (قسد) في بيان نشر على منصة “فيسبوك”، أن قوات وزارة الدفاع قصفت بالمدفعية الثقيلة والمسيرات مواقع جنوبي مدينة دير حافر وسد تشرين شرقي حلب.

من جانبه قال مصدر عسكري لوكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، إن الجيش استهدف مواقع قوات سوريا الديموقراطية بمحيط مدينة دير حافر بقذائف المدفعية، رداً على استهدافها لمحيط قرية حميمة بالطائرات المسيرة.

وأمس الاثنين، قال مصدر عسكري سوري، إن وزارة الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية أرسلت تعزيزات عسكرية باتجاه ريف محافظة حلب شمالي البلاد.

وأضاف المصدر لوكالة “سانا“، أن وزارة الدفاع أرسلت تعزيزات عسكرية إلى مدينتي دير حافر ومسكنة في ريف محافظة حلب الشرقي.

وأشار، إلى أن وزارة الدفاع رصدت تحركات وتحشيدات عسكرية لقوات سوريا الديموقراطية قرب مدينة دير حافر شرقي حلب.

ويوم الأحد الماضي، نفت قوات سوريا الديموقراطية وجود تحركات أو تحشيدات عسكرية لقواتها في مدينة دير حافر بريف حلب الشرقي.

وقالت “قسد” في بيان، “ننفي الادعاءات التي نشرتها وزارة الدفاع التابعة لحكومة دمشق حول وجود تحركات أو تحشيدات عسكرية لقواتنا على جبهة دير حافر”.

وأضافت، “نوضح أن التجمعات التي جرت اقتصرت على مدنيين من أهالي شمال وشرق سوريا لاستقبال جرحى الشيخ مقصود والأشرفية”.

وأشارت إلى أن “المنطقة تشهد تحليقاً مكثفاً للطيران المسيّر التركي إلى جانب هجمات بالمسيرات الانتحارية والقصف المدفعي التي استهدفت مدينة دير حافر وقراها ومنطقة حقل الثورة خلال الأيام الماضية”

——————–

 “سنتكوم” طلبت من “قسد” الانسحاب من أحياء مدينة حلب

الأربعاء 2026/01/14

نقلت صحيفة “ذا ناشيونال” عن مصدر كردي قوله إن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أبلغت قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي بتسليم أحياء حلب للجيش السوري ووقف مقاومته.

أهداف جيوسياسية أميركية

وقال المصدر إن الرسالة نُقلت قبل اجتماع المفاوضات بين سوريا وإسرائيل في العاصمة الفرنسية باريس، في 5 من كانون الثاني/ديسمبر الحالي، برعاية الولايات المتحدة، موضحاً أن “سنتكوم” أبلغت عبدي بتسليم المناطق في حلب وعدم التدخل نيابة عن عناصره.

ولفت إلى أن الولايات المتحدة “لديها أهداف جيوسياسية أوسع، وبدأ الشعور يتسلل إلى قسد بأنها أصبحت قوة مستنفدة”، كما أعرب عن خوفه من إصدار القيادة المركزية الأميركية المزيد من دعوات الانسحاب من مناطق أخرى.

التضحية بـ”قسد”

ونقلت الصحيفة عن مصدر آخر مطلع على السياسة الأميركية، قوله إن لديه انطباعاً بأن الرئيس دونالد ترامب سيضحي بقوات “قسد” طالما أن سوريا وتركيا توافقان على مسعاه لتحقيق التقارب بين سوريا وإسرائيل، وتتعاونان مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب.

وأضاف أن “قسد تدرك أنه بدون الدعم الأميركي، سيكون من العبث الدفاع عن مواقعها”، مثلما حصل في عفرين في ريف حلب الشمالي الذي سيطرت عليه فصائل سورية تدعمها تركيا في العام 2018، ما وسّع نطاق السيطرة التركية في سوريا.

وأكد مصدر آخر لـ “ذا ناشيونال”، أنه على الرغم من أن مناطق سيطرة “قسد” في حلب لم تكن بنفس أهمية مناطق سيطرتها شرقي سوريا، لكن خسارتها أثارت قلقاً بالغاً داخلياً، إذ سبق تسليم حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية انضمام مقاتلين من القبائل العربية إلى الحكومة السورية، بينهم مقاتلون من قبيلة البكارة، سبق أن قاتلوا مع “قسد” ضد القوات الحكومية.

وأضاف أن القبائل العربية شرقيَّ سوريا ستفعل الشيء نفسه وستنقلب على “قسد”، وأن “السؤال الوحيد المتبقّي هو ما إذا كان الرئيس الأميركي سيعطي الضوء الأخر للرئيس السوري أحمد الشرع للتقدم شرقاً.

وتابع أن ترامب “سيرغب أولاً في حماية مصالح الولايات المتحدة فيما يتعلق بالنفط وقضايا أخرى، لكنه سيفعل ذلك”.

مراقبة التطورات

وأمس الثلاثاء، قال قائد “سنتكوم” الأدميرال براد كوبر: “نراقب من كثب التطورات في حلب والمنطقة المحيطة بها. نحث جميع الأطراف على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، وتجنب أي أعمال من شأنها تصعيد مستوى التوتر، وإعطاء الأولوية لحماية المدنيين والبنية التحتية الحيوية”.

ودعا جميع الأطراف إلى استئناف المفاوضات والسعي إلى حل دبلوماسي دائم من خلال الحوار، لافتاً إلى أن “سوريا التي تنعم بالسلام مع نفسها وجيرانها يمكن أن تسهم في تحقيق شرق أوسط أكثر سلاماً وازدهاراً”.

وأكد كوبر في بيان نشرته “سنتكوم”، وجود مصلحة مشتركة تجمع الولايات المتحدة وسوريا في “الحفاظ على السلام والاستقرار في جميع أرجاء المنطقة”.

——————–

قيادات كردية بارزة في الإدارة الذاتية.. الخلفيات والأدوار السياسية والعسكرية

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، بدأت تتبلور في شمال شرق البلاد ملامح مشروع سياسي وعسكري تجاوز حدود الفصيل المسلح ليتحول إلى “سلطة أمر واقع” تدير مساحات واسعة.

لم يكن هذا المشروع الذي عُرف لاحقا بـ”الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا” وامتد على حوالي ربع الأراضي السورية، نتاج ظرف طارئ فرضته الحرب وحدها، بل كان حصيلة مسار طويل قادته شبكة من القيادات المرتبطة فكريا وتنظيميا بحزب الاتحاد الديمقراطي (الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني).

مرّ هذا المشروع بمحطات مفصلية، بدأت بتأسيس “وحدات حماية الشعب” جناحا عسكريا لحزب الاتحاد الديمقراطي، ثم تطورت عام 2015 إلى إنشاء “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بدعم من التحالف الدولي، ثم تشكيل مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) هيكلا سياسيا له.

وتلا ذلك الإعلان عن تأسيس “الإدارة الذاتية” عام 2018 بوصفها إطارا جامعا بنى منظومة عسكرية وسياسية ومدنية موازية للدولة السورية، وهي ما أطلق عليه أيضا التسمية الكردية “روج آفا”، وتعني بالعربية: الغرب، في إشارة إلى غرب كردستان.

وفي هذا السياق، برزت 6 شخصيات محورية اعتبرت “الأعمدة الصلبة” لهذا المشروع، وأدت أدوارا محورية على المستويين العسكري والسياسي، وتأرجحت علاقاتها بين التحالف مع واشنطن والتنسيق مع دمشق والمواجهة مع أنقرة التي أدرجت عددا منها في قوائم الإرهاب:

مظلوم عبدي

من مواليد 1967، وينحدر من قرية الغسانية (حلنج) التابعة لمدينة عين العرب شمال شرقي حلب.

نشط مع حزب العمال الكردستاني في العراق عام 1990، وشارك في أنشطة وعمليات عسكرية داخل تركيا والعراق، قبل أن يتنقل بين أوروبا ثم يعود إلى جبال قنديل.

إعلان

عرف بقربه من الزعيم الكردي عبد الله أوجلان عندما كان الأخير يقيم في سوريا في تسعينيات القرن الماضي.

اعتقله النظام السوري بسبب نشاطه السياسي عدة مرات بالرغم من العلاقة القوية التي جمعت الحزب بنظام الأسد، وغادر على إثرها البلاد ثم عاد إلى العراق والتحق بالحزب مجددا.

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011 عاد إلى سوريا، وأسهم في تأسيس “وحدات حماية الشعب”، ثم قاد لاحقا قوات سوريا الديمقراطية التي خاضت -إلى جانب التحالف الدولي– معارك واسعة ضد تنظيم الدولة.

مع سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 وتولي الإدارة الجديدة مقاليد الحكم، دخلت قسد والسلطات الجديدة في مفاوضات مطولة لحل الأزمة بينهما، انتهت بتوقيع عبدي -ممثلا لقسد- والرئيس المؤقت أحمد الشرع على وثيقة في 10 مارس/آذار 2025.

بنود الوثيقة التي وقعها الطرفان تضمنت دمج المؤسسات العسكرية والمدنية في شمال شرق سوريا ضمن هياكل الدولة السورية، وتلاه اتفاق في الأول من أبريل/نيسان يقضي بانسحاب قوات قسد تدريجيا من حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، لتتولى قوى الأمن الداخلي تأمينهما؛، لكن تعثر تنفيذ الاتفاقين أدى إلى اشتعال المواجهات بين الطرفين.

طالب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السلطات الأميركية مرارا بتسليم مظلوم عبدي، باعتباره مطلوبا لأنقرة بموجب إشعار أحمر من الشرطة الدولية (الإنتربول)، ولأنه يقود جهود تأسيس كيان كردي على الحدود الجنوبية لتركيا.

محمود برخودان

ويعرف أيضا بمحمود رش، وينحدر من منطقة عين العرب (كوباني)، وهو القائد العام لوحدات حماية الشعب والمرأة، وقائد غرفة عمليات بركان الفرات.

يعد بمثابة الرجل الثاني في قسد من بعد مظلوم عبدي، ولطالما أشيعت أنباء عن توليه قيادتها بدلا منه.

انضم برخودان لحزب العمال الكردستاني عام 1986، وشارك عام 2003 مع أعضاء وقيادات الحزب في تأسيس حزب الاتحاد الديمقراطي.

عُيّن مسؤولا عن التنسيق والتواصل مع قوات التحالف الدولي، وكان من أبرز القيادات العسكرية التي أدت دورا محوريا في صد هجوم تنظيم الدولة على عين العرب بين عامي 2014 و2015.

وفي عام 2021، أفادت مصادر إعلامية بوجود توجه داخل قيادة قوات سوريا الديمقراطية لإزاحة عبدي من منصبه، وتعيين برخودان بديلا عنه.

صالح مسلم

عضو الهيئة الرئاسية في حزب الاتحاد الديمقراطي. ولد عام 1951 في قرية شيران قرب مدينة عين العرب (كوباني) شمال شرقي حلب.

بدأ نشاطه السياسي مبكرا في المرحلة الثانوية، في الفترة التي شهدت الصراع بين الكُرد والحكومة العراقية، ثم انتقل إلى تركيا ودرس الهندسة الكيميائية في جامعة إسطنبول، وعمل في السعودية حتى عام 1990 ثم عاد إلى سوريا.

شارك عام 2003 في تأسيس حزب الاتحاد الديمقراطي، وعُيّن عضوا في لجنته التنفيذية، ثم اعتقله النظام السوري فيما عرف بانتفاضة القامشلي، وبقي ملاحقا منه حتى بعد الإفراج عنه.

إعلان

في عام 2012، انتخب رئيسا مشتركا لحزب الاتحاد الديمقراطي، واستمر في رئاسة الحزب حتى عام 2017، وفي تلك الفترة تعزز نفوذ الحزب شمالي سوريا، وانضم إلى الاشتراكية الدولية، وأنشئت وحدات حماية الشعب الجناح العسكري للحزب.

أسهم مسلم في تأسيس الإدارة الذاتية عام 2014، وهو مشروع نشأ على يد حزب الاتحاد الديمقراطي لإخضاع المناطق التي يسيطر عليها لسلطة الأمر الواقع. كما أسهم في تشكيل قوات قسد، ومجلس سوريا الديمقراطية (مسد).

صنّفته تركيا عام 2015 إرهابيا، وأصدرت بحقه مذكرات توقيف، واعتقلته الشرطة الدولية (الإنتربول) في براغ عام 2018، ثم أفرجت عنه.

أُعيد انتخابه رئيسا لقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي بالشراكة مع آسيا عبد الله عام 2022.

باهوز أردال

اسمه فهمان حسين، ويشتهر باسمه الحركي باهوز أردال، ويعد من أرفع القادة العسكريين في حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي ينظر إليه بوصفه الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني.

ولد عام 1969، وينحدر من منطقة المالكية في شمال شرق سوريا.

انتسب في التسعينيات لحزب العمال الكردستاني، والتحق في الوقت نفسه بجامعة دمشق لدراسة الطب، ثم ترأس قوات الدفاع الشعبي (الذراع العسكرية للحزب) حتى عام 2009.

تتهمه أنقرة بشن عمليات إرهابية على أراضيها، وتعتبره “منسق” عمليات حزب العمال الكردستاني القتالية و”العقل المدبر” للكثير من “العمليات الإرهابية” في قضائيْ شمدينلي ويشيل طاش بولاية هكاري جنوب شرقي تركيا.

عقب اندلاع الثورة السورية عام 2011، أدى دورا محوريا في إنشاء وتدريب “وحدات حماية الشعب” الكردية التي تعد عصب قوات قسد، واستطاعت السيطرة على مناطق شمال شرق سوريا، وسط اتهامات بأنها تنسق مع نظام الرئيس بشار الأسد.

شغل منذ النصف الثاني من عام 2014 منصب المسؤول العام لحزب العمال الكردستاني في سوريا، وعمل على نقل السياسات والإستراتيجيات التي توضع في مقر قيادة الحزب بجبال قنديل شمالي العراق إلى كوادر حزب الاتحاد الديمقراطي في الداخل السوري.

كما أشرف على “معركة كوباني” في مدينة عين العرب ضد تنظيم الدولة عامي 2014 و2015 بدعم من التحالف الدولي.

في يوليو/تموز 2016 أعلنت فصائل معارضة سورية مقتله، لكن أنقرة لم تؤكد الخبر، قبل أن يظهر وينفي مقتله بنفسه.

آلدار خليل

أحد مهندسي “الإدارة الذاتية” ومن مؤسسي حزب الاتحاد الديمقراطي عام 2003، ومن أبرز الناشطين السياسيين الكُرد في شمال شرق سوريا، وهو عضو أساسي في لجان المفاوضات سواء مع دمشق أو حتى المفاوضات مع التيارات الكردية الأخرى.

ولد في مدينة الحسكة سنة 1970.

عقب اندلاع الثورة السورية، برز خليل كأحد الشخصيات السياسية التي أسهمت في تأسيس الهيئة الكردية العليا عام 2012، وتولى لاحقا منصب الرئيس المشارك لحركة المجتمع الديمقراطي، كما كان من أعضاء وفد التفاوض عن أحزاب الوحدة الوطنية الكردية.

أصبح عضوا في هيئة الرئاسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، ويُعد من الشخصيات المنخرطة في ما يُعرف بالحوار الكردي، بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي.

إلهام أحمد

ولدت قرب مدينة عفرين شمال غرب حلب، والتحقت بحزب العمال الكردستاني في سن السادسة عشرة.

قادت مشروع “الإدارة الذاتية” في شمال شرق سوريا، ثم شغلت فيه منصب الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية.

تقلدت إلهام أحمد منصب الرئيسة المشتركة لمجلس سوريا الديمقراطية (مسد) في التاسع من ديسمبر/كانون الأول 2015، وهي قيادية في حركة “المجتمع الديمقراطي”، وعضو في حزب الاتحاد الديمقراطي، ولها ارتباطات فكرية بحزب العمال الكردستاني.

إعلان

لم تقتصر مشاركة إلهام أحمد ونشاطها السياسي والتنظيمي على الساحة السورية، بل امتدت لتشمل فروعا وتنظيمات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني في دول أخرى، منها في إيران عبر حزب الحياة الحرة الكردستاني، وهو تنظيم كردي إيراني يعد من أذرع حزب العمال الكردستاني الإقليمية.

المصدر: الجزيرة + الصحافة السورية

————————–

 بعد سنوات العزلة.. مجلس مدينة حلب يبدأ إعادة تأهيل أحياء الشيخ مقصود والأشرفية/ خالد الخطيب

2026.01.12

في مشهد يعكس بداية جديدة لأحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد في مدينة حلب، أطلق مجلس المدينة خطة إنعاش شاملة بالتزامن مع عودة النازحين إلى منازلهم، وذلك عقب إخلاء قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لهذه المناطق إثر عملية عسكرية محدودة نفذها الجيش السوري مؤخراً، وهذه الخطوة تمثل نقطة تحول مهمة نحو إعادة الحياة الطبيعية إلى أحياء أنهكتها سنوات طويلة من ندرة الخدمات والبنية التحتية المتدهورة خلال فترة سيطرة “قسد”.

إنعاش عاجل للخدمات

وبحسب مسؤول التنسيق في الإدارة المحلية بحلب، أحمد محمد، فإن الخطة الطارئة لمجلس المدينة تشمل أعمال نظافة واسعة، وفتح الطرقات المغلقة، وترحيل الأنقاض التي ما زالت تعيق الحركة في بعض الشوارع الرئيسية، كما تتضمن إزالة المخلفات التي خلفتها “قسد”، من تدشيم وسواتر ترابية كانت تعزل مناطق سيطرتها عن باقي الأحياء المحيطة في القسم الشمالي الغربي من المدينة، ويضيف محمد لموقع تلفزيون سوريا: “يولي مجلس المدينة أهمية خاصة لهذه الأحياء التي عانت سابقاً من فقر كارثي في البنى التحتية والخدمات الأساسية في أثناء فترة سيطرة قسد، حيث يسعى المجلس إلى إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء تدريجياً، وتوفير بيئة آمنة تشجع الأهالي على الاستقرار مجدداً.”

ويؤكد مسؤولو المجلس أن هذه الإجراءات الحالية تعد أعمالاً إسعافية عاجلة، لكنها ستتبع لاحقاً بخطة أوسع للنهوض بالقطاع الخدمي، وتشمل هذه الخطة تحسين المرافق العامة، دعم النشاط التجاري المحلي، وإنعاش الأسواق الشعبية التي كانت شبه متوقفة، إضافة إلى إعادة ربط هذه الأحياء بالنسيج العمراني والاقتصادي للمدينة.

أبعاد اجتماعية واقتصادية

وتقول مصادر محلية في الشيخ مقصود، لموقع تلفزيون سوريا، أن أهمية الخطوات الجارية من قبل مجلس المدينة غير كافية، ويجب أن لا تقتصر على الجانب الخدمي فحسب، بل يجب أن تحمل أيضاً أبعاداً اجتماعية واقتصادية بالغة الأثر في أحياء يقطنها أكثر من 300 ألف مدني، فعودة النازحين إلى منازلهم لا بد أن تترافق مع استعادة الحياة المجتمعية تدريجياً، وعودة المدارس والأنشطة التعليمية إلى العمل، بما يعيد الحيوية إلى النسيج الاجتماعي الذي تضرر بشدة خلال السنوات التي بقيت فيها أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد معزولة عن باقي أحياء حلب.

ومن أبرز التحديات التي يتوجب على المديريات الخدمية التعامل معها، قضية التعليم وإعادة دمج الطلاب في قطاع التربية الرسمي، فقد عملت “قسد” خلال الأعوام القليلة الماضية على فرض مناهج خاصة بها، بالتوازي مع استمرار بعض المدارس في تدريس المنهاج السوري الرسمي، ما أدى إلى انقسام واضح في العملية التعليمية، واليوم، ومع انتصاف العام الدراسي 2025/2026، تبدو مهمة إعادة دمج هؤلاء الطلاب في المنظومة التربوية السورية مهمة معقدة تحتاج إلى جهود كبيرة، سواء من حيث تعديل المناهج أو دعم الكوادر التعليمية أو توفير برامج تعويضية للطلاب المتأخرين.

قال الصحفي والناشط في المجال الإنساني، أحمد البرهو، لموقع تلفزيون سوريا، إن هناك مشكلة كبيرة غير ظاهرة حالياً بعد تحرير حيي الأشرفية والشيخ مقصود، وهي تتعلق بطلاب المدارس من المرحلة الابتدائية وحتى الثانوية، فهناك آلاف الطلاب الذين تلقوا تعليمهم وفق مناهج “قسد” غير المعترف بها، والتي تختلف كلياً عن المناهج التعليمية المعتمدة لدى الدولة السورية، ويؤكد البرهو أن هذه القضية قد تشكل كارثة على مستقبل عدد كبير من الطلاب إذا لم تبادر الحكومة، وخاصة وزارة التربية، إلى إيجاد حل سريع يضمن دمج هؤلاء الطلاب بالمناهج التعليمية الحكومية ليتمكنوا من متابعة تعليمهم بشكل صحيح ومنسجم مع النظام التعليمي الرسمي.

ويضيف البرهو أن قائمة الإشكالات التي تعيق تعافي أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، وما جاورها من تجمعات عمرانية ومساكن كانت تحت سيطرة “قسد” في حلب، لا تقتصر على نقص الخدمات أو إغلاق الطرق، فهناك ضرورة ملحة لإعادة الدمج الاقتصادي والاجتماعي لهذه الأحياء مع باقي مناطق المدينة. ويشير إلى أن هذه الأحياء كانت تعاني من بعض العزلة حتى قبل انطلاق الثورة السورية، وهي عزلة لم تكن طارئة بل تعمقت أكثر بعد العام 2012 حين كرستها سيطرة “قسد”.

وبحسب البرهو، فإن خطة الإنعاش العاجلة من المفترض أن تشمل أيضاً إعادة فتح المحال التجارية والأسواق الشعبية، التي تشكل شرياناً أساسياً للاقتصاد المحلي وتوفر فرص عمل لمئات الأسر، كما أن إزالة الركام وفتح الطرق يسهمان في تسهيل حركة النقل والمواصلات، وربط هذه الأحياء ببقية مناطق حلب، الأمر الذي يعزز فرص الاستثمار المحلي ويعيد الثقة تدريجياً إلى أهالي المنطقة.

“بلدية الشعب” وواقع الأحياء التي كانت تديرها

تأسس في حي الشيخ مقصود وما حوله من أحياء كانت تحت سيطرة “قسد” ما كان يُعرف باسم “بلدية الشعب”، وهي هيئة محلية تولت إدارة الخدمات البلدية والإشراف على عمل مختلف المكاتب الخدمية، من مياه وكهرباء ونظافة وغيرها، غير أن هذه الإدارة لم تحظَ بثقة الأهالي، إذ لطالما وجهت إليها اتهامات بالفساد وسوء استخدام السلطة، حيث كان معظم موظفيها من المقربين لـ”قسد” ومسؤولين في حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وذراعه العسكرية، واتهموا ببناء ثروات عبر طرق غير مشروعة على حساب السكان ومعاناتهم اليومية.

كانت الخدمات المقدمة في تلك الأحياء بحدودها الدنيا، إذ عانى السكان من انقطاع متكرر للمياه والكهرباء، وضعف في خدمات النظافة، وغياب أي مشاريع تنموية حقيقية، ومع انتهاء سيطرة “قسد” ومع بدء مجلس مدينة حلب بخطة إنعاش شاملة، برزت أمامه تحديات كبيرة تعيق تعافي هذه الأحياء خدمياً، أبرزها شبكة الأنفاق التي حفرتها “قسد” خلال فترة سيطرتها، والتي تشكل خطراً على السلامة العامة وسلامة الأبنية السكنية في الشيخ مقصود ومحيطه.

إلى جانب الأنفاق، تنتشر الألغام بشكل واسع في المناطق المحيطة التي كانت تفصل مناطق سيطرة “قسد” عن الأحياء الداخلية للمدينة، وكذلك في القسم الشمالي الغربي قرب المحلق الشمالي ومنطقة الشقيف والسكن الشبابي، وهذه الألغام تشكل تهديداً مباشراً لحياة المدنيين وتعرقل جهود إعادة الانعاش، ما يستدعي خططاً عاجلة لإزالتها وتأمين المنطقة قبل الشروع في مشاريع خدمية واسعة.

كما شهدت فترة إدارة “بلدية الشعب” انتشاراً واسعاً للتعديات على الأملاك العامة، إلى جانب البناء العشوائي المخالف الذي استفاد منه مقربون من موظفي البلدية ومسؤولو “قسد”، وهذه المخالفات العمرانية خلقت حالة من الفوضى في التخطيط العمراني، وأدت إلى تشويه المشهد الحضري للأحياء، ما يفرض على مجلس مدينة حلب مهمة مضاعفة لإعادة تنظيم هذه المناطق وفق معايير عمرانية سليمة.

اليوم، ومع بدء خطة الإنعاش، لا يقتصر التحدي على إزالة الركام وتحسين الخدمات الأساسية، بل يتعداه إلى إعادة دمج هذه الأحياء في النسيج العمراني والاجتماعي والاقتصادي للمدينة، فالتجربة السابقة مع “بلدية الشعب” تركت آثاراً سلبية عميقة، من فقدان الثقة بين الأهالي والإدارة، إلى تراكم مشكلات خدمية وأمنية تحتاج إلى معالجة جذرية.

——————————————

=====================

تحديث 13 كانون الثاني 2025

————————-

من باريس إلى دمشق إلى حلب/ بكر صدقي

في خمسة أيام تمكنت القوات المحسوبة على سلطة دمشق من بسط سيطرتها على حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب اللذين كانا خاضعين لقوات الأمن المحلي (الأسايش) المحسوبة على قوات سوريا الديمقراطية، بموجب اتفاق الأول من نيسان العام الماضي. بذلك تكون سلطة دمشق قد أنهت من جانبها هذا الاتفاق الذي شكّل أول تطبيق محلي في إطار اتفاق العاشر من آذار الذي تتهم السلطة، ومن ورائها تركيا، «قسد» بالمماطلة في تنفيذه.

الواقع أن التجييش الإعلامي اليومي، خلال الأشهر الماضية، كان يدفع في اتجاه الصدام العسكري مع قوات سوريا الديمقراطية، سواء على وسائل الإعلام الداعمة لسلطة دمشق أو من خلال تصريحات وزيري الدفاع والخارجية التركيين. ولكن من جهة أخرى صدرت إشارات إيجابية من سلطة دمشق بشأن كيفية دمج قوات سوريا الديمقراطية في جيش السلطة المركزية، فقيل إنه تم التوافق على عملية إدماج على شكل ثلاث فرق عسكرية تحتفظ بمواقعها في المحافظات الشمالية الشرقية الثلاث، الحسكة ودير الزور والرقة، إضافة إلى لواء مكافحة الإرهاب ولواء قوات حماية المرأة. بدا وكأن الأمر يتعلق في اتجاهين داخل سلطة دمشق، أحدهما يميل إلى الحلول السياسية التوافقية فيما يدفع الثاني في اتجاه الصدام العسكري بقصد الإخضاع. قد يمكن تفسير التزام أحمد الشرع الصمت طوال معركة السيطرة على الحيين الكرديين في حلب، بل وقبل ذلك، بهذه الازدواجية.

لنعد إلى الثامن والعشرين من كانون الأول الماضي حين زار دمشق وفد تركي وازن ضم وزيري الخارجية والدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات القومي حيث اجتمعوا مع نظرائهم السوريين. أثناء المؤتمر الصحافي الذي أعقب الاجتماع تمت مقاطعة كلام وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. نشرت وزارة الخارجية لاحقاً اعتذاراً عما حدث مبررة إياه بأنه خطأ غير مقصود. وفي اليوم التالي توجه الفريق السوري إياه (الخارجية والدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات) إلى موسكو حيث اجتمعوا بنظرائهم الروس! ثم تم الإعلان على عجل عن اجتماع خامس بين سلطة دمشق ووفد إسرائيلي في باريس بإشراف أمريكي من الوزن الثقيل، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وتوماس باراك جميعاً. ولم يغب هاكان فيدان عن هذا الاجتماع، إلا ليتابع مجرياته من العاصمة الفرنسية نفسها!

وحدها وزارة الخارجية الأمريكية أصدرت بياناً عن اجتماع باريس، جاء فيه أن دمشق وتل أبيب توافقتا على إنشاء خلية اتصال مشتركة لتبادل المعلومات الاستخبارية و«خفض التصعيد العسكري» إضافة إلى آلية للانخراط الدبلوماسي والتجاري بإشراف أمريكي مباشر!

وفي اليوم التالي مباشرةً عقد اجتماع في دمشق بين وفد من قسد برئاسة قائدها مظلوم عبدي ووفد من سلطة دمشق لم يضم أحمد الشرع كما كان متوقعاً. ووفقاً لتصريحات عضو وفد قسد، فوزة يوسف، أدلت بها لمنصة المونيتور «حدث أمر غريب» حين دخل أسعد الشيباني على الاجتماع الذي كانت تسوده «أجواء إيجابية» فسحب الضابط الأمريكي من قيادة التحالف الدولي الذي كان مشاركاً في الاجتماع، ثم عاد بعد قليل ليعلن انتهاء الاجتماع وتحديد موعد الثامن من كانون الثاني لاستئنافه!

لم تمض بضع ساعات على مغادرة وفد قسد دمشق إلا وكانت المناوشات المتفرقة حول حيي الأشرفية والشيخ مقصود قد تحولت إلى حرب شاملة استخدمت فيها فصائل الشمال الدبابات والمدافع والطائرات بدون طيار لقصفهما. غير أن الحرب الإعلامية لم تقل شراسة عن الحرب الميدانية. فقد سعى الناطقون باسم سلطة دمشق إلى تثبيت رواية مفادها أن «الدولة» تقاتل جيباً «يحتله» تنظيم قسد «الإرهابي» المتحالف مع إسرائيل وإيران (!) وأن قسد هي التي أشعلت فتيل الحرب، وأنها تتخذ من السكان المدنيين دروعاً بشرية، وأن قوات «الجيش العربي السوري» حريصة على حياة المدنيين… إلى آخر هذه الدعاية الحربية التي حفظنا مفرداتها من إعلام نظام الأسد كما من الناطقين باسم الحكومة الإسرائيلية أثناء حربها الإبادية على قطاع غزة.

لا يمكن لهذا التسلسل في الأحداث أن يكون اعتباطياً بلا معنى. ونلاحظ أن اجتماع باريس السوري ـ الإسرائيلي ينطوي على أهمية كبيرة في تفسير ما سبقه وما تلاه. لا نأتي بجديد حين نقول إن فراغ القوة في سوريا الذي نشأ بعد سقوط النظام وخروج إيران يتنافس على إشغاله كل من إسرائيل وتركيا بدعاوى تتعلق بـ«أمنهما القومي»، وأن الولايات المتحدة بقيادة ترامب تحاول التوفيق بين حليفيها من خلال توزع مناطق النفوذ: إسرائيل في الجنوب وصولاً إلى قرب العاصمة دمشق منطقة خالية من السلاح، وتركيا في الشمال بمدى غير محدد إلى الآن، مع نفوذ سياسي كبير على سلطة دمشق، وسعي دؤوب للتخلص من الشوكة التي تمثلها قوات سوريا الديمقراطية الحليفة لواشنطن، في أسرع وقت ممكن.

إسرائيل غير مطمئنة للنفوذ التركي في سوريا وعلى سلطة دمشق، وتركيا تتوجس من احتمال تحالف كردي ـ إسرائيلي يجعل تل أبيب على حدودها الجنوبية.

الصحافي عبد القادر سلفي المقرب من الحكومة التركية نقل، في مقالته الأخيرة في صحيفة «حرييت» عن مصادر أمنية تركية عن اكتمال الاستعدادات لشن حرب على شرقي الفرات، بتحالف تركي ـ سوري ـ أمريكي، بعد اكتمال سيطرة سلطة دمشق على الأشرفية والشيخ مقصود، ما لم ترضخ قيادة قسد لتنفيذ عملية الاندماج في إطار اتفاق العاشر من آذار. هذا تعبير عن استماتة تركية لحل قسد استكمالاً لحل حزب العمال الكردستاني الذي تم بصورة طوعية في إطار عملية سياسية يقودها عبد الله أوجلان، باتت تراوح مكانها في الأسابيع الأخيرة لأن أنقرة لا تريد المضي فيها قبل الحصول على جائزتها السورية.

ويمكن الاستنتاج من التلكؤ الأمريكي في التدخل لوقف معركة حلب أن واشنطن أعطت تركيا «جائزة ترضية» في حلب، مقابل ما حصلت عليه إسرائيل في تفاهمات باريس.

ما دام السوريون عاجزين عن التفاهم فيما بينهم، على رغم الفرصة العظيمة التي أتاحها سقوط نظام الأسد، وما دامت سلطة دمشق تستسهل كل شيء في سبيل الاحتفاظ بها، ستبقى سوريا ملعباً للقوى الإقليمية والدولية.

كاتب سوري

القدس العربي

————————-

احتمالان بعد حلب/ فايز سارة

13 يناير 2026 م

عندما تندلع الحربُ والصراعات المسلحة، فإنَّ أغلب ما يتم التركيز عليه من قوى الصراع وقياداتها هو السعي إلى كسب الحرب، وفي الطريق إلى الهدف لا أحد يهتم بتفاصيل ما يجري من موت ودمار ومعاناة إنسانية، حيث يتم تجاوزها والتركيز على النتائج، والأخيرة في المحصلة تغييرات في موازين القوى على الأرض، يذهب المتصارعون بها إلى طاولة المفاوضات عندما تعقد لاستخدامها في رسم النتائج الأخيرة للحرب.

مجريات جولة المصادمات السورية الأخيرة في حلب بين قوات الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» حدث مأسوي، بما خلّفه من قتلى وجرحى ونزوح ودمار، وتزداد مأسويته وسط حقيقة أن معاناة السوريين من حرب نظام الأسد، ما زالت حاضرة في حياتهم، وفي واقع بلدهم الذي شهد أيضاً جولات من صدامات بالعام الماضي في الساحل والجنوب، لعبت دوراً سلبياً كرّس البقاء – ولو إلى حين – في حفرة الانقسام والصراع السوري التي أسسها ووسّعها النظام البائد.

وثمة نقطة أخرى تضفي على جولة الصراع في حلب مزيداً من المأسوية، أنها جرت بين طرفين وقّعا العام الماضي اتفاقاً يقضي بانخراط «قسد» في مؤسسات الدولة السورية، وهو اتفاق لم يعلن أي طرف التخلي عنه بل تشاركا في الإصرار عليه، رغم تصريحات وملاحظات صدرت هنا وهناك، كانت بين أسباب أعاقت الذهاب إلى الأمام في تنفيذ الاتفاق والوصول إلى نهاية سعيدة لكل السوريين.

ورغم مأسوية ما حدث في حلب، وما وقع من خسائر بشرية ومادية تثقل حياة ومستقبل الضحايا وكل السوريين، فإن الصدام المسلح يسير إلى نهايته وسط تسجيل غلبة سياسية وميدانية واضحة لصالح قوات الحكومة، وهو أمر يعني أن طرفي الاشتباك سوف يذهبان إلى لقاء بالنتائج السياسية والميدانية الجديدة، التي وإن كانت ستعطي الحكومة مكانة أفضل بما لديها من أوراق تفاوضية، فإنها تفرض على الحكومة سلوكاً أبعد عن التشدد، وتجعلها تسير في سلوك محاط بالحكمة والمسامحة، لأن الأمر لا يتعلق بموضوع «قسد» بوصفها كياناً سياسياً عسكرياً، بل لتلبية بعض مطالب السوريين الكرد، بما لهم من حضور وأهمية في إطار الجماعة الوطنية في سوريا.

ولن يكون هذا السلوك مطلوباً من الحكومة وحدها، بل إنه مطلوب من «قسد» أيضاً للذهاب في الاتجاه نفسه، بمعنى إبداء حُسن النوايا بالتخلي عن سياسة التشدد والمراوغة، بل مطلوب أكثر التوقف عن سياسة استغلال بعض التطورات والظروف الداخلية والإقليمية للمناورة، سواء كان هدفها تحسين الأوراق التفاوضية، أو كسب الوقت على أمل حصول تطورات استراتيجية تؤدي إلى تغيير شامل أو جزئي في سوريا يكون من مصلحتها، وهو احتمال خارج التوقعات في الأفق المنظور.

وإذا حدث سيناريو حُسن النوايا والتساهل في مفاوضات قريبة بين «قسد» والحكومة السورية، وتم التوصل إلى خطوات تنفيذية في دمج الأولى في الثانية، فإنَّ النتيجة الأهم في ذلك سوف تظهر إيجابياً على معالجة الاحتدامات القائمة بين الحكومة والدروز في السويداء الذين يقودهم الشيخ حكمت الهجري، ومثلها احتدامات الحكومة مع قطاع من الساحل.

ورغم إيجابية وأهمية السيناريو السابق، فإن الأرجح فيما بعد أحداث حلب في معالجة صراع «قسد» والحكومة، سيناريو حل يكون خليطاً بين المواجهة المسلحة بين الطرفين، والتفاوض السياسي تحت ضغط الوسيط الأميركي الذي وإن كان يدعم شمال شرقي سوريا وقيادة «قسد» في إطار شراكتهما في التحالف الدولي ضد «داعش»، فإنه يدعم ويساند حكومة دمشق أكثر، ويعلن موقفه بكل وضوح في دعم انضواء «قسد» تحت سلطة الحكومة السورية المسيطرة على كل الأراضي السورية، وفي مؤسساتها بما فيها الجيش السوري.

لا تملك «قسد» خيارات الإفلات من الخيارين السابقين، فإن رفضت أو عجزت عن الذهاب مع الحكومة إلى سيناريو حُسن النوايا والتساهل في مفاوضات تسوية كاملة، فلن يكون أمامها سوى الخيار الثاني في الاتفاق مع الحكومة تحت ضغط القوة من جهة والضغط السياسي، خصوصاً الأميركي، وكل ما يمكن أن تفعله أن تؤخر الاتفاق بعض الوقت ليس إلا، وأعتقد أن حكومة دمشق يمكن أن تمرر هذا الاحتمال؛ تجنباً لأضرار صدامات مسلحة حاسمة في شمال شرقي سوريا.

الشرق الأوسط

——————————–

بعد القتال في حلب وقبله/ معن البياري

13 يناير 2026

أيّاً كان تقييم النتائج التي انتهت إليها جولة الاقتتال المؤسف بين الدولة السورية (هذه التسمية الأصح) وعناصر مسلّحة من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فإن أسباب ما جرى لا تخرُج عن إرثٍ شديد الصعوبة تسلّمته السلطة الراهنة في دمشق من نظام الفساد والاستبداد الساقط. غير أن هذا الأمر لا يعني شيئاً أمام وجوب أن تُعالِج هذه السلطة، ما دامت في موقع المسؤولية والقرار، هذا الحال، وجود تمرّد على الدولة تمثّله قوة مسلّحة، تأخذ طابعاً قومياً (أكراد)، وتدير مناطق غير قليلة من الجغرافيا السورية. ولأن الحكم في ظلال الرئيس أحمد الشرع مضى، منذ شهور، وبإسنادٍ أميركيٍّ، إلى تسوياتٍ وتفاهماتٍ مع هذا التكوين المليشياوي، والذي يناور ويصعّد بين وقتٍ وآخر، ويتعمّد إحداث توتّراتٍ أمنيةٍ في مدنٍ وبلداتٍ سورية، وتتسبّب في ترويع مدنيين آمنين، فإن الظاهر أن هذا المسار لا يكفي، طالما أن هذه القوة تصرّ على التطاول على الدولة واستضعافها، وافتراض قلّة حيلتها، وتستقوي في هذا كله وغيره بما تظنّه دعماً خارجياً لها. وبذلك يصبح من واجبات الدولة (أياً كانت وجهات نظرنا في أدائها العام) ومن مسؤولياتها أن تنهي هذا الحال، أو هذه الظاهرة، بكل السبل والوسائل الممكنة، مع تغليب السياسة والعقلانية والحوار عندما ينفع تغليبهما. ولذلك لا يجوز افتراض العلاج العسكري والأمني محرّما، أو مسلكاً يشذّ عن طبائع الدول والحكومات.

ليس الوقت للعِظات والدروس، وفي ظن صاحب هذه السطور أن السوريين شبعوا منهما. ومع كل الاحترام لأي اجتهادٍ أو منظورٍ يصدر عن حرصٍ على سورية وناسها، أول أولويات الدولة السورية الناشئة (للمرّة الألف، أيا كانت المؤاخذات على الحكم الراهن في هذه الدولة) أن تُنهي كل شذوذ عسكري وأمني وسيادي. ومع التبنّي المطلق لما قيل ويُقال، في كلاسيكياتٍ معلومة، إن الدولة وحدها التي تحتكر العنف، فإن هذا محكومٌ، بداهةً، بأطر القانون والمؤسّسية، وقبلها بالثقة التي لا بد منها من المواطن تجاه دولته. والحادثُ في سورية، مهما قيل عن التعقيد فيه، وعن اشتباك القضايا المركّبة بصدده، فإن الأساسيّ لا يحسُن أن يغيب عن أي ناظر. ولنا هنا أن نجتهد ونقول إن العنف العاري عندما ترتكبُه جهةٌ متمرّدةٌ يستولد عنفاً قاسياً وشديداً من السلطة، سيكون موضع إدانةٍ لا شك، إذا ما تجاوز خطوط القانون ونقاط التماسّ الاجتماعية والسياسية. وفي هذا السياق، لا بأس من تذكيرٍ، في حاشيةٍ هنا، إن جرائم القتل بفظاعاتها في مدنيين آمنين أبرياء، تجاوزوا 1400 سوري، في مدنٍ وبلداتٍ في الساحل السوري في مارس/ آذار الماضي، اقترفها من يستحقّون أشدّ القصاص بعد محاكماتٍ شفّافة، وهم المحسوبون على السلطة، قد ارتُكبت بعد أن أمكن لفلولٍ من النظام الساقط قتل نحو أربعمائة عسكري من قوات الدولة. ولهذا كله، وغيره، يحتاج الخروج من الإقامة في دوّامة العنف التي تستولدها منظوماتٌ متمرّدة، وتغذّيها سياساتٌ مرتجلةٌ، ذات سمْتٍ طائفيٍّ أو فئوي، إلى توازٍ بين العنف واحداً من أدواتٍ لازمةٍ وسياساتٍ تنهض على وجوب توفير كل شروط المواطنة الحقّة والشراكة الكاملة في بناء الدولة نفسها والعدالة الاجتماعية بمختلف مستوياتها.

مؤكّدٌ أن الكلام سهلٌ، وأن الحكم صعب، وأن للميدان تفاصيلَُه التي قد تعصى على التفكيك بيُسر. ومؤكّدٌ أن الكلام أعلاه مدرسيٌّ في بعض نواح فيه، غير أننا، نحن المعلقين، لا نملك غيره، والذي ينكتب هنا، في الأول والأخير، يشدّد على المعلوم البديهيّ، ثم لا يحتكر وسيلةً دون غيرها للوصول إلى التعافي المشتهى في سورية، على الصعيد الأمني، وهذا اختصاص مهنيين، يعرفون كيف تؤدّي الجيوش وأجهزة البوليس واجباتها. وفي المستوى السياسي، لكل موقفٍ تقديرُه الخاص. وإذا كان شيءٌ من الثناء على السلطة في سورية مستحقّاً في إدارتها، سياسياً وأمنياً، الأزمة الطويلة مع قوات سوريا الديمقراطية، فإن أخطاءها بشأن السوريين الدروز تتوازى مع أخطاء (وخطايا) آخرين هناك. وبشأن ملفّ الساحل، أو بالأحرى ملف ما يمكن تسميتها مسألة علوية في البلاد، فالعلاجاتُ المنظورة لا تبدو مقنعةً تماماً، ولا وجيهة، فثمّة كثيرٌ مما يحسُن قوله والتشديد عليه، أوله وآخره وجوبُ سياسةٍ عمليةٍ وفعليةٍ شجاعةٍ ومقدامةٍ في اتجاه شراكةٍ وطنية حقيقية، غير منشدّة إلى مواريث وافتراضاتٍ مسبقة. … أما إسرائيل، فقضيةٌ شرحها يطول.

العربي الجديد

————————-

ما بعد معركة حلب ليس كما قبلها/ أحمد مظهر سعدو

13 يناير 2026

لم يكن ما فعلته قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في حلب مسألة عابرةً، كما أن حالة التمنّع المستمر عن الانخراط (قبل ذلك) في إنفاذ وتطبيق اتفاق العاشر من مارس/ آذار (2025)، ونفاد الوقت والسقف الموضوع لتنفيذه مع نهاية العام الماضي، من دون أيّ أمل في إنجاز ذلك، أوجد أجواءً صعبةً ومعقّدةً في أتون الاشتغال على الاستقرار ووحدة الجغرافيا السورية، وكذلك الوصول إلى تفاهمات تفضي إلى الانضمام واقعياً وعملياً إلى الدولة السورية المنبثقة إبّان إزالة حكم آل الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024.

لم يكن سهلاً على حكومة دمشق أن تصبر طويلاً على “قسد” ومجموعاتها العسكرية التي تمركزت في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية ضمن مدينة حلب، العاصمة الاقتصادية لسورية، أو أن تترك المسألة لكثير من حالات العبث الأمني الذي فاق كل حدّ، وتجاوز كل الاتفاقات والتفاهمات، ومنها تفاهم الأول من إبريل/ نيسان (2025)، حتى بات سكّان مدينة حلب قلقين أمنياً ولا يعرفون ليلهم من نهارهم ضمن حالة القنص المتواصل. إذ وصلت الأرقام الإحصائية للضحايا جراء قنص عناصر “قسد” لأهالي حلب منذ التحرير، وحتى أمس القريب، إلى ما يتجاوز 70 ضحيّةً مدنية. هذه التعدّيات المستمرة على حيوات أهالي حلب وأرواحها، ساهمت في الوصول إلى ضرورة إنهاء ظاهرة وجود مسلّحين “قسديّين” داخل مدينة حلب وخارج إطار الدولة السورية ومحدّداتها.

صحيح أن كل السوريين يتطلّعون إلى حالة جديدة من العدالة الانتقالية، والولوج عملياً في السلم الأهلي في سورية، لكن الصحيح أيضاً أن وحدة سورية (الوطن الجديد) باتت مسألةً لدى السوريين غير قابلة للنقاش، وهي بمثابة الخط الأحمر حقيقةً، ومن الصعب جداً تجاوزه أو تخطّيه. ويبدو أن ما جرى في مدينة حلب، والخسائر الكبرى في البنية التحتية، وأرواح الناس التي أُزهقت بغير وجه حق خارج القانون والمنطق، ومن ثم إخراج مسلّحي “قسد” من الحيّين المذكورين عنوةً، ومن خلال العمل العسكري الذي باشرت فيه قوات الأمن الداخلي السوري بالتعاون مع الجيش العربي السوري، سوف يترك آثاره وانعكاساته في مقبل الأيام على مجمل حالة المفاوضات المفترضة بين “قسد” والحكومة. فيقال إن ما جرى لن يكون من السهل تجاوزه بعد حرب صغيرة، لكنّها مؤلمة وصعبة، ثمة آلام وجراح من الطرفَين لا بدّ أن الواقع يقول إنه ليس من السهولة بمكان تجاوزها والعودة إلى طاولة المفاوضات والحوار، رغم أهمية ذلك لكلا الطرفين، وإدراك الجميع أنه لا مناص من الاستمرار في هذا الحوار الضروري، توخّياً للاشتغال على الوصول إلى آليات جديدة في تطبيق البنود الثمانية للاتفاق المعني (العاشر من مارس).

لعل تلك الجراح العميقة والمقلقة التي خلّفتها حالة الاقتتال في الحيَّين ستترك أثرها بكل تأكيد في مجمل المشهد السوري وحيثياته، رغم حرص حكومة دمشق الكبير في الممارسة الميدانية أثناء العملية العسكرية على ضرورة الاستفادة من تجارب صعبة وسلبية سابقة كانت قد حصلت في الساحل السوري، وكذلك ما جرى في جنوبي سورية مع محافظة السويداء. فقد كان أداء عناصر الأمن السوري والجيش أيضاً أثناء الاقتحام للحيّين المذكورين مميّزاً وحريصاً على سلامة المدنيين السوريين في كلا الحيَّين، إذ خرجت المعارك بحرص حقيقي بعيداً عن المدنيين، ومن دون خسائر كبيرة، وكذلك ضمن مسارات المعايير والقوانين الدولية في التعامل مع مثل هذه الحالات.

الاتفاق مع “قسد” كان (ولا يزال)، وبعد الشيخ مقصود والأشرفية، ضرورةً وطنيةً حفاظاً على الوطن السوري موحّداً، ومنعاً لاحتمالات اقتتال داخلي جديد قد يؤدّي إلى حالة جديدة ومفتعلة من العداء بين الجهتَين، وبين المكوّنات السورية عموماً، يصعب بعدها ابتلاعها وهضمها، أو إعادة القطار إلى سكّته الأولى بالضرورة. ولكن الآفاق لا يبدو أنها جاهزة نحو عودة أكيدة للمفاوضات، رغم الرغبة الأميركية في ذلك، حيث بات الشك كبيراً لدى السوريين في أن الأميركيين غير صادقين، وغير جادّين في الضغط على الأطراف وصولاً إلى تثبيت وحدة الجغرافيا السورية، وأن الواقع الأميركي في التعاطي مع المسألة يختلف تماماً عن التصريحات الإيجابية، التي تقول صباح مساء: حرص أميركا على وحدة سورية.

المهم أن الأيام المقبلة ما زالت حبلى بالكثير، وتشي بعديد من حالات متراكمة من العثار الكبير الذي يتوقّعه بعضهم، وسط تحدّيات وطنية كبيرة، وبعثرة أكيدة لكثير من حالات الاندماج والوحدة، ثم تعنّت واضح المعالم لدى بعض قيادات “قسد” المتشدّدة، والتي كما يقال ليست سورية ولا تهمّها كثيراً وحدة سورية، وهي التي سبق أن أتت من جبال قنديل كوادر أساسية لحزب العمال الكردستاني المنضوي في “قسد”. بينما يحاول جماعة “قسد” السياسيون السوريون الوصول إلى تفاهمات جديدة مع دمشق تقطع الطريق على مجمل التدخّلات الخارجية، وتنهي بالضرورة حالة الاحتراب الداخلي. وهو ما تضغط به وعلى أساسه منذ فترة طويلة كثير من الأحزاب والقوى الوطنية الكردية خارج إطار حزب الاتحاد الديمقراطي، العصب الرئيسي لـ”قسد”، ومن ثم وحدة كل الجغرافيا السورية.

قد يكون ما بعد حلب كما قبلها حقيقةً، وهكذا يُقرأ المشهد حالياً. ولعل كيفية التعاطي مع المتغيّرات الحاصلة تختلف من جهة إلى أخرى. والتدخّلات الخارجية ما زالت موجودةً وكثيرةً، ومنها أيضاً التدخّل الإسرائيلي المستمر، وهو يشكّل خطراً دائماً على السوريين والإقليم، فالإسرائيلي لا يريد بالضرورة أيَّ استقرار في سورية، كما لا يريد ولا يحبّذ وحدتها، رغم التوقيع بالأحرف الأولى على التفاهم الأمني في باريس أخيراً بين إسرائيل ودمشق. إذ ما زالت التدخّلات موجودة، والتعدّيات على الأراضي السورية من إسرائيل واقعاً يومياً لدى أهالي محافظة القنيطرة السورية.

العربي الجديد

————————-

ريف حلب الشرقي… مسرح معركة مقبلة بين دمشق و”قسد”؟/ حسام رستم و محمد أمين

13 يناير 2026

فجرت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، اليوم الثلاثاء، جسر قرية أم تينة في محيط مدينة دير حافر بريف حلب الشرقي، وهو الجسر الذي يربطها بمناطق سيطرة الحكومة السورية، في تطور يعكس تصاعد التوتر العسكري في المنطقة. ويأتي ذلك في وقت تشهد مناطق شرق حلب حالة استنفار أمني متزايدة، بالتزامن مع إعلان الجيش السوري مناطق سيطرة “قسد” في شرق حلب مناطق عسكرية مغلقة.

وفي هذا السياق، أعلنت إدارة منطقة منبج شرقي حلب تعليق الدوام في مدارس بلدة الخفسة والمدارس الواقعة في محيط المنطقة العسكرية التي أعلنت عنها وزارة الدفاع، حرصًا على سلامة الطلاب والكادر التدريسي. وأوضحت الإدارة، في تعميم رسمي نشر على موقع “فيسبوك”، أن القرار يأتي بسبب “التطورات الأمنية”، على أن تستكمل الامتحانات مع بداية الفصل الدراسي الثاني.

في سياق متصل، قال قائد الأمن الداخلي في حلب، العقيد محمد عبد الغني، خلال مؤتمر صحافي، اليوم الثلاثاء، إن قوات الأمن بدأت تنفيذ عمليات تمشيط في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، مشيرًا إلى إزالة عدد كبير من الألغام والكشف عن أنفاق تابعة لقوات “قسد” داخل الأحياء السكنية. وأضاف عبد الغني أنّ السلطات تعمل على إنهاء ما وصفه بـ”مصادر الخطر” في تلك المناطق، مؤكدًا أنّه سيتم قريبًا افتتاح قسمي شرطة في الحيين لتعزيز ضبط الأمن وفرض الاستقرار.

ووجه قائد الأمن الداخلي رسالة إلى المسلحين الذين ألقوا سلاحهم، قائلًا إن “الدولة ستنظر إليهم بعين الرحمة والعدالة”، في حين شدد على أن السلطات “لن تسمح لأي جهة باستغلال البعد الطائفي لتحقيق مكاسب سياسية أو حزبية”، على حد تعبيره.

وتشير المعطيات الميدانية المتواترة إلى أن ريف حلب الشرقي ربما سيكون مسرح صدام بين الجيش السوري وقوات “قسد”، المتهمة من دمشق بتحويل هذا الريف إلى منصة إطلاق للطائرات المسيّرة الانتحارية، وهو ما يهدد الاستقرار في مدينة حلب، التي باتت خالية من وجود أي مجموعات تتبع لهذه القوات ذات الصبغة الكردية.

وفي وقت سابق اليوم الثلاثاء، أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري تحويل منطقة واسعة في ريف حلب الشرقي شمالي سورية، تمتد بين دير حافر ومسكنة شرقي حلب، إلى منطقة عسكرية مغلقة، على خلفية ما قالت إنه تصاعد في نشاط “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، ومجموعات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وفلول من النظام المخلوع. وجاء الإعلان مرفقًا بخريطة توضح نطاق المنطقة المحددة باللون الأحمر، والتي قال الجيش إنها تستخدم نقطة انطلاق لطائرات مسيّرة انتحارية إيرانية الصنع استهدفت مدينة حلب خلال الفترة الماضية.

ودعت هيئة العمليات المدنيين المقيمين في محيط المنطقة إلى الابتعاد عن مواقع انتشار “قسد”، محذرة من خطورة البقاء قرب نقاط تمركز الفصائل المسلحة، في ظل احتمالات تنفيذ عمليات عسكرية. كما طالبت جميع المجموعات المسلحة الموجودة داخل النطاق المُعلن بالانسحاب باتجاه شرق نهر الفرات، مؤكدة أن الجيش “سيتخذ كل الإجراءات اللازمة” لمنع استخدام المنطقة نقطة انطلاق لهجمات جديدة.

وتقع دير حافر إلى الشرق من مدينة حلب بنحو 50 كيلومترًا، وتنبع أهميتها من قربها من العاصمة الاقتصادية للبلاد، فضلًا عن كونها عقدة مواصلات، وسيطرة الحكومة السورية عليها تعني إبعاد الخطر عن حلب وفتح الطريق للتوجه شرقًا. وتقع منطقتا دير حافر ومسكنة جنوب نهر الفرات، أو غربه اصطلاحًا، ما يشير إلى أن وزارة الدفاع السورية ربما تعتزم دفع “قسد” إلى شمال نهر الفرات أو شرقه.

وتسيطر “قسد” على شريط واسع النطاق جغرافيًا جنوب نهر الفرات، من دير حافر غربًا إلى ريف الرقة الجنوبي الشرقي شرقًا، على امتداد أكثر من 100 كيلومتر وبعمق يصل في بعض المواقع إلى أكثر من 30 كيلومترًا. وفي قلب هذا الشريط تقع مدينة الطبقة (شرقي حلب بنحو 100 كيلومتر)، والتي تضم السد المائي الأكبر في البلاد (سد الفرات)، عدا عن كونها عقدة مواصلات مهمة.

وتعليقًا على تصاعد الأحداث في ريف حلب الشرقي، رأى المحلل العسكري العميد فايز الأسمر، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “من حق الدولة السورية – وفق الأعراف والقوانين الدولية – أن تسيطر على كامل ترابها الوطني سلمًا أو حربًا. هذه قاعدة لا جدال فيها أو حولها”. وتابع: “بعد 11 شهرًا على توقيع اتفاق نص صراحة على اندماج قسد في الجيش السوري، لا تزال تماطل في تنفيذه وتتخندق خلف شروطها التعجيزية”.

وبرأيه، فإن “الدولة السورية أثبتت حرصها على حقن دماء السوريين”، مضيفًا: “قسد تعتقد أنها أكبر من الدولة وجيشها وأمنها”. وأشار إلى أنها “كانت تهدد أمن واستقرار مدينة حلب وتعرّض حياة أكثر من 4 ملايين شخص يعيشون فيها للخطر، وهو ما دفع الدولة إلى إنهاء ملف الشيخ مقصود والأشرفية، من خلال السيطرة عليهما خلال فترة قياسية، وترحيل مقاتلي قسد إلى شرق الفرات”.

وأشار الأسمر إلى أن “دمشق حريصة على إنهاء ملف مليشيات قسد على كامل الأراضي السورية”، مضيفًا: “دير حافر ومسكنة وغربي الفرات مرحلة أولى، وقد تم اتخاذ القرار من أجل ذلك ولا عودة عن هذا الأمر حربًا أو سلمًا”. وبيّن أن “كل شبر من الأراضي السورية له أهميته الاستراتيجية”، مضيفًا: “دير حافر ومسكنة لهما أهمية ميدانية فهما تربطان حلب بالرقة وصولًا إلى الحدود العراقية”. كما أوضح أنه “من الناحية التكتيكية لا تستطيع قسد التمسك بهما”، ورأى أن “ريف حلب الشرقي أراضٍ منبسطة ومرصودة للطيران، وسهلة لتحرك الدبابات والآليات المجنزرة والمدولبة”.

——————————–

تفاهمات سرية قد تُغيّر المشهد.. العشائر بوابة دمشق إلى حلب وشرق الفرات/ أحمد العكلة

13 يناير 2026

كشفت مصادر متطابقة أن التطورات الأخيرة في مدينة حلب، ولا سيما في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية، جاءت نتيجة مسار طويل من التنسيق العشائري، سبق الدخول العسكري للجيش السوري، ويمتد تأثيره إلى ما هو أبعد من المدينة، وصولًا إلى مناطق شرق الفرات.

وبحسب مصدر عسكري مطّلع لموقع “الترا سوريا”، فإن الحكومة السورية اعتمدت خلال الأشهر الماضية مقاربة تقوم على تفكيك نفوذ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من الداخل، عبر فتح قنوات تواصل مباشرة مع عشائر عربية تنضوي ضمن صفوفها، ما أسهم في تقليص احتمالات المواجهة العسكرية الواسعة داخل حلب.

وأوضح المصدر أن ريف حلب الشرقي وسد تشرين باتا على رأس أولويات المرحلة المقبلة، في ظل ما وصفه بـ”النجاح النسبي” للتجربة العشائرية داخل المدينة، مشيرًا إلى أن هذا النموذج مرشح للتكرار في مناطق أخرى، ولا سيما شرق الفرات، حيث تلعب العشائر دورًا حاسمًا في إعادة رسم خريطة السيطرة.

البكارة في الواجهة

في السياق نفسه، كشف مصدر سوري مطّلع لموقع “الترا سوريا” في حلب عن تنسيقات سرية جرت منذ نحو شهر بين شخصيات عشائرية فاعلة داخل حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود، وبين جهات رسمية في دمشق، لافتًا إلى مجموعات من أبناء عشيرة البكارة كانت منخرطة سابقًا ضمن صفوف “قسد” منذ عام 2012.

وأضاف المصدر أن عددًا من هذه الشخصيات يتواجد حاليًا في دمشق، تحت إشراف الأجهزة الأمنية، فيما شهدت الفترة الماضية تواصلًا مباشرًا بينها وبين أبو أحمد زكور، مستشار الرئيس أحمد الشرع لشؤون العشائر، في إطار خطة هدفت إلى اختراق البنية الداخلية لـ”قسد”، وتهيئة الأرضية لتسويات ميدانية داخل حلب.

ووفق المعلومات، فإن ما جرى في المدينة يُشبه، من حيث الأسلوب، تحركات عشائرية سابقة شهدتها مناطق أخرى، حيث جرى الاعتماد على الانقسامات الداخلية والرفض الشعبي لسياسات “قسد”، بدلًا من الحسم العسكري المباشر.

قراءة سياسية

يقول أنس شواخ، الباحث السياسي السوري، لموقع “الترا سوريا” إن الأيام القليلة الماضية شهدت حملة موجهة وواضحة ضد مكونات غير كردية داخل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وذلك في أعقاب انسحاب عناصرها من حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، وما رافق ذلك من حديث عن دور لقبيلة البكارة في دعم القوات الحكومية.

ويوضح أن هذه الحملة ظهرت بشكل علني على وسائل التواصل الاجتماعي، وقادها ناشطون موالون لحزب العمال الكردستاني و”قسد”، حيث طالبوا بإجراء مراجعة شاملة للمناصب القيادية التي يشغلها غير الأكراد داخل “قسد”، إضافة إلى التدقيق في خلفياتهم وعلاقاتهم وسيرهم الذاتية، وحتى في طبيعة “الإدارة الذاتية” نفسها.

وفي سياق متصل، تبرز مسألة نسبة المكوّن العربي داخل صفوف “قسد” كإحدى النقاط الحساسة. إذ تشير تقديرات إلى أن ما بين 40 و50 بالمئة من عناصر “قسد” هم من العرب، إلا أن هذه النسبة تشمل شريحة لا يُستهان بها من المجنّدين قسرًا ضمن ما يُعرف بقطاع “الدفاع الذاتي” (التجنيد الإجباري)، وقد تصل هذه الشريحة إلى نحو 10 بالمئة على الأقل. وتُعد هذه المعطيات قابلة للتوظيف سياسيًا أو أمنيًا في أي تطورات قادمة.

أما فيما يتعلق بالتعاون مع العشائر العربية، فيُرجّح أن يكون هذا التعاون قائمًا بالفعل، بل إن العمل عليه بدأ منذ أشهر، حيث ظهر جزء منه إلى العلن فيما بقي الجزء الأكبر بعيدًا عن الأضواء. وفي هذا الإطار، برز حراك مستشار رئاسة الجمهورية لشؤون العشائر، الذي شهد نشاطًا ملحوظًا في مناطق شمال شرق سوريا خلال الفترة الماضية، كان آخره مؤتمر عُقد في دير الزور قبل نحو أسبوع أو عشرة أيام، إلى جانب تواصلات مهمة مع شيوخ عشائر في مناطق سيطرة “قسد” بمحافظتي دير الزور والحسكة.

وتشير التقديرات إلى أن هذه الاتصالات والانشقاقات المحتملة قد تلعب دورًا حاسمًا في أي عمل عسكري أو سيناريو مقبل في المنطقة.

الأرقام والتركيبة

وعند العودة إلى مسألة الأعداد، تروّج “قسد” رسميًا لأن عدد عناصرها يتراوح بين 85 و90 ألفًا، وقد يصل أحيانًا إلى 110 أو 120 ألف عنصر، متضمنًا قوى الأمن الداخلي (الآسايش) وبقية التشكيلات العسكرية والأمنية. إلا أن تقديرات غير معلنة تشير إلى أن العدد الحقيقي لا يتجاوز 40 إلى 45 ألف عنصر فعلي.

أما نسبة العرب داخل هذه التشكيلات، فهي تختلف من جهاز إلى آخر ومن فصيل إلى آخر، حيث تغلب الغالبية الكردية في بعض التشكيلات، بينما تتقارب النسب في تشكيلات أخرى.

وتابع شواخ: “فيما يخص العشائر المتعاونة مع “قسد”، فإن الحسم في هذا الملف يبقى صعبًا للغاية، نظرًا لغياب أي مؤشرات إحصائية دقيقة. فـ “قسد” تعتمد سياسة التواصل مع شيوخ وشخصيات عشائرية في كل منطقة تسيطر عليها، وفي الحالات التي يرفض فيها بعض شيوخ العشائر التعاون، جرى تحييدهم أو حتى تصفيتهم في بعض الأحيان، كما حدث في محافظة الرقة، أو العمل على خلق وتعزيز شخصيات عشائرية ثانوية داخل العشائر نفسها لتجاوز القيادات التقليدية”.

وأكمل الباحث السوري: “أما مستقبل بقاء هذه العناصر العربية داخل “قسد”، فيبقى مرتبطًا بطبيعة أي عملية عسكرية قادمة، إذ تلجأ “قسد” في كثير من الأحيان إلى الانتقام من عائلات المنشقين أو من يقاتلها، ما يخلق حالة خوف لدى كثيرين، خصوصًا أن هذه العائلات تعيش في مناطق مغلقة جغرافيًا ولا تملك القدرة أو الرغبة في مغادرتها”.

انشقاقات وتسليم أحياء

من جانبه، قال مصدر في قوى الأمن الداخلي بمحافظة حلب إن الأهالي في حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود لعبوا دورًا أساسيًا في تسليم أجزاء من الحيَّين للجيش السوري، مؤكدًا وجود انشقاقات داخل صفوف “قسد”، خصوصًا بين العناصر المنتمين إلى عشائر عربية.

وترى مصادر عسكرية أن ما جرى في حلب يُمثّل نموذجًا أوليًا لما قد تشهده مناطق شرق الفرات، حيث يجري العمل على توسيع دائرة التفاهمات العشائرية، في ظل تصاعد السخط داخل العشائر العربية من سياسات “قسد”، ومطالب متزايدة بإنهاء مشاريع التقسيم والحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

وبحسب هذه المصادر، فإن الرهان الأساسي للحكومة السورية بات ينصبّ على العامل العشائري، باعتباره المدخل الأقل كلفة والأكثر فاعلية لإعادة بسط السيطرة، دون الانجرار إلى معارك مفتوحة قد تُدخل المنطقة في مرحلة جديدة من التصعيد.

يقول الباحث في العلاقات الدولية فراس علاوي لموقع “الترا سوريا” إن الدور الرئيسي في تحرير مناطق شرق سوريا من تنظيم “الدولة الإسلامية” لعبته العشائر المحلية، وليس “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بصفتها الحالية. ويوضح أن “قسد” اليوم تؤدي دورًا إداريًا وعسكريًا وأمنيًا في تلك المناطق، إلا أن هذا الدور تمارسه في معظمه عناصر كردية، بينما كان الدور الحقيقي والحاسم خلال سنوات القتال ضد التنظيم بين عامي 2018 و2019 و2020 من نصيب أبناء العشائر أنفسهم.

ويشير علاوي إلى أن أبناء العشائر كانوا “القوى الضاربة” فعليًا في المعارك ضد التنظيم، إذ قاتلوا لتحرير مناطقهم، وكانوا العمود الفقري لقوات “قسد” في تلك المرحلة.

الانشقاقات المحتملة داخل قسد

وحول التطورات الأخيرة، يلفت علاوي إلى أنه حتى اللحظة لم تظهر انشقاقات واسعة داخل “قسد”، ولا تهديدات جدية بانشقاقات كبيرة، رغم وجود مخاوف واضحة لدى قيادتها من هذا السيناريو. لكنه يرى أن الوضع قد يتغير في حال حدوث عملية عسكرية واسعة وبثقل كبير، إذ من الممكن حينها أن تشهد مناطق سيطرة “قسد” انشقاقات، وربما محاولات انقلاب محلية.

ويستحضر علاوي ما جرى في بدايات مرحلة “التحرير”، حين صدرت بيانات عن محاولات انقلاب من قادة محليين داخل مناطق “قسد”، إلا أن هذه المحاولات أُجهضت أو توقفت، إما بسبب قمعها المباشر أو نتيجة عدم تقدم القوات المعادية إلى مناطق سيطرتها.

البعد الجغرافي والعشائري

ويربط علاوي احتمالات الانشقاق بالبُعد الجغرافي والتركيبة العشائرية لكل منطقة. ففي دير الزور، تُعد عشيرتا العكيدات والبكارة الأكبر، وكلتاهما تضم عناصر منضوية ضمن “قسد”. وفي الرقة والحسكة أيضًا، توجد عشائر أخرى ينتمي أبناؤها إلى صفوف “قسد”.

ويشبّه علاوي هذه البنية بما كان عليه الحال خلال سيطرة النظام السوري سابقًا، حيث كان لمعظم العائلات وأهالي المناطق أبناء منخرطون في صفوف قواته، معتبرًا أن هذا الأمر مرتبط بالتركيبة الاجتماعية والديموغرافية للمناطق.

التركيبة العسكرية داخل قسد

ويوضح الباحث أن “قسد”، في بدايات سيطرتها على المنطقة، أبقت على العناصر المحلية في مناطقها الجغرافية، فانتشر أبناء العكيدات في مناطق العكيدات، وأبناء البكارة في مناطق البكارة. إلا أن هذه السياسة شهدت بعض التغيير مؤخرًا، خاصة بعد معركة حلب، حيث جرى تعديل توزيع العناصر ومواقعهم.

ويؤكد علاوي أن الثقل الديموغرافي لا ينعكس بالضرورة على الثقل القيادي أو العسكري، إذ إن معظم أبناء العشائر المنخرطين في “قسد” هم مجرد عناصر دون تسلسل قيادي هرمي حقيقي، ولا يشغلون مواقع قيادية مؤثرة. ويضيف أن قادة الساحات غالبًا ما يكونون من الأكراد، حتى في المناطق ذات الغالبية العربية، مشيرًا إلى أن أي مقاتل كردي يتمتع عادة برتبة أعلى وتأثير أكبر من القادة العرب المحليين.

مستقبل بقاء العناصر العشائرية في قسد

ويختم علاوي حديثه بالقول إن مستقبل بقاء هذه العناصر ضمن “قسد” مرتبط بشكل مباشر بطبيعة وحجم أي عملية عسكرية قادمة. فبحسب رأيه، تعتمد “قسد” سياسة العقاب الجماعي بحق عائلات المنشقين أو من يقاتلونها، ما يخلق حالة خوف شديدة لدى العناصر العشائرية، خاصة أنهم يعيشون في مناطقهم الأصلية ولا يستطيعون مغادرتها أو لا يرغبون بذلك.

وبناءً على ذلك، يرى علاوي أن أي عملية عسكرية واسعة قد تفتح الباب أمام انشقاقات داخل “قسد”، وربما تُحدث خروقات جدية في بنيتها العسكرية والأمنية.

——————————

تحولات العقيدة الأمنية السورية من الاستنزاف إلى الجراحة الدقيقة/ ضياء قويدر

يناير 13, 2026

تشهد الدولة السورية تحت مظلة الحكومة بقيادة الرئيس أحمد الشرع تحولاً جوهرياً في استراتيجيات إدارة الأزمات الداخلية، حيث انتقلت من “الحروب المفتوحة” إلى “العمليات الجراحية الدقيقة”. ويمثل حسم ملف أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد في مدينة حلب في كانون الثاني 2026 نموذجاً معيارياً لما يمكن تسميته استراتيجية “الضغط الأقصى” أو “الإكراه المتدرج”.

لم تكن هذه العملية مجرد تحرك عسكري لاستعادة جغرافيا حضرية، بل كانت ممارسة سيادية تهدف إلى إنهاء حالة “الدويلات داخل الدولة” وتفكيك “الجيوب الأمنية” داخل المراكز الحضرية وتعزيز مفهوم وحدة السلاح الوطني.

تكمن جذور التوتر الأخير في الإخفاق الوظيفي لاتفاق آذار 2025، الذي رسم خارطة طريق لدمج “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ضمن هيكلية الجيش السوري الوطني. إن ممانعة “قسد” في الانتقال من حالة المليشيا الإثنية إلى الانضباط العسكري المؤسسي أدت إلى بقاء جيوب مسلحة خارج سلطة القانون في قلب العاصمة الاقتصادية حلب. من منظور أمني، شكّل هذا الوجود “نقطة ارتكاز قلقة” تهدد التماسك المجتمعي وتوفر ثغرة للاختراقات الأمنية، مما جعل الصدام مسألة وقت بانتظار شرارة ميدانية.

بدأ المشهد الأمني في التآكل في 6 كانون الثاني 2026 إثر سلسلة استفزازات ميدانية، بلغت ذروتها باستهداف كوادر تابعة لوزارة الدفاع. استجاب الجيش السوري عبر تفعيل نظرية “التدرج في استخدام القوة”. في 7 كانون الثاني أُعلنت المنطقة “منطقة عسكرية مغلقة”، مع فرض حظر تجوال دقيق وتأمين ممرات إنسانية (معبر الأواريد وشارع الزهور).

هذا التكتيك العسكري لم يستهدف التدمير الشامل، بل استهدف “تفتيت إرادة القتال” لدى الطرف الآخر. وبحلول 8 كانون الثاني ومع بلوغ الخسائر حدوداً حرجة، أدركت القيادات الميدانية لـ “قسد” أن كلفة البقاء تتجاوز القدرة على التحمل في ظل الاختراقات الميدانية لحزامها الدفاعي المحصن الذي عززته خلال سنوات الصراع.

وفي 9 كانون الثاني أُعلن عن التوصل لاتفاق يقضي بخروج المقاتلين بأسلحتهم الخفيفة نحو الشمال الشرقي، لتنتهي بذلك حقبة من الانقسام الجغرافي داخل حلب دامت لأكثر من عقد.

تعتمد الاستراتيجية التي انتهجتها دمشق على ثلاثة ركائز أكاديمية في إدارة الصراعات:

1- التمويه والتلويح بالقوة: كما يشير الخبراء العسكريون، اعتمد الجيش على الحشد الاستراتيجي والضربات النوعية بدلاً من الاجتياح البري الكلاسيكي، مما قلل الكلفة البشرية والمادية.

2- المسارات المتوازية: الجمع بين العزل العسكري المحكم والقنوات التفاوضية المفتوحة، وهو ما يُعرف في الأدبيات العسكرية بـ”الدبلوماسية القسرية”.

3- تجريد الخصم من “سردية المظلومية”: من خلال الالتزام الصارم بقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، عبر التمييز بين المقاتلين والمدنيين وتوفير ممرات الإخلاء، مما أفشل محاولات “قسد” لتدويل الأزمة أو تصويرها كقمع عرقي.

أظهرت أزمة حلب الأخيرة حجم التوازنات الدقيقة التي تديرها الحكومة السورية:

الموقف الإسرائيلي: عكست تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي محاولة للتدخل عبر “القوة الناعمة” من خلال إدانة العمليات، في محاولة لاستنساخ سيناريو السويداء، إلا أن سرعة الحسم الميداني قطعت الطريق أمام أي تدخل خارجي قد يفرض واقعاً جديداً.

الدور التركي: برزت أنقرة كحليف موضوعي في هذا الملف، حيث اعتبرت العمليات العسكرية السورية خطوة ضرورية لتقويض نفوذ التنظيمات المرتبطة بـ”PKK”، مما يمنح دمشق غطاءً إقليمياً لتعزيز سيادتها دون الاصطدام مع القوى المجاورة.

إن نجاح العملية في الشيخ مقصود والأشرفية لا يعد انتصاراً عسكرياً فحسب، بل هو “اختبار كفاءة” للدولة السورية الجديدة. لقد أثبتت المؤسسة العسكرية قدرتها على إدارة ملفات حضرية معقدة بأدوات حديثة تبتعد عن سياسة “الأرض المحروقة”، مما يعزز شرعيتها الدولية والمحلية.

ختاماً، تمثل هذه العملية رسالة استراتيجية واضحة لمناطق الشمال الشرقي: أن نموذج “الإدارة الذاتية” المسلحة داخل حدود الدولة لم يعد خياراً مستداماً. إن استعادة حلب بالكامل تضع حجر الزاوية لمشروع توحيد البلاد، وتؤكد أن السيادة الوطنية السورية هي الضامن الوحيد للاستقرار. الطريق نحو السلام المستدام لا يمر عبر الصفقات المؤقتة، بل عبر فرض سيادة القانون ووحدة السلاح تحت مظلة الدولة، مع مراعاة الخصوصيات الثقافية والاجتماعية ضمن إطار المواطنة لا المليشيات.

الثورة السورية

—————————————-

 نحو حل وطني للمسألة الكردية في سوريا/ فراس آدم

2026.01.13

يصعب فهم النزاع المتكرر بين السلطة السورية و”قوات سورية الديمقراطية” خارج سياقه الأوسع: سياق دولةٍ لم تُحسن، تاريخيًا، إدارة تعدّدها، وسياق حربٍ أطاحت بالسياسة من مكانها الطبيعي، ودفعت المجتمع إلى أن يفتّش عن الأمان والتمثيل والحقوق في أماكن غير الدولة.

لذلك، فإن أي مقاربة جادّة لما يجري في الشمال والشمال الشرقي، وما ينعكس منه على حلب وغيرها، لا ينبغي أن تُختزل في “ترتيبات أمنية” أو “خلافات إدارية”، بل أن تُقرأ بوصفها سؤالًا تأسيسيًا: كيف نعيد بناء دولة وطنية حديثة في سوريا على قاعدة المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان؟ وكيف تُحل المسألة الكردية حلًا وطنيًا نهائيًا لا يتركها رهينة اللحظة أو رهينة الخارج؟

منذ الاستقلال، ظلّ النموذج الغالب للدولة السورية مائلًا إلى المركزية الثقيلة، وإلى تعريف الوطنية تعريفًا أحاديًا ضيقًا، يضع التنوع القومي والثقافي في خانة “المشكلة” لا في خانة “المورد”. في هذا السياق، عوملت المسألة الكردية غالبًا كملف أمني أو إداري، لا كقضية مواطنة وحقوق.

وكانت النتيجة تراكم مظالم: حرمان وتهميش، وإنكار للهوية الثقافية، وفجوة ثقة عميقة بين الدولة وجزء من مواطنيها. لم تكن هذه السياسات قادرة على إنتاج اندماج وطني؛ بل أنتجت هشاشة مستدامة، ظهرت آثارها بوضوح حين انكشفت الدولة أمام اختبار عام 2011 وما بعده.

حين انهارت مؤسسات الدولة في مناطق واسعة، لم تملأ الفراغ مؤسسات مدنية منتخبة ولا عقد اجتماعي جديد، بل ملأته قوى مسلحة وإدارات أمر واقع. وهنا ينبغي الإقرار بحقيقة مزدوجة: من جهة، نشأت “قسد” في سياق حرب “داعش” وبإسناد أميركي مباشر، وتمكّنت من بناء منظومة أمنية وإدارية في منطقة عانت تاريخيًا ضعف الدولة أو قسوتها، ومن جهة أخرى، تحوّل وجودها مع الوقت إلى معضلة سيادية، لأن الدولة الوطنية الحديثة لا يمكن أن تُبنى على تعدد جيوش ومرجعيات أمنية متوازية. هذه ليست مجرد مسألة تقنية، إنها لبّ فكرة الدولة نفسها: احتكار مشروع للقوة مقابل قانون ومواطنة متساوية وضمانات حقوقية.

لكن اشتراط حصرية السلاح بيد الدولة لا يكتمل معناه إن لم يُقرَن بالسؤال المقابل: أي دولة ستحتكر هذا السلاح؟ الدولة التي تُعيد إنتاج الإنكار والتهميش، أم الدولة التي تُعيد تعريف نفسها كدولة مواطنين لا رعايا؟ هنا تحديدًا تقع العقدة السورية الراهنة: الدولة تطالب باستعادة السيادة ووحدة القرار، في حين تخشى القوى الكردية — ومعها قطاعات من مجتمعها — من أن تكون “استعادة السيادة” مرادفًا لعودة النموذج القديم: مركزية بلا تمثيل، وأمن بلا قانون، ووحدة بلا مساواة. وفي المقابل، تخشى قطاعات واسعة من السوريين من أن يرسّخ استمرار السلاح خارج الدولة أمرًا واقعًا دائمًا يفتح الباب لتفكك السيادة وتآكل المجال الوطني.

هذه المخاوف المتبادلة هي تعريف عملي لأزمة الثقة، ومن دون معالجة جذرية لهذه الأزمة، ستظل أي تفاهمات — بما في ذلك اتفاقات مرحلية كاتفاق العاشر من آذار — عرضة للتأويل المتناقض والانهيار. فالاتفاقات التي لا تسندها مرجعية دستورية واضحة، ولا آليات تنفيذ قابلة للتحقق، ولا ضمانات متبادلة، تتحول سريعًا إلى “هدنة لغوية” لا إلى مسار سياسي.

من هنا، تبدو إعادة بناء الثقة ليست تفصيلًا مساعدًا، بل قلب الحل نفسه. وبناء الثقة في السياق السوري لا يتحقق بخطابات مطمئنة أو بوساطات مؤقتة، بل بحزمة إجراءات ملموسة ومتدرجة، تشكّل معًا “جسرًا” بين واقع السلاح وواقع الدولة.

أول عوامل الثقة هو الاعتراف المتبادل بالحقائق الأساسية. الاعتراف من الدولة بأن المسألة الكردية ليست تهديدًا للوحدة، بل قضية حقوق ومواطنة متساوية، وأن أي صيغة وطنية لا تتضمن ضمانات دستورية لهذه الحقوق ستعيد إنتاج الأزمة. وفي المقابل، الاعتراف من القوى الكردية بأن تعدد الجيوش لا يصلح أساسًا دائمًا، وأن السلاح لا يمكن أن يبقى مرجعية سياسية أعلى من المجتمع والدستور، وأن الحقوق لا تُحمى طويلًا بتحالفات خارجية متقلبة.

العامل الثاني هو الانتقال من “التطمين” إلى “الضمان”. فالتطمين خطاب، والضمان مؤسسات. والضمان يعني قواعد واضحة: نصوصًا دستورية تعترف بالتعدد الثقافي واللغوي، وتقرّ مبدأ المواطنة المتساوية، وتمنع التمييز، وتحدد شكل اللامركزية وصلاحياتها وحدودها. كما يعني ضمانات قضائية وإدارية تحول دون عودة الاعتقال السياسي أو الإقصاء من الوظائف أو خنق المجال العام.

العامل الثالث هو إجراءات حسن نية قابلة للقياس، لا مكاسب دعائية. يمكن أن تبدأ بخطوات تخفف التوتر وتغيّر المزاج العام: إطلاق سراح معتقلين على خلفيات سياسية حيثما وُجدوا، ووقف التحريض الإعلامي المتبادل، وفتح قنوات تواصل رسمية ثابتة بدل الاتصالات الظرفية، وتثبيت قواعد واضحة لحماية المدنيين وتحييد المدن عن الاستعراضات المسلحة. هذه الخطوات الصغيرة، حين تُنفّذ، تصنع أثرًا أكبر من بيانات مطوّلة.

العامل الرابع هو إعادة بناء الثقة عبر الاقتصاد والخدمات، لأن السياسة في سورية تمر عبر العيش اليومي. حين يشعر الناس أن “التسوية” تعني فقط إعادة توزيع السلطات، سيفقدون الاهتمام بها أو سيخافون منها. أما حين يرون تحسنًا ملموسًا في الخدمات، وشفافية في إدارة الموارد، ونزاهة في الإدارة، وسياسات تنمية محلية عادلة، فإن فكرة الدولة تصبح أكثر إقناعًا من فكرة السلاح. لذلك، ينبغي أن يتضمن أي مسار لبناء الثقة ترتيبات شفافة لإدارة الموارد، ومساءلة محلية، وآليات رقابة تمنع اقتصاد الحرب من ابتلاع “السلام”.

العامل الخامس — وربما الأكثر حساسية — هو ترتيب العلاقة بين الأمن والسياسة. لا يمكن بناء ثقة حقيقية إذا بقي الأمن فوق السياسة. المطلوب مسار تدريجي ومدروس نحو حصرية السلاح بيد الدولة، لكن على قاعدة دمج مؤسسي لا إذلالي، وعلى قاعدة إصلاح المؤسسة الأمنية والعسكرية نفسها لتصبح وطنية جامعة وخاضعة للرقابة. والدمج هنا لا يعني محو الهويات أو التجارب، بل إخضاعها لمنطق الدولة: قانون واحد، وقيادة واحدة، ومسؤولية واحدة أمام سلطة مدنية ودستور.

هذه العوامل لا تعمل في فراغ، فالمشهد السوري محكوم أيضًا بضغوط إقليمية ودولية. تركيا ترى في أي كيان كردي مسلح تهديدًا لأمنها القومي، وتملك أدوات ضغط عسكرية وسياسية تجعل أي تسوية داخلية بحاجة إلى تحييد هواجسها بترتيبات حدودية وأمنية لا تلغي حقوق المواطنين السوريين. والولايات المتحدة تتعامل مع “قسد” ضمن منطق وظيفي مرتبط بأولوياتها، وهو منطق متغير وغير مضمون. كما تستفيد إسرائيل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من استمرار التفكك الإقليمي. لذلك، فإن إعادة بناء الثقة داخليًا تتطلب أيضًا تخفيض الاعتماد على الضمانات الخارجية لصالح ضمانات وطنية دستورية، لأن الحقوق التي تُربط بموازين الخارج تصبح رهينة تقلباته.

وسط كل ذلك، تبرز حقيقة تبدو بديهية لكنها مهملة: سوريا اليوم في مرحلة هشّة إلى حد يجعل تعدد الأهداف خطرًا. ففي المراحل المستقرة يمكن للدولة أن تتحمل صراعات سياسية متعددة؛ أما في لحظة انهيار اقتصادي واجتماعي ومؤسساتي، فإن الأولوية تصبح واحدة: بناء الدولة الوطنية السورية بوصفها الإطار الوحيد القادر على حمل الحقوق وحماية المجتمع. وبناء الدولة هنا ليس شعارًا؛ إنه عملية شاقة تشمل إعادة الاعتبار للقانون، وإصلاح الإدارة، وإعادة إنتاج الشرعية عبر المشاركة السياسية، وتثبيت حياد الدولة تجاه مواطنيها، بحيث لا يشعر أي مكوّن أن الدولة “لغيره”.

بهذا المعنى، فإن حل المسألة الكردية ليس ملفًا منفصلًا عن مشروع بناء الدولة، بل هو امتحانها الأكبر. حلٌّ وطني نهائي يعني أن يعترف السوريون — دولةً ومجتمعًا — بأن المواطنة المتساوية هي الضمانة الوحيدة للوحدة، وأن حصرية السلاح بيد الدولة شرط لا بد منه لقيام الدولة، لكن شرطه المقابل أن تكون هذه الدولة جديرة باحتكار القوة: دولة قانون لا دولة مزاج، ودولة حقوق لا دولة استثناء، ودولة تنوع لا دولة إنكار.

الطريق إلى ذلك ليس قصيرًا، لكنه واضح المعالم: وقف منطق الحرب بوصفه لغة السياسة، وبناء الثقة بخطوات متدرجة قابلة للتحقق، وإدراج أي اتفاقات مرحلية ضمن مسار دستوري وطني شامل، ثم الانتقال تدريجيًا نحو دولة واحدة بجيش واحد وقانون واحد، يكون فيها الأكراد — وسائر السوريين — مواطنين متساوين لا “ملفًا” ولا “استثناءً”. وما دون ذلك سيبقي سورية معلّقة بين سيادتين: سيادة لا تكتمل لأنها بلا ثقة، وحقوق لا تستقر لأنها بلا دولة.

تلفزيون سوريا

—————————————

دمشق تسعى إلى إخراج «قسد» من ريف حلب إلى شرق الفرات

«هيئة العمليات في الجيش»: المنطقة أصبحت منطلقاً للمسيّرات الانتحارية الإيرانية

دمشق: سعاد جروس

13 يناير 2026 م

أخذت تطورات الأوضاع الميدانية في ريف حلب شمال سوريا منحى تصاعدياً مع بدء الجيش السوري استهداف مواقع في دير حافر بعد ساعات قليلة من إعلانه بلدتين في منطقة عسكرية مغلقة، متوعداً «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) باتخاذ «كل ما يلزم» لردع تحركاتها العسكرية.

وأعقب ذلك تفجير جسر بمحيط بلدة دير حافر يفصل بين مناطق سيطرة «قسد» ومناطق الحكومة، وقال التلفزيون الرسمي السوري إن «قسد» قامت بتفجير الجسر، وأكدت مصادر مقربة من وزارة الدفاع لـ«الشرق الأوسط» الجاهزية لتنفيذ عملية عسكرية في دير حافر، ما لم تحصل تغيرات.

وقالت قوات «قسد»، الثلاثاء، إن القوات السورية بدأت باستهداف بلدة دير حافر بقذائف المدفعية، وذلك بعد ساعات قليلة من صدور بلاغ عاجل عن «هيئة العمليات في الجيش» بتحديد البلدة، إضافة لبلدة مسكنة «منطقة عسكرية مغلقة من تاريخ صدور البلاغ»، وأظهرت في خريطة مرفقة المناطق المحددة باللون الأحمر.

مصادر محلية في شمال سورية أفادت بأن بلدة دير حافر بدت، الثلاثاء، شبه خالية من المدنيين وسط مخاوف من عمليات القصف التي قد تستهدف مناطق سكنية حيث تتحصن عناصر «قسد»، كما أفادت المصادر لـ«الشرق الأوسط» بقطع قوات «قسد» للطرق والجسر الواصل بين ضفتي نهر الفرات، أي بين مناطقها ومناطق سيطرة وزارة الدفاع. كما تعمل على توسيع المناطق التي تسيطر عليها وتوسيع مواقع التسلل إلى مناطق تمركز قوات وزارة الدفاع، مع دفع مزيد من التعزيزات إلى منطقة سد تشرين جنوب شرقي منبج.

كما لفتت إلى دفع «قسد» فلول النظام المتواجدين في مناطقها وفي الفرقة 17 إلى الواجهة، واعتبرت ذلك مؤشراً على اهتزاز «قسد» الثقة بأبناء العشائر العربية المنضوين في تنظيمها في ظل التوترات الحاصلة.

وأشارت الهيئة إلى «استمرار تنظيم (قسد) بحشد مجاميعه مع ميليشيات (العمال الكردستاني) وفلول النظام البائد في هذه المنطقة التي أصبحت منطلقاً للمسيّرات الانتحارية الإيرانية التي قصفت مدينة حلب». ودعت الهيئة المدنيين إلى «الابتعاد عن مواقع تنظيم (قسد) بهذه المنطقة»، وتوجهت إلى جميع المجاميع المسلحة بهذه المنطقة، بالقول إن عليهم «الانسحاب إلى شرق الفرات حفاظاً على أرواحهم». وتوعد الجيش السوري بأنه «سيقوم بكل ما يلزم لمنع المجاميع المسلحة التي تحتشد بهذه المنطقة من استخدامها منطلقاً لعملياتهم الإجرامية».

واتهمت دمشق، الاثنين، «قسد» بإرسال تعزيزات إلى دير حافر (40 كم شرق حلب)، الأمر الذي نفته قوات «قسد» فيما أعلنت السلطات السورية إرسال تعزيزات إلى منطقة دير حافر.

ورغم التصعيد الكبير الحاصل، فإن احتمالات توسع المواجهات ما تزال مستبعدة. وحسب مصادر كردية، دمشق وبدعم تركي وصمت دولي تعمل على إخراج «قسد» من مناطق شرق الفرات، تحديداً محافظة حلب، بعد إخراجها من مدينة حلب، قبل العودة إلى المفاوضات.

وهناك من يرى التصعيد شرق حلب وحتى جنوب وغرب الرقة «تحصيل حاصل» ضمن مسار التطورات الجاري، حسب رأي الباحث والمحلل السياسي عبد الوهاب عاصي، الذي قال إن «معركة شرق حلب، وربما أيضاً معركة جنوب وغرب الرقة ليست أكثر من تحصيل حاصل، بما يؤدي لانسحاب (قسد) نحو شرق الفرات قبل استئناف المفاوضات بين الطرفين على أرضية اتفاق 10 مارس (آذار)».

ورجح عاصي أنّ الحكومة السورية لن تقبل باستئناف المفاوضات قبل ضمان استجابة «قسد» لشرطين رئيسيين هما: «الانسحاب الكامل نحو شرق الفرات، ورفع الدعم والحماية عن فلول الأسد، وإلا فالعمليات العسكرية سوف تستمر وربما تتجاوز حدود غرب الفرات وتتجه إلى مناطق أخرى شرقه، مثل عين العرب (كوباني) والطريق الواصل بين معدان ومناطق عملية نبع السلام شمال الرقة لتطويق (قسد) في الرقة ودفعها للانسحاب نحو الحسكة ودير الزور».

ويتقاطع هذا الرأي مع ما قاله الباحث والمحلل السياسي بسام السليمان عن نية الحكومة السورية توجيه رسالة إلى «قسد» من خلال فرض سيطرتها على المناطق «التي هددت أمن المواطنين فقط»، ويقصد منطقة دير حافر وما حولها التي «أطلق منها عشرة مسيّرات إيرانية ضد حلب، وحاولت «قسد» من خلالها اغتيال وزيرين ومحافظ حلب أكبر محافظة سورية».

لكن هل سنشهد مناوشات في مناطق أخرى لتوسيع المواجهات؟ يعتقد السليمان أن «هذا غير واضح»، لكن الواضح هو تحشيد «قسد» لفلول النظام السابق في مواجهة الجيش السوري، الذي يتناقض مع اتفاق 10 مارس الذي نص في أحد بنوده على التعاون بين الحكومة السورية وقوات «قسد» لمواجهة تحركات الفلول. وأضاف: «كيف يظهر الفلول في مقاطع فيديو من مناطق سيطرة (قسد) يتوعدون الدولة السورية بالوصول إلى الساحل!».

ورغم ذلك يعول بسام السليمان على «التيار الوطني» داخل «قسد» ليقول كلمته، لافتاً إلى وجود تيارات مختلفة داخل التنظيم، منها من يرفض التقسيم وغير راضٍ عن توجهات القيادات المتطرفة في «قسد».

الشرق الأوسط

———————————-

نذر مواجهة بين دمشق و”قسد” في ريف حلب الشرقي/ حسام رستم و محمد أمين و محمد شيخ يوسف

13 يناير 2026

لا يبدو أن خروج “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، أواخر الأسبوع الماضي، سيضع حداً للتوتر بينها وبين الحكومة السورية، إذ تشير المعطيات الميدانية إلى أن ريف حلب الشرقي قد يكون مسرح صدام جديداً بين الجيش السوري و”قسد”، وتحديداً بلدتي دير حافر ومسكنة، مع إعلان الجيش اليوم الثلاثاء هذه المنطقة “عسكرية مغلقة” على خلفية ما قال إنه تصاعد في نشاط “قسد” ومجموعات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني وفلول من النظام المخلوع. وفي حين تثير هذه التطورات مزيداً من التساؤلات حول مصير اتفاق العاشر من مارس/ آذار 2025 بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، لدمج هذه القوات ضمن الدولة السورية، فإن الوقائع تشي بأن هذا الحسم الميداني يستبق راهناً التفاهمات السياسية.

منطقة عسكرية في ريف حلب الشرقي

وأعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري، اليوم الثلاثاء، تحويل منطقة واسعة في ريف حلب الشرقي، شمالي سورية، تمتد بين دير حافر ومسكنة، إلى منطقة عسكرية مغلقة، على خلفية ما قالت إنه تصاعد في نشاط “قسد” ومجموعات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني وفلول من نظام بشار الأسد. وطالبت جميع المجموعات المسلحة الموجودة داخل النطاق المعلن بالانسحاب باتجاه شرق نهر الفرات، مؤكدة أن الجيش “سيتخذ كل الإجراءات اللازمة” لمنع استخدام المنطقة نقطة انطلاق لهجمات جديدة. وجاء الإعلان مرفقاً بخريطة توضح نطاق المنطقة المحددة باللون الأحمر، والتي قال الجيش إنها تُستخدم نقطة انطلاق لطائرات مسيّرة انتحارية إيرانية استهدفت مدينة حلب خلال الفترة الماضية. ودعت هيئة العمليات المدنيين المقيمين في محيط المنطقة إلى الابتعاد عن مواقع انتشار “قسد”، محذّرة من خطورة البقاء قرب نقاط تمركز الفصائل المسلحة، في ظل احتمالات تنفيذ عمليات عسكرية. وتقع المنطقة المشمولة بالتحذير في واحدة من أكثر مناطق ريف حلب الشرقي حساسية، إذ تمتد من محيط دير حافر مروراً بقواص وبابيري وصولاً إلى مسكنة، على الضفة الغربية لبحيرة الأسد، وتشكل عقدة جغرافية قريبة من خطوط التماس بين الجيش السوري و”قسد”. وأعلنت إدارة منطقة منبج، شرقي حلب، تعليق الدوام في مدارس بلدة الخفسة والمدارس الواقعة في محيط المنطقة العسكرية التي أعلنت عنها وزارة الدفاع، حرصاً على سلامة الطلاب والكادر التدريسي. وأوضحت الإدارة في تعميم رسمي أن القرار يأتي بسبب “التطورات الأمنية”، على أن تُستكمل الامتحانات مع بداية الفصل الدراسي الثاني.

وأمس الاثنين، نقلت وكالة الأنباء السورية (سانا)، عن هيئة العمليات في الجيش السوري إعلانها أنها رصدت “وصول المزيد من المجاميع المسلحة إلى نقاط انتشار تنظيم قسد بريف حلب الشرقي، قرب مسكنة ودير حافر”. وتابعت: “بحسب مصادرنا الاستخباراتية، فإن هذه التعزيزات الجديدة ضمت عدداً من مقاتلي تنظيم العمال الكردستاني الإرهابي وفلول النظام البائد”، مضيفة أن “استقدام تنظيم قسد لمجاميع إرهابية هو تصعيد خطير، وأي تحرك عسكري ستقوم به هذه المجاميع سيقابل برد عنيف. لن نقف مكتوفي الأيدي تجاه هذا التصعيد الخطير”. كما نقلت وكالة “سانا” عن مصدر عسكري أن “تعزيزات جديدة للجيش السوري وصلت إلى نقاط الانتشار في دير حافر ومسكنة بريف حلب الشرقي، وذلك بعد استقدام تنظيم قسد مجاميع إرهابية من العمال الكردستاني وفلول النظام البائد على المحور نفسه”. وكانت وزارة الدفاع السورية قد ذكرت، السبت الماضي، أن قوات “قسد” تحشد في دير حافر، إلا أن المركز الإعلامي لـ”قسد” نفى ما قال إنها “ادعاءات مضللة نشرتها وزارة الدفاع التابعة لحكومة دمشق حول وجود تحركات أو تحشيدات عسكرية لقواتنا على جبهة دير حافر”، مؤكداً عدم وجود أي تحركات أو استعدادات غير طبيعية. وأفادت وكالة فرانس برس اليوم بأن القوات الحكومية السورية استقدمت تعزيزات عسكرية إلى منطقة دير حافر، فيما ذكرت وكالة “سانا” أن الجيش السوري استهدف مواقع “قسد” بمحيط مدينة دير حافر بقذائف المدفعية، رداً على استهداف الأخيرة محيط قرية حميمة، شرقي حلب، بالطائرات المسيرة. كما نقلت “سانا” عن مصادر عسكرية أن الجيش أفشل محاولة عناصر “قسد” تلغيم وتفجير الجسر الواصل بين قريتي رسم الإمام ورسم الكروم قرب دير حافر، شرق حلب.

وتقع دير حافر إلى الشرق من مدينة حلب بنحو 50 كيلومتراً، وتنبع أهميتها من قربها من حلب، فضلاً عن كونها عقدة مواصلات، وسيطرة الحكومة السورية عليها تعني إبعاد الخطر عن حلب وفتح الطريق للتوجه شرقاً. وتقع منطقتا دير حافر ومسكنة جنوب نهر الفرات أو غربه اصطلاحاً، ما يشير إلى أن وزارة الدفاع السورية ربما تعتزم دفع قوات “قسد” إلى شمال نهر الفرات أو شرقه. وتسيطر قسد على شريط واسع النطاق الجغرافي جنوب نهر الفرات من دير حافر غرباً إلى ريف الرقة الجنوبي الشرقي شرقاً على امتداد أكثر من 100 كيلومتر وبعمق يصل في بعض المواقع إلى أكثر من 30 كيلومتراً. وفي قلب هذا الشريط تقع مدينة الطبقة (شرقي حلب بنحو 100 كيلومتر)، التي تضم السد المائي الأكبر في البلاد (سد الفرات)، إضافة لكونها عقدة مواصلات مهمة.

حزب العمال الكردستاني على الخط

ودخل حزب العمال الكردستاني على الخط، إذ اعتبر أن المعارك التي شهدتها حلب أخيراً بين الجيش السوري “وقسد” ترمي إلى “تقويض وقف إطلاق النار” بين أنقرة ومقاتلي الحزب، وقال في بيان نقلته وكالة فرات للأنباء الموالية للحزب إن ما وصفها بـ”عصابات ومرتزقة تابعين للدولة التركية” شاركوا في المعارك، معتبراً أن ذلك “يقوّض وقف إطلاق النار” بينه وبين تركيا، “فضلاً عن عملية السلام والديمقراطية الناتجة عنها”. وقال الحزب في بيان نقلته وكالة فرات للأنباء الموالية للقوميين الأكراد إن “هذه الهجمات على الأحياء الكردية (في حلب)، مع الإشارة المتكررة إلى حزب العمال الكردستاني” تهدف إلى “تقويض حركة التحرير ووقف إطلاق النار الذي التزمت بدقة بتنفيذه”، وسأل كيف يمكن في ضوء ذلك “تنفيذ نداء القائد آبو (في إشارة إلى الزعيم التاريخي للحزب عبد الله أوجلان) إلى إنهاء الكفاح المسلح؟”. وكان أوجلان المسجون انفرادياً منذ عام قد دعا من زنزانته في فبراير/ شباط 2025 مقاتلي حزب العمال الكردستاني إلى وضع حد للكفاح المسلح. وأعلن الحزب وقفاً لإطلاق النار من جانب واحد في الأول من آذار/ مارس، ثم حلّ نفسه في 12 مايو/ أيار الماضي.

في المقابل، قالت صحيفة حرييت التركية إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شدد على أن عملية طرد “قسد” من مدينة حلب تعد فرصة لتنفيذ اتفاق العاشر من مارس. ونقلت وسائل إعلام تركية، منها “حرييت”، تصريحات أردوغان في اجتماع اللجنة التنفيذية للحزب الذي جرى الاثنين في أنقرة، وفيها أوضح أردوغان أنه لا يمكن السماح من قبل تركيا “بتقويض الأخوّة بين الأتراك والعرب والأكراد، ويجب إدارة المرحلة بحساسية وحذر من أي استفزازات”، قاصداً مرحلة تركيا خالية من الإرهاب، واتفاق العاشر من مارس التي تعتبرها الحكومة التركية متصلة بالمسار في تركيا. وأكد أردوغان أنه تم اتخاذ جميع التدابير اللازمة لمنع أي وضع من شأنه تهديد أمن تركيا، مشدداً على أن “تطهير حلب من عناصر وحدات الحماية الكردية يعد إنجازاً هاماً في سبيل إرساء سلام وهدوء وأمن دائمين في سورية”، مضيفاً أنه على الرغم من المطالب المتشددة وغير المنطقية للفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، فإن الحكومة السورية تعمل وفق نهج شامل، واستمرار هذا النهج يصب في مصلحة الشعب السوري.

وتعليقاً على تصاعد الأحداث في ريف حلب الشرقي، رأى المحلل العسكري العميد فايز الأسمر، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “دير حافر ومسكنة لهما أهمية ميدانية، فهما تربطان حلب مع الرقة وصولاً للحدود العراقية”، كما أوضح أنه “من الناحية التكتيكية لا تستطيع قسد التمسك بهما”، مضيفاً أن ريف حلب الشرقي أراض منبسطة ومرصودة للطيران وسهلة لتحرك الدبابات والآليات المجنزرة والمدولبة.

من جهته، رأى الباحث المساعد في مركز الشرق الأوسط للدراسات سامر الأحمد، في حديث مع “العربي الجديد”، أن التصعيد من جانب الحكومة “ردة فعل على تحشيد قوات قسد في منطقة دير حافر”. وبرأيه، فإنّ الحكومة “تريد تأمين مدينة حلب بعد الهجمات بالطائرات المسيّرة والتي انطلقت من ريف حلب الشرقي وتحديداً من دير حافر”، وأعرب عن اعتقاده بأن التحرك من قبل وزارة الدفاع السورية “لا يصب في اتجاه إجراء فصل ديمغرافي ما بين غربي الفرات وشرقه”، مضيفاً أن فلول النظام وكوادر حزب العمال الكردستاني في قوات قسد هم الذين يهددون حلب، لذا وجدت الحكومة أن دفع هذه المجموعات إلى شرقي الفرات يبعد التهديد عن حلب. وبرأيه، فإن الحكومة “ستطالب قسد بتطبيق اتفاق مارس 2025 والدخول بمفاوضات جادة”، لافتاً إلى أن “دمشق اليوم تملك أوراقاً مهمة بعد التخلص من عامل ضغط كانت تستخدمه قسد، أي حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب”، وأعرب عن اعتقاده بأن ما جرى في حلب “سيتكرر في عدة مناطق إذا لم تستجب قسد لدعوات تطبيق اتفاق مارس والاندماج في الدولة السورية”، معتبراً أن لا رغبة إقليمية ولا دولية في تكريس التقسيم في سورية.

العربي الجديد

—————————–

يا رايحين ع حلب/ عبير داغر اسبر

13 يناير 2026

تُخاض الحروب باسم الشعوب. تُخاض للدفاع عن الكرامة، عن التاريخ، عن الأرض، ودفاعاً عن اسم الله ورايته، مهما كان من حمل تلك الراية، ورفع ذاك الشعار. تلزم الحروب كل تلك الصفات، والشعائر، والأعلام. تلزمها اللغة، إذ لم يَصِرْ مرة أن خيضت حرب من أجل الجشع، ولا اقترافًا للنذالة، ولا لشهوة القتل والسبي والنهب. يخجل البشر من صورتهم في اللغة ذاتها. يبحثون عن الفخر والاعتداد في مرويات من مضوا. يبحثون عن حكاية لأسطرة كل تلك الخسّة، التي ما فتئوا يكرّرونها كلما جاعوا، أو عطشوا، أو اشتهوا مال قريبهم، امرأته ودابته. يريدون ما يلوّن أثواب نسائهم بغير الأسود عند الفجيعة، والأحمر عند سفح الدماء في أنهار الخطيئة. يريد البشر حجّة عليا كي يمارسوا التوحش بضمير مُخدَّر بنيات رفيعة، نبيلة المحتد، راقية النسب. ينشبون خبرات العنف في جسد البلد، في مدنه، في أجساد قاطنيه. يصطرعون.

فعلها الجميع. يفعلها السوريون منذ سنوات ولم يملّوا. ربما تعبوا وأنهكوا ودفنوا كثيرًا من الموتى والشهداء، لكنهم لم يملّوا. وإلا، لمَ في كل يوم، من كل يوم، يروّحون الحرب؟ يحملون أسلحتهم ويروحون إلى الشارع المقابل، إلى بيت الجار. يُشهِرون غضبهم ونزقهم وضجرهم. يلعبون لعبة الحرب علّهم يجزون الوقت، في قتل بعضهم، قبل أن يقتلهم الملل. باسم الكرامة، باسم الحق، باسم الثأر الخالص، يبحث السوريون كل يوم عن اسم لحربهم، عن سبب لها. حصل في حمص، في الساحل، في السويداء، والآن في حلب. يروح الكل إلى حلب. ويا رايحين ع حلب.

في شمال حلب، تدور معركةٌ ليست كبرى، ولا تُخاض لتُعلن نتائج فاصلة. تحدث من باب التكرار المفرط لعادة يومية، كما لو أنها تدريب لياقة، طقس من طقوس الحرب الطويلة. منذ أشهر، اشتباكات للقوى الكردية ووحدات من القوات السورية. تتقدّم حينًا وتتراجع أحيانًا بلا أفق، وبلا هدف، أو حتى شعار ملائم، سوى تلك اللغة التي لا تتعب من تبرير نفسها بمقولة البادئ أظلم، بحيث تجد دائمًا ما تقوله كي لا تصمت.

ما يجري في حلب يلبس لبوس الصراع العسكري بإتقان، لكنه لا ينطلي علينا. إنه مجرد استئناف للمنطق ذاته الذي حكم الحرب السورية منذ بداياتها: الحاجة الدائمة إلى سبب، إلى خرقة قماشية مهلهلة تُسجّى على جسد المدن، كي لا يبدو العنف عاريًا في وضح النهار. الأكراد، كالكل، يريدون الدفاع عن أنفسهم، وعن جغرافيا هشة، وعن ذاكرة طويلة من الإقصاء. الدولة، كما كل الدول، تستخرج لغتها الميتة من أرشيفها الثقيل: السيادة، وحدة الأرض، منع التفكك. وما بينهم، فراغ هائل، وصمت لا يتيح غير الأصوات.

ليست المناوشات ابنة الحقد وحده. إنها ابنة فراغ سياسي عمره من عمر الأزل. ابنة تسويات مؤجلة. ابنة حرب لم تُغلق أقواسها يومًا، بل اكتفت بتبديل أسمائها وأقنعتها. لذلك تبدو الاشتباكات تمرينًا على حرب قادمة، أو أثرًا متأخرًا لحرب لم يُتفق بعد على دفنها. لا أحد ينتصر. لا أحد يُهزم تمامًا. الجميع يختبر سلاحه، لغته، أعصابه، وحدود احتماله.

في شمال حلب، كما في حمص والساحل والسويداء من قبل، يُقتل الناس لأسباب معرفية. لا لأنهم لا يعرفون بعضهم، بل لأنهم يعرفون بعضهم أكثر مما يحتملون. هكذا تستمر اللعبة. تشبه حرب تحرير. تشبه حرب كرامة. تلبس لبوس الفائدة الجماعية. فهي حرب التسمية قبل أن تكون حرب الأسباب. وكلما عُثر على اسم جديد، وجدت الرصاصة طريقها. تأجّل الملل قليلًا، إلى يوم آخر، في مدينة أخرى.

العربي الجديد

————————-

إردوغان: تطورات حلب «فرصة تاريخية» لاتفاق دمج «قسد» بالدولة السورية

جدل حول دعوة عبدي إلى تركيا للحوار… واتهامات لقيادات «الكردستاني»

أنقرة: سعيد عبد الرازق

13 يناير 2026 م

رأى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن التطورات الأخيرة في حلب هيأت «فرصة تاريخية» لتنفيذ اتفاق اندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الجيش ومؤسسات الدولة السورية الموقع في 10 مارس (آذار) 2025.

جاء ذلك في وقت تصاعد فيه الجدل حول مطالبة حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، بدعوة قائد «قسد» مظلوم عبدي إلى أنقرة وإجراء حوار معه.

لا استهداف للأكراد

ونقلت قناة «إن تي في» الإخبارية التركية، الثلاثاء، عن مصادر بـ«حزب العدالة والتنمية» الحاكم أن إردوغان تناول التطورات في حلب خلال اجتماع المجلس التنفيذي المركزي للحزب، مساء الاثنين، مؤكداً أن تطهير حلب من عناصر «وحدات حماية الشعب الكردية»، يُعد إنجازاً مهماً في سبيل إرساء سلام وهدوء وأمن في سوريا بشكل مستدام.

وقال إردوغان: «لا يمكننا السماح بتقويض الأخوة بين الأتراك والعرب والأكراد، يجب علينا إدارة العملية بحساسية، وتوخي الحذر من أي استفزازات، لقد أتاحت التطورات الأخيرة في حلب (فرصة تاريخية) لتنفيذ اتفاق 10 مارس، ونحن عازمون على مواصلة جهودنا في هذا الاتجاه، وتم اتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة لمنع أي وضع يُهدد أمن تركيا».

بدوره، قال نائب رئيس حزب «العدالة والتنمية» المتحدث باسم الحزب، عمر تشليك، في مؤتمر صحافي عقب اجتماع المجلس التنفيذ المركزي للحزب برئاسة إردوغان، إن (تنظيم قسد) يتعمد تأجيل المفاوضات مع الحكومة السورية أو السعي لإفشالها في كل مرة تقترب من الوصول إلى نتيجة.

وأضاف أن «قسد» لم تتخذ أي خطوة إيجابية منذ أشهر بخصوص تنفيذ اتفاق 10 مارس، وحاولت جرّ العملية إلى صراع بتدخل مباشر من قيادات «حزب العمال الكردستاني» في جبل قنديل في شمال العراق.

ورفض تشيليك تصوير العملية ضد «قسد» في حلب، بأنها هجوم موجه ضد الأكراد، قائلاً: «هذا ليس صراعاً عربياً كردياً، بعض بؤر التنظيمات الإرهابية تحاول تصويره كذلك، وهذا نهج خطير للغاية وغير موجود على أرض الواقع».

اتهامات لـ«الكردستاني»

وسبق أن حمل مسؤولون أمنيون أتراك قيادة «حزب العمال الكردستاني» في قنديل، المسؤولية عن سقوط ضحايا مدنيين في الاشتباكات التي شهدها حيا الشيخ مقصود والأشرفية في حلب.

وقالت مصادر أمنية إن جهاز المخابرات التركي كان على اتصال مباشر مع دمشق وواشنطن، ومع «قسد» عبر قنوات معينة، وبذل جهوداً مكثفة منذ بداية الاشتباكات في الحيين اللذين تقطنهما غالبية كردية، لإنهائها عبر المصالحة والحوار.

وأشارت المصادر إلى أن قائد «قسد» مظلوم عبدي، والرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، إلهام أحمد، وعدداً من الشخصيات الأخرى، أبدوا انفتاحاً على التوصل إلى حل وسط، لكن تعليمات صدرت من جبل قنديل إلى عناصر من «قسد» بالبقاء والقتال.

واستبعدت المصادر أن تؤثر التطورات في حلب على عملية «تركيا خالية من الإرهاب»، أو ما يطلق عليها الأكراد «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي» التي أسفرت عن إعلان «حزب العمال الكردستاني» حل نفسه وإلقاء أسلحته، استجابة لدعوة زعيمه، السجين في تركيا، عبد الله أوجلان.

وبدوره قال الحزب، في بيان، الثلاثاء، نقلته «وكالة أنباء فرات» القريبة منه، إن المعارك التي شهدتها حلب استهدفت تقويض وقف إطلاق النار بين الحزب والجيش التركي.

وجاء في البيان أن «هذه الهجمات على الأحياء الكردية في حلب، مع الإشارة المتكررة إلى (حزب العمال الكردستاني)» خلالها، تهدف إلى «تقويض حركة التحرير ووقف إطلاق النار الذي التزم الحزب بتنفيذه بدقة».

رفض الحوار مع عبدي

في الوقت نفسه، أثارت مطالبة حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، بدعوة عبدي إلى أنقرة والحوار معه، جدلاً حاداً في تركيا.

وأطلق الرئيسان المشاركان للحزب، تولاي حاتم أوغولاري وتونجر باكيرهان، هذه الدعوة، خلال مؤتمر صحافي، الأحد، انتقدا فيه، كذلك، تصريحات لوزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، قال فيها إن «قسد» لا تغير موقفها إلا عندما تواجه القوة.

ورأى باكيرهان أن تصريحات فيدان هي لغة يستخدمها العسكريون وليست لغة الدبلوماسية، متسائلاً عما إذا كان وزير خارجية تركيا يتحدث باسم حكومة دمشق.

ونظمت مجموعة «أمهات السلام»، وهي من الأمهات التي فقدن أبناءهن في الحرب الطويلة بين «حزب العمال الكردستاني» والدولة التركية، مسيرة في أنقرة، الثلاثاء، أعلنت فيها رفض تصريحات فيدان، داعيات إلى أن تصدر الخارجية التركية بياناً تدعو فيه إلى وقف الحرب بين الجيش السوري و«قسد» التي تتسبب في معاناة للأكراد في سوريا.

وتعليقاً على مطالبة الحزب المؤيد للأكراد بالحوار مع مظلوم عبدي في أنقرة، قال رئيس حزب «الحركة القومية»، شريك حزب «العدالة والتنمية» في «تحالف الشعب»: «لقد تم حل تنظيم «حزب العمال الكردستاني» نفسه، وينبغي أن يكون مصير امتداد هذا التنظيم في سوريا (قسد) مماثلاً».

ووصف بهشلي، الذي يعود إليه إطلاق مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب» في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، عبدي، بأنه «دمية في يد إسرائيل الإرهابية»، قائلاً: «لا يمكن لأحد، خصوصاً حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» الادعاء بأن إخواننا الأكراد تعرضوا للهجوم، وسُفكت دماؤهم في حلب؛ لأن «وحدات حماية الشعب الكردية/ قسد»، هي التي استخدمت المدنيين دروع بشرية، واختبأت خلف الأبرياء، وعرضتهم للموت».

بدوره، حذر زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزيل، من خطورة التطورات في سوريا على الاستقرار الإقليمي، داعياً إلى الالتزام بتنفيذ اتفاق 10 مارس.

وأكد أوزيل أن دور تركيا في هذه المسألة يجب أن يكون دوراً داعماً للدبلوماسية.

الشرق الأوسط

————————–

تاريخ حزب العمال الكردستاني وعلاقته بـ “قسد” في سوريا

13 يناير 2026

أعادت التطورات الأخيرة التي شهدتها أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في محافظة حلب، دور “حزب العمال الكردستاني” إلى الواجهة بوصفه فاعلًا مؤثرًا في المعادلة الأمنية والسياسية شمال سوريا.

ويثير الحضور المكثف للحزب، المصنف إرهابيًا من قبل تركيا والعديد من الدول الغربية، تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقة العضوية بينه وبين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وتأثيره المباشر في اتخاذ القرارات المصيرية داخلها، لا سيما في ضوء التطورات الميدانية الأخيرة وتصعيد العمليات العسكرية.

النشأة التاريخية لحزب العمال الكردستاني والملاذ السوري

تأسس حزب العمال الكردستاني في نهاية سبعينيات القرن الماضي بقيادة عبد الله أوجلان، متبنيًا في بداياته فكرًا ماركسيًا لينينيًا وشرع في تمرد مسلح ضد الدولة التركية.

خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، وجد الحزب ملاذًا آمنًا في سوريا تحت حكم حافظ الأسد، الذي سمح لأوجلان بإدارة نشاط حزبه من الأراضي السورية واستخدام مناطق الشمال الشرقي كقواعد للتدريب.

شكلت هذه الفترة اللبنة الأولى للوجود التنظيمي والفكري للحزب في سوريا. رغم إخراج أوجلان لاحقًا عام 1998 واعتقاله عام 1999 تحت ضغط تركي، إلا أن أفكاره ظلت المرتكز الأيديولوجي لنموذج “الإدارة الذاتية” الذي تبناه لاحقًا أتباعه في سوريا.

الانتقال إلى سوريا: من الحزب الأم إلى “قسد”

مع اندلاع الحرب في سوريا عام 2011، بدأت الخيوط التي نسجت خلال عقدي الملاذ تتحول إلى هيكل عسكري وسياسي ملموس. فقد أسس حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يعتبر الفرع السوري الأبرز لحزب العمال الكردستاني فكريًا وتنظيميًا، “وحدات حماية الشعب” كجناح عسكري له.

ثم تطور هذا التشكيل عام 2015 إلى “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بعد دمجها فصائل عربية وسريانية، بدعم مباشر من التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. وهكذا، تحولت البنية الفكرية والتنظيمية التي زرعها الحزب الأم إلى قوة عسكرية مهيمنة على الأرض، تملك خبرات قتالية وإدارية متطورة.

تشابك القيادة: الدليل الحي على الاستمرارية

أكثر ما يوضح عمق العلاقة هو تشابك القيادات وتداخل السير الذاتية. فقيادة “قسد” والإدارة الذاتية تضم شخصيات ارتبط مسارها مباشرة بحزب العمال الكردستاني.

القائد العام لـ “قسد” مظلوم عبدي كان مقربًا من أوجلان خلال إقامته في سوريا. ومحمود برخدان، الرجل الثاني في القوات، انضم إلى حزب العمال الكردستاني في الثمانينيات. كما أن باهوز أردال، المسؤول العام السابق للحزب في سوريا، لعب دورًا محوريًا في تأسيس وحدات حماية الشعب وتدريبها.

الجدل المستمر: بين الإنكار التركي والحقيقة الميدانية

تدور روايتان متعارضتان حول طبيعة هذه العلاقة. من جهة، تقدم “قسد” وحزب الاتحاد الديمقراطي نفسهما كقوى محلية مستقلة، تنفي أي ارتباط تنظيمي مباشر بحزب العمال الكردستاني وتصور الصلة على أنها مجرد تقاسم لأفكار تحررية. ومن جهة أخرى، تصر تركيا وحلفاؤها على أن “قسد” هي امتداد سوري للحزب وغطاء له، مستشهدة بتطابق الأيديولوجيا وتبادل الكوادر والرمزية الموحدة، حيث ترفع مناطق سيطرة “قسد” أعلام الحزب وصور أوجلان.

الواقع الميداني، بامتلاك “قسد” للبنية العسكرية والإدارية التي تشبه نموذج الحزب في مناطق أخرى، يعزز الرواية الثانية ويجعل إنكار الصلة التنظيمية يبدو هشًا في أعين الكثيرين.

المستقبل بين التفاوض السوري والتهديد التركي

اليوم، تواجه “قسد” معضلات مصيرية. فمن ناحية، لم تحسم مفاوضاتها الممتدة مع الحكومة السورية مصير مناطق نفوذها، مما يبقي وضعها القانوني غامضًا. ومن ناحية أخرى، تبقى تحت تهديد عسكري تركي دائم بسبب اتهامها بالارتباط بالإرهاب.

في الوقت نفسه، قد تؤثر أي تطورات في المسار التفاوضي بين الدولة التركية وعبد الله أوجلان السجين حول مستقبل حزبه على المشهد في سوريا. باختصار، يبقى مصير “قسد” ومشروع “الإدارة الذاتية” رهنًا ليس فقط بتوازنات القوى في سوريا، بل أيضًا بالتاريخ الطويل والمعقد لعلاقتها بحزب العمال الكردستاني.

————————

 الجيش السوري يفشل محاولة قسد تفجير جسر شرق حلب

أعلن المنطقة الواقعة إلى الشرق من مدينة حلب وصولاً إلى نهر الفرات “منطقة عسكرية مغلقة”

الرياض: العربية.نت، الوكالات

13 يناير ,2026

تمكن الجيش السوري، اليوم الثلاثاء، من إفشال محاولة عناصر قوات قسد تلغيم وتفجير الجسر الواصل بين قريتي رسم الإمام ورسم الكروم قرب دير حافر شرق حلب، بحسب ما أفاد به مصدر عسكري سوري لوكالة الأنباء السورية (سانا).

وأضاف المصدر أن الجيش يستهدف مواقع قسد بمحيط مدينة دير حافر بقذائف المدفعية رداً على استهداف الأخير محيط قرية حميمة بالطائرات المسيّرة.

وأشار المصدر إلى أن الاستهداف جاء في إطار الرد على الاعتداءات المتكررة، من دون ورود معلومات عن وقوع خسائر بشرية.

ومن جانبها، دانت وزارة الطاقة السورية قيام قسد بتفجير جسر أم تينة شرق دير حافر، ما أدى إلى توقف البوابات التنظيمية (كيو 9) وهو آخر جسر كان يربط المنطقة ويخدمها، الأمر الذي تسبب بقطع كامل وسائل الوصول إلى الموقع.

وحملت الوزارة قسد المسؤولية الكاملة عن تعريض القناة الرئيسية للخطر وتهديد نحو 8000 هكتار من الأراضي الزراعية بالغرق نتيجة الارتفاع الكبير في سرعة جريان المياه ولا سيما في منطقة دير حافر ومحيطها.

وشهدت حلب مؤخرا اشتباكات بين الجيش السوري وقوات قسد في حيي الشيخ مقصود والأشرفية أسفرت عن 24 حالة وفاة وإصابة 105أشخاص. وقد توقفت بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار وإجلاء آمن للجرحى والمدنيين العالقين والمقاتلين من الحيين إلى شمال وشرق سوريا.

بعد خروج آخر مقاتليها.. حلب أصبحت خالية من قوات سوريا الديمقراطية

العربية ميديا بعد خروج آخر مقاتليها.. حلب أصبحت خالية من قوات سوريا الديمقراطية

وطلب الجيش السوري الثلاثاء من القوات الكردية الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها شرق مدينة حلب، بعد يومين من إعلان القوات الحكومية سيطرتها على كامل المدينة إثر اشتباكات دامية.

وقال الجيش السوري في بيان نشره التلفزيون الرسمي، الثلاثاء، “على كافة المجاميع المسلحة بهذه المنطقة الانسحاب إلى شرق الفرات”، معلنا المنطقة الواقعة إلى الشرق من مدينة حلب وصولا إلى نهر الفرات “منطقة عسكرية مغلقة”.

ونشر الجيش خريطة حدّد فيها باللون الأحمر المناطق التي طلب الانسحاب منها وتشمل بلدات مسكنة وبابيري وقواس ودير حافر بين غرب نهر الفرات إلى شرق مدينة حلب.

تابع الجيش في بيانه “نهيب بأهلنا المدنيين الابتعاد عن مواقع تنظيم قسد بهذه المنطقة”.

وفي أعقاب التحذيرات، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية في بيان أن القوات الحكومية بدأت “باستهداف بلدة دير حافر بقذائف المدفعية”، في حين أفاد التلفزيون الرسمي السوري عن مقتل “مدني برصاص قناص من تنظيم قسد أثناء محاولته الخروج على دراجته النارية من مدينة دير حافر”.

واتهمت دمشق الاثنين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بإرسال تعزيزات إلى دير حافر التي تبعد أقل من 50 كيلومترا إلى الشرق من حلب، الأمر الذي نفته القوات الكردية. وأعلنت السلطات السورية كذلك أنها أرسلت تعزيزات إلى منطقة دير حافر.

وتسيطر القوات الكردية على مساحات واسعة في شمال سوريا وشرقها، تضم أبرز حقول النفط والغاز. وشكّلت رأس حربة في قتال تنظيم اداعش وتمكنت من دحره من آخر معاقل سيطرته في البلاد عام 2019 بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن.

—————————-

 الجيش السوري يطالب “قسد” بالانسحاب من مناطق شرق حلب

الجيش السوري يغلق منطقتين بريف حلب الشرقي رداً على حشد قسد قواتها

العربية.نت ووكالات

13 يناير ,2026

طلب الجيش السوري الثلاثاء من قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها شرق مدينة حلب، باتجاه نهر الفرات، بعد يومين من إعلان القوات الحكومية سيطرتها على كامل المدينة.

وقال الجيش في بيان نشره التلفزيون الرسمي “على كافة المجاميع المسلحة بهذه المنطقة الانسحاب إلى شرق الفرات”، معلنا المنطقة الواقعة إلى الشرق من مدينة حلب وصولا إلى نهر الفرات “منطقة عسكرية مغلقة”.

وأعلنت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري، اعتبار دير حافر ومسكنة في ريف حلب الشرقي منطقة عسكرية مغلقة.

وقالت الهيئة، في بيان صحفي اليوم أوردته الوكالة العربية السورية للأنباء ( سانا) يأتي هذا الإجراء :”نتيجة لاستمرار تنظيم قسد بحشد مجاميعه مع ميليشيات بي كيه كيه الإرهابية وفلول النظام البائد في هذه المنطقة(دير حافر ومسكنة )، ولكونها منطلقاً للمسيرات الانتحارية التي قصفت مدينة حلب”.

ودعت الهيئة المدنيين إلى الابتعاد عن مواقع تنظيم قسد بهاتين المنطقتين، وطالبت كافة المجاميع المسلحة بها “الانسحاب إلى شرق الفرات” قائلة “حافظوا على أرواحكم”.

وأضافت أن “الجيش العربي السوري سيقوم بكل ما يلزم لمنع المجاميع المسلحة التي تحتشد بهاتين المنطقتين من استخدامهما منطلقاً لعملياتهم الإجرامية”.

وكانت السلطات السورية أعلنت تسجيل 24 حالة وفاة و105 إصابات جراء الاشتباكات بين القوات الحكومية وقوات قسد في مدينة حلب يوم الثلاثاء الماضي .

وسط التوتر بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية إثر المواجهات التي اندلعت الأسبوع الماضي في مدينة حلب، أكد مصدر عسكري أن “تعزيزات جديدة للجيش وصلت إلى دير حافر ومسكنة بريف حلب الشرقي، بعد استقدام قسد لمجاميع مسلحة وفلول من النظام”، وفق ما نقلت وكالة سانا.

بدورها أعلنت هيئة العمليات في الجيش، أمس الاثنين، رصد وصول المزيد من المسلحين إلى نقاط انتشار قسد في مسكنة ودير حافر.

وأضافت أن “هذه التعزيزات الجديدة ضمت عدداً من مقاتلي تنظيم PKK ، وفلول النظام السابق”.

كما شددت على أن استقدام قسد لمقاتلين تصعيد خطير، مؤكدة أن “أي تحرك عسكري ستقوم به هذه المجاميع سيقابل برد عنيف”. وأشارت هيئة العمليات إلى أن الجيش لن يقف مكتوف الأيدي تجاه هذا التصعيد.

في المقابل، نفت قسد وجود أية تحركات أو تحشيدات عسكرية لقواتها في محيط مسكنة ودير حافر.

كما اعتبرت في بيان أن تصريحات الجيش “مضللة”، ولا أساس لها من الصحة، وفق تعبيرها. وأضافت أن التحركات الميدانية القائمة تعود إلى القوات الحكومية.

بعد مواجهات حلب.. ما مصير اتفاق مارس بين دمشق وقسد؟

سوريا خاص بعد مواجهات حلب.. ما مصير اتفاق مارس بين دمشق وقسد؟

وكانت مدينة حلب وتحديداً أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد ذات الغالبية الكردية، شهدت منذ الثلاثاء الماضي اشتباكات عنيفة بين الجيش وقسد، أدت إلى نزوح أكثر من 140 ألفاً، ومقتل نحو 23 شخصاً.

قبل أن تتوقف فجر الأحد، بعد الاتفاق على خروج مقاتلي قسد من المدينة نحو شمال شرقي البلاد، دون أسلحتهم.

ووضعت هذه المواجهات اتفاق العاشر من مارس، الذي وقع العام الماضي بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، على المحك.

———————–

الدويري: هكذا يخطط الجيش السوري لمعركة غرب الفرات

قال الخبير العسكري والإستراتيجي اللواء المتقاعد فايز الدويري إن إعلان الجيش السوري دير حافر ومسكنة بريف حلب الشرقي منطقة عسكرية مغلقة يمثل خطوة أولى في مسار مدروس لفرض نهر الفرات كفاصل ميداني طبيعي مع قوات “قسد”.

وأوضح الدويري -في تحليل للمشهد العسكري في سوريا– أن المقارنة مع سيناريو حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب ممكنة من حيث المبدأ، لكنها غير متطابقة عمليا، نظرا لاختلاف الجغرافيا وطبيعة الأهداف، مشددا على أن العمليات غرب الفرات تقوم على المناورة لا الاشتباك المباشر داخل مناطق مكتظة.

ومن وجهة نظر عسكرية، يرى الخبير الإستراتيجي أن السيطرة على 3 نقاط ارتكاز هي دير حافر ومسكنة بريف حلب الشرقي، والطبقة بريف الرقة الغربي، تشكل ضرورة عملياتية، لكونها تقع جنوب وغرب الفرات، وتُبقي جيبا واسعا يفتقر إلى مانع طبيعي يفصل بين الطرفين.

وأشار إلى أن دير حافر تحديدا شكلت نقطة انطلاق لهجمات جوية خلال مراحل سابقة لقربها من مدينة حلب التي لا تبعد أكثر من 56 كيلومترا، في حين تتقارب المسافات بينها وبين مسكنة والطبقة، ما يمنحها قيمة تعبويّة عالية.

الوضع الميداني

ميدانيا، نقل مراسل الجزيرة صهيب الخلف أن التوتر يتصاعد في ريف حلب الشرقي، مع قيام “قسد” بتدمير جسور على قنوات نهرية قرب دير حافر، في خطوة تعكس استعدادا لمواجهة محتملة مع وصول تعزيزات كبيرة للجيش السوري.

وأوضح الخلف أن الجبهة بين الطرفين طويلة وممتدة غرب الفرات، وتشمل دير حافر ومسكنة والقواص والبابيري، إضافة إلى محيط سد تشرين، حيث تحدث الجيش السوري عن استهداف نقاطه، ما يشير إلى أن التوتر لا يقتصر على محور واحد.

وبحسب المراسل، فإن المعركة المرتقبة تبدو أوسع من العمليات السابقة في الشيخ مقصود والأشرفية، خاصة مع وجود مطاري كويرس والجراح في نطاق العمليات، وما يمثله ذلك من ثقل عسكري للطرفين في هذه الجغرافيا المفتوحة.

إعلان

من دمشق، قال مراسل الجزيرة ميلاد فضل إن إعلان المنطقة العسكرية جاء في سياق تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة باتجاه حلب، واتهام “قسد” بإرسال تعزيزات تضم عناصر من حزب العمال الكردستاني وفلول النظام السابق.

وأضاف فضل أن هيئة العمليات العسكرية السورية دفعت بتعزيزات إضافية خلال الأيام الماضية، وطلبت من الأهالي الابتعاد عن مواقع “قسد” العسكرية، مؤكدة أنها لن تسمح بانطلاق أي تهديد من دير حافر أو مسكنة باتجاه مدينة حلب.

مناورة لا اشتباك

ويشير الدويري في تحليله العسكري إلى أن طبيعة العمليات المتوقعة تختلف جذريا عن معارك الأحياء السكنية، إذ تمتد المساحة من حلب حتى الرقة لنحو 150 كيلومترا، ما يفرض اعتماد أسلوب المناورة العسكرية وفرض الطوق بدل الاقتحام والاشتباك.

وبيّن أن تطويق دير حافر أو مسكنة كفيل بإنهاء خيارات “قسد” الدفاعية، خاصة مع إغلاق الطرق القادمة من دير الزور شمالا، لافتا إلى أن الكثافة السكانية المحدودة في هذه المناطق تقلص كلفة الاشتباك المباشر.

ويرى الخبير العسكري أن المهاجم يتمتع بأريحية أكبر في هذا المسرح، إذ يمكنه حشد القوة وتوجيهها نحو أهداف محددة، مقابل اضطرار المدافع إلى تشتيت قواته على جبهة واسعة بعمق دفاعي ضعيف يسهل اختراقه.

وفي ما يتعلق بالعمق الإستراتيجي، اعتبر الدويري أن “قسد” تفتقر إلى عمق حقيقي غرب الفرات، محذرا من احتمال تحرك قوات الجيش السوري شمالا لفتح جبهة معكوسة تضعها بين ضغطين متزامنين.

ويؤكد فايز الدويري أن الخيار الأقل كلفة لـ”قسد” يتمثل في الانسحاب إلى شرق الفرات والارتكاز إلى المانع الطبيعي، تمهيدا لمسار سياسي، وهو ما تسعى العمليات العسكرية الجارية إلى فرضه ميدانيا.

وبحسب خارطة تفاعلية عرضتها الجزيرة، تمثل دير حافر آخر وأهم نقاط تمركز “قسد” غرب الفرات، وتبعد نحو 50 كيلومترا عن حلب، ما يمنحها حساسية أمنية عالية في الحسابات الحكومية.

ولا ينفصل إعلان مسكنة ودير حافر منطقة عسكرية مغلقة عن إعادة ترتيب المجال الحيوي لمدينة حلب، إذ تقع المنطقة ضمن الشريط الأكثر حساسية أمنيا، والذي اتُّهمت “قسد” باستخدامه منصة لإطلاق المسيّرات.

كما أن السيطرة على هذا الامتداد غرب الفرات ترفع المسافة الفاصلة بين حلب وأقرب نقاط تمركز “قسد” من نحو 50 كيلومترا إلى قرابة 90 كيلومترا، ما يقلّص قدرة الاستهداف ويمنح الجيش السوري هامشا أوسع لحماية المدينة.

ويعكس إدراج محطة ضخ مياه البابيري ضمن المنطقة العسكرية بعدا إستراتيجيا يتجاوز الاشتباك العسكري، نظرا لكونها شريانا رئيسيا لتغذية حلب بالمياه، ما يجعل تأمينها جزءا من معركة تثبيت الاستقرار لا مجرد تحرك ميداني.

المصدر: الجزيرة

——————-

مقتل مدني برصاص قناص لـ”قسد” وتصعيد متبادل مع الجيش السوري شرق حلب/ محمد كركص و سلام حسن

عبد الله السعد

13 يناير 2026

قُتل مدني، اليوم الثلاثاء، برصاص قناص تابع لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، أثناء محاولته مغادرة مدينة دير حافر على دراجته النارية في ريف حلب الشرقي، شمالي سورية، وذلك في ظل تصعيد عسكري متواصل بين “قسد” والجيش السوري في محيط المنطقة. ويأتي مقتل المدني بالتزامن مع قصف متبادل بين الطرفين على خطوط التماس، شرق حلب، وسط توتر ميداني متصاعد ينذر بمزيد من المواجهات العسكرية.

ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، مساء الثلاثاء، عن مصدر عسكري قوله إن الجيش السوري أحبط محاولة نفذتها عناصر من “قسد” لتلغيم وتفجير الجسر الواصل بين قريتي رسم الإمام ورسم الكروم قرب مدينة دير حافر، مؤكدًا أن الجيش منع تخريب هذا المرفق الحيوي. وأضاف المصدر أن “قسد” نفّذت اعتداءات عبر الطيران المسيّر استهدفت محيط قرية حميمة في الريف الشرقي لحلب.

في المقابل، قالت “قوات سوريا الديمقراطية”، في بيان صدر مساء الثلاثاء، إن “فصائل تابعة لحكومة دمشق شنّت هجومين على محيط سد تشرين باستخدام الطيران الانتحاري والقصف المدفعي”، وفق تعبيرها. وأوضحت “قسد” أن الهجوم تزامن مع استهداف قرية أم المرة، جنوب دير حافر، بالصواريخ، معتبرة أن ما يجري يأتي في إطار تصعيد عسكري متواصل في المنطقة.

وفي السياق ذاته، نقلت “الإخبارية السورية” عن مصدر عسكري قوله إن الجيش العربي السوري استهدف مواقع تابعة لـ”تنظيم قسد” في محيط مدينة دير حافر بقذائف المدفعية، ردًا على استهداف الأخيرة محيط قرية حميمة بالطائرات المسيّرة.

وتأتي هذه التطورات الميدانية عقب وصول تعزيزات عسكرية إلى طرفي الصراع في المنطقة، حيث دفع الجيش السوري بتعزيزات جديدة إلى محيط دير حافر، بالتوازي مع تعزيزات مماثلة لـ”قسد” على خطوط التماس. وبحسب مصادر ميدانية، شملت هذه التعزيزات آليات ثقيلة، من مدافع ودبابات وراجمات صواريخ، في مشهد يعكس تصعيدًا عسكريًا لافتًا ويثير مخاوف من اندلاع عملية عسكرية واسعة في ريف حلب الشرقي خلال الفترة المقبلة.

الإدارة الذاتية: ملتزمون بحماية مقار الأمم المتحدة

من جهتها، أكدت دائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سورية التزامها الكامل بحماية مقارّ الأمم المتحدة وتحييدها عن مجريات الأحداث الجارية في البلاد، وذلك على خلفية احتجاجات شهدتها مدينة القامشلي أمام مبنى مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR).

وشهدت المدينة، أول أمس الأحد، تجمعًا لمحتجين غاضبين تنديدًا بما وصفوه بـ”صمت المنظمة الدولية” إزاء الانتهاكات المرتكبة بحق مدنيين في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد والسريان في مدينة حلب. وبحسب شهود عيان، تطورت الاحتجاجات إلى أعمال تخريب طاولت واجهة مبنى المفوضية، شملت تكسير نوافذ وكتابة شعارات غاضبة.

وقالت دائرة العلاقات الخارجية، في بيان صدر اليوم الثلاثاء، إن “المشاهد المروعة في حلب، وما رافقها من تصاعد خطاب الكراهية على بعض منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، دفعت بعض المحتجين إلى تصرفات غير مسؤولة لا تنسجم مع مكانة ودور المؤسسات الأممية”، مؤكدة أن الأمم المتحدة “مؤسسة إنسانية حيادية تقدم خدماتها في مختلف مناطق شمال وشرق سورية”.

مسار أمني – خدمي لإعادة الحياة إلى الشيخ مقصود والأشرفية

من جانبه، قال محافظ حلب عزام الغريب إن ما جرى في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، شمالي المدينة، “لم يكن إجراءً أمنيًا فحسب، بل مسارًا متكاملًا لإعادة الحياة”، مؤكدًا أن الدولة السورية تعمل على تثبيت الأمن وتحسين الخدمات الأساسية تمهيدًا لعودة كاملة وآمنة للأهالي، وذلك بالتوازي مع محاسبة كل من ارتكب جرائم بحق المدنيين وفق القانون.

وجاءت تصريحات الغريب خلال مؤتمر صحافي، اليوم الثلاثاء، عُقد للحديث عن واقع الحيين وخطة ضبط الأمن فيهما، حيث أعلن أن الجهات المعنية استقبلت أكثر من 155 ألف مواطن من أهالي الشيخ مقصود والأشرفية، وتم تأمين مراكز إيواء مناسبة لهم، مشيرًا إلى وصول أكثر من 30 حافلة تقل أعدادًا كبيرة من السوريين العائدين إلى حي الشيخ مقصود بعد نزوحهم جراء الاشتباكات الأخيرة.

وأكد محافظ حلب أن “الدولة السورية لا تحمل أي نوايا انتقامية تجاه أي أحد”، لافتًا إلى أن عودة الأهالي إلى حي الأشرفية بدأت فعليًا، فيما تتواصل الجهود لتأمين العودة الكاملة والآمنة لسكان حي الشيخ مقصود، مع الاستمرار في العمل على ترسيخ الأمن والاستقرار وضمان عودة الحياة الطبيعية بشكل كامل إلى الحيين.

من جهته، قال قائد الأمن الداخلي في حلب العقيد محمد عبد الغني إن القوى الأمنية اتخذت إجراءات لإنهاء الخطر الناجم عن وجود أنفاق تابعة لتنظيم “قسد” داخل أحياء المدينة، مؤكدًا بدء عمليات تمشيط واسعة في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، أسفرت عن إزالة عدد كبير من الألغام. وأشار عبد الغني إلى وجود “رسالة واضحة من الجهات المختصة إلى كل من ترك السلاح”، مفادها أن الدولة “ستنظر إليه بعين الرحمة والعدالة”، معلنًا في الوقت نفسه عن قرب افتتاح قسمي شرطة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، في إطار تعزيز الاستقرار الأمني.

العربي الجديد

————————-

الجيش يعزّز انتشاره شرق حلب… ويتهم «قسد» بالتحشيد/  هبة محمد

عزز الجيش السوري، أمس الإثنين، نقاط انتشاره شرق مدينة حلب، لا سيما في محوري دير حافر ومسكنة، وذلك بعد إعلانه رصد تحركات وحشود مسلحة لـ «قوات سوريا الديمقراطية»، التي نفت تلك الاتهامات، معتبرة إياها «محاولة لافتعال التوتر».

دير حافر ومسكنة

ونقل مصدر عسكري في تصريحات رسمية لوكالة الأنباء السورية «سانا» أن وحدات من الجيش السوري عززت مواقعها في دير حافر ومسكنة، بعد استقدام تنظيم «قسد» مجاميع مسلحة وصفها بـ «الإرهابية» على المحور ذاته.

وأكدت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري، أنها رصدت وصول المزيد من هذه المجاميع إلى ريف حلب الشرقي قرب المنطقتين المذكورتين.

وقالت إن المعلومات الواردة من مصادر استخباراتية تشير إلى أن التعزيزات الجديدة ضمت عددا من مقاتلي تنظيم «بي كي كي» وفلول النظام البائد، مشيرة إلى أن الوضع الميداني يخضع للدراسة والتقييم المستمرين.

وأضافت أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه هذا التصعيد الخطير»، محذّرة من أن استقدام «قسد» لما وصفتها بالمجاميع الإرهابية يشكّل تصعيدا خطيرا، وأن أي تحرك عسكري من قبل هذه القوات سيقابل بـ «رد عنيف».

وأوضحت أن طائرات الاستطلاع التابعة للجيش رصدت قيام تنظيم «قسد» بإدخال مجاميع مسلحة وعتاد متوسط وثقيل إلى جبهة دير حافر، لافتة إلى أن طبيعة هذه الحشود والتعزيزات لم تُحسم بشكل نهائي حتى الآن.

وفي ضوء هذه التطورات، أعلنت الهيئة استنفار قوات الجيش وتعزيز خط الانتشار العسكري شرق حلب، مؤكدة الجاهزية للتعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة.

في الأثناء، بثّت وكالة «سانا» مشاهد قالت إنها تظهر أنفاقا حفرها تنظيم «قسد» خلال فترة سيطرته على حي الشيخ مقصود في مدينة حلب، لاستخدامها في تنفيذ هجمات على الأحياء السكنية.

وفي السياق ذاته، أصدرت إدارة منطقة جرابلس تعميما دعت فيه السكان إلى توخي الحذر وتجنب التجمعات في الأماكن العامة، والتنبه أثناء التنقل، خصوصا قرب مجرى النهر وعلى الطرقات الرئيسية والفرعية، مع التأكيد على عدم الاقتراب من أي مواقع يشتبه بخطورتها وترك التعامل معها للجهات المختصة.

وجاءت هذه التحذيرات بعد إعلان هيئة العمليات في الجيش أن تنظيم «قسد» دخل «مرحلة جديدة من التصعيد العسكري» عبر استهداف مدينة حلب.

وذكرت الهيئة، في تصريح لقناة «الإخبارية» السورية، أن التنظيم استهدف مؤسسات المدينة ومساجدها بأكثر من عشر طائرات مسيّرة إيرانية الصنع، ما أدى إلى وقوع إصابات وأضرار في الممتلكات.

في المقابل، نفت قوات «سوريا الديمقراطية» وجود أي تحركات أو تحشيدات عسكرية لها في محيط مسكنة ودير حافر في ريف حلب.

وقالت «قسد» في بيان إنها تتابع ما وصفتها بالتصريحات «المضللة» الصادرة عن وزارة الدفاع في حكومة دمشق بشأن الوضع الميداني في المنطقة، مؤكدة أن جميع المزاعم المتداولة حول تحركاتها العسكرية لا أساس لها من الصحة.

واعتبرت أن تكرار هذه الاتهامات يشكل محاولة لافتعال التوتر وتهيئة مبررات للتصعيد، محملة الجهات الحكومية المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات محتملة.

وواصلت القوات الأمنية انتشارها في حي الشيخ مقصود، في إطار إجراءات تهدف إلى ضبط الأمن وإعادة الاستقرار وحماية الممتلكات العامة.

واستأنفت المراكز الصحية في حيي الأشرفية والشيخ مقصود تقديم الخدمات الطبية والأنشطة الصحية المختلفة، لتلبية احتياجات الأهالي وتعزيز مستوى الرعاية الصحية في المنطقة، وذلك وفق ما أعلنت وزارة الصحة عبر منصاتها الرسمية.

الأمين العام للحزب اليساري الكردي في سوريا، محمد موسى، اعتبر في تصريح لـ «القدس العربي»، أن الأوضاع في مدينة حلب وريفها الشرقي، تشهد توترا شديدا وحالة عدم ارتياح، في ظل مواجهات ومناوشات قائمة.

وأشار إلى أن «الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية وحلفاءها في إطار محاربة تنظيم داعش والتطرف، أداروا ظهورهم لحلفائهم المحليين»، وبدأوا حسب تعبيره «بالتركيز أولا على تأمين مصالحهم ومشاريعهم الخاصة».

وأضاف أن هذه القوى، رغم العلاقات التي جمعتها بـ «قسد» وبالقوى التي قدمت عشرات الآلاف من المقاتلين في مواجهة الإرهاب والتطرف، تخلت عنها وفتحت قنواتها مع حكومة دمشق لتنفيذ مشاريعها في المنطقة، معتبرا أن قضايا حقوق الإنسان واحترام القوانين باتت مجرد شعارات فقدت معناها العملي على أرض الواقع، دون أي اهتمام حقيقي بها.

وفي حديثه عن الوضع الميداني، أكد موسى أن شرق حلب يعيش حالة توتر واضحة، مع استمرار المواجهات والمناوشات.

وحذر من أن التصعيد الحالي قد لا يتوقف عند حدود حيي الشيخ مقصود والأشرفية، بل قد يمتد إلى مناطق أوسع شرق سوريا، مؤكدا أن الحل العسكري لم ولن ينجح في إنهاء الأزمة.

حوار شامل

ودعا إلى اعتماد خيار الحوار السياسي الشامل من خلال عقد مؤتمر وطني جامع، يضم ممثلي مختلف الأطياف والقوميات والأديان والمذاهب والحركات السياسية، من أجل البحث في مستقبل آمن لسوريا وللشعب السوري بمكوناته كافة.

وشدد على أن المواجهة بـ «الحديد والنار» لم تفلح في تقديم حلول حقيقية، كما أن المشاريع الإقليمية والمصالح الدولية لا تخدم الشعب السوري، ولن تحمي المنطقة من مخاطر مواجهات جديدة، مؤكدا الحاجة الملحّة إلى وقف نزيف الدم والوصول إلى تفاهمات حقيقية عبر الحوار.

—————————-

الحياة تعود إلى “الشيخ مقصود” في حلب وسط ترقب لتحسن الخدمات/ عبد الله السعد

13 يناير 2026

بدأ سكان حي الشيخ مقصود، من العرب والأكراد في مدينة حلب (شمالي سورية)، بالعودة إلى منازلهم وممارسة حياتهم على نحوٍ طبيعي، وسط تطلعات إلى تحسّن الوضع الخدمي، ولا سيّما بعد خروج “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والقوى الأمنية التابعة لها، وسط شكاوى من ممارسات سابقة كانت تُرتكب بحقهم.

وعن الواقع الخدمي، أوضح عضو المكتب التنفيذي لمحافظة حلب، فرهاد خورتو، لـ”العربي الجديد”، أن المؤسّسات الخدمية وكافة المديريات في حلب (البلدية، الصحة، الطوارئ، التعليم) تعمل بطاقتها القصوى، وأضاف أنه يجري تسيير عيادات متنقلة، ويجري العمل على إعادة تشغيل الأفران، كما تعمل مديرية الكهرباء على توفير الخدمات لحي الشيخ مقصود أسوة بباقي أحياء المدينة.

وقال هيثم حمو، مسؤول العلاقات في “الكتلة الثانية” التابعة لمجلس محافظة حلب (حيّي الأشرفية والشيخ مقصود)، لـ”العربي الجديد”، إن المحافظة أعلنت، اليوم الثلاثاء، إتاحة عودة النازحين إلى الحيَّين، وذلك بعد تأمينهما وانتشار قوات وزارة الداخلية فيهما، مضيفاً أن النازحين العائدين هم من المكونَين الكردي والعربي، مشيراً إلى أن عملية العودة تترافق مع تجهيزات خدمية تشمل تأمين الكهرباء والمياه، إلى جانب توزيع مواد غذائية بالتزامن مع وصول القوافل.

بدوره، قال عمر ظاظا، وهو من السكان العرب في الحي، لـ”العربي الجديد”: “غادرت إلى تركيا عام 2011 ومنها إلى هولندا، وبعد عودتي الطوعية رفضوا (قسد) إعادة محلّاتي التجارية بحجة أنهم استأجروها من البلدية… لديّ محلان، ونأمل من الدولة أن تحلّ هذه المسائل”، وأكد ظاظا أن “العلاقة جيدة مع الأصدقاء الأكراد ولا توجد تفرقة بيننا”، مشيراً إلى وجود “منتفعين يسعون لإحداث الوقيعة بين مكونات المجتمع وإشاعة العنصرية”.

ووفق رصد “العربي الجديد”، كان أهالي الحي يتعرضون لضغوط معيشية من جانب قوى الأمن الداخلي “آسايش” التابعة لـ”قسد”، ومن أشكال تلك الممارسات الاستيلاء على العقارات وعدم إعادتها لمالكيها الأصليين تحت ذرائع مختلفة. واليوم، يتطلع مالكو هذه العقارات إلى حالة من الاستقرار في الحي المتنوع عرقياً الذي شملت حركة العودة إليه عموم السكان من عرب وأكراد.

ويقول باسل الرجب، وهو من سكان الحي الأصليين (يقيم فيه منذ عام 1973)، لـ”العربي الجديد”: “حي الشيخ مقصود يضم الكثير من الطوائف والأعراق، أتمنى أن يعود الحي بلا دماء أو حرب كما هو الحال في كل سورية، ونرجو أن يتحسن وضع الكهرباء وباقي الخدمات”.

أما جميل عمر، وهو كردي من منطقة عفرين يقيم في الحي، فقال لـ”العربي الجديد”: “عدت إلى دكاني داخل حي الشيخ مقصود بعد غياب… كنّا نتعرض للظلم، ومنذ 5 سنوات ودكاني الآخر تحت سيطرة قسد”، مشيراً إلى أنه اضطر للمغادرة إلى عفرين والتنقل كثيراً، ومعرباً عن أمله في أن يعود الجميع إلى منازلهم.

ويعاني حيّ الشيخ مقصود، على غرار باقي أحياء حلب المنهكة، من ظروف معيشية قاسية؛ إذ يعيش أكثر من 60% من السكان تحت خطّ الفقر، فيما الكهرباء شبه معدومة، والمياه لا تصل إلا نادراً، ويعتمد الأهالي على الصهاريج والمساعدات الإنسانية التي لا تكفي الجميع.

في المقابل، أشار مصطفى البرو (من أكراد الحي) لـ”العربي الجديد”، إلى أنه غادر مع عائلته فور الإعلان عن الممرات الآمنة، مضيفاً أنه عاد إلى الحي بعد مروره بنقطة تفتيش لقوى الأمن، وقال: “كل شيء كما تركناه، نرجو أن يكون الحال أفضل في الأيام المقبلة… عشنا الخوف لكنّنا نشعر بالراحة في الوقت الحالي”.

—————————

القيادية في “الإدارة الذاتية” إلهام أحمد: ملتزمون باتفاق 10 آذار ومستعدون للتفاوض مع دمشق

الثلاثاء 2026/01/13

قالت القيادية في “الإدارة الذاتية” إلهام أحمد، إن الحكومة السورية “نقضت” اتفق 10 آذار مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لكنها أعربت عن استعداد الأخيرة للتفاوض على أساس الاتفاق.

يأتي ذلك فيما يحشد الجيش السوري و”قسد” قواتهما على خطوط الجبهة الفاصلة بينهما في منطقة ديرحافر في ريف حلب الشرقي، وسط قصف متبادل، فيما قامت “قسد” بتفجير عدد من الجسور التي تفصلها عن الجيش هناك.

أحمد: الحكومة السورية نقضت الاتفاق

وقالت أحمد للصحافيين، اليوم الثلاثاء، إن “قسد” ما زالت ملتزمة باتفاق 10 آذار حتى الآن، “ونحن مستعدون للتفاوض في إطار الاتفاق”، وذلك على الرغم من “نقض” الحكومة السورية الاتفاق بالهجوم على حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب.

واعتبرت أن “إشعال الحرب من قبل الحكومة السورية هو نقض أحادي الجانب للاتفاق”، وأن الأحداث الجارية في سوريا “تشكل خطراً على البلاد والمنطقة وستزيد التدخلات الخارجية ومن الممكن أن يتم تصدير الإرهاب مرة أخرى لخارج سوريا”.

وقالت إن “الحكومة السورية الانتقالية هي المسؤولة الأكبر عن عدم تطبيق” الاتفاق، وإن “الأحداث الأخيرة في الشيخ مقصود بدأت بحرب إعلامية ضد الأحياء الكردية”، كما زعمت أن فصائل في الجيش السوري كانت “تستهدف” الحيين في حلب على مدار الأشهر السابقة وهذا ما تسبب بإحداث “أزمة”.

وأضافت أن “وزارة الدفاع السورية أعلنت بشكل رسمي عن عملية عسكرية ضد حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وأن “قسد انسحبت من الحيين” بموجب اتفاق 1 نيسان/أبريل، لكن الحكومة السورية كانت “تصور وتروج لوجود قسد في الحيين وبدأت هجوماً عنيفاً شاركت فيه نحو 80 دبابة”.

ولفتت إلى أن نحو 48 شخصاً قتلوا في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وأُصيب 118 آخرين، فيما لا يزال مصير العشرات “مجهولاً”، مضيفة أن “الفصائل المهاجمة ارتكبت انتهاكات فظيعة في حلب”، وأن عناصر من تنظيم “داعش” وعناصر من الإيغور إضافة إلى مجموعات تركية وعناصر أجنبية “شاركوا في الهجوم على الشيخ مقصود والأشرفية”.

وقالت أحمد إن “أحد شروط رفع العقوبات الأميركية والغربية على سوريا كان حماية الأقليات وإبعاد الأجانب، لكن الحكومة فعلت العكس حتى الآن وهاجمت العلويين والدروز والمسيحيين”.

كما دعت الحكومة الأميركية إلى “توضيح موقفها من الحكومة السورية التي ترتكب مجازر بحق الكرد”، مضيفةً أن الأكراد لم يسببوا أي ضرر للحكومة السورية ولا أي طرف سوى أنها حمت المنطقة من تنظيم “داعش”.

وتتولى أحمد منصب مسؤولة العلاقات الخارجية بالإدارة الذاتية، التي تُعد الذراع السياسية لـ”قسد”.

تفجير الجسور

في غضون ذلك، تستمر “قسد” بحشد قواتها في منطقتي ديرحافر ومسكنة في ريف حلب الشرقي، فيما يدفع الجيش السوري بتعزيزات على الجهة المقابلة من الجبهة.

وأفاد التلفزيون السوري بتفجير “قسد” 3 جسور في ديرحافر، ما أدى عزل المدينة بالكامل عن مناطق سيطرة الجيش السوري، مضيفاً أنّ “قسد” تهدف إلى منع المدنيين من مغادرة المنطقة، واستخدامهم كدروع بشرية.

ونقلت وكالة “سانا” عن مصدر عسكري، قوله إن الجيش السوري “أفشل محاولة عناصر تنظيم قسد تلغيم وتفجير الجسر الواصل بين قريتي رسم الإمام ورسم الكروم، قرب دير حافر شرق حلب”.

وأضاف المصدر أن “الجيش يستهدف مواقع تنظيم قسد بمحيط مدينة ديرحافر بقذائف المدفعية، رداً على استهداف الأخير لمحيط قرية حميمة بالطائرات المسيرة”.

في المقابل، قالت “قسد” إن “فصائل حكومة دمشق استهدفت منازل المدنيين في قريتي رسم كروم والإمام الواقعتين شمال شرقي مدينة ديرحافر، بالأسلحة الثقيلة، إضافة إلى تنفيذ هجومين منفصلين بالطائرات المسيّرة الانتحارية”.

وفي وقت سابق، اليوم الثلاثاء، أعلن الجيش السوري منطقتي ديرحافر ومسكنة “منطقة عسكرية مغلقة”، رداً على دفع “قسد” بتعزيزات عسكرية إضافية إلى هناك، فيما نفت “قسد” ذلك، ووصفت المعلومات بـ”المضللة”.

————————-

“قسد” تنفي حشد قواتها في ديرحافر شرق حلب: ذرائع للتصعيد

الثلاثاء 2026/01/13

نفت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وجود أي تحركات أو تحشيدات لها في منطقة ديرحافر ومسكنة في ريف حلب الشرقي، واصفةً تصريحات وزارة الدفاع السورية حول ذلك بـ”المضللة”.

محاولة لافتعال التوتر

وقال “قسد” في بيان: “تتابع قواتنا التصريحات المضللة الصادرة عن (وزارة الدفاع) في حكومة دمشق بشأن الوضع الميداني في محيط مسكنة ودير حافر، ونؤكد عدم وجود أي تحركات أو تحشيدات عسكرية لقواتنا في المناطق المذكورة، وأن جميع المزاعم المتداولة لا أساس لها من الصحة”.

وأضافت “تكرار هذه الادعاءات من قبل (وزارة الدفاع) للمرة الثانية يشكّل محاولة لافتعال التوتر وتهيئة ذرائع للتصعيد، ونحمّل الجهات التي تقف خلفها كامل المسؤولية عن أي تداعيات محتملة”، وأن “التحركات الميدانية القائمة تعود أساساً إلى فصائل حكومة دمشق نفسها”.

وفيما حذّرت مما وصفته بـ”النهج التصعيدي”، أكدت التمسك “بخيار التهدئة مع احتفاظنا بحقنا المشروع في اتخاذ ما يلزم للدفاع عن المنطقة وحماية المدنيين”.

كما أعلنت “قسد” عن صد هجوم بالرشاشات للجيش السوري في بلدة أبو حمام في ريف ديرالزور الشرقي، “دون وقوع أي إصابات في صفوف قواتنا”. وأضافت “ردّت قواتنا على مصادر النيران واتخذت كافة التدابير اللازمة لضمان أمن النقاط وحماية المنطقة”.

وفي وقت سابق اليوم، أعلن الجيش السوري، منطقتي دير حافر ومسكنة في ريف حلب الشرقي، منطقة عسكرية مغلقة، بسبب استمرار “قسد” بالتحشيد العسكري فيهما، مطالباً بانسحابها باتجاه شرق الفرات، بعدما أعلن، أمس الاثنين، عن وصول تعزيزات عسكرية تضمنت مقاتلين من حزب “العمال” الكردستاني وفلول نظام الأسد.

الغريب: حلب تجاوزت المحنة

في غضون ذلك، قال محافظ حلب عزام الغريب، إن الجيش السوري سيتخذ كل الإجراءات اللازمة لمنع أي عمليات إجرامية تهدّد سلامة المواطنين وأمن مدينة حلب، مؤكداً ضرورة التزام المواطنين بتعليمات الجهات المختصة حمايةً للأرواح وصوناً للأمن العام.

وأوضح أن “هيئة العمليات” في الجيش السوري حدّدت مناطق شرق مدينة حلب باللون الأحمر، “نظراً لاستمرار” قوات “قسد” وحزب “العمال” الكردستاني وبقايا فلول النظام المخلوع، في “حشد مجاميعهم واتخاذ هذه المواقع منطلقاً للطائرات المسيّرة والهجمات الإجرامية التي تستهدف أمن المواطنين”.

ولفت المحافظ إلى أنه تم إعلان هذه المناطق “مناطق عسكرية مغلقة” بدءاً من اليوم، داعياً الأهالي إلى الابتعاد عنها حفاظاً على أرواح المدنيين، ومنعاً لاستخدامها كمنطلق للاعتداءات.

——————-

=====================

تحديث 12 كانون الثاني 2025

————————-

“معركة حلب” تغير قواعد التفاوض بين دمشق و”قسد”/ صبحي فرنجية

إما الاتفاق وإما الاقتتال

آخر تحديث 11 يناير 2026

استطاعت الحكومة السورية، خلال أقل من أسبوع، السيطرة على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب اللذين تسيطر عليهما “وحدات حماية الشعب” ومن ثم “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) منذ عام 2012، بعد معارك محدودة مع “قسد” استخدمت فيها الحكومة السورية تكتيكات جديدة تعكس تطوّرا في بنيتها العسكرية والأمنية، ومع نهاية يوم السبت 10 يناير/كانون الثاني الجاري، غادرت حافلات تحمل آخر مقاتلي “قسد” في حي الشيخ مقصود نحو مناطق شرق الفرات وفق اتفاق بين الطرفين.

بعد فشل جلسة التفاوض بين الحكومة السورية و”قسد” يوم الأحد 4 يناير/كانون الثاني، ومحاولة “قسد” استخدام الحيين للضغط على الحكومة السورية، رأت الأخيرة أن هناك ضرورة ماسّة لإنهاء نفوذ “قسد” في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود اللذين يتميزان بأهمية كبيرة، فهما يقعان في منطقة استراتيجية مرتفعة بحلب من الناحية العسكرية، كما أن الحيّين يشكلان صندوق الرسائل النارية الذي تستخدمه “قسد” كلّما ضاق أفق عملية التفاوض بينها وبين الحكومة السورية، إضافة لكون وجود “قسد” في الحيين يُعيقان التقدم الاقتصادي في حلب، فكبار التجار في حلب أكدوا أكثر من مرّة للحكومة السورية أن وجود “قسد” وإمكانية وجود توترات في حلب بين آونة وأخرى يجعل فرص الاستثمار وتفعيل المدينة الصناعية الكبرى في سوريا أمرا صعبا. لذلك قررت الحكومة السورية القيام بعملية عسكرية عقب قيام “قسد” باستهداف قوات الأمن العام على أطراف الحيين بعد جلسة التفاوض الصفرية يوم الأحد 4 يناير/كانون الثاني الجاري.

الحكومة السورية تُغيّر استراتيجيتها

حاولت الحكومة السورية إظهار شكل جديد في تعاملها العسكري الداخلي، بطريقة تُثبت انضباطا ملموسا مقارنة بالفوضى التي حصلت في الساحل السوري والسويداء خلال العام الماضي. ويهدف إظهار تطور قدرات وزارة الدفاع التكتيكية والعسكرية والانضباطية إلى إرسال رسائل داخلية وخارجية في آن واحد، داخلية بأنه لن يحصل فوضى تُستغل لتدويل القضايا، وخارجية لقوى التحالف الدولي والمجتمع الدولي بأن وزارة الدفاع تتقدم في عمليات الهيكلة والضبط والانضباط، ما يُمهد الطريق أمام بدء التعاون بينها وبين قوات التحالف الدولي في محاربة “داعش”.

ويمكن ملاحظة عدّة جوانب في التغييرات التي أظهرتها الحكومة السورية في العملية العسكرية التي أفضت إلى السيطرة على حييّ الأشرفية والشيخ مقصود في حلب:

– التخطيط الإنساني الدقيق لتجنب آثار المعارك في الحييّن، كونهما مُحاطان بأحياء سكنية، ويشكلان ثقلا سكّانيّا كبيرا، وبحسب إحصائيات غير رسمية يبلغ عدد سكان الحيّين ما يزيد على 200 ألف نسمة، لذلك فإن العملية العسكرية ستكون مكلفة جدا بشريا، وهذا الثقل السكاني في الحيين ومحيطهما كانا ورقة بيد “قسد” التي كانت تظنّ أن الحكومة لن تقوم بعمل عسكري فيهما خشية حدوث انتهاكات وفوضى تؤثر عليها سياسيا. وقد أظهرت الحكومة السورية تحولا في استراتيجيتها من ناحية فتح المعابر الإنسانية وتأمين خروج المدنيين (بحسب محافظ حلب عزام الغريب تم تأمين 155 ألف نسمة خرجوا من الحيين)، ومن ناحية الاستجابة السريعة لتأمين هؤلاء بعد خروجهم حيث تم إنشاء مراكز إيواء مباشرة، وتأمين اللوازم الرئيسة للمدنيين الخارجين من الحيين.

– وجود استراتيجية عسكرية واضحة وغير مكلفة بشريا للسيطرة على الحيين، حيث اعتمدت الحكومة ووزارة الدفاع تكتيك تحديد الأهداف المباشرة لمواقع تخزين السلاح، وإعلانها على المعرفات الرسمية وإخبار المدنيين الابتعاد عنها لتجنب الإصابات، وحددّت وزارة الدفاع خلال الأيام الأربعة الأولى للعمليات العسكرية 12 هدفا تم استهدافهم بهدف استنزاف قدرات عناصر “قسد” في الحيين عسكريا، تُضاف إلى ذلك عمليات محدودة بدأت في حي الأشرفية بالتزامن مع تضييق الخناق في حي الشيخ مقصود، وهو ما أدى إلى عزل الحيين ومهّد لانهيار صفوف المقاتلين وإضعاف قدرتهم على الاستمرار لفترات أطول في القتال. كما أبقت وزارة الدفاع باب الانشقاق من قوات “قسد” في الحيين مفتوح وذلك لتخفيف الضغط العسكري من جهة وإحداث خرق في الصفوف المعنوية لقوات “قسد” في الحيين. كل ذلك لعب دورا كبيرا في تسريع السيطرة على الحيين وبخسائر بشرية محدودة على المستوى العسكري والمدني.

– وجود خطة واضحة لتمشيط وتأمين الحيين من المتفجرات والألغام، حيث باشرت الفرق والقوى التابعة لوزارتي الداخلية والدفاع بالدخول إلى المناطق التي انسحبت منها قوات “قسد” أثناء العمليات العسكرية، هذه القوات كانت تعمل على تأمين المنطقة من جهة وتفكيك الألغام والمتفجرات التي تركتها عناصر “قسد” أثناء عمليات الانسحاب. تزامن ذلك مع رسائل واضحة للمدنيين بعدم الاقتراب من الأحياء إلى حين انتهاء القوى من تمشيطها وتفكيك الألغام والمتفجرات فيها.

– لمنع وجود أي عمليات انتقامية وانتهاكات خلال العملية العسكرية، منعت وزارة الدفاع ووزارة الداخلية عبر حواجزها مشاركة أي عنصر في الوزارتين من المشاركة إن كان اسمه غير مدرج ضمن القوات المصرح بدخولها إلى الحيين، هذه الاستراتيجية هي رسالة داخلية وخارجية في آن واحد مفادها أن أحداث الساحل السوري والسويداء لن تتكرر. وبحسب معلومات “المجلة” فإن القوات المشاركة في العمليات هي قوات تم تعيينها بدقة وإعطاؤها تعليمات صارمة للالتزام بسياسة وزارة الدفاع.

– أبقت الحكومة السورية باب التفاوض مفتوحا، بل يمكن القول إن العمليات العسكرية المحدودة والنوعية في الحيين كانت بشكل رئيس بهدف دفع “قسد” للجوء إلى التفاوض داخل صندوق النار، فالحكومة السورية لم تعلن أن التفاوض انتهى، بل بقيت تشير إلى إمكانيته مع من بقي وتأمين خروجهم إلى مناطق شرق الفرات دون عمليات انتقامية بحقهم، وعلى الرغم من أن عملية الإجلاء الأولى لمقاتلي “قسد” تخللتها هجمات على الحافلات والأمن العام، فإن الحكومة السورية لم تُغلق الباب أمام عملية التفاوض الممزوج بالقدرة على الحسم العسكري. ومع نهاية يوم الجمعة 10 يناير/كانون الثاني تم التوصل إلى اتفاق يُفضي إلى خروج عناصر “قسد” كافة من حيّ الشيخ مقصود والسيطرة التامة للحكومة على الحيين.

– اختبرت الحكومة السورية أثناء العمليات القدرة على تحقيق الخرق من الداخل، وذلك من خلال عمليات تواصل سابقة ومدروسة مع بعض العشائر الموجودة في الحيين، بقيادة وهندسة مستشار رئيس الجمهورية لشؤون العشائر جهاد عيسى الشيخ (المعروف أيضا باسم أبو أحمد زكور) الذي يعمل على إعادة هندسة دور العشيرة في مستقبل سوريا بما يتناسب وسياسة الحكومة نحو الاستقرار، حيث إن أبناء العشائر الموجودة في الحيين فتحو الطريق أمام قوات الجيش من ناحيتهم وخرجوا دون مقاومة أو مشاركة في العمليات، وهو ما سهّل تقدم القوات أكثر في المنطقة. هذا الاختبار الناجح ستستثمره الحكومة في جغرافيا شرق الفرات، وهو رسالة قويّة لـ”قسد” بأن عوامل انهيارها من الداخل موجودة.

– على المستوى المؤسساتي والحكومي، قامت الحكومة السورية بإظهار دور فاعل وجهوري للمحافظ في خضمّ العمليات العسكرية، حيث عمدت إلى إعطاء محافظ حلب عزام الغريب دورا جوهريا في إدارة العمليات المدنية وتحديد المواقف وصياغة الرسائل الداخلية والخارجية، وهو دور لم يحظ به منصب المحافظ في ظلّ حكم الأسدين. وكان واضحا أن الغريب كان هو مصدر المعلومات وصوت الحكومة من خلال المؤتمرات الصحافية المتتالية التي كان يقيمها. ويعطي الدور الذي لعبه محافظ حلب خلال الأيام الماضية إشارات إلى التغييرات المؤسساتية التي تسعى الحكومة إليها، وهو ما يمكن البناء عليه لتأسيس اللامركزية الإدارية من خلال إدخال تعديلات على قانون الإدارة المحلية (107) والذي ألمح الرئيس السوري أحمد الشرع إلى إمكانية تعديله.

“قسد” لمواجهة مطبّات داخلية

بعد خسارة حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، من المرجح أن تُعاني “قسد” من إرهاصات عديدة، على المستوى العسكري، التفاوضي مع الحكومة السورية، الداخلي في مناطق نفوذها. كانت “قسد” ترى في حيي الأشرفية والشيخ مقصود صندوق الرسائل النارية في حال تعثرت المفاوضات مع الحكومة السورية، وعامل قوّة يمنع وجود رغبة لدى الحكومة السورية باللجوء إلى الحلول العسكرية لأن الحلّ العسكري سيكون مكلفا للحكومة السورية سياسيا وداخليا. إلا أن تحرك الحكومة السورية إلى المنطقة غير المتوقع من قبل “قسد” يشكل تحولا في سياسة الحكومة وتطورا في منظورها واستراتيجيتها العسكرية والتفاوضية، فهي سحبت من “قسد” الورقة القوية لديها.

ومن الناحية العسكرية تشكل خسارة حيي الأشرفية والشيخ مقصود ضربة قوية لـ”قسد”، فهي لم تستطع الصمود في المنطقة رغم كل التحصينات والأنفاق التي حفرتها خلال السنوات العشر الماضية في المنطقة، ورغم كل عوامل القوة التي تمتلكها من ناحية البنية المدنية المكتظة للحيين ومحيطهما. كما أن “قسد” واجهت استراتيجية عسكرية جديدة انتهجتها الحكومة السورية باستهداف البنية العسكرية لـ”قسد” في الحيين وفتح الأبواب أمام تخفيف الضغط العسكري والمدني من خلال دعم الانشقاقات عن صفوف “قسد” والمعابر المدنية، ولذلك فإنه من المتوقع أن تعيد “قسد” حساباتها من الناحية العسكرية في مناطق شرق الفرات مع التغييرات التكتيكية التي أظهرتها الحكومة السورية، إضافة إلى أن حالة الانهيار والانشقاق التي شهدتها صفوف “قسد” في الحيين يمكن أن تلعب دورا في زعزعة صفوف “قسد” العسكرية والمواقف التفاوضية المتأرجحة والمتضاربة أصلا.

على المستوى التفاوضي، وبعد خسارة الحيين، سيكون أمام “قسد” مهمة صعبة، فهي في موقف أضعف بعد خسارة عسكرية في منطقة حساسة ومكتظة بالمدنيين، إضافة إلى أن قيام “قسد” باستهداف مدينة حلب بالمسيرات والقذائف، إضافة إلى العمليات الانتحارية التي نفذها عناصر في حي الشيخ مقصود، سيكون له أثر سلبي على مستوى الشعبية التي تحاول “قسد” كسبها من جهة، وعلى مستوى جهودها للحصول على مزاج دولي داعم لها. اليوم “قسد” أمام مرحلة جديدة من التفاوض دون ورقة فاعلة خارج جغرافيا شرق الفرات، ووسط صورة متأرجحة داخليا ومدنيا.

التزام “قسد” بسردية أن العناصر الموجودين في حيي الأشرفية والشيخ مقصود ليسوا تابعين لها كان له تأثير سلبي عليها، فهو منعها من الحجة الفاعلة للحصول على الدعم السياسي الأميركي (المتراجع أصلا)، فالأخيرة لن تتدخل للتوسط من أجل عناصر لا يُعلم انتماؤهم يواجهون حليفتها (الحكومة السورية)، كما أن هذه السردية ناقضتها “قسد” نفسها عندما بدأت الاستهدافات العسكرية ومحاولة دعم العناصر، إضافة إلى قبولها في نهاية المطاف استقبال هؤلاء المقاتلين في عملية تفاوض مع الحكومة السورية. يُضاف إلى ذلك أن الموقف الأميركي الداعم للحكومة السورية والمتقبل لفكرة خروج المقاتلين من حيي الشيخ مقصود والأشرفية نحو شرق الفرات كان له دور فاعل في إضعاف موقف “قسد”، وهو بمثابة رسالة صريحة لـ”قسد” لدفعها نحو تحقيق خرق في ملف المفاوضات مع الحكومة السورية لتطبيق اتفاق 10 مارس/آذار الماضي بين الرئيس الشرع ومظلوم عبدي.

داخليا، اختبرت “قسد” نوعا جديدا من التكتيك السياسي المدني، فالحكومة السورية سهّلت خروج الناس وساعدتهم، ونسقت مع مكونات مدنية داخل حيي الأشرفية والشيخ مقصود، هذا التكتيك سيلقي ظله على حسابات “قسد” في شرق الفرات، فالمنطقة تشهد حالة غضب مدني من قبل كافة المكونات في شرق الفرات، كما أن “قسد” ليست غافلة عن جهود مستشار رئيس الجمهورية لشؤون العشائر لتوحيد موقف العشائر كافة في شرق الفرات لدعم موقف الحكومة السورية، هذه الجهود التي أظهرت نجاحها في عدة مناسبات ولقاءات، وهي قد تكون بمثابة حصان طروادة الذي يمكن أن يُضعف “قسد” بشكل كبير في حال وصول الأمور إلى الاشتباك العسكري بينها وبين الحكومة السورية في شرق الفرات.

التفاوض في صندوق النار

مما لا شكّ فيه أن أسس وقواعد التفاوض بين الحكومة السورية و”قسد” ستشهد تحولا كبيرا في الفترة المقبلة، فنظرية أن الحل العسكري هو آخر الحلول لدى الحكومة السورية لم يعد صائبا، فالخيارات مفتوحة على كل الممكنات اليوم، كما أن الموقف الدولي الذي كانت تعول عليه “قسد” بات أقل زخما بالنسبة لها في ظل الإقبال الكبير للمجتمع الدولي على الحكومة السورية.

إعادة رسم قواعد التفاوض اليوم ربما يكون له دور كبير في تسريع التوصل إلى اتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”، سيّما وأن بيانات الدول الفاعلة العربية والإقليمية والدولية- بما فيها الوسيط الأميركي- كانت تدعم وحدة سوريا وتدفع نحو تحقيق خرق أبعد من حيي الأشرفية والشيخ مقصود، في إشارة إلى اتفاق 10 مارس.

وبحسب معلومات “المجلة”، فإن واشنطن وجهت رسائل واضحة لمظلوم عبدي بضرورة التوصل إلى اتفاقات فعلية مع الحكومة السورية التي أبدت انزعاجها بعد جولة المفاوضات التي حصلت يوم 4 يناير/كانون الثاني الجاري، فـ”قسد” أصرّت على بقائها في شرق الفرات عسكريا ضمن الفرق التي وافقت الحكومة السورية على إنشائها لدمج “قسد”، ودعم دخول الجيش إلى المنطقة لمدة عام إلا في حال اللقاءات أو الدوريات، إضافة إلى شروط أخرى أزعجت وفد الحكومة الذي أنهى اللقاء مع مظلوم عبدي ورفض استئناف الجلسات في اليوم نفسه أو اليوم التالي. وقد أثّر تفاوت المواقف والرؤية لدى “قسد” على الموقف الأميركي الذي يريد حلّ العقدة، وجعلها تمارس ضغطا أكبر على “قسد”، ولعلّ ما حصل في حيي الأشرفية والشيخ مقصود أبرز تجلٍ لـ”قسد” حيال موقف واشنطن.

لكن في الوقت نفسه، يحتوي شرق الفرات على قواعد أميركية وقوات تابعة للتحالف الدولي، وسجون تحوي آلاف المقاتلين التابعين لـ”داعش”، وقاعدة روسية في مطار القامشلي، لذلك فإن أي اشتباك عسكري سيكون له تأثير داخلي وإقليمي دولي كبير، ورغم أن “قسد” ترى في ذلك عامل قوّة لها، إلا أن عمليات محدودة للجيش السوري في الرقة وقرى تابعة لمحافظة دير الزور ربما تكون على الطاولة في حال تعثّر المفاوضات أكثر. “المجلة” علمت من عدّة مصادر أن واشنطن تبذل جهودا لتخفيف الأثر المحتمل حدوثه في حال وصلت الأمور إلى حدود الاشتباك المباشر بين الحكومة السورية و”قسد”، وفي الوقت نفسه يحاول فريق المبعوث الأميركي توم باراك تذليل العقبات والضغط على “قسد” لتحقيق خرق عملي لتطبيق اتفاق10  مارس بين الطرفين.

المرحلة المقبلة من عملية التفاوض بين “قسد” والحكومة السورية ستكون حساسة، فإما التوصل لاتفاق أو الاشتباك، فـ”قسد” أمام اختبار داخلي وعسكري من ناحية إنهاء حالة الخلاف الداخلية حول مستقبل المنطقة ومستقبل “قسد” في ظل التغييرات الإقليمية والسياسية الدولية المتجهة نحو دمشق، والحكومة السورية أمام اختبار صعب أيضا في حال فشلت مفاوضات صندوق النار، فالحرب في شرق الفرات مكلفة وتحتاج إلى حسابات ضخمة لمنع انهيار البلاد ودخولها في مرحلة فوضى عارمة، وهي بحاجة إلى ضبط الجبهات الأخرى (في الجنوب، وبعض مناطق الساحل) والمتوقع حصول فوضى فيها في حال دخول الحكومة في اشتباك مباشر مع “قسد” وانشغالها في شرق الفرات.

المجلة

———————–

 حلب..اختبار النار/ بشير البكر

الاثنين 2026/01/12

مواجهات حلب التي جرت في الأسبوع الماضي، هي عبارة عن اختبار بالنار لخص مدى استعصاء الموقف بين الدولة السورية، وقوات سوريا الديموقراطية “قسد”. وبرهنت بوضوح على فشل عدة جولات من المحادثات بين الطرفين، تجاوزت العام، وتم تضمينها في اتفاقين، لم يجدا طريقهما للتنفيذ. الأول في العاشر من آذار، وهو شامل، يتعلق بالوضع في منطقة الجزيرة، والثاني في الأول من نيسان، محدود، ويخص حيي الاشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب. اتفاقان ربط بينهما، موقف السلطة التي تصرفت بمنطق الدولة، التي تريد بسط سيادتها على كامل أراضيها، وفرقهما مطالبة “قسد” بحكم ذاتي، ولا مركزية سياسية، في الجزء الذي تسيطر عليه بالقوة العسكرية، والمعروف بمنطقة الجزيرة السورية، ذات الغالبية العربية المطلقة، والتي تتكون من ثلاث محافظات، الرقة، دير الزور، الحسكة، وتشكل ثلث مساحة سوريا، و40 في المئة من ثرواتها..

سيطرت “قسد” على الجزيرة السورية خلال مراحل متعددة، ونتيجة لثلاثة أسباب أساسية. الأول هو قرار نظام بشار الأسد بتسليم جزء من المنطقة لحزب العمال الكردستاني التركي في بداية المظاهرات الاحتجاجية ضده عام 2011، وكان ذلك بترتيب من الحرس الثوري الإيراني من اجل تفرغ اجهزة النظام السوري لمواجهة الاحتجاجات في مناطق أخرى من البلاد، وعلى أساس اتفاق يقوم بموجبه حزب العمال بقمع الحراك الثوري ضد النظام في الجزيرة. السبب الثاني هو الحرب الأميركية على داعش، وقد بدأ التنسيق بين الطرف الأميركي وحزب العمال في مناطق جبال سنجار بالعراق بعد سيطرة داعش على الموصل عام 2014، ولاحقاً نُقلت التجربة إلى سوريا في معركة “عين العرب” عام 2015، وتم تأسيس “قسد” في هذا العام، وعلى أساس أن تكون شريكا على الأرض للتحالف الدولي لمحاربة داعش، وهو ما رفضه الجيش الحر، الذي تبنى أولوية محاربة نظام الأسد. والعامل الثالث هو نشاط حزب العمال الكردستاني في سوريا عن طريق فرعه المعروف بحزب الاتحاد الديموقراطي، الذي تأسس عام 2003.

حاربت “قسد” داعش، ولكنها لم تقف إلى جانب فصائل الثورة لمحاربة النظام، وحينما سقط الأسد في 8 كانون الأول 2024، ركبت الموجة الجديدة، وزار مسؤولون منها دمشق للقاء الرئيس أحمد الشرع، بطلب من الولايات المتحدة، التي شجعت فتح حوار بين الطرفين، من دون أن تتدخل في مضمونه، وهذا ما جعل “قسد” تتصرف على أساس أنها طرف في المعادلة السورية، وتطالب بحصة، ليس أقل من أن تحتفظ بوضعها كما هو في الجزيرة، حيث تديرها وتستثمر ثرواتها، وتقيم فيها شبه دولة، وأمامها نموذج تجربة اقليم كردستان العراق. وفي الآونة الأخيرة طرح اعلاميون محسوبون عليها موافقة الدولة على انشاء اقليم كردي في الجزيرة السورية، وذلك تحت ذريعة أن هناك قضية كردية في سوريا، بقيت معلقة لزمن طويل، وحان الوقت من أجل حلها.

لا بد أن نعترف بأن هناك مسألة كردية في سوريا، وألا نخاف أو نماطل في حلّها ضمن الإطار السوري، على أساس أنها حق كامل بالمواطنة، واعتراف بالخصوصية تحت سقف الدولة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن إنشاء حكم ذاتي كردي داخل سوريا أمر مرفوض من الغالبية العربية، ومن مصلحة الكرد قبل العرب، عدم الإصرار على هذا الخيار، لأنه يعني تقسيم سوريا، وتأسيس أرضية حروب أهلية لن تنتهي. وليس في صالح مستقبل الكرد أن يضعوا أنفسهم في موقف ضد وحدة سوريا ومصالح اغلبية السوريين. وهناك حقائق لا تقبل الجدل في طليعتها أن “قسد” تسيطر على ثلاث محافظات سورية غالبية سكانها المطلقة من العرب، وتستأثر بالثروات، بالإضافة لفشل مشروعها للإدارة الذاتية. إن الاستمرار في هذا السلوك سوف يقود لحرب أهلية عربية كردية في الجزيرة لن يربح فيها أحد.

السبب المباشر لانفجار الموقف العسكري في حلب هو وجود قوات لقسد داخل المدن ضمن احياء مدنية، وهو أمر يخالف منطق سيادة الدولة، واحتكارها السلاح، ثم ان الاحياء التي تنتشر فيها قواتها ليست كردية بل مختلطة، وحتى لو كانت الأحياء كردية صرفة، فلا يمكن للدولة أن تقبل بأمن ذاتي لها، ولا يخفى على أحد أن احتفاظ “قسد” بقوات داخل مدينة حلب هو عبارة عن تعزيز لأوراقها التفاوضية في منطقة الجزيرة، وهذا ينطبق على تواجدها في منطقة سد تشرين الذي يغذي محافظة حلب بالمياه والكهرباء.

رافقت المواجهات العسكرية بحلب حملة تصور انتقاد “قسد” وحزب العمال الكردستاني على أنه كراهية للكرد، وانكار لحقوقهم في المواطنة والخصوصية الثقافية. في حين أن الموقف من هذين التنظيمين، لا ينسحب على الشعب الكردي. وهذا يعني أن ربح “قسد” للمعركة مع الدولة السورية، لا يعني بالضرورة ان ذلك في مصلحة كرد سوريا، ولكن خسارتها المعركة سوف يكون على حسابهم، أما البروباغندا التي تقول إن تركيا ضغطت على السلطات السورية لفتح معركة ضد الاكراد ليست صحيحة، والدليل أن أنقرة فاوضت زعيم الكردستاني عبدالله اوجلان، وتوصلت لتسوية مع حزبه دمر بموجبها سلاحه.

وحيال كل ذلك، يجدر تسجيل نقطتين مهمتين. الأولى هي أن استقرار سوريا هو حجر استقرار الشرق الأوسط، وهناك طرف واحد في المنطقة يعمل عكس هذا التوجه هو اسرائيل، التي تمارس سياسة تفجير واشاعة الفوضى في سوريا، والعراق وتركيا ولبنان. الثانية هي إن جانباً من المسألة الكردية في سوريا يعود إلى أوضاع الكرد في الإقليم، وخاصة في تركيا وإيران. وكلما برد الوضع الكردي هناك انفرج في سوريا، وبالعكس.

المدن

————————-

هل يتكرر سيناريو الأشرفية والشيخ مقصود في الجزيرة السورية؟/ اسماعيل درويش

“مجلس القبائل” لـ “اندبندنت عربية”: تبذل واشنطن جهوداً لتقريب وجهات النظر وإذا رفضت “قسد” الحل السياسي فإن الخيار العسكري قريب وبموافقة أميركية

الاثنين 12 يناير 2026

 بعد الحسم السريع لمصلحة الحكومة السورية في حلب، وترحيل من بقي من مقاتلي “قسد” إلى مدينة الطبقة شرق سوريا، بدأت الأنظار تتجه إلى الجزيرة السورية حيث معقل “قوات سوريا الديمقراطية”، فيما يحاول المبعوث الأميركي توم براك الضغط على الطرفين لتطبيق “اتفاق آذار” بسرعة، تجنباً لعملية عسكرية واسعة النطاق يتحضر لها الجيش السوري.

مدينة حلب، ثاني أهم المدن السورية بعد العاصمة دمشق والعاصمة الاقتصادية للبلاد، كانت أول مدينة تمكنت “قوات ردع العدوان” من السيطرة عليها وطرد قوات نظام بشار الأسد منها نهاية عام 2024، وفي حلب أحياء ذات غالبية كردية مثل الأشرفية والشيخ مقصود بقيت تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) طوال الفترة الماضية، وعلى رغم الاتفاقات الموقعة بين الحكومة السورية و”قسد” فإن معظم بنودها بقي حبراً على ورق، فيما يوجه الطرفان التهم لبعضهما بعضاً وبصورة متواصلة.

لكن الملاحظ أن صبر دمشق بدأ ينفد أخيراً بعد توجيه اتهامات لـ “قسد” باستهداف الأحياء السكنية في حلب مما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين، فشن الجيش السوري عملية سريعة انتهت خلال أيام بالسيطرة على الأشرفية والشيخ مقصود وإخراج من بقي من المقاتلين الأكراد إلى منطقة الطبقة بمحافظة الرقة شمال شرقي سوريا.

وفي أعقاب الحسم الذي شهده حيا الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، عاد السؤال ليتصدر النقاش السياسي والعسكري في سوريا حول هل يتكرر السيناريو ذاته شرق الفرات، وتحديداً في مناطق الجزيرة السورية؟

السؤال لا ينفصل عن تعقيدات الجغرافيا وتداخل المصالح الدولية وطبيعة “قسد” نفسها، ولا عن المتغيرات التي فرضها الحسم السريع في حلب وما تركه من تداعيات على موازين القوى، بين من يرى أن ما جرى في حلب يشكل نموذجاً قابلاً للاستنساخ، ومن يعتقد أن شرق الفرات حال مختلفة تحتاج إلى أدوات أخرى، مع من يرجح أن تجربة حلب ستؤدي إلى تسريع الحل السياسي ودمج “قسد” في الدولة السورية.

الحاضنة الشعبية و”بيضة القبان”

يقلل الأكاديمي والباحث السوري عرابي عبدالحي عرابي من كلفة وتداعيات أية مواجهة محتملة شرق الجزيرة مقارنة بما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية، ويشير في حديثه الخاص مع “اندبندنت عربية” إلى أن “الجغرافيا الواسعة في الجزيرة السورية تجعل الحسم أسرع وأقل كلفة”، لافتاً إلى أن “الأنفاق والتحصينات التي اعتمدت عليها ‘قسد’ لم يؤثرا عملياً في مسار العمليات السابقة، بحسب ما شهدناه في الأشرفية والشيخ مقصود”، مؤكداً أن “الفارق الجوهري يتمثل في الحاضنة الشعبية، ففي الشيخ مقصود والأشرفية كانت هناك نسبة كبيرة من الحاضنة الكردية، وعلى رغم ذلك لم تحظَ ‘قسد’ بقبول كامل حتى داخل المكون الكردي نفسه، أما في الجزيرة، حيث الغالبية عربية إلى جانب مكون كردي يتململ بدوره من سياسات ‘قسد’، فإن الظروف أكثر ملاءمة لحسم أسرع”، معتبراً أن “أي مسار سياسي تتبناه ‘قسد’ ليس سوى محاولة لكسب الوقت وفرض أمر واقع”، ومؤكداً أن “الحل النهائي هو تفكيك ‘قسد’ سياسياً أو عسكرياً”.

محادثات يقودها التحالف الدولي

من زاوية أخرى يرى رئيس “المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية” مضر حماد الأسعد أن “تكرار السيناريو وارد ولكن بصورة مرحلية ومحدودة في بداياته”، موضحاً أن “المرحلة الأولى قد تبدأ في مناطق مثل دير حافر وسد تشرين، حيث يمكن للجيش السوري أن يدخل ويثبت حضوره، في حين تبقى منطقة الجزيرة التي تضم الحسكة والرقة وريف دير الزور الشرقي رهناً لمحادثات ومداولات قد تطول”.

ويقول الأسعد في حديثه إلى “اندبندنت عربية” إنه “مع بداية التطورات في حيي الأشرفية والشيخ مقصود جرت اتصالات مكثفة بين كل من الحكومة السورية والتحالف الدولي و’قسد’ وكان القرار محسوماً بإنهاء وجود ‘قوات سوريا الديمقراطية’ في حلب وتأمين المدينة، وهذا ما نقله التحالف الدولي لقادة ‘قسد’ ولكن لم تكن هناك استجابة، فاستمرت العمليات الميدانية حتى إجلاء من بقي من المقاتلين إلى الطبقة”، مؤكداً أن “التحالف الدولي لعب دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر بين الحكومة و’قسد’، وبعد الحسم في حلب لا يزال المبعوث الأميركي توم براك والتحالف يعملان على مسار تقارب بين الطرفين وضمان تطبيق اتفاق الـ 10 من مارس (آذار) 2025 بأسرع وقت، لكن تدخلات أخرى أبرزها الدعم الإيراني لـ ‘قسد’ وتزويدها بالطائرات المسيرة التي تأتي من خلال معبر سيمالكا الحدودي الذي تسيطر عليه وتديره القوات”.

وأضاف أن “الدور الإيراني وتأثير ‘حزب العمال الكردستاني’ أسهما في تعقيد الوضع أكثر، ووفق المعلومات التي نملكها فإن الولايات المتحدة تعمل حالياً على دفع ‘قسد’ نحو مفاوضات سياسية جادة تنتهي قريباً بتطبيق اتفاق الـ 10 من مارس 2025، وهذا الخيار الأول، أما الثاني والذي لا يزال مطروحاً فهو الخيار العسكري الذي يبدأ بتخلي التحالف الدولي عن ‘قسد’ كما تخلى عنها أخيراً في حلب”.

الجزيرة السورية مسرح مفتوح

من جانبه يحذر الباحث السوري ضياء قدور من إسقاط تجربة حلب حرفياً على الجزيرة السورية، مؤكداً أن “إمكان استنساخ السيناريو يخضع لمحددات جيوسياسية وعملياتية مختلفة، فبينما كان الحسم في الشيخ مقصود قائماً على الحصار والعزل الجغرافي في بيئة حضرية مغلقة، فإن الجزيرة مسرح مفتوح وواسع ومتصل بحدود دولية، مما يجعل التكرار الحرفي مستبعداً”.

غير أن قدور يرى أن البديل هو “التكييف الإستراتيجي عبر اعتماد سياسة تقطيع الأوصال، أي تحويل مدن مثل القامشلي والحسكة إلى جيوب معزولة أمنياً، والضغط المتدرج لإجبار ‘قسد’ على الاختيار بين الانسحاب المنظم أو الصدام غير المتكافئ”.

ويشير الباحث السوري إلى أن “نموذج حلب أرسى عقيدة أمنية تقوم على الإكراه المتدرج مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، مما يؤدي في النهاية إلى تقويض بنية الإدارة الذاتية من الداخل”، وبحسب قدور فإن “ما جرى في حلب يمثل خريطة طريق لاستعادة السيادة عبر دبلوماسية قسرية من دون الانزلاق إلى حروب استنزاف طويلة”.

مسألة وقت لا أكثر

أما المحلل السياسي الكردي علي تمي فلا يخفي قناعته بأن “التدخل العسكري في الجزيرة السورية مسألة وقت”، ويعدد أن من أسباب ذلك “حاجة الحكومة السورية إلى النفط والغاز لإعادة بناء البنية التحتية، إضافة إلى أهمية المعابر الاقتصادية”، لافتاً إلى اهتمام شركات أميركية بالدخول إلى السوق السورية وهو ما يتطلب بيئة آمنة ومستقرة، فضلاً عن الضغط الشعبي المتزايد في الجزيرة والدعوات المطالبة بتدخل الدولة، وكل ذلك يجعل خيار الحسم العسكري مرجحاً على المدى المتوسط”.

الحل العسكري لا يزال باكراً

في المقابل يدعو الباحث في الشأن السياسي والأمني فاضي خانجي إلى قدر أكبر من التريث، معتبراً أن “الحديث عن تصعيد عسكري شامل في الجزيرة لا يزال باكراً”، ويوضح أن “العملية الأخيرة كانت محدودة جغرافياً وهدفت بالأساس إلى شل قدرة ‘قسد’ على استهداف أحياء حلب وتأمين الاستقرار في محافظة ذات أهمية إستراتيجية للتعافي الاقتصادي”.

ويشير خانجي إلى أن اتفاق الـ 10 من مارس 2025 لا يزال سارياً من حيث الإطار، على رغم الجمود الذي أصابه نتيجة تعنت “قسد”، لكنه يقر في الوقت نفسه بأن خسارتها في حلب أضعفت موقعها التفاوضي بصورة واضحة.

المشروع السياسي الجامع

وفي السياق يرجح الصحافي السوري عبدالله مسلم تكرار سيناريو حلب في الجزيرة السورية، ويقول إن “الحاضنة الشعبية تسهم بدور كبير في حسم العامل العسكري، فـ ‘قسد’ تنظيم كبير ولديه قوة عسكرية لا يستهان بها، ولكن على رغم قوتها لكن دمشق تتفوق عليها بكثير، وبعيداً من التفوق العسكري فإن القوات تفتقر إلى الحاضنة الشعبية في مناطق سيطرتها عموماً، وبخاصة المناطق ذات الغالبية العربية مثل دير الزور والرقة وأجزاء من الحسكة، ففي حال حصول أي معركة فإن آلاف المجندين العرب في ‘قسد’ لن يقاتلوا، خصوصاً أن تلك المنطقة ذات تركيبة قبائلية، وبمعنى آخر فإن المعركة على الصعيد العسكري غير متكافئة”.

وأوضح مسلم أن اعتماد دمشق على هذا النمط من المعالجة يطرح إشكالاً جوهرياً لدى الدولة السورية، فإذا لم يكن لدى الحكومة مشروع سياسي جامع يضمن مشاركة جميع المكونات من عرب وكرد وغيرهم في صياغة مستقبل البلاد، والاقتصار على الحلول الأمنية، يترك جذور الأزمة واحتمالات إعادة إنتاج التوتر قائمتين في أية لحظة، لذلك على الدولة السورية عدم الاكتفاء بالحل الأمني وتقديم مقاربة سياسية جامعة تضمن مشاركة جميع المكونات في بناء الدولة الجديدة.

وفي المحصلة يبدو أن سيناريو الشيخ مقصود والأشرفية بات مرجعاً في مقاربة ملف شرق الفرات لكنه ليس قالباً جاهزاً للاستنساخ، فبين من يرى الحسم قريباً وأقل كلفة، ومن يعتقد أن الطريق لا يزال طويلاً ومحكوماً بالتفاوض، تتقاطع العوامل المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية، والمؤكد أن موقع “قسد” لم يعد كما كان قبل حلب، وأن ميزان القوة يميل تدريجاً ضدها، لكن شكل النهاية، سياسية كانت أم عسكرية، سيظل رهناً بقدرة الأطراف على قراءة تعقيدات الجزيرة والموقف الأميركي ومدى إمكان تخلي واشنطن عن “قسد”، أو أن تقوم الأخيرة بتقديم تنازلات ترضي دمشق وتجنب البلاد موجة جديدة من العنف لا تخدم الأكراد ولا تنفع بقية مكونات الشعب السوري، ليبقى الرهان على تأثير توم براك في الطرفين.

“اندبندنت عربية”

——————————

 الأكراد بين الدولة الأمنية والثورة السورية/ بثينة عوض

الاثنين 2026/01/12

لم يكن الأكراد في سوريا خارج حسابات السلطة في أيّ مرحلة، لكنهم لم يكونوا يوماً جزءاً من مشروعها الوطني أيضاً. بين هذين الحدّين، نسج نظام الحكم، منذ سبعينيات القرن الماضي، علاقة ملتبسة مع المجتمع الكردي: لا اعتراف بالهوية، ولا قطيعة شاملة معها. علاقة تُدار أمنياً في الداخل، وتُستثمر سياسياً في الخارج، ثم تُترك معلّقة متى انتفت فائدتها أو تغيّرت موازين القوى.

مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة في العام 1970، دخلت هذه العلاقة طوراً جديداً، اتّسم بقدر أعلى من الانضباط والسيطرة، لكنه لم يكن أقل قسوة في الجوهر. لم يُطرح “السؤال الكردي” بوصفه قضية سياسية قابلة للحل، ولم يُفتح أي نقاش جدي حول الحقوق أو المواطنة المتساوية، بل جرى ضبطه، وإفراغه من مضمونه السياسي، وإبقاؤه تحت السيطرة الصارمة.

إنكار منظّم لا تسوية

في الداخل السوري، لم يمنح النظام الأكراد أي اعتراف دستوري أو سياسي. ظلّت اللغة الكردية خارج منظومة التعليم الرسمي، وبقي العمل الحزبي الكردي محاصَراً ومخترَقاً أمنياً، فيما استمرّت آثار الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 في إنتاج فئات واسعة بلا جنسية، أو بحقوق قانونية منقوصة، تعيش على هامش الدولة من دون حماية فعلية.

في المقابل، تجنّب النظام، لسنوات طويلة، الدخول في مواجهة مفتوحة مع المجتمع الكردي. لم يكن هذا الخيار تعبيراً عن تسامح أو مرونة سياسية، بل جزءاً من سياسة تحكّم دقيقة: ترك المجتمع في حالة شلل سياسي، مقابل حدّ أدنى من الاستقرار الأمني. هكذا، جرى احتواء التوتّر بدل معالجته، وتأجيل الانفجار بدل نزع أسبابه.

غير أن هذا “الاستقرار” كان هشّاً بطبيعته. فهو لم يقم على تسوية أو عقد اجتماعي، بل على توازن قسري، قابل للاهتزاز عند أول تحوّل في بنية السلطة أو موازين القوة. ومع مرور الوقت، ستظهر حدود هذا النموذج، حين يتبيّن أن ما جرى ضبطه بالقوة لم يختفِ، بل تراكم بصمت، بانتظار لحظة الخروج إلى العلن.

لحظة الثمانينيات

في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً عام 1986، شهدت مناطق الجزيرة السورية، ولا سيما مدينة القامشلي، واحدة من أخطر لحظات التوتر بين الدولة السورية والمجتمع الكردي. كانت تلك اللحظة استثنائية، ليس فقط بحجمها، بل بدلالتها السياسية، إذ كشفت حدود سياسة “الضبط الهادئ” التي اتبعها النظام لعقود.

خلال احتفالات عيد نوروز، خرج آلاف الأكراد إلى الشوارع في تظاهرات تجاوزت الإطار الثقافي والاحتفالي، ورفعت شعارات سياسية صريحة تتعلّق بالهوية والحقوق والاعتراف. جاء هذا التحرّك في سياق داخلي خانق، يتّسم بانسداد الأفق السياسي، وسياق إقليمي مضطرب، كانت فيه السلطة السورية تواجه تحدّيات أمنية وسياسية متعددة.

شكّل ذلك التحرّك أوسع تعبير جماعي كردي منذ الاستقلال، وأقرب ما يكون إلى انتفاضة غير مكتملة. للمرة الأولى، خرج الاحتقان الكردي من دائرة الصمت، وظهر في الفضاء العام بوصفه تحدّياً مباشراً لسياسات الإنكار والتهميش.

ردّ النظام لم يكن أمنياً تقليدياً، بل عسكرياً مباشراً. انتشرت وحدات من الجيش وقوات الأمن في القامشلي ومحيطها، فُرضت إجراءات قمعية مشدّدة، وأُطلقت النار على المتظاهرين. سقط قتلى وجرحى، ونُفّذت حملة اعتقالات واسعة، استهدفت نشطاء ومشاركين ومشتبهاً بهم، في محاولة واضحة لكسر أي احتمال لتحوّل الاحتجاج إلى تمرّد مفتوح أو نموذج قابل للتكرار في مناطق أخرى.

لم تنتهِ تداعيات تلك الأحداث عند حدود القمع المباشر. ففي أعقابها، شدّد النظام قبضته أكثر على المناطق الكردية. جرى تفكيك ما تبقّى من شبكات حزبية وتنظيمية، وتوسيع الاختراق الأمني داخل المجتمع، وفرض صمت قسري طويل، سيستمر حتى مطلع الألفية الجديدة. لم تُفتح مسارات للحوار أو المراجعة، بل أُعيد تثبيت معادلة السيطرة بالقوة.

كانت الرسالة التي أراد النظام إيصالها واضحة وقاطعة: أي خروج داخلي عن السيطرة، مهما كان محدوداً أو رمزياً، سيُواجَه بالقوة العسكرية، لا بالسياسة. تلك اللحظة، بما حملته من قمع وذاكرة خوف، ستترك أثراً عميقاً في الوعي السياسي الكردي، وتشكّل مرجعاً صامتاً يفسّر كثيراً من الحذر، والخيارات، التي ستظهر لاحقاً مع اندلاع الثورة السورية بعد عقود.

المفارقة الكبرى

في الوقت الذي كان فيه النظام السوري يقمع أي تحرّك كردي داخلي بلا تردّد، كان يستخدم الورقة الكردية خارج الحدود ببراغماتية كاملة. هذه المفارقة لم تكن تفصيلاً عابراً في سياسة الحكم، بل جزءاً بنيوياً من طريقة إدارة الملف الكردي: إنكار في الداخل، واستثمار في الخارج.

منذ سبعينيات القرن الماضي، دخلت العلاقات السورية–التركية مرحلة توتّر مزمن، على خلفية ملفات متراكمة شملت تقاسم مياه الفرات، والخلاف حول لواء اسكندرون، إضافة إلى التنافس على النفوذ الإقليمي. في هذا السياق، وجد حافظ الأسد في الحركة الكردية التركية أداة ضغط فعّالة يمكن استخدامها من دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع أنقرة.

على هذا الأساس، استضافت سوريا لسنوات طويلة زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، وسمحت له ببناء بنية تنظيمية ولوجستية واسعة، انطلقت من الأراضي السورية، ولا سيما من سهل البقاع اللبناني الذي كان خاضعاً آنذاك للنفوذ السوري. جرى ذلك بعلم الدولة ورعايتها، وفي إطار سياسة محسوبة تهدف إلى إبقاء الضغط الأمني على تركيا عند مستوى قابل للتحكّم.

لم يكن هذا الدعم تعبيراً عن تضامن قومي مع القضية الكردية، ولا اعترافاً بحقوق الأكراد، بل جزءاً من حسابات إقليمية باردة. فقد تعامل النظام مع الحركة الكردية التركية بوصفها ورقة تفاوض واستنزاف، لا أكثر: إضعاف الخصم، وتحسين شروط التفاوض، من دون تحمّل كلفة حرب مفتوحة.

تجلّت المفارقة بوضوح في الفصل الصارم الذي فرضه النظام بين “الكردي الخارجي المفيد” و”الكردي الداخلي الخطر”. فبينما فُتح المجال أمام نشاط عسكري ــ سياسي كردي موجَّه ضد دولة مجاورة، ظلّ أي تعبير كردي مستقل داخل سوريا مرفوضاً وملاحقاً. بهذا المعنى، لم تكن السياسة الكردية للنظام قائمة على مبدأ، بل على وظيفة: ما يخدم الصراع الإقليمي يُسمح به، وما يهدّد السيطرة الداخلية يُحظَر.

أوجلان في دمشق

أقام عبد الله أوجلان في سوريا قرابة عقدين، بين عامي 1979 و1998، في إقامة لم تكن سرّية ولا عابرة. تحرّك خلالها بحرية نسبية، عقد اجتماعات، وأدار شبكة علاقات سياسية وتنظيمية واسعة، انطلقت من دمشق وامتدّت إلى لبنان ومناطق أخرى خاضعة للنفوذ السوري آنذاك. كانت دمشق تعرف تماماً من تستضيف ولماذا، وكانت أنقرة تعرف أيضاً، وتتعامل مع هذا الواقع بوصفه جزءاً من صراع مفتوح مع النظام السوري.

غير أن اللافت في هذه التجربة لم يكن حجم الدعم أو مدّته، بل حدوده الصارمة. فهذا “الاحتضان” السياسي والأمني، الذي وفّر لأوجلان وحركته مساحة للعمل والتخطيط، لم ينعكس بأي شكل على أوضاع الأكراد السوريين أنفسهم. لم تُفتح أمامهم مساحة سياسية مستقلة، ولم يُسمح لهم بتنظيم علني أو نشاط جماهيري، ولم تتحسّن أوضاعهم القانونية أو تُراجع سياسات الإقصاء التي كانت تحكم علاقتهم بالدولة.

هكذا، عاش أوجلان في دمشق بوصفه “ضيفاً مفيداً” في معادلة إقليمية، لا بوصفه مدخلاً لمعالجة قضية داخلية. ظلّ الفصل صارماً بين الكردي الذي يُستخدم خارجياً، والكردي الذي يُضبط داخلياً. وبينما كانت الحركة الكردية التركية تُدار من الأراضي السورية، بقي الأكراد السوريون خارج أي معادلة سياسية، محاصرين بالإنكار والرقابة.

في هذا التناقض، تتكثّف إحدى أبرز سمات السياسة السورية تجاه الأكراد في عهد حافظ الأسد: دعمٌ محسوب في الخارج، وإنكارٌ كامل في الداخل، من دون أن يُسمح لأي جسر أن يُقام بين المسارين.

نهاية الاستثمار

في أواسط تسعينيات القرن الماضي، بدأت موازين القوى الإقليمية تميل بوضوح لمصلحة تركيا. فبعد سنوات من الصراع منخفض الوتيرة مع حزب العمال الكردستاني، عزّزت أنقرة موقعها العسكري والسياسي، ورفعت منسوب الضغط على دمشق، متّهمةً إياها علناً برعاية “الإرهاب” وتهديد أمنها القومي.

مع تصاعد التهديدات، لم تعد الرسائل التركية مجرّد تحذيرات دبلوماسية. في خريف عام 1998، لوّحت أنقرة صراحة بالتدخل العسكري داخل الأراضي السورية إذا استمر دعم حزب العمال الكردستاني، واضعة النظام السوري أمام اختبار مباشر. هذه المرّة، لم يغامر الحكم في دمشق، ولم يعد مستعداً لتحمّل كلفة مواجهة مفتوحة في لحظة إقليمية غير مواتية.

تحت ضغط عسكري وسياسي كثيف، وبوساطة إقليمية لعبت فيها مصر دوراً محورياً، تراجع حافظ الأسد عن سياسة استمرت قرابة عقدين.

غادر عبد الله أوجلان سوريا على عجل، منهياً مرحلة كاملة من استخدام الورقة الكردية في الصراع مع تركيا. بعد ذلك بفترة وجيزة، وُقّع ما عُرف بـ”اتفاق أضنة”، الذي وضع إطاراً أمنياً جديداً للعلاقة بين البلدين، وأغلق عملياً هذا الملف.

تنقّل أوجلان بعد خروجه من سوريا بين عدد من الدول، في رحلة سياسية وأمنية قصيرة انتهت باعتقاله عام 1999، في عملية شاركت فيها أجهزة استخبارات دولية. لم تكن تلك النهاية تفصيلاً عابراً، بل تتويجاً لانقلاب كامل في المعادلة التي حكمت العلاقة بين دمشق والحركة الكردية التركية.

بالنسبة للأكراد السوريين، كانت تلك اللحظة كاشفة وقاسية في آن واحد. فقد أكّدت، مرة أخرى، أن القضية الكردية لم تكن يوماً جزءاً من مشروع سياسي أو التزام مبدئي، بل ورقة قابلة للاستخدام والتخلّي عنها بلا تردّد متى تغيّرت الحسابات. هكذا انتهى “الاستثمار” الكردي في السياسة الإقليمية، تاركاً وراءه فراغاً وثقة مكسورة ستظهر آثارها بوضوح في السنوات اللاحقة.

ما الذي بقي؟

خرج الأكراد من تجربة الثمانينيات، ومن ملف عبد الله أوجلان، بدروس قاسية وعميقة. لم تكن تلك التجارب محطات معزولة، بل لحظات كاشفة أعادت تعريف علاقتهم بالدولة السورية وحدودها.

أدرك كثيرون أن النظام لا ينظر إليهم بوصفهم شركاء في الوطن، ولا يتعامل مع قضيتهم باعتبارها حقاً سياسياً مشروعاً، بل يختزلها في ملف أمني داخلي قابل للضبط، وأداة خارجية مؤقتة تُستخدم حين تقتضي الحسابات الإقليمية ذلك، ثم يُتخلّى عنها بلا تردّد.

لم يتحوّل هذا الإدراك فوراً إلى فعل سياسي منظّم. فالقبضة الأمنية، وانسداد المجال العام، وغياب أدوات التعبير الشرعي، حالت دون ترجمة هذا الوعي إلى مشروع واضح. غير أن ما تراكم في المقابل كان أثقل وأعمق: ذاكرة جماعية من القمع، وشعوراً مزمناً بانعدام الثقة، وتجربة طويلة من الإقصاء.

هذه الذاكرة، التي ظلّت كامنة لسنوات، لم تختفِ ولم تُمحَ. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، ستعود إلى السطح بقوة، لتشكّل أحد المفاتيح الأساسية لفهم الموقف الكردي، وخياراته المتردّدة، ومساراته المختلفة في لحظة الانفجار الكبير.

من حافظ إلى بشار

مع وفاة حافظ الأسد عام 2000، لم يشهد الملف الكردي في سوريا تحوّلاً جذرياً أو مراجعة حقيقية للسياسات السابقة. ورث بشار الأسد المقاربة ذاتها، مع تغيير في الخطاب لا في الجوهر. رُفعت شعارات الإصلاح والانفتاح، وتحدّثت السلطة الجديدة عن تحديث الدولة وتوسيع الحريات، لكن تلك الوعود لم تُترجم إلى سياسات ملموسة تمسّ جوهر المسألة الكردية.

بقيت القضايا الأساسية على حالها: غياب الاعتراف السياسي، استمرار آثار الإحصاء الاستثنائي، وتضييق المجال العام أمام أي تنظيم أو تعبير مستقل. بدا أن التغيير اقتصر على الأسلوب، فيما استمر منطق الإدارة الأمنية، مع تأجيل أي معالجة جدية إلى أجل غير مسمّى.

جاءت أحداث القامشلي عام 2004 لتكسر هذا الصمت المؤقّت. اندلعت احتجاجات واسعة عقب مواجهات ذات طابع قومي، سرعان ما تحوّلت إلى انتفاضة محلية كشفت عمق الاحتقان المتراكم. كان ذلك أوضح تذكير بأن الملف الكردي لم يُغلق، وأن سياسات الإنكار لم تُنهِ أسباب التوتّر، بل أجّلت انفجاره.

ردّ السلطة كان سريعاً وحاسماً. قُمعت الاحتجاجات بالقوة، سقط قتلى وجرحى، ونُفّذت حملة اعتقالات واسعة، لتعود الأمور إلى ما يشبه “الهدوء” السابق. غير أن هذا الهدوء لم يكن سوى صمت جديد فُرض بالقوة، مؤكّداً أن الانتقال من حافظ إلى بشار لم يحمل قطيعة في التعامل مع الأكراد، بل استمرارية سياسية ستبقى آثارها حاضرة حتى لحظة الانفجار الأكبر بعد عام 2011.

خروج المؤجَّل إلى العلن

حين اندلعت الثورة السورية عام 2011، لم يكن الموقف الكردي موحّداً ولا بسيطاً. فسنوات طويلة من التهميش، وتجارب قمع متراكمة، وخيبات متبادلة مع النظام من جهة، ومع قوى المعارضة من جهة أخرى، دفعت قطاعات واسعة من الأكراد إلى تبنّي موقف حذر، متردّد، ومفتوح على أكثر من احتمال. لم يكن ذلك تردّداً مبدئياً بقدر ما كان انعكاساً لذاكرة سياسية مثقلة بالإنكار والخذلان.

لم يدخل الأكراد إلى الثورة بوصفهم كتلة واحدة، ولم يخرجوا منها أيضاً بموقف موحّد. تباينت خياراتهم بين المشاركة المحدودة، والحياد المراقب، ومحاولات بناء مسار خاص، في ظل غياب ضمانات حقيقية تعالج جذور المسألة الكردية داخل المشروع الوطني المعارض.

في هذا السياق، انسحب النظام السوري تدريجياً من مناطق ذات غالبية كردية، لا اعترافاً بحقوقها ولا استجابة لمطالب سكانها، بل في إطار إعادة توزيع قواته وتركيز جهده العسكري في مناطق أخرى اعتبرها أكثر حساسية. ترك هذا الانسحاب فراغاً سياسياً وأمنياً واسعاً، لم يكن وليد اللحظة أو نتيجة قرار طارئ، بل خلاصة مسار طويل من الإقصاء وتفريغ السياسة من محتواها.

ذلك الفراغ، الذي تراكمت عناصره عبر عقود، فتح الباب أمام تحوّلات عميقة في الشمال والشمال الشرقي من البلاد. فالمؤجَّل، الذي جرى ضبطه وتأجيله بالقوة طويلاً، خرج إلى العلن دفعة واحدة، معلناً نهاية مرحلة وبداية أخرى، ستعيد رسم موقع الأكراد في المعادلة السورية، وتضعهم في قلب أسئلة الدولة والهوية والسلطة.

وحين انهارت بنية هذه الدولة عام 2011، لم يكن ما خرج إلى السطح مفاجئاً، بل مؤجَّلاً. تفكّك التوازن القسري الذي حكم العلاقة بين السلطة والمجتمع الكردي لعقود، وظهرت دفعة واحدة كل التراكمات التي جرى إنكارها أو ترحيلها: أسئلة الهوية، والحقوق، والمواطنة، والسلاح.

المدن

————————-

 حلب بين الجغرافيا والهوية.. كيف تصوغ الحرب ملامح الذاكرة الجمعية؟/ حمدان العكله

2026.01.12

عندما تمتدُّ الحروب لسنوات طويلة، يتجاوز الخراب حدود الأبنية والشوارع ليصل إلى البنية العميقة للذاكرة الجمعية، في تلك المساحة الصامتة التي تتشكَّل فيها معاني الانتماء وصيغ العيش المشترك، يبدأ الشرخ الأعمق، فحين يتفكَّك التوافق الضمني حول ما يجمع سكان المدينة تصاب في جوهرها، ويبدأ أفرادها بتعريف ذواتهم ومحيطهم وحدود علاقتهم بالآخرين، عندها تفقد الأمكنة ألفتها، وتتآكل الروابط، ويتحوُّل التعايش من ممارسة يومية طبيعية إلى تجربة مثقلة بالهشاشة والقلق.

في معظم المدن السورية تزعزعت الذاكرة الجمعية المشتركة لأفرادها، وتقدَّمت حلب إلى الواجهة بوصفها واحدة من أقدم حواضر التاريخ الإنساني، في هذه المدينة التي غيَّرت الحرب ملامحها العمرانية وأعادت تشكيل وعيها على مستوى أعمق، تبدَّلت علاقة السكان بالمكان، وتحوَّلت الشوارع والأحياء إلى حوامل لتجارب الفقد والانكسار.

وفي المرحلة الأخيرة، كشفت التحوّلات التي شهدتها حلب عن مدينة تحاول إعادة تعريف ذاتها وسط تراكم الخسارات، فهي مدينة عالقة بين إرث قريب مثقل بالألم، ومحاولات غير مستقرة لإعادة بناء الانتماء داخلها.

أولاً- حلب قبل الحرب.. هوية تشكَّلت من التعايش:

قبل الحرب، لم تكن حلب مجرد مدينة مكتظة بالسكان أو تجمعاً عمرانياً واسعاً، بل كانت حالة وجود اجتماعية متكاملة، تشكَّلت عبر قرون من التفاعل الإنساني المتواصل، فقد نسجت المدينة نسيجها الخاص من تداخل طويل الأمد بين جماعات مختلفة إثنياً وثقافياً ودينياً، تشاركت تفاصيل الحياة اليومية في الأسواق والأحياء وأماكن العبادة، وفي إيقاع العمل والعلاقات الاجتماعية، وكان هذا التعايش جزءاً من البنية الطبيعية للمدينة، لا استثناءً فيها، كما كان هذا الاختلاف عنصراً مألوفاً ينأى عن منطق الصراع أو الإقصاء.

فالهوية الحلبية لم تكن يوماً هوية مغلقة أو أحادية، فهي هوية مرنة قادرة على استيعاب التنوع وتحويله إلى مصدر غنى اجتماعي، فقد تعلَّم الناس، بحكم العيش المشترك وطول التجربة، أنَّ الاختلاف لا ينفي الانتماء، وأن المدينة تتَّسع للجميع من دون أن تطلب من سكانها التخلِّي عن خصوصياتهم، ممَّا منح سكانها شعوراً بأنهم جزء من كيان أوسع يتجاوز الانقسامات الظاهرة.

فقد تكوَّنت هذه الهوية نتيجة تراكم طويل من التفاعل الإنساني، لعب فيه المكان نفسه دوراً حاسماً، فالأحياء القديمة، بما تحمله من ذاكرة جماعية، والأسواق التي شكَّلت فضاءات لقاء يومي، والعلاقات العائلية الممتدة، إضافة إلى النخب الثقافية والاقتصادية، جميعها أسهمت في ترسيخ شعور جمعي بأنَّ المدينة بيت واحد لسكَّانها، بيت لا يعترف بالتصنيف الهوياتي، وهو ما منحها تماسكها الداخلي وقدرتها على احتواء تناقضاتها.

ثانياً- الحرب بوصفها أداة لإعادة تشكيل الهوية:

مع امتداد الحرب وتحولها إلى واقع يومي طويل الأمد، بدأت الصورة المتماسكة للمدينة بالتصدُّع تدريجياً، إذ لم تعد الجغرافيا حيزاً طبيعياً للعيش المشترك، فقد تحوَّلت شيئاً فشيئاً إلى مساحة مشحونة بالدلالات والانقسامات، حيث تغيَّرت طريقة إدراك السكان لأحيائهم، ولم يعد المكان محايداً في الوعي الجمعي، بل بات محمَّلاً بمعانٍ متناقضة تتعلَّق بالأمان والخطر، والانتماء والتهديد، والحضور والغياب.

وبذلك تحوَّلت الأحياء من امتدادات عمرانية متجاورة إلى وحدات نفسية واجتماعية منفصلة، لكل منها سرديتها الخاصة وتجربتها المختلفة مع الحرب، فالمكان الذي كان يُعرَّف بذاكرته المشتركة، أصبح يُعرَّف بدرجة المخاطرة المرتبطة به، وبالحدود غير المرئية التي تفصل بين الناس داخل المدينة الواحدة، وهكذا، تحوَّلت الجغرافيا من إطار جامع إلى عنصر فاعل في إنتاج الانقسام داخل الوعي الاجتماعي.

لقد أعادت الحرب تشكيل بنية العلاقات الاجتماعية ذاتها. فغيَّرت مفاهيم الجوار، حين أصبح الحذر جزءاً من التعامل اليومي بدل الثقة، وتراجعت الروابط التي كانت تقوم على الاعتياد والمشاركة لصالح علاقات أكثر انكفاءً.

وبذلك لم تعد المدينة فضاءً للاندماج، حيث تحوَّلت الأحياء من أماكن للعيش المشترك إلى علامات على اختلاف المصير، تحمل كل منها ثقل تجربة خاصة، وتعيد إنتاج صورة المدينة بوصفها مجموع مساحات متجاورة، هذا التحوُّل العميق في الوعي بالمكان كان من أخطر ما أنتجته الحرب، لأنَّه أصاب الأساس غير المرئي الذي كانت تقوم عليه فكرة المدينة ذاتها.

ثالثاً- الأشرفية والشيخ مقصود.. الذاكرة في مواجهة التحوّل:

في هذا المشهد، لا تبدو التحوّلات التي تشهدها الأشرفية والشيخ مقصود مجرَّد تغيرات في السيطرة أو في شكل الإدارة، بقدر ما تعكس صراعاً أعمق في الذاكرة الجمعية، فالسردية المحلية التي تبلورت في هذين الحيَّين عبر سنوات من العزلة النسبية لم تنشأ كخطاب سياسي فقط، وإنما كخبرة معيشة تراكمت في تفاصيل الحياة اليومية، وفي أساليب التنظيم الذاتي، وفي أنماط التضامن التي فرضتها الضرورة، هذه السردية صاغت فهماً خاصاً للمدينة وللعلاقة معها.

في المقابل، تتقدَّم سردية أوسع تسعى إلى احتواء هذه الخبرة ضمن إطار جامع يعيد ترتيب المدينة وفق تصور واحد وهوية واحدة، ما يولِّد توتراً مستمراً بين ذاكرة نابعة من التجربة المباشرة، وذاكرة يعاد إنتاجها.

وبين هاتين السرديتين، تقف الذاكرة الجمعية لسكان حلب بوصفها الساحة الحقيقية لهذا التفاعل، حيث يكمن التحدي في إعادة وصل ما انقطع بين الناس والمكان.

ومن هنا، تغدو إعادة بناء حلب مساراً يتخطَّى إصلاح العمران وعودة المؤسسات إلى وظائفها السابقة، ليمتد إلى إعادة ترميم ما تصدَّع في وعي المدينة وسكانها، فالتسوية العميقة تنطلق من الإقرار بتعدُّد الخبرات التي عاشها أهلها، ومن القدرة على جمعها داخل ذاكرة جامعة لا تتجاهل الألم ولا تعيد تدويره، وإنما تتعامل معه بوصفه أساساً للفهم والتجاوز.

هذه العملية شديدة التعقيد وطويلة الأمد، لا تتحقَّق عبر قرارات إدارية أو سياسية، وإنما عبر الزمن، وفتح مساحات للحوار، وتشكُّل سرديات جديدة قادرة على استعادة تماسك المدينة من الداخل.

ختاماً، تقف حلب اليوم عند مسافة فاصلة بينها وبين صورتها السابقة في وعي سكانها، من دون أن تستنفد قدرتها على الاستمرار، فحلب مدينة في طور إعادة تكوين سرديتها على إيقاع التحوُّلات العميقة التي فرضتها سنوات الحرب، وما رافقها من انكسارات في التجربة اليومية وتبدُّل في أنماط العيش والعلاقات، فالمدن الكبرى لا تُمحى بانهيار عمرانها، ويظل احتمال النهوض قائماً فيها؛ إذ ما تزال الأحياء التي أرهقتها الحرب تختزن في طبقاتها العميقة آثار الحياة السابقة، وحتى الذاكرة الجمعية، مهما أصابها التشقق، تحتفظ بطاقة كامنة على إعادة التشكل، شريطة توافر إرادة واعية لفهم التجارب المتعددة وفتح أفق لتعايش جديد داخل المدينة الواحدة.

تلفزيون سوريا

———————-

 بين فشل السلاح وضرورة الدولة.. قراءة في تجربة “العمال الكردستاني” وسياقها السوري/ عدي محمد الضاهر

2026.01.12

تُظهر التجربة الطويلة لـ”حزب العمال الكردستاني” في تركيا حدود العمل المسلح، حين يتحوّل من أداة ضغط سياسي إلى غاية بحد ذاته، ويكشف كيف يمكن لقضية قد تكون عادلة في أصلها أن تُفرغ من مضمونها الإنساني، حين تُختزل في صراع عسكري مفتوح لا نهاية له.

فمنذ انخراط الحزب في مواجهة مسلّحة طويلة مع الدولة التركية، دخلت القضية الكردية هناك في نفق دموي عميق، لم يؤدِّ إلى تحقيق الحقوق السياسية أو الثقافية التي طُرحت باسمه، بل أسهم في تكريس مناخ أمني معقد دائم وعمّق الانقسام داخل المجتمع، وحول مناطق كاملة إلى ساحات استنزاف بشري واقتصادي، كانت الكلفة الأكبر فيها من نصيب المدنيين والعناصر الشابة التي زُجّ بها في معارك خاسرة، في حين راكمت قيادات محدودة نفوذاً سياسياً ومصالح مالية وشبكات علاقات عابرة للحدود.

إنّ هذا المسار، الذي انتهى عملياً إلى فشل سياسي واضح داخل تركيا، يفسّر محاولات الحزب المتكررة لإعادة إنتاج نفسه في ساحات أخرى، وعلى رأسها سوريا، ليس استناداً إلى خصوصية الحالة السورية أو حاجات الأكراد السوريين، بل بدافع الحفاظ على البنية التنظيمية والمصالح التي نشأت خلال عقود الصراع.

غير أن إسقاط التجربة التركية على الواقع السوري يمثل قراءة خاطئة وليست صحية سياسياً في آن معاً، فالأكراد في سوريا عاشوا تاريخاً مختلفاً، صحيح أنهم تعرضوا لسياسات تمييز وتهميش، لكنهم لم يكونوا الاستثناء الوحيد في دولة حكمها الاستبداد، بل شاركهم العرب وغيرهم من المكوّنات السورية المعاناة نفسها من القمع السياسي ومن غياب الحريات واحتكار السلطة والثروة من قبل نظام الأسد البائد.

ولذلك فإنّ تحويل القضية الكردية في سوريا إلى نسخة عن الصراع في تركيا لا يخدم الأكراد ولا السوريين عموماً، بل يعيد إنتاج منطق الإقصاء والعنف، ويزرع الشكوك بين المكونات في لحظة تاريخية تحتاج فيها البلاد إلى أعلى درجات التفاهم الوطني وبناء الثقة.

الرهان على الخارج يسوق إلى خيبات

من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن هناك تقديراً سياسياً وثقافياً للكرد في العديد من العواصم المؤثرة ، لكن هذا الواقع يجب أن يُقرأ بوعي سياسي عميق، فالدعم الخارجي لا يكون في الغالب دعماً مطلقاً لحقوق الشعوب بقدر ما هو توظيف مؤقت لبعض الأطراف التي تدّعي تمثيل مظلومية شعب ما، ويكون هذا الدعم في سياقات جيوسياسية متغيرة.

وقد أثبتت تجارب المنطقة أن الرهان على الخارج، حين ينفصل عن مشروع وطني جامع غالباً ما ينتهي إلى خيبات قاسية، تُدفع أثمانها من دماء المجتمعات المحلية واستقرارها، في حين تبقى القيادات التي تدّعي تمثيل مظلومية الشعب بعيدة عن المحاسبة، محمية بتوازنات إقليمية ودولية متقلبة ومستعدة لحمل ثروتها والهروب إلى عواصم الدول الأوروبية لممارسة حياتهم الطبيعية من دون أي مبالاة.

في هذا الإطار، تبرز مسؤولية السوريين جميعاً في التعامل مع المرحلة الانتقالية بوصفها فرصة تاريخية نادرة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

الدولة السورية اليوم، بكل ما تحمله من هشاشة وتحديات، تحتاج إلى أن تُمنح المساحة الكافية لتجاوز إرث العنف والانقسام، ولبناء عقد اجتماعي حديث يضمن الحقوق المتساوية لجميع المواطنين، من دون تمييز قومي أو ديني أو سياسي.

حقوق الأكراد في سوريا لا تتعارض مع حقوق العرب أو غيرهم، بل تتكامل معها في إطار دولة القانون والمواطنة، حيث تُحمى اللغة والثقافة والهوية عبر الدستور والمؤسسات، لا عبر السلاح والتنظيمات العابرة للحدود.

التجربة التركية مع “حزب العمال الكردستاني”

إن التجربة التركية مع “حزب العمال الكردستاني” تقدم درساً بالغ الوضوح وتؤكد على أن السلاح لا يصنع حلاً دائماً بل يؤجل الانفجار فقط، بل ويضاعف كلفته لذلك، فإن منع تغلغل هذا الحزب شعبياً في سوريا لا يعني استهداف الأكراد أو إنكار مظلومياتهم، بل على العكس، هو خطوة ضرورية لحمايتهم وحماية المجتمع السوري بكامله من مسار دموي أثبت فشله.

كشف الصورة الحقيقية لهذا التنظيم، بوصفه مشروعاً عسكرياً استنزافياً يخدم مصالح قيادات ضيقة أكثر مما يخدم الشعوب، هو واجب سياسي وأخلاقي، شرط أن يترافق ذلك مع خطاب واضح وصادق يؤكد الحرص الكامل على حقوق الأكراد، تماماً كما يحرص السوريون على حقوقهم التي سُلبت منهم جميعاً لعقود طويلة تحت حكم الاستبداد.

وللمفارقة، في اللحظات التي انتقلت فيها المطالب الكردية من ساحات القتال إلى المجال السياسي والمؤسساتي، استطاع الأكراد في تركيا تحقيق جزء كبير من الحقوق التي عجز السلاح عن انتزاعها طوال عقود من الحرب منذ ثمانينيات القرن الماضي.

الاعتراف النسبي بالهوية الثقافية، وتوسيع هامش استخدام اللغة الكردية في المجال العام، وفتح المجال أمام التمثيل السياسي للأكراد داخل البرلمان والإدارة المحلية، كلها مكاسب تحققت حين أصبح الحوار والسياسة أدوات الضغط لا حين كانت البندقية هي اللغة الوحيدة السائدة.

هذه التجربة تؤكد أن العمل العسكري رغم كلفته البشرية الهائلة، لم يكن هو الطريق الذي قاد إلى هذه الحقوق، بل على العكس، فإن تجميد العنف وتقدّم الفعل السياسي هو ما فرض وقائع جديدة على الدولة، وفتح مساحات كان من المستحيل الوصول إليها في ذروة الصراع المسلح.

مسار الحلول السلميّة

وتصبح الحاجة إلى هذا المسار أوضح عند مقارنة الحالة السورية بتجارب أقرب جغرافياً وسياسياً، حيث أظهرت صراعات طويلة أن عسكرة الهويات القومية أو الطائفية لم تنتج حلولاً مستدامة.

ففي العراق، أدّى تسييس الهويات وتحويلها إلى أطر مسلحة بعد سقوط الدولة المركزية إلى إضعاف فكرة المواطنة، وفتح المجال أمام صراعات داخلية أنهكت المجتمع، في حين بقيت الحقوق الحقيقية للمكوّنات مرهونة بموازين القوة لا بضمانات دستورية، ما جعل الدولة رهينة للتنظيمات لا العكس.

وفي لبنان، ورغم خصوصية تجربته، فإنّ استمرار وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة (ميليشيات حزب الله) بحجة حماية جماعاتها أدى عملياً إلى شلل سياسي دائم، وعطّل بناء دولة عادلة قادرة على تمثيل مواطنيها بالتساوي.

أمّا في السودان، فقد أفضى الاعتماد الطويل على الحركات المسلحة كوسيلة لانتزاع الحقوق إلى تفكك الدولة نفسها، حيث لم يؤدِّ انفصال الجنوب ولا عسكرة الأقاليم الأخرى إلى إنهاء المظالم، بل فتح أبواباً جديدة للصراع والانقسام، وأعاد إنتاج العنف بأشكال أكثر تعقيداً.

وتشير هذه التجارب القريبة من الوجدان السوري إلى أنّ غياب الدولة الجامعة، أو إضعافها لصالح تنظيمات مسلحة، لا يحمي الحقوق بل يبددها، وأن تحويل المظلومية إلى مشروع عسكري دائم يمنح القيادات المسلحة سلطة تفوق سلطة المجتمع ذاته.

وهي خلاصة ينبغي أن تؤخذ بجدية في سوريا، حيث إن حماية حقوق الأكراد، كما حقوق العرب وسائر المكونات، لا يمكن أن تتحقق عبر استنساخ نماذج أثبتت فشلها في دول مجاورة، بل عبر إعادة بناء الدولة السورية نفسها على أساس عقد اجتماعي عادل، يمنع الاحتكار المسلح للهوية، ويضع الحقوق في يد القانون لا في يد البندقية.

ختاماً، لا يقف السوريون اليوم أمام صراع قومي، بل أمام خيارين سياسيين متناقضين: إما السير نحو دولة مدنية جامعة، تتسع لكل أبنائها وتطوي صفحة السلاح خارج المؤسسات، أو السماح بإعادة تدوير مشاريع مسلحة أثبت التاريخ القريب أنها لا تنتج إلا مزيداً من الدماء والانقسامات.

لكن يحب إدراك إن الانحياز للدولة وللعقد الاجتماعي ولحقوق متساوية تحمي الجميع، هو الطريق الوحيد القادر على حماية الأكراد والعرب معاً، ومنع تكرار المآسي التي عاشتها شعوب المنطقة باسم قضايا عادلة أُفرغت من مضمونها الإنساني.

تلفزيون سوريا

————————-

المشكلة ليست في قسد. ولا في إسلامية السلطة/ جان دوست

بقلب يعصره الألم أتابع ما يجري في حيي الأشرفية والشيخ مقصود الحلبيين. لي هناك ذكريات رائعة كثيرة، وصداقات مع أناس طيبين لا زالت مستمرة إلى اليوم. الأشرفية والشيخ مقصود شهدتا ندواتنا الأدبية السرية، وزياراتنا المتكررة لشراء الكتب الكردية سراً إلى آخر ذلك. هما حيان حيان في القلوب والذاكرة.

الآن هناك حرب دامية تدور رحاها في حلب ويذهب جراءها مدنيون عزل لا ذنب لهم سوى أنهم موجودون بالصدفة أو من قلة الحيلة في دائرة الخطر. 

أود أن أبين للمتابعين أنني لم أكن في أي يوم بصف قسد ولا صف الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا ولا صف حكومة الأمر الواقع التي أنشأوها هناك. بل على العكس لي ملاحظات كثيرة ومواقف واضحة ومثبتة اعترضت فيها على مجمل سلوكهم ومنها الحرب في عفرين وفي منبج والتوسع نحو الرقة ودير الزور.. إلخ..  كما أنني لم أكن في صف الحكومة في دمشق ولا صفقت لها إلا يوم سقوط النظام فقد فرحت كما فعل غالبية السوريين. إن الحكومة الآن تقول إنها تحارب قسد ولا تستهدف المكون الكردي. لا أود مناقشة هذا الكلام لكنني أرى أن الخطير في تعاطي الحكومة مع الموضوع الكردي هو الهروب من استحقاق كون كرد سوريا شعباً يبلغ تعداده قرابة مليوين ونصف إن لم يكن أكثر (اليوم  فقط نزح من الأشرفية والشيخ مقصود مئة وخمسون ألفاً من سكانها باعتراف المسؤولين في حلب).  الخطير في الأمر أن الحكومة الحالية (لا يهمني إسلاميتها) ليست لديها رؤية واضحة عن طريقة التعامل مع الملف الكردي ومع مطالب الشعب الكردي. ويبدو أن التعاطي معهم لا يختلف عن التعاطي مع القضية من خلال الحكومات السابقة منذ عهد الاستقلال مروراً بالوحدة ثم انقلابات البعث وحافظ الأسد. هل يمكن لأحد أن يحدثنا عن تصورات الدولة لحل الملف الكردي سوى بعض العبارات المعسولة من قبيل نحن إخوة؟ نعم نحن إخوة ولكن ماذا يفيد هذا الكلام وكيف يمكن أن نبني عليه واقعاً يعزز أخوتنا؟ في القرآن  آية يكررها المسلمون: إنما المؤمنون إخوة. هذا كلام نظري جميل يسير بموازاة واقع كريه ومخزي مستمر لمئات السنين، فالمؤمنون ذبحوا من بعضهم بعضاً ملايين الأنفس في حروب بينية امتدت منذ عهد عثمان بن عفان وإلى الآن. ظهرت هناك بعض الإشارات الإيجابية والخطوات التي اتخذتها الحكومة كانت تبشر بالخير منها وكالة سانا الكردية. وهذا جزء ضئيل مما يطالب به الكرد في سوريا. اللامركزية والفيدرالية ليستا بشعاراتي. هذا أمر سياسي يمكن الوصول إلى تحقيقه أو التخلي عنه في مرحلة لاحقة. ويمكن لاحقاً عمل استفتاءات شعبية والانخراط في نضال سلمي دون التلويح بالسلاح والضغط العسكري. أنا شخصياً تهمني دولة مدنية لا تحكم بذهنية البعث والأنظمة الشمولية سواء كانت دينية أو غيرها. أحلم بدولة لا يهمها دين مواطنيها ولا قوميتهم ولا طائفتهم بل أداؤهم وانتماؤهم الصحيح إلى هذه الدولة المدنية التي لا تهمش أحداً.

 الموضوع ليس سلاح قسد. والموضوع ليس إسلاموية رجال السلطة الحالية، الموضوع شعب بكامله يوضع في كفة وتتم شيطنته ليلاً نهاراً. (المثال نفسه يتكرر في العراق: التعاطي مع الملف الكردي لا يتغير بتغير الأنظمة بدءاً من العهد الملكي ووصولاً إلى السلطة الحالية في بغداد). (بالمقابل تتم شيطنة الدولة بشكل ممنهج دون إبداء مرونة تجاهها).

كانت هناك فرصة جيدة أمام الحكومة لتعلن حسن نيتها تجاه الكرد فتقرر تعطيل الدوام في يوم عيد النيروز مثلاً.. لكنها لم تفعل وغضت النظر عن ذلك وسببت مزيداً من الاحتقان والتشنج. كان بإمكانها افتتاح ساعات بث باللغة الكردية في التلفزيون والحديث عن الكرد (أو حقوق المكونات)في الدستور وإشراكهم في الوزارات وإسناد مناصب تمثيل سوريا دبلوماسياً (السفراء) إلى عدد من أبناء الشعب الكردي ممن لهم باع طويل في هذا المجال مما يخلق جواً من الثقة ويعزز الانتماء ويقطع الطريق على الاحتقانات والكراهية ثم سفك الدماء كما نشاهد اليوم. لقد قدمت الدولة للأسف نموذجاً سيئاً في التعاطي مع ملفات مشابهة مثل ملف العلويين والدروز موازاة مع شيطنة أبناء هذين المكونين المختلفين ووضعهم جميعاً في سلة واحدة وسمحت للموتورين والمتطرفين بالانتقام الأسود أينما ذهبوا دون محاسبة واضحة.

على الدولة السورية التي ترفض اللامركزية والفيدرالية أن تعلن عن مشروعها الخاص بحل قضية الأقليات وخاصة القضية الكردية فهي مختلفة طبعاً عن موضوع باقي الأقليات. الكرد اضطهدوا في زمن البعث اضطهاداً كبيراً ليس لأنهم سنة أو لأن لديهم ميولاً إخوانية، أو أنهم معارضون يريدون الانقلاب على السلطة، لكنهم اضطهدوا فقط لأنهم كرد يناضلون في سبيل وجودهم وحقوقهم المشروعة وألصقت بهم تهم الانفصال والعمل لصالح دول أجنبية.

بالنسبة لقسد، ولكي أكون واضحاً، فإنني انتقدت على الدوام مغامراتها المتكررة التي تسببت في كوارث بشرية ومجتمعية هائلة. ففي عفرين قتل أكثر من ألف من شباب الكرد وبناتهم وهجر مئات الألوف واحتلت البيوت من قبل المرتزقة وقطعت أشجار الزيتون وعاش شعبها في المخيمات. لم تفكر تفكر قسد في انسحاب مشرف يضمن حياة الناس على الرغم من المشهد كان يشير بوضوح إلى تخلي “الحليف” الأمريكي عن دعمهم. وفي منبج تكرر الأمر. قتل هناك باعتراف إعلام قسد أكثر من ألف من الشباب والصبايا الكرد.. ثم انسحبوا..

لماذا لا يتم الانسحاب قبل أن تُسفك هذه الدماء الكثيرة الغزيرة؟ أهي رخيصة لهذه الدرجة؟ ولماذا ينبغي أن أهادن نظام الأسد البائد ولا أهادن هذا النظام إن كانت الحجة أنني أريد أن أحمي شعبي من القتل ومدني من الدمار؟

لن أكتب أكثر من هذا..أعلم أن كثيرين سيزعجهم ما كتبت.. فهم ينتظرون أن أنضم إلى الدبكة الفولكلورية وأن أصبح واحداً من جوقة تردد نفس الكلام.. وأنا لا أحب الدبكات الجماعية ولا أريد أن أغني في أية جوقة.

جان دوست

أربيل 8 كانون الثاني

——————————

قوافل النازحين تبدأ العودة من عفرين إلى “الأشرفية” بحلب/ حسام رستم

12 يناير 2026

بعد أيام من النزوح والقلق، بدأت صباح اليوم الاثنين، أولى قوافل العودة من مدينة عفرين إلى حي الأشرفية في مدينة حلب (شمالي سورية)، في وقت بدأت ملامح الحياة تعود تدريجياً للحي الذي شهد معارك وقصفاً متبادلاً بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والجيش السوري.

وأعلنت إدارة منطقة عفرين، في بيان لها اليوم، عن انطلاق أول قافلة عودة إلى حي الأشرفية عقب انتهاء العمليات الأمنية. ووفقاً للتعميم، كان مقرراً أن تنطلق القافلة من “كراج عفرين” في الساعة الثانية ظهراً بالتوقيت المحلي، تحت إشراف الإدارة وبالتنسيق مع محافظة حلب، وبمرافقة فرق من منظمات المجتمع المدني وفرق خدمية لتأمين وصول العائدين وتسهيل الإجراءات. وتشير أرقام محافظة حلب إلى أن أكثر من 150 ألف شخص كانوا قد غادروا أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد خلال الأحداث الأخيرة.

مشاهد العودة والدمار في الأشرفية

في شوارع حي الأشرفية، تبدو آثار الغياب واضحة وسط أبواب مغلقة، ومحال تجارية لم تشرع أبوابها بعد، وأكوام من الغبار والحطام قرب الأرصفة. لكن في المقابل، كانت آليات ثقيلة تابعة للبلدية وفرق النظافة تدخل الحي منذ ساعات الصباح الأولى، لرفع الأنقاض وتنظيف الطرق الرئيسية، في محاولة لإعادة الحد الأدنى من الجاهزية الخدمية.

يقول محمد شيخ يوسف (52 عاماً)، أحد العائدين إلى الحي، لـ”العربي الجديد”: “خرجنا على عجل، تركنا كل شيء خلفنا، حتى الوثائق. لجأنا إلى أقاربنا، لكن القلب ظل مع البيت. اليوم عدنا، لا نعرف ماذا سنجد، لكن المهم أننا في حيّنا من جديد”. ويضيف وهو ينظر إلى مدخل بنايته المتضرر: “الحي بحاجة إلى خدمات كثيرة، من ماء وكهرباء وتنظيف، لكن عودتنا هي الخطوة الأولى”.

وخلال فترة النزوح، لجأ آلاف من أهالي الأشرفية والشيخ مقصود إلى عفرين، حيث أقيمت مراكز إيواء مؤقتة في مدارس ومستودعات وقاعات عامة. ورغم الجهود الإنسانية، بقيت الظروف صعبة، خاصة للعائلات الكبيرة وكبار السن. تقول “أم روجين”، وهي أم لثلاثة أطفال: “في عفرين لم يكن لدينا بيت مستقل، كنا ننام في غرفة واحدة مع عائلة أخرى. الأطفال انقطعوا عن المدرسة، وكنا ننتظر خبر العودة كل يوم. اليوم، ورغم الخوف، نشعر بالراحة لأننا سنعود إلى منزلنا”.

في جولة لـ”العربي الجديد” داخل حي الأشرفية، بدت شبكات المياه والكهرباء في بعض الشوارع متضررة، فيما باشرت ورش الصيانة فتح الطرقات وإزالة مخلفات الاشتباكات. وأفادت مصادر خدمية بأن الأولوية حالياً هي لإعادة تأهيل الطرق الرئيسية، ثم الانتقال إلى إصلاح الشبكات الأساسية.

وكان وفد من منظمات أممية قد زار الحيين أخيراً، وناقش مع محافظة حلب الواقع الإنساني وسبل دعم العودة الآمنة، مع التركيز على إعادة الخدمات ومشاريع التعافي المبكر. ورغم حركة الآليات، لا تزال عودة السكان تتسم بالبطء والحذر؛ فالكثير من العائلات ينتظر ضمانات أمنية أو تحسناً ملموساً في الخدمات قبل اتخاذ قرار العودة النهائية.

يقول آلان جمو، وهو شاب عشريني عاد لتفقد منزله: “رجعنا لنرى الوضع فقط. البيت موجود، لكن لا كهرباء ولا ماء. سنبقى أياماً حتى تتحسن الأوضاع أكثر”.

الأشرفية والشيخ مقصود بعد رحيل “قسد”، سورية، 11 يناير 2026 (عبد الله السعد/العربي الجديد)

قضايا وناس

بعد رحيل “قسد”.. كيف يبدو المشهد في الأشرفية والشيخ مقصود؟

يُذكر أن السبت الماضي شهد مغادرة آخر مقاتلي “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لحي الشيخ مقصود، ما مهد لعودة مظاهر الاستقرار إلى أحياء مدينة حلب وبدء عودة الأهالي. وأكدت محافظة حلب أن عودة السكان إلى حي الأشرفية بدأت بشكل تدريجي، حيث شرعوا في استئناف حياتهم اليومية بعد الأحداث الأخيرة.

—————————-

أنباء عن تعزيزات لـ “قسد” بريف حلب الشرقي/ مصطفى رستم

من التهجير إلى الحياة… حي الأشرفية يستعيد أهله

الاثنين 12 يناير 2026

طوال أعوام الحرب الطويلة ظلت حقيبة النزوح ملازمة لأهالي حلب، فقد شهدت المدينة معارك دامية امتدت في كل الأحياء السكنية، لا سيما في شقها الشرقي، الذي نال نصيبه من الدمار جراء القصف الجوي على قوات المعارضة لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، فضلاً عن كارثة الزلزال وصولاً إلى معارك التحرير.

نقلت وكالة الأنباء السورية “سانا” عن هيئة العمليات في الجيش العربي السوري رصدها وصول مزيد من المجاميع المسلحة إلى نقاط انتشار تنظيم “قسد” بريف حلب الشرقي قرب مسكنة ودير حافر.

وبحسب مصادر استخبارية، فإن هذه التعزيزات الجديدة ضمت عدداً من مقاتلي تنظيم “حزب العمال الكردستاني” وفلول نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد. وأكدت المصادر أن استقدام تنظيم “قسد” مجاميع إرهابية تصعيد خطير وأن أي تحرك عسكري ستقوم به هذه المجاميع سيقابل برد عنيف، و”أننا لن نقف مكتوفي الأيدي تجاه هذا التصعيد الخطير”.

شارع “الزهور”

وسط هذه الأجواء، لا يشيح أبو جميل الرجل الستيني، بناظره عن المدخل المؤدي لشارع “الزهور”، يراقب الداخل والخارج منه، ومعظمهم جنود يستقلون آليات مقاتلة ذات دفع رباعي، أو دراجات نارية شاركت في الأعمال القتالية الأخيرة في حلب. لقد تحول هذا الشارع الهادئ في حي السريان بعد يوم السابع من يناير (كانون الثاني) الجاري إلى معبر إنساني حيث تدفق منه آلاف من قاطني الحيين الأشرفية والشيخ مقصود كطوفان جارف على خلفية اندلاع معارك بين قوات مسلحة تتبع إلى المكون الكردي وقوات الجيش السوري.

ليلة العودة

يروي أبو جميل، وعرف عن نفسه رشيد جميل حبو، حال الارتياح التي سادت، ليل الجمعة – السبت الماضين حيث علت التكبيرات وقرعت أجراس الكنائس فرحاً بانتصار القوات الحكومية بحسب بيان محافظ حلب عزام الغريب، إذ تابعت بلدية المدينة، من كثب، أحوال نازحي الحيين سعياً منها لإعادة توفير الخدمات من مياه وكهرباء واتصالات ومواد غذائية.

مضت ساعات الليل ثقيلة على أبو جميل، يحاول الوصول إلى بيته للقاء والدته وأخته العاجزة عن السير، فقد ظلتا في حي الأشرفية على رغم كل المهل التي صرحت بها الحكومة لغاية انتهاء العمليات.

يتابع “كل مواطن يرجع إلى بيته، هذا ما نريده، عندي أمي، وأختي عاجزة ولا أعرف أي طريق سأسلك لأصل إليهما، وأنتظر فتح الطرق، مررنا بحال ضغط نفسي غير مسبوقة، الشعب السوري واحد، أنا كردي وأرجو أن نبقى نعيش حياة مستقرة ومشتركة مع كل الطوائف”.

وبعد معارك عنيفة دارت خلال الأيام الماضية أنهت القوات الحكومية حال السيطرة الكاملة، عقداً من الزمن، حيث تحكمت قوات كردية على الحيين، وبينما قالت دمشق إنها تتبع لـ”قوات سوريا الديمقراطية” نفت الأخيرة أي وجود لها على الأرض.

وأكد مصدر مسؤول في “مجلس سوريا الديمقراطية” رحيل قوات “قسد” بموجب اتفاقية الأول من أبريل (نيسان) حيث خرجت كل القوات التابعة لها وبقية قوات “الأسايش”، الاسم الذي يطلق على قوى الأمن الداخلي الكردية، وتبادل طرفا النزاع الاتهامات بارتكاب انتهاكات أثناء المعركة.

ليال باردة

وفي وقت عاد أهالي حي الأشرفية إلى بيوتهم، ينتظر أهالي حي الشيخ مقصود العودة للديار في وقت يجهد فريق من مجلس مدينة حلب لإزالة السواتر الترابية، ويتابع الجيش السوري، في الموازاة، تمشيط الحي من أية مخلفات حرب أو ألغام حرصاً على العائدين.

ويصف أحد بائعي الخضراوات أبو أحمد، حي الأشرفية بالحي الشعبي الهادئ الوديع حيث عاش طوال سنوات حياته، “كان كل من يقطن الحي وينتقل منه يومياً من وإلى المدينة يخضع للتفتيش طول سنوات الحرب”.

ويقع حي الأشرفية متلاصقاً مع حي الشيخ مقصود على هضبة خارج مدينة حلب القديمة عند الجهة الشمالية الغربية، وقد حمل في البداية اسم “الداوودية” نسبة إلى الوالي العثماني الأرمني داوود باشا، إذ كان من المواقع التي استقر فيها الأرمن بعد عام 1915، فاكتسب هوية سياسية مرتبطة باليسار الأرمني آنذاك.

وتصدر حيا الأشرفية والشيخ مقصود المشهد بعد فشل محاولات الوصول لهدنة بين دمشق و”قسد”، ولعب وقوعهما على مرتفع جبلي أهمية استراتيجية بالغة جعلت من الحيين المتجاورين نقطة مراقبة وتأثير ناري على محاور حيوية تربط شمال المدينة بغربها، ويقطنه خليط سكاني من قوميات مختلفة من الكرد والعرب والتركمان والأرمن والشركس، ومن المسلمين والمسيحيين، ويوجد فيه نازحون من أهالي ريف حلب الشمالي فترة الحرب السورية الأخيرة.

البيت في البال

في مركز للإيواء في أحد الجوامع تضع الحاجة أمينة يدها على خدها وهي تحدثنا عن ليلة الهرب، وعن جدران بيت كاد ينهار فوق رؤوس قاطنيه، تتلعثم وتختنق الكلمات أمام مشهد النار والبارود المنسكب عليها وعلى عائلات فرت تحت ضوء القمر “تجمدت الدماء في عروقنا، كنا نهرب من الرصاص ونتحاشى التوقف والالتفات إلى الخلف”.

وتعد عودة أهالي الأشرفية إلى بيوتهم أسرع عملية عودة لنازحين طوال زمن الحرب والصراع الداخلي في سوريا، في وقت قدرت إحصاءات وزارة الشؤون الاجتماعية قرابة 149 ألف شخص نزحوا من الحيين إلى أحياء المدينة الآمنة، منهم من لجأ إلى أقاربه، أو التحق بمراكز الإيواء التي افتتحتها المحافظة في دور العبادة بالمساجد والكنائس والمطرانيات.

وفي جامع زين العابدين في حي حلب الجديدة، غرب المدينة، تتحدث شهد، من مكتب العلاقات العامة في الكتلة السادسة في حلب، عن احتواء المركز نحو 400 نازح من العائلات التي خرجت، ولم تخف الوضع النفسي الصعب الذي أصابهم على رغم توفير المستلزمات كافة، وتقول “الوضع النفسي الصعب يحيط بهم منذ الليلة الأولى لا سيما أن كثيرين منهم عاشوا رحلات نزوح كثيرة”.

المعاناة والأمل

وطوال سنوات الحرب الطويلة ظلت حقيبة النزوح ملازمة لأهالي حلب، فقد شهدت المدينة معارك دامية امتدت في كل الأحياء السكنية، لا سيما في شقها الشرقي، الذي نال نصيبه من الدمار جراء القصف الجوي على قوات المعارضة لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، فضلاً عن كارثة الزلزال القاسية في الثامن من فبراير (شباط) عام 2023، وصولاً إلى معارك التحرير حيث خرج جزء واسع من أبناء المدينة أثناء معركة “ردع العدوان” في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024 خوفاً من قصف قوات الأسد مدينتهم.

ومع كل أهوال الكوارث الطبيعية والبشرية، ظلت حقيبة النزوح جاهزة للسفر والبحث عن أي مكان أمني للجوء إليه والعيش والتأقلم، ولهذا جهد المتطوعون والفرق الإغاثية لتوفير وتدريب كوادر في مجال الدعم النفسي لتقديمها في الأوقات الصعبة.

ويحكي المهندس براء أحد المتطوعين الذي شارك في مركز الإيواء عن الحالات الإسعافية والطبية وتقديم الألبسة والأغطية بصورة سريعة، والحرص على توفير حال استقرار للنازحين حتى عودتهم إلى ديارهم بخير وسلامة.

——————————

الجيش يرفع جهوزيته في ريف حلب… وشيخ عشائري: معارك جديدة ضد «قسد»/ جانبلات شكاي

11 – يناير – 2026

دمشق ـ «القدس العربي»: وسط أنباء رسمية عن رفع وحدات الجيش السوري جاهزيتها القتالية وتعزيز خطوط انتشارها في الجبهة الشرقية لمحافظة حلب، رجح شيخ عشائري ومحلل، في تصريحات لـ«القدس العربي» اندلاع معارك جديدة ضد «قوات سوريا الديمقراطية» بعد استعادة الدولة سيطرتها على كامل مدينة حلب.

حشود متبادلة

ونقلت وكالة الأنباء الرسمية «سانا» عن مصادر من هيئة العمليات في الجيش السوري قولها إن طائرات الاستطلاع رصدت استقدام ميليشيا «قسد» تعزيزات عسكرية تضم مجاميع مسلحة وعتاداً حربياً متوسطاً وثقيلاً إلى جبهة دير حافر في ريف حلب الشرقي.

وحسب المصادر ذاتها فإنه «لم تتضح بعد الطبيعة الميدانية لهذه الحشود والتعزيزات التي دفعت بها الميليشيا نحو المنطقة، لكن وحدات الجيش العربي السوري رفعت جاهزيتها القتالية وعززت خطوط انتشارها في الجبهة الشرقية لحلب تأهباً للتعامل مع كافة السيناريوهات المحتملة».

وانتقال محور الأحداث من داخل المدينة إلى ريفها الشرقي، بدأ بعد أربعة أيام من التصعيد والقصف المتبادل بين الجيش السوري وعناصر «قسد» داخل حيي الأشرفية والشيخ مقصود، والذي انتهى بوساطة أمريكية إلى الاتفاق لوقف العلميات العسكرية وخروج هذه العناصر في اتجاه مناطق سيطرة «قسد» في شمال شرق سوريا وتحديدا إلى مدينة القامشلي في محافظة الحسكة، وهو ما كان قد أعلنه قائد «قسد» مظلوم عبدي في منشور له على منصة «إكس».

وفي وقت لاحق، مساء السبت، أعلن المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى سوريا توماس براك في منشور له على منصة «اكس» أنه التقى، نيابةً عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو، بالرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الخارجية أسعد الشيباني، وأعضاء فريقهم في دمشق؛ وذلك لبحث التطورات الأخيرة في حلب والمسار الأشمل للمرحلة الانتقالية التاريخية التي تمر بها سوريا.

وقال براك إن «الرئيس ترامب يؤكد أنَّ هذه اللحظة تمثل فرصة محورية لـ«سوريا الجديدة» أمة موحدة تُعامَل فيها كافة المكونات، من عرب وأكراد ودروز ومسيحيين وعلويين وتركمان وآشوريين وغيرهم، باحترام وكرامة، ويُمنحون مشاركة فعّالة في مؤسسات الحوكمة والأمن».

معارك تلوح في الأفق

وبعد أن شدد على ضرورة «الوقف الفوري للأعمال العدائيّة، والعودة إلى مسار الحوار» وفقاً لاتفاقيتي 10 آذار/ مارس و1 نيسان/ أبريل 2025 المبرمة بين الحكومة السورية و«قسد» بين أن «فريق وزير الخارجية روبيو، يؤكد استعداده لتسهيل انخراط بناء بين الحكومة السورية و«قسد» لدفع عملية دمج شاملة ومسؤولة؛ تحترم وحدة سوريا، وتصون مبدأ الدولة السياديّة الواحدة، وتدعم هدف الوصول إلى جيش وطني شرعي واحد» مشدداً على أن «الهدف المنشود يظل هو الوصول إلى سوريا سياديّة وموحّدة، تنعم بالسلام مع نفسها ومع جيرانها، حيث تسود المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص لجميع أبنائها».

ورحب الشيخ فرج الحمود الفرج السلامة، وهو من مشايخ قبيلة «البو شعبان» كبرى القبائل العربية في سوريا بفرض الدولة سيطرتها على كامل مدينة حلب.

وقال في تصريح لـ«القدس العربي» إن الذراع الأمنية التي كانت موجودة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب هي الذراع العسكرية لحزب العمال الكردستاني، ولم يكونوا جهاز أمن بمعنى رجال الشرطة، كما كانوا يعلنون، وهؤلاء كانت لديهم أسلحة ثقيلة ومفخخات ومسيرات وألغام وأحزمة ناسفة، ومارسوا دور المظلومية لكنهم كانوا يقصفون المدنيين حتى قبل بدء العملية العسكرية الأخيرة وتطهير مدينة حلب منهم.

وعبر عن قناعته بأنه ستكون هناك جبهات جديدة مع «قسد» في دير حافر والطبقة والرقة ودير الزور، وقريباً جداً، لأن «قسد» تواصل تعزيزاتها العسكرية وتقوم بإرسال طائرات مسيرة من هذه المناطق المحتلة، كما تواصل إرسال المخدرات عبر وسطائها ومجرميها، وتهرب فلول النظام الساقط لتعزيز قواتها، وبما يعني أن «قسد» هي من تجر المنطقة والحكومة إلى القتال.

وأكد أن العشائر العربية مؤمنة بأن المعركة مع «قسد» مقبلة، وعتبنا على الدولة أنها تأخرت بتحرير مناطقنا ونطالبها بالاستعجال لأن قوات «قسد» شبه منهارة اليوم، وحسب التجربة الأخيرة فإن المساحات التي كانت تسيطر عليها ضمن حلب سقطت بعد عشر ساعات فقط، وهذا يؤكد أنهم من دون أمريكا لا يتعدون أن يكونوا مجرد مرتزقة ووهم وكذبة عسكرية ومصيرهم لن يكون مختلفا في منطقة الجزيرة التي يجب أن تتطهر منهم.

وقال السلامة: أدعو قبيلة البوشعبان وجميع القبائل السورية، للانتفاض على هذه العصابة ومحاربتها عسكريا سواء من داخل المناطق التي تحتلها الآن أو من خارجها.

وعما إذا إن كان اتفاق آذار/ مارس بين الرئيس الشرع وعبدي ما زال قابلا للتنفيذ، أكد السلامة أن الاتفاق ولد ميتاً، ولا داعي للقول بوجود إمكانية لإحيائه لأنه من المستحيل التعايش مع هذه العصابة بعد الإجرام الذي قامت به ضد الشعب السوري، وقد تحملتهم الدولة كثيراً بسبب الاتفاقات السياسية والدول الراعية لهذه الاتفاقات وبما فيها أمريكا، ولكن اليوم انكشفت الأقنعة وبات من المستحيل أن تعود هذه العصابة إلى حضن الدولة السورية، وهي أساساً من ترفض العودة إلى حضن الدولة وتتمسك بقرارها الانفصالي العابر للحدود بقيادة كل من حزب العمال الكردستاني وجناحه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي.

واعتبر أن الولايات المتحدة هي من أعطت الضوء الأخضر للجيش السوري للتحرك في حلب، في وقت تظهر فيها نفسها بأنها تحاول الحفاظ على استمرار المفاوضات السياسية بين الحكومة و«قسد» مشيراً إلى أن قائد «قسد» مظلوم عبدي ومن معه في المفاوضات السياسية، هم الجناح الأضعف ضمن «قسد» والقرارات السياسية والعسكرية في هذا التنظيم تصدر من أعضاء حزب العمال الكردستاني حصراً.

ورأى أن واشنطن ربما لن تسمح بفتح معركة حاسمة بين الجيش السوري و«ٌقسد» لكن المتوقع أن يتم تحرير منطقة الجزيرة ومحافظاتها الثلاث عبر مراحل عدة، بغض نظر أمريكي كما حصل في حلب، وهذا لا يتوافق مع مطالبنا نحن أبناء عشائر تلك المنطقة، بل نريد معركة حاسمة وسريعة، وفي النهاية فإن المعركة مع «قسد» آتية، ولن تتأخر كثيراً، ولو تأخرت الحكومة فإن أهلنا في منطقة الجزيرة سيتحركون ضد «قسد».

الناشط السياسي والإعلامي أيمن عبد النور اعتبر ان السياسية الأمريكية تجاه سوريا باتت واضحة المعالم.

وقال في تصريح لـ«القدس العربي» إنهم يريدون دولة موحدة تحت قيادة مسؤولة تمثل جميع المكونات عند توقيع أي اتفاق متوقع.

مطالب واضحة

وتابع: يريدون دولة هادئة مستقرة من دون اضطرابات ما بين كل مناطقها، أما طريقة ترتيب ما سبق ومراحل تنفيذه وإنجازه وطبيعة الحكم، فهي أمور يجب أن يتفق عليها السوريون فيما بينهم.

وبين أن «قسد» تتعنت في المفاوضات استقواء منها بأحد أجنحة النفوذ داخل الولايات المتحدة، موضحاً أنه اليوم بات هناك قسمان منفصلان داخل أمريكا، الأول يدعم الإدارة السورية الجديدة، والآخر يدعم «قسد» وهما قسمان قويان جداً، والخلاف اليوم تجاه مستقبل سوريا لا ينحصر فقط بين أبناء الشعب السوري فقط، وإنما حتى داخل الولايات المتحدة، والداعمين لدمشق وفي المقدمة منهم الرئيس دونالد ترامب وبعض الأجهزة الأمنية والعديد من أعضاء الكونغرس، هم من كانوا وراء ما حصل في مدينة حلب في الأيام الأخيرة بهدف إضعاف أوراق الإدارة الذاتية و«قسد» وبما يسهل قبول المبادرات الأمريكية تجاه مستقبل البلاد، وربما نرى خلال الفترة المقبلة تسهيلهم لعمليات عسكرية من قبل الجيش السوري ما دامت «قسد» ليست بالمرونة التي يرغبها هذا القسم من الأمريكيين

واعتبر أن رسالة براك كانت واضحة المقاصد بأنه حضر إلى دمشق ممثلاً الرئيس ترامب ووزير خارجيته، وبيانه تضمن مطالب الولايات المتحدة وما يجب تنفيذه، من حيث أن تكون سوريا دولة واحدة وبجيش واحد بغض النظر عن طبيعة العلاقة بين مكونات الجيش وفرقه العسكرية.

——————————-

خبير سوري: إخراج مقاتلي «قسد» من حلب يستند إلى «خريطة طريق منبج» عام 2018

بناء على اتفاق بين وزيري الخارجية التركي والأميركي خلال فترة رئاسة ترمب الأولى

دمشق: «الشرق الأوسط»

11 يناير 2026 م

بعد انتهاء خروج الحافلات التي تُقلّ آخر دفعة من عناصر «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» من حلب نحو شمال شرقي سوريا، أطلقت الحكومة جهودها لبسط الأمن وإعادة الحياة إلى حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية. وقال قائد تلك «القوات»، مظلوم عبدي، في منشور على منصة «إكس»، إنه «جرى التوصل من خلال الوساطة الدولية إلى تفاهم أدى إلى وقف إطلاق النار».

فهل جرت «عملية حلب» باتفاق دولي، أم على الأقل برضا الدول الضامنة؛ الولايات المتحدة وتركيا والأوروبيين… إلخ؟

يقول خبير الشؤون السياسية السوري، رياض الحسن، إن العملية الأخيرة في حلب، التي أخرجت مقاتلي «قوات سوريا الديمقراطية»، تستند إلى «خريطة طريق منبج» التي اتُّفق عليها بين وزيري الخارجية الأسبقين؛ التركي مولود جاويش أوغلو، والأميركي مايك بومبيو، في يونيو (حزيران) 2018؛ أي في فترة رئاسة ترمب الأولى.

وأوضح الحسن، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتفاق في حينه تضمن إخلاء مناطق غرب الفرات من أي وجود لـ«قسد»، وقد تحدث عنه في حينه مسؤولون بالخارجية الأميركية خلال مؤتمر صحافي بعد إقراره، وأعلنوا أن «الخريطة» تفي بالالتزام الذي قطعته الولايات المتحدة لحليفتها في حلف شمال الأطلسي (ناتو)»؛ تركيا، لنقل «وحدات حماية الشعب» إلى شرق الفرات، مشيراً إلى أنه «من هذا المنطلق، كانت التصريحات الأميركية الأخيرة تصب بمضمونها في دعم الحكومة السورية خلال عمليتها في حلب».

وتستند العملية أيضاً إلى الاتفاق الروسي – التركي في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، الذي يقضي بإخراج جميع عناصر «وحدات حماية الشعب (واي بي جي – YPG)» وأسلحتهم من منبج وتل رفعت؛ الواقعتين في ريف محافظة حلب. وهذا يفسر غياب أي تصريح روسي يعترض على العملية.

شرق وغرب الفرات

ويتابع الباحث رياض الحسن، الذي تتركّز اهتماماته على قضايا المسارات السياسية وأطرافها في سوريا، أن «الموضوع شرق الفرات يختلف عن غربه، أولاً في وجود (اتفاق 10 مارس/ آذار 2025) الذي لا يزال هناك دعم أميركي لتطبيقه. وثانياً في تأثير أي عملية عسكرية بين الحكومة السورية و(قسد) على جهود (التحالف الدولي ضد داعش) لمكافحة الإرهاب، ووجود سجون مقاتلي التنظيم ومخيمات عوائلهم؛ لذا ستعمل الولايات المتحدة على الضغط على (قسد) بشكل جدي لتطبيق الاتفاق».

ويذهب الباحث الأول في «مركز جسور للدراسات» بدمشق إلى أن «قسد» و«إن كانت ستستجيب للضغوط الأميركية، لكن من المتوقع أن تمتنع المجموعات المتشددة فيها والمرتبطة بـ(حزب العمال الكردستاني – بي كي كي PKK) عن تسليم مجمل المنطقة شمال شرقي سوريا للحكومة، لتعمل على الاحتفاظ بمنطقة حدودية على المثلث السوري – العراقي – التركي لتتابع منه ما تسميه (الكفاح المسلح)، على غرار ما فعلته في العقود الأخيرة بتركيا».

أما على صعيد الجنوب، فيقول الحسن إنه «سيكون هناك عمل حثيث بدأت بوادره بتصريحات المبعوث الأميركي توماس برّاك، ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، للمضي في تطبيق (اتفاق خريطة السويداء)؛ لذا، فمن المتوقع هنا أن تتمهل الحكومة السورية؛ لإعطاء الفرصة لنجاح الضغوط الأميركية القادمة على (الزعيم الدرزي حكمت) الهجري ومجموعته، للقبول بـ(الخريطة)».

أما على صعيد الساحل، فالمواجهات العسكرية مع فلول النظام لم تتوقف، لكن دون الإعلان التفصيلي عنها، حيث عملت على نقل المواجهات خارج المدن إلى الجبال؛ حيث يتحصن هؤلاء الفلول؛ «حرصاً على المدنيين ولعدم تكرار ما حدث في مارس 2025».

—————————

الجيش السوري يستنفر شرق حلب والأمن يضبط مستودعات أسلحة لقسد

أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري -اليوم الأحد- أن طائرات الاستطلاع رصدت قيام قوات “قسد” باستقدام مجاميع مسلحة وعتاد متوسط وثقيل إلى جبهة دير حافر شرق محافظة حلب.

ونقلت قناة الإخبارية السورية عن الهيئة أنه لم يتم التحقق بعد من طبيعة هذه الحشود والتعزيزات التي دفعت بها قسد إلى المنطقة، موضحة أنها استنفرت قواتها وقامت بتعزيز خط الانتشار العسكري شرق حلب، مشددة على جاهزيتها للتعامل مع كافة السيناريوهات المحتملة.

وكانت عمليات الأمن الداخلي في منطقة منبج، بريف حلب، أصدرت في وقت سابق من اليوم تعميما، حذرت فيه من “احتمال وجود تهديدات ناتجة عن طائرات مسيّرة مفخخة”.

وطالبت عمليات الأمن الداخلي في المنطقة بـ”تجنب التجمعات في الأماكن العامة والساحات والأسواق قدر الإمكان”، إضافة إلى “الانتباه عند التنقل عبر الطرقات الرئيسة والفرعية”.

كما دعت -عبر البيان ذاته- إلى “الإبلاغ الفوري عن أي جسم مشبوه أو تحركات غير اعتيادية”، مع “الالتزام بتعليمات وإرشادات الجهات المختصة، حفاظا على السلامة العامة”.

وفي السياق ذاته، أكدت إدارة منطقة جرابلس في ريف حلب الشمالي -في تعميم صدر عنها فجر اليوم- ضرورة “توخي الحذر وتجنّب التجمعات في الأماكن العامة”، وشددت إدارة المنطقة على ضرورة توخي الحذر والانتباه في أثناء التنقل، لا سيما بالقرب من مجرى النهر وعلى الطرقات الرئيسة والفرعية.

وأشار البيان الصادر عنها أيضا إلى ضرورة “عدم الاقتراب من أي موقع يشتبه بخطورته، وترك التعامل معه للجهات المختصة”.

وتأتي هذه التحذيرات بعد ساعات من إعلان هيئة العمليات في الجيش السوري أن “قسد دخلت مرحلة جديدة من التصعيد العسكري ضد الشعب السوري عبر استهداف مدينة حلب”.

وأوضحت الهيئة، في تصريح للإخبارية أن التنظيم استهدف مؤسسات المدينة ومساجدها بأكثر من 10 طائرات مسيّرة إيرانية الصنع، مما خلّف إصابات وخسائر في الممتلكات.

إعلان

وفي مدينة حلب، رصدت هيئة العمليات أيضا، السبت، استهداف تنظيم قسد عدة مواقع مدنية وأمنية باستخدام الطائرات المسيّرة الإيرانية، مما أسفر عن تسجيل عدد من الإصابات وأضرار مادية في المنطقة.

وضبطت وحدات الأمن الداخلي، اليوم الأحد، مستودعات ضخمة تحتوي على كميات كبيرة من الأسلحة المتنوعة تعود لقسد، وذلك خلال عمليات المسح الأمني الميدانية في حي الشيخ مقصود.

وأوضحت وزارة الداخلية أن المضبوطات شملت ألغامًا أرضية وعبوات ناسفة وصواريخ وقذائف وقنابل، إضافة إلى كميات كبيرة ومتنوعة من الذخائر المختلفة، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن العام وسلامة المواطنين.

حصيلة الضحايا في حلب

وبلغ عدد الضحايا جراء استهداف قسد أحياء سكنية في حلب منذ الثلاثاء الماضي 24 قتيلا و129 مصابا، حسب ما نقلته وكالة سانا عن مديرية صحة حلب.

وتفجرت الأحداث في حلب، الثلاثاء الماضي، عندما شنت قسد من مناطق سيطرتها في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد هجمات على أحياء سكنية ومنشآت مدنية ومواقع للجيش في حلب، مما أسفر -إضافة إلى القتلى والجرحى- عن نزوح 165 ألف شخص.

ورد الجيش السوري بإطلاق عملية عسكرية محدودة تمكن خلالها من السيطرة على الأحياء المذكورة، وسمح لمسلحين في قسد بالخروج إلى شمال شرقي البلاد.

وتأتي التطورات بينما تواصل قسد التنصل من تطبيق بنود اتفاق مع الحكومة السورية تم إبرامه في مارس/آذار 2024، بشأن دمج المؤسسات المدنية والعسكرية شمال شرقي البلاد في إدارة الدولة، وفتح المعابر والمطار وحقول النفط والغاز، وتأكيد وحدة أراضي البلاد، وانسحاب قواته من حلب إلى شرق الفرات.

المصدر: الجزيرة + الصحافة السورية/

———————–

 الجيش السوري: “قسد” دفعت بقوات إضافية إلى دير حافر

الاثنين 2026/01/12

أعلن الجيش السوري عن “رصد” وصول تعزيزات إضافية من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى جبهة دير حافر في ريف حلب الشرقي، “ضمت” مقاتلين من حزب “العمال” الكردستاني وفلول نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

“رد عنيف”

وقال “هيئة العمليات في الجيش العربي السوري” لوكالة “سانا”، إنها رصدت “وصول المزيد من المجاميع المسلحة إلى نقاط انتشار تنظيم قسد بريف حلب الشرقي قرب مسكنة ودير حافر”.

وأضافت “بحسب مصادرنا الاستخباراتية فإن هذه التعزيزات الجديدة ضمت عدداً من مقاتلي تنظيم حزب العمال الكردستاني وفلول النظام البائد”، و”نقوم بدراسة وتقييم الوضع الميداني بشكل مباشر وفوري”.

وفيما اعتبرت “هيئة العمليات” أن “استقدام تنظيم قسد لمجاميع إرهابية هو تصعيد خطير”، هددت بأن “أي تحرك عسكري ستقوم به هذه المجاميع سيقابل برد عنيف. لن نقف مكتوفي الأيدي تجاه هذا التصعيد الخطير”.

تعزيزات على خط الجبهة

وأمس الأحد، أعلن الجيش السوري استنفار قواته على جبهة دير حافر، بعد استقدام “قسد” أسلحة ثقيلة ومتوسطة إلى المنطقة التي تعتبر خط جبهة بين الجانبين.

وقالت “هيئة العمليات” في الجيش السوري، إن “طائرات الاستطلاع رصدت قيام قوات تنظيم قسد باستقدام مجاميع مسلحة وعتاد متوسط وثقيل إلى جبهة دير حافر شرق محافظة حلب”، مشيرةً إلى أنه لم يتم التحقق بعد من طبيعة هذه الحشود والتعزيزات.

وأضافت “هيئة العمليات” أنها استنفرت قواتها وقامت بتعزيز خط الانتشار العسكري شرق حلب، مؤكدةً على جاهزيتها للتعامل مع كافة السيناريوهات المحتملة، حسبما نقل “التلفزيون السوري”.

وتأتي تلك التطورات في أعقاب إجلاء آخر دفعة من مقاتلي “قسد” من حي الشيخ مقصود في مدينة حلب، أمس الأحد، إلى مدينة الطبقة في ريف الرقة، وبالتالي إنهاء آخر وجود لـ”قسد” من مدينة حلب، بعد نحو أسبوع على اشتباكات وقصف متبادل في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، والتي كانت يسيطر عليها المقاتلون الأكراد.

————————–

بعد انسحاب آخر دفعة من «قسد»… حلب تستعيد أحياءها وتنظّفها من آثار الدمار

دمشق: سعاد جروس

11 يناير 2026 م

مع خروج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) من أحياء حلب، وبدء الحكومة السورية تنفيذ إجراءات لاستعادة النظام العام بحيَّي الأشرفية والشيخ مقصود، كشفت وزارة الداخلية السورية عن اعتقال أحد عناصر «الفرقة الرابعة» خلال فترة حكم النظام السابق قالت إنه متورط بتهريب السلاح لـ«قسد»، وجاء ذلك بعد اتهام وزارة الدفاع السورية لـ«قسد» باستخدام مسيّرات إيرانية الصنع في مهاجمة مبانٍ حكومية ومدنية في حلب.

وأعلنت وزارة الداخلية السورية، الأحد، القبض على نضال علي سليمان، في منطقة الغاب، بعد رصد ميداني بالتعاون مع فرع مكافحة الإرهاب في حماة، وأوضحت أن التحقيقات الأولية كشفت عن تورّطه في المشاركة في معارك ريف حماة، إلى جانب ضلوعه في تهريب الأسلحة إلى تنظيم «قسد»، إضافة إلى تورّطه في تجارة المواد المخدّرة.

وجاء بيان «الداخلية» بعد ساعات قليلة من تعرض مبنى المحافظة في حلب لاستهداف بمسيّرة قالت وزارة الدفاع إنها إيرانية الصنع، متهمة «قسد» باستخدام عشر مسيّرات في استهداف مبانٍ حكومية ومدنية في حلب يوم السبت.

مصادر في دمشق قريبة من الحكومة، قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «نوعاً من التعاون أو التنسيق الأمني كان قائماً بين (قسد) ونظام الأسد والميليشيات الإيرانية و(حزب الله)، فرضته ظروف الصراع في سوريا خلال السنوات الماضية ضمن معطيات معينة، وبعد سقوط النظام وتغير الظروف مثّلت مناطق (قسد) ملاذاً آمناً لكثير من عناصر النظام الذين يحاولون أن يجعلوا من تلك المناطق مرتكزات لنشاطهم ضد السلطة السورية الجديدة».

    بقايا طائرة قسد المسيرة التي استهدفت القصر البلدي في حلب وأسفرت عن أضرار مادية كبيرة pic.twitter.com/WIRCbKC7QK

    — Halab Today TV قناة حلب اليوم (@HalabTodayTV) January 11, 2026

وتتمحور خطورة هؤلاء الأشخاص في أن لديهم سلاحاً أو معلومات عن مواقع مخازن سلاح قوات النظام السابق والميليشيات الإيرانية سواء في شمال شرقي سوريا أو مناطق أخرى، وأن المسيّرات الإيرانية التي استُخدمت في استهداف حلب قد تكون من هذا السلاح المخزّن.

تحرك «داعش»

من جهة أخرى، لفتت المصادر إلى أن وزارة الداخلية لم توقف حملاتها على المسلحين خارج إطار القانون وعناصر التنظيمات الإرهابية في أنحاء سوريا، خشية استغلال التصعيد في حلب وتوسيع رقعة المواجهات. وقالت: «بينما كانت الاشتباكات مشتعلة في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية، كانت هناك عمليات أمنية تنفذ في محافظتَي حماة وحلب، منها العملية التي أُعلن عنها وجرى خلالها القبض على العسكري العام لـ(ولاية الشام) في تنظيم (داعش)، نابغ زاكي القطميش، المعروف بلقب (جابر)».

وما يميز العمليات التي تنفذها الحكومة السورية في الأشهر الأخيرة، وتحديداً بعد انضمام سوريا لقوات «التحالف»، تسجيل تطور لافت في الأداء من حيث الانضباط الشديد لعناصر الجيش والأمن، والتصرف كأجهزة دولة، وتنفيذ «عمليات متكاملة».

مصادر سياسية مطلعة لفتت إلى أن محاولة دمشق الاستفادة من الفرصة التي منحتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحكومة السورية لتحقيق الاستقرار، كانت واضحة، مرجّحة أن تتلقى دمشق «مزيداً من الدعم الدولي لخطواتها في توطيد الأمن وضبط السلاح المنفلت في كافة المناطق، وحصره بيد الدولة، وخاصة أنها باتت شريكاً في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب».

    «رجع الأمن والأمان ورجعنا لمحلاتنا»..أهالي حيّ الأشرفية في حلب يروون للإخبارية عودة الحياة والسكان تدريجياً بعد انتهاكات تنظيم قسد#الإخبارية_السورية pic.twitter.com/A5aP0dvJdq

    — الإخبارية السورية (@AlekhbariahSY) January 11, 2026

وكانت وزارة الخارجية والمغتربين السورية قد أصدرت بياناً في وقت سابق، أعربت فيه عن الشكر للولايات المتحدة الأميركية، والمملكة العربية السعودية، ودولة قطر، والجمهورية التركية، والجمهورية الفرنسية، والمملكة المتحدة، ومسعود بارزاني، على دورهم «الفاعل والمثمر في دعم استقرار سوريا والحرص على وحدة وسيادة أراضيها، وهو ما يصب في مصلحة تعزيز الأمن والسلام في المنطقة بأسرها»، وذلك بعدما أوضحت «الخارجية» في بيانها الخاص بالعملية التي شهدها حي الشيخ مقصود وحي الأشرفية في مدينة حلب، أن الحكومة السورية «نفّذت عملية إنفاذ قانون محدودة النطاق والأهداف».

وقالت «الخارجية» إن هذا التدخل «لا يُعد حملة عسكرية، ولا ينطوي على أي تغيير ديمغرافي، ولا يستهدف أي فئة سكانية على أسس عرقية أو دينية؛ إذ اقتصر على جماعات مسلحة محددة تعمل خارج أي إطار أمني متفق عليه، والتي عرقلت أنشطتها تنفيذ التفاهمات السابقة، وارتبطت بانتهاكات خطيرة».

كما أكدت «الخارجية» أيضاً أن «استعادة السلطة الحصرية للدولة على السلاح شرط أساسي لدعم الاستقرار والعملية السياسية، ومنع استخدام الأراضي السورية كمنصة لأي نشاط مسلح يهدد الأمن الإقليمي».

    بقايا طائرة قسد المسيرة التي استهدفت القصر البلدي في حلب وأسفرت عن أضرار مادية كبيرة pic.twitter.com/WIRCbKC7QK

    — Halab Today TV قناة حلب اليوم (@HalabTodayTV) January 11, 2026

وأعلنت «قسد» فجر الأحد انسحاب آخر مقاتليها من حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، بعد أيام من اشتباكات عنيفة مع الجيش العربي السوري. كما أكدت وكالة «سانا» السورية للأنباء «خروج الحافلات التي تقل آخر دفعة من عناصر تنظيم (قسد) من حي الشيخ مقصود بحلب نحو شمال شرقي سوريا».

وكان لافتاً تنفيذ قوات «التحالف» غارات جوية ضد تنظيم «داعش» فجر الأحد «أصابت أكثر من 35 هدفاً باستخدام أكثر من 90 قذيفة دقيقة ونحو عشرين طائرة»، وفق ما أفادت به شبكة «سي إن إن» الأميركية نقلاً عن مسؤول أميركي، في حين أعلنت القيادة المركزية الأميركية في بيان نُشر على موقع «إكس»: «اليوم، نحو الساعة 12:30 ظهراً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، نفذت قوات القيادة المركزية الأميركية، بالتعاون مع القوات الشريكة، غارات جوية واسعة النطاق على عدة أهداف تابعة لتنظيم (داعش) في أنحاء سوريا

الشرق الأوسط»

————————-

عودة تدريجية للحياة في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب

حلب- يروي عابد إعزازي، أحد سكان حي الأشرفية القدامى، تجربته بعد عودته إلى حيه الذي شهد اشتباكات عنيفة خلال الأيام الماضية بين الجيش السوري ومقاتلي قوات “قسد”.

وقال، في حديثه للجزيرة نت، إنه غادر منزله قبل نحو أسبوع هربا من وابل الرصاص والقذائف، تاركا كل ممتلكاته خوفا على أطفاله، مضيفا أنهم كانوا يتابعون الأخبار من مراكز الإيواء وقلوبهم معلقة ببيوتهم.

ومع خروج مقاتلي “قسد” ودخول القوات الأمنية السورية، عادوا ليجدوا الشوارع مغطاة بالزجاج المكسّر والشظايا والجدران مثقوبة بالرصاص، لكنهم شعروا بالأمان لأول مرة منذ أيام.

وأضاف أن “فرق الدفاع المدني والأجهزة الأمنية تواصل عملها المكثف لإزالة الألغام والمفخخات، بالتزامن مع إعادة فتح بعض المحال، فيما بدا الأطفال يلعبون بين الركام كأنهم يستعيدون جزءا من طفولتهم المفقودة”.

وأشار إلى أمله أن تستكمل قريبا عمليات التمشيط في حي الشيخ مقصود، بما يتيح عودة سكانه، مؤكدا أن استقرار حي الأشرفية يظل منقوصا ما لم يعد أهل الشيخ مقصود إلى منازلهم.

عودة حذرة

وشهدت مدينة حلب، أمس الأحد، بداية عودة تدريجية للسكان إلى حيّي الأشرفية والشيخ مقصود، بعد انسحاب آخر دفعات مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية من المنطقتين باتجاه شمال شرقي البلاد، عقب أيام من الاشتباكات العنيفة مع الجيش السوري.

وأكد محافظ حلب، عزام الغريب، أن المدينة أصبحت خالية تماما من مسلحي “قسد”، مشيرا إلى تحسن ملحوظ في الأوضاع الأمنية وعودة الاستقرار تدريجيا إلى الحيّين.

وبدأ الأهالي الذين نزحوا قسرا خلال الفترة الماضية العودة إلى منازلهم في حي الأشرفية بوتيرة أسرع نسبيا، وسط انتشار فرق الدفاع المدني والأجهزة الأمنية التي تعمل على إزالة الألغام والمفخخات المتبقية وتنظيف الشوارع من آثار القتال.

من جهتها، عبّرت يارا محمد، وهي أم لثلاثة أطفال ومن أوائل العائدين إلى حي الشيخ مقصود رغم استمرار عمليات التمشيط، عن مشاعر متداخلة تجمع بين الأمل والحذر.

إعلان

وقالت للجزيرة نت إن الأيام الماضية كانت مليئة بالخوف بسبب أصوات الاشتباكات وقلقها على منازلها وذكرياتها، مضيفة أن مشهد الجنود السوريين وهم ينشرون نقاط التفتيش ويؤمنون الشوارع جلب نوعا من الارتياح، ورغم الدمار الواضح في النوافذ والأسقف والسيارات، فإن عمل الفرق الهندسية في نزع المتفجرات وتنظيف الشوارع يمنحهم الأمل.

وأضافت أنها بدأت تلاحظ عودة جيرانها تدريجيا وفتح بعض الأسواق الصغيرة لتوفير الخبز والمواد الأساسية، مؤكدة أن الطريق إلى الاستقرار الكامل لن يكون سهلا مع استمرار عمليات التمشيط في حي الشيخ مقصود، لكن عودة الحياة تعكس قدرة المدينة على التعافي من جراحها.

وفي المقابل، لا يزال حي الشيخ مقصود تحت مراقبة دقيقة مع استمرار عمليات التمشيط الأمنية لضمان سلامة عودة المواطنين، بعد نقل آخر مجموعات المقاتلين تحت إشراف السلطات السورية وبوساطة دولية -وفق بيان لقائد “قسد” مظلوم عبدي– الذي أشار إلى وقف إطلاق النار وإجلاء المدنيين والجرحى والقتلى.

حي الأشرفية بعد سيطرة الجيش السوري(الجزيرة نت)

بعد سيطرة الجيش السوري على حي الأشرفية بحلب شهد الحي حركة طبيعية للسكان (الجزيرة)

تعافٍ تدريجي

وأكد قائد الأمن الداخلي بحلب، محمد عبد الغني، أن ما يتداول من إشاعات حول تجاوزات مصدره جهات متعددة تسعى لخدمة مصالحها الشخصية، موضحا أن الدولة السورية تعمل على تعزيز اللحمة المجتمعية بعد أضرار كبيرة سببها النظام السابق على مدى خمسين عاما.

وأشار عبد الغني في حديثه للجزيرة نت إلى أن عاما واحدا من جهود الدولة السورية الجديدة أسهم في الوصول إلى هذه المرحلة، معتبرا ذلك إنجازا مهما، ومشددا على أن الأجهزة ستتعامل بصرامة مع أي تجاوز، مع وجود توجيهات صارمة ومدونة سلوك واضحة، وأن الدولة تتحمل مسؤولية محاسبة المخالف وإعادة الحقوق.

وتعكس هذه التطورات تحولا ميدانيا مهما في حلب، حيث يأمل السكان استعادة الحياة الطبيعية بعد نزوح عشرات الآلاف وتضرر المباني والمرافق، وسط تأكيدات رسمية على تأمين عودة آمنة ومنظمة للنازحين.

وأوضح مسؤول في وزارة الطوارئ والكوارث السورية -طلب عدم الكشف عن هويته- أن فرق الدفاع المدني، وإزالة مخلفات الحرب، والاستجابة الطارئة، تواصل أعمالها لليوم السادس على التوالي ضمن اللجنة المركزية للاستجابة الطارئة، بما في ذلك إزالة الأتربة والسواتر الترابية بعد انتهاء عمليات المسح الميداني في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد.

وأضاف في حديثه للجزيرة نت أن فرق الدفاع المدني تقوم بنقل وتوزيع المواد الأساسية ومرافقة قوافل إعادة النازحين، وتبقى في حالة جاهزية كاملة للتعامل مع الهجمات بالطائرات المسيّرة الانتحارية، ومستعدة للاستجابة الإنسانية في جميع أحياء ومدن وقرى محافظة حلب.

المصدر: الجزيرة

—————————

سيبان حمو: الهجوم على الشيخ مقصود والأشرفية استهدف الوجود الكردي في حلب

12 يناير 2026

قال عضو القيادة العامة لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، سيبان حمو، إن الهجوم على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب “استهدف الوجود الكردي بوصفه مكوّنًا أصيلًا من تاريخ المدينة”، معتبرًا أن ما جرى “يمتد في سياقه إلى المجازر التي طالت العلويين والدروز”.

وأضاف حمو، في تصريحات لقناة “روهانا”، أن “اتفاقية الأول من نيسان وُقّعت بهدف ضمان أمن واستقرار الحيَّين، وتسمح بوجود بنية أمنية محلية لحماية المدنيين”، مشيرًا إلى أن “تدخلات خارجية لعبت دورًا محوريًا في تأجيج الفوضى في المنطقة”.

واتهم حمو القوات المهاجمة باستخدام “دبابات ومدفعية تركية” في استهداف الأحياء المدنية، معتبرًا أن “الهدف كان تهجير الكرد من المنطقة”.

كما قال إن “الإعلام المضلل حرّف الوقائع وزيّف الحقائق عبر إنتاج سرديات تخدم الأجندات التركية”، مضيفًا أن ذلك “أسهم في تأجيج الصراعات وزعزعة استقرار المجتمعات من خلال التلاعب بالرأي العام”.

وأكد عضو القيادة العامة في “قسد” أن قواته “مع الاندماج الديمقراطي في سوريا، وحماية حقوق جميع المكونات السورية، والإصرار على تحقيق ذلك”، مشيرًا إلى أن “عدم التدخل جاء لوجود مخطط لجرّهم إلى معركة شاملة على مستوى سوريا”.

وتأتي تصريحات حمو بعد أكثر من يوم على انسحاب عناصر “قسد” من حي الشيخ مقصود، حيث أعلن القائد العام لـ”قسد”، مظلوم عبدي، في بيان عبر منصة “إكس”، إن تفاهمًا جرى التوصل إليه “يُفضي إلى وقف إطلاق النار وتأمين إخراج الشهداء والجرحى والمدنيين العالقين، إضافة إلى المقاتلين، من حيي الأشرفية والشيخ مقصود إلى مناطق شمال وشرق سوريا”.

ودعا عبدي الوسطاء الالتزام بتعهداتهم، ولا سيما ما يتعلق بوقف الانتهاكات وضمان عودة آمنة للمهجَّرين إلى منازلهم، في وقت نشرت فيه وسائل إعلام رسمية وغير رسمية مشاهد تُظهر بدء عودة عدد من أهالي الحيّين إلى منازلهم.

وكانت هيئة العمليات العسكرية في الجيش السوري قد أعلنت، بعد ظهر يوم أمس السبت، وقف جميع العمليات العسكرية داخل حي الشيخ مقصود، مشيرةً إلى بدء ترحيل مسلحي “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المتحصنين في مستشفى ياسين باتجاه مدينة الطبقة، مع سحب أسلحتهم.

وأضافت الهيئة، في تصريحات نقلتها الوكالة السورية للأنباء “سانا”، أن الجيش سيبدأ بتسليم جميع المرافق الصحية والحكومية إلى مؤسسات الدولة، على أن ينسحب تدريجيًا من شوارع حي الشيخ مقصود بعد استكمال الإجراءات الميدانية.

————————

من الشيخ مقصود إلى أربيل: عندما يصبح اقتصاد إقليم رهينة قرار انفعالي/ عبد الله رحال

يناير 12, 2026

ما حدث في أربيل بإلغاء معرض المنتجات السورية لا يمكن اعتباره إجراءً إدارياً عابراً أو تفصيلاً ظرفياً. ما جرى هو تكريس خطير لفكرة أن الاقتصاد في إقليم كردستان العراق قابل للإيقاف أو التعطيل في أي لحظة بقرار انفعالي، دون ضمانات، ودون قراءة للأثر، ودون اعتبار حقيقي لاستقرار السوق والقطاع الخاص.

الربط بين حدث أمني في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، وبين معرض تجاري صناعي كان من المفترض أن يُقام في أربيل، لا يقوم على منطق اقتصادي سليم. الاشتباكات لم تتوقف، المدنيون لم تتحسن أوضاعهم، ولم يتحقق أي أثر عملي. ما تحقق فعلياً هو نقل عبء الأزمة من ساحة لا يملك اقتصاد الإقليم التحكم بها، إلى السوق المحلية التي كان يفترض أن تكون محمية لا مستهدفة.

المعرض التجاري ليس بياناً سياسياً، والمنتج الصناعي ليس أداة ضغط، والتاجر ليس طرفاً في نزاع مسلح. ومع ذلك، جرى التعامل مع النشاط الاقتصادي وكأنه ورقة رمزية تُستخدم لإظهار موقف، بينما دُفعت الكلفة الحقيقية من السوق، ومن المستثمر، ومن المستهلك داخل الإقليم.

وهنا تظهر المشكلة الأعمق: مشكلة التقويم الاقتصادي. حين تكون الحكومة مرتبكة في تقويمها الاقتصادي، لا تعود الفعاليات التزاماً، ولا تصبح الخطط ضمانة، بل تتحول كل شراكة إلى حالة مؤقتة قابلة للإلغاء في أي لحظة. الاقتصاد الذي يمكن تعطيله بقرار انفعالي ليس اقتصاداً مستقراً، بل اقتصاد هشّ بلا ذاكرة وبلا أفق. إلغاء المعرض لم يكن مجرد قرار إداري، بل كان كسراً للتقويم الاقتصادي نفسه، وكسر التقويم يعني كسر الثقة.

المقارنة الضرورية: إدارة الاقتصاد بمنطق مهني مقابل إدارة الاقتصاد بردّ الفعل. المقارنة هنا ليست سياسية، بل اقتصادية إدارية بحتة. لو كان هذا المعرض سيُقام داخل سوريا، وبمشاركة شركات أو مستثمرين من إقليم كردستان العراق، لكان التعامل معه ضمن نهج منفتح ومهني يحفظ حقوق المستثمرين ويعزل النشاط التجاري عن التوترات الأمنية والسياسية. هذا النهج لا يقوم على العاطفة، بل على فكرة أساسية: احترام التقويم الاقتصادي كشرط لأي استثمار طويل الأمد.

المفارقة أن حكومة تعمل في ظروف أعقد اقتصادياً تحافظ على هذا الفصل، بينما تُدار فعالية تجارية في إقليم يتمتع باستقرار نسبي بمنطق ردّ الفعل والضغط اللحظي. هذه ليست مقارنة قيم، بل مقارنة في إدارة الاقتصاد.

إلغاء المعرض لم يضرب فعالية واحدة فقط، بل ضرب مبدأ الاستقرار نفسه. الرسالة التي وصلت إلى السوق واضحة: أي نشاط اقتصادي يمكن أن يكون التالي. هذه رسالة يجب أن تقلق كل رجل أعمال في الإقليم، لأن الاستثمار في بيئة قابلة للتجميد بقرار مفاجئ ليس استثماراً آمناً، بل مخاطرة مفتوحة.

وهنا تبرز مسؤولية القطاع الخاص في إقليم كردستان العراق. رجال الأعمال معنيون اليوم بمخاطبة حكومتهم بوضوح وصراحة: هذا النوع من القرارات غير مسؤول اقتصادياً، يضر بثقة السوق، ويخلق سوابق خطيرة. الصمت هنا لا يُفهم حكمة، بل يُقرأ قبولاً.إذا لم يُواجَه هذا المسار الآن، فسيتكرر. اليوم معرض، غداً شركة، بعده قطاع كامل. هذا ليس سيناريو افتراضياً، بل مسار بدأ بالفعل.

السوق في أربيل ودهوك والسليمانية مليء بالمنتجات التركية، ولم تُلغَ معارضها رغم كل التوترات المعروفة. السبب ليس أخلاقياً، بل اقتصادياً: لأن هناك مصالح منظمة تضغط وتحمي تقويمها الاقتصادي. وهذا بالضبط ما يحتاجه القطاع الخاص في الإقليم اليوم، الدفاع عن التقويم الاقتصادي قبل الدفاع عن أي منتج بعينه.

المنتجات السورية تشكّل عنصر توازن سعري، وكابح احتكار، وخياراً واقعياً للمستهلك. إقصاؤها لا يخدم قضية، بل يضعف المنافسة ويرفع الأسعار. وهذه حقيقة يعرفها كل تاجر في الإقليم، حتى لو لم تُقل علناً.

الاقتصاد لا يُدار بالعاطفة، ولا يُحمى بالشعارات. وإذا لم يتحرك رجال الأعمال في إقليم كردستان العراق اليوم للدفاع عن قواعد السوق واحترام التقويم الاقتصادي، فإنهم غداً سيدافعون عن مصالحهم كلٌّ على حدة، بعد أن يصبح القرار الانفعالي هو القاعدة لا الاستثناء.

————————

=======================

تحديث 11 كانون الثاني 2025

————————-

ما بعد الأشرفية والشيخ مقصود/ عبسي سميسم

11 يناير 2026

تشكّل سيطرة الحكومة السورية على حيّي الأشرفية والشيخ مقصود شمال شرقي محافظة حلب، نقطة تحوّل مهمة على أكثر من مستوى، فانتزاع السيطرة على هذين الحيّين من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي كانت تسيطر عليهما، يشكّل عامل استقرار اقتصادي واجتماعي لمحافظة حلب، التي بقيت طوال الفترة الماضية محكومة بالنزاعات الأمنية، بين عناصر “قسد” وقوات الأمن في حلب، بالإضافة إلى عمليات القنص التي كانت تستهدف المناطق المجاورة للحيين، والتي كانت تتسبب بين الحين والآخر بسقوط قتلى وجرحى من المدنيين، وتتسبب بحالة من الذعر للسكان. كذلك كانت التوترات الأمنية تسبب شللاً جزئياً للحياة الاقتصادية في محافظة حلب التي تعتبر عاصمة سورية الاقتصادية، وتشكل عاملاً منفراً للاستثمارات لما كان ينتج منها من قطع لبعض الطرق الدولية.

أما على مستوى تطبيق اتفاق مارس/ آذار الخاص بدمج “قسد” مع الحكومة السورية، فإن من شأنها إعادة الحيّين أن تسحب بعض ذرائع المظلومية التي كانت تنادي بها “قسد” باسم أبناء هذين الحيّين (من اتهامات بالحصار وتجويع السكان ومنع الخدمات عنهم)، ولكنه في المقابل قد يفتح الباب على فوضى أمنية فيهما بسبب وجود سكّان مؤيدين لـ”قسد”. كذلك فإن السيطرة على هذين الحيّين من شأنها أن تسّهل عملية سيطرة القوات الحكومية على ما تبقى من مناطق سيطرة “قسد” في مناطق غرب نهر الفرات، انطلاقاً من بلدة دير حافر التي سيطرت عليها “قسد” بعد سقوط نظام بشار الأسد، لتبقى المفاوضات بين الطرفين محصورة على مناطق شرق نهر الفرات.

كل ذلك يجعل من السيطرة على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، عاملاً مساعداً على تسريع إنجاز اتفاق مارس بالطرق السياسية في ما لو نجحت الحكومة في التعاطي مع سكان هذين الحيّين. أما في حال تسويق هذه العملية بكونها انتصاراً عسكرياً وسياسياً على “قسد”، واتّباع خطاب تصعيدي، فإن من شأن ذلك أن يطيح المفاوضات ويدخل البلاد في موجة عنف جديدة تحصد المزيد من أرواح السوريين، مع الأخذ بالاعتبار أن العامل الرئيسي في قبول أو تعنت “قسد” بتطبيق بنود الاتفاق يرتبط بمستوى الضغط الأميركي ونوعه، الذي قد يمارس عليها. فواشنطن لا تزال حتى الآن تأخذ دور الميسّر في المفاوضات، ولا تزال تمتنع عن ممارسة ضغوط، من شأنها الوصول إلى تطبيق اتفاق، الكثير من بنوده تحمل الكثير من التأويلات.

العربي الجديد

————————–

هل كسب الشرع المعركة في حلب؟/ فاطمة ياسين

11 يناير 2026

تعكس المعارك التي اندلعت الأسبوع الماضي في بعض أحياء حلب المسيطَر عليها من عناصر تابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) تعثراً في مفاوضات حكومة دمشق مع هذا التشكيل. وفي الوقت نفسه، خاضت القوات الحكومية تجربة مهمة، وسبر قادة الجيش قوة “قسد” الموجودة في المنطقة، وهو جزء هام من المعلومات المطلوب معرفتها، ربما تمهيداً لخطوة أخرى أكبر، خصوصاً أن جلسات المفاوضات بين الطرفين منذ توقيع الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد”، مظلوم عبدي، اتفاق مارس (2025)، لم ينتج منها الكثير. وهذا ينذر بترجيح خيار الاقتتال، رغم التفاؤل الكبير الذي ما زال المبعوث الأميركي توم برّاك يبديه، وتجلى في بيان أصدره بشأن الهدنة في أحياء حلب قبل يومين، شكر فيه الطرفين المتقاتلين.

كانت معركة حلب ذات أهمية من الناحية السياسية، فقد كشفت عن المواقف الدولية، خصوصاً أن سورية وما يجري فيها، تحت بؤرة المنظار الدولي، وقد جاهدت دول الإقليم بمساندة واضحة من الولايات المتحدة، لتمكين حكومة الشرع من ممارسة مهامّها على كل التراب السوري. وجاءت المعركة في أحياء حلب التي تسيطر عليها “قسد” تجربة اختبارية لرد الفعل عما يمكن أن يحدُث إذا توقفت المفاوضات، أو وصلت إلى طريق مسدود. غيّرت الحكومة السورية، أخيراً، لهجتها تجاه “قسد”، وأصبحت أكثر حدّة، ووجهت عبر مسؤوليها على القنوات الرسمية اتهاماتٍ مباشرة لـ”قسد”، وهو موقف يمكن اعتباره تطوّراً “تفاوضياً” بمعنى ما، فيما حاولت “قسد”، رغم ردّها المتشنج والرافض دخول القوات الحكومية إلى حيّي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، لكنها حافظت على دعوتها إلى إنهاء الخلاف بالطرق السياسة، وشدّدت على أن وجودها بهذا الشكل العسكري ضمن الحيّين جاء نتيجة تفاوضٍ سابق. يمكن أن يُبنى على هذا السجال موقفٌ سياسيٌّ جديد، ترفع فيه الحكومة السورية سقف مطالباتها، وتخرج من طَور الصبر إلى التعجيل بطلب تنفيذ حلٍّ يقترب كثيراً من مقاربتها، خصوصاً أنها نجحت، خلال معركة قصيرة في حلب، لم تُرَق فيها دماء كثيرة، وقدّم فيها الجيش السوري مثالاً جيداً لتصرّفاته العسكرية وطريقة تعامله مع المدنيين.

حافظت تركيا على موقفها المتشدد من “قسد”، وصعّدت لهجتها أخيراً، وذهبت إلى حد التهديد بالدخول طرفاً في المعركة إن طلبت الحكومة السورية منها هذا، وهو تصريح يقوّي موقف الشرع، فيما وقفت أميركا بين الطرفين مع ميل واضح نحو تأييد الحكومة، فأكد الرئيس ترامب أن سورية تسير في اتجاه النجاح، منتظراً ما سمّاها نهاية الأزمة، لكنه لم يشر صراحة إلى رفع اليد عن “قسد”، شريكة الولايات المتحدة في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ولم يُبدِ المبعوث برّاك امتعاضاً من المواجهة الهادفة إلى خروج مقاتلي “قسد” من حلب.

رافقت معركةَ حلب زيارةُ المجلس الأوروبي الرئيس الشرع، لإبداء دعم سورية وتعافيها، واتصال هاتفي من الرئيس الفرنسي، ماكرون، مؤكّداً دعمه، فيما جاء الموقف الإسرائيلي متوقّعاً بالوقوف ضد العمليات العسكرية السورية، فإسرائيل تحاول أن تكثف الضغط على حكومة الشرع، لينجز اتفاقاً معها بطريقةٍ تحفظ فيها تفوقها الكبير في الجنوب. وبقيت روسيا صامتة تماماً من دون أية ردّة فعل خلال المعركة. أما الأمم المتحدة، الجهة الواقعة في حالة قلق دائمة، فقد عبّرت مرّة جديدة عنه في خضم المعارك التي جرت، من دون أن يكون لقلقها تأثير في النتيجة. ويمكن القول إن فعاليتها تجاه ما يجري محدودة جدّاً، وحتى مبعوثها إلى سورية الذي شغر منصبه في سبتمبر/ أيلول الماضي، تمهلت في تعيين خلف له، حتى جاء كلاوديو كوردوني، ولم يباشر عمله إلا بداية العام من دون أن يصدر عنه شيءٌ يذكر.

تبدو حكومة الشرع في وضع جيد، وخلفها مساندة كبيرة تجاه ملف “قسد”، وقد أظهرت معارك حلب أسلوباً يمكن اعتماده لغلق هذا الملف، وقد تُطبَّق نسخة عنه بالتدريج على مناطق شرق الفرات.

العربي الجديد

———————————-

 بعد مواجهات حلب.. ما مصير اتفاق مارس بين دمشق وقسد؟

مع انتهاء الاشتباكات في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمحافظة حلب السورية بين مقاتلين أكراد والجيش السوري، عادت التساؤلات لتلف مصير اتفاق مارس المبرم بين الرئيس السوري أحمد الشرع ومظلوم عبدي قائد “قسد” مرة أخرى.

ورغم المواجهات المسلّحة التي دامت لقرابة أسبوع في حلب، أكّد المبعوث الأميركي توماس برّاك مساء أمس التزام دمشق باتفاق مارس وأبريل.

فهل هذا يعني عودة التفاوض بين الجانبين لاسيما بعد إعلان قائد “قسد” عن هدنة بوساطة دولية قضت بسحب قواته من حلب؟

في السياق، رأى 3 محللين أميركيين أن مواجهات حلب ستساهم بطريقة أو أخرى في العودة إلى اتفاق مارس مجدداً، ووضع حلول طويلة الأمد خشية من اندلاع اشتباكات محتملة ثانية.

ضغط من براك

وقالت كارولين روز كبيرة باحثي معهد نيو لاينز الأميركي للعربية.نت/الحدث.نت: “بعد الاشتباكات العنيفة في حلب، يقع على عاتق الولايات المتحدة واجبٌ حتميٌّ لتهدئة الوضع والدفع نحو تنفيذ اتفاق 10 آذار”.

كما رأت أن “مهمة براك ستكون بالضغط على الجانبين ليس فقط للحفاظ على وقف إطلاق النار، بل لكسر الجمود بشأن الاندماج وخلق توافق طويل الأمد لتوحيد القوات المسلحة” في البلاد في إشارة منها إلى دمج “قسد” ضمن الجيش السوري.

من جهته، قال ارون ستاين، مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد أبحاث السياسة الخارجية في فلاديلفيا للعربية.نت/الحدث.نت إن “سوريا تواجه تحدياً كبيراً، فالأكراد متشككون للغاية في السلطة السورية، ويتباطأون في الاندماج، وهو مصطلحٌ غامض التعريف”.

“مزيد من المشاكل”

ورجّح المحلل الأميركي أن تواجه مسألة دمج “قسد” في الجيش المزيد من التحديات. وأضاف قائلاً “أظن أننا سنرى المزيد من المشاكل قبل أن تُحسم التفاصيل بشكلٍ نهائي”.

كما رأى أن “الولايات المتحدة ستوضح لكلا الجانبين ضرورة وجود أدلة ملموسة على اندماج قوات قسد في الجيش السوري وفقاً للخطة”.

“بناء الثقة”

لكن للباحث الأميركي نيكولاس هيراس قراءة أخرى، حيث قال إن تنفيذ اتفاق مارس يتطلب في البداية “بناء الثقة أولاً”.

وأضاف للعربية.نت/الحدث.نت أن “هذه العملية لا يمكن تنفيذها بسرعة فائقة، لذلك ستسعى الولايات المتحدة جاهدة لتنفيذ كامل الاتفاق، ولكن من المرجح أن تقبل بتنفيذ بطيء وثابت ومستدام مع اتخاذ تدابير لبناء الثقة”.

وكان قائد “قسد” أعلن في وقت متأخر من ليل أمس السبت التوصل لهدنة بوساطة دولية في حلب بعد اشتباكات دامت لأيام بين مقاتلين أكراد والقوات السورية في ثاني أكبر مدن البلاد.

يذكر أن اتفاق مارس بين دمشق و”قسد” يحظى بدعمٍ أميركي وفرنسي، وقد نص على دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش، والاعتراف بالمكون الكردي ضمن النسيج السوري الموحد.

————————–

 الشيخ مقصود والأشرفية.. هل خسارة حيَّين تعني نهاية “قسد”؟

الأحد 2026/01/11

في مشهد يتجاوز حدود حيين سكنيين، باتت معركة الشيخ مقصود والأشرفية شمالي حلب علامة فارقة في مسار الصراع السوري الداخلي، لا سيما في العلاقة بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

لم تعد الحادثة مجرد اشتباك موضعي، بل تحولت إلى اختبار استراتيجي لاتفاقات سابقة، ولنوايا الأطراف المحلية والدولية على حد سواء.

وما يجري اليوم في حلب يُراقب بدقة من الجزيرة السورية، حيث تترقب “قسد” ودمشق نتائج هذه المواجهة استعداداً لما بعد حلب.

الحيّان اللذان يطلان على شريان اقتصادي حيوي يتمثل بطريق الكاستيلو ومنطقة الليرمون الصناعية، كانا تحت سيطرة “قسد” منذ سنوات الصراع على مدار 14 عاماً في سوريا، ليشكّلا نقطة احتكاك دائمة مع الدولة السورية.

التصعيد الأخير، الذي بدأت دمشق بتسويغه بـِ “الحفاظ على الأمن ومنع النشاطات المسلحة”، أدى إلى خسارة “قسد” لهذين الحيين، بعد عمليات عسكرية محدودة لكنها دقيقة، رافقتها ممرات إنسانية لخروج المدنيين.

انهيار “قسد”؟

يرى محللون أن خسارة “قسد” للشيخ مقصود والأشرفية لا تعني بالضرورة انهيارها العسكري أو السياسي في مناطق سيطرتها الباقية شرق الفرات، فقواتها ما زالت تمتلك بنية تنظيمية وعسكرية قوية، ومدعومة أميركياً في مناطق النفط والغاز.

وقال الحقوقي والسياسي الكردي خالد جبر، المقيم في مدينة القامشلي لـِ “المدن”: “من منظور موضوعي، الجواب هو لا، لأن خسارة مواقع محددة مهما كانت رمزيتها، لا تعني بالضرورة انهيار بنية عسكرية أو سياسية بحجم قسد. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات على أن ما جرى في حلب أحدث خلخلة جوهرية في مناطق سيطرة قسد الأخرى”.

وفي رد على سؤال: هل ينعكس ذلك على وضع الأكراد في سوريا؟ أجاب: “ما جرى في حلب يسلّط الضوء على هشاشة بعض الترتيبات المحلية، لكنه لا يلغي حقيقة أن القضية الكردية أصبحت جزءاً ثابتاً من النقاش حول مستقبل سوريا، ولكنّ التأثير الأساسي سيكون سياسياً ومعنوياً، ويتوقف على كيفية إدارة المرحلة المقبلة، لا على الحدث بحد ذاته”.

الأهم من ذلك، وفق جبر، أن هذه الخسارة قد تُضعف موقف “قسد” التفاوضي بشأن مستقبلها في إطار اتفاق 10 آذار/ مارس، الذي نص على دمج 60 ألف مقاتل ضمن الجيش السوري، مقابل تسليم الموارد النفطية للدولة السورية، فتعثّر هذا الاتفاق، خصوصاً في بند الدمج، دفع دمشق إلى استخدام القوة المحسوبة لإعادة فرض المعادلة.

وأضاف: “تبدو دمشق متمسكة بسياسة النفس الطويل؛ أي تحقيق مكاسب تدريجية، من دون الانجرار إلى مواجهات شاملة، وهذه المقاربة تعتمد على استنزاف الخصم سياسيًا، وخلق وقائع تفاوضية جديدة”. ورأى أن السيناريوهات المتوقعة تشير إلى أن المرحلة المقبلة ستتسم بضبط إيقاع الصراع بدلاً من توسيعه.

خيارات الطرفين السياسية

ووفق خبراء، فإن الحكومة السورية تملك الآن ورقة قوية؛ إذ أثبتت قدرتها على إدارة التصعيد بدون الانجرار إلى حرب شاملة، وأظهرت أنها لن تسمح بوجود “كيانات موازية”، وبالتالي فإن خيارها السياسي واضح (دمج قسد) ضمن مؤسسات الدولة أو تفكيكها عبر الضغط الميداني.

ورجّح شكري شيخاني، عضو المجلس العام لـِ “مسد”، في حديثه لـِ “المدن”، أن يكون هناك مجلس محلي مدني يقوم بإدارة شؤون حيي الشيخ مقصود وخروج قوات الأسايش والأمن العام التابع للحكومة الانتقالية، وذلك وفق التوافق الذي تم في عمان بين المبعوث الأميركي توم باراك ووزير الخارجية الاردنية أيمن الصفدي، وفق رأيه.

وأعرب عن اعتقاده بأن المعركة خارج حلب لن تتوسع إذا ما تم حسم الأمور سلمياً داخل المنطقة.

وأكد أن خيارات الطرفين “سياسياً” هي الالتفات الجدي الى تطبيق بنود 10 آذار، واصفاً الاتفاق بأنه “طوق النجاة لكل سوريا”.

وبيّن أن “قسد غير موجودة في الشيخ مقصود والأشرفية، وإنما الموجود فقط هي قوات الأسايش، وذلك حسب الاتفاق الذي تم توقيعه في نيسان/ أبريل الماضي والذي تم بموجبه سحب قوات قسد”، وقال: “هذا لا يعني أي تبدل بالنسبة لأحياء الشيخ مقصود والأشرفية عسكرياً أو أن يكون انهياراً لقسد”.

ما بعد الشيخ مقصود والأشرفية ليس كما قبله

تراقب الجزيرة السورية الرسالة التي أوصلها هجوم حلب بحذر، وهي تدرك أن مستقبلها مرتبط بما ستسفر عنه مواجهة حلب، ليس عسكرياً فحسب، بل سياسياً واستراتيجياً.

وأوضح الباحث في مركز الحوار للدراسات، محمد سالم، في حديثه لـِ “المدن”، أن ما جرى شكّل اختباراً ميدانياً تراقبه الجزيرة السورية عن كثب، بانتظار ما ستؤول إليه نتائج المواجهة بين “قسد” ودمشق.

ورأى أن “خسارة حيين في حلب لا تعني انهيار قسد بالضرورة، لكنها كشفت بوضوح محدودية قدرتها على القتال من دون غطاء أميركي، وغياب الجدوى العسكرية من الاستمرار في المواجهة”.

واعتبر أن التوسع العسكري الواسع خارج حلب غير مرجّح حالياً، لكن المرجّح هو انتقال الصراع إلى مسار تدريجي، يقوم على محاولة دمشق رفع أو تخفيف الغطاء الأميركي عن مناطق استراتيجية، وبدء سياسة قضم تدريجي، خصوصًا في مناطق مثل دير الزور وحقول النفط.

ولفت سالم إلى أن خيارات “قسد” تضيق بين إعادة التموضع أو القبول بتسويات جزئية، بينما تسعى دمشق لاستثمار التفوق الميداني سياسياً، مع تجنّب مواجهة مباشرة مع واشنطن.

المدن

——————–

قسد” بين الاندماج والصراع.. مراكز متشددة تسيطر على قرار التنظيم/ عاصم الزعبي

يناير 11, 2026

أعلنت الحكومة السورية، يوم السبت، عبر هيئة العمليات العسكرية في الجيش السوري، أن العمليات العسكرية في حي الشيخ مقصود توقفت عند الساعة الثالثة بعد الظهر، وأنه سيتم ترحيل مسلحي تنظيم “قسد” المتحصنين في مشفى ياسين باتجاه مدينة الطبقة، مع سحب أسلحتهم. كما سيبدأ الجيش بتسليم جميع المرافق الصحية والحكومية إلى مؤسسات الدولة، وينسحب تدريجيا من شوارع حي الشيخ مقصود.

وجاءت تصريحات الحكومة بعد أربعة أيام من عمليات عسكرية كانت أقرب إلى الطابع الأمني منها إلى الطابع الحربي، عقب استنفاذ كل الطرق لتطبيق اتفاق نيسان حول الأحياء في حلب، إلا أن تنظيم “قسد” أبى إلا أن يستمر في التحرك بشكل عسكري، ما أدى إلى سقوط ضحايا من المدنيين، ومن الجيش والأمن الداخلي في محيط الأحياء.

تطورات تدريجية

لا يمكن اعتبار ما جرى في مدينة حلب الصورة الكاملة للعلاقة بين الدولة السورية وتنظيم “قسد”، فما حدث في المدينة هو انعكاس لمسار كامل كان من المفترض أن يتطور تدريجيا خلال الأشهر الماضية، للوصول إلى دمج كامل للقوات التابعة لتنظيم “قسد” في الجيش السوري، ودمج المؤسسات الخاصة بالإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية.

ومنذ توقيع اتفاق آذار قبل نحو عام، بدأ تنظيم “قسد” بالمماطلة والتسويف وخلق الذرائع للتنصل من الالتزامات التي تم الاتفاق عليها، والتي كان من المفترض إنجازها مع نهاية عام 2025.

وخلال الفترة الماضية، حملت تصريحات مسؤولي التنظيم كل أنواع التناقضات، ولم تكن هناك جهة محددة تقدم رؤية واضحة لما ستؤول إليه الأمور، وهو ما أظهر لاحقا بصورة جلية صراع أجنحة داخل التنظيم نفسه: جناح يريد الاندماج مع الدولة السورية، وجناح يرفض ذلك لمصالح تتعلق باستمرار الاستيلاء على الثروات في الجزيرة السورية، إضافة إلى استمرار توظيف هذا الواقع لتحقيق مصالح إقليمية تستهدف ضرب استقرار الدولة السورية. وهذا ما لا يمكن القبول به، في ظل تعهد الدولة السورية بإرساء الاستقرار والعيش بسلام لجميع المكونات السورية دون أي تمييز.

وخلال الأشهر الماضية جرت جولات تفاوضية عديدة بين الطرفين، لم ينتج عنها فعليا أي تقدم على الأرض، وأظهرت نتائجها وجود فكر متشدد لدى جناح داخل التنظيم كان رافضا لكل أنواع الحلول مع الدولة السورية.

ومن جانبها، أبدت الدولة السورية مرونة عالية وصبرا كبيرا خلال التفاوض، إلا أن التنظيم فجّر الأوضاع ميدانيا في حلب، بهدف استغلال المدينة والأحياء المكتظة بالسكان كورقة ضغط في وجه الحكومة، والعمل على تصنيع مظلوميات عبر الإشاعات التي أطلقها تحت مسمى “إبادة الكرد”، سعيا لاستجلاب تدخل دولي. وقد ساعده في ذلك أطراف إعلامية وجهات تدعي العمل الحقوقي، أثبتت عدم مسؤوليتها وعدم تعاملها بحياد وموضوعية، قبل أن تُثبت الوقائع أن ما جرى تداوله لم يكن أكثر من إشاعات.

الكرد مكون سوري أصيل

لم تتعامل الحكومة السورية، بعد سقوط نظام الأسد المخلوع، مع الكرد إلا بوصفهم مواطنين سوريين، لا فرق بينهم وبين أي مواطنين آخرين. ولا يزال خطاب الحكومة، بكل مسؤوليها وعلى رأسهم الرئيس أحمد الشرع، يؤكد أن المجتمع الكردي مكون وطني واجتماعي أصيل في المجتمع السوري، وأن مسألة حقوق الكرد المتعلقة بهويتهم وحقوقهم مسألة ثابتة غير قابلة للنقاش، وأن ما يدور في المفاوضات التي كانت تتم مع تنظيم “قسد” الذي يحاول احتكار القرار عن الكرد، يرتبط بالخيارات السياسية والتنظيمية لا بالحقوق الأساسية.

كما أن خطابات الحكومة وسياساتها واضحة تجاه المكون الكردي السوري، وتأتي للتأكيد على أهميته كمكون سوري. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال المكالمة التي جرت بين الرئيس أحمد الشرع ورئيس إقليم كردستان العراق السابق مسعود البرزاني، حيث أكد الرئيس الشرع أن الكرد في سوريا مكون أصيل وأساسي من الشعب السوري، وأن الدولة السورية ملتزمة بضمان كامل حقوقهم الوطنية والسياسية والمدنية على قدم المساواة مع باقي أطياف الشعب السوري دون أي تمييز.

ويعكس هذا الاتصال أهمية من جانبين أساسيين: الأول، التأكيد على ضمان حقوق الكرد كمكون سوري أصيل. والثاني، أن الدولة السورية هي الأولى بمواطنيها، تأمينا وحماية، دون أن يكون هناك أي تدخلات أخرى.

التحولات السياسية بعد حلب

ما جرى في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب شكل اختبارا حقيقيا للعلاقة السياسية بين الحكومة السورية وتنظيم “قسد”.

فقد جاءت الأحداث في حلب بعد التعثر الأخير في المفاوضات بين الطرفين مع نهاية مهلة تطبيق اتفاق آذار بنهاية عام 2025، وبعد التصعيد الذي بدأه التنظيم في المدينة باستهداف النقاط الأمنية والعسكرية، واستهداف المدنيين عبر القناصين والمسيرات ومدافع الهاون.

والتصعيد في حلب لم يكن مرتبطا بتعثر المفاوضات فقط، بل هو تصعيد مستمر منذ نحو ثلاثة أشهر، هدفه الضغط على الحكومة من جهة، ومحاولة التوسع داخل المدينة خارج نطاق حي الشيخ مقصود والأشرفية من جهة ثانية.

ويمثل هذا التصعيد جزءا من السياسة العامة لمراكز التشدد داخل البنية القيادية للتنظيم، والتي يمثلها جناح “حزب العمال الكردستاني”، والذي بات يشكل العقبة الرئيسية أمام الاستقرار والتوصل إلى أي حلول واقعية.

وقد بات واضحا اليوم أن هذا الجناح يفرض سيطرته على قرار تنظيم “قسد”، ويشكل عنصرا ضاغطا داخل بنيته التنظيمية ينسف أي مسار سياسي قابل للحياة بوجوده. وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة التنظيم، بتنوعه التنظيمي والقيادي، على التخلص من هذا الجناح، بما قد يفضي إلى معالجة هذا الرابط الإشكالي الذي يتسبب بتعطيل كل أنواع الحلول.

وكل ذلك يقود إلى خلاصة مفادها أن تنظيم “قسد” يسعى إلى الفوضى لا إلى الحل، وأنه يعمل على بناء منظومة للفوضى لا يقتصر أثرها على الجزيرة السورية وحلب، بل امتد فعليا إلى مناطق أخرى من الساحل، بما يخدم جهات إقليمية تسعى لتكريس الانقسام في سوريا وإضعافها.

حرب الإشاعات تنعكس على “قسد”

لطالما اتبع تنظيم “قسد”، عبر أذرعه الإعلامية الخاصة أو ناشطيه المرتبطين به، وحتى عبر بعض الجهات الإعلامية التي تتبنى وجهة نظره دون تحقق، سياسة إعلامية تقوم على الإشاعة بوصفها أداة حرب تُستخدم بما يخدم التنظيم: مرة لإظهار أنه يريد الحلول مع الدولة السورية التي يتهمها بالتهرب من استحقاقاتها، ومرة أخرى لتصوير ما يتعرض له الكرد السوريون من ظلم، وتقديم نفسه على أنه الضامن الوحيد لهم والقادر على حمايتهم، إضافة إلى ترويج سردية أنه الجهة التي تحارب “إرهاب” تنظيم داعش.

هذه السردية التي حاول تنظيم “قسد” الترويج لها لسنوات بدأت تنكشف على حقيقتها التي تعاكس ما يحاول تصويره تماما، وجاءت الأحداث الأخيرة في حلب لتنسفها بصورة كاملة.

فقد عمد التنظيم إلى نشر إشاعات تهدد السلم الأهلي عبر التركيز على سردية “الإبادة” التي يتعرض لها الكرد على يد الدولة السورية، في حين أثبتت الوقائع بوضوح أن هدف الدولة السورية كان تأمين الحماية الكاملة للكرد، وتخليصهم من الانتهاكات التي كانوا يتعرضون لها يوميا على يد عناصر التنظيم في المدينة، وهو ما ينسحب على مناطق أخرى شرقي حلب وفي الجزيرة السورية.

كما أن ما أنجزته الدولة السورية دفع بالتنظيم إلى إنهاء كل ما كان يدعيه من العمل من أجل الحريات، بما فيها الحرية الإعلامية، عندما استهدف مبنى الإعلام في مدينة حلب بمسيرة إيرانية الصنع، خلال وجود وزراء الإعلام والشؤون الاجتماعية والعمل ومحافظ حلب في مؤتمر صحفي لتوضيح مجريات ما حدث وما ستكون عليه الأوضاع لاحقا.

وأثبت هذا الاستهداف، بشكل قاطع، أن تنظيم “قسد” يسعى لإسكات صوت الإعلام ومنع الحقيقة من الوصول للعالم، كما عكس انهيار منظومته التي باتت أقرب إلى منظومات “الميليشيات” التي تمارس أنماطا متعددة من الإجرام بحق المدنيين، والكوادر الإعلامية والطبية، والمنشآت المدنية.

وفي المحصلة، فإن ما تقوم به الدولة السورية اليوم ليس صراعا على سلطة أو تنازعا على نفوذ مناطق، بل دفاع عن الهوية السورية الجامعة التي لطالما ضمت كل المكونات السورية في مختلف المناطق. وهو دفاع يقف في وجه مشاريع تفكيك سوريا وتفتيتها، والتعامل معها كتركة تسعى بعض الأطراف للسيطرة على أجزاء منها بالقوة، عبر تزوير التاريخ والجغرافيا ومحاولة تقديم ما يجري بوصفه أمرا واقعا.

الثورة السورية

————————

حلب.. حروب الخوف والتعنت/ أحمد عسيلي

بدأت، كما كان متوقعًا، حرب بين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والسلطة السورية، حرب كان كثيرون يأملون تجنبها، لكن كثيرين كانوا يدركون، ولو بالحدس، صعوبة تفاديها، فالتراكمات السياسية، وانسداد مسارات التسوية، وتبادل الشكوك حول النيات والضمانات، بالإضافة إلى وجود أطراف كثيرة لا ترغب بالتسوية كل لأسبابه الخاصة، جعلت المواجهة احتمالًا مرجحًا أكثر من كونها مفاجأة.

وإذا كانت المعارك على الأرض تدور في حلب، وخاصة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية ذوي الأغلبية الكردية، إلا أن أثر هذه الحرب لم يبقَ عسكريًا فقط، فمع القتال وسقوط الضحايا، انتقلت المواجهة سريعًا، كالعادة، إلى وسائل التواصل الاجتماعي ثم إلى الإعلام، بل واقتحمت المجتمع ككل، لتؤثر على بنية العلاقات الاجتماعية، وبدأت تتشكل معركة موازية في الخطاب واللغة والمواقف، تُرافق المعارك على الأرض وتمنحها معنى وتبريرًا.

في هذا المستوى، لا تعكس الحرب فقط صراعًا سياسيًا أو عسكريًا، بل تعيد إظهار سلسلة من الاختلالات والآليات النفسية التي رافقت المسار السوري طوال سنوات، وأسهمت تدريجيًا في الوصول إلى هذه اللحظة، من هنا، يصبح من الصعب فهم ما يجري دون التوقف، ولو قليلًا، عند البعد النفسي للصراع، لا بوصفه بديلًا عن التحليل السياسي، بل بوصفه مستوى مكملًا يشرح كيف تُدار المخاوف، وكيف تُبنى المواقف، وكيف يتحول الخلاف إلى استعصاء.

وأكثر ما يلفت النظر هنا كأحد هذه الاختلالات النفسية، هو نفي شرعية قلق الطرف الآخر، فكل طرف يتعامل مع خوفه بوصفه الخوف الوحيد الواقعي والعقلاني، فيما يُجرَّد خوف الخصم من المشروعية ويُقدَّم كذريعة أو مبالغة أو مناورة سياسية، من جهة، يرفض كثير من الأكراد تسليم سلاحهم لسلطة يرون، بحكم الذاكرة والتجربة الخاصة، أنها قد تنقلب عليهم إذا باتوا بلا حماية، وسواء كان هذا الخوف واقعيًا بالكامل أم مبالغًا فيه، فهو خوف مُعاش ومنظَّم نفسيًا، لا يمكن شطبه بخطاب أو وعود. لا ينفي كثيرون أن “قسد” ليست نموذجًا أخلاقيًا، و قد مارست بالفعل انتهاكات خطيرة، لكن المقارنة هنا لا تُجرى أخلاقيًا بقدر ما تُجرى وجوديًا: هذه إدارة نعرفها ونحسب مخاطرها، في مقابل سلطة نخشى عواقبها، المنطق ذاته نجده لدى أنصار السلطة، الذين قد يقرّون بالتجاوزات التي ارتُكبت خلال هذه السنة، لكنهم يرون فيها أيضًا أفضل المتاح.

المشكلة لا تكمن في هذا الاختيار الدفاعي بحد ذاته، بل حين يتحوّل إلى إنكار كامل لحق الطرف الآخر في القلق، وكأن الخوف يُقيَّم أخلاقيًا لا يُفهم نفسيًا.

من هذا الإنكار، ننتقل إلى مستوى نفسي أعمق، يتمثّل في التعنّت بوصفه آلية دفاع نفسية، فرفض أي خيار بديل، وتجريم مجرد التفكير بقبول بعض التنازلات، لا يعكسان قوة موقف بقدر ما يعكسان خشية من الانكشاف ومن مواجهة هشاشة هذا الموقف، التعنت هنا يعمل كحصن نفسي يحمي صاحبه من الانهيار الداخلي، ويمنعه من الاعتراف بأن الواقع لا يسمح بانتصار كامل أو بحلول نقية، يشبه ذلك، نفسيًا، صاحب التدين الهش، فهو يرفض دائمًا رؤية مباهج الدنيا، لا زهدًا خالصًا بل خوفًا من ألا يصمد إيمانه أمام الإغراء، الرفض القاسي للآخر، في هذه الحالات، لا يكون دليل قوة، بل علامة ضعف، و خوف من التشتت، وأيضًا محاولة للبقاء في منطقة أمان نفسية ضيقة.

ومع تعمّق هذا التعنت، تظهر آلية أكثر خطورة، لا تقوم على نفي الإنسانية بشكل مباشر، بل على إزاحتها عبر اختزال الآخر في صفة واحدة تُمنَح هوية كاملة، في الخطاب السائد، لا يُقدَّم الخصم بوصفه بشرًا أو شريكًا في وطن، له حقوق، و لديه مخاوفه، بل وتناقضاته أيضًا (وهذه هي الطبيعة البشرية)، بل بوصفه داعشيًا، إرهابيًا، انفصاليًا، خائنًا، أو أداة للخارج سواء لتركيا أو جبل قنديل، بهذا الاختزال، يُفرَّغ الآخر من تاريخه ودوافعه ومخاوفه، ويُعاد تعريفه كـ”حالة” أو “مشكلة” يجب إنهاؤها، لا كفاعل إنساني، وشريك يجب فهمه والتفاوض معه. هذه اللغة تهدف غالبًا إلى تأمين توازن نفسي يسمح بتقبّل العنف من دون صراع داخلي، حيث يصبح القتل إجراء مبرَّرًا لا فعلًا إشكاليًا.

ومع تراكم هذه الآليات، يصل الصراع إلى ذروته، في رفض السياسة كفعل، لا تفاوض، لا حلول وسط، بل حرب ثم حرب ثم حرب، مع أن الجميع يعرف، تاريخيًا وواقعيًا، أن هذا النوع من الحروب ينتهي دائمًا بحل ما، غير أن المفارقة القاسية تكمن في أن هذا الحل غالبًا ما تتحمل تبعاته الأخلاقية القيادة الذي تقبل به، أي من يوقّع القرار ويتحمل وزره، فيما يمارس جمهور كلا الطرفين مزاودة أخلاقية بلا مسؤولية، فيبدو الرفض المتشدد أكثر نقاء، ويُقدَّم القبول بالحل بوصفه ضعفًا أو خيانة، رغم أن هذا الرفض نفسه يكون في الغالب تعبيرًا عن عجز عن تحمل التعقيد والواقعية.

في الخلاصة، لا يبدأ الخروج من دوامة هذا العنف بالسلاح ولا بالشعارات، بل بالاعتراف المتبادل بالخوف بوصفه معطى نفسيًا واقعيًا، وبالوعي بأن المزاودة الأخلاقية لم تُنهِ يومًا حربًا ولم تحمِ دمًا، ما يمكن أن يفتح أفقًا مختلفًا هو رفع شأن العقل، وشأن المسؤولية، وشأن الواقعية، وأحيانًا القبول بقرارات جريئة يتحمل وزرها من يشارك فعليًا في الحرب، سواء داخل “قسد” أو داخل السلطة، بدل استمرار حرب كاملة يدفع ثمنها الجميع.

عنب بلدي

—————————-

ما حقيقة مساهمة تنسيقات عشائرية سرية داخل “قسد” في حسم معركة حلب؟

دمشق- تمكن الجيش السوري من تمشيط حي الشيخ مقصود في مدينة حلب، وذلك عقب تعثر اتفاق لإخلائه من مسلحي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الذين ظلوا متمركزين فيه.

وقال مصدر ميداني لوسائل إعلام حكومية اليوم السبت إن قوات الجيش اعتقلت عددا من عناصر “قسد” خلال مواجهات في الحي، وصادرت أسلحة ثقيلة ومتوسطة، وكميات كبيرة من الذخائر والأسلحة الخفيفة، وعبوات ناسفة كانت معدة للتفجير. كما تمكنت من تفكيك عشرات الألغام المزروعة في شوارعه.

من جانبها، ذكرت هيئة العمليات في الجيش السوري لوكالة سانا اليوم السبت أن “الخيار الوحيد المتبقي أمام العناصر المسلحة في منطقة الشيخ مقصود هو تسليم أنفسهم وسلاحهم فورا لأقرب نقطة عسكرية، مقابل ضمان حياتهم وسلامتهم”.

انشقاقات واسعة

وكشف مصدر عسكري رفيع المستوى في مدينة حلب للجزيرة نت عن تفاصيل حول كيفية تمكن قوات الجيش من حسم معركة حيّي الأشرفية والشيخ مقصود خلال ساعات قليلة فقط، في 8 يناير/كانون الثاني الجاري، بعد اشتباكات محدودة مع قوات سوريا الديمقراطية.

ووفقا للمصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، فإن التنسيقات السرية مع عناصر عشائرية عربية داخل صفوف “قسد” شكلت المفتاح الرئيسي للنجاح السريع، مما أدى إلى انشقاقات واسعة وتسليم أجزاء من الحيّين دون مقاومة شرسة.

وأوضح أن مجموعات من أبناء عشيرة البكارة المرتبطة بـ”قسد” منذ عام 2012، بدأت تنسيقات سرية مع “أبو أحمد” زكور مستشار الرئيس أحمد الشرع لشؤون العشائر، منذ نحو شهر.

وأشار إلى أن هذه التنسيقات، التي وُصفت بأنها “انقلاب داخلي” و”اختراق لقسد”، شملت تسهيل دخول قوات الجيش السوري من الجنوب والغرب والشمال إلى حي الأشرفية، حيث انسحب مقاتلوها أو انشقوا عن صفوفهم، مما أدى إلى سيطرة شبه كاملة على الحي خلال ساعات. كما بدأ الجيش دخول حي الشيخ مقصود، بعد أن سلّم الأهالي أجزاء منه للقوات الحكومية.

وأضاف أن هذه العناصر العشائرية، التي يوجد بعضها حاليا في دمشق تحت حماية الأمن العام، رفضت ممارسات هذه القوات “ذات الطابع الانفصالي”، وطالبت بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

إعلان

وفي تصريح للجزيرة نت، قال فراس علاوي الباحث في العلاقات الدولية إن من الضروري عدم ربط الأحداث مباشرة بعشيرة البكارة أو غيرها من المكونات المحلية، معتبرا أنها جزء من سياق أوسع. وأوضح أن هذه العناصر كانت تندرج ضمن هياكل شكلتها أطراف أخرى غير “هيئة تحرير الشام”، مع إمكانية التنسيق معها، وأن بعضها قد يكون من أبناء هذه العشيرة.

وأعرب عن عدم اقتناعه الكامل بهذه الفرضية، مبينا أن التنسيق عادة يتم قبل الإعلان عن عملية محددة التوقيت، في حين أن العملية الأخيرة لم يكن لها جدول زمني معلن مسبقا، مؤكدا أن هذا الطرح يحتاج إلى إعادة صياغة لفهم السياق بشكل أدق.

الحاضنة الاجتماعية

ورجح علاوي سيناريو مرتبطا بالحاضنة الاجتماعية في مناطق سيطرة “قسد”، التي لم تكن راضية عن تصرفات حزب العمال الكردستاني أو غيره. وأشار إلى أن أول فرصة أُتيحت أدت إلى بروز انشقاقات، محذرا من احتمال تكرار هذا المشهد في شرق سوريا، لا سيما مع تدهور الأوضاع في دير الزور والحسكة، مما قد يقود إلى انشقاقات واسعة.

وتتمثل الرؤية الأكثر دقة -في رأيه- في تحرك الحاضنة الاجتماعية نفسها، خاصة في المناطق التي شهدت صدامات سابقة مع “قسد”، مثل شرق دير الزور، حيث يمكن أن تتحرك البيئة المحلية بشكل مستقل.

وشدد علاوي على أن القضية لا تقتصر على التصعيد العسكري، بل ترتبط بتفاهمات دولية قديمة، مشيرا إلى “الرغبة التركية المتعلقة بملف السدود مقابل التمهل الأميركي، مع تموضع الحكومة السورية بين التصعيد التركي والتهدئة الأميريكة”. وتوقع أن تتجه الأمور نحو حل وسطي يقود إلى معارك مجزأة ومحدودة بدلا من مواجهات مفتوحة وشاملة.

في سياق متصل، أكد جهاد عيسى الشيخ معاون الرئيس أحمد الشرع لشؤون العشائر اليوم السبت أن الانشقاقات داخل “قسد” ساهمت في تسريع العملية العسكرية، حيث فرّ بعض المقاتلين أو انضموا إلى الجانب الحكومي. وجاء ذلك “ضمن جهود أوسع لإعادة ترتيب الأوضاع في شرق الفرات، وسط مخاوف من تصعيد جديد بين العشائر وهذه القوات”.

في غضون ذلك، استجابت فرق الدفاع المدني اليوم السبت لحريق واسع اندلع في غرف مولدات كهرباء تابعة لمخبز في حي السبيل، إضافة إلى احتراق حافلة نقل ركاب قريبة، نتيجة قصف من “قسد”. وتمكنت من إخماده دون وقوع إصابات بشرية، ووصفت الاستهداف بأنه جريمة حرب تهدف إلى حرمان المدنيين من الخدمات الأساسية.

فرط العقد

من ناحيته، قال رشيد حوراني المحلل في الشؤون العسكرية للجزيرة نت إن الإدارة السورية امتنعت منذ وصولها إلى السلطة عن استخدام ثنائية “عرب- كرد” في معالجة الإشكال المتعلق بقوات سوريا الديمقراطية. وأضاف أن “قسد” تدرك، في سلوكها وممارساتها، أنها همّشت العرب وأقصتهم عن إدارة مناطقهم، وأن التحالف الدولي طلب منها، عبر وسطاء أميركيين، تحسين علاقاتها مع العشائر العربية.

وأوضح أن مظلوم عبدي قائد “قسد” زار زعماء عشائر واجتمع معهم عدة مرات، لكن دون تحقيق تغيير ملموس. وفي ظل هذا الواقع، وبعد منح مهلة زمنية كافية لتنفيذ الاتفاق المبرم بينها وبين دمشق، أصبحت العشائر مستعدة لفرط العقد المكوّن لهذه القوات، نظرا لثقلها الاجتماعي ووجود أعداد كبيرة من أبنائها ضمن صفوفها، إضافة إلى تأييدها للدولة السورية.

إعلان

وأشار حوراني إلى أنه منذ الأيام الأولى لنجاح معركة “ردع العدوان”، خرج الأهالي في شرق الفرات مطالبين إدارة العمليات بالتوجه لتحرير مناطقهم من سيطرة “قسد”.

وأكد أن هناك احتمالا كبيرا لحدوث انشقاقات أوسع، سواء بشكل فردي أو جماعي. ففي حيي الشيخ مقصود والأشرفية قد تكون الانشقاقات ناتجة عن الرغبة في الحفاظ على الحياة في ظل ضيق الخيارات. أما في شرق الفرات، فإنها مرشحة لأن تكون أوسع نطاقا نتيجة متابعة انهيار “قسد” وتلاشي مشروعها، فضلا عن التهميش الذي تعرّض له السكان، ومحاولات تغيير عاداتهم وتقاليدهم عبر المناهج التعليمية وغيرها من الأنشطة.

ولا يرجح حوراني اندلاع حرب مفتوحة بين الطرفين، بسبب ما وصفه بانعدام الكفاءة والعقيدة والخبرة العسكرية لدى “قسد”، وهو ما ظهر جليا في آخر عملية دفاعها عن الحيين، حيث بدت مكشوفة كليا.

ويأتي هذا التطور في ظل تعثر اتفاق 10 مارس/آذار 2025 الذي كان يهدف إلى دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري. وأدى إلى إجلاء عشرات الآلاف من المدنيين عبر ممرات آمنة، مع إعلان الجيش هذه الأحياء “مناطق عسكرية مغلقة” لضمان سلامتهم.

المصدر: الجزيرة

————————

حرب مسيرات أشعلت معارك حلب… والفتيل إيراني/ مصطفى رستم

تبادل طرفا النزاع الاتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين

السبت 10 يناير 2026

بات الاعتماد على المسيرات بصورة متزايدة من خلال الرصد والاستطلاع أو من خلال تنفيذ عمليات انتحارية أو قصف مواقع أمنية وعسكرية من كلا الطرفين، وأعلن مصدر في وزارة الدفاع السورية إطلاق مسيرات تابعة للجيش رصدت تحركات لعناصر قال إنها تتبع لـ”قسد” وحزب العمال الكردستاني، وكشفت المسيرة تجاوزات تلك القوى، ولا سيما إغلاق الطرق، وإرهاب الأهالي داخل حي الشيخ مقصود، ومنعهم من مغادرة الحي بهدف استخدامهم كدروع بشرية أثناء استهداف قوات الجيش والأمن.

دخلت الطائرة المسيرة في معركة حلب كسلاح فعال بعد مضي أيام على اندلاع الاشتباكات بين القوات الحكومية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في حيي الأشرفية والشيخ مقصود.

وتبادل طرفا النزاع الاتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين في تصعيد غير مسبوق في السابع من يناير (كانون الثاني) الجاري.

وأعلنت القوى الأمنية السورية استخدام قوات “قسد” طائرات مسيرة استهدفت مواقع مدنية وأمنية عدة في مدينة حلب، بحسب ما أفاد مصدر عسكري وكالة “سانا” الرسمية، ولعل التطور اللافت بكون هذه المسيرة إيرانية الصنع مما أسفر عن وقوع عدد من الإصابات والأضرار المادية، وسقطت مسيرة في حي سكني في حلب الجديدة وفي موقع عسكري غرب حلب. وتحضر المسيرات كسلاج جديد في هذه المعركة بين طرفي القتال.

وبات الاعتماد على المسيرات بصورة متزايدة من خلال الرصد والاستطلاع أو من خلال تنفيذ عمليات انتحارية أو قصف مواقع أمنية وعسكرية من كلا الطرفين، وأعلن مصدر في وزارة الدفاع السورية إطلاق مسيرات تابعة للجيش رصدت تحركات لعناصر قال إنها تتبع لـ”قسد” وحزب العمال الكردستاني، وكشفت المسيرة تجاوزات تلك القوى، ولا سيما إغلاق الطرق، وإرهاب الأهالي داخل حي الشيخ مقصود، ومنعهم من مغادرة الحي بهدف استخدامهم كدروع بشرية أثناء استهداف قوات الجيش والأمن.

وتحدث الخبير بالشؤون العسكرية والعقيد بسلاح هندسة الطيران محسن حمدان عن قدرات الطيران المسير واستخدامه بصورة رئيسة في الاستطلاع وإعطاء المعلومات، وربما في بعض الأحيان ضد أهداف غير مرئية، وأضاف “هذه الموانع غير موجودة، فقوات وزارة الدفاع توغلت داخل الأحياء، وأي مكان تنطلق منه يمكن التعامل معه وقصفه وتدميره، والقوات الحكومية لديها أيضاً طائرات مراقبة واستطلاع”.

ولم يستبعد حمدان دخول “(قسد) بتنسيق جديد مع طهران بحكم علاقتها القديمة مع إيران، ولا سيما بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد وأيضاً مع ميليشيات عراقية”.

وأثار التصعيد العسكري الأخير حفيظة منظمات حقوقية طالبت بوقف فوري للاقتتال وتجنيب المدنيين في الحيين وعشرات آلاف المهجرين قسراً من مدينة عفرين، منذ عام 2018، وهي ذات غالبية كردية، آثار الحرب المندلعة، واعتبر بيان وقعته 12 منظمة حقوقية أن “التصعيد الأخير يثير مخاوف حقيقية لدى السكان المحليين من وقوع انتهاكات جسيمة جديدة، فقد أظهرت أحداث الساحل السوري والسويداء مؤشراً مقلقاً إلى تكرار استهداف المواطنين السوريين من الأقليات في سوريا على أساس الهوية”.

مسيرة إيرانية

إلى ذلك توقع ضابط منشق عن جيش نظام الأسد، فضل عدم الكشف عن اسمه، وصول طائرات إيرانية إلى قوات “قسد” “إما قبل سقوط النظام أو في حال عدم وجود تنسيق معه فيرجح أنها جاءت عبر الاستيلاء عليها أثناء حال الفوضى، أو وصلت إليها عبر تسليمها عبر قادة وضباط من فلول النظام الذين التحقوا بمناطق قسد هرباً من المحاسبة ويقدر عددهم قرابة خمسة آلاف مقاتل”.

“الشاهين” وقوة الردع

لفت الخبير العسكري حمدان النظر إلى استخدام الحيين في حلب “كورقة ضغط في المفاوضات مع الحكومة، وفرض أمر واقع بتهديد ثاني مدينة من حيث الأهمية ومركز الاقتصاد السوري وأخذ أهلها رهائن في أي مواجهة مستقبلية مع قسد”، وتابع “عمدت (قسد) إلى نسج تحالفات مع الهجري (الشيخ حكمت الهجري الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا) وقادة فلول الساحل حتى وصلت عبر الحدود، وتنفيذ أجندات خارجية لخلق حال من عدم الاستقرار والفوضى وإبقاء المشهد السوري في توتر، لذلك لا بد من الحسم الذي يتوقع أن يكون سريعاً، بخاصة إذ ما تدخلت العناصر الاختصاصية في حرب المدن”.

وتمتلك القوات النظامية الطائرة المسيرة “الشاهين”، والتي أثبتت قدرة عالية في عمليات تحرير سوريا في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وهي محلية الصنع تطورت على أيدي خبراء محليين لتدخل الخدمة في عملية “ردع العدوان”، منها ما يطلق آلياً، ومنها ما يطلق بواسطة الدفع اليدوي في الهواء، وتحمل طائرة “الشاهين” ذخائر وحشوات، ومنها ما يحمل قنابل بغية إسقاطها على الأهداف بصورة مباشرة.

سلاح جو من دون طيار

وكانت دمشق تحدثت عن أن طائرة مسيرة إيرانية الصنع شاركت أخيراً في معركة حلب. وشوهدت نسخة من إحدى المسيرات الإيرانية في الأيام الأولى لسقوط نظام الأسد في أحد مقار “حزب الله” اللبناني ومستودعاته في مدينة القصير بريف حمص وهي بلدة حدودية بين سوريا ولبنان.

معركة استنزاف

شدد العقيد حمدان على أن قرار الحسم لا رجعة عنه “وكان يجب حصوله في الأيام الأولى لتحرير حلب”، وأضاف “قوات (قسد) استغلت موقف الدولة الذي حاول ألا تسقط أية نقطة دم واحدة من أي سوري بعد 14 عاماً من الحرب وتوجيه الجهود للبناء والاستقرار بعد التحرير. عسى أن يعود قادة (قسد) إلى رشدهم والانضمام إلى الدولة السورية والمشاركة في بناء مؤسساتها”.

——————————-

ماذا بعد حلب؟ فرصة للدبلوماسية ومفاوضات «تحت الضغط»

بعد انسحاب الأكراد من الشيخ مقصود والأشرفية… دمشق تعمل على تنفيذ عملية عسكرية «منضبطة»

دمشق: سعاد جروس

10 يناير 2026 م

مع إعلان وزارة الدفاع السورية، اليوم (السبت)، وقف جميع العمليات العسكرية داخل حي الشيخ مقصود بحلب، بعد الاتفاق على ترحيل المقاتلين الأكراد منه في اتجاه الطبقة بمحافظة الرقة، تتجه الأنظار إلى نوع العلاقة التي ستنشأ بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يهيمن عليها الأكراد والتي تسيطر على شمال شرقي البلاد.

ويعتقد محللون أن هناك فرصة الآن للدبلوماسية لكن المفاوضات مع «قسد» ستجري على الأرجح «تحت الضغط» لأن الأكراد باتوا في موقع أضعف بعد اضطرارهم إلى إخلاء مناطق سيطرتهم في حلب.

وقالت «هيئة العمليات في الجيش العربي السوري»، السبت، إنه سيتم ترحيل مسلحي «قسد» المتحصنين في مشفى ياسين بحلب باتجاه مدينة الطبقة، مع سحب أسلحتهم. وجاء ذلك بعد اكتمال السيطرة على حي الأشرفية وانتهاء عمليات التمشيط في حي الشيخ مقصود المجاور، وبدء نشر قوى الأمن الداخلي.

ووصف وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى العملية العسكرية التي نفذها الجيش في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب بأنها «احترافية»، وسط توقعات بفتح المجال للذهاب إلى التفاوض لحلحلة الأزمة المستعصية في شمال سوريا وشرقها.

وقالت مصادر خاصة قريبة من وزارة الدفاع السورية لـ«الشرق الأوسط» إن دمشق وضعت ضمن أولوياتها للمرحلة الراهنة فرض سيطرتها على كامل محافظة حلب وتأمين محيطها، مشيرة إلى وجود مناطق شرق المحافظة تنطلق منها مسيّرات تستهدف قوات وزارة الدفاع، سيجري التعامل معها، لافتة إلى أن خطة دمشق العسكرية والأمنية تسير بانضباط شديد، بالتوازي مع المساعي الدبلوماسية لحماية المدنيين.

وشهدت مدينة حلب السبت عقد مؤتمر صحافي مشترك لوزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، ووزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، ومحافظ حلب، عزام غريب. ووصف وزير الإعلام العملية العسكرية التي نفذها الجيش في الشيخ مقصود والأشرفية بأنها «عملية احترافية دقيقة للحفاظ على أرواح المدنيين وضمان سلامتهم»، لافتاً إلى أن «الدولة السورية تفضّل دوماً الحلول السياسية والتفاوضية لتجاوز أي خلافات، لكن تنظيم (قسد) لم يلتزم بالاتفاقات التي تم توصل إليها». وأشار إلى أن مدينة حلب التي تعد العاصمة الاقتصادية لسوريا، كانت «تحت تهديد» يومي من «قسد»، مؤكداً أن الحكومة السورية «تعمل على بناء دولة قوامها المواطنة، وسيادة سوريا وشعبها واستقلالها لا تخضع للتفاوض».

وكان المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك دعا في وقت سابق إلى دعم جهود وقف النار وانسحاب سلمي لـ«قسد» من حلب، وقال إنه ناقش مع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ضرورة تنفيذ اتفاق العاشر من مارس (آذار) 2025 بين الرئيس أحمد الشرع وقائد «قسد« مظلوم عبدي بخصوص اندماج قوات الأخير ضمن تشكيلات الحكومة السورية.

وأفادت تقارير إعلامية بأن وساطة دولية جرت فجر السبت بتنسيق من المبعوث الأميركي براك، أدت إلى انسحاب عناصر وقيادات من «قسد» من حي الشيخ مقصود بعيداً عن عدسات الكاميرات، حيث قامت وحدات من الجيش السوري بتأمين طريق خروجهم باتجاه منطقة دير حافر شرق حلب. وأعلنت «الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا» التابعة لـ«قسد»، ترحيبها بعرض إعادة تموضع القوات الموجودة في حي شيخ مقصود إلى شرق الفرات، شريطة وجود حماية كردية محلية ومجلس محلي لسكان الحيين (الأشرفية والشيخ مقصود) بما يتوافق مع اتفاقية بهذا الخصوص تم التوصل إليها في الأول من أبريل (نيسان) الماضي.

إلا أن محافظ حلب عزام غريب قال خلال مؤتمر صحافي إن «قسد» لم تنفذ اتفاق الأول من أبريل بخصوص خروج قواتها من الشيخ مقصود والأشرفية، وجعلت من هذه المنطقة منطلقاً لاستهداف مواقع الجيش والأمن الداخلي والأحياء المجاورة.

ويسهم تعليق العمليات العسكرية في احتواء التصعيد في حلب ويزيد من احتمالات العودة إلى التفاوض، حيث رجّح الباحث والمحلل السياسي عباس شريفة لـ«الشرق الأوسط» أنه بعد سيطرة الحكومة على كامل محافظة حلب وانسحاب قوات «قسد» منها «سيتم منح فرصة للدبلوماسية» وذلك بعد توصيل رسالة إلى «قسد» بأن التصعيد العسكري ليس في صالحها، وعليها الذهاب إلى الاتفاق مع الحكومة السورية وتنفيذ اتفاق 10 مارس 2025. وتابع: «هذه المرة المجال لن يكون مفتوحاً، فإما السير بخطوات متسارعة نحو الاندماج أو الذهاب إلى سيناريو هجين من العمليات العسكرية وفتح قنوات دبلوماسية»، مع التأكيد على أن التفاوض سيكون تحت الضغط وضمن مناخ غير مريح لـ«قسد».

——————————

في حلب.. كيف تحول النزوح إلى مثال للتضامن المجتمعي؟/ ميسون حداد

يناير 11, 2026

ترافقت الأعمال العسكرية التي شهدتها مدينة حلب شمال سوريا مؤخراً، مع موجات نزوح واسعة بين المدنيين من مختلف أحياء المدينة، وفي ساعات قليلة، تحولت التطورات إلى اختبار حقيقي للنسيج الاجتماعي، قابلته تحركات إغاثية سريعة قادها الأهالي بدعم من الجمعيات الأهلية والمؤسسات الدينية.

وانطلقت هذه الجهود بشكل تلقائي لاحتواء الآثار الإنسانية المباشرة، عبر تأمين المأوى والغذاء للنازحين، في مشهد يعكس تجاوزاً للانتماءات الضيقة وتوحداً واضحاً حول حماية المدنيين في لحظة طارئة.

وعملت الحكومة السورية بالتنسيق مع مديرية الأوقاف على تجهيز العديد من المساجد والكنائس في حلب كمراكز إيواء مؤقتة لاستقبال وتأمين الاحتياجات الأساسية للآلاف من النازحين من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، حيث يتم توفير الطعام والغطاء والأدوية.

وجاءت الاستجابة فورية، و” فُتحت أبواب المطرانية مساء الثلاثاء لاستقبال الراغبين باللجوء”، بحسب مطران السريان الأرثوذكس في حلب بطرس قسيس لـ “الثورة السورية”، وقام الفريق الإغاثي التابع للمطرانية بتخصيص قاعات لإقامة العائلات، ومن مختلف أطياف المجتمع السوري، و”اتسعت رقعة الاحتياجات مع مرور الأيام وعدم قدرة الناس على العودة إلى منازلهم”.

كذلك، وبعد استهداف السكن الجامعي في حلب بقذيفتين في 8 كانون الثاني 2026، هلع الطلاب، وتم اتخاذ قرار فوري بإجلائهم بحسب ابراهيم هرموش رئيس جمعية إنجي الخيرية في حديثه لـ “الثورة السورية”، وتم تأمين 25 طالبة وطالباً في منازل آمنة، ومساعدتهم على الوصول إلى محافظاتهم في حماة وحمص ودمشق واللاذقية.

وتبرز القصص الإنسانية التي تعكس عمق التحدي الذي واجهه المدنيون في مثل هذا السياق، لا سيما الطلاب والعائلات النازحة. تروي الطالبة أماني الحمدوش (21 عاماً) من سهل الغاب كيف انقلبت حياتها خلال ساعات قصف المدينة الجامعية: “فقدت الأمل في العثور على وسيلة نقل، لكن الاستجابة جاءت سريعة”.

وتضيف في حديث لـ “الثورة السورية” أنه تم إرسال سيارات لإجلاء طلاب من عدة محافظات، مع تقديم الدعم المعنوي. “لم يتركونا وحدنا في أصعب لحظة، وكان تعاملهم إنسانياً قبل أي شيء آخر”، مؤكدة أن الفريق أوصل كل طالب إلى منزله دون مقابل.وفي قصة مشابهة، يروي عمر الشدادي ” اسم مستعار” من سكان حي الشيخ مقصود كيف اضطر مع عائلته للنزوح تحت وطأة القصف، ليجدوا ملاذاً في مقر طائفة السريان الأرثوذكس.

“جرى استقبالنا وتأمين مأوى آمن، وتمت تلبية احتياجاتنا الأساسية”، كما يقول. ويشير في حديثه لـ “الثورة السورية” إلى أن المكان ضم نازحين من خلفيات متنوعة، ما خلق “حالة واضحة من التضامن والتكافل الإنساني بعيداً عن أي تمييز”.

يختصر الشدادي تجربته بقوله: “لم نشعر أننا غرباء، بل شعرنا أننا بين أهلنا في أصعب اللحظات”.

هذه الشهادات تظهر كيف تحولت لحظة الخطر إلى اختبار حقيقي للتعاضد الاجتماعي، حيث تجاوزت الاستجابة الإنسانية كل الحدود، مؤكدة أن حماية الإنسان تظل القيمة العليا في قلب المجتمع.

في البداية، اعتمد الاستجابة على المجتمع المحلي لتأمين الاحتياجات الغذائية، فيما استدعى حجم النزوح مزيداً من الدعم الإضافي والفرشات والبطانيات، وبدأ التعاون مع المسؤولين المحليين وأهل الخير في مدينة حلب ما أسهم في تحقيق استجابة سريعة وفعّالة، حيث تم تأمين المستلزمات الضرورية في ظل البرد القارس، بحسب قسيس.وفي اليوم التالي، أُدرج مركز المطرانية في السليمانية ضمن مراكز الإيواء الرسمية، ما أتاح حضور مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في حلب وعدد من الجمعيات، وتقديم دعم إضافي شمل مستلزمات الإقامة إضافة للوجبات مطبوخة.

“كان التركيز في بدايات النزوح على تأمين مستلزمات المنامة، إلى جانب السلل الغذائية” يشرح هرموش كيف تزامنت الاستجابة الإغاثية مع عمليات الإجلاء، حيث جرى توزيع مساعدات في حي بستان القصر داخل مسجد “سيدنا حذيفة”، شملت بطانيات وفرشاً إسفنجية ووسائد، إضافةً إلى توزيع مماثل في مسجد “سيدنا عمر بن الخطاب”.

وكشف هرموش أن الجمعية ستنطلق بقافلة من محافظة حمص، بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، لتحديد وجهة الدعم، وستحمل سلالاً غذائية، ومياه، وسلال نظافة، نظراً لكون عدد من النازحين يقيمون في المساجد والمدارس، ما يستدعي الحفاظ على نظافة أماكن الإقامة.

“هذه المبادرة تركت أثراً إيجابياً واسعاً في نفوس أهالي حلب والسوريين عموماً” يضيف قسيس، إذ عكست كيف يمكن للأزمات أن توحّد الناس، وتؤكد أن اختلاف الآراء والانتماءات والعقائد لا يمنع الوقوف صفاً واحداً أمام الحاجة الإنسانية، والتكاتف في مواجهة المحن كشعب واحد.”البعد المجتمعي كان حاضراً بقوة في هذه الاستجابة” وفق هرموش، إذ تحولت المساجد إلى مراكز إيواء جمعت الكردي والعربي ومن مختلف المكونات والطوائف، مشدداً على أنه في مثل هذه الظروف لا مكان للسؤال عن المذهب أو الانتماء، لأن الهدف واحد وواضح، “هدفنا معروف، وهو الوقوف إلى جانب الإنسان أولاً”.

عبرت تجربة النزوح الأخيرة في حلب عن اختبار عميق للنسيج الاجتماعي السوري، أظهر من خلاله المجتمع قدرة لافتة على تجاوز كل حدود الاختلاف والانتماء عندما يتعلق الأمر بإنقاذ الإنسان، و لم تكن مراكز الإيواء في المساجد والكنائس مجرد أماكن للنوم، بل تحولت إلى فضاءات حقيقية للتضامن، حيث التقت خلفيات متنوعة تحت سقف الحاجة الإنسانية ذاتها.

هذه الروح المجتمعية، التي تجلت في الاستجابة التلقائية للأهالي والجمعيات والمؤسسات الدينية، تثبت أن القيمة الأسمى في الوعي الجمعي السوري ما تزال هي حماية الحياة والكرامة الإنسانية، حتى في أحلك الظروف.

والسؤال الذي تتركه هذه الاستجابة الإنساني: هل يمكن تحويل هذا التضامن الطارئ، النابع من لحظة أزمة، إلى نهج دائم يُبنى عليه مستقبلٌ أكثر تماسكاً وتسامحاً؟ الإجابة ربما تكمن في استمرار تعزيز هذه القيم، وتحويل دروس الأزمات إلى سياسات مجتمعية تكرس التكافل كخيار دائم، لا كردِّ فعل عابر للطوارئ.

الثورة السورية

————————

 من الأمن القسري إلى الأمن المواطنـي.. الشيخ مقصود والأشرفية/ محمد السكري

2026.01.11

تشكل العمليات الأمنية التي نُفذت في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب نموذجًا جوهريًا يدلّل على التحول الجاري في مقاربة الدولة السورية الجديدة، والتي تعتبر خلاصة الثورة السورية نحو الأمن المقنن خلال المرحلة الانتقالية، إذ تتجاوز هذه العمليات معناها الإجرائي المباشر لتغدو اختبارًا بنيويًا وأخلاقيًا لطبيعة الدولة الناشئة، وللعلاقة التي تسعى إلى إعادة صياغتها بين القوة والشرعية والمجتمع. فالمسألة هنا لا تتعلق بضبط أمني تقليدي بقدر ما تتصل بمحاولة واعية لإعادة تعريف وظيفة العنف وحدوده، والتمييز بين منطق الدولة ومنطق الفاعلين ما دون الدولة، لا سيما في نموذج شديد الحساسية، وبعد نماذج أخرى مماثلة إلى حدّ ما، شهده تعاملًا سيئًا للغاية.

أظهرت العملية في حلب، والتي تعتبر الثالثة التي تخوضها الحكومة الانتقالية، بعد معركة الساحل، ولاحقًا في السويداء، حيث شهدت هذه العملية مستوى مرتفعًا من الانضباط والتخطيط، بما يعكس انتقالًا ملحوظًا من أنماط العنف القسري والعشوائي إلى سلوك مؤسسي منظم، تُستخدم فيه القوة بوصفها خيارًا أخيرًا وليس أداة حكم دائمة. ويكتسب هذا التحول دلالته من كونه يؤسس لفارق جوهري بين ممارسة الدولة للعنف المشروع ضمن إطار قانوني وأخلاقي، وبين استخدام العنف كوسيلة فرض وهيمنة كما كان الحال في مراحل سابقة. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى ما جرى بوصفه ممارسة عملية لاحتكار الدولة للعنف المنظم، ولكن ضمن مقاربة تضبط هذا الاحتكار بمعايير المسؤولية والمساءلة، وبدراسة حساسة لانعكاساتها اللاحقة.

الأهمية الأعمق لهذه التجربة تتجلى في بعدها المفاهيمي، حيث أعادت الدولة، من خلال سلوكها الميداني، صياغة العلاقة بين الأمن وحقوق الإنسان، فبدل الفصل التقليدي بين متطلبات الضبط الأمني والاعتبارات المجتمعية، برزت مقاربة أكثر تركيبًا تحاول الموازنة بين ضرورة التدخل العسكري والأمني في مناطق معقدة، وبين احترام الخصوصيات الديمغرافية والاجتماعية للسكان، والآثار اللاحقة لأي تدخل أمني. ويعكس هذا التحول مراجعة شاملة لمفهوم الأمن ذاته، باعتباره وظيفة مواطنية تهدف إلى حماية المجتمع لا إخضاعه، وإلى صون العقد الاجتماعي لا تقويضه.

في الحقيقة، تندرج تجربة الشيخ مقصود والأشرفية ضمن مسار أوسع لإعادة بناء العقيدة الأمنية السورية على المستويين القيمي والرمزي، وليس فقط التقني. إذ يظهر أن الدولة الجديدة تسعى إلى ترسيخ سردية أمنية مختلفة، تقوم على ربط القوة بالعدالة، والضبط بالشرعية، والسلاح بالمسؤولية الأخلاقية. ويتجلى ذلك في السلوك العسكري المنضبط، وفي محاولة تجنب الكلفة البشرية العالية، رغم التعقيد الأمني الكبير الذي يميز هذه المناطق، بما يعكس وعيًا بأن شرعية الدولة في المرحلة الانتقالية تُبنى بقدر ما تُمارس القوة، لا عبر الإفراط فيها.

لكن نجاح هذه التجربة لا يُقاس فقط بالسيطرة الميدانية أو بإنهاء مظاهر التهديد الأمني، بل يرتبط أساسًا بالقدرة على إدارة الحيين لاحقًا ضمن إطار السردية الوطنية الجامعة. فالتحدي الحقيقي يكمن في منع إعادة إنتاج أنماط الإقصاء أو الهيمنة، وتحويل الضبط الأمني إلى مدخل لإعادة دمج هذه المناطق في الفضاء الوطني العام. وهنا يتبدى الفارق الجوهري بين الجيش السوري الجديد في مرحلة ما بعد سقوط النظام، وبين النموذج السلطوي السابق، سواء من حيث الخطاب أو الممارسة أو تعريف الدور الوظيفي خلال المرحلة الانتقالية.

وتحمل هذه التجربة، في الوقت ذاته، دلالة سياسية تتجاوز بعدها المحلي، إذ تُفشل رهانات بعض القوى التي سعت إلى توظيف البعد القومي أو الإثني، ولا سيما ما يسمى “الغطاء الكردي”، كما حدث لاحقًا باستخدام “الغطاء العلوي” وبعدها “الغطاء الدرزي”، لإعادة تفجير صراع هوياتي خطير، أو تصوير الدولة بوصفها طرفًا إقصائيًا لا حاميًا لكل المكونات. فقد أظهرت المقاربة الأمنية المعتمدة أن إدارة التنوع لا تمر عبر تمكين الفاعلين المسلحين أو الهويات المغلقة، بل عبر إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة بوصفه الإطار الناظم للعلاقة بين الدولة والأفراد، بما يحد من قابلية الاستثمار الخارجي أو الداخلي في الانقسامات المجتمعية.

وعلى مستوى أوسع، تكتسب حالة الشيخ مقصود والأشرفية أهمية خاصة بالنظر إلى موقع مدينة حلب في البنية الاجتماعية السورية. فحلب، بتاريخها وتنوعها وقدرتها النسبية على إعادة إنتاج التعايش، قد تشكل مدخلًا لإعادة ترميم “العقل الاجتماعي السوري” مقارنة بمناطق أخرى أكثر هشاشة. ومن هذا المنظور، تتحول العملية الأمنية من إجراء عسكري ظرفي إلى مدخل لإعادة بناء الثقة المجتمعية وإعادة وصل ما انقطع في النسيج الاجتماعي.

لذا، يمثل ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية منعطفًا في السردية الأمنية والوطنية السورية، ويعكس تحولًا مزدوجًا على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي، يقوم على الانتقال من الأمن القسري إلى الأمن المواطنـي، ومن الدولة المتغلبة إلى الدولة القوية والعادلة. وإذا ما جرى استكمال هذا التحول بإطار سياسي ومؤسسي واضح، فإنه قد يشكل أحد الأسس الصلبة لبناء الدولة السورية الجديدة، دولة تستند إلى الشرعية والمواطنة والعدالة، لا إلى الخوف والعنف المجرد. فيغدو نجاح الشيخ مقصود والأشرفية مؤشرًا محتملًا على مسار أوسع لإعادة بناء العقد الاجتماعي السوري، شرط ألا يبقى استثناءً ظرفيًا مؤطرًا بحسابات إقليمية ودولية، بل بقناعة محلية وطنية، كمدخل لتحول بنيوي في فهم الدولة للأمن والمواطنة.

تلفزيون سوريا

—————————

 الفيدرالية كمقدمة للانفصال/ منهل عروب

2026.01.11في كل مرة يثور فيها النقاش حول مستقبل سوريا، تعود “الفيدرالية” إلى الواجهة بوصفها حلاً سحرياً لأزمة مركبة: دولة منهارة، مجتمع ممزق، وخوف جماعي من عودة المركز بصيغته الأمنية القديمة. غير أن المشكلة لا تكمن في الفيدرالية بوصفها مفهوماً سياسياً، بل في الطريقة التي يُعاد إنتاجها بها داخل السياق السوري، وفي الوظيفة التي تؤديها فعلياً على الأرض. فالفيدرالية، كما تُطرح اليوم، لا تبدو إطاراً لتنظيم الدولة بقدر ما تبدو مقدمة منهجية للخروج منها.

الفيدرالية، في أصلها، نظام سياسي ـ إداري لتوزيع الصلاحيات داخل دولة واحدة ذات سيادة. هي آلية حكم لا تُلغي المركز، بل تعيد تعريفه، ولا تُنشئ كيانات مستقلة، بل تنظّم العلاقة بين أجزاء الدولة ضمن عقد دستوري جامع. لذلك، لا تُولد الفيدرالية في الفراغ، ولا تُفرَض على مجتمعات فاقدة للسيادة، بل تأتي نتيجة تسوية سياسية داخل دولة مستقرة نسبياً، تمتلك دستوراً، مؤسسات، واحتكاراً مشروعاً للعنف. من دون هذه الشروط، تتحول الفيدرالية من نظام حكم إلى أداة تفكيك، ومن حلّ سياسي إلى إعادة رسم للخريطة تحت مسميات تقنية أخرى.

يُستحضر النموذج الألماني بكثافة في هذا النقاش، غالباً بوصفه الدليل العملي على إمكانية الجمع بين وحدة الدولة وتعدّد مكوناتها. غير أن هذه المقارنة، عند تفكيكها، تكشف عن فجوة عميقة بين السياقين. فالولايات الألمانية لا تمتلك جيوشاً، ولا موارد سيادية مستقلة، ولا علاقات خارجية خاصة بها، ولا خطاباً هوياتياً مقابل المركز ومضاد له، بل يُظهر التنوع ويعترف بالخصوصية ضمن الدولة وقيمها الأساسية المشتركة المنصوص عليها في الدستور. الفيدرالية هناك تنظيم للداخل، لا مشروعاً للتمايز الأيديولوجي والمشاريع السياسية والطائفية المتضادة والمتنافرة. استدعاء هذا النموذج إلى سوريا، من دون الاعتراف بالفارق الجذري في الشروط، ليس سوى تمرين لغوي يضفي شرعية شكلية على مشاريع مختلفة في جوهرها.

هذا ما يظهر بوضوح في تجربة “قسد”. فالخطاب المعلن يتمحور حول الديمقراطية، التعددية، واللامركزية. لكن الممارسة على الأرض ترسم صورة مختلفة: قوة عسكرية مستقلة، إدارة حدود، سيطرة على موارد نفطية، مناهج تعليم خاصة؛ تحمل قيماً تربوية وأيديولوجية مختلفة ومتضادّة، وعلاقات خارجية مباشرة ليس فقط أميركية، بل مع دولة تحتل الجزء الجنوبي من سوريا وفق قرارات الأمم المتحدة نفسها. هذه ليست مجرد صلاحيات إدارية موسعة، بل مقومات دولة مكتملة الأركان. وحين يمتلك كيان ما أدوات السيادة الأساسية، فإن تسميته “فيدرالية” لا تغيّر من وظيفته السياسية. المسألة هنا لا تتعلق بالنوايا المعلنة، بل بالبنية الواقعية التي تتشكل بعيداً عن أي إطار وطني جامع. والنتيجة، مهما تأجل الإعلان عنها، هي انفصال فعلي ينتظر لحظة سياسية مواتية.

الانفصال، في هذا السياق، لا يُفهم بوصفه قراراً أو استفتاءً أو بياناً رسمياً، بل كممارسة تراكمية. يبدأ عندما تتوقف النخب المحلية عن تخيل نفسها جزءاً من الكل، ويُعاد تعريف المركز بوصفه تهديداً وجودياً، وتُستبدل المواطنة بالهوية. هذا ما يمكن تسميته بالانفصال الزاحف: واقع يُبنى بصمت، ويتقدم تحت غطاء الخوف والحماية، إلى أن يصبح أمراً واقعاً لا يحتاج إلى إعلان.

مثال آخر لديه سوابق قانونية في محاولات الانفصال تحت شعار حق “تقرير المصير”، الذي يحتج به مؤيدي الحركات الانفصالية في سوريا، وهو الولايات المتحدة الأميركية. حيث لا يتضمن الدستور أي نص يتيح للولايات الحق في الانفصال. وقد تعرضت الولايات المتحدة الأميركية تاريخياً لمثل ذلك الامتحان مرتين: الأولى عام 1869 في قضية تكساس. فقد قضت المحكمة الدستورية ببطلان الانفصال، وأنه غير دستوري، وأن الاتحاد بين الولايات هو دائم وغير قابل للانفصال.

المثال الثاني هو النقاش حديثاً في رغبة كاليفورنيا في الانفصال. والذي يستند مؤيدوها على مبدأ حق “تقرير المصير” الذي ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة. ولكن كثير من الفقهاء الدستوريين يشيرون إلى أن هذا المبدأ يُطبق في سياقات الاستعمار والاحتلال العسكري. ولا ينطبق على منطقة من دولة ما مختلطة عرقياً وإثنياً، ويريد تيار معين أو قوة أمر واقع تنفيذ رؤيتها الخاصة بالانفصال. كما في التجربة الإسبانية في محاولة الانفصال الكتالوني، حيث رفضته الحكومة المركزية في مدريد والاتحاد الأوروبي، وتعرض المتشددون منهم للمحاكمة. 

هذا المنطق لا يقتصر على الشمال الشرقي. ففي الجنوب، يظهر خطاب مماثل لدى مشروع الهجري، قائم على حماية الطائفة، والإدارة الذاتية، ورفض حكومة دمشق بوصفها خطراً لا حكومة مركز يعمل من خلالها وفقاً للقوانين الناظمة ـ فهو يطلق عليها اسم النظام الداعشي ـ  في إشارة إلى عدم شرعيتها وتجريمها، أي بشكل غير مباشر الدعوة للقتال ضد الحكومة المركزية. وفي الساحل، يطفو خطاب “إعادة تكوين سردية المظلومية والاضطهاد الطائفي” والخوف الوجودي، والبحث عن كيان طائفي حامٍ في مواجهة “نظام إسلامي متطرّف”. الجغرافيا مختلفة، والفاعلون متنوعون، لكن المنطق واحد: الهروب من الدولة بدل الاشتباك مع فكرة إعادة بنائها. هذه ليست مشاريع سياسية، بل ردود طائفية على الحكومة المركزية، تُلبس نفسها لبوس الحل الإداري.

لا يمكن إنكار مخاوف السوريين، ولا التقليل من حجم العنف الذي تعرضت له جماعات مختلفة. لكن الخوف، حين يتحول إلى برنامج سياسي، لا يُنتج دولة، بل كيانات متجاورة، متعادية وبلا أفق جامع. والفيدرالية، حين تُطرح خارج الدولة، لا تحميها، بل تُسرّع تفككها. سوريا لا تحتاج إعادة رسم حدودها باسم الحماية، بل إعادة بناء معناها كدولة. وكل طريق يبدأ بتجاوز فكرة الدولة، مهما كانت مبرراته، ينتهي بالانفصال… ولو بعد حين.

تلفزيون سوريا

———————

 الأكراد في سوريا: تاريخ الوجود وصراع الاعتراف/ بثينة عوض

الأحد 2026/01/11

لم يدخل الأكراد إلى سوريا بوصفهم موجة لجوء طارئة، ولا كجماعة عابرة على تخوم الدولة، بل كانوا ــ وما زالوا ــ جزءاً أصيلاً من نسيج اجتماعي وجغرافي تشكّل قبل قيام الدولة السورية الحديثة بقرون. حضورٌ رسخته الجغرافيا، وكرّسته أنماط العيش المشترك، وسبق في وجوده حدود الكيانات السياسية التي ستُرسم لاحقاً.

ومع ذلك، لم يتحوّل هذا الوجود التاريخي إلى اعترافٍ سياسي متكامل، ولا إلى تمثيلٍ قانوني يعكس ثقله السكاني ودوره الاجتماعي. ظل الأكراد حاضرين في المكان، في الزراعة والمدينة والذاكرة المحلية، لكنهم غائبون عن الدولة بوصفها إطاراً للحقوق والمواطنة المتساوية.

هكذا، بقيت العلاقة بين الأكراد والدولة السورية محكومة بسؤالٍ معلّق لم يُحسم منذ الاستقلال: كيف يمكن لجماعةٍ أن تكون جزءاً من التاريخ والجغرافيا، وأن تعيش في قلب البلاد، لكنها تبقى خارج سردية الدولة، وخارج تعريفها الرسمي للهوية والانتماء؟

جغرافيا بلا اعتراف

ينتشر الأكراد السوريون أساساً في الشمال والشمال الشرقي من البلاد، في رقعة جغرافية متصلة تمتد من الجزيرة العليا في محافظة الحسكة، مروراً بمدن وبلدات مثل القامشلي، عامودا، الدرباسية، وعين العرب (كوباني)، وصولاً إلى عفرين في الشمال الغربي. وإلى جانب هذا التوزع المتماسك، يحتفظ الأكراد بحضور قديم ومتجذّر في مدن كبرى مثل حلب ودمشق، حيث شكّلوا جزءاً من النسيج الحضري والاجتماعي منذ عقود طويلة.

لا يمكن اختزال هذا التوزع في كونه نتاج تحوّلات القرن العشرين وحده، أو نتيجة لحركات نزوح متأخرة، بل هو امتداد تاريخي لوجود كردي راسخ في بلاد الشام، ارتبط بأنماط حياة مستقرة، وبالعشائر، والزراعة، ومسارات التجارة القديمة التي ربطت الجبال بالسهول، والريف بالمدينة.

كان هذا الوجود، في جوهره، وجوداً محلياً مندمجاً، لا يقوم على الفصل الحاد بين “أقليات” و”أكثريات”، ولا يعرف الحدود الصلبة للهويات كما ستفرضها لاحقاً الدولة القومية الحديثة.

غير أن هذا الاندماج الاجتماعي والجغرافي لم يُقابله اعتراف سياسي مماثل. فالجغرافيا التي احتضنت الأكراد قروناً لم تتحوّل إلى أساس لحقوق واضحة، وبقي الحضور الكردي، رغم عمقه واتساعه، خارج التصوّر الرسمي للدولة عن الهوية والانتماء. هكذا تشكّلت مفارقة مستمرّة: جغرافيا ثابتة بلا اعتراف، ووجود راسخ بلا تمثيل.

الأكراد في العهد العثماني

خلال الحكم العثماني، لم يُنظر إلى الأكراد بوصفهم قضية سياسية مستقلة، ولا كجماعة قومية تسعى إلى كيان خاص بها، بل جرى التعامل معهم كجزء من نظام إداري واجتماعي أوسع، يقوم على الولاءات المحلية والبنى العشائرية، ويُدار وفق منطق الضبط والاستقرار أكثر مما يُدار وفق معايير الهوية.

في ذلك الزمن، لم تكن القومية إطاراً ناظماً للسلطة أو للحكم، ولم تُشكّل الانتماءات الإثنية معياراً فاصلاً في العلاقة بين الدولة ورعاياها. ما كان يعني الإدارة العثمانية هو القدرة على حفظ الأمن، وتأمين الطرق، وجباية الضرائب، وضمان حدّ أدنى من الولاء السياسي. ضمن هذا السياق، تمتع الأكراد بهوامش متفاوتة من الحكم الذاتي المحلي، ونسجوا علاقات مع السلطة المركزية تقوم على التوازن والمصالح المتبادلة، لا على الصدام المفتوح.

عاش الأكراد، بذلك، ضمن توازنٍ هشّ لكنه عملي: لا دولة قومية تمثلهم أو تتحدث باسمهم، ولا سلطة مركزية تسعى إلى إنكار وجودهم أو صهرهم قسراً في هوية واحدة. كان حضورهم معترفاً به بوصفه واقعاً اجتماعياً وجغرافياً، لا قضية سياسية تحتاج إلى حل.

غير أن هذا التوازن لم يكن قابلاً للاستمرار. فمع تفكك الإمبراطورية العثمانية في مطلع القرن العشرين، وولادة الدولة الحديثة بحدود صلبة وهوية قومية واحدة، انهار الإطار الذي سمح بتعايش التعددية دون اعتراف رسمي. ومع انتقال المنطقة من منطق الإمبراطورية إلى منطق الدولة القومية، تحوّل الوجود الكردي من واقع مُعاش إلى سؤال سياسي مفتوح، سيلازم سوريا الحديثة منذ نشأتها.

بداية “المسألة الكردية”

مع فرض الانتداب الفرنسي على سوريا عقب الحرب العالمية الأولى، بدأ الوجود الكردي ينتقل من كونه واقعاً اجتماعياً محلياً إلى ما سيُعرف لاحقاً بـ”المسألة الكردية”. فإعادة رسم الخرائط السياسية للمنطقة، وما رافقها من اتفاقيات دولية، أدّت إلى تقسيم الامتداد الجغرافي الكردي بين أربع دول ناشئة، وجعلت أكراد سوريا أقلية داخل كيان وطني جديد لم تتبلور هويته بعد.

في هذا السياق، لم يكن الأكراد وحدهم أمام معضلة الانتماء داخل دولة حديثة التشكّل، لكن خصوصيتهم تمثّلت في كونهم جماعة ذات امتداد عابر للحدود، وهو ما جعل حضورهم موضع ريبة دائمة في نظر السلطات. تعاملت الإدارة الفرنسية مع هذا الواقع ببراغماتية واضحة: فمن جهة، سمحت بهوامش ثقافية وتنظيمية محدودة، وشجّعت أحياناً على إبراز الخصوصيات المحلية، ومن جهة أخرى، امتنعت عن تحويل هذا التنوع إلى أساس قانوني أو سياسي لبناء دولة تعددية.

لم يكن هدف الانتداب الاعتراف بالهويات المختلفة أو دمجها في عقد وطني جامع، بل استخدام التنوّع أداة لإدارة المجتمع وضبطه، ومنع تشكّل مركز سياسي موحّد قد يهدّد السيطرة الاستعمارية. هكذا، جرى التعامل مع الأكراد، كما مع غيرهم من المكوّنات، بوصفهم ورقة توازن أكثر منهم شركاء في مشروع سياسي مشترك.

ومع انتهاء مرحلة الانتداب، ورثت الدولة السورية الناشئة هذا الإرث الثقيل: دولة بحدود واضحة، وهوية رسمية واحدة، ومجتمعات متعدّدة لم يُحسم موقعها السياسي بعد. عند هذه النقطة تحديداً، لم تعد المسألة الكردية مجرد سؤال إداري أو ثقافي، بل تحوّلت إلى قضية مؤجَّلة، سترافق سوريا الحديثة منذ ولادتها.

الاستقلال

مع نيل سوريا استقلالها عام 1946، دخل الأكراد مرحلة أكثر تعقيداً وحساسية. فالدولة السورية الناشئة، الساعية إلى ترسيخ شرعيتها وبناء هوية وطنية جامعة، اختارت القومية العربية إطاراً ناظماً وحيداً للانتماء، وقدّمته بوصفه أساس الوحدة السياسية والثقافية للدولة الجديدة. ضمن هذا التصوّر، جرى التعامل مع أي تعبير قومي آخر لا باعتباره تنوّعاً مشروعاً، بل تهديداً محتملاً لوحدة البلاد.

لم يكن هذا الخيار مجرّد موقف نظري، بل تُرجم سريعاً إلى سياسات وممارسات متراكمة، لم تتّسم دائماً بالعنف المباشر، لكنها اتسمت بالثبات والانتظام. أُقصيت الهوية الكردية من الفضاء العام، وحُوصرت لغتها وثقافتها، ومُنع تشكّل تمثيل سياسي مستقل يعكس خصوصيتها أو يعبّر عن مطالبها داخل مؤسسات الدولة.

اعتمدت السلطة، في تلك المرحلة، أسلوب التذويب بدل المواجهة المفتوحة: الإقرار بوجود اجتماعي غير معلَن، مقابل إنكار سياسي وقانوني شبه كامل. وبذلك، لم يدخل الأكراد في صدام شامل مع الدولة، لكنهم أُقصوا تدريجياً عن تعريفها الرسمي للمواطنة والانتماء.

هكذا، ومع صعود القومية العربية كهوية مهيمنة، تحوّل الوجود الكردي من مكوّن تاريخي في المجتمع السوري إلى مسألة حسّاسة تُدار بالحذر والإنكار. هذا المسار، الذي بدأ في سنوات الاستقلال الأولى، سيشكّل الأرضية التي بُنيت عليها سياسات لاحقة أكثر حدّة، ويضع الأساس لعلاقة ملتبسة بين الأكراد والدولة، ستستمر آثارها لعقود طويلة.

لحظة التحوّل الصامت

في محافظة الحسكة عام 1962، أُجري ما عُرف بـ”الإحصاء الاستثنائي”، وهو إجراء إداري بدا، في ظاهره، تقنياً ومحدوداً، لكنه شكّل في جوهره واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في علاقة الدولة السورية بالمجتمع الكردي. بموجب هذا الإحصاء، جُرّد عشرات الآلاف من الأكراد من جنسيتهم السورية، تحت ذرائع مثل “التسلّل” أو “عدم الأهلية”، من دون مسارات قانونية واضحة، أو ضمانات للاعتراض والمراجعة.

لم يكن الإحصاء حادثاً معزولاً أو خطأً بيروقراطياً عابراً، بل لحظة تأسيسية أعادت تعريف موقع الأكراد داخل الدولة. فجأة، تحوّل مواطنون إلى فئة قانونية معلّقة: مواطنون بلا حقوق، مقيمون بلا اعتراف، وحياة يومية تُدار بوثائق ناقصة، ووجود قانوني هشّ يطال التعليم والعمل والتملّك وحتى حرية التنقّل.

ما ميّز هذه السياسة أنها لم تُترجم فقط إلى أرقام وسجلات، بل إلى آثار اجتماعية عميقة امتدّت عبر الأجيال. فقد أنتج الإحصاء واقعاً من التهميش البنيوي، ورسّخ شعوراً دائماً بعدم الأمان القانوني، وأعاد رسم العلاقة بين الفرد والدولة على أساس الشك والإنكار.

وبالرغم من توثيق هذه الانتهاكات لاحقاً من قبل منظمات حقوقية دولية وباحثين مستقلين، ورغم صدور قرارات جزئية لمعالجة آثارها بعد عقود، لم يُلغَ الإحصاء فعلياً بوصفه سياسةً إلا شكلياً. بقيت نتائجه حاضرة في البنية الاجتماعية والسياسية للمناطق الكردية، وظهرت تداعياته بوضوح حتى ما بعد عام 2011، حين خرج المؤجَّل إلى العلن، وعاد سؤال المواطنة ليطرح نفسه من جديد.

طريق مسدود

حتى أواخر ستينيات القرن الماضي، لم يشهد الملف الكردي في سوريا انفجاراً سياسياً واسعاً أو مواجهة مفتوحة مع الدولة، لكنه كان يتخمّر بصمت، في ظل انسداد شبه كامل للأفق السياسي. فالأحزاب الكردية، التي بدأت بالظهور منذ الخمسينيات في سياق إقليمي مضطرب، ظلّت محدودة التنظيم والتأثير، وملاحقة أمنياً، وعاجزة عن العمل العلني أو بناء قواعد اجتماعية واسعة. في المقابل، كان المجال السياسي السوري برمّته يعيش حالة انغلاق متزايد، لا تتيح لأي تعبير منظّم خارج الإطار الرسمي أن يرى النور.

في تلك المرحلة، كانت الدولة السورية ماضية في تثبيت نموذج قومي أحادي، يرى في القومية العربية الإطار الوحيد للهوية والانتماء، ولا يترك هامشاً فعلياً للتعدّدية السياسية أو الثقافية. ضمن هذا التصوّر، جرى التعامل مع المطالب الكردية لا بوصفها حقوقاً سياسية قابلة للنقاش، بل كإشكال أمني يمكن احتواؤه وإدارته. لم تُطرح حلول بنيوية، ولم يُفتح نقاش جدي حول المواطنة المتساوية أو الاعتراف بالتنوّع، بل ساد منطق التأجيل والإنكار.

أدّى هذا المسار إلى غياب قيادة كردية قادرة على تحويل التململ الاجتماعي المتراكم إلى مشروع سياسي واضح المعالم. فبين القمع الأمني من جهة، وضعف البنية التنظيمية من جهة أخرى، بقي الفعل السياسي الكردي محصوراً في دوائر ضيّقة، عاجزاً عن الوصول إلى المجال العام أو التأثير في موازين القوة.

كان السؤال الكردي، في جوهره، حاضراً بقوة: سؤال الهوية، والمواطنة، والحقوق، والانتماء إلى دولة لا تعترف بتعدّدها. لكنه ظل بلا أدوات تعبير مشروعة، وبلا قنوات سياسية تسمح بترجمته إلى مطالب قابلة للتداول أو التفاوض. هكذا، ومع اقتراب عام 1970، بدا الملف الكردي عالقاً في طريق مسدود: لا انفجار يغيّر المعادلة، ولا تسوية تفتح أفقاً جديداً، بل تراكم صامت سينتظر تحوّلاً أكبر في بنية السلطة، وفي موازين القوة، كي يخرج إلى العلن.

يتغيّر الشكل لا الجوهر

مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، دخلت العلاقة بين الدولة السورية والأكراد مرحلة جديدة، لا قطيعة فيها مع ما سبق، بل إعادة تنظيم وضبط. بدا المشهد، للوهلة الأولى، أكثر استقراراً وأقل فوضى، لكن هذا الاستقرار لم يكن نتاج تسوية سياسية أو اعتراف بالحقوق، بل نتيجة إحكام القبضة الأمنية وإعادة ترتيب آليات السيطرة.

لم يُطرح السؤال الكردي بوصفه قضية وطنية تحتاج إلى حل، ولم يُفتح نقاش حول المواطنة أو التعدّدية، بل جرى احتواؤه ضمن منطق الإدارة الأمنية الصارمة. أُغلقت مسارات العمل السياسي، وضُبط المجال العام، وتحوّلت المسألة الكردية إلى ملف يُدار بهدوء، ويُرحَّل من مرحلة إلى أخرى من دون معالجة جذريّة.

في هذا السياق، لم يسعَ النظام الجديد إلى تفجير الصراع، لكنه لم يسعَ أيضاً إلى حلّه. اختار التأجيل المنهجي: تثبيت الاستقرار مقابل تجميد الأسئلة الكبرى. وهكذا، لم تختفِ أسباب التوتّر، بل تراكمت تحت السطح، في مجتمعٍ جرى ضبطه بالقوة، لا إشراكه بالسياسة.

ذلك “الهدوء” الذي ساد لعقود لم يكن نهاية للصراع، بل شكلاً آخر له. فالسؤال الكردي، الذي أُخرج من المجال العام وأُقصي عن السياسة، ظلّ كامناً، ينتظر لحظة انهيار البنية التي كبحت ظهوره. وبعد أكثر من أربعة عقود، ومع تفكك السلطة المركزية، سيعود هذا السؤال بقوة، لا من هامش التاريخ هذه المرّة، بل إلى قلب الصراع السوري نفسه.

المدن

—————————–

حلب والتعامل مع الهواجس الكردية/ صبا ياسر مدور

ما حدث في حلب من مواجهات لا يساعد بالتأكيد في تقديم انطباع جيد عن الاستقرار في سوريا، فليس من السهل استيعاب وجود معارك بالأسلحة الثقيلة في أحياء سكنية داخل ثاني أكبر مدينة في سوريا. لكن الحسم السريع لتلك المواجهات عاد ليعكس الاتجاه ويقدم الدولة بوصفها الطرف المهيمن على الأمن والقادر على تطبيق القانون. بدا ذلك كأنه أمر لا مفر منه، والأهم أنه لم يتسبب بخسائر كبيرة على المستوى الإنساني لا سيما بين المدنيين، كما أن معاملة الدولة للسكان النازحين جرت من دون تمييز لمرجعيتهم العرقية، وكان ذلك متوقعاً بالطبع. لكنه بالنسبة للسرديات الانفصالية، اعتبر انتكاسة حرمتهم من تسخيرها لبناء قضية ضد دمشق.

الأمر هنا يمكن أن يكون سبباً في بناء موقف تفاوضي جيد مع “قسد”، في إطار السعي لتنفيذ اتفاق آذار2025، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون أملاً حاسماً، فالمشكلة دوماً تكمن في التعقيدات التي تثيرها أطراف ناقمة داخل قسد، أو أطراف خارجية ما زالت تراهن على متغير الأقليات ليكون سبباً للفوضى، وإبقاء سوريا دولة هشة وقابلة للاختراق.

مثل هذه التصور يجسد افتراضات واقعية تعيها الدولة السورية من دون شك. ومن المتوقع أن تستثمر الحسم السريع في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، لتبني سياقاً سياسياً وعسكرياً ومعنوياً يقود إلى تحييد العناصر الغاضبة والرافضة للاندماج ضمن الدولة داخل قسد، والمساعدة على تحقيق هذا الهدف بأقل الأضرار والخسائر الممكنة.

إن مدخل هذا الأمر يكون بتقديم نموذج للتعامل المنصف والمسؤول مع سكان الحيين من الأكراد بشكل خاص، وهو ما يحصل اليوم بالفعل، حتى على مستوى العمليات العسكرية وسعي القوات الأمنية لتجنيب المدنيين الذين يغادروا ديارهم أية مخاطر ممكنة، وقد وصل الأمر حد إعلان المناطق التي سيجري استهدافها، مع ما في ذلك من تناقض مع المتطلبات العملياتية المتعلقة بمفاجأة العدو في ساحة المعركة.

مثل هذا النمط من التعامل يقدم تصوراً مناسباً ومطلوباً وعملياً لسكان المحافظات الخاضعة لسيطرة قسد من الأكراد، فهؤلاء اعتادوا العيش تحت سلطة “دولة” وهمية شبه مستقلة، بمؤسسات وقوات أمن وموارد، بعيداً عن سيطرة دمشق. كما أنهم تغذوا طوال السنوات الماضية من فكرة إحاطتهم ببحر من الأعداء المفترضين، الذين تمثلهم الدولة السورية، وجيل كامل من هؤلاء السكان يعتقد أن الحكومة في دمشق بما يشمل النظام المخلوع أو السلطة الحالية، تتحفز للقضاء عليهم واعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية أو تهجيرهم. وربما هذا الجيل من الشباب بوجه خاص لا يعرف حتى اللغة العربية التي يتحدث بها أعداؤه المفترضين.

جرى بناء هذه السرديات خصيصاً لتكريس المشاريع الانفصالية وبناء حواجز كان يؤمل لها أن تستمر، ويجب أن تتلاشى قبل أن استرداد الأراضي الخاضعة لقسد. وما يجري في حلب هو بداية هذا الجهد وأساسه، ويبدو أن الدولة السورية متنبهة لهذه الأولوية. لذلك كان اتصال الرئيس أحمد الشرع مع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق مسعود بارزاني ضرورياً، لإرسال تطمينات للأكراد خارج وداخل سوريا. وهو عبّر عن ذلك بقوله إن الأكراد  “مكوّن أصيل وأساسي” من نسيج الشعب السوري، مؤكداً التزام الدولة “الكامل” بمساواتهم مع باقي أطياف الشعب “من دون تمييز”.

هذه المقاربة يمكن أن تكون أفضل بكثير جداً من التلويح بسوط الدولة وهيمنة الشرعية على “قسد”، فذلك يمكن أن يعزز من وجود المعارضين للاندماج مع الدولة، ويكون لهم دور تخريبي مؤثر، حتى لو كان محدوداً، والأخطر أن يقبل الناس بالاندماج مع الدولة وهم يشككون بنواياها، أو يعاملونها كخصم متغلب، فذلك سيفتح الباب للنكسة التالية، حتى وإن كانت غير منظورة حالياً.

وضع الأكراد في سوريا بحاجة إلى عناية خاصة، ليس فقط لأن ذلك من حقهم كمكون وطني كما قال الرئيس الشرع، لكن هذا المكون بالذات له خصوصية تتجاوز حساسية الأقليات وسعيها لاكتساب المواطنة الكاملة وكسر مخاوفها، فالأكراد قومية كبيرة تمتد عل أربع دول في المنطقة، ولئن كانت سوريا تضم أقل الأكراد عدداً، فقد أثبتت الأحداث أن الأمر لا يتعلق بالعدد، بل بالانتماء الوطني. ذلك أن الانتقال السكاني لا سيما من تركيا أمر ليس بالصعب، وفرص التمرد إن حصل لن يمنعه نقص العدد أو قوة الأمن، هذا فضلاً عن أن قضية الأكراد كانت دائماً سلاحاً بيد القوى الدولية والإقليمية لإثارة القلاقل واستنزاف الدول.

ما حدث في حلب فرصة لوضع مقاربات سليمة مع المكون الكردي بكامله، وليس “قسد” لوحدها. وهو ما نتوقع أن تنتبه له الدولة السورية وتتعامل معه بدقة وإخلاص.

المدن

—————————-

حيّ الشيخ مقصود: ذاكرة حصار 2016 تُغذّي توتراً جديداً في سوريا

 منهل باريش

 أثار التصعيد مخاوف من تدخل تركي، خاصة بعد اجتماع وزير الخارجية التركي مع نظيره السوري في باريس، حيث جرى الاتفاق على تبادل معلوماتي مع إسرائيل برعاية أمريكية.

في قلب مدينة حلب، التي شهدت أحد أفظع فصول الحرب السورية، يبرز حيّ الشيخ مقصود كرمزٍ للتناقضات السورية العميقة. فقد عاد اليوم إلى الواجهة كبؤرة توتر جديدة، بعد أن كان حاضراً بقوة في واحدة من أكثر محطات المدينة سواداً.

في عام 2016، شاركت وحدات حماية الشعب الكردية «YPG»، إلى جانب قوات النظام السوري، في قطع طريق الكاستيلو، الشريان الحيوي الأخير الذي ربط أحياء حلب الشرقية المحاصَرة بالعالم الخارجي. ولم يكن هذا الطريق مجرد خط إمداد عسكري، بل كان آخر خيط للحياة لمدينة كانت تُخنق ببطء تحت وطأة الحصار.

ومن النقاط المرتفعة داخل الشيخ مقصود، تعرّض مدنيون ومقاتلون من فصائل المعارضة للقنص والاستهداف المباشر، ما رسّخ في أذهان كثير من الحلبيين صورة الحي كجزء من آلة الحصار، لا كملاذٍ محايد أو منطقة خارج دائرة الصراع.

هذا التاريخ لم يُمحَ، بل بقي كامناً تحت سطح المدينة، ينتظر لحظة لينفجر. وقبل ما حصل قبل أيام، قُتل العشرات من مقاتلي فصائل المعارضة ومدنيين، بعد أيام من سقوط النظام. فالذين يجهلون جغرافيا المنطقة، ولا يعلمون بتقدّم المقاتلين الأكراد إلى مناطق جديدة، ضلّوا طرقهم وتعرّضوا للقنص من الأبنية العالية التي تُحكم السيطرة على عقد مواصلات مهمّة داخل حلب، وأخرى تربط المدينة بالشمال السوري.

تلك الذاكرة الثقيلة عادت لتفرض نفسها بقوة مع تجدّد الاشتباكات في الشيخ مقصود والأشرفية، خاصة بعد فشل اتفاق نيسان/أبريل 2025، الذي كان يهدف إلى دمج الإدارة الذاتية في الهيكل الحكومي الجديد. فالشيخ مقصود ليس حيّاً سكنياً عادياً، بل عقدة سياسية وعسكرية محمّلة بتاريخ من الاصطفافات المتناقضة، ما يجعل أي خطاب يُرفع باسمه – سواء تحت عنوان «المقاومة» أو «الدفاع عن الأهالي» ـ محاطاً بكثير من الريبة والأسئلة المفتوحة.

في الواقع، يعكس هذا الحي الوضع الكردي الأوسع في سوريا، حيث يسعى الأكراد إلى الحفاظ على مكاسبهم في شمال شرق البلاد، بينما يواجهون ضغوطاً من دمشق وأنقرة، وغموضاً من الحلفاء الدوليين.

من حصار الكاستيلو إلى عقدة الجغرافيا

على الأرض، بدت المواجهة في بدايتها محكومة بسقف منخفض نسبياً، لكنها سرعان ما تصاعدت إلى قصف مدفعي وصاروخي، ظهر الخميس، ما أدى إلى إعلان الجيش السوري الحيَّين ومناطق ملحقة بهما «مناطق عسكرية مغلقة». وتركّزت الاشتباكات على أطراف الحيّين، خاصة باتجاه بني زيد والليرمون، باستخدام أسلحة متوسطة ونيران قنص، قبل أن تنتقل إلى مرحلة أكثر خطورة مع استخدام القوة النارية الثقيلة.

هذا الشكل من القتال يعكس توازناً هشّاً بلا شك، حيث ضغط الجيش السوري دون اندفاع كامل إلى معركة شاملة داخل منطقة مكتظّة بالسكان، فيما تعتمد التشكيلات المسلحة داخل الحي على الدفاع المتحرّك والتحصّن داخل الكتل السكنية، مستفيدة من الجغرافيا العمرانية الضيقة والمعقّدة.

ومع ذلك، أدّى التصعيد إلى سقوط ما لا يقل عن 12 قتيلاً، بينهم مدنيون، ونزوح قرابة 159 ألف مدني، بحسب الدفاع المدني. وقد أعاد ذلك إلى الأذهان مشاهد النزوح القسري التي عرفتها حلب خلال سنوات الحرب السابقة. ووفق تقدير أولي صادر عن وزارة الطوارئ، فقد نزح خلال أيام قليلة عشرات الآلاف، غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن.

وتشير شهادات عاملين في الإغاثة إلى أن نسبة ملحوظة من هؤلاء النازحين توجّهت نحو منطقة عفرين في ريف حلب الشمالي، مستفيدة من الروابط العائلية والطابع الكردي للمنطقة، بحثاً عن مأوى أكثر أماناً. في المقابل، لجأت عائلات أخرى إلى أحياء داخل مدينة حلب أو إلى منازل أقارب لها في الريف القريب.

وأفاد نازحون بصعوبات كبيرة في تأمين السكن والخدمات الأساسية، في ظل ارتفاع تكاليف الإيجار وضعف القدرة الاستيعابية للمناطق المستقبِلة، فيما يحذّر عاملون في المجال الإنساني من أن أي انهيار جديد للتهدئة قد يدفع بموجة نزوح أكبر، خصوصاً باتجاه عفرين ومناطق ريف حلب، في وقت تعاني فيه هذه المناطق أصلاً من ضغط سكاني واقتصادي متزايد. الأمر الذي دفع الدفاع المدني إلى إنشاء 15 مركز إيواء للنازحين، 9 منها في عفرين و6 في مدينة أعزاز شمالاً.

في ذروة هذا التوتر، طرحت وزارة الدفاع السورية صيغة اتفاق تقوم على إخراج المقاتلين الأكراد من الشيخ مقصود والأشرفية بالسلاح الفردي فقط، مع تأمين حافلات لنقلهم، في محاولة لتجنّب مواجهة واسعة. ومن الناحية العسكرية، لم يكن هذا العرض تفصيلاً هامشياً، بل خطوة محسوبة لتفريغ الحي من السلاح المنظّم من دون الدخول في مواجهة مفتوحة ستكون كلفتها الإنسانية باهظة.

السماح بالخروج بالسلاح الفردي وحده اعتُبر تنازلاً مدروساً، يهدف إلى تفكيك البنية القتالية دون إذلال المقاتلين، وإبقاء باب التفاهم مفتوحاً. غير أن الاتفاق لم يصمد طويلاً، إذ رفض مجلسا الشيخ مقصود والأشرفية تنفيذ بند الخروج، فتوقفت الحافلات وعاد المشهد إلى نقطة الصفر صباح الجمعة. هذا التعثّر كشف مرة أخرى أن القرار العسكري لا ينفصل عن البنية السياسية والاجتماعية داخل الحي، وأن أي تفاهم لا يحظى بغطاء محلي حقيقي يبقى هشّاً، مهما بدا متماسكاً على الورق.

إدارة العمليات العسكرية أُسندت ميدانياً إلى قائد الفرقة 60، العميد عواد الجاسم (أبو قتيبة)، الذي قاد المفاوضات من موقع تطويق دون اقتحام كامل. أسلوبه عكس إدراكاً بأن الشيخ مقصود لا يمكن حسمه بالقوة وحدها، وأن أي خطأ في الحساب قد يحوّل الاشتباك المحدود إلى انفجار أوسع داخل مدينة بالكاد بدأت تلتقط أنفاسها بعد سنوات من الدمار.

وفي الوقت نفسه، أثار التصعيد مخاوف من تدخل تركي، خاصة بعد اجتماع وزير الخارجية التركي مع نظيره السوري في باريس، حيث جرى الاتفاق على تبادل معلوماتي مع إسرائيل برعاية أمريكية.

في المقابل، اختار الجانب الكردي رفع منسوب الخطاب السياسي والإعلامي. ففي تصريح ليل الجمعة، قدّم سيبان حمو، قائد قوات حماية الشعب، روايته لما يجري، واصفاً الهجمات على الشيخ مقصود والأشرفية منذ الخامس من الشهر بأنها «عنيفة جداً» وتُشنّ أمام «صمت العالم». وأعاد التأكيد على أن المقاومة في الشيخ مقصود «ثقافة متجذّرة»، وأن الأهالي قادرون على إفشال كل المخططات، في محاولة واضحة لإعادة تعريف الصراع كمقاومة شعبية لا كأزمة أمنية تتعلق بسلاح خارج سيطرة الدولة.

هذا الخطاب يعكس استراتيجية كردية أوسع تركز على الدعم الدولي، خاصة من الولايات المتحدة، التي ساعدت في تشكيل قوات سوريا الديمقراطية ضد «الدولة الإسلامية». غير أن حمو لم يكتفِ بذلك، بل استعاد اتفاق الأول من نيسان، الذي انسحبت بموجبه قوات سوريا الديمقراطية من الحيّين وسلّمت الحماية إلى المجالس المحلية وقوى الأمن الداخلي، ليؤكد أن «قسد»، وفق روايته، ليست طرفاً مباشراً في المواجهة الحالية.

عبّرت الأمم المتحدة عن «قلق بالغ» إزاء سقوط ضحايا مدنيين واحتمالات النزوح، ودعت إلى وقف التصعيد وفتح ممرات إنسانية. غير أن لغة البيان بقيت إنسانية بحتة، تتجنب تسمية المسؤوليات أو الاقتراب من جذور الأزمة، وكأن ما يجري حادث طارئ لا حلقة جديدة في صراع طويل.

كما رحّبت واشنطن بوقف إطلاق النار واعتبرته خطوة أولى، فيما قال المبعوث الأمريكي الخاص توماس باراك إن استمرار العنف في أحياء حلب الشمالية يقوّض فرص الاستقرار، مؤكداً أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. ويعكس هذا الموقف سياسة أمريكية تميل إلى إدارة الأزمة أكثر مما تسعى إلى حسمها، مع ترك الباب مفتوحاً أمام جميع الأطراف ما دام الوضع لم ينفجر بشكل يفرض تدخلاً أوسع.

في المقابل، شددت تركيا على موقفها الرافض لوجود قوات سوريا الديمقراطية في أحياء حلب، معتبرة ذلك تهديداً مباشراً لأمنها القومي. وبالنسبة لأنقرة، لا يُقرأ ما يجري في الشيخ مقصود بمعزل عن ملف الوجود الكردي المسلح على حدودها الجنوبية، ما يجعل الحي جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، لا مجرد أزمة محلية.

أما إسرائيل، فقد أدان وزير خارجيتها «الهجمات الخطيرة» على المدنيين الأكراد، ودعا المجتمع الدولي إلى عدم الصمت. وهو موقف بدا معزولاً نسبياً عن السياق الإقليمي، لكنه يعكس رغبة إسرائيلية دائمة في استخدام ملف الأقليات كورقة سياسية في الساحة السورية.

أما أوروبا، فغابت سياسياً إلى حدّ كبير، مكتفية بالحضور عبر قنوات الإغاثة ودعم الجهود الإنسانية. وقد عزّز هذا الغياب الانطباع بأن المجتمع الدولي يراقب ما يجري في الشيخ مقصود بقلق، لكنه يترك مصير الحي معلّقاً على توازنات السلاح والسرديات المتصارعة على الأرض.

بين ذاكرة ثقيلة تعود إلى حصار 2016، وواقع ميداني لا يحتمل انفجاراً جديداً، وخطابات متناقضة تحاول كل جهة عبرها إعادة تعريف ما يجري، يقف حيّ الشيخ مقصود مرة أخرى عند مفترق طرق. وفي مدينة دفعت أثماناً باهظة للحرب، يبقى الخوف الأكبر أن يتحوّل الشيخ مقصود إلى عقدة جديدة في جسد حلب المنهك، بدلاً من أن يكون محطة أخيرة قبل تسوية طال انتظارها.

إلا أن الحسم العسكري لصالح السلطة يبدو الخيار الأكثر ترجيحاً، بسبب عدم وجود قوة عسكرية وازنة داخل الحي، وهو ما اتّضح منذ اليوم الأول للهجوم. وعليه، تسعى الإدارة الذاتية إلى الحفاظ على أي وجود تمثيلي كردي، ولو رمزي، مثل «الحماية الكردية» ومجلس محلي لسكان الحيّين، بحسب ما قالت إلهام أحمد فجر السبت، حيث رحّبت بعرض القوى الدولية الوسيطة بإعادة تموضع القوات الموجودة في الشيخ مقصود إلى شرق الفرات بشكل آمن، شريطة ضمان ذلك التمثيل.

القدس العربي

—————————————

حلب تلتئم.. عملية عسكرية تعلي حماية المدنيين فوق كل اعتبار/ أغيد أبو زايد

يناير 11, 2026

في وقت قياسي، أنهى الجيش العربي السوري العمليات الأمنية في حيي الأشرفية والشيخ مقصود بمدينة حلب، شمالي سوريا، في عملية جمعت بين الحسم العسكري وتخفيف التداعيات الإنسانية، إذ وضعت هيئة العمليات العسكرية حماية المدنيين في أولوياتها وترجمت ذلك على أرض الواقع من خلال عدة إجراءات تنسجم مع القانون الدولي الإنساني.

واستبعدت الحكومة السورية، على رأسها وزارة الدفاع، القيام بعملية عسكرية خاطفة وحسمها خلال ساعات، حرصا منها على وقوع ضحايا بين المدنيين، نظرا لانتشار تنظيم “قسد” في الأحياء السكنية وتمركزهم في مواقع حيوية، حيث حول المدارس ومستشفيات إلى مقرات عسكرية، ما أوجب على الجيش السوري اتخاذ إجراءات احتياطية أكبر.

وأعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري صباح السبت، الانتهاء من من تمشيط حي الشيخ مقصود بشكل كامل، حيث واجه الجيش صعوبات كبيرة خلال عمليات التمشيط، بسبب اتخاذ تنظيم “قسد” للمدنيين كدروع بشرية، وتمركزه بمنازل الأهالي، الأمر الذي يُعد خرقا صريحا للقانون الدولي ويصنّف على أنه “جريمة حرب”، بحسب اتفاقية “جنيف الرابعة”.

 نموذج يحتذى به

قبل البدء بالعملية العسكرية في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري اعتبار مواقع تنظيم “قسد” أهدافا عسكرية مشروعة، داعية المدنيين للابتعاد عنها، إذ أعلن عن فتح معبرين إنسانيين، لخروج المدنيين من الحيين، حيث غادر نحو 155 ألف شخص، توجهوا إلى أحياء مدينة وريفها، بينما تم افتتاح مراكز إيواء مؤقتة لهم.

إضافة إلى ذلك، انخرط الجيش السوري عمليا في تأمين المدنيين ونقلهم بعيدا عن خطوط التماس مع تنظيم “قسد”. بينما لم تكن العمليات العسكرية مفاجئة، بل أعلن الجيش السوري عن موعد انطلاقها، ووجه تعليمات ليتمكن المدنيون ممن لم يستطيعوا المغادرة، حماية أنفسهم.

الخبير العسكري والاستراتيجي، العقيد عبد الجبار العكيدي، اعتبر أن سير العملية العسكرية كانت ناجحة، وهي نموذج يحتذى به على مستوى الجيوش، كونها “عملية دقيقة جداً، محدودة، محكمة بتكتيك عسكري أمني استخباراتي وحرفي عالي جدا، وتمت بأقل الخسائر”.

إذ أخذت العملية بعين الاعتبار الحفاظ على المدنيين وممتلكاتهم، وهي “تنسجم مع المعايير والقوانين الدولية التي راعت حقوق الإنسان وراعت أن تكون عملية نظيفة جداً”.

أما فيما يخص نشر وزارة الدفاع الخرائط وإخراج المدنيين، قال العكيدي في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، إن “أرقى الجيوش في العالم وأكثرها احترافية وأقواها هي التي تقوم بهكذا خطوات، موضحا أن هذه الإجراءات، من نشر خرائط ومواقع وتحذير الناس بالابتعاد عن المقار العسكرية وعن النوافذ والنزول إلى الطوابق السفلية يؤكد أن الجيش السوري كان حريصا على المدنيين والأرواح”.

يتفق في ذلك، المحلل الاستراتيجي العميد زاهر الساكت، بقوله لصحيفة “الثورة السورية”: إن “العملية العسكرية لا تُعتبر حربًا شاملة أو محدودة، بل هي عمليات عسكرية دقيقة وجراحية، وذلك نظرًا لحساسيتها، حيث تُنفذ في مناطق مأهولة بالمدنيين”، مشيرا إلى أنها جاءت استجابةً لنداء أهالي حلب الذين عانوا طويلًا مما وصفه بـ “الإرهاب المستمر على يد الجماعات الإرهابية العابرة للحدود، وعلى رأسها تنظيمات قسد و بي كي كي”.

ونشرت هيئة العمليات العسكرية 12 خريطة قبل قيام الجيش “باستهدافات مركزة باتجاهها”، بينما طلب من سكان المناطق المحددة في الخرائط إخلائها فوراً للحفاظ على سلامتهم بسبب اتخاذها من قبل “قسد” كمواقع عسكرية. كما أرسل رسائل نصية إلى السكان في الشيخ مقصود والأشرفية عبر شبكات الاتصالات، لتحذيرهم بالابتعاد عن مواقع محددة.

إذ أكد المختص في القانون الدولي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني، في حديث لصحيفة “الثورة السورية” أن “الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية تعتبر قرينة قانونية قوية على احترام مبدأ الاحتياطات، حتى لو وقعت أضرار عرضية غير مقصودة”. إذ تنص القاعدة 15 من القانون الدولي الإنساني العرفي على أنه “يجب اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب أو تقليل الضرر اللاحق بالمدنيين”.

واتخذت الحكومة السورية قرارا بإنهاء حالة عدم الاستقرار في مدينة حلب، والتي أدت إلى شلل شبه تام في الحياة هناك نتيجة المطالب الشعبية لإيقاف انتهاكات تنظيم “قسد” التي أدت إلى وقوع عشرات الشهداء والجرحى باستهداف الطرق الحيوية في مدينة حلب والأحياء السكنية، حيث صعد التنظيم من استهداف الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي خلال شهر كانون الأول الماضي وبداية عام 2026، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 25 جنديا وإصابة العشرات.

دلالات إنهاء العمل بزمن قياسي

انتهت العملية العسكرية صباح السبت، في وقت قياسي وبالحدود الدنيا من الخسائر، إذ وصف العكيدي العملية بـ “عمل دقيق أشبه بعمل جراحي وكانت ناجحة جدا، معتبرا أنها “اختبار للجيش العربي السوري وللدولة السورية على المستوى السياسي والعسكري والأمني والأخلاقي والقيمي أيضا”.

حيث سارت العملية “وفق الخطط الموضوعة لها، بوجود رئيس الأركان بوجود نائب وزير الداخلية وقادة الفراق وكبار القادة العسكرية وبإشراف مباشر من الرئيس السوري أحمد الشرع، وهذا يدل حقيقة على حرص كبير على أن تكون هذه العملية ناجحة وأفشلت رهانات تنظيم قسد”.

ووفق حديث العميد، أسعد الزعبي، لصحيفة “الثورة السورية”، فإن خطة وزارة الدفاع كانت قائمة على التخطيط الجيد واحترام الجانب الإنساني ومراعاة العهود والحفاظ على حياة المدينين وهذا تُرجم من خلال نشر خراط وتعليمات.

واعتبر الزعبي أن نشر الخرائط وإنهاء العمل العسكري بوقت قياسي وخسائر محدودة جدا، يدل على القوة والثقة العالية لعناصر الجيش السوري، وأنه “قادر على تحقيق النجاح بكل الأحوال”.

بعد إنهاء العمليات العسكرية في مدينة، فإن الأنظار تتجه إلى مناطق يُسيطر عليها تنظيم “قسد”، إذ يرى العقيد عبد الجبار العكيدي أن “تحرير الأشرفية والشيخ مقصود له ما بعده، باتجاه مناطق الجزيرة السورية وخاصاً دير حافر والرقة ودير الزور والحسكة”.

إذ إن سير العمليات العسكرية في مدينة حلب له دور كبير في ذلك، “بدءا من الخطط العملياتية وصولا إلى النموذج الرائع في التعامل مع المدنيين”، معتبرا أن هذه المعركة ورقة قوة بيد الحكومة السورية، خاصة وأن الجيش السوري كسب المعركة ليس فقط عسكرياً وإنما أخلاقياً وقيمياً وانسانياً أيضا.

وجاءت العملية في حيي الأشرفية والشيخ مقصود بهدف إعادة الاستقرار إلى مدينة حلب وحماية المدنيين من الاستهدافات العشوائية لتنظيم “قسد”، حيث كثف التنظيم في الشهر الأخير من استهداف الأحياء بالأسلحة مستخدما المدفعية الثقيلة وطائرات مسيرة انتحارية، حيث تم استهداف حي الميدان ومنطقة دوار الشيحان وشارع النيل أكثر من 350 مرة خلال الشهر الماضي فقط، ما يعد انتهاكا صريحا للاتفاقيات الموقعة مع الحكومة السورية، خاصة اتفاق آذار ونيسان.

وقال محافظ حلب عزام الغريب، في مؤتمر صحفي السبت، إن تنظيم “قسد” لم ينفذ اتفاق الأول من نيسان بخصوص خروج قواته من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، وجعل منها منطلقاً لاستهداف مواقع الجيش والأمن الداخلي والأحياء المجاورة. وأكد أن “انتهاكات التنظيم تكررت مراراً، والدولة تحلت بالصبر ودعت للتهدئة حفاظاً على حياة الناس، لكن “قسد” صعدت اعتداءاتها على أحياء حلب وتسببت بمقتل 6 مدنيين وإصابة أكثر من 70 آخرين، معظمهم نساء وأطفال.

ولم يُرصد أي انتهاكات أو تجاوزات خلال العملية العسكرية التي استمرت لثلاثة أيام متتالية، بل عكست صورة جيدة عن انضباط الجيش السوري والقوى الأمنية، ناهيك عن إرسال رسائل طمأنة للمكون الكردي في الشيخ مقصود والأشرفية، ما شجعهم على الخروج إلى أحياء مدينة حلب، وهذا يعزز عامل الثقة بين مكونات الشعب السوري.

خلافات داخل “قسد”

خلال العملية العسكرية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، برزت خلافات داخل تنظيم “قسد”، بين من يريد الانسحاب من جهة، ومن يُصر على المواجهة، خاصة وأن هيئة العمليات العسكرية في الجيش العربي السوري دعت عناصر التنظيم إلى تسليم أنفسهم وسلاحهم لأقرب نقطة عسكرية مقابل ضمان حياتهم وسلامتهم الشخصية.

وأوضح الباحث السياسي والاستراتيجي، العقيد عبد الجبار العكيدي، أن موضوع الخلافات كانت واضحة من أجل خروج عناصر تنظيم “قسد” من الشيخ مقصود، موضحا أن الخلافات “كانت كبيرة بين بين عناصر قنديل (البي كي كي) من جهة، وبين الأكراد السوريين من جهة أخرى.

وأضاف العكيدي لـصحيفة “الثورة السورية”: “بالأصل هناك خلافات حتى في الجزيرة السورية لأن من يسيطر على القرار هم عناصر البي كي كي، وهم أصحاب القرار الحقيقي والنفوذ”.

بحسب ما أعلنت وزارة الدفاع، فإن نحو 200 عنصر من تنظيم “قسد” أقدموا على الانشقاق وتسليم أنفسهم إلى الجيش السوري، بينما قامت القوى الأمنية بتأمينهم.

ورصد الجيش السوري خلال العملية العسكرية، وجود عناصر من تنظيم “البي كي كي”، بينما أكد وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، أن مجموعات تنظيم “قسد” و”حزب العمال الكردستاني” حوّلت عدداً من المرافق المدنية في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب إلى نقاط تمركز.

وأعلنت وزارة الصحة قالت أن تنظيم “البي كي كي” الإرهابي والمجموعات المسلحة المرتبطة به قاموا بطرد العاملين والأطباء من مستشفى ياسين في حي الشيخ مقصود، وحولوه إلى نقطة عسكرية يتحصنون بها.

إذن، العملية العسكرية جاءت لإعادة الاستقرار إلى مدينة حلب وإعادة أملاك المواطنين التي اغتصبتها “قسد” ضمن الأحياء وفي محيطها من الأهالي وحولتها إلى نقاط عسكرية وثكنات تستهدف الجيش منها، بعد محاولات الحكومة السورية على مدار عام كامل لتجنب الصدام العسكري وحل المسألة بالحوار.

وقالت وزارة الخارجية السورية في بيان السبت، أن الحكومة انتهجت، منذ تاريخ التحرير في الثامن من كانون الأول لعام 2024، نهجاً وطنياً شاملاً يهدف إلى توحيد المسار الأمني وتوطيد سلطة مؤسسات الدولة الشرعية كشرط أساسي للاستقرار، وفي هذا الإطار تم التوصل لاتفاقيات أمنية في نيسان 2025 بهدف إنهاء جميع المظاهر العسكرية غير الحكومية في الحيين، إلا أن هذه الاتفاقيات تراجعت لاحقاً إثر الانتهاكات المتكررة، بما في ذلك الهجمات المسلحة التي انطلقت من داخل الحيين ضد المناطق السكنية في مدينة حلب في السابع والثامن من الشهر الجاري وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين.

وأكدت أن هذا التدخل لا يُعد حملة عسكرية، ولا ينطوي على أي تغيير ديموغرافي، ولا يستهدف أي فئة سكانية على أسس عرقية أو دينية، إذ اقتصر على جماعات مسلحة محددة تعمل خارج أي إطار أمني متفق عليه، والتي عرقلت أنشطتها تنفيذ التفاهمات السابقة وارتبطت بانتهاكات خطيرة بما في ذلك تجنيد القاصرين.

الثورة السورية

————————–

تعزيزات عسكرية لـ “قسد” في دير حافر والجيش يرفع الجاهزية لمواجهة السيناريوهات

11 يناير 2026

أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري، رصد طائرات الاستطلاع التابعة لها قيام “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) باستقدام مجاميع مسلحة وعتاد متوسط وثقيل إلى جبهة دير حافر شرق محافظة حلب.

وأوضحت الهيئة، في تصريح للوكالة السورية للأنباء “سانا”، أنه لم يتم التحقق بعد من طبيعة هذه الحشود والتعزيزات التي دفعت بها “قسد” إلى المنطقة.

وفي ضوء هذه التطورات، أكدت هيئة العمليات أنها استنفرت قواتها وقامت بتعزيز خط الانتشار العسكري شرق حلب، مشددة على جاهزيتها للتعامل مع كافة السيناريوهات المحتملة.

يأتي ذلك في وقت أصدرت فيه عمليات الأمن الداخلي في منطقة منبج وإدارة منطقة جرابلس بريف حلب تعاميم حذرت فيها من “احتمال وجود تهديدات ناتجة عن طائرات مسيرة مفخخة”، وطالبت المواطنين بتجنب التجمعات في الأماكن العامة والانتباه أثناء التنقل والإبلاغ الفوري عن أي جسم مشبوه.

من جهة أخرى، أفاد مصدر في وزارة الداخلية لوكالة “فرانس برس” بأن السلطات السورية أجلت نحو 400 مقاتل من مدينة حلب إلى مناطق شمال شرقي سوريا، كما أوقفت أكثر من 300 شخص، بينهم مقاتلون وعناصر من جهاز الأمن الداخلي التابع لـ”قسد” على خلفية التطورات الأمنية الأخيرة.

وشهدت حلب، فجر اليوم الأحد، خروج الدفعة الأخيرة من مقاتلي “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من حي الشيخ مقصود، منهيةً بذلك وجودها العسكري داخل المدينة، بعد خمسة أيام من المواجهات العنيفة والدامية مع الجيش السوري، جرت خلالها محاولات عديدة للوصول إلى اتفاق يقضي بانسحاب مقاتلي “قسد” من الحيّين، لكنها فشلت.

وأعلنت “قسد”، بعد منتصف ليل السبت – الأحد، انسحاب عناصرها من حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود، حيث قال القائد العام للقوات، مظلوم عبدي، في بيان عبر منصة “إكس”، إن تفاهمًا جرى التوصل إليه “يُفضي إلى وقف إطلاق النار وتأمين إخراج الشهداء والجرحى والمدنيين العالقين، إضافة إلى المقاتلين، من حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود إلى مناطق شمال وشرق سوريا”.

ودعا عبدي الوسطاء الالتزام بتعهداتهم، ولا سيما ما يتعلق بوقف الانتهاكات وضمان عودة آمنة للمهجَّرين إلى منازلهم، في وقت نشرت فيه وسائل إعلام رسمية وغير رسمية مشاهد تُظهر بدء عودة عدد من أهالي الحيّين إلى منازلهم.

وفي السياق، تداولت شبكات إخبارية محلية ووسائل إعلام رسمية صورًا ومقاطع فيديو تُظهران خروج حافلات تقلّ مقاتلي “قسد” باتجاه مناطق شمال وشرق سوريا الخاضعة لسيطرتها.

——————-

البارزاني قاد جهود احتواء مواجهات حلب بين “قسد” والحكومة السورية/ عادل النواب

11 يناير 2026

قالت مصادر كردية عراقية في مدينة أربيل شمالي العراق، اليوم الأحد، لـ”العربي الجديد”، إن زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود البارزاني، قاد جهود تهدئة غير معلنة بين الحكومة السورية في دمشق، وقائد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” مظلوم عبدي، لاحتواء الموقف ومنع استمرار المواجهات في حلب، أو دفع “قسد” بقوات جديدة إلى منطقة المواجهات.

وأجرى الرئيس السوري أحمد الشرع والبارزاني، الجمعة، اتصالاً هاتفياً بُحثَت خلاله أزمة المواجهات في حلب، وفقاً لبيان صدر عن الجانب الكردي في إقليم كردستان العراق. ونقل البيان عن الشرع قوله إن “الكرد مكوّن أصيل وأساسي من الشعب السوري”، مشدداً على “التزام الدولة السورية الكامل بضمان جميع الحقوق الوطنية والسياسية والمدنية للكرد وبقية المكوّنات الأخرى في سورية، على قدم المساواة ومن دون تمييز”.

ولفت البيان إلى أنه “في الاتصال نفسه، أعرب الرئيس بارزاني عن تقديره لرؤية الرئيس الشرع، وأكد دعمه لإرادة السوريين وتطلعاتهم في بناء دولة جامعة تضم كل الأطراف والمكوّنات ويكون الجميع شركاء فيها”، وفقاً للبيان. فيما قدمت وزارة الخارجية السورية، في بيان لها، الشكر لعدة جهات على جهودها في “دعم استقرار سورية”، من بينهم مسعود البارزاني.

وفي هذا السياق قال مسؤولون أكراد في أربيل لـ”العربي الجديد”، إن “شخصية سياسية سنية في بغداد، تمتلك علاقات وثيقة بالرئيس السوري أحمد الشرع، وبالبارزاني، رتبت الاتصال الهاتفي بين الجانبين، الذي نتج منه تفاهمات وتقارب بوجهات النظر حول أزمة حلب والاشتباكات الجارية، وأهمية منع توسع المواجهات، واعتماد الحوار خياراً وحيداً ورئيساً في التوصل إلى حلول لمشاكل الدولة السورية مع “قسد””.

هذه المعلومات أكدتها وسائل إعلام سورية قالت، أمس السبت، إن اتصالاً جرى بوساطة شخصية عراقية سنية، نتج منه احتواء الموقف ومنع توسّع الأزمة، دون أن تذكر اسم هذه الشخصية، لكن الخبير السياسي الكردي ياسين عزيز قال لـ”العربي الجديد”، إن “الشخصية المقصودة هي على الأغلب الزعيم السني خميس الخنجر، لارتباطه بعلاقات مهمة بالطرفين”. وأضاف عزيز أنه “مع اندلاع الأزمة في حلب، قاد البارزاني جهوداً، لعدم توسع المواجهات والعمل على احتوائها، منها اتصالات مع المبعوث الأميركي توم باراك، والرئيس السوري أحمد الشرع”.

وفي السياق، كشف القيادي بالحزب الديمقراطي الكردستاني، وفاء محمد كريم، لـ”العربي الجديد”، عن “اتصالات مكثفة تجري بين البارزاني والقيادة الكردية في سورية، بهدف دعم الاستقرار، وتأكيد ضرورة أن يكون للكرد استحقاق وكيان سياسي معتبر في سورية”، وفقاً لقوله. واعتبر كريم أن تحركات البارزاني الأخيرة في أحداث حلب جاءت “لمنع نزف الدم الكردي في سورية، وتدخل وأتمّ التهدئة، ولهذا جاء شكر البارزاني بشكل رسمي من قبل وزارة الخارجية السورية”، وفقاً لقوله.

في المقابل، قال الباحث في الشؤون الاستراتيجية مجاشع التميمي، لـ”العربي الجديد”، إنه “يمكن قراءة شكر وزارة الخارجية السورية لبارزاني في سياق الدور المتنامي الذي يلعبه إقليم كردستان كقناة تواصل غير صدامية في المشهد السوري، خصوصاً في ما يتعلق بالملف الكردي، خصوصاً أن البارزاني يمتلك رصيداً سياسياً لدى أطراف كردية سورية، وعلاقات مفتوحة مع عواصم إقليمية ودولية، ما يجعله وسيطاً مقبولاً نسبياً في لحظات التوتر”.

وبحث بارزاني مع المبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك، الجمعة الماضية، التوتّرات في سورية، مع التشديد على ضرورة بذل الجهود كافة للتهدئة وإنهاء الصدامات. وأعلن قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مظلوم عبدي، في وقت سابق، التوصل، بوساطة أطراف دولية، إلى تفاهم يقضي بوقف إطلاق النار في مدينة حلب، وتأمين إخراج القتلى والجرحى، إضافة إلى المدنيين العالقين والمقاتلين من حيّي الأشرفية والشيخ مقصود باتجاه شمال سورية وشرقها.

العربي الجديد

—————————

أسايش” تعلن مقتل قياديين خلال المواجهات في حلب

أعلنت “قوى الأمن الداخلي” (أسايش)، التابعة لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، مقتل اثنين من أبرز قيادييها في مدينة حلب، إثر المواجهات العسكرية التي تشهدها الأحياء ذات الغالبية الكردية في المدينة.

ونقلت وكالة “هاوار” (التابعة للإدارة الذاتية)، اليوم الأحد، بيانًا لـ “أسايش” أعلنت فيه مقتل كل من القيادي زياد حلب (زياد زعيم قدور) والقيادي آزاد حلب (وضاح صلاح بلال)، خلال ما وصفته بـ “المقاومة” في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب.

رمزية” زياد حلب”

يُعد “زياد حلب” من الشخصيات الأمنية الأكثر نفوذًا وإثارة للجدل في حيي الشيخ مقصود والأشرفية.

ورغم قلة ظهوره الإعلامي، شغل منصب عضو قيادة “أسايش” في المنطقة، واعتُبر المحرك الأساسي للعمليات القتالية والقرارات العسكرية داخل الأحياء الكردية خلال التصعيد الأخير.

وارتبط اسم “زياد” بإدارة ملفات الأزمات الأمنية التي مرت بها المنطقة، وبرز اسمه مؤخرًا كـ “رجل القرار الأول” في المواجهات الميدانية ضد الجيش السوري.

وقبل أحداث حلب الأخيرة كان يعرف باعتباره قياديًا في “قسد” وليس في “أسايش”، ما يؤكد ارتباط المقاتلين في حلب بـ”قسد”، وهو ما كانت تنفيه القوات خلال العمليات الأخيرة.

تصريحات أخيرة ورفض الخروج

وفي آخر ظهور إعلامي له قبل مقتله، أبدى “زياد حلب” موقفًا متشددًا إزاء خيارات الانسحاب من أحياء حلب، مؤكداً رفضه سيناريوهات النقل بالحافلات نحو مناطق شرق الفرات، واصفًا إياها بأنها “مرفوضة في قاموس المقاومة الكردية”.

واتهم القيادي في “أسايش” الحكومة السورية بزجّ عناصر من تنظيمات متشددة تحت راية وزارة الدفاع التابعة لها لمهاجمة المدنيين، وفق قوله، مشيرًا إلى أن القصف استهدف مناطق حيوية وأدى إلى نقص حاد في الأدوية.

أما القيادي آزاد حلب (وضاح صلاح بلال) فلم توفر عنه “أسايش” أي معلومات، حتى لحظة إعداد هذا الخبر، سوى اسمه الحقيقي، موضحة في بيانها أن “زياد وآزاد” قتلا في 10 من كانون الثاني 2025.

وشهدت الأحياء ذات الغالبية الكردية في مدينة حلب حالة من التوتر العسكري الذي تصاعد لمواجهة مباشرة بين “أسايش” والجيش السوري اعتبارًا من 6 من كانون الثاني.

وانتهت المواجهات بسيطرة القوات الحكومية على الحيين وإجلاء مقاتلي “أسايش” فجر اليوم الأحد 11 كانون الثاني نحو شرق الفرات الخاضع لسيطرة “قسد”.

——————–

 أنقرة: أحداث حلب لن تؤثر على عملية “تركيا خالية من الإرهاب”

2026.01.11

حمّلت مصادر أمنية في أنقرة قيادة حزب العمال الكردستاني مسؤولية سقوط ضحايا مدنيين خلال التطورات الأمنية التي شهدها حيا الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب.

وأكدت مصادر تركية لموقع BBC تركيا، أن عملية “تركيا خالية من الإرهاب”، التي تتبناها الحكومة التركية، مستمرة دون تغيير، مشددة على أن الأحداث الأخيرة في حلب لن تؤثر على مسار هذه العملية أو أهدافها.

ووفق تقييم شامل نشرته وزارة الدفاع التركية في 10 كانون الثاني/يناير، فإن الحكومة السورية تجري منذ نحو عشرة أشهر مفاوضات سياسية على مستويات متعددة بهدف ضمان انسحاب “قسد” من منطقتي الشيخ مقصود والأشرفية دون اللجوء إلى المواجهة العسكرية.

وأفادت مصادر مطلعة بأن جهاز المخابرات التركي كان على تواصل وثيق مع الحكومة السورية والولايات المتحدة في هذا السياق، وتمت، بناءً على ذلك، مخاطبة “قوات سوريا الديمقراطية” عبر قنوات مختلفة، في إطار مساعٍ لاحتواء التصعيد.

وبحسب المصادر، بذل جهاز المخابرات التركي جهوداً مكثفة منذ بداية الأزمة للدفع نحو إنهاء التوتر من خلال المصالحة والحوار، مشيرة إلى أن قائد “قسد” مظلوم عبدي، والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد، أظهرا إلى جانب شخصيات أخرى، انفتاحاً نسبياً على تسوية سياسية.

تركيا تطالب كل فصيل مرتبط بالعمال الكردستاني بتسليم سلاحه بما في ذلك “قسد”

والثلاثاء الفائت أكد وزير الدفاع التركي يشار غولر، أن على جميع الفصائل المسلحة “الكردية” أن تسلم سلاحها، “بما يشمل سوريا”، ذاكراً قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بالاسم.

وقال الوزير خلال احتفال في أنقرة “على حزب العمال الكردستاني وكل الفصائل المرتبطة به أن توقف فوراً أي نشاط إرهابي في كل المناطق حيث هي، بما يشمل سوريا، وأن تسلم سلاحها من دون شروط، تماشياً مع قرار حلها”.

وأضاف “لن نسمح لأي تنظيم إرهابي، وخصوصاً حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديموقراطية، بأن يرسخ وجوده في المنطقة”.

——————–

 الجيش السوري يرصد حشوداً عسكرية لـ “قسد” في دير حافر ويستنفر قواته

2026.01.11

أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري الأحد، استنفار قواتها بعد رصدها تحركات عسكرية لقوات سوريا الديمقراطية في منطقة دير حافر بريف حلب الشرقي.

وقالت الهيئة إنها رصدت، عبر طائرات الاستطلاع، استقدام قوات سوريا الديمقراطية “قسد” مجاميع مسلحة وعتادا متوسطا وثقيلا إلى جبهة دير حافر.

وأكدت الهيئة لوكالة “سانا” أن طبيعة هذه الحشود والتعزيزات لا تزال غير واضحة حتى الآن، وسط مؤشرات على تحركات عسكرية غير معتادة في المنطقة.

وأضافت أن القوات المسلحة السورية رفعت درجة الجاهزية، وعززت خطوط الانتشار في شرق حلب، تحسبا لأي تطورات ميدانية محتملة، مؤكدة استعدادها الكامل للتعامل مع جميع السيناريوهات حفاظًا على أمن المنطقة واستقرارها، وأضافت “نحن مستعدون لكل السيناريوهات”.

وكان الجيش السوري قد أكد أمس، أن “قسد” تطلق المسيّرات من أماكن تمركزها في دير حافر، مستهدفة أحياء حلب، حيث استهدفت طائرة “مسيّرة انتحارية” مبنى المحافظة قبيل انتهاء مؤتمر صحفي ضم وزير الإعلام حمزة المصطفى ووزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات ومحافظ حلب عزام الغريب.

“قسد” تجلي آخر عناصرها من الشيخ مقصود

وأمس السبت أجلت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” آخر مجموعاتها المسلحة من حي الشيخ مقصود في مدينة حلب، بعد اتفاق مع الجيش السوري، أنهى مواجهات واشتباكات شهدتها المنطقة خلال الأيام الماضية.

وخرج مئات المقاتلين من الحي بإشراف الجيش السوري والأمن الداخلي إلى مدينة الطبقة في ريف الرقة الشرقي، الخاضعة لسيطرة “قسد”.

أفاد مصدر في وزارة الداخلية السورية لوكالة فرانس برس بأن السلطات السورية أجلت نحو 400 مقاتل كردي من مدينة حلب إلى مناطق شمال شرقي سوريا، عقب مواجهات شهدتها المدينة خلال الأيام الماضية.

وقال المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إن عملية الإجلاء شملت 360 مقاتلاً و59 جريحاً غادروا حي الشيخ مقصود ذي الغالبية الكردية باتجاه شمال شرقي البلاد.

ارتفاع عدد ضحايا قصف “قسد” للأحياء السكنية في حلب

واليوم الأحد قالت مديرية صحة حلب، إن عدد الضحايا من جراء استهداف “قوات سوريا الديمقراطية – قسد” للأحياء السكنية في مدينة حلب، على مدار الأيام الخمسة الماضية، بلغ 153 ضحية.

وأوضح مدير إعلام المديرية، منير المحمد، لوكالة الأنباء السورية (سانا)، أن استهداف “قسد” للأحياء السكنية منذ يوم الثلاثاء الفائت أسفر عن مقتل 24 شخصاً وإصابة 129 آخرين.

—————————-

=====================

تحديث 10 كانون الثاني 2025

————————-

الحكومة السورية: ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية نقطة تحوّل/ عامر السيد علي

10 يناير 2026

قال محافظ حلب عزام الغريب، إنّ الحكومة السورية تعاملت بـ”صبر” مع الاستهداف المتكرر لنقاط الأمن الداخلي من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مؤكداً أن الهدف الأساسي من تحركات القوات الأمنية في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية هو “سلامة الأهالي”. وجاء ذلك خلال مؤتمر صحافي عُقد اليوم السبت في مبنى محافظة حلب، ضم محافظ حلب ووزيرَي الإعلام والشؤون الاجتماعية والعمل، لبحث آخر التطوّرات الأمنية والإنسانية في الحيَّين شمالي المدينة.

وأشار الغريب إلى أن السلطات استقبلت نحو 155 ألف نازح من الحيّين، وجرى تشكيل لجنة مركزية لاستجابة حلب تضم مديريات الصحة والشؤون الاجتماعية والعمل والتعاون الدولي. وأضاف أن حلب “عبر التاريخ مشهورة بحالة العيش المشترك بين جميع أبنائها”، مؤكداً العمل على تجهيز المدارس لاستئناف العملية الدراسية، وتفعيل المراكز الصحية في الحيَّين.

وأوضح محافظ حلب أن الحكومة ستؤمّن دخول المؤسّسات الحكومية لتنظيم عودة الأهالي إلى منازلهم، لافتاً إلى أنه جرى التواصل مع مخاتير الأحياء أكثر من مرة لعرض إدخال المساعدات الإنسانية، “لكن الأمر كان يقابل بالرفض من تنظيم قسد”، وشدّد على أنّ السلطات “لا تملك أي نيّات انتقامية من أي أحد”، مؤكداً أن من ارتكب جرائم “سيُحاكم وفق القوانين”.

من جهته، قال وزير الإعلام حمزة المصطفى إنّ حلب، “العاصمة الاقتصادية لسورية”، كانت تحت “تهديد يومي” من تنظيم قسد، معتبراً أن الإعلام الوطني تعامل مع الأحداث “بموضوعية من حيث المعلومات وإيضاح ما يحصل”، وأضاف أن مهمة الإعلام في “سورية الجديدة” أن يكون منفتحاً ويعتمد على معلومات “مبنية على الحقائق”.

وشدّد المصطفى على أن الدولة “ليست ضعيفة”، لكنها تفضّل الحلول السياسية التي تجنب الصراعات، مشيراً إلى أن قوات الأمن الداخلي نفذت “عملية أمنية دقيقة حفاظاً على حياة المدنيين” في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية. وذكّر بأن اتفاق الأول من نيسان/إبريل كان يقضي بإخراج الأسلحة الثقيلة التابعة لتنظيم قسد من الحيَّين، معتبراً أن “ما بعد أحداث الأشرفية والشيخ مقصود يختلف عمّا قبله”، ومؤكداً أن الحكومة كانت تفضّل الحلول السياسية والتفاوضية على أي خيارات أخرى.

واعتبر وزير الإعلام أن “الشعب السوري يستحق حكومة تستثمر في تنميته”، وأن “سيادة سورية وشعبها واستقلالها مسألة غير قابلة للنقاش”، كما أكّد أنه “لا يمكن لأي حكومة أن تقبل بما قام به تنظيم قسد من القصف اليومي للأحياء المدنية”، معتبراً أن واجب الحكومة الأساسي هو حماية مواطنيها من أي اعتداء.

بدورها، دعت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات إلى إيقاف خطاب الكراهية، مؤكّدة أن “المكوّن الكردي جزء لا يتجزأ من الشعب السوري”. وحثّت السوريين على التكاتف ونبذ محاولات التحريض، مشيرة إلى أن الوزارة تعمل على تأمين احتياجات النازحين في مراكز الإيواء بحلب، بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني والمنظمات المحلية.

وكانت هيئة العمليات في الجيش السوري، قد أعلنت اليوم السبت، وقف جميع العمليات العسكرية داخل حي الشيخ مقصود في مدينة حلب، اعتباراً من الساعة الثالثة بعد الظهر، وفق بيان رسمي نقلته وكالة الأنباء السورية “سانا”، وقالت الهيئة إنّ مسلحي “قسد” المتحصّنين داخل مشفى ياسين سيجري ترحيلهم باتجاه مدينة الطبقة بعد سحب أسلحتهم، في إطار الترتيبات الأمنية الجارية داخل الحي. وأضافت الهيئة أن الجيش السوري سيبدأ بتسليم جميع المرافق الصحية والحكومية إلى مؤسسات الدولة المختصّة، على أن ينسحب تدريجياً من شوارع حي الشيخ مقصود، بالتوازي مع تثبيت الوضع الأمني في المنطقة.

في المقابل، نفت “قوات سوريا الديمقراطية” وقف إطلاق النار في حي الشيخ مقصود، مؤكدة في بيان أن “هذه الادعاءات كاذبة جملة وتفصيلاً”، وزعمت أن القوات الحكومية تواصل قصف مستشفى خالد فجر المدني بالدبابات والطيران المسيّر، ما أدى إلى إصابة عدد من المدنيين بجروح، وقالت إنّ “هذه الادعاءات الكاذبة تفضح الوجه الإجرامي الحقيقي لمليشيات حكومة دمشق، التي اعتادت استخدام الأكاذيب غطاءً لجرائمها”، على حدّ تعبيرها، متهمة القوات الحكومية بتكرار “الأسلوب ذاته الذي اتبعته خلال جرائمها في مناطق الساحل والسويداء، من قصف واستهداف للمدنيين والبنى المدنية”.

العربي الجديد

————————————-

 الشيخ مقصود والأشرفية.. الدروس المستفادة/ أحمد مظهر سعدو

2026.01.10

خلال عملية إنهاء وجود المسلحين من تنظيم (قسد) في كل من حيي (الشيخ مقصود) و(الأشرفية) ضمن مدينة حلب، ثمة جملة دروس مستفادة من المفترض أن يقف أمامها الجميع، ومن ثم يتابعون ما حصل بشكل عاقل وموضوعي ورصين، لتكون لهم هاديًا ومرشدًا حقيقيًا وجديًا، وهذا كله على طريق بناء الوطن السوري، ونحو إقامة مداميك فاعلة لوحدة وطنية سورية حقيقية على كامل الجغرافيا السورية.

إذ إنه من الملاحظ تمامًا كيف استفادت الحكومة السورية واقعيًا وعمليًا ميدانيًا، في ساحة الفعل والممارسة، من تجارب ما حصل في سياقات الحاصل في الساحل السوري، وأيضًا ما جرى بعدها في الجنوب السوري، أي محافظة السويداء وجبل العرب. حيث تجنبت الدولة معظم أخطاء ما جرى في السابق، وتجنبته ميدانيًا، واشتغلت جديًا على إنهاء ظاهرة وجود تنظيم مسلح في أتون حيين مهمين داخل مدينة حلب، وبأقل الخسائر الممكنة، وضمن حالة الحفاظ الحقيقية على المدنيين، وهو المهم منطقيًا ووطنيًا لدى كل السوريين، وليس لدى الحكومة السورية فقط. فالمدنيون داخل الحيين المشار إليهما، اللذين يعدان إحصائيًا بمئات الآلاف، وهذا عمل ومنطق صحيح، ودرس مستفاد بحق، حيث (كما يبدو) قد تم التأسيس لسياسة جديدة تذهب وتغوص عميقًا باتجاهين: الأول هو الحفاظ على أرواح الناس المدنيين، ومنع كل حالات التعديات على أرواحهم، وفي الوقت نفسه، وبالتساوق معه، التعاطي مع الخارج وفق مبدأ المحافظة على الأقليات التي عادة ما يهتم بها الغرب عمومًا ويوليها كل الاهتمام، وهو ما يعطي نظرة موضوعية إيجابية لما يجري في سوريا، عبر أداء الدولة الوطنية السورية.

لكن ما هو بالمقابل، وعلى المقلب الآخر، ثمة سؤال يخرج ومفاده: هل يمكن القول إن جماعة (قسد) ومن يقف معها سوف يستفيدون فعلًا من هذا المعطى؟ ومن ثم يعيدون النظر كليًا في مسألة تمنعهم المستمر عن الانخراط في أتون تشكيلات المؤسسة العسكرية السورية، التي تتبع بالضرورة إلى وزارة الدفاع السورية؟ وكذلك المؤسسات المدنية في الدولة السورية المركزية، تطبيقًا لاتفاق العاشر من آذار/مارس 2025؟ وهل يمكن القول أيضًا إن قدرات الدولة السورية التي تمظهرت عبر عملية (الشيخ مقصود) و(الأشرفية)، وسرعتها في إزالة ظاهرة عسكرية كانت مقلقة جدًا لأهالي حلب وللدولة كذلك، ثم أصبحت من الماضي خلال أيام قليلة، والصمت الدولي، والأميركي منه على وجه الخصوص، سيجعل من القراءة الجديدة لهذه التغيرات في المزاج الدولي تجاه سوريا حالة عاقلة من الولوج ضمن تغيرات على مستوى التفكير السياسي لقادة (قسد)، تهيئةً نحو الدخول في التطبيق العملي المباشر لكل البنود الثمانية من اتفاق العاشر من آذار/مارس 2025 بين مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع؟

الدرس المستفاد لدى (قسد)، ومن جراء ما لاحظوه وتابعوه عمليًا من تغير في الموقف الأميركي، الذي ترك للحكومة السورية فسح المجال لتقوم بواجباتها المهمة والمطلوبة لإنهاء هذا القلق المستمر في مدينة حلب، العاصمة الاقتصادية لسوريا، والذي كان يعوق مسألة الوحدة والاستقرار في سوريا، كما يعوق الاستثمارات القادمة إلى سوريا من الغرب والشرق خلال هذا العام 2026، ثم ما صرح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أن استقرار سوريا سيكون ضرورة موضوعية للإقليم، وأيضًا من أجل وحدة سوريا كذلك، وقوتها التي باتت ضرورية، ومحاربتها للإرهاب الداعشي، باعتبارها قد أصبحت واقعيًا جزءًا من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب الداعشي.

باعتقادي، فإن هناك جلسات حوارية عميقة وطويلة ومديدة ستكون ضرورية ضمن مفاصل القيادات في تنظيم (قسد)، كي تتم الاستفادة مما حصل، وبالضرورة إعادة إنتاج تفكير سياسي جديد، وقراءة جديدة أيضًا لمجمل التغيرات الإقليمية والدولية، ومن الممكن أن يتحرك العقلاء نحو إنتاج قراءة جديدة لكيفية التعاطي مع حكومة الرئيس أحمد الشرع، ونحو اندماج كلي في مؤسسات الدولة السورية الوطنية الجامعة، ضمن جملة الشروط الوطنية السورية، وكذلك العقلانية السياسية المرتجاة، التي ترى الأمور وتقرؤها جيدًا وفق المصالح الوطنية السورية، وليس وفق تنظيم ما أو حزب معين.

ما جرى في حيي (الشيخ مقصود) و(الأشرفية) سيكون بكل تأكيد وموضوعية درسًا آخر لمن ما زالوا يمتنعون عن التعاطي مع الدولة المركزية السورية في الجنوب السوري، لتكون ظاهرة حكمت الهجري ومجموعته العسكرية أقرب إلى العقلانية السياسية، والولوج من ثم في الحل السياسي، ونسيان الجراح ضمن حالة المحاسبة وجبر الضرر، التي هي أساسات موضوعية لمسألة العدالة الانتقالية في سوريا، ولوجًا بحالة السلم الأهلي المطلوب وطنيًا وإقليميًا، فيما لو كنا فعلًا لا قولًا نريد بناء الوطن السوري، وكذلك عمارة الوطنية السورية أولًا وقبل كل شيء.

لا شك في أن تلك الآلام التي كانت قد سببتها سابقًا تعديات (القسديين) على أهالي حلب من المدنيين ليست سهلة أبدًا، وكذلك فإن الجروح عميقة جدًا، لكن حقيقةً يهون كل شيء ونحن نعيد النظر ونفكر عمليًا في عملية بناء الوطن السوري الموحد، عالي البنيان والأسوار، والخالي من الاستبداد، الذي عاشته سوريا 54 عامًا ونيفًا من حكم الطغيان الأسدي وهدر كرامة الإنسان السوري وإنسانيته أيضًا. وعشنا حالة ونموذج الإنسان السوري المهدور عقودًا متلاحقة متتابعة من القهر والعسف. اليوم، ومن أجل الوطن الواحد المحرر، ومن أجل دولة المواطنة التي ناضل السوريون من أجل إقامتها أعوامًا طويلة، وذاك العقد الاجتماعي الجامع الذي بات ضرورة موضوعية وحياتية لكي يجمعنا جميعًا، كان لا بد من أن نتجاوز ونتخطى الآلام والجراح، وننتقل إلى الضفة الأخرى، ضمن سياقات ضرورية لعملية البناء الوطني السوري، التي يفترض أن يشارك فيها الجميع بلا استثناء ودون مواربة، لتكون كل الإثنيات الوطنية السورية، وكل الأيديولوجيات، وجميع الطوائف في سوريا، ضمن حيز الفعل والممارسة والإنتاج الوطني، والتشاركية الوطنية السورية.

تلفزيون سوريا

——————————–

أربعة أيام من المواجهة في حلب: معركة الشيخ مقصود والأشرفية تتسبب بعشرات الضحايا وعشرات آلاف النازحين

09-01-2026

        أعلن «المجلس العام لحي الشيخ مقصود» في مدينة حلب، بعد ظهر اليوم الجمعة 9 كانون الثاني (يناير) 2026، رفضَه عرض وزارة الدفاع فتحَ ممر آمن لنقل المقاتلين المرتبطين بالإدارة الذاتية إلى مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية في الجزيرة السورية. وبالمقابل، أعلنت السلطة فتح «المعبر الإنساني» في نقطة العوارض لمدة ساعتين مساء اليوم للراغبين بالخروج من حي الشيخ مقصود، وحددت مجدداً مواقع قالت إن قواتها ستستهدفها في الشيخ مقصود، داعية المدنيين للابتعاد عنها والمقاتلين إلى إلقاء السلاح.

        وكانت قوات السلطة المركزية قد دخلت أحياء الأشرفية وبني زيد والسكن الشبابي بعد اشتباكات دامت لساعات أمس الخميس، وبعد منتصف ليل الجمعة أعلنت وزارة الدفاع وقف إطلاق النار حتى الساعة التاسعة صباحاً، مطالبةً مقاتلي الأسايش بالخروج بسلاحهم الخفيف، متعهدة بضمان «عبورهم الآمن حتى وصولهم إلى شمال شرقي البلاد» حسب البيان. وقد دخلت بالفعل باصات صباح اليوم إلى أطراف الشيخ مقصود، إلا أنها عادت وغادرت بعد فشل المفاوضات.

        واندلعت الاشتباكات في حلب يوم الثلاثاء الماضي، بعد يوم من فشل المباحثات بشأن تطبيق اتفاق 10 آذار (مارس) بين قوات سوريا الديمقراطية والسلطة المركزية في دمشق، وبعد ساعات من اشتباك محدود وقع بين مقاتلين من قسد ومقاتلين تابعين لوزارة الدفاع في دير حافر بريف حلب الشرقي.

        وأعلنت الهيئة العامة للطيران المدني الثلاثاء تعليق جميع الرحلات من مطار حلب وإليه، كذلك أعلن محافظ حلب تعليق الدوام في المدارس والجامعات والدوائر الحكومية، وما تزال هذه الإجراءات مستمرة حتى نهاية اليوم الجمعة. وطال القصف الذي نفذته القوات التابعة لوزارة الدفاع أحياء الأشرفية والشيخ مقصود، فيما طالَ القصف الذي نفذته القوات التابعة لقسد أحياء في محيط مناطق سيطرتها أبرزها الميدان والسريان، وسط حركة نزوح واسعة للسكان شهدتها مناطق الاشتباكات والقصف.

        وأعلنت «محافظة حلب» صباح الخميس عن مهلة لخروج السكان من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، بعد يوم مهلة مشابهة الأربعاء شهدت نزوح الآلاف. وقال عضو المكتب التنفيذي لمحافظة حلب فرهاد خورتو، لقناة الإخبارية السورية الرسمية مساء أمس الخميس، إن أعداد النازحين نتيجة المعارك في حلب وصلت إلى 142 ألفاً، خرج معظمهم باتجاه عفرين. وأشار إلى أنّ محافظة حلب قامت بافتتاح عشرة مراكز إيواء في مدينة حلب، بالإضافة إلى مركزين في اعزاز وعفرين.

        وقال خورتو إن قصف قسد على أحياء في حلب أدّى إلى مقتل 10 مدنيين، وإصابة 88 آخرين. بينما أدّى قصف قوات السلطة إلى مقتل عائلة كاملة من 6 أشخاص يوم أمس، ليرتفع عدد الضحايا المدنيين في الشيخ مقصود والأشرفية إلى 14 شخصاً منذ الثلاثاء، بعد أن كان الرئيس المشترك للمجلس الصحي في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، عثمان شيخ عيسى، قد أعلن قبل ذلك عن مقتل 8 مدنيين وإصابة 65 آخرين في الحيين.

        وصباح اليوم، قالت صفحة «عفرين الآن» إن مسلحين تابعين للسلطة أعدموا بالرصاص كلاً من عدنان عارف عثمان وعلي حنيف عثمان، وهما من كوادر مشفى عثمان في حي الأشرفية. وينحدر الضحيتان من قرية في ناحية معبطلي في عفرين.

        وقال قائد قوات سوريا الديمقراطية في منشور على موقع X مساء أمس إنّ «الاستمرار في نهج القتال ولغة الحرب لفرض حلول أحادية الجانب أمر غير مقبول، وقد أدى في السابق إلى مجازر ارتقت إلى جرائم حرب في الساحل السوري والسويداء». مضيفاً أن «محاولات اقتحام الأحياء الكردية أثناء عملية التفاوض، يقوّض فرص الوصول إلى تفاهمات، ويُهيّئ الظروف لتغييرات ديمغرافية خطيرة، كما يعرّض المدنيين العالقين في الحيَّين لخطر المجازر».

        وقال حساب الرئاسة السورية على موقع X، يوم أمس الخميس، إن الرئيس في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع أجرى اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، «وضعَ فيه نظيره الفرنسي في صورة الجهود التي تبذلها الدولة السورية في مدينة حلب»، واتصالاً مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أكد فيه على «الثوابت الوطنية السورية، وفي مقدمتها بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها».

        كذلك قالت وزارة الخارجية إن الوزير أسعد الشيباني تلقى، يوم أمس، اتصالاً من نظيره السعودي فيصل بن فرحان، ناقشا خلاله مستجدات الأوضاع في سوريا. وأشارت مصادر مقربة من دوائر السلطة في دمشق إلى أنّ تلك الاتصالات تأتي ضمن مسار التوسط لوقف التصعيد العسكري بين السلطات المركزية وقسد في حلب.

        وخلال الساعات نهار الجمعة أصدرت الخارجية الفرنسية بياناً رحبت فيه بوقف إطلاق النار، واتصل الشرع هاتفياً برئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني في العراق مسعود بارزاني، فيما قال مصدر دبلوماسي لوكالة فرانس بريس إن المبعوث الأميركي توم باراك في طريقه إلى دمشق، وهو ما يبدو متصلاً بالاتصالات والمفاوضات المستمرة لاحتواء الوضع المتفجر في المدينة.

موقع الجمهورية

————————-

تحليل: ماذا تعني سيطرة الحكومة على الشيخ مقصود والأشرفية؟

10 يناير 2026

تشكل سيطرة الحكومة السورية على حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب منعطفًا استراتيجيًا وسياسيًا بالغ الأهمية، لا يقتصر أثره على الجغرافيا المحلية فحسب، بل يمتد ليرسم ملامح التفاعلات الأمنية والتفاوضية بين دمشق والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، ويكشف عن التحولات الدقيقة في موازين القوى ضمن المشهد السوري المعقد.

الأهمية الاستراتيجية والرمزية للمنطقتين

يتمتع حي الشيخ مقصود بموقعه على تلة مرتفعة تطل على أجزاء واسعة من حلب، بأهمية عسكرية استثنائية كمرصد طبيعي ونقطة سيطرة نارية وبصرية.

هذا الموقع، إلى جانب الكثافة السكانية العالية والتنوع الديموغرافي (الكردي والعربي والتركماني والمسيحي) الذي يميز الحيين، يجعل منهما نموذجًا مصغرًا لسوريا بكل تناقضاتها وتعقيداتها. وقد تحولا خلال سنوات الحرب من أحياء سكنية إلى جبهة سياسية وعسكرية تجسد الصراع بين مفهومي الدولة المركزية والإدارة اللامركزية.

لطالما شكّل الحيان بحكم سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) عليهما لسنوات، ورقة ضغط قوية في يد “الإدارة الذاتية” خلال المفاوضات مع الحكومة، إذ يسمحان لها بممارسة تأثير مباشر على أمن واستقرار المدينة الأكبر في شمال سوريا، العاصمة الاقتصادية لسوريا سابقًا.

لذلك، فإن أي تحرك حكومي نحو السيطرة عليهما ليس عملًا عسكريًا بحتًا، بل هو مناورة سياسية كبرى تهدف إلى نزع هذه الورقة وتعديل شروط التفاوض جذريًا.

أهداف الحكومة السورية من السيطرة

يشير الكاتب أحمد العكلة في حديث لـ”الترا سوريا” إلى أن الهدف الاستراتيجي المعلن هو تأمين المحيط الكامل لمدينة حلب وإنهاء أي تهديد عسكري محتمل قادم من هذه المناطق المرتفعة.

وأشار إلى أن سيطرة الحكومة تعني تحويل حلب إلى فضاء آمن مغلق، وحرمان “قسد” من نقطة ارتكاز حيوية داخل أكبر تجمع حضري في شمال سوريا، كما يقول العكلة.

بدوره، اعتبر الكاتب أغيد حجازي أن السيطرة على الحيين قد تكون مقدمة لتنفيذ بنود اتفاقيات قديمة، مثل نقل عناصر “قسد” المسلحين شرق نهر الفرات، ما يضع الإدارة الذاتية أمام خيار صعب: المقاومة والعودة لصراع مفتوح، أو القبول بإعادة ترتيب الوجود وفق رؤية دمشق.

اختراق التحالف الكردي-العشائري

تشير التحليلات إلى تنسيق متقدم للحكومة مع عشائر عربية منضوية ضمن “قسد”، كما حدث جزئيًا في مناطق أخرى. وقد يشجع نجاح الحكومة في السيطرة على حلب دون مقاومة شرسة على تكرار السيناريو في مناطق شرق الفرات، عبر تفكيك التحالفات الميدانية لصالحها.

ومن الممكن أن يفتح استقرار حلب الطريق أمام الحكومة لاستهداف مواقع استراتيجية مجاورة، أبرزها سد تشرين، الذي يتحكم بمياه نهر الفرات والطرق الرئيسية نحو شرق البلاد، مما يمنح دمشق ورقة ضغط إضافية ذات بعد اقتصادي وأمني حيوي.

التداعيات على اتفاق آذار والعلاقة المستقبلية

يشكل التصعيد العسكري الحالي اختبارًا مصيريًا لـ”اتفاق 10 آذار/مارس”، ولطبيعة العلاقة بين الطرفين برمتها، كما يؤكد أغيد حجازي. فالاتفاقية السابقة التي وُقّعت في نيسان/أبريل 2025، والتي نصت على انسحاب القوات والإبقاء على قوى الأمن الداخلي “الأسايش”، تبدو هشة ومهددة بالانهيار الكلي.

وتشير التوترات الحالية إلى أن مستوى الثقة بين الطرفين شبه منعدم، فيما تعكس الاتهامات المتبادلة بالتصعيد والمماطلة فجوة عميقة في الرؤية، حيث تريد الحكومة إعادة فرض سلطتها المركزية، بينما تسعى الإدارة الذاتية للحفاظ على مكاسبها ونموذج حكمها المحلي.

السيطرة العسكرية على الحيين ستضع “قسد” في موقف تفاوضي أضعف، مما قد يدفعها إما إلى القبول بشروط دمشق في حلب وربما في مناطق أخرى، أو إلى التصلب والبحث عن حلفاء إقليميين بديلين لموازنة الموقف، ما يعيد إنتاج ديناميكيات الصراع.

خلفية الصراع

كان الحيان يمثّلان نموذجًا للتنوع العفوي، لكن الاحتقانات القومية والسياسية، منذ انتفاضة 2004 ومرورًا بالثورة السورية، حولتهما إلى فضاء لتنظيم ذاتي كردي تحت مظلة “وحدات حماية الشعب”. الارتفاع والكثافة السكانية جعلا منهما حاجزًا وقاعدة لـ”قسد” في قلب المعادلة الحلبية، بين النظام والمعارضة سابقًا.

والصراع عليهما اليوم هو صراع على الشرعية والمستقبل، فهوما يمثلان محاولة الحكومة لترميم سلطتها الجغرافية والسياسية، وفي المقابل يمثلان للإدارة الذاتية آخر معاقل نفوذها المباشر في غرب الفرات. أي إن السيطرة عليهما تعني عمليًا إنهاء الوجود العسكري والسياسي المعلن لـ”قسد” في غرب حلب، ونقله إلى شرق الفرات.

معركة الشيخ مقصود والأشرفية ليست معركة على تلة وأحياء سكنية فحسب، بل هي معركة على رواية المستقبل السوري. هل سيكون مستقبلًا مركزيًا بقيادة دمشق، يعيد رسم الحدود الداخلية للسلطة بالقوة؟ أم أنه سيتسع لنموذج لامركزي تعترف فيه الدولة بوجود كيانات سياسية وعسكرية أخرى؟

إن السيطرة الحكومية سترسل رسالة واضحة بأن خيار القوة والفرض لا يزال حاضرًا في أداء دمشق، وأن طريق التسوية السياسية الشاملة لا يزال طويلًا ومعقدًا، تطبعه حسابات الجغرافيا والسياسة أكثر من اعتبارات العدالة والمصالحة الوطنية. المشهد في حلب، كما في الساحل سابقًا، يؤكد أن غياب مسار حقيقي للعدالة الانتقالية وحصر السلاح بيد الدولة، واستمرار خطاب الخوف، هي وقود دائم لأي اشتعال، يدفع ثمنه المدنيون في النهاية.

الترا سوريا

————————-

ممارسات “قسد” في حي الشيخ مقصود تقوّض مبادئ التمييز والاحتياطات في القانون الدولي

يناير 10, 2026

يواجه حي الشيخ مقصود في مدينة حلب لحظة حرجة، مع تصاعد التحذيرات من تفخيخ الشوارع والمركبات، وورود تقارير عن استخدام المدنيين كدروع بشرية، وتحويل منشآت طبية إلى مواقع عسكرية. ما يجري يثير تساؤلات عميقة حول مدى التزام تنظيم “قسد” بمبادئ القانون الدولي الإنساني.

وفق مصادر رسمية، بدأ الجيش العربي السوري عملية تمشيط دقيقة في حي الشيخ مقصود، بعد انتهاء مهلة منحتها السلطات لمغادرة المسلحين.

العملية تتم ببطء و”تركيز عالٍ”، بحسب إدارة الإعلام والاتصال، بسبب تفخيخ الشوارع والمركبات، ما يُعرض أرواح المدنيين لخطر دائم.

تصريحات مصدر عسكري دعت السكان إلى تجنّب الأجسام المجهولة وعدم الاقتراب من الآليات غير المعروفة، ما يعكس خطورة الوضع الإنساني وتدهور البيئة الأمنية.

أكثر ما يثير القلق في المشهد هو ما أعلنته مديرية صحة حلب عن طرد الطواقم الطبية من مستشفى ياسين وتحويله إلى نقطة عسكرية من قبل جماعات مرتبطة بتنظيم PKK، وهو ما يعد، بموجب القانون الدولي الإنساني، جريمة حرب واضحة.

هذا الفعل يعرّض المرضى والعاملين الصحيين للخطر المباشر، ويقوّض ثقة المجتمع بالخدمات الصحية، ويحرم آلاف السكان من حق أساسي في الرعاية.

الدكتور وجيه جمعة، مدير صحة حلب، حمّل هذه المجموعات “المسؤولية الكاملة عن سلامة الكوادر والمنشآت”، مطالبًا بتدخل المنظمات الدولية.

تُفيد شهادات ومقاطع متداولة وتقارير ميدانية عن ممارسات منسوبة إلى «قسد»، ولا سيما في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية ومحيطهما بمدينة حلب، تتضمن أنماطاً قد تُشكّل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني إذا ثبتت من بينها زرع عبوات أو مفخخات في محيط المدنيين وفي مناطق مأهولة، ونشر ألغام تُخلّف آثاراً قاتلة طويلة الأمد، إضافة إلى سلوكيات تُفسَّر باعتبارها استخداماً قسرياً للمدنيين في مواقع الخطر على نحو يقترب من مفهوم “الدروع البشرية”. وتُعد هذه الوقائع مخالفةً لمبدأ التمييز والاحتياطات الواجبة لحماية المدنيين، بما يفتح مسار مساءلة على المستوى الوطني والدولي.

وفيما يتعلق بالتفجيرات الانتحارية، فهي أسلوب عنف ارتبط تاريخياً بجماعات مصنّفة إرهابية مثل «داعش»، ويُنظر إليه، عند توجيهه أو وقوعه في بيئات مدنية مكتظة، بوصفه فعلاً يفتقر بطبيعته إلى الضوابط التي يتطلبها القانون الدولي الإنساني من حيث التمييز والتناسب. وعليه، فإن استخدام هذا النمط من العنف داخل أحياء سكنية في حلب لا ينسف فقط أي خطاب يزعم حماية السكان، بل يضع الفاعلين أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية وسياسية مضاعفة.

————————-

بعد السيطرة على الشيخ مقصود.. ما هي أبرز نقاط التماس بين الحكومة و”قسد”؟

10 يناير 2026

بعد إعلان الجيش السوري انتهاء عمليات التمشيط في حي الشيخ مقصود بحلب، تظل خريطة التماس مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ممتدة على مساحات جغرافية واسعة، تتركز في نقاط استراتيجية بالغة الحساسية.

ففي الوقت الذي بدت فيه حلب هادئة نسبيًا، تبرز أربع مناطق كمفاصل حاسمة في العلاقة المتوترة بين دمشق و”قسد”، وهي: معدان، رأس العين، دير حافر، الصالحية.

معدان: شريان الرقة الرئيس

تقع معدان جنوب الرقة، وتشكل البوابة البرية الوحيدة التي تربط محافظة الرقة بمناطق سيطرة الحكومة في دير الزور وحلب.

تشهد المنطقة اشتباكات متقطعة بين “قسد” والحكومة، كان أبرزها اشتباكات عنيفة إثر تقدّم “قسد” نحو مواقع للجيش السوري في محور غانم العلي بريف الرقة الشرقي، الذي شهد اشتباكات سقط خلالها عناصر من الجانبين، وسيطرتها على بعضها قبل أن يستعيدها الجيش لاحقًا.

رأس العين: الجرح النازف في الحسكة

رغم كل الزيارات التي تمت عقب سقوط الأسد لإعادة دمج المنطقة، تظل رأس العين واحدة من أكثر نقاط التماس توترًا وإثارة للقلق.

تشهد المنطقة احتجاجات متكررة ضد إدارة “قسد”، تعكس استمرار الغليان الاجتماعي ورفض جزء من السكان، خاصة من العشائر العربية، لوجود “قسد” في بقية مناطق الحسكة بشكل خاص، ومناطق شمال شرق سوريا بشكل عام.

وتقع رأس العين على الحدود التركية، مما يجعلها نقطة احتكاك مباشرة مع القوات التركية، وأي تصعيد فيها قد يفتح جبهات متعددة.

دير حافر: عقدة المواصلات في ريف حلب الشرقي

تقع مدينة دير حافر على بعد 52 كيلومترًا شرق مدينة حلب، وتعد ثالث أكبر مدن ريف حلب الشرقي من حيث عدد السكان الذي يقارب 100 ألف نسمة.

شهدت المدينة تحولات كبيرة منذ بداية الثورة السورية، حيث خرجت عن سيطرة نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد، في تموز/يوليو 2012 بعد سيطرة قوات المعارضة عليها، مما عرضها لقصف مكثف أدى إلى نزوح معظم سكانها.

ومرت بعد ذلك بمراحل صراع مختلفة، حيث سيطرت عليها فصائل المعارضة المختلفة مثل “حركة الفجر الإسلامية” و”أحرار الشام” قبل أن يتمكن تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) من السيطرة عليها كليًا في كانون الأول/ديسمبر 2014.

حول التنظيم المدينة إلى معقل عسكري رئيسي، وأطلق عليها اسم “دار الفتح”، مستغلًا ثقلها العشائري ونفوذ شيوخها، حيث أقام مقرات قيادة ومنشآت عسكرية وحصنها تحصينًا هندسيًا معقدًا، قبل أن تتمكن قوات النظام السوري وحلفاؤها من استعادة السيطرة عليها في 29 آذار/مارس 2017.

بعد سقوط نظام الأسد، تقدمت قوات “قسد” وسيطرت على ناحيتي مسكنة ودير حافر، واحتفظت بسد تشرين الحيوي وبلدة صرين شرق نهر الفرات، قبل أن تنسحب منها عقب الاتفاق الذي وقعه الرئيس السوري أحمد الشرع مع قائد “قسد” مظلوم عبدي، في 10 آذار/مارس الماضي.

ومنذ سقوط الأسد، أصبحت دير حافر نموذجًا لهشاشة الهدوء في مناطق التماس، حيث تهدد الاشتباكات المستمرة بتقويض السلام فيها وإعادة إشعال الصراع الذي مزق هذه المدينة وتنازعت عليها الأطراف المختلفة منذ سنوات.

الصالحية: الخط النهري المتوتر

تشكل ضواحي الصالحية وجسرها أحد أكثر النقاط الحساسة على نهر الفرات في دير الزور. يفصل النهر هنا بين مناطق سيطرة الحكومة غربًا ومناطق قسد شرقًا، لكن الحركة عبر القوارب والمعابر النهرية ظلت شريان حياة للجانبين.

تتحكم قسد من الضفة الشرقية بحقول النفط والغاز الرئيسية في المنطقة، بينما تسيطر الحكومة على المراكز السكانية الكبرى في الغرب، وهذا التوزيع يخلق اعتمادًا متبادلًا وإحساسًا دائمًا بالتهديد.

ورغم الهدوء النسبي في حلب بعد عمليات الأشرفية والشيخ مقصود، فإن إغلاق المعابر في معدان ودير الزور يكشف عن استراتيجية جديدة من الممكن أن تعتمدها الحكومة على الحصار الاقتصادي والإداري كبديل للمواجهة العسكرية المباشرة.

هذه الاستراتيجية تهدف إلى تحويل الاتفاق المتعثر من حبر على ورق إلى واقع، عبر جعل حياة السكان في مناطق “قسد” أكثر صعوبة، وقياس مدى الدعم الإقليمي والدولي لقسد، خاصة مع التلميحات عن حوارات محتملة بين قسد وتركيا، وتجنب دمشق اتهامات بفتح حرب على المكون الكردي في وقت تحاول فيه تثبيت شرعيتها الدولية بعد مرحلة الانتقال.

أما “قسد”، فتواجه معضلة وجودية بين البقاء ككيان منفصل يهدده العزل الاقتصادي والتآكل الداخلي، أو الاندماج في مؤسسات الدولة بمكاسب تضمن نوعًا من الحكم الذاتي المحلي. عام 2026 قد يكون مفصليًا في هذه المعادلة، حيث أن استمرار الوضع الحالي قد لا يكون مستدامًا، والمناطق الأربع ستكون النقاط التي يُكتَب فيها الفصل التالي من صراع السيطرة والنفوذ في سوريا.

——————————–

 الخارجية السورية: التدخل في الشيخ مقصود والأشرفية لا يستهدف أية فئة سكانية

البيان: التدخل في حلب استهدف جماعات مسلحة تعمل خارج الأطر المتفق عليها

الرياض – العربية.نت

10 يناير ,2026

أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين السورية، مساء السبت، أن الحكومة السورية نفذت عملية إنفاذ قانون، محدودة النطاق والأهداف، في أحياء محددة من مدينة حلب، هما حيا الشيخ مقصود والأشرفية.

وأشارت في بيان، إلى «اتخاذ هذه الإجراءات – التي التزمت بها الدولة السورية بالشفافية وسيادة القانون ومبادئ عدم التمييز – لاستعادة النظام العام وحماية المدنيين، عقب انتهاكات متكررة للترتيبات الأمنية المتفق عليها مع وحدات حماية الشعب التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، والتي أدت لإلحاق الأذى بالمدنيين».

وذكرت أن «الحكومة السورية انتهجت منذ تاريخ التحرير في الثامن من ديسمبر لعام 2024، نهجا وطنيا شاملاً، يهدف إلى توحيد المسار الأمني، وتوطيد سلطة مؤسسات الدولة الشرعية كشرط أساسي للاستقرار».

ولفتت إلى «التوصل لاتفاقيات أمنية في أبريل 2025 بهدف إنهاء جميع المظاهر العسكرية غير الحكومية في الحيين، إلا أن هذه الاتفاقيات تراجعت لاحقًا إثر الانتهاكات المتكررة، بما في ذلك الهجمات المسلحة التي انطلقت من داخل الحيين ضد المناطق السكنية في مدينة حلب في السابع والثامن من يناير 2026، وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين».

وأكدت أن «هذا التدخل لا يُعد حملة عسكرية، ولا ينطوي على أي تغيير ديموغرافي، ولا يستهدف أية فئة سكانية على أسس عرقية أو دينية، إذ اقتصر على جماعات مسلحة محددة تعمل خارج أي إطار أمني متفق عليه، والتي عرقلت أنشطتها تنفيذ التفاهمات السابقة وارتبطت بانتهاكات خطيرة بما في ذلك تجنيد القاصرين».

وأعلنت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري عن وقف جميع العمليات العسكرية داخل حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، بدءا من الساعة 03:00 بعد الظهر (بالتوقيت المحلي).

وقالت في تصريحات لوكالة الأنباء السورية الرسمية، مساء السبت، إنه «سيتم ترحيل مسلحي تنظيم قسد المتحصنين في مستشفى ياسين باتجاه مدينة الطبقة، مع سحب أسلحتهم».

وأشارت إلى أن الجيش سيبدأ بتسليم جميع المرافق الصحية والحكومية إلى مؤسسات الدولة، وينسحب تدريجياً من شوارع حي الشيخ مقصود.

—————————

ماذا تريد الحكومة السورية في حلب؟

تقترب الحكومة السورية من إحكام سيطرتها على حي الشيخ مقصود بمدينة حلب شمالي البلاد وسط تبادل للاتهامات بالمسؤولية عن الاشتباكات العنيفة التي جرت بينها وبين قوات قسد، خلال الأيام الماضية.

فقد دخلت قوات الأمن العام إلى حي الشيخ مقصود وأعلنت مواصلة تمشيطه وتفكيك الألغام التي تتهم قسد بزرعها في مناطق سكنية، وبدأت بإخراج مدنيين تقول إنهم كانوا ممنوعين من مغادرة الحي.

ونقلت الجزيرة صورا تظهر تأمين القوات الحكومية خروج عشرات المدنيين من الحي الذي عاش اشتباكات بالمدفعية والأسلحة الثقيلة طيلة الأيام الثلاثة الماضية.

تبادل للاتهامات

ورغم السيطرة العسكرية على منطقة الاشتباك، فإن السيطرة الأمنية تتطلب وقتا بالنظر إلى خبرة قسد في تفخيخ الأماكن وبناء الأنفاق، كما يقول الكاتب والمحلل السياسي حمزة المحيمد.

وستكون القوات الحكومية أمام عمل طويل بسبب الأنفاق والبنية العسكرية التي أسستها قسد خلال سنوات الثورة، حسب ما قاله المحيمد في مقابلة مع الجزيرة.

ووصف المحيمد نهاية العملية “دون دماء” بأنه “إنجاز عسكري لم يتحقق في أي مكان بالعالم قبل سوريا”، وهو ما رد عليه الكاتب السياسي أختين أسعد، بأنه “وصف غير صحيح”.

فمن وجهة نظر أسعد، يبدو المشهد في الشيخ مقصود “سيئا جدا، لأن الحكومة تطالب أبناء المكان بمغادرة بيوتهم لمجرد أنهم في قوات الأمن الداخلي للمدينة”.

كما رفض أسعد الزج باسم قسد في هذه المواجهات التي قال إنها تدور بين الحكومة وعناصر الأمن الداخلي لحلب (من الأكراد)، والذين نص اتفاق أبريل/نيسان 2025، على توليهم مسؤولية تأمين المدينة، وفق تعبيره.

واستند المتحدث في كلامه إلى أن قسد خرجت رسميا من المدينة وأمام وسائل الإعلام متجهة إلى مناطق شرق الفرات، واصفا ما يجري بأنه “محاولة من دمشق لتخريب الاتفاق الموقع بين الجانبين”.

إعلان

لكن المحيمد نفى هذا الكلام، وقال إن الموجودين في الشيخ مقصود والأشرفية “مقاتلون جاءت بهم قسد بعد معركة عفرين الشهيرة، وإن بعضهم متورط في جرائم ضد السوريين خلال سنوات الثورة”.

وفيما يتعلق بتخريب اتفاق أبريل/نيسان، يقول المحميد إن قسد هي التي تريد تخريبه وليست الحكومة لأن قوات الأولى هي التي قصفت الأحياء السكنية بالمدفعية والأسلحة الثقيلة قبيل انتهاء الموعد النهائي لتطبيق الاتفاق بشكل نهائي، كما يقول المحيمد.

بيد أن أسعد، ينفي هذا الطرح تماما، ويقول إن الاشتباكات كانت بين الحكومة وبين عناصر الأمن الداخلي لحلب، مؤكدا أن “كل قادة قسد متمسكون بالاتفاق على عكس ما تقوله حكومة دمشق التي تريد فرض هيمنتها العسكرية على المدينة”.

هجوم جديد لقسد

في غضون ذلك، أكد مصدر عسكري سوري للجزيرة أن قوات “قسد” استهدفت مبنى الأمن العام في حلب بمسيرة انتحارية، في حين اتهم وزير الإعلام السوري التنظيم بأنه يستخدم المدنيين دروعا بشرية.

وأضاف أن “الجيش يتعامل مع مسيرات أطلقها تنظيم قسد من منطقة دير حافر (شرقي حلب) لاستهداف أحياء حلب”. كما أفاد مصدر أمني للتلفزيون السوري بإصابة “عنصر أمن بنيران مسيرة أطلقها تنظيم قسد على مدينة حلب من منطقة دير حافر”.

المصدر: الجزيرة

——————————

ما علاقة تركيا بـ “معركة حلب”؟/ عمر اونهون

أعلن الجيش السوري صباح السبت استكمال عملية أمنية في آخر حيّ يتمركز فيه مقاتلون أكراد في حلب، فيما نفت القوات الكردية سيطرة القوات الحكومية

09 يناير 2026

أعاد القتال بين الجيش السوري و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في حلب زعزعة هذه المدينة العريقة، التي ما زالت تحاول تضميد جراحها بعد حرب أهلية مدمرة. وأعلن الجيش السوري صباح السبت استكمال عملية أمنية في آخر حيّ يتمركز فيه المقاتلون الأكراد في حلب، بينما نفت القوات الكردية سيطرة القوات الحكومية عليه، مؤكدة أن الاشتباكات ما زالت متواصلة.

وإذا امتد القتال إلى خارج حيَي الأشرفية والشيخ مقصود ذوي الغالبية الكردية، وتجاوز حدود حلب، فقد تجد سوريا نفسها على عتبة حرب أهلية جديدة. ويسعى المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك لعدم “فتح جبهات جديدة”. وقبل وصوله الى دمشق، التقى وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي في عمان، حيث جرى التأكيد على التزام البلدين دعم تثبيت وقف النار والانسحاب السلمي لـ “قسد” من حلب، وضمان أمن وسلامة جميع المواطنين. كما جرى التشديد على استمرار العمل على تطبيق خريطة الطريق لإنهاء الأزمة في السويداء واستقرار جنوب سوريا، ما فسر على أنها جهود لمنع اتساع الصراع.

وكانت المفاوضات بين الحكومة السورية و “قسد”، لوضع اللمسات الأخيرة على الترتيبات المنبثقة عن الاتفاق الموقع في 10 مارس/آذار 2025 قد اكتسبت زخما ملحوظا خلال الأسابيع الماضية. وبدا أن التسوية باتت وشيكة، حتى إن بعض ملامح اتفاق محتمل تسربت إلى الصحافة. وفضلا عن ذلك، ساهم الاتفاق الذي توصلت إليه سوريا وإسرائيل في محادثات بوساطة الولايات المتحدة في باريس قبل أيام قليلة في خلق مناخ أكثر إيجابية.

لكن، لماذا اندلع القتال في حلب؟

ترى دمشق أن “قسد” تتمسك بمطالب متشددة تمس وحدة سوريا وتهدد تماسكها. في المقابل، تؤكد “قوات سوريا الديمقراطية” أنها لن تعود إلى ما قبل عام 2011، وأنها لن تحل قواتها المسلحة، كما ترفض العودة إلى بنية إدارية مركزية صارمة.

عند الحديث عن اتفاق 10 مارس قد يتبادر إلى الذهن موضوع إدماج “قسد” في الجيش، غير أن المسألة أوسع وأشد تعقيدا. فثمة ملفات أخرى لا تقل أهمية، في مقدمتها شكل النظام الإداري في سوريا، والدستور الجديد، وملكية حقول النفط، وكيفية توزيع عائدات النفط.

وفي مقابلة له، قال سيبان حمو، القائد البارز في “قسد”، إن إدارة الرئيس أحمد الشرع تسعى إلى إعادة إنتاج نسخة من نظام الأسد. وانتقد موقف دمشق، واصفا إياه بالمتصلب وغير المتجاوب مع القضايا الجوهرية خلال المفاوضات، معتبرا أن ذلك يعود في الأساس إلى سعيها للامتثال للمطالب التركية. إذ ترى تركيا أن دمج “قسد” في الجيش السوري ينبغي أن يسبقه إلقاء السلاح، وأن يغادر المقاتلون غير السوريين في صفوفها الأراضي السورية، وأن لا يندمج التشكيل بكامله في الجيش، بل ينضم من يرغب من أفراده بصورة فردية. كما تبدي أنقرة تشككا حيال أي صيغة لا مركزية للحكم. يسهل على “قسد” أن تلقي باللوم على دمشق وأنقرة، غير أن ذلك لا يغير من حقيقة أنها رفعت سقف مطالبها إلى أقصى حد، وأنها لجأت إلى المماطلة.

ويتبادل الطرفان الاتهامات بشأن من أطلق الرصاصة الأولى في حلب، لكن أيا تكن الجهة التي بدأت، فقد أسهم كل طرف بطريقته في صنع أسباب التوتر وتراكمها.

ويرجح أن الحكومة السورية قررت كسر حالة الجمود. وفي المقابل، يرجح أن الجانب الكردي أساء تقدير مدى تصميم الجيش السوري وقدراته، وحجم دعم الولايات المتحدة، وكذلك مدى استعداد إسرائيل للانخراط. وكانت حلب قد شهدت اشتباكات عنيفة أسفرت عن مقتل أكثر من عشرين شخصا، وإصابة عدد كبير آخر بجروح، قبل أن تتمكن قوات الجيش السوري من بسط سيطرتها على جزء واسع من حي الأشرفية.

وأعلنت وزارة الدفاع السورية، ليل الخميس، وقفا مؤقتا لإطلاق النار في محيط أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، كما فتحت ممرا آمنا حتى صباح الجمعة لخروج المجموعات المسلحة من حلب باتجاه المناطق الشمالية الشرقية. وكانت قوات “وحدات حماية الشعب” عمود “قسد” قد انسحبت سابقا من هذه الأحياء في أبريل/نيسان 2025، بموجب اتفاق موقّع مع دمشق، ونقلت مئات المقاتلين إلى شرق نهر الفرات. ولم يبق في تلك الأحياء سوى قوات “الأسايش”، وهي قوات الأمن الداخلي، إلى جانب عناصر من “وحدات حماية الشعب” بقوا هناك متخفين بصفة “الأسايش”.

تتابع تركيا عن كثب التطورات في حلب، وسط مخاوف من أن يؤدي اتساع رقعة القتال إلى موجة جديدة من اللاجئين. وفي بيان صدر يوم الخميس، وصفت وزارة الدفاع الوطنية التركية القتال الدائر في حلب بأنه عملية مشروعة لمكافحة الإرهاب، بهدف استعادة النظام العام. وأوضح البيان أن الجيش السوري وحده يتولى تنفيذ العملية، في إشارة إلى أن قوات الأمن التركية ليست منخرطة فيها. كما أكدت تركيا أنها ستقدم لسوريا الدعم اللازم إذا طُلب منها ذلك.

وترتبط أنقرة ودمشق بعلاقات تعاون وثيقة في مجالي الأمن والدفاع. ففي 22 ديسمبر/كانون الأول 2025، التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ووزير الدفاع يشار غولر ورئيس الاستخبارات إبراهيم قالن بالرئيس السوري أحمد الشرع ومسؤولين آخرين في قصر الشعب بدمشق، حيث بحثوا القضايا الأمنية وسبل تعزيز التعاون.

وشهدت مدن تركية عدة مظاهرات دعما لأكراد حلب، في مشهد يستحضر احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول 2014 حين ملأت الحشود الشوارع تنديدا بهجوم تنظيم “داعش” على عين العرب (كوباني).

كما تلقي تطورات سوريا واشتباكات حلب بظلالها على السياسة الداخلية في تركيا، وعلى المسار القائم مع “حزب العمال الكردستاني”. ويثور جدل حول ما إذا كانت دعوة الزعيم المسجون لـ “حزب العمال الكردستاني” عبد الله أوجلان إلى التخلي عن السلاح تشمل “وحدات حماية الشعب”. إذ ترى أنقرة أن “الوحدات” هي الامتداد السوري لـ”حزب العمال الكردستاني”، وبالتالي تنطبق عليها الدعوة، بينما تنفي “الوحدات” ذلك.

وتنخرط الولايات المتحدة وإسرائيل مباشرة في هذا الملف. فقد أصدر السفير توم باراك، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، بيانا عبر حسابه في منصة “إكس” عبّر فيه عن قلق بلاده، ودعا قيادات الحكومة السورية و”قسد” والسلطات المحلية في المناطق الخاضعة للإدارة الكردية وجميع الفاعلين المسلحين على الأرض إلى وقف الأعمال العدائية، والالتزام بخفض التصعيد.

وتبذل الولايات المتحدة بصفتها وسيطا بين دمشق و”قسد” جهدا كبيرا لوقف القتال في حلب. كما تتابع إسرائيل التطورات عن كثب ساعية إلى تشكيل واقع سوري ينسجم مع مصالحها، لا سيما عبر استغلال الدروز والعلويين والأكراد. وترى الحكومة الإسرائيلية أن بقاء سوريا ضعيفة ومفتتة يخدم مصالحها، وتَعدُّ الأكراد و”قسد” أداة لإبقاء تركيا تحت الضغط.

وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في بيان رسمي إن الاشتباكات في حلب تمثل هجمات خطيرة تنفذها قوات النظام السوري ضد الأقلية الكردية. ودعا ساعر المجتمع الدولي إلى كسر الصمت، مذكّرا الغرب على وجه الخصوص بأن له التزاما أخلاقيا تجاه الأكراد “لأنهم قاتلوا (داعش) بشجاعة وبنجاح”.

وقد تقدم إسرائيل على خطوات سياسية، وربما توفر دعما سريا لـ”قسد” بصور مختلفة، غير أن تدخلا مباشرا على غرار ما حدث في السويداء يبدو غير مرجح. إذ إن حلب ومناطق الشمال الخاضعة لسيطرة الأكراد، لا تقع على تماس مباشر مع إسرائيل، والأهم أن وجود تركيا هناك يجعل أي تدخل إسرائيلي أمرا غير مقبول من جانبها. كما أن الولايات المتحدة ستعارض هي الأخرى أي مواجهة مباشرة من هذا النوع.

أخيرا، تندلع اشتباكات حلب في وقت تمر فيه إيران بتطورات استثنائية، إذ تتواصل المظاهرات في مدن كثيرة بأنحاء البلاد، بينها طهران ومناطق ذات كثافة سكانية كردية مرتفعة. وقد أسفرت هذه الاحتجاجات حتى الآن عن مقتل نحو خمسين شخصا، فيما جدد الرئيس الأميركي ترمب تهديده بأن الولايات المتحدة سترد بقوة إذا سقط مدنيون.

* نشر المقال في 9 يناير وتم تحديثه في 10 يناير 2026.

المجلة

————————–

الجيش يعلن وقف العمليات العسكرية في الشيخ مقصود وإجلاء مسلحي “قسد” إلى الطبقة

2026.01.10

أعلنت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري اليوم السبت، وقف جميع العمليات العسكرية داخل حي الشيخ مقصود في حلب، بدءاً من الساعة الثالثة ظهراً، وذلك عقب استسلام مسلحي “قسد” الذين كانوا يتحصنون داخل مستشفى ياسين في الشيخ مقصود، مشيرة إلى أن أولئك المسلحين سيجري إجلاؤهم باتجاه مدينة الطبقة بريف الرقة الغربي، بدون أسلحتهم.

وأوضحت الهيئة أن الجيش سيبدأ بتسليم جميع المرافق الصحية والحكومية إلى مؤسسات الدولة وينسحب تدريجياً من شوارع حي الشيخ مقصود.

من جانبه، أوضح محافظ حلب عزام الغريب في مؤتمر صحفي، أن “الحياة بدأت تعود إلى الأشرفية وبني زيد بشكل عام، واعتباراً من يوم الغد ستعود إلى حي الشيخ مقصود أيضاً”، وأضاف: “لدينا خطة واضحة حول إدارة الأحياء تبدأ بدخول القوى الأمنية ومن ثم مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث ومن ثم باقي المؤسسات، وسنوجه الأهالي للعودة إلى المنازل عودة كريمة”.

وبشأن مسألة تسوية أوضاع مقاتلي “قسد”، قال محافظ حلب: “القاعدة الأساسية ليس لدينا أي مظاهر انتقامية تجاه أحد. وكل من يثبت تورطه يحاسب وفقا للقانون… الإدارة الذاتية من مفرزات حقبة النظام المخلوع ونرفض الدعوات العنصرية والطائفية والانفصالية”.

تمشيط الشيخ مقصود من عناصر “قسد”

وصباح اليوم السبت، أعلن الجيش السوري إنهاء عملية تمشيط حي الشيخ مقصود بمدينة حلب بشكل كامل، والبدء ببسط النظام العام لضمان الأمن والاستقرار، فيما أعلنت “الإدارة الذاتية” قبول نقل عناصر “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من الحيّ إلى شرقي الفرات، في إطار ما وصفته بـ “جهود حماية المدنيين” في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود.

وفي بيان موجه للرأي العام نشرته عبر منصة “إكس”، قالت الرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية”، إلهام أحمد، إن حماية المدنيين في الحيين “تمثل أولوية قصوى”، مشيرة إلى “ترحيب الإدارة بعرض القوى الدولية الوسيطة بإعادة تموضع القوات الموجودة في الشيخ مقصود إلى شرقي الفرات بشكل آمن”.

وأضافت أحمد أن هذا الإجراء مشروط بضمان “وجود حماية كردية محلية، ومجلس محلي لسكان الحيين”، بما يتوافق مع اتفاقية الأول من نيسان، مؤكدة أن القبول بالعرض يأتي “على هذا الأساس”.

الجيش السوري يمشّط الشيخ مقصود

يأتي ذلك في وقت نقلت فيه وكالة الأنباء السورية “سانا” عن مصدر عسكري تأكيده أن الجيش السوري أنهى عمليات تمشيط حي الشيخ مقصود في مدينة حلب، مشيراً إلى أن العمليات واجهت صعوبات كبيرة نتيجة تمركز عناصر “قسد” داخل منازل المدنيين واتخاذهم دروعا بشرية.

وأوضح المصدر أن القوات الحكومية فككت عشرات الألغام المزروعة في شوارع الحي، واعتقلت عددا من عناصر “قسد”، وصادرت أسلحة ثقيلة ومتوسطة وكميات كبيرة من الذخائر والأسلحة الخفيفة والعبوات المعدّة للتفجير، بالتوازي مع التحضير لإدخال قوى الأمن الداخلي بعد استكمال التمشيط.

وفي بيانين منفصلين، أكدت هيئة العمليات في الجيش السوري أن القوات باشرت مهامها في بسط السيادة الوطنية، محذّرة من أنها ستتعامل بحزم وتدمّر أي مصدر للنيران لضمان أمن واستقرار المنطقة وحماية الأهالي.

وشددت هيئة العمليات على أن الخيار الوحيد المتبقي أمام العناصر المسلحة في حي الشيخ مقصود هو تسليم أنفسهم وسلاحهم فوراً لأقرب نقطة عسكرية مقابل ضمان حياتهم وسلامتهم.

خلافات بين قيادات “قسد”

يأتي ذلك بعد انتهاء المهلة التي أعلنتها وزارة الدفاع السورية، فجر أمس الجمعة، لمغادرة المجموعات المسلحة في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد تزامناً مع وقف لإطلاق النار.

وفي وقت لاحق، أعلنت الوزارة عن فتح ممر آمن لخروج عناصر “قسد” من الشيخ مقصود، والتوجه إلى ريف حلب الشمالي انطلاقاً من طريق الكاستيلو الذي وصلت إليه الباصات تمهيداً لعملية النقل.

وأفادت مصادر خاصة لـ “تلفزيون سوريا”، بوقوع خلافات بين قيادات “قسد” في حلب أخّرت خروج مسلحيها من الشيخ مقصود. وفي أثناء ذلك، أصدر ما يسمى بـ “المجلس العام لحيي الشيخ مقصود والأشرفية” بياناً أكد فيه رفضه التام لما وصفها بـ “دعوات تسليم واستسلام” الحيين إلى الحكومة، والبقاء فيهما و”الدفاع عنهما”.

ودعا “المجلس” أهالي الشيخ مقصود والأشرفية إلى الوقوف بجانبه و”إعلان النفير العام للدفاع عن الأحياء”.

رداً على ذلك، استأنف الجيش السوري، مساء أمس الجمعة، نشر خرائط لمواقع عسكرية تابعة لـ “قسد” سيتم استهدافها في حي الشيخ مقصود، وذلك بعد رفض عناصر “قسد” الانسحاب من الحي. وحذّر الجيش الأهالي من الاقتراب من المناطق المحددة للاستهداف وضرورة إخلائها فوراً للحفاظ على سلامتهم بسبب اتخاذها من قبل “قسد” كمواقع عسكرية يقصف منها أحياء وسكان مدينة حلب.

بالتزامن مع ذلك، بدأ أهالي حي الشيخ مقصود بالخروج من الحي عبر ممر “العوارض” الذي افتتحته هيئة العمليات في الجيش العربي السوري، فيما أعلنت هيئة العمليات أن حي الشيخ مقصود “منطقة عسكرية مغلقة”، وفرضت حظراً كاملاً للتجوال ابتداء من الساعة 06:30 مساءً حتى إشعارٍ آخر.

———————————

انسحاب مقاتلي “قسد” إلى شمال شرق سوريا وقوات الحكومة تفرض سيطرتها على حي الشيخ مقصود

10 يناير 2026

شهدت مدينة حلب شمالي سوريا اليوم تطورات عسكرية متسارعة مع دخول الجيش السوري إلى حي الشيخ مقصود، حيث أكدت قيادة الأمن الداخلي السيطرة الكاملة على الحي بعد تمشيطه بالكامل. ونقلت وكالة الأنباء السورية “سانا” عن مصدر عسكري أن القوات السورية تلاحق عناصر تنظيم “قسد” المختبئين بين المنازل والمرافق الحكومية، بينما بدأت قوات الأمن الداخلي الانتشار في الحي بالتنسيق مع الجيش لاستكمال عمليات البحث والتفتيش وتأمين المنطقة.

وقف العمليات العسكرية في حي الشيخ مقصود

أعلنت هيئة العمليات العسكرية السورية وقف جميع العمليات العسكرية داخل حي الشيخ مقصود في مدينة حلب، اعتبارًا من الساعة الثالثة من بعد ظهر اليوم.

وأوضحت الهيئة أن الاتفاق يقضي بترحيل مقاتلي “قسد” المتحصنين داخل مستشفى ياسين باتجاه مدينة الطبقة، بعد سحب أسلحتهم. كما أشارت إلى أن الجيش السوري سيباشر بتسليم المرافق الصحية والحكومية إلى مؤسسات الدولة، على أن ينسحب تدريجيًا من حي الشيخ مقصود عقب استكمال الإجراءات المتفق عليها.

عمليات الجيش والسيطرة على الحي

من جهتها، أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري الانتهاء من تمشيط حي الشيخ مقصود بشكل كامل، مؤكدة أن “الخيار الوحيد أمام العناصر المسلحة هو تسليم أنفسهم وسلاحهم مقابل ضمان حياتهم وسلامتهم”. واعتقلت القوات السورية عددًا من عناصر “قسد”، وفكّكت عشرات الألغام وصادرت كميات من الأسلحة، ودمّرت مستودع ذخيرة ضخمًا تابعًا للتنظيم.

تأمين عودة الأهالي لمنازلهم

أكد محافظ حلب، عزام الغريب، أن المدينة استقبلت نحو 155 ألف نازح من أحياء مختلفة خلال الأحداث الأخيرة، مشيرًا إلى أن وحدات الأمن الداخلي بدأت الدخول إلى حي الشيخ مقصود لتأمين عودة الأهالي إلى منازلهم. وأضاف الغريب أن قوات “قسد” منعت المدنيين من الخروج من الحي، واستخدمتهم كدروع بشرية أثناء المواجهات مع الجيش السوري.

انسحاب عناصر “قسد”

نقلت وكالة “رويترز” عن مصادر أمنية انسحاب بعض عناصر وقادة تنظيم “قسد” من حي الشيخ مقصود خلال الليل إلى شمال شرق سوريا، حيث بلغ عددهم نحو 300 عنصر. وفي المقابل، يواصل التنظيم ما وصفه بـ”مقاومته” لليوم الخامس على التوالي ضد الهجمات التي تشنها قوات الحكومة السورية على الحي.

وفي سياق المواجهات، تصدت قوات الجيش السوري لمسيّرات أطلقها تنظيم “قسد” من منطقة دير حافر لاستهداف أحياء الحي، في محاولة لإسقاطها وحماية المدنيين.

التحصن في المرافق المدنية

أكد وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى على ضرورة حماية المدنيين وتحييد المرافق الخدمية، محذرًا من “استخدام التنظيمات المسلحة المستشفيات دروعًا بشرية، حيث حوّلوا بعض المرافق المدنية إلى نقاط تمركز عسكرية ولا تزال تُستخدم لاستهداف المدنيين”.

وفي هذا السياق، دان مدير صحة حلب محمد وجيه جمعة طرد كوادر مستشفى ياسين وتحويله إلى نقطة عسكرية، واصفًا هذا الاعتداء بـ”جريمة خطيرة بحق القطاع الصحي”. وحذّر جمعة من التداعيات المباشرة على حياة المدنيين والمرضى، مؤكدًا أن “المسؤولية الكاملة تقع على عاتق التنظيمات المسلحة”، داعيًا السكان لتجنب الاقتراب من المستشفى حرصًا على سلامتهم في ظل تحويله إلى موقع ذي طابع عسكري.

———————————-

بدء عملية نقل المقاتلين الأكراد من “الشيخ مقصود” باتجاه مناطق “قسد

الجيش السوري يعلق عملياته ونزوح 155 ألف شخص من حيين بمدينة حلب

السبت 10 يناير 2026

شدد الجيش السوري على أن الخيار الوحيد المتبقي أمام العناصر المسلحة بحي الشيخ مقصود، هو تسليم أنفسهم وسلاحهم فوراً لأقرب نقطة عسكرية مقابل ضمان حياتهم وسلامتهم الشخصية.

بدأت السلطات السورية اليوم السبت نقل مقاتلين أكراد من حي الشيخ مقصود في حلب نحو مناطق سيطرة الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرقي سوريا، وفق ما أفاد التلفزيون السوري الرسمي، بعدما أعلن الجيش وقف عملياته في الحي إثر معارك عنيفة.

وأعلن التلفزيون الرسمي السوري “نَقلُ مقاتلين من تنظيم ’قسد‘ أعلنوا استسلامهم في مستشفى ياسين بالحافلات إلى مدينة الطبقة بإشراف وزارة الداخلية”، فيما شاهد مراسل وكالة الصحافة الفرنسية عند مدخل الشيخ مقصود أربع حافلات تقلّ مقاتلين تخرج من الحي بمواكبة قوات الأمن.

الجيش السوري يعلق العمليات

وكان الجيش السوري أعلن في وقت سابق السبت تعليق جميع العمليات العسكرية داخل حي الشيخ مقصود ⁠في حلب ‌اعتباراً من الساعة الثالثة ‍مساءً ‍بالتوقيت المحلي (12:00 بتوقيت غرينيتش)، حيث سيخرج المقاتلين ⁠الأكراد إلى مدينة الطبقة.

ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) عن هيئة العمليات في الجيش السوري قولها، “نعلن عن وقف جميع العمليات العسكرية داخل حي الشيخ، حيث سيجري ترحيل مسلحي تنظيم ’قسد‘ المتحصنين في مستشفى ياسين باتجاه مدينة الطبقة، مع سحب أسلحتهم”.

وأكدت هيئة العمليات أن “الجيش السوري سيبدأ بتسليم جميع المرافق الصحية والحكومية إلى مؤسسات الدولة، وينسحب تدريجاً من شوارع حي الشيخ مقصود”.

كان الجيش السوري، أعلن السبت، انتهاء قواته من تمشيط حي الشيخ مقصود بالكامل في مدينة حلب، وقال إن عناصر “قسد” و”حزب العمال الكردستاني” يختبئون بين المدنيين في حي الشيخ مقصود، مهيباً بالمدنيين البقاء في منازلهم وعدم الخروج. وأضاف أنه تم تفكيك عشرات الألغام في شوارع الحي، وأن العمل جار على ترتيب دخول قوى الأمن الداخلي بعد انتهاء عمليات التمشيط.

وشدد الجيش السوري على أن الخيار الوحيد المتبقي أمام العناصر المسلحة بحي الشيخ مقصود، هو تسليم أنفسهم وسلاحهم فوراً لأقرب نقطة عسكرية مقابل ضمان حياتهم وسلامتهم الشخصية.

في المقابل، نفت القوات الكردية سيطرة الجيش السوري على حي الشيخ مقصود بحلب، مؤكدة أن الاشتباكات مستمرة والمنطقة تشهد معارك عنيفة. وقالت في بيان إن “هذه الادعاءات كاذبة ومضللة، ولا تمت للواقع بصلة”، مضيفة أن محاور حي الشيخ مقصود تشهد “اشتباكات شوارع عنيفة” فيما “يستمر القصف الوحشي بالمدفعية والدبابات على الحي”.

وعلى رغم إعلان الجيش انتهاء عمليات التمشيط، تحدثت مصادر أمنية عن استمرار القصف والاشتباكات في مناطق متعددة بحي الشيخ مقصود بين قوى الأمن الكردية والجيش السوري.

آلاف النازحين

وأكد محافظ حلب عزام الغريب أن الاشتباكات المتواصلة منذ أيام داخل حيي الشيخ مقصود والأشرفية في المدينة الواقعة شمال سوريا أدت إلى نزوح 155 ألف شخص.

وقال المحافظ خلال مؤتمر صحافي “قمنا باستقبال ما يقارب 155 ألفاً من أهلنا الذين نزحوا من حيي الشيخ مقصود والأشرفية وتوجهوا إلى أحياء مدينة حلب وإلى الأرياف”، مضيفاً “يجري استقبالهم بصورة لائقة وكريمة وتأمين الحاجات الأساس لهم”.

اشتباكات عنيفة

وبحسب “تلفزيون سوريا” تدور اشتباكات عنيفة بين الجيش السوري وعناصر من “قسد” داخل حي الشيخ مقصود في حلب.

وأفاد مصدر ميداني “اندبندنت عربية” بأن الاشتباكات ما زالت مستمرة في أجزاء من حي الشيخ مقصود مع تسيير طائرات مسيرة تستهدف المجموعات المهاجمة من الجيش السوري، وبأن القوات العسكرية تتصدى لطائرات مسيرة تحلق فوق أحياء حلب ولا سيما في حلب الجديدة وحي الفرقان والمعلومات الأولية تشير إلى إطلاقها من جهة دير حافر (محافظة حلب).

وقالت “قوات سوريا الديمقراطية”، في المقابل، ​إن ‌هجمات القوات الحكومية السورية في حلب مدعومة ‌بطائرات ‍مسيرة ‍تركية.

ولم تصدر تركيا تعليقاً حتى الآن.

وفي منشور على “إكس”، أكد محافظ حلب عزام الغريب أن الجهات المعنية تتابع أعمالها الميدانية “لتثبيت الأمن وضمان عودة الحياة الطبيعية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية”، داعياً الأهالي إلى “الالتزام الكامل بالتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة” ومشيراً إلى “استمرار حظر التجوال في المناطق التي أعلنت عنها هيئة العمليات إلى حين صدور تعاميم لاحقة”. وطلب المحافظ من النازحين عدم التوجّه إلى الأحياء المذكورة حالياً “إلا بعد التنسيق المسبق مع لجنة استجابة حلب حرصاً على سلامتهم ولضمان تنظيم عودتهم الآمنة”.

سيطرة كاملة

وأكد الأمن الداخلي في حلب لـ “اندبندنت عربية” بسط سيطرة على كامل أحياء مدينة حلب في زقت ما يزال بعض مسلحي “قسد” يختبئون بين المدنيين، موضحاً أيضاً أن عناصر “قسد” المتبقين يختبئون في نفق قرب مشفى “ياسين” بحي الشيخ مقصود، وأننا “نعمل حالياً على تأمين المنطقة وتهيئة الظروف لعودة النازحين خلال الساعات الـ 48 المقبلة”.

وتحدثت مصادر أمنية أيضاً نقلاً عن ثلاثة مصادر عسكرية عن انسحاب بعض القوات الكردية والقادة الأكراد من حلب ليل الجمعة – السبت إلى شمال شرقي سوريا، وأن ما يقرب “من 300 عنصر من القوات الكردية ما زالوا في حي الشيخ مقصود”.

مديرية الصحة في حلب

في هذا الوقت، وفي بيان صادر عن مدير صحة حلب محمد وجيه جمعة، دانت مديرية الصحة في حلب بأشد العبارات قيام تنظيم “حزب العمال الكردستاني” والمجموعات المسلحة المرتبطة به بطرد الكوادر الطبية والعاملين من مستشفى “ياسين” في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، وتحويله إلى نقطة عسكرية، وأضاف جمعة “أن هذا الاعتداء يشكّل جريمة خطيرة بحق القطاع الصحي، ويعرّض حياة المدنيين والمرضى للخطر، ويحرم الأهالي من حقهم الأساس في الحصول على الرعاية الطبية والخدمات الصحية اللازمة”، وحمّل مدير صحة حلب هذه المجموعات “كامل المسؤولية عن سلامة الكوادر الطبية والممتلكات الصحية”، داعياً المنظمات الدولية والإنسانية إلى تحمّل مسؤولياتها القانونية والإنسانية، وإدانة هذه الانتهاكات بشكل واضح وصريح، والعمل على ضمان حماية المنشآت الصحية ومنع استخدامها في الأعمال العسكرية.

السلام في سوريا

في الأثناء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه يريد أن يرى السلام في سوريا، وأن تكون بلداً ناجحاً. وأضاف، أعتقد أن سوريا تسير في طريق النجاح والأزمة بدأت للتو ونريد أن نرى نهايتها. وذكر ترمب للصحافيين في البيت الأبيض، الجمعة “نحن نتفاهم مع الأكراد ومع الحكومة السورية بشكل جيد جداً”، مضيفاً “أعتقد أنه كان هناك تقدم، لكن هذا العنف بدأ يشتعل مجدداً، ونحن نريد أن نراه يتوقف”.

وأعلن الجيش السوري أنه أنهى تمشيط أكثر من 90 في المئة من مساحة حي الشيخ مقصود بمدينة حلب. وأوضح مصدر عسكري في تصريح لوكالة العربية السورية للأنباء “سانا”، اليوم السبت، أن صعوبات كبيرة ترافق عمليات التمشيط، بسبب اتخاذ قوات سوريا الديمقراطية “قسد” للمدنيين دروعاً بشرية، وتمركزه بمنازل الأهالي.

ولفت المصدر إلى أن قوات الجيش فككت عشرات الألغام في شوارع الحي، وهي تعمل على ترتيب دخول قوى الأمن الداخلي حالما تنتهي عمليات التمشيط. وأشار إلى أن قوات الجيش صادرت أسلحة ثقيلة ومتوسطة وكميات كبيرة من الذخائر والأسلحة الخفيفة والعبوات المعدة للتفجير.

الخيار الوحيد

وقالت هيئة العمليات في الجيش السوري، إن “الخيار الوحيد المتبقي أمام العناصر المسلحة في منطقة الشيخ مقصود، هو تسليم أنفسهم وسلاحهم فوراً لأقرب نقطة عسكرية مقابل ضمان حياتهم وسلامتهم”. وأضافت أن الجيش باشر مهامه في بسط السيادة الوطنية، وأنه “سيتعامل بحزم ويدمر أي مصدر للنيران لضمان أمن واستقرار المنطقة وحماية الأهالي”.

وكان الجيش السوري أعلن، مساء أمس الجمعة، إطلاق عملية لتمشيط حي الشيخ مقصود، بعدما قال إنه “اكتشف وجود عدد كبير من عناصر حزب العمال الكردستاني”. وقال إنه “فور انتهاء عمليات التمشيط سيجري تسليم الحي لقوى الأمن ومؤسسات الدولة لتبدأ عملها”.

وقالت وزارة الدفاع السورية، إنها دمرت مستودع ذخيرة ضخماً لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” وحزب “العمال الكردستاني” في الحي. وذكرت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع أن عمليات التمشيط لا تزال مستمرة داخل شوارع الحي، ولكنها تسير ببطء وبتركيز عال جداً، حفاظاً على أرواح الأهالي، وفق ما نقلت “سانا”.

من جانبه، ذكر التلفزيون السوري أن الجيش قصف بالمدفعية مواقع لـ”قسد” في دير حافر بريف حلب. وقال الجيش السوري، في بيان، إن قوات سوريا الديمقراطية قصفت مواقع تابعة له، مما أودى بحياة ثلاثة جنود وإصابة أكثر من 12″.

وأشار إلى أن “مماطلة قوات سوريا الديمقراطية، واستهداف المواقع المدنية والعسكرية بحلب، يضعف فرص الاستمرار في أي اتفاق جديد معها”.

وردت “قسد” قائلة “نؤكد بشكل قاطع لا لبس فيه أن من يدافعون عن الشيخ مقصود هم أبناء الحي وبناته، الذين يحملون مسؤولية حماية أهلهم ومنازلهم”. وأفادت القوات الكردية عن عمليات قصف على الأحياء السكنية في حي الشيخ مقصود، معلنة “إسقاط طائرة مسيرة” وفق ما نقلت وكالة “الصحافة الفرنسية”.

وقالت قوات سوريا الديمقراطية، إن “قوات الحكومة تحاول التوغل بالدبابات في حي الشيخ مقصود وسط مواجهة مع قواتنا”، وأضافت أن الحي “يتعرض لقصف عنيف ومكثف من قبل فصائل تابعة للحكومة السورية”.

حماية المدنيين

وقالت الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا إلهام أحمد، في منشور على منصة “إكس”، “نحن في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا نؤكد أن حماية المدنيين في حيي الشيخ مقصود والأشرفية من أولوياتنا القصوى، لذلك نرحّب بعرض القوى الدولية الوسيطة إعادة تموضع القوات الموجودة في الشيخ مقصود إلى شرق الفرات بشكل آمن، شريطة أن يضمن ذلك وجود حماية كردية محلية ومجلس محلي لسكان الحيين، بما يتوافق مع اتفاقية الأول من أبريل (نيسان)”.

وكانت وزارة الدفاع السورية أعلنت، فجر أمس الجمعة، عن وقف لإطلاق النار في الحيين، ودعت المقاتلين الأكراد إلى إخلائهما تمهيداً لنقلهم إلى مناطق الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرقي سوريا.

لكن المقاتلين رفضوا وأكدوا أنهم سيواصلون “الدفاع” عن مناطقهم. وقالت القوات الكردية إن “النداء الذي توجهه قوات حكومة دمشق (…) إلى شعبنا وقواتنا الأمنية هو دعوة للاستسلام، إلا أن شعبنا في هذه الأحياء مصمم على البقاء في أحيائه والدفاع عنها”.

براك والصفدي يدعوان لـ”انسحاب سلمي” للقوات الكردية

وسط هذه الأجواء، عرض نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك مستجدّات الأوضاع في سوريا في سياق التعاون والتنسيق المستمرين لدعم الحكومة السورية في جهودها لضمان أمن سوريا وسيادتها ووحدتها واستقرارها وحقوق جميع مواطنيها وسلامتهم.

كما بحث الصفدي وبراك التطورات في حلب وأكدا التزام المملكة والولايات المتحدة دعم الجهود المستهدِفة تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب السلمي لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من حلب، وضمان أمن وسلامة جميع المدنيين. كما أكدا ضرورة التنفيذ الفوري لاتفاق الـ 10 من مارس (آذار) 2025، والذي سبق أن التزمت به الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية”. وأكّد الصفدي وبارِك استمرار العمل المشترك على تطبيق خريطة الطريق “لإنهاء الأزمة في السويداء واستقرار جنوب سوريا” التي أكدت ضرورة حلّ الأزمة في السويداء.

خفض التصعيد

وقالت وزارة الخارجية الفرنسية، إنها تعمل مع الولايات المتحدة على خفض التصعيد. وذكر بيان صادر عن الوزارة أن الرئيس إيمانويل ماكرون حث نظيره السوري أحمد الشرع “على ضبط النفس وأكد التزام فرنسا بسوريا موحدة تحظى فيها جميع شرائح المجتمع السوري بالتمثيل والحماية”.

وقال دبلوماسي غربي لـ”رويترز”، إن جهود الوساطة تركز على تهدئة الوضع والتوصل إلى اتفاق يقضي بمغادرة القوات الكردية لحلب وتقديم ضمانات أمنية للأكراد الذين يبقون فيها. وأضاف الدبلوماسي أن ​المبعوث الأميركي توم براك في طريقه إلى دمشق. ورفض متحدث باسم براك التعليق.

وتشارك واشنطن عن كثب في الجهود الرامية إلى تعزيز الاندماج بين قوات سوريا الديمقراطية، التي طالما تمتعت بدعم عسكري أميركي، ودمشق التي طورت الولايات ⁠المتحدة معها علاقات وثيقة في عهد ترمب.

ورحب براك في وقت سابق بما وصفه “بوقف إطلاق النار الموقت”، وقال إن واشنطن تعمل بشكل مكثف لتمديده إلى ما بعد الموعد النهائي المحدد في التاسعة صباحاً. وكتب على “إكس”، “نأمل أن تجلب عطلة نهاية الأسبوع هدوءاً يدوم أكثر وحواراً أعمق”.

“اندبندنت عربية”

——————————–

 الجيش السوري يبدأ تمشيط الشيخ مقصود بعد فشل الاتفاق مع “قسد”

السبت 2026/01/10

أعلن الجيش السوي بدء تمشيط حي الشيخ مقصود في مدينة حلب من مقاتلي “قسد”، بعد فشل الاتفاق على خروجهم إلى شمال شرق سوريا.

سياسة المماطلة

وقالت “هيئة العمليات” في الجيش السوري، إن الأخير “حاول الجيش إيقاف إجرام تنظيم قسد عبر عقد اتفاقٍ معه ينصّ على خروج مقاتليه”، إلا أن “قسد” استهدفت الباصات 3 مرات وقصفت مواقع الجيش واستهدفت جنوده، ما أدّى إلى مقتل 3 جنود وإصابة أكثر من 12 آخرين.

وأضافت في بيان، أن “سياسية المماطلة” التي تنتهجها “قسد”، و”المصحوبةً بقصفٍ ممنهج واستهدافٍ للمواقع المدنية قبل العسكرية في مدينة حلب، تقلّل فرص الاستمرار في أيّ اتفاق جديد مع هذا التنظيم”.

ولفتت إلى “اكتشاف” وجود عدد كبير من عناصر من حزب “العمال” الكردستاني داخل حي الشيخ مقصود، مضيفةً أن هؤلاء “شاركوا تنظيمَ قسد في قتل أكثر من 10 شبّانٍ أكراد رفضوا القتال إلى جانبهم، وقاموا بعدها بحرق جثثهم بدمٍ بارد لترهيب” أهالي الحي.

وأكد البيان أنه “بعد انقضاء جميع المُهل التي منحها الجيش لتنظيم قسد داخل حي الشيخ مقصود، نعلن بدء عملية تمشيط الحي من تواجد هذا التنظيم المجرم، وحالما تنتهي عمليات التمشيط سيتم تسليم الحي لقوى الأمن ومؤسسات الدولة لتبدأ عملها بشكل مباشر”.

مصادرة أسلحة

في غضون ذلك، قالت “إدارة الإعلام والاتصال” في وزارة الدفاع السورية، إن الجيش السوري “صادر عدداً من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل حي الشيخ مقصود، كان يستخدمها تنظيم قسد لاستهداف أحياء مدينة حلب”، لافتةُ إلى أن عمليات التمشيط مستمرة داخل شوارع الحي.

وأوضحت أن “عمليات تمشيط حي الشيخ مقصود تستمر ببطء وبتركيز عال جداً حفاظاً على أرواح الأهالي الذين منعهم تنظيم قسد من مغادرة الحي ليستخدمهم كدروع بشرية”، حسبما نقلت وكالة “سانا”.

ونقلت “سانا” عن مصدر عسكري، قوله إن “تنظيم قسد يستهدف بطائرات مسيّرة انتحارية إيرانية الصنع مواقع انتشار” الجيش السوري قرب دير حافر في ريف حلب الشرقي، ما أدى إلى إصابة عنصر من الجيش.

في المقابل، زعمت “قسد” في بيان، “تدمير دبابة ومقتل طاقمها” و “إسقاط طائرة انتحارية” للجيش السوري، أثناء محاولة “اقتحام” حي الشيخ مقصود.

اتصال الصفدي

في الأثناء، قالت وزارة الخارجية الأردنية، إن الوزير أيمن الصفدي بحث في اتصال هاتفي مع نظيره السوري أسعد الشيباني، تطورات الأوضاع في سوريا، مؤكدا على موقف الأردن “الثابت في دعم الحكومة السورية في جهودها حماية أمن سوريا واستقرارها وسيادتها ووحدة أراضيها، وضمان سلامة مواطنيها”.

وأضافت الخارجية في بيان، أن الوزيرين شددا أهمية التطور المستمر الذي تشهده العلاقات الأخوية بين البلدين الشقيقين، واستمرار الجهود المشتركة لتوسعة التعاون، “بما ينعكس إيجاباً على مصالح الأردن وسوريا ويعكس عمق العلاقات الأخوية بينهما”.

————————–

دير حافر.. المدينة التي تنطلق منها مسيَّرات قسد باتجاه الجيش السوري

قال مصدر عسكري للجزيرة إن الجيش السوري يتعامل مع مسيرات أطلقتها قوات قسد من مدينة دير حافر بريف حلب الشرقي، واستهدفت أحياء داخل المدينة.

ووفق مراسل الجزيرة عمرو حلبي، فإن دير حافر تعتبر من أكبر المدن والمناطق التي تسيطر عليها قسد في ريف حلب الشرقي، وتمثل أحد أهم معاقلها من حيث المساحة والكثافة السكانية، مشيرا إلى أن المنطقة شهدت خلال الساعات الماضية توترات واشتباكات عسكرية بين الجانبين.

وأشار مراسل الجزيرة إلى أن قوات قسد تستخدم دير حافر منصة لإطلاق المسيرات، التي تحلق لمسافات تتراوح بين 50 و60 كيلومترا قبل استهداف مواقع للجيش السوري وأحياء مدنية داخل مدينة حلب، لافتا إلى أن الجيش حاول خلال الساعات الماضية استهداف منصات إطلاق هذه المسيرات في المنطقة.

محاولة تعويض الخسائر

وارتفعت وتيرة استخدام المسيرات بشكل ملحوظ بعد خسارة قسد السيطرة على حيي الأشرفية والشيخ مقصود، حيث لجأت إلى هذه الهجمات في محاولة لتعويض خسائرها.

وقالت وكالة الأنباء السورية (سانا) ومصادر طبية إن المسيرات استهدفت مباني سكنية بحي الشهباء، كما طالت الهجمات مناطق ومعابر حيوية كان من المفترض أن يستخدمها المدنيون للخروج، بينها شارع الزهور ومنطقة العوارض.

وأكد المراسل أن قوى الأمن والجيش تواصل العمل على إسقاط المسيرات لمنع وقوع أضرار في صفوف القوات أو بين المدنيين، الذين قال إنهم كانوا موجودين بكثافة في مناطق السريان ومداخل حي الأشرفية.

المصدر: الجزيرة

————————————

تركيا: «قسد» لا تفهم إلا لغة القوة ووضع حلب يستقر لصالح الدولة السورية

فيدان دعاها إلى الانصياع للسلام والحوار وتنفيذ اتفاق 10 مارس

قال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إن الوضع القائم في حلب سينتهي تماماً قريباً، ولن يكون هناك «تنظيم موازٍ»، لافتاً إلى أن «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) لا تغيّر مواقفها إلا عندما تواجه القوة.

وأضاف أن المسار سيتغير، وستبدأ «دولة واحدة» بتقديم الخدمات لجميع مواطنيها في حلب، عبر مؤسساتها، مهما كانت أعراقهم بعد زوال «التنظيم الموازي»، في إشارة إلى «قسد».

وتابع فيدان، في مقابلة تلفزيونية ليل الجمعة-السبت، أن «تنظيم وحدات حماية الشعب الكردية الإرهابي، الذي يشكل العماد الأساسي لـ(قسد) لا يغير مواقفه إلا عندما يواجه القوة فقط، وأن الجميع يرى ويعرف ذلك».

وأعلن الجيش السوري، السبت، الانتهاء من تمشيط حي الشيخ مقصود بالكامل، بعد معارك عنيفة مع «قسد»، ليبسط سيطرته على كامل أحياء مدينة حلب.

ودعا الجيش، في بيان، المدنيين إلى البقاء بمنازلهم، وعدم الخروج، بسبب اختباء عناصر «قسد» و«حزب العمال الكردستاني».

وقالت وزارة الداخلية إن وحدات من قوات الأمن بدأت الانتشار في حي الشيخ مقصود، ضمن خطة تهدف إلى إعادة تثبيت الأمن، والاستقرار، وحماية المدنيين، والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، ومنع أي خروقات، أو مظاهر فوضى، وذلك بالتنسيق الكامل مع وحدات الجيش السوري المنتشرة في حي الشيخ مقصود، عقب القضاء على المجموعات المسلحة التابعة لـ«قسد».

«قسد» واتفاق 10 مارس

وقال فيدان إن اتفاق اندماج «قسد» في الجيش ومؤسسات الدولة السورية الموقع في 10 مارس (آذار) 2025 هو مشروع واقعي جداً، بحد ذاته، عند النظر إليه على الورق، لكن الأمر غير الواقعي هو عدم وجود رغبة لدى «التنظيم الإرهابي» (قسد) في خوض هذا المسار.

وعدّ أن الطريق الذي يجب اتباعه من دون اللجوء إلى العنف واضح، فهناك صورة تريدها دول المنطقة، وصورة تريدها الولايات المتحدة، وهما متطابقتان، والوحيدة التي لا تتطابق هي تلك الصورة التي تريدها إسرائيل، التي تنتهج مبدأ «فرّق تسد».

ولفت إلى أنه إذا كانت «قسد» تفكر حقاً في مستقبل الأكراد، فعليها اتخاذ خطوات، وتقديم حلول جادة وحقيقية قائمة على السلام، وألا تدفع الأكراد إلى مزيد من العداء مع شعوب المنطقة، ودولها.

وذكر فيدان أن «قسد» تستغل مزاعمها المتعلقة بمكافحة تنظيم «داعش» الإرهابي لكسب الأطراف، والدول الأخرى، وبعض النواب الأميركيين، لكنها لن تحقق أي هدف بهذه الطريقة، ولا بد من الانخراط في حلول واقعية مع السكان الحقيقيين للمنطقة.

وشدد على ضرورة توافر الظروف التي تجعل مسار اندماج «قسد» مع الحكومة السورية «أمراً إلزامياً»، لافتاً إلى أهمية الخيارات والمواقف ومقترحات الحلول التي ستطرحها تركيا، والولايات المتحدة، وسائر الفاعلين في المنطقة.

ودعا «قسد» للتخلي عن الاعتماد على إسرائيل، موضحاً أن النهج الحالي والحسابات الضيقة التي تنتهجها تتعارض مع واقع المنطقة، وأنها باتت مطالبة بالخروج من هذا المسار، والانتقال إلى «المسار الصحيح الذي يقوم على السلام، والحوار».

——————————-

أيقونة التهجير.. عندما تتحول الحافلات إلى مواكب جنائزية/ علي م. العجيل

9 يناير 2026

في أحياء الشيخ مقصود، حيث يمتزج ألم الماضي بمرارة الحاضر في رقصة قسرية لا تنتهي، تعود شبحية الحافلات لتخطف الأنفاس من جديد، وتستدعي الذاكرة الجمعية إلى جحيم التشريد والتهجير.

لم يكن نقل عناصر “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) عبر هذه المركبات، وتغيير لونها إلى الأبيض، مجرد عملية لوجستية عابرة؛ بل هو طعنة جديدة في عمق ذاكرة شعبٍ أنهكه النزوح القسري، وأصبح يعاني من متلازمة مركبة: رهاب الحافلات، وارتباك ما بعد الرحيل.

من وسيلة نقل إلى أيقونة ألم جمعي

للشعب السوري علاقة وجودية مع الحافلات، تجاوزت وظيفتها المادية كوسيلة نقل. فالحافلة التي كانت يومًا رمزًا للربط والتحديث، تحولت في دهاليز الحرب إلى أيقونة الاقتلاع.

كل رحلة منها تحمل في طياتها تاريخًا من الرحيل القسري: إنها رحلة الوداع الأخير، واقتلاع الجذور، والعبور من اليقين إلى المجهول. لقد تحولت من حافلات “نقل عام” إلى مراكب جنائزية، تُبحر بأصحابها – وهم أحياء – نحو قبور منفاهم.

من حمص إلى داريا، ومن حلب إلى الغوطة، تتكرر المشاهد بنفس التفاصيل المأساوية: حصار يطول، مفاوضات تحت وطأة القصف، و”اتفاقيات مصالحة” تختزل كرامة الإنسان في خيارين مُرّين: الموت تحت الأنقاض، أو الرحيل في ظلمة الحافلة.

ما يحدث اليوم في الشيخ مقصود يؤكد أن الحصارات السورية تشبه توائم شريرة: نفس الاستراتيجية، نفس العرض المهين، ونفس المركبات التي تنقل آخر بقايا الأمل والكرامة إلى المجهول.

الحافلات لم تتغير.. اللون فقط

في الحقيقة، لم تتغير الحافلات في جوهرها. ربما تبدّلت ألوانها من الأخضر إلى الأبيض، لكنها لا تزال تُستخدم بالمنطق الإقصائي ذاته: التهجير بدل الحوار، والإبعاد بدل المصالحة.

تكمن المأساة الأكبر في أن بعض الذين رُحّلوا قسرًا بالأمس في الحافلات الخضراء، يشاركون اليوم – ضمن تركيبات السلطة الجديدة – في ترحيل خصومهم في الحافلات البيضاء. وهنا يكمن أحد أعمق جراحنا: هذا الهوس السوري المرَضي بتكرار النماذج الفاشلة ذاتها، وإعادة إنتاج أدوات القهر دون استفادة من أي درس.

صحيح أن “قسد” لم تكن يومًا مثالًا للعدالة أو الإدارة التعددية، وأن مشروعها السياسي يحمل سمات استبدادية وإقصائية، لكن الردّ على خطيئة الاستبداد لا يكون بإعادة إنتاجها. فالمخرج الحقيقي لا يتحقق إلا عبر تفاهم سياسي شامل، يقطع مع عقلية “النقل” و”الترحيل” و”التطهير الديموغرافي”، ويستبدلها بالقدرة على احتواء التنوع السوري، والتعايش رغم الخصومة السياسية.

التهجير: النمط القسري الدائم

يبدو أننا أمام سيناريو مأساوي لا يتوقف: سكان يتحركون كقطع شطرنج على رقعة مسحوبة الدماء، وكل “اتفاق مصالحة” ما هو إلا فصل جديد من فصول التشريد المؤسسي. التهجير لم يعد حدثًا طارئًا أو استثنائيًا، بل تحول إلى نمط حياة قسري، وشكل من أشكال الوجود المُهدّد. شعب كان يتباهى بعمق جذوره وتاريخ مدنه، صار يجمع تراب بلدته في أكياس بلاستيكية، ويحمل ذكرياته في حقائب مهترئة، ليحملهما معه إلى منفى جديد.

كم مرة سيودع السوريون بيوتهم؟ وكم رحلة بعد لاقتلاع شعب من جغرافيا تاريخه وحكاياه؟

استخدام الحافلات البيضاء في الشيخ مقصود ليس مجرد نقل عسكري، بل هو استمرار مأساوي لثقافة التهجير المُؤسَّسَة والمُمنهجة.

إنه تأكيد صارخ على أن آلة التشريد لا تزال تعمل بكفاءة مرعبة، وأن ذاكرة السوريين ستظل لأجيال تحمل صور تلك المركبات التي فقدت معناها الأصلي، لتصبح إشارة إلى النفي، فقد تحولت من حافلات حياة إلى عربات موت معنوي، تنقل الأجساد والأرواح من وطن إلى منفى، ومن ذاكرة إلى نسيان.

——————————-

 “قسد” تجبر موظفين على التوجه لدير حافر وتطلق مسيرات منها باتجاه حلب

2026.01.10

أجبرت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) الموظفين في مؤسساتها الخدمية على التوجه ضمن قوافل من مناطق شمال شرقي سوريا إلى دير حافر بالتزامن مع إطلاقها لمسيرات انتحارية باتجاه مدينة حلب.

وقال عدد من الموظفين في الرقة وعين العرب (كوباني) لموقع تلفزيون سوريا، السبت، إن “مؤسسات الإدارة الذاتية تلقت تعليمات بضرورة تقديم كل مؤسسة أسماء موظفين لها للمشاركة في قوافل المدنيين المتجهين إلى حلب عبر طريق دير حافر”.

ووفق المصدر فإن “الإدارة الذاتية ادعت بأن القوافل سوف تتجه لحي الشيخ مقصود لدعم أهالي الحي بالرغم من كون الطريق مغلق لتتوقف القافلة في دير حافر شرق حلب”.

وأشار المصدر إلى أن “الموظفين أجبروا على المشاركة ضمن القوافل القادمة من الحسكة والرقة ودير الزور والطبقة وكوباني حيث تم تهديد كل من يرفض المشاركة في القوافل بفصلهم من وظائفهم”.

وبثت وسائل إعلام كردية وصفحات محلية، مقاطع فيديو وصورا قالت إنها “وفود لبت نداء مجلس أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بحلب”، لدعمها.

ال

تجمع للمدنيين في دير حافر شرقي حلب

المدنيون “دروع بشرية”

أعلن مصدر عسكري في الجيش السوري، إسقاط 5 مسيرات تابعة لـ”قسد” انطلقت من دير حافر بريف حلب الشرقي لاستهداف أحياء حلب، ظهر اليوم.

وقالت مديرية الإعلام في حلب

إن “قسد” استهدف مبنى المحافظة بطائرة مسيرة، أثناء عقد مؤتمر صحفي للمحافظ عزام الغريب، ووزير الإعلام حمزة المصطفى، ووزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات. اليوم السبت.

وقالت المديرية لـ سانا: إن “هذا الاعتداء يعبر عن السلوك الإجرامي الذي ينتهجه تنظيم قسد في محاولة لإسكات صوت الإعلام لمنع وصول الحقيقة للرأي العام”.

من جهتها نفت “قسد” استهداف المبنى أو الأحياء السكنية بالطائرات المسيرة.

وانفجرت طائرة مسيرة انتحارية صباح اليوم، أطلقتها “قوات سوريا الديمقراطية” من منطقة دير حافر في مركز الأمن الداخلي بمدينة حلب.

وأكدت مصادر عسكرية لموقع تلفزيون سوريا أن قيام “قسد” بنقل مدنيين إلى منطقة دير حافر يأتي لاستخدامهم كدروع بشرية لمواقع إطلاق المسيرات باتجاه حلب.

ووفق المصدر فإن “قسد” سبق لها أن استخدم المدنيين كدروع بشرية في سد تشرين شرق حلب، ونقلت أسلحة وذخيرة وقادة عسكريين عبر عشرات القوافل التي سيرتها باتجاه السد أثناء الاشتباكات مع فصائل الجيش الوطني عقب سقوط نظام الأسد.

وتعمل “قسد” تعمل على تسيير قوافل إضافية من المدنيين باتجاه دير حافر، بعد تلقي المؤسسات المدنية والخدمية في مناطقها تعليمات بتجهيز قوائم اسمية جديدة، وفق المصادر.

—————————-

الأشرفية والشيخ مقصود.. حيّا التنوع والتوتر في حلب/ تسنيم حسناوي

الأشرفية والشيخ مقصود حيّان متجاوران في شمال مدينة حلب السورية، يعدّان من أكثر مناطق المدينة تنوعا سكانيا وثقافيا، ويشرفان على مناطق صناعية وحيوية مهمة مثل منطقة الليرمون الصناعية وطريق الكاستيلو.

غالبا ما يُنظر إلى الحيين في الخرائط والتقديرات الأمنية والعسكرية على أنهما كتلة واحدة، نظرا لتلاصقهما الجغرافي والعمراني، مما جعلهما نقطة تأثير دائمة في المشهد الإستراتيجي لمدينة حلب. وفي أعقاب الثورة السورية خضعا ومناطق مجاورة لهما لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وكانت مناطق توتر وصراع متواصل.

في أواخر 2025، وبعد استلامها زمام السلطة، حاولت حكومة الرئيس المؤقت أحمد الشرع الاتفاق مع قسد على الانسحاب من الحيين، لكن تأخر تنفيذ الاتفاق والتوترات العسكرية المستمرة وحوادث قصف الأحياء السكنية والاشتباك مع قوات الأمن أدى إلى تصعيد عسكري ومواجهة مباشرة بين قسد وقوات الحكومة السورية، مما أدى لنزوح أكثر من 140 ألف مدني من الحيين.

السكان

يقدّر عدد سكان حيي الشيخ مقصود والأشرفية -وفق تقرير منظمة بهار عام 2024- بنحو 400 ألف نسمة، وينحدرون من أعراق عدة، فمنهم الكرد والتركمان والعرب، وينتمي جزء كبير منهم إلى فئات العمال في المنشآت الصناعية، فضلا عن الموظفين الحكوميين.

يُعَد الحيان مثالا للتنوع والهويات المتداخلة، إذ شهدت المنطقة استقرار موجات سكانية متعاقبة فيها، بدأت بالأرمن ثم السريان وتبعهم الكرد والعرب والتركمان والشركس، مما شكّل فسيفساء اجتماعية معقدة تعكس تعددية مدينة حلب التاريخية.

الأهمية الإستراتيجية

يتميّز الحيان بموقعهما الجغرافي ذي الأهمية الإستراتيجية، إذ يطلان على عدد واسع من أحياء مدينة حلب بحكم وقوعهما على مرتفع، مما جعلهما موضع اهتمام مختلف الأطراف الساعية للسيطرة على المدينة، وساحة تنافس عسكري وأمني مستمر منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، كما أضفى موقعهما الذي يربط بين أحياء شرقية وغربية رئيسية، بُعدا إستراتيجيا سمح بالتحكم في خطوط الاتصال الداخلية ومراقبة الممرات المهمة.

إعلان

ومن الناحية العسكرية، شكّل الحيان قاعدة إستراتيجية مزدوجة لقسد، خاصة حي الشيخ مقصود الذي وفر العمق السكاني والسياسي للقوات داخل مدينة حلب، وفي الوقت نفسه أتاح مراقبة طرق الإمداد الحيوية وخطوط التماس مع القوات الحكومية.

كما عززت شبكة أنفاق قسد الممتدة تحت هذين الحيين وغيرهما -التي كشفت السلطات السورية بعض تفاصيلها- قدرتها على التحرك العسكري بعيدا عن المراقبة المباشرة، مما منحها مرونة إضافية في حالات التصعيد والمواجهة.

حي الأشرفية

يقع الحي على هضبة خارج مدينة حلب القديمة عند الجهة الشمالية الغربية، وقد حمل في البداية اسم “الداودية” نسبة إلى الوالي العثماني الأرمني داود باشا، إذ كان من المواقع التي استقرّ فيها الأرمن بعد عام 1915، فاكتسب هوية سياسية مرتبطة باليسار الأرمني، وحمل بين سكانه اسم “بولشفيك داغ” أي (جبل البلاشفة).

في أواخر خمسينيات القرن العشرين وبدايات ستينياته، شهد حي الأشرفية موجة هجرة للأرمن منه باتجاه أرمينيا السوفياتية، أو نحو أحياء أكثر تنظيما داخل حلب، مما أدى إلى تراجع حضورهم فيه تدريجيا.

استقطبت الأشرفية في أواخر الخمسينيات موجات هجرة من الريف الشمالي العربي والكردي ومن أحياء حلب القديمة، مدفوعة بفرص العمل في الصناعات النسيجية والغذائية المجاورة، ولا سيما في منطقة الليرمون الصناعية.

وفي أواخر الستينيات، شهدت تحولا عمرانيا ملحوظا مع افتتاح الطريق الدائري الشمالي، مما أدى إلى تنشيط الحركة العمرانية وتوسع السكن في الحي.

وفي أعقاب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، تعزز النشاط الاقتصادي مع تدفق تجار من إقليم كردستان العراق، مما أسهم في نمو الورشات الصغيرة والمتوسطة وارتفاع أسعار العقارات، خصوصا في الأجزاء التجارية من الحي، لتقترب من مستويات الأحياء الراقية.

وشهد الحي توسعا في المشاريع الخدمية والتجارية الخاصة، وتحوّل إلى مركز جذب للوافدين من المناطق الكردية، مع بنية خدمية متكاملة وشبكات نقل وتجارة خاصة.

لكن أدت أحداث الانتفاضة الكردية عام 2004 إلى توترات محدودة بين سكان الحي، ولا سيما بين العرب والأكراد، واتسمت بالحذر المتبادل، من دون أن تبلغ مستويات العنف التي شهدتها أحياء أخرى.

حي الشيخ مقصود

يُعدّ حي الشيخ مقصود من أكبر أحياء مدينة حلب، إذ تُقدَّر مساحته بنحو 4 آلاف متر مربع، وهو من أكثر الأحياء كثافة سكانية في المدينة. يقع في الجهة الشمالية من مدينة حلب على مرتفع يشرف على معظم أحيائها، مما أكسبه موقعا ذا أهمية عمرانية وإستراتيجية.

يحد الحي من الغرب حيا الأشرفية وبني زيد، ومن الشرق نهر قويق وأحياء بعيدين والهلك وبستان الباشا والشيخ خضر، بينما تتصل حدوده الشرقية بسكة الحديد التي تربط حلب بالأراضي التركية.

تعود نشأة حي الشيخ مقصود إلى أكثر من قرن، وقد استمد اسمه من شيخ ينتمي إلى إحدى العائلات الكردية التي استقرت في المنطقة. وتفيد الروايات المحلية بأن الشيخ مقصود أقام على هذه التلة، في حين سكن شقيقه طه تلة مجاورة عُرفت لاحقا بحي الشيخ طه.

إعلان

وتشير مصادر تاريخية ومحلية إلى أن الاسم الأقدم للتلة كان “جبل السيدة”، في إحالة إلى معتقدات دينية ارتبطت بظهور طيف مريم العذراء فيها.

وإثر ذلك، شُيّدت عام 1938 كنيسة حملت اسم “كنيسة سيدة السعادة”، ولا تزال من المعالم الدينية والتاريخية في المنطقة.

وتعدّ منطقة “جبل السيدة” النواة السكانية الأقدم للحي، حيث استقر فيها مسيحيون عملوا في حرف نحت الأحجار وصقلها، وتميّزت شوارعهم بتنظيم عمراني نسبي مقارنة ببقية أجزاء الحي المصنّفة من السكن العشوائي.

الحيان في الثورة

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، بدأت تتبلور في حي الشيخ مقصود ملامح تنظيم محلي، تمثلت في تشكيل لجان شعبية ومركز ثقافي ومجلس مدني طابعه كردي، في امتداد غير معلن لتجربة الإدارة الذاتية التي أخذت تتشكل في مناطق الجزيرة السورية.

وبحلول عام 2012، ومع تصاعد المواجهات بين المعارضة وقوات النظام في أحياء حلب الشرقية والغربية، اكتسب الحيان القائمان على تلة مرتفعة أهمية إستراتيجية.

وترافق ذلك مع تزايد حضور وحدات حماية الشعب (المكون الرئيسي لقسد) التي استندت إلى القاعدة الاجتماعية الكردية للمنطقة، وتولت تدريجيا مهام الأمن والإدارة والخدمات في ظل فراغ السلطة، ثم فرضت سيطرتها على الحيين عقب دخول فصائل المعارضة السورية إلى مدينة حلب عام 2012.

واستمرت هذه السيطرة بالتوازي مع انسحاب قوات النظام السابق إلى الأحياء الغربية من المدينة، وفي ظل اتهام قسد بدعم حصار أحياء حلب الشرقية عام 2016 عبر التحكم بالممرات الحيوية.

ومع مرور الوقت، تحوّل الحيّان من مناطق ذات تنوّع اجتماعي إلى ساحة لتجربة الإدارة الذاتية الكردية داخل مدينة كبرى، لتغدو التلة التي يقومان عليها فضاء سياسيا وعسكريا.

سيطرة قسد

وفي ديسمبر/كانون الأول 2016، شنّ نظام الأسد وحلفاؤه عملية عسكرية واسعة بدعم جوي روسي وبري إيراني، أسفرت عن حصار أحياء حلب الشرقية الخاضعة للمعارضة، بعد أن أسهمت قسد في قطع طريق الكاستيلو، المنفذ الرئيس الذي كان يربط تلك الأحياء بريف حلب الشمالي، مما أدى إلى تهجير واسع للسكان.

وخلال العملية ذاتها، وسّعت “قسد” نطاق سيطرتها من الشيخ مقصود والأشرفية إلى أحياء بني زيد غربا وبعيدين والهلك وبستان الباشا شرقا، عقب انسحاب فصائل المعارضة، قبل أن تسلّم هذه المناطق للأسد في فبراير/شباط 2018، مقابل دعم عسكري قدّمته لها قواته في مواجهة فصائل المعارضة والجيش التركي في عملية غصن الزيتون بعفرين.

وبعد إطلاق عملية “ردع العدوان” التي أطاحت بنظام الأسد في أواخر 2024، ورغم سيطرة إدارة العمليات العسكرية على مدينة حلب، بقيت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية ومناطق محيطة بها تحت سيطرة قسد التي ظلت علاقتها بالسلطات الجديدة ضبابية وغير واضحة المعالم.

وفي 10 مارس/آذار 2025، وقّع الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي اتفاقا قضى بوقف إطلاق النار على كافة الأراضي السورية، ودمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة، ورفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية، فضلا عن بنود أخرى حدد الاتفاق نهاية العام سقفا لتنفيذها.

وفي أبريل/نيسان 2025، وُقّع اتفاق آخر بين الحكومة وقسد نصّ على انسحاب الأخيرة من الشيخ مقصود والأشرفية إلى شرق الفرات، وعودة الحيين لسيادة الدولة، إضافة إلى الإفراج عن موقوفين من الطرفين، غير أن الاتفاق نُفذ جزئيا فقط، وفق اتهامات حكومية لقسد بالمماطلة.

تصعيد واشتباكات

وتفجّرت التوترات مجددا في أكتوبر/تشرين الأول 2025 عقب تدمير نفق تابع لقسد داخل الحيين، وبلغت ذروتها بعد ذلك بأسابيع، مع اندلاع اشتباكات عنيفة تبادل فيها الطرفان الاتهامات بخرق التفاهمات الأمنية.

إعلان

وفي أثناء التصعيد، شنّت قسد قصفا على أحياء مدنية وسط حلب وفي محيط مستشفى الرازي، مما أدى إلى مقتل 4 أشخاص وإصابة 14 آخرين معظمهم من النساء والأطفال، بحسب وزارة الصحة السورية.

ومع مطلع عام 2026، استهدف قسد حاجزا للشرطة العسكرية قرب دير حافر، وتلاه قصف مكثف على الأحياء السكنية في محيط الشيخ مقصود، كما خرج مشفى حلب للأمراض الداخلية عن الخدمة، وارتفعت حصيلة الضحايا إلى 5 قتلى و44 مصابا نتيجة استمرار قصف الأحياء، وسط محاولات الجيش تأمين خروج المدنيين.

وردا على ما قال إنه “التصعيد الكبير للتنظيم وارتكابه عديدا من المجازر بحق المدنيين”، فتح الجيش السوري ممرين إنسانيين آمنين لإجلاء السكان، وأعلن عن استهداف مركّز لمواقع قسد في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد بعد انتهاء فترة الإخلاء، مع نشر خرائط بالمواقع المستهدفة لضمان سلامة المدنيين.

وأعلن الجيش السوري حي الشيخ مقصود في مدينة حلب منطقة عسكرية مغلقة، وفرض حظر تجوال ليلي فيه، وأرسل إليه حافلات لنقل مقاتلي قوات قسد إلى مناطق في شرق الفرات، وفق اتفاق جرى بين الطرفين وأعلن عنه الجيش، غير أن عناصر في قسد مرتبطين بحزب العمال الكردستاني، رفضوا الخروج من الحي وأصروا على مواصلة القتال.

المصدر: الصحافة السورية

——————————–

دائرة الإعلام في حلب: الحياة بالشيخ مقصود ستعود لطبيعتها خلال ساعات

قال مدير مديرية الإعلام في حلب عبد الكريم ليلى إن الحكومة ستبدأ إعادة المدنيين والمؤسسات الحكومية لحي الشيخ مقصود، فور تأمينه وتفكيك الألغام التي زرعتها عناصر قوات قسد في بعض المناطق السكنية.

وأضاف -في مقابلة مع الجزيرة- أن قوى الأمن الداخلي المنتشرة في الحي تواصل ملاحقة عناصر قسد التي رفضت إلقاء السلاح والانضواء تحت لواء الدولة.

كما تعمل قوات الأمن أيضا على تفكيك الألغام التي زرعها المسلحون في المناطق السكنية وداخل بعض البيوت، وفق المسؤول السوري الذي أكد أن هذه المهمة ستنتهي خلال ساعات.

وقال مدير الإعلام إن المواطنين سيعودون لبيوتهم فور انتهاء تأمين الحي، مشيرا إلى أن الحكومة ركزت عملياتها على مواقع تمركز قسد حرصا على حياة المدنيين الذين لم يغادروا الحي.

ونزح نحو 150 ألفا خلال الأيام الثلاثة الماضية بسبب الاشتباكات التي دارت بين الجيش السوري وقوات قسد في حيي الشيخ مقصود والأشرفية.

وفي وقت سابق اليوم السبت، ذكرت وكالة الأنباء السورية (سانا) أن قوات الأمن الداخلي دخلت إلى حي الشيخ مقصود بالتنسيق مع الجيش، في حين أكد المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك “التزام بلاده بدعم جهود وقف إطلاق النار في حلب وضمان الانسحاب السلمي لقسد”.

وأضافت سانا نقلا عن مصدر عسكري أن “أحد عناصر تنظيم قسد فجر نفسه بقوات الجيش السوري في حي الشيخ مقصود بحلب”. وأوضحت أن “تنظيم قسد فخخ آلياته في شوارع الحي والجيش يعمل على تفكيكها”.

المصدر: الجزيرة

———————-

أول تعليق من قائد الأمن الداخلي بحلب بعد السيطرة على حي الشيخ مقصود

أعلن قائد الأمن الداخلي في مدينة حلب شمالي سوريا، العقيد محمد عبد الغني، سيطرة قواته على حي الشيخ مقصود بعد تمشيطه من مسلحي قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

وأوضح عبد الغني، في مقابلة مع قناة الجزيرة مباشر، أن دخول الأمن الداخلي إلى الحي يهدف إلى تأمين المدنيين ونزع السلاح المنتشر خارج إطار الدولة، وأن الدولة السورية “لن تسمح باستغلال القضايا الطائفية أو العرقية لتحقيق مصالح خاصة”.

وأضاف أن سوريا لا تشهد تمييزا بين الطوائف أو الأعراق، واتهم “بعض الجهات والأحزاب بمحاولة توظيف هذه القضايا لخدمة أهدافها”، واصفا هذا الأمر بـ”المرفوض”.

تعليمات صارمة

وأشار قائد الأمن الداخلي في حلب إلى أن الانتشار الأمني جاء بعد محاولات استمرت لمدة عام عبر اتفاقيات متعددة لمعالجة ملف السلاح، مؤكدا أن الهدف هو حصر السلاح بيد الدولة.

كما شدد على أن تعليمات وزارة الداخلية كانت واضحة وصارمة بخصوص الالتزام بالسلوك المهني، محذرا من أن أي تجاوز من قبل العناصر الأمنية سيقابل بإجراءات وعقوبات قانونية.

وكشف عبد الغني عن توفر معلومات لدى الأجهزة الأمنية تفيد باختباء أفراد من قوات سوريا الديمقراطية داخل نفق في محيط مشفى ياسين بحي الشيخ مقصود، مؤكدا متابعة هذه المعلومات ضمن الإجراءات الأمنية الجارية.

وذكرت وكالة الأنباء السورية (سانا) أن قوات الأمن الداخلي دخلت إلى حي الشيخ مقصود في حلب بالتنسيق مع الجيش في وقت أكد فيه المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك “التزام بلاده بدعم جهود وقف إطلاق النار في حلب وضمان الانسحاب السلمي لقسد”.

المصدر: الجزيرة مباشر

——————–

م

عمان وواشنطن تؤكدان دعم انسحاب «قسد» من حلب

السبت 10 كانون الثاني 2026

أكد الأردن والولايات المتحدة دعمهما جهود الانسحاب السلمي لقوات «قسد» وإنهاء الأزمة في محافظة السويداء.

وشدّد وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، والمبعوث الأميركي، توم برّاك، خلال لقائهما في عمان، على «التزام الأردن والولايات المتحدة دعم الجهود المُستهدِفة تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب السلمي لمسلحي (قسد) من حلب، وضمان أمن وسلامة جميع المدنيين»، وفق بيان لوزارة الخارجية الأردنية.

ودعا الصفدي وبرّاك إلى «ضرورة التنفيذ الفوري لاتفاق 10 آذار 2025، الذي سبق أن التزمت به الحكومة السورية وقوات قسد».

كما شدّد الجانبان على «استمرار العمل المشترك على تطبيق خارطة الطريق لإنهاء الأزمة في السويداء واستقرار جنوب سوريا»، التي أُقرّت في سوريا بتاريخ 16 أيلول 2025، وأكّدت على ضرورة حل الأزمة في السويداء، وفق البيان.

وصباحاً، أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري الانتهاء من تمشيط حيّ الشيخ مقصود في حلب بشكلٍ كامل.

وكانت وزارة الدفاع السورية قد أعلنت، مساء الأربعاء، وقفاً لإطلاق النار في محيط أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، وطلبت من المجموعات المسلحة مغادرة المنطقة.

—————————–

 الهجري وغزال يتضامنان مع “قسد”: لتدخل دولي عاجل بحلب

الجمعة 2026/01/09

أصدر كل من رئيس “المجلس الإسلامي العلوي في سوريا والمهجر” الشيخ غزال غزال، والشيخ حكمت الهجري، أحد شيوخ عقل الطائفة الدرزية في السويداء، بيانين منفصلين، وصفا خلالهما ما يجري في مدينة حلب، بأنه “تطهير عرقي” يهدف إلى “تغيير ديمغرافي”، كما طالبا بتدخل دولي عاجل.

تهجير الأكراد

وقال “المجلس الإسلامي العلوي” في بيان، إن “ما يجري لم يعد حوادث معزولة أو انتهاكات ظرفية، بل بات يشكّل نمطاً منظماً وخطيراً من العنف والإرهاب والتطهير العرقي يستهدف مكوّنات سورية أصيلة ويُنذر بعواقب كارثية على المجتمع السوري”.

وحمّل البيان الحكومة السورية المسؤولية عن “هذا المسار الدموي، بدءاً مما جرى في الساحل السوري مروراً بما يتعرّض له المكوّن الدرزي من حصار وضغوط ممنهجة وانتهاكات متواصلة وصولاً إلى التصعيد الخطير الذي استهدف حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب”.

ووصف ما يجري في الحيين بأنه “محاولة واضحة لتهجير الإخوة الأكراد وفرض واقع ديموغرافي قسري بما يشكّل جريمة تطهير عرقي مكتملة الأوصاف”.

وأعلن “المجلس” الذي يتزعمه غزال، من خلال البيان، “الوقوف الكامل مع الأكراد”، مؤكداً ضرورة “العمل لوحدة الساحات والدفاع المشروع” بين جميع المكونات “التي تتعرض للاضطهاد والاستهداف”.

وطالب غزال بتدخل دولي عاجل لحماية المدنيين، وإعلان وقف إطلاق لنار شامل وفوري في جميع الأراضي السورية، و”إطلاق مسار سياسي توافقي يفضي إلى دستور وطني توافقي لا مركزي فدرالي سياسي جامع، تشارك فيه جميع المكوّنات السورية دون إقصاء”، بضمانات ورعاية دولية.

وختم “المجلس العلوي” بالتحذير من “أن أي تأخير في تحمّل المسؤولية الدولية سيؤدّي إلى كلفة إنسانية وسياسية مضاعفة ويقوّض فرص الاستقرار ويُبقي سوريا رهينة للفوضى والعنف والانقسام”.

تدخل المجتمع الدولي

من جانبه، أعرب الهجري عن إدانته واستنكاره لما وصفه بـ”الغزو الهمجي المستمر من قوات الحكومة المؤقتة في دمشق والعصابات التكفيرية التابعة لها، على الأهل والأبرياء الأكراد في مناطقهم الحرة في حلب وضواحيها”.

وطالب المجتمع الدولي بالتدخل لأجل “قمع هذه المخالفات المتكررة وهذه الاعتداءات على الأقليات الآمنة.. وإنهاء هذه المهازل المعيبة”.

ووصف ما يجري في حلب، بأنه “محاولات للتغيير الديموغرافي والإبادات الجماعية المتنقلة بين الأقليات، في مخالفات فجة واضحة للقوانين الدولية مخالفة تعهداتها في المحافل الدولية الأخيرة”.

وختم الهجري البيان بالقول: “نحن نقف بجانب اخوتنا الأكراد حتى يحصلوا على كامل حقوقهم التاريخية والجغرافية والإنسانية”.

وسبق للهجري وغزال أن شاركا في مؤتمر عقدته قوات سوريا الديمقراطية في مدينة الحسكة، قبل 5 أشهر، أكدا خلالها اتساق أهدافهما مع أهداف “قسد” الرامية إلى الحصول على لامركزية وفيدرالية سياسية لمناطق انتشار الطائفة العلوية في الساحل السوري، والطائفة الدرزية في السويداء.

—————————–

=====================

تحديث 09 كانون الثاني 2025

————————-

هل قررت الحكومة السورية إنهاء “قسد” في حلب؟/ عمر كوش

التصعيد العسكري الذي تشهده مدينة حلب السورية مختلف عن المرات السابقة، التي اندلعت فيها اشتباكات بين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي تسيطر على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في المدينة، وقوات الحكومة السورية في مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2025، ثم تكررت في 22 ديسمبر/كانون الأول 2025، واقتصرت على مناوشات محدودة، ثم انتهت بالتوصل إلى تهدئة ووقف إطلاق النار.

يبدو أن الحكومة السورية قررت، هذه المرة، إخلاء المدينة من جميع مقاتلي “وحدات حماية الشعب” التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، التي تشكل العماد الأساسي لـ “قسد”، الأمر الذي يفتح الباب أمام تكهنات حول حدوث مواجهة كبيرة بين الطرفين، إذا لم يتم التوصل إلى تفاهم جديد حول تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي.

تعارض المواقف

تتعارض مواقف كل من الحكومة السورية وقيادات “قسد”، خاصة الجناح المتشدد فيها، حيث تطالب الحكومة السورية المجموعات المسلحة التابعة لـ “قسد” بالخروج من داخل حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وتدعو إلى تحييد المدنيين بشكل كامل عن أي تجاذبات سياسية أو إعلامية.

غير أن قيادات “قسد” تعارض موقف الحكومة وإجراءاتها، وترى أن وضع الحيين مرتبط بتنفيذ كافة بنود اتفاق 10 مارس/آذار، وترفق ذلك بمطالبتها بالاعتراف الدستوري بحقوق الأكراد، متهمة الحكومة بفرض حصار متواصل عليهما منذ أكثر من ستة أشهر.

تجادل الحكومة السورية بأن إجراءاتها تأتي حصرا في إطار حفظ الأمن، ومنع أي أنشطة مسلحة داخل المناطق السكنية أو استخدامها كورقة ضغط على مدينة حلب، مع الالتزام التام بحماية المدنيين وضمان سلامتهم، وعدم التعرض لممتلكاتهم، لأن عملياتها تستهدف المجموعات المسلحة.

وقد نشرت وزارة الدفاع السورية خرائط بالمواقع العسكرية التي ستُستهدف في الحيين، وطالبت كافة الأهالي بالابتعاد عنها، وقامت بتأمين ممرات آمنة لخروج المدنيين من الحيين، وقامت بتأمين أماكن لإيوائهم، وإغاثتهم. كما فرضت السلطات السورية حظر تجوال في الحيين، وأعلنت تصنيفهما منطقتين عسكريتين مغلقتين، في خطوة تعكس نية المضي قدما في الخيار العسكري.

أسباب التصعيد

يعبر التصعيد الجديد عن فشل المفاوضات بين الطرفين الرامية إلى تنفيذ اتفاق الأول من أبريل/نيسان 2025، الخاص بمدينة حلب، الذي أبرم من أجل تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار، لكنه لم يجد طريقه إلى التنفيذ الكامل، على الرغم من انقضاء المدة المحددة لتنفيذه. وبعدها تبادل الطرفان الاتهامات بشأن المسؤولية عن هذا التصعيد في توقيت بالغ الحساسية.

إعلان

غير أن وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى أشار إلى ضرورة التفريق بين اتفاق 10 مارس/آذار الذي يحدد احتمالية انضمام هياكل “قسد” إلى الدولة السورية، واتفاق الأول من أبريل/نيسان الذي يحصر الحيين بتسوية أمنية وسياسية. واتهم المصطفى “قسد” ببدء التصعيد فور انتهاء جولة التفاوض في دمشق، حيث استهدفت بالطائرات المسيرة قوات الجيش العربي السوري في مدينة دير حافر، ثم امتد التصعيد إلى داخل الحيين في مدينة حلب.

في المقابل، قالت “قسد” إن تهديد “حكومة دمشق” وتوابعه بقصف حيي الشيخ مقصود والأشرفية يُعد تمهيدا لارتكاب مجازر وعمليات قتل جماعي بحق الأهالي، وحملتها كامل المسؤولية والتبعات عن أي جريمة لاحقة.

وكان لافتا إعلان “قسد” أنها سحبت مقاتليها من الحيين في وقت سابق، ما يعني أن المجموعات المسلحة فيهما لا تتبع لها، وهو أمر ردت عليه الحكومة السورية بأن ما ورد في بيان “قسد” بشأن الأوضاع في مدينة حلب، ولا سيما في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، يتضمن مغالطات جوهرية وتوصيفات لا تعكس الواقع الميداني، وتخالف اتفاقية الأول من أبريل/نيسان 2025.

وتضمن اتفاق الأول من أبريل/نيسان عدة بنود رئيسية، من أبرزها إنشاء مركز أمني تابع لوزارة الداخلية السورية داخل حيي الشيخ مقصود والأشرفية، على أن تتولى قوى الأمن الداخلي التابعة للوزارة الإشراف على الحواجز الرئيسية.

لذلك اعتبرت الحكومة السورية أن “تأكيد قوات سوريا الديمقراطية، عدم وجودها العسكري داخل مدينة حلب، كما ورد في بيانها، يُعد إقرارا صريحا يُعفيها كليا من أي دور أو تدخل في الشأن الأمني والعسكري للمدينة، ويؤكد أن المسؤولية الحصرية عن حفظ الأمن وحماية السكان تقع على عاتق الدولة السورية ومؤسساتها الشرعية”.

وترى الحكومة السورية أن حماية جميع المواطنين السوريين، بمن فيهم الأكراد، “هي مسؤولية وطنية وقانونية ثابتة لا تقبل المساومة أو التفويض، وتمارس دون أي تمييز على أساس العرق أو الانتماء، وترفض بشكل قاطع أي محاولات لتصوير الإجراءات الأمنية على أنها استهداف لمكون بعينه”.

واعتبرت أن نزوح المواطنين من الحيين يشكل دليلا على ثقة المواطنين الأكراد بالدولة السورية، وقدرتها على توفير الحماية والأمن لهم، ويدحض الادعاءات التي تزعم وجود تهديد أو استهداف موجه ضدهم.

المواقف الدولية

تراقب دول عديدة تطورات الوضع في حلب، حيث تعتبر تركيا نفسها معنية بها، وأعلن رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش، أن بلاده تتابع تطورات حلب “ساعة بساعة”، مؤكدا استعداد أنقرة لدعم الحكومة السورية لإنهاء الاشتباكات.

لكن وزارة الدفاع التركية أكدت أن الجيش السوري “ينفذ العمليات العسكرية بمفرده”، وبالتالي فإن الدعم التركي هو دعم سياسي ولن يتجاوز هذا الحد إلى تقديم أي دعم عسكري.

في المقابل، سارع الساسة الإسرائيليون إلى التعبير عن “قلقهم”، وقال وزير الخارجية جدعون ساعر، إن الهجمات السورية على ما سماها “الأقلية الكردية” في مدينة حلب “خطيرة ومقلقة”، داعيا المجتمع الدولي إلى تحمل “واجب أخلاقي” تجاه الأكراد.

وهو أمر يشير إلى محاولة استغلال إسرائيلية رخيصة، فضلا عن أنه يثير الاستهجان لأن إسرائيل لا يحق لها الحديث عن الواجب الأخلاقي بعد جرائم الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة.

إعلان

أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، فقد دعا جميع الأطراف في سوريا إلى خفض التصعيد فورا، وممارسة أقصى درجات ضبط النفس، واستئناف المفاوضات لتنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار 2025، المتعلق بإدماج قوات سوريا الديمقراطية في هياكل الدولة السورية.

الموقف الأميركي

على الرغم من وساطتها ورعايتها لاتفاق 10 مارس/آذار فإن الولايات المتحدة تبنت موقفا حذرا ومتوازنا، تجاه التصعيد بين “قسد” والحكومة السورية، حيث لا تزال الإدارة الأميركية تعتبر “قسد” شريكا أساسيا في الحرب ضد تنظيم الدولة “داعش”، وتسعى للحفاظ على قدراتها العسكرية وهيكليتها التنظيمية ضمن بيئة مستقرة نسبيا.

وفي الوقت نفسه، تدعم الحكومة السورية في سعيها لبسط سيادتها ووحدة جيشها، خاصة بعد أن انخرطت سوريا في التحالف الدولي ضد التنظيم.

ووفق هذه المعطيات، تراقب واشنطن التطورات عن كثب، وقامت بالتواصل مع الحكومة السورية ومع قيادات “قسد” بغية التوصل إلى تسوية الأوضاع ووقف لإطلاق النار، حسبما أفادت صحيفة وول ستريت جورنال.

المرجح هو أن الوسيط الأميركي سيكون دوره فاعلا في إيجاد مخرج ينهي تواجد المجموعات المسلحة من “وحدات الشعب الكردية”، مقابل ضمانات، وترتيبات خاصة في الحيين.

ما يدعم السعي الأميركي هو إدراك الإدارة الأميركية حساسية الملف الكردي بالنسبة إلى تركيا، الحليفة لها، لذلك ترغب في منع انخراطها المباشر في أي صدام محتمل يعرض تفاهماتها الإقليمية للخطر.

ولعل الأفكار الأميركية تدور حول دعم حل سياسي، ينهض على دمج تدريجي لـ “قسد” في وزارة الدفاع السورية، مع منح مناطق شمال شرقي سوريا بعض مقومات حكم ذاتي.

في حال فشل المساعي الأميركية ستذهب الأمور نحو السيناريو الأسوأ الذي يعني فرض وقائع جديدة على الأرض بالقوة العسكرية. وهو أمر ينطوي على مخاطر عالية، خاصة على مستوى الضحايا المدنيين، فضلا عن الكلفة السياسية والأمنية الكبيرة، سواء بالنسبة إلى الحكومة السورية أو إلى “قسد”.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة

————————–

ماذا بعد توغل الجيش السوري في مواقع قسد بمدينة حلب؟/ فراس فحام

أعلنت هيئة عمليات الجيش السوري في 7 يناير/كانون الثاني اعتبار جميع مواقع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) داخل أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد بمدينة حلب أهدافا عسكرية. جاء ذلك إثر موجة تصعيد جديدة اندلعت عقب استهداف “قسد” آلية عسكرية لقوات الجيش قرب دوار الليرمون، مما أسفر عن مقتل عنصر، وفق مصادر حكومية رسمية.

وتعد موجة التصعيد الحالية الثالثة من نوعها خلال أقل من 6 أشهر؛ فقد سبقتها مواجهات متبادلة بين الجيش السوري وقوات “قسد” أواخر ديسمبر/كانون الأول وسبتمبر/أيلول من العام الماضي. انتهت الموجتان بالتهدئة، قبل أن تتطور الأمور في الموجة الثالثة الحالية إلى اشتباكات أعنف.

ترافق ذلك مع إطلاق الجيش السوري عملية عسكرية في الأحياء التي تتمركز فيها قوات “قسد” شمال حلب، وفتح ممرات إنسانية لإتاحة المجال أمام السكان المحليين للمغادرة، مما يوحي بأن الأحداث تتخذ مسارا تصاعديا ومختلفا عن سابقاتها.

لمحة تاريخية عن الأحياء الثلاثة

تصنف الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد ضمن الأحياء الشعبية التي سكن فيها خليط سكاني من الأكراد والعرب والتركمان، وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد سكانها وصل في أعلى تقدير إلى قرابة 200 ألف نسمة.

في صيف عام 2012، شهد حيا الأشرفية والشيخ مقصود للمرة الأولى حراكا من جانب حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يُصنَّف امتداداً سورياً لحزب العمال الكردستاني. فقد خرجت تظاهرات في الحيين رفع المشاركون فيها صور مؤسس العمال الكردستاني عبد الله أوجلان. وتلا ذلك ظهور عناصر مسلحة تابعة للجناح العسكري للاتحاد الديمقراطي، عُرفت باسم وحدات حماية الشعب الكردية (YPG)، التي باتت لاحقاً المكون الأكبر ضمن قوات قسد.

وقد انتشرت هذه الوحدات على مداخل ومخارج الحيين دون أي اشتباكات مع قوات النظام السوري، تزامن ذلك مع بدء دخول قوات لواء التوحيد التابع للمعارضة السورية إلى أحياء حلب الشرقية في صيف العام ذاته.

إعلان

قدم مركز جسور للدراسات، في دراسة موسعة له، تفسيراً لانتشار العناصر المسلحة التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي في مناطق سورية عدة أواخر عام 2012 وبداية عام 2013 دون مواجهات عسكرية. وخلصت الدراسة، التي استندت إلى مقابلات مع خبراء، إلى وجود توافقات أوسع نطاقاً بين الحزب والنظام السوري، شملت أيضاً شمال شرق سوريا.

وكان الهدف منها احتواء الحراك الكردي ضد النظام السوري، ورغبة الأخير في تشكيل ضغط على تركيا التي ساندت الحراك الشعبي وفصائل المعارضة السورية. وبالفعل، أقر صالح مسلم، الذي كان يشغل منصب رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي عام 2013، بوجود تفاهم بينهم وبين إيران، التي تُعد أحد أهم داعمي النظام السوري، بشأن مشروع “الإدارة الذاتية” في سوريا.

حرصت فصائل المعارضة السورية، بين عامي 2013 و2016، على الانتشار في أطراف حيي الأشرفية وبني زيد لتأمين أحد أهم طرق إمدادها في حلب المعروف بـ “طريق الكاستلو”، الذي يربط بين مدينة حلب وريفها الشمالي والغربي وصولا إلى المعابر الحدودية مع تركيا، وكان يُلقّب بـ”شريان حياة حلب” نظرا لأهميته في إيصال المواد الغذائية والطبية إلى أحياء حلب الشرقية، التي بقيت تحت سيطرة المعارضة حتى أواخر عام 2016.

وخلال الأعوام الثلاثة التي انتشرت فيها فصائل المعارضة السورية المسلحة على أطراف الحيين، اندلعت مواجهات عديدة بينها وبين وحدات حماية الشعب الكردية. وانتهى الأمر أواخر عام 2016 بسيطرة الوحدات بشكل كامل على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد.

وقد تلا ذلك مغادرة فصائل المعارضة كامل مدينة حلب بعد الحملة العسكرية المدعومة من روسيا، وجاء ذلك بعد محاصرة فصائل المعارضة في الأحياء الشرقية عبر قطع “طريق الكاستلو”، بمشاركة من وحدات حماية الشعب الكردية، التي رأت في هذه الحملة فرصة للتخلص من انتشار قوات المعارضة على أطراف الأحياء التي تتمركز فيها. ومنذ ديسمبر/كانون الأول 2016، احتفظت الوحدات بالسيطرة على هذه الأحياء حتى يومنا هذا.

اتفاق أبريل/نيسان عام 2025

اصطدمت إدارة العمليات العسكرية التي قادت معركة إسقاط نظام الأسد أواخر عام 2024 بوحدات الحماية الكردية المتمركزة في الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد بعد أن سيطرت على باقي أحياء حلب، حيث دخلت الإدارة في اشتباكات قرب منطقة دوار الليرمون التي تمددت إليها الوحدات انطلاقا من حي الأشرفية المتموضع على هضبة مرتفعة تشرف على أحياء عديدة من مدينة حلب مثل شارع النيل، وحي الخالدية، وحي الميدان، والهلك.

في أبريل/نيسان 2025 وقعت الحكومة السورية اتفاقية مع وحدات الحماية الكردية المنضوية ضمن قسد، وكانت الاتفاقية ضمن مسار أوسع يشمل التفاوض مع قسد بخصوص اندماجها في الدولة السورية برعاية أميركية، وهذا التفاوض استند إلى اتفاق 10 مارس/آذار 2025.

أكد اتفاق أبريل/نيسان أن الشيخ مقصود والأشرفية من أحياء مدينة حلب، ويتبعان لها إداريا، وتتحمل وزارة الداخلية بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي مسؤولية حماية السكان المحليين، وتنسحب القوات العسكرية بأسلحتها من الحيين باتجاه منطقة شرق الفرات، مع منح الحيين حق التمثيل العادل والكامل ضمن مجلس محافظة حلب.

إعلان

وكشف التصعيد المتكرر الذي تبع هذه الاتفاقية عن احتفاظ قوات قسد بالسلاح الثقيل في الأشرفية والشيخ مقصود، حيث استخدمت مدفع الهاون والدبابات في الاشتباكات، مما دفع الحكومة السورية إلى تشديد الإجراءات الأمنية حول الحيين، قبل أن تصل إلى إطلاق عملية عسكرية ضد الوحدات في 7 يناير/كانون الثاني الجاري.

سياقات أفضت للخيار المسلح

جاء إطلاق الحكومة السورية هجوما عسكريا ضد وحدات الحماية المتمركزة بعد نحو 10 أشهر من الاتفاق الشامل الذي وُقّع مع مظلوم عبدي، زعيم “قسد” التي تتبع لها هذه الوحدات.

وقد نص الاتفاق على الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، واندماج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لـ”قسد” ضمن الدولة السورية، بما في ذلك المعابر الحدودية ومطار القامشلي وحقول النفط والغاز، ودعم الدولة السورية في مكافحة فلول نظام الأسد، وضمان عودة جميع المهجرين السوريين إلى مناطقهم، وحقوقهم في التمثيل والمشاركة.

أُجريت 5 جولات مباحثات على مدى 10 أشهر بين عبدي وقائد وحدات الحماية سيبان حمو من جهة، والحكومة السورية من جهة أخرى. لكن لم يتحقق أي تقدم ملموس بشأن تحديد خطة تنفيذية وجدول زمني لتنفيذ الاتفاق بين دمشق وقسد والوحدات التابعة لها ضمن الدولة.

قبيل جولة المباحثات الأخيرة التي جرت مطلع كانون الثاني/ يناير الجاري وبعدها، تبادلت الحكومة السورية وقسد التصعيد الإعلامي، فقد تناولت صحيفة “الوطن” السورية شبه الرسمية تقريرا مطولا اعتبرت فيه أن قسد تواصل سياسة المماطلة وليس لديها نية حقيقية لتنفيذ اتفاق العاشر من مارس/آذار.

وشدد التقرير على أن الرئيس السوري أحمد الشرع أبدى حرصا متكررا على الالتزام بالاتفاق الذي انتهت المهلة الممنوحة لتطبيقه نهاية عام 2025 لم يقابل بالمثل من قبل مسؤولي قسد والإدارة الذاتية، واستشهدت الصحيفة على كلامها بتكرار الخروقات التي تتم من طرف الوحدات التابعة لقسد المتمركزة في الشيخ مقصود والأشرفية، واستهدافها المتكرر لقوات الأمن والجيش.

وكان لافتاً في جولة التفاوض الأخيرة بين الحكومة السورية وقسد عدم اقتصار وفد الأخيرة على حضور قائدهم عبدي، وإنما التحق بالمفاوضات أيضا حمو الذي يصنف أنه من التيار المتشدد، وسبق أن خاض مواجهات مع فصائل المعارضة السورية المدعومة من الجيش التركي عام 2018 عندما كان يقود الوحدات الموجودة في عفرين.

بعيد جولة التفاوض الأخيرة أدلى حمو بتصريحات صحفية أكد فيها أنهم لا يلتقون مع الحكومة السورية في أي مسألة، وشدد على أن بقاء وحدات حماية الشعب والمرأة قضية جوهرية، لكن قوات قسد عادت لتنفي أن تكون تلك التصريحات قد صدرت عن حمو.

وبحسب ما أكدته مصادر في دمشق مطلعة على مسار المفاوضات لموقع “الجزيرة نت”، فإن آخر جولة مباحثات كانت سلبية للغاية، فإلى جانب إصرار قسد على الاحتفاظ بقوتها ودمجها كتلة كاملة في الدولة السورية، وممانعتها دخول قوات حكومية إلى مناطق سيطرتها، فإن ملف فلول نظام الأسد ساهم في المزيد من تعقيد المباحثات، حيث عرض الوفد الحكومي وثائق تؤكد استمرار قسد في تجنيد ضباط وعناصر من النظام السابق.

ومن الواضح أن ملف حلب والتصعيد المتكرر فيها بات يشكل حرجا للحكومة السورية التي تسعى لتثبيت حالة الاستقرار بما يتيح تحسين الخدمات ودوران عجلة الاقتصاد، خاصة وأن حلب يُطلق عليها لقب “عاصمة سوريا الاقتصادية” وفيها مناطق صناعية كبيرة.

عملية عسكرية “دقيقة”

في 8 يناير/كانون الثاني الجاري، أعلنت هيئة العمليات التابعة للجيش السوري عزمها إطلاق حملة استهداف مركزة ضد مواقع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد، وطالبت المدنيين بالابتعاد عن المقرات العسكرية، فيما بدا تريّثا من دمشق في استخدام الحل العسكري الشامل والتقدم البري الواسع.

إعلان

وأفادت مصادر عسكرية لموقع “الجزيرة نت” أن الجيش السوري يولي أهمية لإخراج “قسد” من منطقة الأشرفية نظرا لأن تمركزها هناك يتيح لها استهداف طرق رئيسية مثل طريق (حلب – غازي عنتاب)، بالإضافة إلى أن السيطرة على الأبنية المرتفعة في الحي تتيح لمقاتليها نشر القناصة واستهداف قوات الجيش والمدنيين في الأحياء المجاورة والطريق التجاري الذي يربط حلب بالحدود التركية.

وركزت القوات الحكومية هجومها في الساعات الأولى على مرتفعات الأشرفية، وتمكنت من التوغل فيها بعد اشتباكات دامت عدة ساعات، ثم توسعت باتجاه منطقة السكن الشبابي وحي بني زيد، لتنطلق بعدها مفاوضات بين الحكومة وعناصر “قسد” المتبقين في حي الشيخ مقصود من أجل خروج آمن باتجاه منطقة دير حافر.

ومع مغادرة هذه العناصر، ستصبح كامل مدينة حلب تحت سيطرة الحكومة السورية، وتفقد “قسد” ورقة ضغط كانت تستخدمها عبر التصعيد في الأحياء المأهولة بالسكان كلما تعثرت مسارات التفاوض، أو حدث تصعيد على جبهات دير حافر وسد تشرين ومسكنة بريف حلب.

ما بعد حلب؟

بدا خلال المواجهات في حلب أن الأطراف لا تسعى لتوسيع رقعة الصراع؛ إذ لم تشهد باقي خطوط التماس الممتدة من ريف حلب إلى محافظة الحسكة تصعيدا كبيرا، باستثناء بعض المناوشات المحدودة.

ويُرجح أن يدفع الراعي الأميركي للاتفاقية الأولية بين الحكومة السورية و”قسد” (اتفاقية 10 مارس) نحو العودة إلى طاولة الحوار، وهو ما يمكن استنتاجه من تصريحات المبعوث الأميركي توماس براك، التي دعا فيها إلى وقف الأعمال القتالية وإعطاء الأولوية لتبادل المقترحات.

ومن المتوقع أن تحرص دمشق على إبداء مرونة مع المطالب الأميركية بالعودة للتفاوض، لكنها ستدخل هذه المرة بسقف مطالب مرتفع بعد تحييد ورقة الضغط في حلب.

كما اختبرت الحكومة من خلال هذه العملية المواقف الدولية، وإمكانية “القضم التدريجي” للمناطق دون تقويض علاقتها المتطورة مع واشنطن. في المقابل، فإن عدم تدخل واشنطن فعليا لوقف الهجوم، واكتفاء مبعوثها بالدعوة للتهدئة بعد فقدان “قسد” لمواقعها، قد يزرع الشكوك لدى الأخيرة بخصوص استدامة الغطاء الأميركي في ظل التحولات السياسية الراهنة.

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

———————-

قتال حلب يُعقد حسابات واشنطن في سوريا

واشنطن- في الوقت الذي احتفت فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل يومين بنجاحها في عقد جولة من المفاوضات بين دمشق وإسرائيل في باريس نتجت عنها تفاهمات لتشكيل مجموعة مشتركة تشرف عليها واشنطن لتبادل المعلومات الاستخبارية وخفض التصعيد العسكري بينهما، صدمت أنباء القتال بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، واشنطن، وكلاهما شريكان عسكريان لها.

وفي حديث مع الجزيرة نت، قال السفير فريدريك هوف، أول مبعوث أميركي لسوريا بعد ثورة 2011، والخبير بالمجلس الأطلسي، إن “العنف المسلح بين الجيش السوري و”قسد” كارثي، خاصة للمدنيين المتضررين، ويجب أن تمارس واشنطن ضغوطا لإيقافه”.

وتحاصر وحدات من الجيش السوري حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود ذوَي الأغلبية الكردية في مدينة حلب، في موجة حديثة من الاشتباكات بين الجانبين. وسبق أن تصاعدت التوترات بينهما في أكتوبر/تشرين الأول الماضي في حلب أيضا، وتوسطت واشنطن بينهما وتوقف إطلاق النار يوم 7 من الشهر نفسه.

محاولة التوازن

وبواسطة أميركية في مارس/آذار 2025، وقّعت قوات “قسد” التي تسيطر على معظم شمال شرق سوريا وتضم عشرات الآلاف من المقاتلين، اتفاقا لدمج جميع مؤسساتها العسكرية والمدنية في الدولة والجيش السوري بحلول نهاية عام 2025، وهو ما لم يتحقق حيث اتهم كل من الطرفين الآخر بمحاولة تعطيل الاتفاق. ولا تزال “قسد” مترددة في التخلي عن الحكم الذاتي الذي حصلت عليه خلال الحرب التي استمرت 13 عاما.

وتحاول الإدارة الأميركية الحفاظ على توازن بين حلفائها الأكراد القدامى في سوريا، وبين الحكومة الجديدة في دمشق، التي أصبحت أقرب إليها خلال الأشهر الأخيرة. وشجعت واشنطن على دمج قوات “قسد” في الحكومة السورية وجيشها الجديد، لكن المفاوضات توقفت.

ويعمل كبار المسؤولين الأميركيين، بمن فيهم مبعوث ترامب إلى دمشق توم براك وقادة عسكريون في المنطقة، على تهدئة التصعيد، وقال مسؤولون لوسائل إعلام أميركية إنهم على اتصال بقادة من كلا الجانبين ويدفعون نحو وقف إطلاق النار.

إعلان

كما ذكر بيان لوزارة الخارجية أن “السفير براك يواصل دعم وتسهيل الحوار بين الحكومة السورية و”قسد”. ويجب على جميع الأطراف التركيز على كيفية بناء سوريا سلمية ومستقرة تحمي وتخدم مصالح جميع السوريين، بدلا من دفع البلاد مرة أخرى إلى دائرة العنف”.

شراكة طويلة

من جانبه، قال براك في تغريدة على منصة إكس، “على مدى الـ13 شهرا الماضية، حققت سوريا تقدما تاريخيا نحو الاستقرار والمصالحة الوطنية وإعادة الإعمار بعد عقود من الصراع المدمر، نظل ثابتين في رؤيتها تضمن الجميع وتساوي في الحقوق لكل مواطن، السني، والكردي، والدرزي، والمسيحي، والعلوي، وجميع المجتمعات الأخرى دون استثناء”.

ولدى الولايات المتحدة شراكة طويلة الأمد مع “قسد” خاصة في مواجهتها لتنظيم الدولة الإسلامية، الذي سيطر لفترة طويلة على جزء من العراق وسوريا قبل أن يُهزم على يد تحالف قادته واشنطن قبل سنوات. وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية على نحو ثلث الأراضي السورية.

وكانت واشنطن قد شنت ضربات جوية ضد التنظيم في سوريا في ديسمبر/كانون الأول الماضي عقب هجوم أسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومترجم مدني أميركي. وهي تحتفظ حاليا بحوالي 1000 جندي في سوريا، تدعمهم وحدات من القوات الجوية، وتنشر قواتها في عدة قواعد في شمال وجنوب وشرق سوريا.

وفي حديث للجزيرة نت، قال ستيفن هايدمان رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة سميث بولاية ماساتشوستس الأميركية، والخبير غير المقيم بمعهد بروكينغز، إنه “إذا أمكن تطويق وإيقاف الاشتباكات في حلب ومنع تصعيدها إلى هجوم شامل من قبل الحكومة ضد “قسد”، فستتجنب سوريا كارثة في شكل عنف واسع النطاق متجدد، بما في ذلك احتمال أن تُجر تركيا إلى مواجهة”.

وتابع “يجب أن تكون حلب تحذيرا للطرفين بضرورة التوصل إلى اتفاق بشأن اندماج قسد في النظام السياسي الجديد في البلاد. ومع ذلك، فإن آفاق التصعيد واقعية للغاية، ونأمل أن تشارك جميع الأطراف الخارجية، تركيا والولايات المتحدة، بنشاط في منع حدوث ذلك”.

اليد العليا

من جانبه، قال جوشوا لانديس خبير الشأن السوري ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة أوكلاهوما، إنه ومع “مع محاولة الرئيس السوري أحمد الشرع إعادة بناء الجيش، سيكون له اليد العليا على “قسد”، مما يسمح له باستخدام الإكراه للحصول على صفقة أفضل من الأكراد السوريين”.

وأضاف للجزيرة نت أنه في المفاوضات الأخيرة، طلبت قوات سوريا الديمقراطية حصة في السلطة والمناصب، وهو ما رفضته دمشق، “وباستخدام القوة العسكرية ضد الأكراد، سيظهر الشرع أن الوقت ليس إلى جانبهم وأنه يجب عليهم تقديم تضحيات أكثر”.

أما براك فقد ختم تغريدته بالإشارة إلى قوى خارجية تستهدف عدم استقرار سوريا، ولم يحددها، إلا إنه قال إن “هدفهم هو عدم الاستقرار، أما نحن فسلامنا دائم قائم على الاحترام المتبادل والازدهار المشترك. الفصل الجديد في سوريا هو فصل تعاون، لا مواجهة. سنصل إليه معا”.

المصدر: الجزيرة

تلقّ تنبيهات وتحد

—————————–

«كأس الغضب التركي فاضت»: حلب… ثم شرق الفرات/ د. محمد نور الدين

لا تبدو تركيا بعيدة من مشهد الاشتباكات التي اندلعت في حلب بين القوات الحكومية السورية و«قسد»، والتي لا يَظهر أنها ستجد نهايتها قريباً. فمنذ بدء كانون الأول الماضي، وجّهت أنقرة، على لسان كلّ مسؤوليها، التحذير تلو الآخر، عبر القول إنها لن تقبل بتقسيم سوريا، ولا ببقاء «قسد» خارج بنية الجيش السوري الجديد. ومع انتهاء المهلة المحدّدة لتطبيق اتفاق العاشر من آذار الموقّع بين الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، والقائد العام لـ«قسد» مظلوم عبدي، مع انتهاء العام الماضي، من دون تطبيقه، جدّد وزير الدفاع التركي، ياشار غولر، القول إنّ «سوريا يجب أن تبقى موحّدة»، محذّراً من أنّ «كأس الغضب التركي قد فاضت، وحان موعد حسم الأمور».

وعقب تصريح غولر، جاء بيان الجيش التركي، أمس، ليؤكّد استعداد أنقرة للتدخُّل. ووفقاً لِما ورد فيه، فإنّ «بلادنا ستدعم المعركة ضدّ التنظيمات الإرهابية على أساس وحدة سوريا وسلامة أراضيها، وستقدّم تركيا الدعم اللازم إذا طلبت منها سوريا ذلك». وفي حين يَظهر أنّ القوات الحكومية السورية أعجز من أن تخوض حرباً ضدّ الأكراد بمفردها، يبدو أنّ الخطّة التركية تقتضي البدء بغرب حلب بذرائع مختلفة، قبل أن يدخل الأتراك على الخطّ بعملية محدودة في المرحلة الأولى، تقتصر على حلب، لدفع الأكراد إلى شرق الفرات. وفي انتظار معرفة ما إذا كانت «قسد» ستذعن لمطالب أنقرة، يكون الوقت متاحاً أيضاً لجسّ نبض الإدارة الأميركية التي لا يمكن، من دون ضوئها الأخضر، القيام بعملية تركية واسعة شرقي الفرات.

وبحسب صحيفة «حرييات»، فإنّ العملية، ورغم أنها تقتصر على حيَّين في حلب، فإنها قد تمتدّ إلى شرق الفرات. ويرى الخبير العسكري، جوشكون باشبوغ، في حوار مع الصحيفة، أنّ تركيا «تصرّفت بمسؤولية تجاه المجتمع الدولي، ومنحت الوقت الكافي للمحادثات في سوريا، لكنها لم تسفر عن نتيجة»، معتبراً أنّ «استفزازات قسد جعلت من العملية العسكرية لا مفرّ منها». وقال باشبوغ إنّ «سوريا وتركيا أطلقتا معاً العملية العسكرية بعد نفاد صبرهما. كان مفهوماً منذ البداية أنّ المحادثات لن تصل إلى نتيجة، وستصطدم بالحائط»، مؤكّداً أنّ «تمدُّد العملية إلى المناطق الحسّاسة في شرق الفرات، حيث الموارد المالية للتنظيم الإرهابي، أمر لا مفرّ منه»، مضيفاً أنّ إجلاء السكان يُعدّ مؤشراً قويّاً على أنّ الحرب ستتصاعد. وأعرب عن اعتقاده بأنّ «قوات قسد ليست قوية جداً كما يروّج، وهي ستنهار مع تمدُّد العملية. هذا ما حصل في العمليات السابقة».

«يبدو أنّ الولايات المتحدة قد أعطت في اجتماع باريس، الضوء الأخضر لتركيا للهجوم على حلب»

ومن جهته، اعتبر رئيس تحرير صحيفة «ميللييات»، أوزاي شاندير، أنّ عملية حلب تحمل عدّة رسائل، لعلّ أبرزها ما يلي:

1- هي ليست فقط لتأديب «قوات سوريا الديموقراطية»، بل هي رسالة مفادها بأنّ تقسيم سوريا ممنوع.

2- هي ردّ على استفزازات «قسد» في حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود ضدّ السكان.

3- وهي عملية تتعلّق بالنظام العام ولا علاقة لتركيا بها.

4- المستهدف ليس الأكراد، بل الامتداد السوري لـ«حزب العمال الكردستاني» الذي يروّع السكان، والذي لن تتوقّف العملية إلّا بعد إنهاء وجوده في حلب.

5- هدف العملية هو إضعاف قوات «قسد»، لأنّ شعورها بفائض القوّة يجعلها تمتنع عن الإذعان والتوصّل إلى أيّ اتفاق لدمج قواتها بالجيش وتسليم سلاحها.

وفي خضمّ التطورات الحاصلة في حلب، استنفرت كلّ القوى الكردية في تركيا دفاعاً عن «روجافا» (الاسم الكردي لمنطقة الإدارة الذاتية في سوريا)؛ إذ قال «حزب الديموقراطية والمساواة للشعوب» الكردي إنه «كما دافعنا عن كوباني سندافع عن حلب»، في حين اتّهم النائب عن الحزب، جنكيز تشاندار، الدولة التركية بأنها وراء الاشتباكات في المدينة، موجّهاً نداءً إلى كلّ الأكراد كي «يهبّوا إلى نجدة إخوانهم في حلب». وقال: «يبدو أنّ الولايات المتحدة قد أعطت في اجتماع باريس، الضوء الأخضر لتركيا للهجوم على حلب، في مقابل التزام تركيا الصمت على ما تفعله إسرائيل في جنوب سوريا». وتحدّث تشاندار عن معلومات خطيرة في شأن خطّة تهجير للأكراد من حلب على غرار ما حصل سابقاً في عفرين، مطالباً المجتمع الدولي بالتدخّل لمنع ذلك.

————————

ما موقف تركيا من معارك الجيش السوري و”قسد” في حلب؟/ عمر اونهون

ترى دمشق أن “قسد” تتمسك بمطالب متشددة تمس وحدة سوريا وتهدد تماسكها. في المقابل، تؤكد “قوات سوريا الديمقراطية” أنها لن تعود إلى ما قبل عام 2011. ما مسار العلاقة بعد حلب؟

09 يناير 2026

أعاد القتال بين الجيش السوري و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في حلب زعزعة هذه المدينة العريقة، التي ما زالت تحاول تضميد جراحها بعد حرب أهلية مدمرة. وإذا امتد القتال إلى خارج حيَي الأشرفية والشيخ مقصود ذوي الغالبية الكردية، وتجاوز حدود حلب، فقد تجد سوريا نفسها على عتبة حرب أهلية جديدة.

وكانت المفاوضات بين الطرفين، لوضع اللمسات الأخيرة على الترتيبات المنبثقة عن الاتفاق الموقع في 10 مارس/آذار 2025 قد اكتسبت زخما ملحوظا خلال الأسابيع الماضية. وبدا أن التسوية باتت وشيكة، حتى إن بعض ملامح اتفاق محتمل تسربت إلى الصحافة. وفضلا عن ذلك، ساهم الاتفاق الذي توصلت إليه سوريا وإسرائيل في محادثات بوساطة الولايات المتحدة في باريس قبل أيام قليلة في خلق مناخ أكثر إيجابية.

لكن، لماذا اندلع القتال في حلب؟

ترى دمشق أن “قسد” تتمسك بمطالب متشددة تمس وحدة سوريا وتهدد تماسكها. في المقابل، تؤكد “قوات سوريا الديمقراطية” أنها لن تعود إلى ما قبل عام 2011، وأنها لن تحل قواتها المسلحة، كما ترفض العودة إلى بنية إدارية مركزية صارمة.

عند الحديث عن اتفاق 10 مارس قد يتبادر إلى الذهن موضوع إدماج “قسد” في الجيش، غير أن المسألة أوسع وأشد تعقيدا. فثمة ملفات أخرى لا تقل أهمية، في مقدمتها شكل النظام الإداري في سوريا، والدستور الجديد، وملكية حقول النفط، وكيفية توزيع عائدات النفط.

وفي مقابلة له، قال سيبان حمو، القائد البارز في “قسد”، إن إدارة الرئيس أحمد الشرع تسعى إلى إعادة إنتاج نسخة من نظام الأسد. وانتقد موقف دمشق، واصفا إياه بالمتصلب وغير المتجاوب مع القضايا الجوهرية خلال المفاوضات، معتبرا أن ذلك يعود في الأساس إلى سعيها للامتثال للمطالب التركية. إذ ترى تركيا أن دمج “قسد” في الجيش السوري ينبغي أن يسبقه إلقاء السلاح، وأن يغادر المقاتلون غير السوريين في صفوفها الأراضي السورية، وأن لا يندمج التشكيل بكامله في الجيش، بل ينضم من يرغب من أفراده بصورة فردية. كما تبدي أنقرة تشككا حيال أي صيغة لا مركزية للحكم. يسهل على “قسد” أن تلقي باللوم على دمشق وأنقرة، غير أن ذلك لا يغير من حقيقة أنها رفعت سقف مطالبها إلى أقصى حد، وأنها لجأت إلى المماطلة.

ويتبادل الطرفان الاتهامات بشأن من أطلق الرصاصة الأولى في حلب، لكن أيا تكن الجهة التي بدأت، فقد أسهم كل طرف بطريقته في صنع أسباب التوتر وتراكمها.

ويرجح أن الحكومة السورية قررت كسر حالة الجمود. وفي المقابل، يرجح أن الجانب الكردي أساء تقدير مدى تصميم الجيش السوري وقدراته، وحجم دعم الولايات المتحدة، وكذلك مدى استعداد إسرائيل للانخراط. وكانت حلب قد شهدت اشتباكات عنيفة أسفرت عن مقتل أكثر من عشرين شخصا، وإصابة عدد كبير آخر بجروح، قبل أن تتمكن قوات الجيش السوري من بسط سيطرتها على جزء واسع من حي الأشرفية.

وأعلنت وزارة الدفاع السورية، ليل الخميس، وقفا مؤقتا لإطلاق النار في محيط أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، كما فتحت ممرا آمنا حتى صباح الجمعة لخروج المجموعات المسلحة من حلب باتجاه المناطق الشمالية الشرقية. وكانت قوات “وحدات حماية الشعب” عمود “قسد” قد انسحبت سابقا من هذه الأحياء في أبريل/نيسان 2025، بموجب اتفاق موقّع مع دمشق، ونقلت مئات المقاتلين إلى شرق نهر الفرات. ولم يبق في تلك الأحياء سوى قوات “الأسايش”، وهي قوات الأمن الداخلي، إلى جانب عناصر من “وحدات حماية الشعب” بقوا هناك متخفين بصفة “الأسايش”.

تتابع تركيا عن كثب التطورات في حلب، وسط مخاوف من أن يؤدي اتساع رقعة القتال إلى موجة جديدة من اللاجئين. وفي بيان صدر يوم الخميس، وصفت وزارة الدفاع الوطنية التركية القتال الدائر في حلب بأنه عملية مشروعة لمكافحة الإرهاب، بهدف استعادة النظام العام. وأوضح البيان أن الجيش السوري وحده يتولى تنفيذ العملية، في إشارة إلى أن قوات الأمن التركية ليست منخرطة فيها. كما أكدت تركيا أنها ستقدم لسوريا الدعم اللازم إذا طُلب منها ذلك.

وترتبط أنقرة ودمشق بعلاقات تعاون وثيقة في مجالي الأمن والدفاع. ففي 22 ديسمبر/كانون الأول 2025، التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ووزير الدفاع يشار غولر ورئيس الاستخبارات إبراهيم قالن بالرئيس السوري أحمد الشرع ومسؤولين آخرين في قصر الشعب بدمشق، حيث بحثوا القضايا الأمنية وسبل تعزيز التعاون.

الرئاسة السورية الرئاسة السورية

الرئيس أحمد الشرع يستقبل وفدا سياسيا وامنيا وعسكريا تركيا في دمشق في 22 ديسمبر/كانون الأول 2025.

وشهدت مدن تركية عدة مظاهرات دعما لأكراد حلب، في مشهد يستحضر احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول 2014 حين ملأت الحشود الشوارع تنديدا بهجوم تنظيم “داعش” على عين العرب (كوباني).

كما تلقي تطورات سوريا واشتباكات حلب بظلالها على السياسة الداخلية في تركيا، وعلى المسار القائم مع “حزب العمال الكردستاني”. ويثور جدل حول ما إذا كانت دعوة الزعيم المسجون لـ “حزب العمال الكردستاني” عبد الله أوجلان إلى التخلي عن السلاح تشمل “وحدات حماية الشعب”. إذ ترى أنقرة أن “الوحدات” هي الامتداد السوري لـ”حزب العمال الكردستاني”، وبالتالي تنطبق عليها الدعوة، بينما تنفي “الوحدات” ذلك.

وتنخرط الولايات المتحدة وإسرائيل مباشرة في هذا الملف. فقد أصدر السفير توم باراك، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، بيانا عبر حسابه في منصة “إكس” عبّر فيه عن قلق بلاده، ودعا قيادات الحكومة السورية و”قسد” والسلطات المحلية في المناطق الخاضعة للإدارة الكردية وجميع الفاعلين المسلحين على الأرض إلى وقف الأعمال العدائية، والالتزام بخفض التصعيد. وتبذل الولايات المتحدة بصفتها وسيطا بين دمشق و”قسد” جهدا كبيرا لوقف القتال في حلب. كما تتابع إسرائيل التطورات عن كثب ساعية إلى تشكيل واقع سوري ينسجم مع مصالحها، لا سيما عبر استغلال الدروز والعلويين والأكراد. وترى الحكومة الإسرائيلية أن بقاء سوريا ضعيفة ومفتتة يخدم مصالحها، وتَعدُّ الأكراد و”قسد” أداة لإبقاء تركيا تحت الضغط.

وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في بيان رسمي إن الاشتباكات في حلب تمثل هجمات خطيرة تنفذها قوات النظام السوري ضد الأقلية الكردية. ودعا ساعر المجتمع الدولي إلى كسر الصمت، مذكّرا الغرب على وجه الخصوص بأن له التزاما أخلاقيا تجاه الأكراد “لأنهم قاتلوا (داعش) بشجاعة وبنجاح”.

وقد تقدم إسرائيل على خطوات سياسية، وربما توفر دعما سريا لـ”قسد” بصور مختلفة، غير أن تدخلا مباشرا على غرار ما حدث في السويداء يبدو غير مرجح. إذ إن حلب ومناطق الشمال الخاضعة لسيطرة الأكراد، لا تقع على تماس مباشر مع إسرائيل، والأهم أن وجود تركيا هناك يجعل أي تدخل إسرائيلي أمرا غير مقبول من جانبها. كما أن الولايات المتحدة ستعارض هي الأخرى أي مواجهة مباشرة من هذا النوع.

أخيرا، تندلع اشتباكات حلب في وقت تمر فيه إيران بتطورات استثنائية، إذ تتواصل المظاهرات في مدن كثيرة بأنحاء البلاد، بينها طهران ومناطق ذات كثافة سكانية كردية مرتفعة. وقد أسفرت هذه الاحتجاجات حتى الآن عن مقتل نحو خمسين شخصا، فيما جدد الرئيس الأميركي ترمب تهديده بأن الولايات المتحدة سترد بقوة إذا سقط مدنيون.

——————————–

نازحو حلب… مأساة سورية تنتظر عودة سريعة/ هاديا المنصور

09 يناير 2026

أظهرت معاناة نازحي حيّي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب واقعاً هشّاً، مع تكرار مأساة النزوح، لكنّ العودة السريعة المرتقبة بعد استقرار الأوضاع الأمنية وسيطرة القوات الحكومية تخفف هذه المعاناة.

شهدت مدينة حلب، شمالي سورية، ولا سيما في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، موجة نزوح واسعة خلال اليومين الماضيين جراء الاشتباكات والتوترات الأمنية الأخيرة بين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والجيش السوري، ما أعاد إلى الواجهة مشاهد الخوف والتهجير القسري التي لم تغب عن ذاكرة السوريين.

لكن، اليوم الجمعة، أعلنت مديرية الإعلام في حلب أنه سيجري نقل عناصر تنظيم “قسد” بالسلاح الفردي الخفيف إلى مناطق شمال شرقي البلاد، وفقاً لإعلان وزارة الدفاع. وأوضحت المديرية أن مؤسسات الدولة تستعد للدخول إلى حيّي الأشرفية والشيخ مقصود لتقديم الخدمات للمواطنين، وستقوم اللجنة المركزية لاستجابة حلب بتنسيق عودة المدنيين بعد انتهاء العمليات الأمنية وتمشيط المنطقة وإزالة الألغام وفتح الطرقات، بحسب ما أفادت “سانا”. وكشف مصدر حكومي لـ”سانا”، اليوم، أن قوى الأمن الداخلي والجيش السوري يطمئنان أهالي أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد بأن الحياة ستعود إلى طبيعتها فور الانتهاء من عمليات البحث عن الألغام وتأمين المنطقة.

وكانت آلاف العائلات قد غادرت منازلها على عجل، تاركةً خلفها ذكريات وأحياءً اعتادت ضجيج الحياة، لتجد نفسها في رحلة نزوح شتوية قاسية، محمّلة بالقلق على المصير، وبأسئلة مفتوحة حول المأوى والطعام والدواء وإمكانية العودة، خصوصاً أن هذا النزوح لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل صدمة إنسانية جديدة تُضاف إلى سجل معاناة السوريين.

تحدث نازحون سوريون لـ”العربي الجديد” عن مأساة الخروج من منازلهم وأحيائهم في ظل الظروف الصعبة، من دون القدرة على حمل المستلزمات الأساسية، إذ غادر كثيرون بملابسهم فقط، في وقت يشتد فيه البرد وتزداد الحاجة إلى التدفئة. ويقول ماهر العبد، الأب لخمسة أطفال من سكان حي الشيخ مقصود، إنّ نزوحه مع عائلته جاء بشكل مفاجئ وتحت ضغط الخوف، من دون أي استعداد مسبق أو قدرة على حمل أي مستلزمات. فقد غادر أفراد العائلة على عجل بسبب تسارع الأحداث وخطورة البقاء في الحي. أضاف العبد أن البرودة الشديدة شكلت التحدي الأصعب لأطفاله، ولا سيما في ظل غياب الأغطية ووسائل التدفئة، لافتاً إلى أن “ارتجاف الأطفال من البرد كان المشهد الأكثر إيلاماً خلال رحلة النزوح، وحالة القلق لم تقتصر على الظروف المناخية، بل امتدت إلى ضبابية المصير وعدم وضوح الوجهة، في ظل غياب خطة مسبقة أو مكان ثابت يمكن للعائلة الاستقرار فيه”.

توجه العبد مع أسرته في البداية إلى مدينة حلب، حيث قضوا ساعات في التنقل بين نقاط التجمع ومراكز الإيواء المكتظة، قبل أن يتمكنوا لاحقاً من الوصول إلى منطقة عفرين للإقامة المؤقتة لدى أحد الأقارب، وأكد أن هذا الحل يبقى هشاً ومؤقتاً، في ظل تزايد أعداد النازحين وضيق الإمكانيات، معبّراً عن خشيته من انعدام الحد الأدنى من مقوّمات العيش الكريم، خصوصاً لأطفاله الذين يحتاجون إلى الدفء والاستقرار قبل أي شيء آخر.

أما سمر خليل، النازحة من حي الأشرفية، فقالت: “لحظة النزوح لم أفكر بأي شيء سوى بأطفالي. خرجنا بسرعة، وتركت باب المنزل مفتوحاً، لم أحمل سوى أوراقنا الشخصية، وبعض الملابس الخفيفة، ولم ألتفت خلفي”. تابعت خليل، وهي أم لأربعة أطفال، أن الخوف كان سيد الموقف خلال ساعات الخروج الأولى، مضيفةً: “كنا نسمع أصوات الرصاص، وكان الأهالي يركضون في الشوارع، والأطفال يبكون، وأنا أحاول أن أطمئنهم بأننا سنصل إلى مكان آمن، حتى لو كان بلا كهرباء أو ماء، المهم أن ننجو”، وأشارت إلى أن رحلتها انتهت في أحد مراكز الإيواء المؤقتة داخل أحد المساجد بمدينة حلب، حيث تقيم حالياً مع عشرات العائلات في قاعة جماعية تفتقر لأبسط مقوّمات الخصوصية، وقالت: “ننام على الأرض، لا توجد فُرش كافية ولا أغطية تناسب هذا البرد القارس، نحاول أن نقتسم البطانيات بين الأطفال، بينما أبقى مستيقظة أغلب الليل خوفاً عليهم”.

تحدثت خليل عن معاناة أخرى لم تكن في الحسبان عند النزوح، إذ إن ابنها الأصغر مصاب بمرض الربو، والبرد يزيد وضعه سوءاً، ولا تتوفر الأدوية بشكل دائم، وتقول: “لا نطلب الكثير، نريد فقط مكاناً آمناً ودافئاً، والقليل من الاستقرار. كل ما نريده هو العيش بكرامة لحين عودتنا إلى بيوتنا. كما أن أطفالي تركوا امتحاناتهم ومدارسهم، ولا أعرف متى سيعودون إلى التعليم”.

توزع النازحون بين مدينة حلب وريفها الشمالي، فيما توجه عدد كبير منهم نحو مناطق عفرين وشران ومحيطهما بحثاً عن مأوى مؤقت لدى أقارب أو في مراكز إيواء مكتظة. وقد فاقم هذا التشتت من صعوبة الاستجابة الإنسانية، خصوصاً مع الارتفاع الكبير في أعداد النازحين خلال فترة وجيزة.

وقال الشاب محمد البر إنّه نزح من حيّ الشيخ مقصود في توقيت بالغ الصعوبة، وسط الشتاء والبرد القارس وارتفاع تكاليف المعيشة، ويلفت إلى أن ما يزيد من قلقه هو انعدام أفق المستقبل، سواء على صعيد العودة إلى الحي أو الاستقرار في مكان بديل، مؤكداً أن الشباب هم الفئة الأكثر تضرراً، إذ يجدون أنفسهم عالقين بين الحاجة إلى العمل وبين مسؤوليات متزايدة تجاه أسرهم في ظروف معيشية قاسية.

من جانبها، أوضحت مديرة دائرة الإغاثة الطارئة في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية زهرة الدياب، لـ”العربي الجديد”، أن حجم النزوح كبير، ويحتاج إلى تدخل عاجل ومنسّق، وأشارت إلى أنّ احتياجات النازحين تتركز بشكل أساسي في المأوى، خصوصاً أن معظم العائلات خرجت من دون أي تجهيزات، ما يجعل الحاجة ملحّة إلى مستلزمات الإغاثة التي تشمل الإسفنجات والبطانيات وفُرش النوم والأغطية وغيرها، وأكدت أن الاحتياجات الشتوية، وعلى رأسها اللباس الشتوي ووسائل التدفئة، تشكل أولوية قصوى في ظل الطقس البارد الذي يزيد معاناة الأطفال وكبار السنّ.

ولفتت الدياب إلى أن الغذاء يمثل أحد أكثر الاحتياجات إلحاحاً، داعيةً إلى تدخل عاجل من المنظمات الإنسانية لتأمين السلال الغذائية للأسر، إضافة إلى الوجبات الجاهزة، وتأمين الخبز بشكل منتظم، فضلاً عن أهمية توفير مياه الشرب النظيفة، ليس فقط لتلبية الاحتياجات اليومية، بل للحد من مخاطر انتشار الأمراض، مشددةً على ضرورة توفير سلل النظافة، بوصفها جزءاً أساسياً من الاستجابة الإنسانية.

وفي ما يتعلق بالإجراءات الحكومية، كشفت الدياب أن الجهات المعنية في محافظة حلب شكّلت لجنة استجابة خاصة بالنزوح، تعمل على متابعة أوضاع مراكز الإيواء داخل المدينة، كما يجري تجهيز مركز إيواء في منطقة أخترين بريف حلب، موضحةً أن المركز لا  يزال فارغاً حتى الآن، في حين يتركز معظم النازحين بين مدينة حلب وريفها، وتشير إلى أن عدداً كبيراً من العائلات توجه نحو شران وعفرين ومحيطهما، ما يتطلب توسيع نطاق الاستجابة ليشمل هذه المناطق.

وبحسب بيان رسمي صادر عن اللجنة المركزية لاستجابة حلب، الخميس، باشرت اللجنة منذ الساعات الأولى لبدء حركة النزوح بتنفيذ خطة طوارئ شاملة هدفت إلى تأمين خروج المدنيين من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، إضافة إلى عدد من الأحياء المجاورة، مع التأكيد على ضمان سلامتهم، والتقليل من المخاطر المحتملة أثناء عمليات الإجلاء.

وأوضحت اللجنة أنها استقبلت حتى لحظة صدور البيان نحو 142 ألف نازح، من بينهم 13 ألف نازح خرجوا خلال يوم واحد حتى الساعة الواحدة ظهراً. وبهدف تنفيذ عمليات الإخلاء، جرى توجيه 80 آلية نقل، إلى جانب افتتاح 12 مركز إيواء مؤقتاً، منها عشرة مراكز داخل مدينة حلب، ومركزان في إعزاز وعفرين، مع استمرار توافد الأهالي.

وأكدت اللجنة أنها عملت على تنظيم وتيسير خروج المدنيين بشكل آمن، مع الحفاظ على حرية التنقل واختيار الوجهة لكل نازح وفق رغبته، إضافة إلى تقديم الإسعافات الأولية والرعاية الطبية في مراكز الإيواء عبر فرق الإسعاف والطوارئ المنتشرة قرب المعابر ونقاط التجمع، كما جرى تحويل الحالات الطارئة والحرجة إلى المستشفيات العامة والخاصة، بعد رفع جاهزيتها بشكل كامل.

ولفت البيان إلى أن اللجنة تلقّت نداءات استغاثة من مرضى عالقين داخل حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، حيث تُعيق المخاطر الأمنية والاستهداف المتكرر للفرق الطبية إمكانية الوصول إليهم حالياً، وأنها تعمل بالتنسيق مع الجهات المعنية لتأمين خروجهم الآمن في أقرب وقت ممكن. وختمت اللجنة المركزية لاستجابة حلب بيانها بدعوة الأهالي إلى الالتزام بالتعليمات الصادرة والتواصل مع الجهات المختصة، بما يساهم في تعزيز السلامة العامة وضمان حسن إدارة الاستجابة الطارئة.

العربي الجديد

—————————————–

 كيف تعيد حلب استدعاء ذاكرة النزوح السوري؟

الجمعة 2026/01/09

ليس ما يجري اليوم في حلب خبراً عسكرياً عابراً يمكن عزله في شريط عاجل. ما يحدث هو مشهد جماعي مكتمل، صورة تتحرك فيها المدينة دفعة واحدة، كأنها جسد واحد أصابه ارتعاش قديم. عائلات تحمل ما خفّ وزنه، لا لأنها اختارت الرحيل، بل لأنها تعرف، من خبرة سابقة، أن الوقت لا يتيح خياراً. أطفال يجرّون حقائب أكبر من أعمارهم، ورجال يلتفتون كل بضع خطوات إلى الخلف، لا بدافع الحنين، بل خوفاً من أن تُغلق المدينة بابها فجأة، كما فعلت مرات سابقة.

هذا النوع من الحركة البشرية لا يحتاج إلى دمار شامل كي يوقظ الذاكرة السورية. لا يحتاج إلى مئات الغارات أو أحياء مدمّرة عن بكرة أبيها. يكفي أن تتكرر الإشارات نفسها: صوت اشتباك قريب، خبر عاجل متضارب، شائعة عن طريق قُطع أو حيّ أُغلق، وجملة مألوفة تتناقلها الألسن بسرعة الهلع: “القصف قرّب… الطريق انقطع… لا تظلّوا”.

هنا، بالضبط، تنفجر المقارنة في رأس السوريين. لا لأن ما يجري اليوم يوازي عنف النظام السوري الأسبق في حجمه أو أدواته، بل لأن مظاهر النزوح تتحدث اللغة نفسها: الخوف، والانقطاع، وانعدام السيطرة على المصير.

الذاكرة السورية ليست أرشيفاً يُفتح عند الحاجة، إنها جهاز إنذار دائم التشغيل. تكفي أي إشارة تشبه “السيناريو القديم” لتفعيله فوراً. وعندما يكون المشهد في حلب ــ المدينة المثقلة بالرمزية منذ المعارك الكبرى ــ يُضغط الجرح بقوة أشد. فالسوريون لم يخرجوا من الحرب بما يكفي ليواجهوا اشتباكاً جديداً ببرود دولة مستقرة.

الجرح المتجدد

ميدانياً، شهدت مدينة حلب تجدّد اشتباكات في أحياء ذات غالبية كردية، أبرزها الشيخ مقصود والأشرفية، بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

وأعلنت السلطات السورية هذه الأحياء مناطق عسكرية، وحددت “ممرات” لخروج المدنيين، مرفقة ذلك بمهل زمنية وإجراءات أمنية مشددة شملت حظر تجول جزئياً، وإغلاقات، وتعطيلاً للحركة في محيط المدينة. في المقابل، بثت صورعن نزوح واسع داخل المدينة قُدّر بالآلاف، مع سقوط قتلى وجرحى، وتبادل اتهامات بشأن القصف الذي طال أحياء سكنية مأهولة.

إنسانياً، لا تُعدّ هذه التفاصيل تقنية أو ثانوية. فهي تفسّر اندفاع موجات النزوح بهذه السرعة وبهذه الكثافة. فعندما تُدار معركة داخل مدينة كبرى، ويُبلَّغ المدنيون بأن أحياءهم “مغلقة عسكرياً” وأن عليهم المغادرة خلال ساعات، يتحول السكان إلى كتلة بشرية واحدة تبحث عن أي شكل من أشكال الأمان، ولو كان مؤقتاً وهشّاً.

وفي ظلّ اتساع حركة النزوح داخل مدينة حلب، ومع خروج آلاف العائلات من أحياء التماس خلال وقت قصير، طلب محافظ حلب فتح الجوامع والكنائس والمدارس لاستقبال النازحين، بوصفها مراكز إيواء مؤقتة. خطوة تعكس حجم الضغط الإنساني المفاجئ الذي واجهته المدينة، وتكشف في الوقت نفسه محدودية الخيارات المتاحة أمام السكان والسلطات المحلية على حد سواء، في مدينة لم تكد تلتقط أنفاسها من جولات سابقة من العنف، حتى وجدت نفسها مجدداً أمام مشهد الإيواء الطارئ والاحتمالات المفتوحة.

ذاكرة نزوح الأمس

السوريون لا يقيسون الخطر دائماً بعدد القذائف، بل بطريقة العيش تحت التهديد. ففي سنوات العنف الأقصى، لم يكن النزوح مجرد انتقال جغرافي، بل عملية اقتلاع كاملة: بيت يُغلق إلى غير رجعة، شارع يتحول إلى جبهة، مدرسة تصبح مأوى، وصوت الانفجار يغدو ساعة اليد اليومية.

اليوم، حتى مع اختلاف مستوى التدمير، يكاد الإيقاع النفسي يتطابق. يبدأ المشهد عادةً بخبر عاجل يقطع الإيقاع اليومي للمدينة، فيتحول القلق الفردي سريعاً إلى هلع جماعي. يُشار إلى طريق بوصفه “آمناً”، فيندفع الناس إليه دفعة واحدة، ليتحوّل الأمان المفترض إلى ازدحام خانق. تنتشر شائعة عن تقدّم عسكري أو قصف وشيك، فتبدأ موجة خروج جديدة قبل أن تتأكد المعلومة أو تُنفى. ومع أول انقطاع في الاتصال، تتهاوى الثقة، ويحلّ يقين قاسٍ مكان أي طمأنينة مؤقتة.

سياسياً وأخلاقياً، من الضروري تفكيك المقارنة لا تبسيطها. فالعنف الذي مارسه النظام السوري الأسبق كان منظومة متكاملة: حصار طويل، وتجويع ممنهج، وقصف واسع النطاق، وإدارة للصراع ترى في المجتمع خصماً مباشراً. ويختلف هذا، من حيث السياق والمستوى، عن اشتباكات موضعية داخل مدينة، حتى وإن كانت دامية.

لكن، في المقابل، من حق الناس أن يقولوا: “المشهد واحد”. فالإنسان لا يعيش داخل تقارير مراكز الدراسات، بل داخل لحظة حمل طفله والنزول إلى الشارع من دون أن يعرف متى يعود.

السياسة خلف الدخان

خلف الاشتباك القائم لا يقف حادث أمني معزول، بل أزمة سياسية أعمق تتصل بطبيعة العلاقة بين دمشق و”قسد”، وحدود الاندماج، وتوزيع الصلاحيات الأمنية والإدارية. وعندما يتعثر اتفاق سياسي أو عسكري من هذا النوع، تميل الأطراف إلى اختبار القوة ميدانياً، وإعادة رسم “الخطوط الحمراء” داخل مدينة مأهولة.

وهنا تكمن الخطورة القصوى: التفاوض بالنار داخل الأحياء.

السوريون عالقون اليوم بين رغبتهم في دولة واحدة مستقرة، وخوفهم العميق من عودة منطق الغلبة. لذلك يُقرأ أي نزوح، حتى لو كان جزئياً، بوصفه تهديداً لسؤال جوهري: هل انتهت الحرب فعلاً، أم أنها غيّرت جلدها فقط؟

سؤال تبدو الإجابة عليه مبهمة فحلب ليست ساحة محلية بحتة. فوجود “قسد” كقوة ذات ارتباطات دولية، إلى جانب الحساسية التركية العالية تجاهها، يجعل أي اشتباك داخل المدينة قابلاً للتحول إلى رسائل إقليمية متبادلة. لا يعني ذلك بالضرورة تدخلاً مباشراً، لكن مجرد احتمال توسّع رقعة المواجهة يكفي لدفع المدنيين إلى الخروج المبكر. ففي كثير من الأحيان، لا يكون النزوح هرباً من الرصاصة، بل من السيناريو الأسوأ.

إنسانياً: ما الذي يجب الانتباه له الآن؟

النزوح داخل المدينة أخطر من النزوح بين المدن، لأن خطوط التماس متحركة، والناس قد تُجبر على التنقل أكثر من مرة.

اللغة الإعلامية سلاح: توصيف مناطق كـَ “أهداف عسكرية” أو الحديث عن “إغلاق” و”تطهير” يرفع منسوب الذعر ويدفع الناس إلى الشارع.

الثقة تُكسر بسرعة: أي قذيفة تسقط على حي سكني تُفسَّر فوراً كعودة إلى استباحة المدنيين، ما يعقّد أي تهدئة لاحقة.

نزوح حلب اليوم يوجّه رسالة لا لبس فيها: السوريون لا يملكون رفاهية “الأخطاء الانتقالية” التي تُدفع أثمانها من أعصابهم وأجسادهم. فأي مشروع توحيد، أو دمج، أو استقرار سياسي يُختبر في نهاية المطاف بمعيار واحد لا يقبل الالتباس:

هل تحمي المدينة سكانها، أم تدفعهم إلى الشارع؟

الخطر الأكبر لا يكمن في موجة النزوح الراهنة بحد ذاتها، بل في احتمال تحوّلها إلى نمط مُطبَّع: خلاف سياسي ينتهي بتهجير مؤقت، يتبعه هدوء هش، ثم عودة غير مستقرة، فخروج جديد عند أول اهتزاز. هكذا يتكرس الاستنزاف الاجتماعي في أنقى صوره: لا إبادة جماعية بالمعنى المباشر، بل حياة معلّقة، بلا جذور، وبلا أفق ثابت.

بين الذاكرة والواقع

السوريون لا يطلبون من الواقع أن يعيد إنتاج الماضي كي يشعروا بالخوف؛ يكفي أن يتحدث بلغته البصرية نفسها. وفي حلب، كانت الصورة أبلغ من أي بيان أو تصريح رسمي: شارع يتحرك دفعة واحدة، مدينة بأكملها في حالة قلق، وناس يُدفعون إلى اتخاذ قرارات مصيرية خلال ساعات قليلة، من دون ضمانات أو يقين.

لهذا، لا يقتصر المطلوب اليوم على وقف إطلاق النار بوصفه إجراءً تقنياً أو مؤقتاً، بل يتجاوز ذلك إلى وقف إنتاج مظهر النزوح نفسه. ويعني ذلك، عملياً، تأمين ممرات آمنة حقيقية لا شكلية، ومنع استهداف الأحياء السكنية، واعتماد خطاب سياسي مسؤول يخفف الذعر بدل تغذيته، وفتح مسار تفاوضي واضح وشفاف يُترجم على الأرض بضمانات فعلية، لا بمهل تهديد أو بيانات ملتبسة.

فكل موجة نزوح، حتى لو انتهت خلال أيام، تترك في الوعي الجمعي السوري ندبة جديدة، ورسالة قاسية مفادها أن هذا البلد ما زال هشاً… وقابلاً للانكسار عند أول اختبار.

المدن

———————-

حلب: كيف تُغلق جبهات سوريا المفتوحة؟

تسيطر الحكومة السورية، منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون أول/ ديسمبر 2024، على ما يقارب 69,3٪ من مساحة البلاد، فيما تهيمن «قوات سوريا الديمقراطية» على 27,8٪، و«قوات الحرس الوطني» في السويداء على 2,8٪، فيما تحتل إسرائيل قرابة 0,1٪ من مساحة البلاد.

تعتبر «سوريا الديمقراطية» إحدى التشكيلات الإقليمية العديدة لحزب العمال الكردستاني الذي تأسس في تركيا في نوفمبر/ تشرين أول 1978 والذي بدأ مواجهات متفرقة مع السلطات في جنوب شرق تركيا تطورت، في العام اللاحق، بمشاركة فصائل أخرى، إلى تمرد مفتوح خلال الأعوام 1984 ـ 1999.

حظي الحزب المذكور بدعم سريع من نظام حافظ الأسد في دمشق الذي حاول توظيفه في أجندته السياسية الإقليمية فوصلت مجموعة من مقاتليه عام 1979 إلى سهل البقاع اللبناني، وجرى المؤتمر الأول للحزب على الأراضي السورية عام 1981، وافتتح ما سماه «أكاديمية معصوم قورقماز» العسكرية في البقاع عام 1986، ثم بدأ بعدها بتنفيذ هجمات من الأراضي السورية على تركيا ما أدى إلى تصعيد كبير وصل للتهديد باجتياح تركي لسوريا. انطوت هذه الصفحة الأولى للعلاقات السورية مع الحزب بطرد زعيمه، عبد الله أوجلان، عام 1998، من دمشق، ما أدى إلى اعتقاله في السنة نفسها في عملية استخباراتية في العاصمة الكينية نيروبي.

فتحت الثورة على نظام بشار الأسد، عام 2011، ووقوف تركيا مع المعارضة السورية، الأبواب لعودة الحلف القديم فانسحبت قوات النظام من شمال شرق سوريا، ليدخل مئات من مقاتلي الحزب (بالتنسيق مع الحكومة العراقية) وليسيطروا، مع حزب «الاتحاد الديمقراطي» (الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني) على مناطق الحدود مع تركيا.

بعد تأسيس «التحالف الدولي» لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» عام 2014، واشتداد الحاجة إلى مقاتلين محليين على الأرض، انفتحت الفرصة مجددا أمام «الكردستاني» (المصنّف إرهابيا في أمريكا والاتحاد الأوروبي) ليحظى بشرعية دولية عبر تأسيس «قوات سوريا الديمقراطية» عام 2015، التي جنّدت بأموال الدعم الأمريكي (150 مليون دولار في ميزانية البنتاغون الأخيرة) والمناطق الغنية بالنفط والثروات التي وضعت اليد عليها، لتوظيف ميليشيات من إثنيات وأديان مختلفة، وللسيطرة على مناطق واسعة من البلاد.

وضع سقوط نظام الأسد الابن، والاحتضان العربي والدولي السريع الذي حظي به النظام السوري الجديد، «قوات سوريا الديمقراطية» في مأزق وجوديّ يتمثّل في تقوّض الوظائف التي فتحت الطريق أمام «الكردستاني» للتأثير الهائل على المعادلة السورية، فقد أعلن مركز الحزب التركيّ حل الحزب وإلقاء السلاح، وانتهى نظام الأسد، ولم يعد تنظيم «الدولة» يشكّل خطرا جسيما على الإقليم والعالم.

دخلت منظومة «قسد» العسكرية والسياسية في تناقضات كبيرة تمثّل المعارك الدائرة في حلب حاليا نموذجا واضحا عليها، فـ»قسد» تقول إنها انسحبت عسكريا من حيي الأشرفية والشيخ مقصود بعد اتفاق مع الحكومة السورية (10 آذار/ مارس) لكن المعارك الدائرة حاليا تشير إلى أنها تحتفظ بقوات كبيرة. في تبرير وجود هذه القوات تقول «قسد» إن آلاف العناصر الباقية هم من «الأسايش»، أي الأمن الداخلي، وإن مهمتهم حماية المدنيين، لكن ما حصل منذ سقوط النظام حتى الآن، أن قناصي «قسد» تسببوا على مدار السنة الأخيرة في مقتل ما لا يقل عن 100 مدنيّ، وجعلوا من المرور في مناطق بعينها، مثل دوار شيحان ودوار الليرمون، خطرا مميتا على السكان، وهي تقول إن ميليشياتها تحتوي سوريين من كافة القوميات والأديان، لكنّ الدعاية السياسية السائدة حاليا، بما في ذلك ضمن مسؤولين كرد عراقيين، هي أن الأكراد يتعرّضون لتطهير عرقي!

إضافة إلى هذا كله، تعمل «قسد»، ومن ورائها قيادة «الكردستاني» في جبال قنديل في العراق، على لعب دور خطير في دعم فلول نظام الأسد، عبر استقبال الآلاف من ضباطه وعناصره، وكذلك في تمويل وتدريب ودعم الطروحات الانفصال، والالتحاق بإسرائيل، في الجنوب السوري.

تأتي المعارك في حلب بعد سنة من التعنّت المقصود لـ«قسد» في المفاوضات مع الحكومة السورية، وبعد معاناة سكان حلب مع أشكال من القتل والترهيب، والأكيد أن السوريين عموما يأملون أن تتوقّف هذه المعارك المؤسفة، ويتوقّف عداد القتلى والجرحى، والنزوحات المستمرة، وأن يعاود السوريون، بكافة أعراقهم ودياناتهم واتجاهاتهم السياسية، السير في طريق التنمية الاقتصادية، والعدالة للجميع، والاستقرار والأمن لكل المواطنين.

القدس العربي

——————————-

تجدد إطلاق النار بحلب ومسلحو “قسد” يرفضون مغادرة المدينة

تجدد إطلاق النار ظهر اليوم الجمعة في حلب شمالي سوريا، بعد انتهاء الهدنة -الساعة التاسعة صباحا بالتوقيت المحلي (السادسة صباحا بتوقيت غرينيتش)- التي أعلنتها وزارة الدفاع السورية الليلة الماضية، وسط رفض عناصر مما يعرف بـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) الخروج من المدينة.

وأكد مراسل الجزيرة عودة إطلاق النار في حي الشيخ مقصود في حلب، مشيرا إلى أن قوات “قسد” أطلقت النار باتجاه نقطة للأمن السوري عند موقع دخول حافلات كان من المقرر أن تنقل مقاتلي “قسد” الموجودين في حيي الأشرفية والشيخ مقصود إلى شمال شرق البلاد في المناطق الواقعة تحت سيطرة التنظيم.

وأفاد مراسل الجزيرة بعودة الحافلات إلى محيط حي الشيخ مقصود في حلب لإخراج مسلحي قسد بعد إعطاء الجيش مهلة جديدة.

بدورها، نقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن مصدر عسكري أن عناصر من “قسد” مرتبطة بحزب العمال الكردستاني ترفض الخروج من حي الشيخ مقصود وتصر على القتال.

دخول حافلات

وبعد انتهاء الهدنة صباحا، أكد الجيش السوري دخول حافلات إلى حي الشيخ مقصود في حلب لنقل مقاتلي “قسد” إلى مناطق شرق الفرات.

من جهته، أفاد مراسل الجزيرة بوصول حافلات إلى دوار الليرمون بمحيط حي الشيخ مقصود بحلب لنقل مسلحي قسد إلى مناطق شرق الفرات.

كما أشار إلى أن قوات “قسد” تعمل على إخلاء تحصيناتها في مداخل حي الشيخ مقصود في حلب.

وفي مقابلة مع الجزيرة، أكدت مديرية الإعلام بحلب أنه من المقرر نقل عناصر قوات قسد بالسلاح الخفيف إلى شرق الفرات وفق إعلان وزارة الدفاع الليلة الماضية.

وأفادت بأن المؤسسات الحكومية تستعد لدخول حيي الأشرفية والشيخ مقصود لتقديم الخدمات للمواطنين، مشيرة إلى أن الأمن طالب المواطنين بعدم التسرع في دخول مناطقهم حتى إزالة الألغام وفتح الطرقات، بعد نزوح الآلاف في الأيام الماضية.

بيان الهدنة

وفي بيان الليلة الماضية، قالت وزارة الدفاع السورية إن على المجموعات المسلحة في هذه الأحياء مغادرة المنطقة خلال مدة الهدنة. وقد أُعلنت هدنة تمتد من الساعة الثالثة بعد منتصف الليل إلى التاسعة صباح اليوم.

إعلان

كما أوضحت أنه يُسمح للمسلحين المغادرين بحمل سلاحهم الفردي الخفيف فقط، ويتعهد الجيش بتأمينهم وضمان عبورهم بأمان إلى مناطق شمال شرق البلاد.

وأكدت الوزارة أن هذا الإجراء يهدف إلى إنهاء الحالة العسكرية في هذه الأحياء، تمهيدا لعودة سلطة القانون وتمكين الأهالي من العودة إلى منازلهم.

كما أشار بيان الوزارة إلى أن قوى الأمن الداخلي تتولى التنسيق مع هيئة العمليات بالجيش لترتيب آلية خروج المجموعات المسلحة من الأحياء باتجاه شمال شرق سوريا.

وأمس الخميس، تصاعدت الاشتباكات بين الجيش وقوات قسد وسط نزوح واسع للمدنيين وسقوط 9 قتلى و55 جريحا منذ الثلاثاء، وفق بيانات صحة حلب.

تمديد الهدنة

على صعيد متصل، قال برّاك، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخاص لسوريا، إن العمل جار على تمديد الهدنة في حيي الأشرفية والشيخ مقصود بحلب في سوريا إلى ما بعد الموعد النهائي المحدد في الساعة التاسعة من صباح اليوم.

وأضاف براك -في منشور عبر حسابه على منصة إكس- أن الولايات المتحدة ترحب بالهدنة المؤقتة التي تم التوصل إليها الليلة الماضية وتعرب عن امتنانها العميق لجميع الأطراف من الحكومة السورية و”قسد” والسلطات المحلية وقادة المجتمع على ضبط النفس وحسن النية اللذين جعلا هذه الهدنة الحيوية ممكنة.

ضبط أسلحة

وفي التطورات العسكرية، قالت الحكومة السورية الليلة الماضية إن القوات الأمنية دخلت حي الأشرفية في مدينة حلب بعد مواجهات مع قوات “قسد”، في حين بقي الغموض يخيم على الوضع في حي الشيخ مقصود.

كذلك أفادت وكالة الأنباء السورية (سانا) بأن قوى الأمن الداخلي في حلب ضبطت مستودعا يحتوي أسلحة وذخائر لتنظيم “قسد” بالإضافة إلى سيارة مفخخة تركها التنظيم في أحد الشوارع الرئيسية بحي الأشرفية.

يُذكر أن المواجهات بين “قسد” والجيش السوري تجددت عقب محادثات عُقدت الأحد الماضي لتنفيذ اتفاق مارس/آذار، الذي يقضي بدمج “قسد” في مؤسسات الدولة، إلا أن هذه المحادثات لم تسفر عن نتائج عملية لتطبيق الاتفاق.

ويشار إلى أن حيي الأشرفية والشيخ مقصود كانا تحت سيطرة قوات “قسد” في السنوات الماضية.

وتواصل “قسد” المماطلة في تنفيذ بنود الاتفاق الذي ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرقي سوريا في إدارة الدولة، وفتح المعابر والمطار وحقول النفط والغاز، وتأكيد وحدة أراضي البلاد.

المصدر: الجزيرة

————————–

 حلب: خلافات داخل “قسد” تعرقل الخروج من حي الشيخ مقصود

الجمعة 2026/01/09

يشهد الاتفاق على نقل مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، إلى شمال شرق سوريا، خلافات وتوترات أدت إلى تأخيره، بعد أن أنجزت الحكومة السورية من طرفها جميع التحضيرات لذلك.

خلافات في “قسد”

وقال التلفزيون السوري إن “تنظيم قسد أطلق الرصاص باتجاه قوى الأمن الداخلي في محيط حي الشيخ مقصود بمدينة حلب”، ما أدى إلى انسحاب الحافلات التي كانت مُعدّة لنقل مقاتلي “قسد” من داخل حي الشيخ مقصود، وذلك قبل أن يعود التلفزيون الرسمي ويعلن عودتها بعد انسحابها.

وتشير المعلومات إلى وجود خلافات بين شخصيات قيادية في “قسد” داخل حي الشيخ مقصود، بين من يرفض الخروج “ويعتبره استسلاماً ويدعو ما تبقى من عناصر للمقاومة واستمرار القتال”، وبين من يرى بأن الأمور انتهت واستمرار القتال لا طائل منه، ويجب الخروج نحو مناطق سيطرة “قسد” في شمال شرق سوريا.

من جانبها، أنجزت الحكومة السورية من طرفها، جميع الترتيبات اللازمة لإخراج مقاتلي “قسد” من أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد، إذ قامت بفتح الطرقات واستجلبت عشرات لأجل ذلك، بعد التوصل إلى اتفاق بخروج المقاتلين.

ووفق المعلومات، فإن اتفاق خروج المقاتلين جرى بوساطة من المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، وفرنسا، مضيفةً أن الاتفاق يشمل جميع من يرغب إلى شمال شرق سوريا، بما في ذلك عوائل المقاتلين ومن يرغب من مدنيين، بينما من يرغب بالبقاء من المقاتلين، فإنه سوف يخضع إلى “تسوية” مع الحكومة السورية.

وفي وقت سابق اليوم الجمعة، نقل “التلفزيون السوري” عن مصدر في الحكومة، قوله إن “قوى الأمن الداخلي بالتنسيق مع هيئة العمليات في الجيش العربي السوري تعمل لفتح ممرٍّ آمن لخروج مجموعات تنظيم قسد من مواقعهم في حي الشيخ مقصود باتجاه شمال شرقي البلاد”.

وأضاف: “بدأت الباصات التي ستُقلّ مجموعات تنظيم قسد بالدخول إلى حي الشيخ مقصود، تمهيدًا لنقلهم باتجاه شمال شرقي البلاد”.

ترحيب بالاتفاق

في غضون ذلك، رحّب باراك بالإعلان عن “الهدنة المؤقتة” في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، كما أعرب عن امتنانه للحكومة السورية و”قسد” على ضبط النفس وحسن النية.

وأضاف: “نعمل بشكل مكثف على تمديد وقف إطلاق النار والتفاهم لما بعد الموعد النهائي”، والذي تم حديده عند الساعة التاسعة من صباح اليوم الجمعة.

من جانبها، أعلنت مبعوثة بريطانيا إلى سوريا آن سنو، عن ترحيبها بوقف إطلاق النار المؤقت في حلب، كما حثّت على توسيعه لتخفيف معاناة المدنيين. وأضافت في تغريدة على منصة “إكس”، أن بريطانيا تواصل الحث على حماية المدنيين وعلى أهمية الحوار لتطبيق اتفاق 10 من آذار/مارس.

وأعلنت وزارة الدفاع السورية في وقت مبكر من صباح اليوم الجمعة، وقفاً لإطلاق النار في حلب، من أجل السماح للمقاتلين الأكراد بمغادرة الأحياء التي يتحصنون فيها داخل المدينة.

وتمكن الجيش السوري خلال ليل الخميس- الجمعة، من السيطرة على حيي الأشرفية وبني زيد اللذين كانا تحت سيطرة المقاتلين الأكراد، مع عدد من المواقع المحيطة بهما، فيما انسحب ما تبقى من مقاتلي “قسد” إلى حي الشيخ مقصود، قبل أن يتم الإعلان عن وقف إطلاق النار، بعد قصف واشتباكات متبادلة، استمرت نحو 3 أيام، وأدت إلى سقوط 21 قتيلاً وعشرات الجرحى.

وقال مجلس مدينة حلب، إن فرق الطوارئ باشرت بأعمال فتح الطرقات وإزالة السواتر الترابية في حيي الأشرفية وبني زيد لتسهيل حركة المواطنين وتأمين عودة آمنة لهم وذلك بالتنسيق مع اللجنة المركزية للاستجابة في محافظة حلب

وأضاف أن الأعمال ترافقت الأعمال مع حملة نظافة شاملة شملت تنظيف الشوارع ورفع المخلفات في إطار الجهود المستمرة لتحسين الواقع الخدمي والبيئي في المدينة.

————————–

 وقف إطلاق النار في الأشرفية وتحضيرات لخروج مسلحي “قسد” من الشيخ مقصود

2026.01.09

أعلنت وزارة الدفاع السورية فجر اليوم الجمعة، وقفاً لإطلاق النار في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد بمدينة حلب، في خطوة تهدف إلى إنهاء الحالة العسكرية فيها، وتمهيداً لعودة سلطة القانون والمؤسسات الرسمية.

وقال مراسل تلفزيون سوريا، الجمعة، إن الأمن الداخلي يستعد بالتنسيق مع الجيش السوري لفتح ممر آمن لخروج عناصر قسد من حي الشيخ مقصود، وسبق أن قالت مراسلة تلفزيون سوريا، إن الأمن الداخلي بدأ إزالة السواتر الترابية حول حيي الشيخ مقصود والأشرفية. وأضافت أن الأمن الداخلي يعمل على تأمين الطرق حول حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب لإجلاء عناصر “قسد”، حيث تم فتح طريق الكاستيلو باتجاه ريف حلب الشمالي.

من جهتها نقلت وكالة “سانا” عن مصدر حكومي أن الباصات بدأت بالدخول إلى حي الشيخ مقصود، تمهيداً لنقل عنصر “قسد” إلى شمال شرقي سوريا.

وقف إطلاق النار في الشيخ مقصود والأشرفية

وفي بيان لها، قالت الوزارة إنه “انطلاقاً من الحرص التام على سلامة أهلنا المدنيين في مدينة حلب، ومنعاً لأي انزلاق نحو تصعيد عسكري جديد داخل الأحياء السكنية”، تقرر إيقاف إطلاق النار في محيط الأحياء المذكورة، وذلك اعتباراً من الساعة 03:00 بعد منتصف الليل.

وطلبت الدفاع السورية من المجموعات المسلحة الموجودة في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد مغادرة المنطقة اعتباراً من الساعة نفسها، على أن تنتهي المهلة في تمام الساعة 09:00 صباحاً اليوم الجمعة.

وأوضحت الوزارة أنها سمحت للمسلحين المغادرين بحمل سلاحهم الفردي الخفيف فقط، متعهدة بأن يقوم الجيش العربي السوري بتأمين مرافقتهم وضمان عبورهم بأمان تام حتى وصولهم إلى مناطق شمال شرقي البلاد.

وأكدت الوزارة أن هذا الإجراء يهدف إلى إنهاء الحالة العسكرية في هذه الأحياء، وتمكين الأهالي الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم قسراً من العودة إليها، واستئناف حياتهم الطبيعية في أجواء من الأمن والاستقرار، إلى جانب إعادة تفعيل سلطة القانون والمؤسسات الرسمية.

وناشدت وزارة الدفاع السورية جميع المعنيين الالتزام الدقيق بالمهلة المحددة، حرصاً على سلامة الجميع ومنعاً لأي احتكاك ميداني، مشيرة إلى أن قوى الأمن الداخلي تتولى، بالتنسيق مع هيئة العمليات في الجيش السوري، ترتيب آلية خروج المجموعات المسلحة من الأحياء باتجاه شمال شرقي سوريا.

جهود دولية للتهدئة

قال المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك إن الولايات المتحدة ترحب بوقف إطلاق النار المؤقت في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، وأضاف “نعمل بجهد مكثف لتمديد وقف إطلاق النار في حلب إلى ما بعد المهلة المقرر انتهاؤها في التاسعة صباحا”.

وتابع قائلا “ممتنون للحكومة السورية وقسد والسلطات المحلية والوجهاء على ضبط النفس الذي جعل الهدنة الضرورية ممكنة”.

من جهته أعلن الاتحاد الأوروبي أنه يتابع “بقلق بالغ” التطورات الجارية في مدينة حلب ومحيطها، ولا سيما التقارير التي تفيد بسقوط ضحايا مدنيين، في ظل الاشتباكات الدائرة بين الجيش السوري و”قوات قوات سوريا الديمقراطية”.

وقال المتحدث باسم خدمة العمل الخارجي الأوروبي، أنور العنوني، إن الاتحاد الأوروبي يدعو “جميع الأطراف إلى ضبط النفس، وحماية المدنيين، والسعي إلى حل سلمي ودبلوماسي”، مشدداً على ضرورة الالتزام بالاتفاق الذي تم التوصل إليه في 10 آذار 2025.

وأشار العنوني إلى أن الاتفاق المذكور ينص على دمج “قوات سوريا الديمقراطية” في مؤسسات الدولة السورية، بما فيها الجيش، بحلول نهاية العام، معتبراً أن احترام هذا المسار يشكل أساساً لتخفيف التصعيد وتعزيز الاستقرار.

وأشار المتحدث الأوروبي بقوله “أود أيضاً أن أذكر بأن تحقيق الاستقرار في جميع أنحاء سوريا عنصر أساسي لضمان انتقال مستدام وشامل يلبي تطلعات جميع أبناء الشعب السوري”.

————————

 ثكنات ومعسكرات وسجون بمحيط الشيخ مقصود.. هل يقضم الجيش هوامش الحركة ويضعف “قسد”؟/ خالد الخطيب

2026.01.08

في مشهد يعكس تصاعد التوتر العسكري في مدينة حلب، أعيد صباح الخميس افتتاح ممرين إنسانيين لتأمين خروج المدنيين من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية نحو المناطق الآمنة، حيث حدد الجيش السوري مهلة زمنية قصيرة لخروج الأهالي عبر الممر الأول قرب جسر العوارض، والممر الثاني عبر شارع الزهور الملاصق لحي السريان، ومع حلول الساعة الواحدة ظهراً، أعلن الجيش حظر التجوال مجدداً، قبل أن يبدأ بعد نحو ساعة موجة قصف عنيف استهدفت مواقع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وذلك بعد نشر صور توضح بدقة الأهداف العسكرية المراد ضربها، في خطوة تهدف إلى تحذير المدنيين المتبقين داخل الأحياء الخاضعة لسيطرة “قسد” من الاقتراب منها تجنباً للمخاطر.

إضعاف “قسد”

التحركات الأخيرة تشير إلى أن الجيش السوري بدأ فعلياً بتنفيذ خطة عسكرية ممنهجة لإضعاف قدرات “قسد”، عبر ضرب دفاعاتها ومرابض المدفعية التابعة لها، واستهداف مستودعات الأسلحة والذخائر، إضافة إلى مقار القيادة المتقدمة وغرف العمليات، كما يسعى الجيش وفق مصادر عسكرية متابعة إلى تضييق الخناق على قوات “قسد” وحشرها في نطاقات محدودة، متبعاً سياسة “القضم التدريجي” لمناطق سيطرتها، خصوصاً الهوامش المحيطة بالحيين، والكتل السكنية غير المأهولة التي حولتها “قسد” خلال السنوات الماضية إلى ثكنات عسكرية ومعسكرات تدريب وسجون ميدانية.

تؤكد المصادر لموقع تلفزيون سوريا أن هذه التطورات لا تعني بالضرورة انزلاق الجيش السوري إلى معركة شاملة ومفتوحة مع “قسد” أو التوغل العميق داخل مناطق سيطرتها، بل تهدف أساساً إلى تضييق الخناق عليها قدر المستطاع، ودفعها نحو الاستسلام والخروج من مدينة حلب بأقل كلفة ممكنة. وتوضح المصادر أن خطة الجيش ترتكز على جملة من الأولويات، أبرزها تحييد المدنيين وتجنب وقوع خسائر بشرية بينهم، إلى جانب الحرص على الحفاظ على البنية التحتية والعمرانية في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية والمناطق المحيطة بهما، كما تسعى الخطة إلى شل القدرات النارية لـ “قسد” عبر استهداف مرابض المدفعية ومصادر إطلاق النار، وذلك بهدف درء المخاطر المحتملة عن الأحياء المجاورة وضمان عدم امتداد التوتر العسكري إلى مناطق أوسع داخل المدينة.

“قضم” هوامش الحركة

تقدَم خريطة سيطرة “قسد” في مدينة حلب عادة على أنها محصورة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، غير أن الواقع الميداني يكشف عن انتشار أوسع وأكثر تعقيداً، فإلى جانب هذين الحيين، تمتد سيطرة “قسد” لتشمل أجزاء كبيرة من حي بني زيد، إضافة إلى السكن الشبابي الواقع على أطراف الشيخ مقصود من الجهة الشمالية الغربية للمدينة، ومن هناك، تمتد خطوط نفوذها شمالاً وصولاً إلى المنطقة الصناعية في الشقيف، حيث حولت بعض المباني إلى ثكنات عسكرية وسجون، وكان أبرزها سجن الشقيف الذي شهد قبل يومين فرار أعداد كبيرة من السجناء مع بداية التصعيد الأخير، كما تشرف “قسد” من مواقعها على أطراف الشيخ مقصود على المحلق الشمالي الرابط بين دوار الليرمون ودوار الجندول، فضلاً عن مساحات واسعة كانت تتبع سابقاً للمؤسسة العامة للحبوب ومؤسسة الأقطان، وهو ما منحها القدرة على تجميع أنشطتها العسكرية في مناطق مفتوحة بعيدة نسبياً عن الكثافة السكانية.

توسعت خريطة السيطرة بشكل ملحوظ مع سقوط النظام المخلوع أواخر عام 2024، إذ تمددت “قسد” من مواقعها التقليدية في الشيخ مقصود والأشرفية لتفرض نفوذها على أحياء الهلك وبستان الباشا وصولاً إلى مساكن هنانو والصاخور وعين التل وحتى مطار حلب الدولي، حينها كانت فصائل “ردع العدوان” منشغلة بالعمليات العسكرية في حماة ثم حمص، متجهة نحو دمشق، ما أتاح لـ”قسد” فرصة التمدد السريع، ومع الانهيار الكامل للنظام المخلوع، تراجعت “قسد” عن قسم من الأحياء الشرقية التي دخلتها، لكنها حرصت على الاحتفاظ بنقاط استراتيجية تؤمّن لها الحماية والإشراف على مناطق محيطة مثل السريان وبستان الباشا والهلك، لتبقى هذه المواقع بمنزلة أوراق ضغط عسكرية وأمنية.

وتؤكد مصادر عسكرية ميدانية في حلب لموقع تلفزيون سوريا أن أحد أبرز أهداف الجيش في هذه المرحلة يتمثل في شل حركة “قسد” وحرمانها من الهوامش الواسعة التي تسيطر عليها في محيط الشيخ مقصود والأشرفية، وهي مواقع متقدمة اعتادت استخدامها في كل جولة تصعيد ضد الجيش السوري والأحياء المجاورة، حيث تهدد بنيرانها الخفيفة والمتوسطة عمق المناطق السكنية المكتظة، كما تشير هذه المصادر إلى أن السيطرة على هذه الهوامش ستضعف قدرة “قسد” على المناورة، وتحد من إمكانية استخدامها كمنصات لإطلاق الهجمات أو كمراكز لتخزين السلاح والذخيرة.

تبدو معركة “قضم الهوامش” في حلب، أو ما يوصف بالمعركة المحدودة التي يخوضها الجيش السوري، أبعد من مجرد مواجهة ميدانية تقليدية، فالجيش يسعى من خلالها إلى تقليص مساحة الحركة لدى “قسد”، وتجنب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة قد تثقل كاهله بالخسائر البشرية، معتمداً على استراتيجية الضربات المركزة التي تحقق هدف الإضعاف وتؤدي في الوقت ذاته دور الضغط المستمر، في المقابل، تراهن “قسد” على جر الجيش إلى معاقلها داخل الأحياء التي حولتها إلى ثكنة عسكرية كبيرة، متمسكة بكامل مناطق سيطرتها، ومصممة على إطالة عمر الاشتباكات والمناورات في محيط مناطق نفوذها.

تلفزيون سوريا

———————————

 الشرع يبحث مع مسعود بارزاني تطورات سوريا ويؤكد ضمان حقوق الكُرد

2026.01.09

بحث الرئيس السوري أحمد الشرع مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني في اتصال هاتفي، آخر التطورات السياسية في سوريا والتغيرات التي تشهدها المنطقة، وفق بيان للرئاسة السورية نقلته وكالة سانا.

وأوضح البيان، الصادر اليوم الجمعة، أن الجانبين شدّدا خلال الاتصال على أهمية الاستقرار والتنسيق المشترك، بما يخدم مصالح شعوب المنطقة ويحافظ على السلم الأهلي.

ونقل البيان عن الشرع تأكيده أن الكُرد يُعدّون مكوّناً أصيلاً وأساسياً من الشعب السوري، مشدداً على التزام الدولة السورية بضمان الحقوق الوطنية والسياسية والمدنية للكُرد، إلى جانب باقي المكوّنات، على قدم المساواة ومن دون تمييز.

من جانبه، أعرب بارزاني عن تقديره لرؤية الرئيس السوري، مؤكداً دعمه لتطلعات السوريين في بناء دولة جامعة تقوم على الشراكة بين جميع المكوّنات، ومشدداً على ضرورة مواصلة التشاور والتنسيق بما يراعي مصالح مختلف الأطراف ويحفظ الاستقرار المجتمعي.

اتصالات على وقع تصعيد حلب

في سياق متصل، جرى اتصال الهاتفي بين وزيري خارجية تركيا وسوريا في سياق حراك سياسي متسارع مرتبط بتطورات الأوضاع في مدينة حلب، وذلك بعد يوم واحد من اتصال أجراه الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بحثا فيه مستجدات الوضع الميداني وسبل تعزيز الأمن والاستقرار.

وأكد الشرع، خلال الاتصال، تمسّك الدولة السورية ببسط سيادتها وحماية المدنيين، مع التركيز على تأمين محيط حلب وإنهاء المظاهر المسلحة الخارجة عن القانون، في حين شدد الرئيس التركي على دعم بلاده لمساعي الاستقرار في سوريا. كما سبق للجانب التركي أن علّق على أحداث حلب بالتأكيد على دعم أنقرة لدمشق في مواجهة التنظيمات المصنّفة إرهابية، مجدداً مطالبته قوات سوريا الديمقراطية بالانسحاب من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية وتسليم الأسلحة الثقيلة.

—————————

 “الأشرفية” و”الشيخ مقصود”.. قصة حيّين يتصدران الأحداث مؤخراً في سوريا

الإدارة الكردية في الأحياء تعلن التصميم على البقاء في أحيائها والدفاع عنها

الرياض – العربية.نت

09 يناير ,2026

أعلنت القوات الكردية، الجمعة، رفضها مغادرة حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، بعدما أفادت السلطات بإجلائهم خلال ساعات، تطبيقًا لوقف إطلاق نار أنهى أيامًا من الاشتباكات الدامية.

صرح مجلس الشعب في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، التابع للإدارة الذاتية الكردية، في بيان: “إن النداء الذي توجهه قوات حكومة دمشق المؤقتة إلى شعبنا وقواتنا الأمنية هو دعوة للاستسلام، إلا أن شعبنا في هذه الأحياء مصمم على البقاء والدفاع عنها”. وأكد المجلس: “لقد اتخذنا قرارنا بالبقاء في أحيائنا والدفاع عنها”.

الخريطة السكانية في الحيين

يُعدّ حيّا الشيخ مقصود والأشرفية، الواقعان في الجهة الشمالية من مدينة حلب السورية، من أكثر المناطق تنوعًا في المدينة، حيث يقطنهما أكراد وعرب وتركمان.

يمثل الحيان أحد أكثر المواقع حساسية وتعقيدًا في المشهد الحلبي منذ أكثر من عقد، خاصة بعد استقرار عدد من النازحين من أحياء حلب الشرقية فيهما، عقب تعرض منازلهم للقصف والدمار خلال سنوات الحرب.

تشير تقديرات سابقة إلى أن عدد سكان الحيين يبلغ حوالي 200 ألف نسمة، مما يجعلهما من أكبر التجمعات السكنية في شمال المدينة.

أهمية الحيين

يقع حي الشيخ مقصود على تلة مرتفعة شمال المدينة، ويُعد من أعلى الأحياء السكنية في حلب.

يشرف الحي على منطقة الليرمون الصناعية وطريق الكاستيلو شمالًا وغربًا، كما يطل على حي السكن الشبابي ومحيطه.

منح هذا الارتفاع الجغرافي الحي أهمية استراتيجية، جعلته نقطة مراقبة وتأثير ناري وبصري على محاور حيوية تربط شمال المدينة بغربها.

يقع حي الأشرفية جنوب غربي الشيخ مقصود مباشرة، بوصفه الامتداد العمراني الأقرب له داخل النسيج السكاني لحلب.

يحد حي الأشرفية من الجنوب حي السريان الجديد، ومن الشرق يمتد باتجاه حي الهلك وبستان الباشا، ويرتبط غربًا بمحاور تؤدي إلى دوار شيحان ومحيطه.

يُنظر إلى الحيين ككتلة واحدة من حيث التأثير الأمني، إذ إن أي توتر في أحدهما ينعكس مباشرة على الآخر، نظرًا لتلاصقهما وتشابك طرق الوصول إليهما.

اتفاق أبريل

تم التوصل إلى اتفاق في 1 أبريل 2025، بين الحكومة السورية و”قسد”، نص على خروج القوات العسكرية التابعة لـ”قسد” والتشكيلات المرتبطة بها من الحيين.

تضمن الاتفاق الإبقاء على “قوى الأمن الداخلي” (الأسايش)، على أن يجري لاحقًا دمجها ضمن وزارة الداخلية السورية.

شمل الاتفاق، المؤلف من 14 بندًا، إجراءات من بينها تبييض السجون بين الجانبين، وفتح الطرقات، وإزالة السواتر الترابية.

كما شمل العمل على إعادة دمج المؤسسات المدنية في الحيين ضمن مؤسسات محافظة حلب.

تراجع قسد

على صعيد التنفيذ، خرج رتلان عسكريان يضمان أكثر من 900 عنصر من “قسد” خلال شهر أبريل الماضي، دون تسجيل خروج أرتال إضافية بعد ذلك.

جرى تبادل موقوفين وسجناء على ثلاث دفعات بين الطرفين، وفق ما نص عليه الاتفاق.

بقيت هذه التفاهمات هشة، تتعرض للاهتزاز مع كل تصعيد سياسي أو عسكري في محيط حلب. غالبًا ما كانت تُختبر على الأرض عبر حوادث قنص أو قصف متبادل أو إغلاق طرق، لتعود بعدها الأطراف إلى طاولة التهدئة دون معالجة جذرية لأسباب التوتر.

عاد الحيان إلى واجهة المشهد الأمني في حلب، مع تجدد الاشتباكات في محيطهما في 22 ديسمبر 2025، لا سيما عند دواري الليرمون وشيحان.

أعادت التطورات طرح أسئلة قديمة حول مستقبل هذين الحيين، وحدود السيطرة، وإمكانية استمرار التفاهمات السابقة.

ليست هذه المرة الأولى التي تشهد فيها المنطقة توترات.

شهد حيّا الشيخ مقصود والأشرفية، مع بداية شهر أكتوبر الماضي، اشتباكات متفرقة بين قوى الأمن الداخلي (الأسايش) وقوات تابعة لوزارة الدفاع والداخلية.

ترافق التصعيد الأخير مع قصف طال أحياء سكنية قريبة، وامتد أثره إلى وسط المدينة، ما دفع عائلات في الشيخ مقصود والأشرفية إلى النزوح بشكل متقطع نحو مناطق أكثر هدوءًا.

لم يقف أثره على نزوح الأهالي، إذ أثرت التطورات الأمنية بشكل مباشر اقتصاديًا على منطقة الليرمون الصناعية، التي تُعد من أهم مراكز الورش والمعامل في حلب.

تاريخ السيطرة

منذ عام 2012، خرج الحيان تدريجيًا عن سيطرة النظام السابق، قبل أن تستقر السيطرة فيهما بيد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، عبر ذراعها الأمنية المعروفة بقوى الأمن الداخلي (الأسايش).

بقي الحيان محاطين بأحياء خاضعة لسيطرة نظام بشار الأسد المخلوع، وتحولا إلى طوق أمني مغلق نسبيًا، تحكمه تفاهمات خاصة أكثر من كونه جزءًا من خطوط تماس تقليدية.

دخلت فصائل من المعارضة المسلحة سابقًا، أبرزها “لواء شهداء بدر”، إلى أجزاء من حيي الشيخ مقصود والأشرفية ومحيطهما عام 2013.

خلال الفترة الممتدة بين عامي 2013 و2015، تمركزت فصائل المعارضة في حي الشيخ مقصود وعلى أطراف حي الأشرفية وبني زيد.

أُجبرت على الانسحاب من الشيخ مقصود والأشرفية، عقب معارك مع “وحدات حماية الشعب الكردية”، التي سيطرت على الحيين.

مع نهاية عام 2016، انسحبت “الفرقة 16” ولواء “شهداء بدر” التابعان آنذاك للجيش السوري الحر، من حيّي الأشرفية وبني زيد، لتدخل “وحدات الشعب” إلى المنطقة وتحكم سيطرتها عليها بشكل كامل.

منذ عام 2016، استمرت “وحدات حماية الشعب” في السيطرة على المنطقة، مرورًا بمرحلة انضمامها لاحقًا إلى “قسد”، التي باتت صاحبة النفوذ الأمني والعسكري في الحيين.

بعد سقوط نظام بشار الأسد السابق في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، بقي حيّا الشيخ مقصود والأشرفية تحت سيطرة “قسد”. تم توقيع اتفاق في 1 أبريل 2025، بين الحكومة السورية و”قسد”، نص على خروج القوات العسكرية التابعة لـ”قسد” والتشكيلات المرتبطة بها من الحيين، لكن “قسد” ماطلت في إتمام الاتفاق، مما تسبب في التوتر والاشتباكات الحالية.

أدى الأمر إلى شلل شبه تام في النشاط الصناعي، وزاد من الخسائر المتراكمة على أصحاب الورش والعمال.

رسائل التصعيد

يرتبط الحيان مباشرة بملف “قسد” في حلب، وباتفاق 10 آذار المتعلق بدمج القوات، وبالضغوط الإقليمية المتزايدة لإعادة ضبط الخريطة الأمنية شمال سوريا. يُنظر إلى أي تصعيد فيهما كرسالة تتجاوز حدودهما الجغرافية.

اليوم، يقف حيّا الشيخ مقصود والأشرفية عند مفترق حساس، فإما أن تعود التفاهمات الأمنية إلى مسارها السابق مع تعديلات جديدة تفرضها موازين القوى، أو ينزلق المشهد نحو تصعيد أوسع يعيد رسم خطوط السيطرة شمال حلب.

——————————–

 المسؤولة الكردية إلهام أحمد: ملتزمون بالاتفاقيات مع دمشق ونسعى لتنفيذها

المسؤولة بالإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا: الطرف الحكومي يسعى لإنهاء الاتفاقيات المنعقدة

بيروت: أ. ف. ب

09 يناير ,2026

أكدت المسؤولة الكردية إلهام أحمد، اليوم الجمعة، أن الإدارة الذاتية ملتزمة بالاتفاق المبرم مع السلطات السورية، متهمةً “الطرف الحكومي” بالسعي لإنهائه على خلفية الاشتباكات الدائرة في حلب.

يأتي ذلك على وقع اشتباكات دامية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية الكرديين في مدينة حلب بين القوات الكردية والحكومية، في وقت رفض المقاتلون الأكراد الخروج من المنطقة بعيد إعلان السلطات وقفاً لإطلاق النار.

وتبادل الطرفان منذ الثلاثاء الاتهامات بإشعال الاشتباكات التي أوقعت 21 قتيلاً على الأقل، وتأتي على وقع تعثر المفاوضات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) منذ توقيعهما اتفاقا في مارس (آذار) نصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية.

وقالت إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، لوكالة الأنباء الفرنسية: “نحن حريصون على السلم وحل المشاكل بالحوار. لكن حتى هذه الدقيقة الحكومة تعاند، ولا تريد الحل”.

وأضافت أن “الطرف الحكومي بهذه الهجمات يسعى لإنهاء الاتفاقيات المنعقدة. نحن ملتزمون بها ونسعى لتنفيذها”.

وأشارت إلى وجود “تواصل متقطع وبطيء” مع الحكومة، معتبرةً أن سببه هو أن “الطرف الحكومي المؤقت اختار طريق الحرب”، بحسب تعبيرها.

وقالت إن الولايات المتحدة “تلعب دور الوسيط” بين الإدارة الذاتية والحكومة، مضيفةً أن “جهودهم مشكورة ونأمل منهم الضغط للوصول إلى تفاهمات”.

من جهته، أفاد مصدر دبلوماسي وكالة الأنباء الفرنسية، الجمعة، بأن المبعوث الأميركي توم برّاك يتوجه إلى دمشق.

وفجر الجمعة، أعلنت وزارة الدفاع السورية عن وقف لإطلاق النار في حيي الشيخ مقصود والأشرفية من أجل السماح للمقاتلين الأكراد بمغادرة المدينة بحلول صباح الجمعة، وتعهّدت بـ”ضمان عبورهم بأمان حتى وصولهم إلى مناطق شمال شرقي البلاد”.

وبعيد ذلك أعلنت السلطات المحلية أن إجلاء المقاتلين الأكراد من الحيين سيبدأ خلال ساعات. لكن القوات الكردية رفضت الخروج من الحيين.

وتسيطر القوات الكردية على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا، والتي تضم أبرز حقول النفط والغاز. وشكّلت رأس حربة في قتال تنظيم داعش وتمكنت من دحره من آخر معاقل سيطرته في البلاد عام 2019 بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن.

وإثر الإطاحة بحكم بشار الأسد، أبدى الأكراد مرونة تجاه السلطة الجديدة، ورفعوا العلم السوري الجديد في مناطقهم. إلا أنهم اختلفوا مع الإدارة الجديدة بسبب تمسّكهم بنظام حكم لامركزي وبتكريس حقوقهم في الدستور.

———————-

===================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى