أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

هل يمكن “فدرلة” سوريا؟/ غزوان قرنفل

مجددًا، يُعاد طرح سؤال “الفدرلة” في سوريا اليوم بوصفه أحد الحلول المطروحة للخروج من إرث الاستبداد والحرب والاستقطابات العرقية والطائفية، ومعالجة اختلالات الدولة المركزية التي حكمت البلاد لعقود طويلة.

غير أن هذا السؤال، على بساطته الظاهرية، يخفي وراءه تعقيدات تاريخية واجتماعية وسياسية عميقة تجعل من الحديث عن دولة فيدرالية في سوريا الآن خيارًا إشكاليًا لا يقل خطورة عن الإبقاء على المركزية الصلبة التي أثبتت فشلها ولم تعد مقبولة لدى قطاع كبير من السوريين.

لا أعتقد أن ثمة خلافًا مستحكمًا بين السوريين على أن نموذج الحكم المركزي الشديد لم يعد ملائمًا لسوريا الجديدة، فقد أفضت المركزية إلى تهميش الأطراف، وحرمان المحافظات من إدارة شؤونها ومن فرص التنمية والاستفادة من الثروة الوطنية، وتحولت السلطة في العاصمة إلى جهاز ضخم محتكر للقرار والثروة، تدار فيه البلاد بعقلية أمنية فوقية لا تعترف بالتنوع ولا بالمشاركة، فضلًا عن أن هذا النموذج كان أحد الأسباب البنيوية لانفجار الصراع، إذ راكم المظالم وعمّق الفجوات بين المركز والمجتمع.

لكن الإقرار بفشل المركزية لا يعني تلقائيًا أن “الفدرلة” هي البديل الصائب، على الأقل الآن وفي المستقبل القريب وفي ظل الانقسام الأفقي والعمودي للمجتمع السوري، فـ”الفدرلة” ليست مجرد صيغة إدارية محايدة، بل هي انعكاس لطبيعة المجتمع، ومستوى تماسكه وقدرته على إدارة تنوعه ضمن عقد وطني جامع، لكن وكما هو بادٍ للعيان في الحالة السورية الكارثية التي وصلنا إليها، لا يمكن تجاهل ما أصاب البنية المجتمعية من تصدّع عميق خلال سنوات الحرب وحتى ما بعد سقوط النظام السابق، انقسامات طائفية وقومية، تهجير واسع النطاق، خطاب كراهية، غياب العدالة، وذاكرة جمعية مثقلة بالعنف والشك المتبادل.

في هذا السياق، تبدو “الفدرلة” محفوفة بالمخاطر، لأن تطبيقها الواقعي لن يكون، على الأرجح، “فدرلة” بين كيانات جغرافية، بل “فدرلة” بين كيانات قائمة على أسس قومية أو دينية أو مذهبية! ومع غياب دولة وطنية جامعة، ومؤسسات ضامنة، وثقافة سياسية ديمقراطية راسخة، ستتحول الفيدرالية إلى خطوة أولى نحو التقسيم، وليس إلى إطار لإدارة التنوع. وبدلًا من أن تكون وسيلة لتوحيد البلاد ضمن تنوعها، ستغدو أداة لتكريس حدود نفسية وجغرافية بين السوريين، ووسيلة مثلى لتغذية مشاريع الانفصال أو الارتهان للخارج.

أعتقد جازمًا أن “الفدرلة” في مجتمعات خارجة من نزاعات أهلية دون مصالحة وطنية حقيقية، غالبًا ما تؤدي إلى تشظي الدولة لا إلى استقرارها، وفي الحالة السورية تحديدًا حيث لا تزال الجروح مفتوحة إلى حد التقيح، والثقة منعدمة، فإن القفز نحو “الفدرلة” يبدو وصفة لتعميق الانقسام بدلًا من معالجته.

لكن في المقابل، ثمة خيار ثالث أكثر واقعية وأقل خطورة، يتمثل في الإبقاء على التقسيمات الإدارية الحالية للمحافظات، مع إجراء تحول جذري في طبيعة الحكم المحلي، وبدلًا من المركزية الخانقة، يمكن اعتماد نظام حكم محلي موسّع وشامل، يكفل منح المحافظات صلاحيات واسعة جدًا في إدارة شؤونها الاقتصادية والإدارية والخدمية والتنموية، يقوم هذا النموذج على انتخاب المحافظين ومجالس المحافظات والمدن والبلدات انتخابًا مباشرًا من أبناء كل محافظة، وبذلك، تنتقل السلطة من التعيين الفوقي إلى التفويض الشعبي، ويتحول المسؤول المحلي من ممثل للسلطة المركزية إلى ممثل لإرادة المجتمع المحلي، كما تتولى هذه المجالس إدارة مشاريعها، ووضع أولوياتها التنموية، والإشراف على إنفاق حصتها من الموارد الوطنية ضمن آليات شفافية ومساءلة واضحة باعتبار أن كل محافظة يفترض أن تحصل على حصة عادلة من الثروة الوطنية، وفق معايير سكانية وتنموية، لا وفق الولاء السياسي أو القرب من المركز، فالتنمية المتوازنة ليست مجرد مسألة اقتصادية بل هي شرط أساسي لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع ولمنع عودة الإحساس بالتهميش والظلم، كل ذلك ضمن إطار دولة موحدة لا تملك فيها السلطة المركزية إلا إدارة الشأن السياسي والعلاقات الدولية وقراري الحرب والسلم، وبناء العلاقات الدبلوماسية وتمثيل الدولة في المعاهدات الدولية وإدارة الموارد والثروة الوطنية بعدل وشفافية.

إلى جانب ذلك، لا يمكن لأي نموذج إداري مهما كان متقدمًا أن ينجح دون إطلاق مسار حوار وطني شامل، يهدف إلى ترميم تهتك البنية المجتمعية، حوار يعترف بالآلام، ويؤسس لذاكرة وطنية مشتركة، ويضع أسس تعايش قائم على المواطنة المتساوية. كما يتطلب الأمر تجريم خطاب الكراهية والتمييز قانونيًا وثقافيًا، وبناء منظومة تعليمية وإعلامية تعزز قيم العيش المشترك لا الانغلاق والتحزب الأعمى للهويات القاتلة.

خلاصة القول، إن سوريا اليوم تقف بين خيارين ناقصين، مركزية أثبتت فشلها، و”فدرلة” محفوفة بمخاطر التقسيم، وبينهما يبرز خيار الحكم المحلي الواسع ضمن دولة موحدة، بوصفه حلًا عقلانيًا يخفف من قبضة المركز، ويحافظ في الوقت ذاته على وحدة البلاد ويرمم البنية المجتمعية، ويعيد بناء العقد الوطني على أسس صلبة، ففي سوريا المنهكة لا يكفي تغيير شكل الدولة، بل الأهم هو إعادة بناء معناها وصياغة وظيفتها.

فهل تستطيع السلطة الحالية أن تفعل ذلك وتستجيب لموجبات الحفاظ على وحدة البلاد والشراكة الوطنية؟ أزعم أنها تستطيع في حالة واحدة فقط، هي أن تتقيأ كل هذا الهراء الفقهي، وتعمل بإخلاص على تأسيس البنية التحتية لدولة القانون والمواطنة، فهذا هو طوف نجاتنا.

عنب بلدي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى