الأحداث التي جرت في الساحل السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

الأزمة في الساحل السوري أسبابها وتداعياتها -مقالات مختارة- تحديث 16 كانون الثاني 2026

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي

الأحداث التي جرت في الساحل السوري

من يحكم الخوف في سوريا.. ومن يستثمر فيه؟/ محمد طه الأحمد

ليست أخطر ما تواجهه الدول في لحظات ضعفها اختلال ميزان السلاح، بل تحول الخوف نفسه إلى نظام حكم غير معلن، تدار من خلاله المجتمعات، وتقاس به الشرعيات، ويعاد تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

في سوريا اليوم، لم يعد الخوف نتيجة عرضية للصراع، بل أصبح أداة سياسية منظمة، تستخدم لإدارة القلق العام، واحتكار الحماية، وتحويل الرعية إلى جمهور خائف يبحث عن راعٍ بالسلاح، لا عن دولة بالقانون.

ومن هنا، لا تتحرك المشاريع المسلحة والكيانات المحلية من منطلق مصلحة وطنية سورية شاملة، بل من منطق إدارة الفراغ، تحقيقا لمصالح ظاهرها الخوف وباطنها مصالح خاصة أو حزبية، وتثبيت الأمر الواقع، وتعليق فكرة الدولة، بدلا من مواجهتها أو إعادة بنائها.

ومن موقع المسؤولية الوطنية، لا من موقع الخصومة أو التخوين، لا بد من مقاربة هذه الظاهرة كما هي، بعيدا عن الخطابات المعلنة، وقريبا من الدوافع الفعلية، وما تخفيه هذه القوى خلف شعاراتها، وما تجنيه من استمرار الخوف، وما تستثمره الأجندات الخارجية في هذا الواقع.

إن مقاربة ما يجري في سوريا اليوم لا تحتمل إجابات مبسطة أو أحكاما أخلاقية جاهزة، فالقضية ليست نفي المظلومية ولا تبرير السلاح، بل فهم أن دوافع القوى المسيطرة محليا قد تتشابه في خطابها، لكنها تختلف في جذورها وغاياتها، وغالبا ما تختلط فيها المصلحة العامة المعلنة بحسابات بقاء سلطوية، أو سعي لتثبيت نفوذ، أو ارتهان خارجي مباشر أو غير مباشر.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة المشهد السوري عبر ثنائيات من نوع «وطنية/خيانة» أو «وحدة/تفكك»، ولا عبر توصيفات عامة تختزل واقعا معقدا، فالقوى التي نشأت في لحظة فراغ الدولة لا تتحرك جميعها بالمنطق نفسه، ولا تستند إلى السياق الاجتماعي والسياسي ذاته.

لكن ما يجمعها، بدرجات متفاوتة، هو توظيف الخوف بوصفه أداة حكم، لتبرير استمرار سلطات محلية تحولت مع الوقت إلى بنى قائمة بذاتها، تخشى عودة الدولة بقدر ما تخشى انهيار الواقع الذي تعيش فيه.

من هنا، يصبح من الضروري تفكيك ثلاث حالات رئيسية، لا بوصفها مشاريع متطابقة أو ملفات منفصلة، بل كنماذج مختلفة لكيفية إدارة الخوف.

أولا: قوات سوريا الديمقراطية (قسد)

الخطاب المعلن: حماية المكون الكردي وبقية المكونات، اللامركزية والديمقراطية، منع عودة الاستبداد، محاربة الإرهاب. وهو خطاب يستند إلى مظلومية تاريخية (حقبة نظام البعث)، وإلى تجربة قاسية من الإقصاء السياسي والثقافي، كباقي مكونات المجتمع السوري.

إعلان

الدوافع الحقيقية:

    هاجس البقاء السياسي والعسكري: قسد لم تعد إطارا عسكريا ظرفيا، بل تحولت إلى سلطة أمر واقع مكتملة الأركان: إدارة مدنية، أجهزة أمن، موارد نفطية وزراعية، جباية وضرائب، مؤسسات تعليم وقضاء محلي؛ أي كيان مركزي.

    مشروع قومي مؤجل لا ملغى: لا يوجد إعلان صريح الآن، لكن يوجد عمل تراكمي طويل الأمد: بناء هوية سياسية مستقلة، تكريس مفهوم «الإدارة الذاتية» كأمر طبيعي، إعداد أطر قانونية وتعليمية منفصلة. الانفصال غير ممكن في الظرف الراهن، لكن ترك الخيار مفتوحا جزء من الحسابات الإستراتيجية المستقبلية.

    ارتهان جزئي للخارج: الوجود الأميركي ليس تفصيلا تكتيكيا، بل عنصر ضمان أساسي. القرار الإستراتيجي محكوم بتوازنات دولية، ولا يصاغ وطنيا بشكل كامل.

آليات إدارة الخوف: التخويف من عودة الاستبداد، ربط الحقوق ببقاء السلاح، تصوير الدولة كخطر محتمل لا كضامن. الخوف هنا يستخدم لإقناع المجتمع بأن البديل عن قسد أسوأ دائما.

الخلاصة حول قسد: ليست حركة انفصالية خالصة حاليا، وليست مشروع مصلحة وطنية سورية عامة، وهي مشروع سلطة محلية مسلحة يسعى لتثبيت مكاسبه، ويوظف خطاب الحقوق والمظلومية لتعليق فكرة الدولة لا لإعادة بنائها.

    آليات إدارة الخوف: ربط الدولة بالانتقام، وتصوير القانون كخطر، وتخويف المجتمع من أي تغيير. فالخوف هنا يدار لمنع عودة الدولة، لا لحماية المجتمع

ثانيا: فلول النظام البائد

الخطاب المعلن: حماية الأقليات، الخوف من الإقصاء أو الانتقام، الدفاع عن الساحل. خطاب موجه أساسا إلى مجتمع منهك بالخوف، وليس إلى مشروع سياسي قابل للحياة.

الدوافع الحقيقية:

    الخوف من المحاسبة: عدد كبير من القيادات متورط بانتهاكات جسيمة أو فاسد مالي أو مستفيد من منظومة قمع طويلة. قيام دولة قانون حقيقية يعني فتح ملفات مغلقة منذ عقود، وهذا تهديد وجودي مباشر لهم.

    الحفاظ على الامتيازات المتراكمة: نفوذ أمني واقتصادي تراكم عبر شبكات تهريب والسيطرة على الموارد واحتكار القرار المحلي. أي إصلاح مؤسسي يعني خسارة هذه الامتيازات، لذلك يستبدل مطلب الدولة بمطلب «الحماية».

    استخدام الطائفة كدرع سياسي: الطائفة ليست المستفيد الحقيقي، لا عدالةَ، لا أمان طويل الأمد، لا أفق سياسيا، بل تستخدم كغطاء أخلاقي وسياسي لحماية مصالح ضيقة وشخصية.

آليات إدارة الخوف: ربط الدولة بالانتقام، وتصوير القانون كخطر، وتخويف المجتمع من أي تغيير. فالخوف هنا يدار لمنع عودة الدولة، لا لحماية المجتمع.

الخلاصة حول فلول النظام البائد: لا تمثل مصلحة الطائفة ولا تمتلك أي مشروع وطني، وهي مشروع نجاة سلطوية بحتة قائم على تعطيل الدولة باسم الخوف منها.

ثالثا: مليشيات الهجري- السويداء

الخطاب المعلن: حماية السويداء، رفض التهميش، إدارة ذاتية مؤقتة. خطاب نابع من واقع قاسٍ، لا من مشروع أيديولوجي متكامل.

الدوافع الحقيقية:

    فراغ الدولة وضعف الثقة: تجربة طويلة من التهميش وغياب الخدمات والقمع السياسي ولدت خوفا حقيقيا من الفوضى والجماعات المتطرفة وترك المجتمع بلا حماية.

    دوافع محلية أكثر من سياسية: الغالبية الشعبية ترفض الانفصال ولا تطلب سلطة بديلة، وتطلب كرامة وأمانا وخدمات. والسلاح هنا أداة حماية، لا مشروع حكم بحد ذاته.

    بروز زعامات محلية مسلحة: بعض القيادات وجدت في السلاح نفوذا، وفي الفراغ فرصة. والخطر الحقيقي أن تتحول الحماية المؤقتة إلى سلطة دائمة خارج أي مساءلة أو إطار قانوني.

آليات إدارة الخوف: تضخيم المخاطر الخارجية، تبرير استمرار السلاح، ربط الاستقرار بغياب الدولة. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب حالة غير انفصالية أصلا.

الخلاصة حول السويداء: ليست حركة انفصالية مبدئيا، والخطر في انزلاق المشروع الدفاعي إلى سياسي سلطوي، والدوافع الشعبية أقرب إلى مطالب معيشية سببها غياب الدولة لا الرغبة في بديل عنها.

الخلاصة العامة: القاسم المشترك بين هذه الحالات ليس المشروع السياسي، بل إدارة الخوف كأداة حكم. الخوف يبرر السلاح، ويعلق القانون، ويبقي الدولة غائبة. ولا توجد اليوم في سوريا قوى تتحرك من مصلحة وطنية سورية شاملة، بل مشاريع نشأت في ظل الخوف والفراغ وغياب الدولة المركزية. وحين يعاد تعريف الأمان كحق، لا كمنة، تسقط سلطات الخوف تلقائيا، لأن المجتمع لا يحتاج وسيطا حين يعود الأصل.

الخوف في سوريا لم يعد حالة طارئة يمكن تجاوزها بالزمن، بل أصبح لغة حكم، ومنظومة مصالح، وأداة إدارة مجتمع. ومن يحكم بالخوف لا يفعل ذلك لأنه قوي، بل لأنه عاجز عن الحكم بغيره. ولا يتمسك بالسلاح لأنه يحمي الناس، بل لأنه لا يملك شرعية تحميه.

لقد اعتادت قوى الأمر الواقع، على اختلاف خطاباتها وسياقاتها، أن تقدم نفسها بوصفها «أهون الشرور»، وأن تجعل من الدولة فكرة مؤجلة، ومن القانون خطرا محتملا، ومن العدالة مغامرة غير محسوبة. لكن الدولة لا تهزم حين تغيب، بل حين يقنع الناس أن غيابها طبيعي، وأن الخوف قدر، وأن الأمان لا يأتي إلا من خارجها.

إن أخطر ما يواجه سوريا اليوم ليس تعدد السلاح، ولا تنوع المشاريع، بل تطبيع الخوف بوصفه أساسا للعلاقة بين السلطة والمجتمع. وحين يصبح الخوف قاعدة، تتحول كل سلطة إلى مؤقتة، وكل حماية إلى ابتزاز، وكل خطاب إلى غطاء لمصلحة ضيقة.

الدولة التي نحتاجها ليست دولة انتقام، ولا دولة هيمنة، ولا دولة تسويات هشة، بل دولة قادرة على أن تقول بوضوح: الأمان حق، والقانون ليس خيارا، والسلاح ليس مصدر شرعية، والخوف ليس سياسة. وحين تعود الدولة بهذا المعنى، لا تسقط سلطات الأمر الواقع بالقوة، بل تسقط لأنها تفقد وظيفتها وتنكشف حقيقتها، ويصبح وجودها عبئا على المجتمع لا ضمانة له.

ويبقى السؤال الذي لا يمكن لأي سلطة أن تهرب منه، ولا لأي مشروع أن يلتف حوله: من يحكم؟ وبأي حق؟ ولمصلحة من؟ وحين لا يكون الجواب: الشعب، والقانون، والدولة، فكل ما عدا ذلك ليس حكما، بل إدارة مؤقتة للخوف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا 2025

الجزيرة

——————————

فرصة دمشق لسحب البساط من تحت أقدام الفلول/ مالك ونوس

14 يناير 2026

مع اقتراب حلول الذكرى السنوية الأولى للحوادث الدموية (السورية) في جرمانا وأشرفية صحنايا والساحل والسويداء، والتي بقيت آثارها ماثلة أكثر من سنة من عمر السلطة الجديدة، ومع تكرار هذه الحوادث وفق الآلية نفسها، في حلب قبل أيام، والكلام قبلها عن حشود وخطط عسكرية لمن يسمّون “الفلول” في لبنان، تقتضي الضرورة أن تغيّر هذه السلطة من سلوكها وطريقة تعاملها مع ملفات الداخل، لمنع الوقوع في الأخطاء والفخاخ نفسها التي وقعت فيها. ولا يتعلق الأمر باستسهال اللجوء إلى الحلول الأمنية عند التعامل مع المشكلات السياسية والاجتماعية فحسب، بل في عدم التفكير في التبعات المستقبلية لهذه الحلول، وإمكانية توليدها مشكلاتٍ أصعب، وربما جروحاً أعمق، يصعب التعامل معها لاحقاً. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تغيير السلطة طريقتها في التعامل مع معضلة من تطلق عليهم “الفلول”، لكي تسحب البساط من تحت أقدام من يريد توظيف قضيتهم ومظلوميتهم ومحاولات إقصائهم، في مشاريع ومعارك لا تخدمهم ولا تخدم السلطة.

ظهر مصطلح الفلول، من الأيام الأولى التي تلت سقوط نظام بشار الأسد، وتولي هيئة تحرير الشام السلطة، للإشارة إلى مواليه الذين استمرّوا على موالاتهم إياه، من دون ثبوت تواصلهم معه. وتعزَّز هذا المصطلح مع المجازر التي حدثت بحق المدنيين العلويين في الساحل، في إثر ما قيل إنه تحرّك عسكري، أو محاولة انقلاب، ضد السلطة، في 6 مارس/ آذار 2025. وهو التحرّك الذي لم يُعرف ما إذا كان بإيحاء من الأسد أو دائرته، أم بسبب دافع ذاتي لدى مَن قاموا به. انتشر هذا المصطلح حتى صار يدل على جماعات ومناطق برمتها، كما أصبح فضفاضاً حين تضخّم ليطاول، ليس معارضي سلطة الرئيس أحمد الشرع فحسب، بل المخالفين بالرأي، وأحياناً الرماديين والصامتين، كما أصبح اتهاماً لم يوفّر موظفي القطاع العام، فجرى اتهامهم فلولاً، وجرى تسريح مئات آلاف منهم، حتى خلت المؤسّسات الحكومية، الإنتاجية والخدمية، من الكوادر والخبرات، مع خطورة شلّ أعمال هذه المؤسّسات، وتأثير ذلك على اقتصاد البلاد، علاوة على خطورة الاستمرار في فرز أبناء البلاد طائفياً، واتهامهم جماعياً وتصنيفهم فلولاً، على قضية السلم الأهلي.

ووفق آلية التعاطي هذه، جرى إيقاع العقاب الجماعي في مناطق الساحل والسويداء، على شكل مجازر راح ضحيّتها آلاف المدنيين، بدلاً من معاقبة الأفراد المذنبين أو مجرمي الحرب السابقين، أو الخارجين عن سلطة الدولة، الذين يثبت تورّطهم في أعمال قتالية أو تآمر ضد السلطة. أما تسريح الموظفين، وقبلهم العسكريين وقوات الشرطة وغيرها، واتهامهم بالمشاركة في حرب الأسد على الشعب السوري، أو مساعدته في ذلك بسبب العمل في مؤسّسات القطاع العام التابعة لحكومة الأسد، هؤلاء تحتاج قضيتهم لعملية قانونية متكاملة، وفق مبدأ العدالة الانتقالية، من أجل الفصل في هذه القضية الحسّاسة التي لا يمكن أن تبقى ماثلة. فمن دون الشروع بمسار العدالة الانتقالية لا يمكن الخروج من مآسي الماضي، من أجل حقن الدماء أولاً، وضرورتها ثانياً لاستنطاق المتّهمين والمدانين للبتّ في قضايا المغيبين، والتوقف عن التجريم الجمعي، ووقف أعمال الثأر لوقف الانفلات الأمني ومنع الانتقال إلى صراعاتٍ جديدةٍ تمنع بناء الدولة، وتسقط الشرعية عن السلطة التي يمكن للمجتمع الدولي أن يتهمها بالفشل في بسط الأمن وإخراج البلاد من تبعات الماضي، والعجز عن التأسيس لبناء المستقبل.

وفي هذا السياق، انشغل الإعلام في المنطقة، وأجهزة الدولة السورية، قبل أيام، بالوثائق التي كُشفت أخيراً، وتتحدّث عن خطّة لرجالات النظام السابق لمحاولة السيطرة على الساحل السوري. وجرى الكلام عن تجنيد 168 ألف عنصر موزّعين على مناطق الساحل وحمص وحماه ودمشق، كما أظهرت الوثائق خرائط تشير إلى انتشار هؤلاء العناصر وخطط التسليح، وكذلك التمويل الذي يضطلع به رامي مخلوف، ابن خال بشّار الأسد، كما تقول الوثائق. وبرز اللواء سهيل الحسن على رأس الهيكل التنظيمي، يليه العميد السابق غياث دلا، وغيرهما، كما يضم التنظيم طيارين سابقين تدرّبوا في إيران وعناصر غير سوريين. إضافة إلى ذلك، جرى حديثٌ عن الشروع في تجهيز غرفة عمليات في منطقة “الحيصة” الحدودية في لبنان، لتكون مقراً للعمليات العسكرية.

أيا يكن من أمر هذه الخطة، ما يلفت النظر هو العدد الضخم للعناصر الذين يجري الحديث عنهم، فهو يحتاج تمويلاً ضخماً لا يمكن أن يفي به أشخاص، بل دول. وبالعودة إلى تقارير سابقة، ومنها تقرير لوكالة رويترز، في 10 الشهر الماضي (ديسمبر/ كانون الأول)، عن تمويل رامي مخلوف عناصر سابقين، تحضيراً لانتفاضتَين في الساحل، أفاد التقرير بأن مخلوف حول 150 ألف دولار إلى مجموعة من خمسة آلاف مقاتل، في أغسطس/ آب الماضي، أي بمعدل 30 دولاراً للفرد. فهل يمكن مقابل مبالغ زهيدة مثل هذه شراء ولاء أشخاص، وتجنيدهم وجعلهم يعرّضون أنفسهم للموت؟ إن كان الأمر صحيحاً، فإنه يظهر أن هؤلاء يعيشون حالة فقر بالغة السوء، إلى درجة تجعلهم يغامرون بأنفسهم من أجل 30 دولاراً، يبدو أنها لا تصل إليهم على نحوٍ ثابت.

استناداً إلى هذه التقارير، ربما تتمعّن السلطة في هذه المعادلة البسيطة، وتتفكّر في الواقع الذي يدفع أناساً يعيشون تحت سلطتها وفي كنفها، إلى التواصل مع ضبّاط سابقين أو رجال النظام السابق، إن صحّت تلك التقارير، والتضحية بحياتهم في حال انكشف أمرهم، من أجل الحصول على مبالغ تافهة، ليس لها أثر يذكر، لكنها قد تشكل لهم منجاة من الموت جوعاً. وليس خافياً أن أعداداً كبيرة من أبناء الساحل السوري تُركوا إلى مصائرهم يواجهون الجوع، بعد تسريحهم من جيش النظام وأجهزته الأمنية، ثم أضيف إليهم مئات آلافٍ ممن سرّحوا من وظائفهم في مؤسّسات القطاع العام. ومع تراجع النشاط الاقتصادي، وقلة فرص العمل، وضعف مردود النشاط الزراعي بسبب غلاء أسعار البذور والمبيدات والمخصبات، شحت مصادر الدخل في هذه المناطق، وجعلت المواطنين يعانون بؤساً ويأساً كفيلَين بدفعهم إلى أي عملٍ طائشٍ للحصول على ما يسدّ رمقهم ورمق أطفالهم.

لذلك؛ هنالك فرصة أمام السلطة لسحب البساط من تحت أقدام رجالات الأسد وفلوله، ومنعهم من استغلال هذا الواقع ودفع المعدمين من أبناء الساحل وغيره، إلى التورّط معهم في أعمال تهدّد استقرار البلاد، وتجلب البلاء لأبناء جلدتهم. من هذا المنطلق، بات على السلطة القيام بمهماتها تجاه جميع مواطني البلاد بلا استثناء؛ عبر الكفّ عن التصرّف وفق عقلية المنتصر والمتحكم بالدولة، عملاً بمبدأ “من يحرّر يقرّر”، للانطلاق نحو واقع يعامل مختلف مواطني البلاد بالتساوي في الواجبات والحقوق. كذلك التمعّن بخطر الحلول الأمنية، كما حدث في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، في تكرار لسلوك الأسد في اعتماد الحلول العسكرية لمواجهة الأزمات والمطالب، كما تأتي أهمية التشاركية، من أجل إزالة أي شعورٍ بالغبن والتجاهل، لمنع كثيرين من الانحدار نحو اليأس وتقليل ثقتهم بحكومة بلادهم. ويبقى أهم عاملٍ يمكن أن يجعل الجميع ينفضُّون عن أصحاب المشاريع الخارجية، وهو التنمية المستدامة وزيادة مستوى معيشة المواطنين وتعزيز مفهوم دولة المواطنة، وبذلك يزيد إحساس جميع أبناء الوطن بالانتماء له، وتصبح التبعية للدولة بدلاً من التبعية لغيرها.

العربي الجديد

————————-

 القبض على أحمد دنيا: الذراع المالي لرامي مخلوف و”النمر”/ فرح منصور

الأربعاء 2026/01/14

كشف مصدر قضائي لـ”المدن” أنّ الأجهزة الأمنية ألقت القبض على المواطن السوري أحمد دنيا قبل أيامٍ قليلة في منطقة جبيل، حيث يخضع للتحقيق حاليًا.

وأضافت المصادر أن أحمد دنيا هو الذراع المالي لابن خالة الرئيس السوري المخلوع رامي مخلوف في لبنان، ويتولى تنسيق وصول الأموال إلى المجموعات التي تأتمر بأمر القائد السابق للفرقة 25 في جيش النظام السابق سهيل الحسن، الملقب بـ”النمر”. وهذه المجموعات تنشط في منطقة الساحل السوري تحت مسمى “سرايا الجواد”.

وجاء التوقيف بعدما ورد اسم دنيا في التسريبات والتسجيلات والوثائق التي عرضتها قناة الجزيرة حول مخططات فلول نظام الأسد لحراكٍ عسكري يهدف إلى زعزعة استقرار سوريا وإحداث انقلابٍ داخلها.

كذلك علمت “المدن” أن أحد أبرز الوجوه الإعلامية – الأمنية لنظام الأسد السابق يدعى (ع. ر) قد غادر الأراضي اللبنانية إلى دولة عربية بعد اعتقال دنيا في الأيام الماضية، وهو كان قد دخل إلى لبنان بعد سقوط النظام في سوريا في كانون الأول 2024، وأقام في منطقة صربا قرب جونية.

في السياق، نشرت “رويترز” أن وفدًا أمنيًا سوريًا سلّم مخابرات الجيش اللبناني أسماء الضباط السوريّين المطلوبين، وأن أكثر من 200 ضابط تابعين للنظام السوري السابق فرّوا إلى لبنان.

كما تسلّم لبنان عدة تقارير غربية في الآونة الأخيرة تطالب بالاستقصاء عن وجود ضباط للنظام السوري السابق على الأراضي اللبنانية، وقد نفذت الأجهزة الأمنية مداهمات في عدد من البلدات اللبنانية بهدف البحث عنهم.

————————-

 رويترز: سوريا تطالب لبنان بتسليم ضباط من عهد الأسد

الأربعاء 2026/01/14

 طلبت السلطات السورية من قوات الأمن اللبنانية تسليم أكثر من 200 ضابط كبير فروا إلى لبنان بعد سقوط بشار الأسد، وذلك في أعقاب تحقيق أجرته وكالة رويترز ⁠وكشف كيف أن البلد الجار صار يشكل مركزاً للتخطيط لإثارة اضطرابات.

بحسب التقرير، ووفقا لثلاثة مصادر سورية رفيعة المستوى ومسؤولين أمنيين لبنانيين اثنين ودبلوماسي مطلع، فقد التقى المسؤول الأمني السوري الكبير العميد عبد الرحمن الدباغ في 18 كانون الأول بقيادات أمنية لبنانية في بيروت لمناقشة وضع هؤلاء الضباط.

 والتقى الدباغ بمدير المخابرات اللبنانية طوني قهوجي واللواء حسن شقير المدير العام للأمن العام وقدم لهما قائمة بأسماء ضباط كبار مطلوبين لسوريا. وركزت الزيارة، بحسب المصادر السورية، وكما نقل التقرير على جمع معلومات ​حول أماكن وجود الضباط ووضعهم القانوني، بالإضافة إلى محاولة إيجاد سبل لمحاكمتهم أو تسليمهم إلى سوريا. ووصفت المصادر الزيارة بأنها طلب مباشر من جهاز أمني إلى آخر، وليست طلب ترحيل.

‏مطالب من السوريين بتسليم الضباط

وأكد ثلاثة مسؤولين أمنيين لبنانيين كبار انعقاد الاجتماعات. ونفى أحدهم تلقي أي مطالب من السوريين بتسليم الضباط. وأقرّ الآخران بتلقي قائمة ​أسماء لكنهما نفيا وجود أي ضباط كبار بينهم. وقال أحد المسؤولين ⁠الأمنيين اللبنانيين إنه لا يوجد دليل على التخطيط لأي انتفاضة، رغم التهديدات التي تستهدف الحكومة السورية الجديدة التي أوردها تقرير رويترز بالتفصيل.

 ووفقاً لمصدر سوري اطلع على القائمة فقد تضمنت أسماء شخصيات كبيرة من بينها شخصيات تعمل كوسطاء لرامي مخلوف أو ‌كمال حسن في لبنان.

 وأوضح مسؤول قضائي لبناني أن سوريا لم تتقدم ‌بطلب رسمي إلى لبنان لتسلمهم، وهو إجراء يتم عادة عبر وزارتي العدل والخارجية في البلدين.

 ورافق الدباغ في زيارته لبيروت خالد الأحمد المستشار السابق للأسد وصديق طفولة الشرع، وذلك بحسب شاهدين رأيا الرجلين معاً في ذات اليوم في ديسمبر كانون الأول.

 ووفقاً للشاهدين، وكلاهما ضابطان سابقان في جيش الأسد، فقد توجه الأحمد والدباغ معاً إلى مطعم عزمي وهو مطعم فاخر في بيروت يحظى بشعبية بين رجال الأسد. وقال الشاهدان إنهما وآخرين فسروا زيارة المطعم على أنها تحذير لمن يحاولون التأثير على العلويين للانتفاض ضد القيادة السورية الجديدة بأن لبنان لم يعد ملاذا آمنا لهم.

 وأكد مسؤول أمني لبناني كبير آخر عدم وجود أي مذكرة توقيف بحق الضباط السوريين في لبنان، ولا حتى طلبات عبر الشرطة الدولية (الإنتربول) لإلقاء القبض عليهم. وأضاف المسؤول “لا نستطيع اتخاذ أي إجراء ضدهم”.

————————-

 سوريا تطالب لبنان بتسليم ضباط من عهد الأسد لتخطيطهم لاضطرابات

“رويترز”: رامي مخلوف واللواء كمال حسن يعملان على تمويل جماعات مسلحة بلبنان وبالساحل السوري

الرياض: العربية.نت والوكالات

14 يناير ,2026

طلبت السلطات السورية من قوات الأمن اللبنانية تسليم أكثر من 200 ضابط كبير فروا إلى لبنان بعد سقوط بشار الأسد، وذلك في أعقاب تقارير تشير إلى أن البلد الجار بات يشكل مركزاً للتخطيط لإثارة اضطرابات في سوريا.

ونقلت “رويترز” عن ثلاثة مصادر سورية رفيعة المستوى ومسؤولين أمنيين لبنانيين اثنين ودبلوماسي مطلع قولهم إن المسؤول الأمني السوري الكبير العميد عبد الرحمن الدباغ التقى في 18 ديسمبر (كانون الأول) ‍بقيادات أمنية لبنانية في بيروت لمناقشة وضع هؤلاء الضباط.

جاءت الاجتماعات بعد أيام من تحقيق لوكالة “رويترز” كشف تفاصيل مخططات منفصلة يعمل عليها الملياردير رامي مخلوف ابن خال الرئيس المخلوع واللواء كمال حسن الرئيس السابق لشعبة المخابرات العسكرية، وكلاهما يقيمان في موسكو، لتمويل جماعات مسلحة ربما في لبنان وعلى طول الساحل السوري.

يذكر أن سوريا ولبنان يتشاركان حدوداً تمتد إلى 375 كيلومتراً.

ويسعى المعسكران لتقويض الحكومة السورية الجديدة برئاسة الرئيس أحمد الشرع. وكشفت وكالة “رويترز” أنهما يرسلان أموالاً إلى وسطاء في لبنان لمحاولة إثارة انتفاضات من شأنها تقسيم سوريا وإتاحة الفرصة لأصحاب المخططات لاستعادة السيطرة على المناطق الساحلية.

والتقى الدباغ، وهو مساعد لقائد رئيس الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، بمدير المخابرات اللبنانية طوني قهوجي واللواء حسن شقير المدير العام للأمن العام، وقدّم لهما قائمة بأسماء ضباط كبار مطلوبين لسوريا.

وركزت الزيارة، بحسب المصادر السورية، على جمع معلومات حول أماكن وجود الضباط ووضعهم القانوني، بالإضافة إلى محاولة إيجاد سبل لمحاكمتهم أو تسليمهم إلى سوريا. ووصفت المصادر الزيارة بأنها طلب مباشر من جهاز أمني إلى آخر، وليست طلب ترحيل.

وأكد ثلاثة مسؤولين أمنيين لبنانيين كبار انعقاد الاجتماعات. ونفى أحدهم تلقي أي مطالب من السوريين بتسليم الضباط. وأقرّ الآخران بتلقي قائمة أسماء لكنهما نفيا وجود أي ضباط كبار بينهم.

وقال أحد المسؤولين الأمنيين اللبنانيين إنه لا يوجد دليل على التخطيط لأي انتفاضة. وتحدث جميع المسؤولين شريطة عدم الكشف عن هويتهم.

ووفقاً ‍لمصدر سوري اطلع على القائمة فقد تضمنت أسماء شخصيات كبيرة من بينها شخصيات تعمل كوسطاء لمخلوف أو حسن في لبنان.

وأوضح مسؤول قضائي لبناني أن سوريا لم تتقدم بطلب رسمي إلى لبنان لتسلمهم، وهو إجراء يتم عادة عبر وزارتي العدل والخارجية في البلدين.

وبحسب “رويترز”، رافق الدباغ في ‍زيارته لبيروت خالد الأحمد المستشار السابق للأسد ⁠وصديق طفولة الشرع، وذلك بحسب شاهدين رأيا الرجلين معاً في ذات اليوم في ديسمبر (كانون الأول). ‌ويقود الأحمد جهود الحكومة لتهدئة الأوضاع في الساحل السوري خاصةً عبر مشاريع للتنمية والمساعدات.

ووفقاً للشاهدين، وكلاهما ضابطان سابقان في جيش الأسد، ‍فقد توجه الأحمد والدباغ معاً إلى مطعم فاخر في بيروت يحظى بشعبية بين رجال الأسد. وقال الشاهدان إنهما، وآخرين، فسروا زيارة المطعم على أنها تحذير لمن يحاولون التأثير على سكان الساحل السوري للانتفاض ضد ⁠القيادة السورية الجديدة بأن لبنان لم يعد ملاذاً آمنا لهم.

وفي منشور على موقع “إكس” في الثاني من يناير (كانون الثاني)، دعا طارق متري نائب رئيس الوزراء اللبناني ‌الأجهزة الأمنية الحكومية إلى التحقق من صحة المعلومات المتداولة في وسائل الإعلام واتخاذ إجراءات ضد وسطاء مخلوف وحسن المقيمين في لبنان.

وجاء في المنشور: “علينا جميعاً، أن ندرأ مخاطر القيام بأي أعمال تسيء إلى وحدة سوريا أو تهدد أمنها واستقرارها، في لبنان أو انطلاقاً منه. كما يدعونا ذلك إلى المزيد من التعاون مع السلطات السورية على أساس الثقة والاحترام المتبادل لسيادة البلدين والمصلحة المشتركة”.

يذكر أن الرئيس اللبناني جوزيف عون كان قد قال في 11 يناير (كانون الثاني) إن الجيش ومديرية المخابرات وأجهزة أمنية أخرى نفذت مداهمات ‍في عدة مناطق بشمال البلاد وشرقها. وأوضح عون أن المداهمات لم تسفر عن التوصل لأي دليل على وجود ضباط مرتبطين بنظام الأسد. وأضاف أن لبنان يواصل التنسيق مع سوريا في هذا الشأن.

وخلال الفترة من الثالث إلى السادس من يناير (كانون الثاني)، داهم الجيش اللبناني مواقع وملاجئ تؤوي نازحين سوريين. وأعلن الجيش اللبناني اعتقال 38 سورياً خلال المداهمات بتهم مختلفة منها حيازة مخدرات أو أسلحة أو دخول البلاد بطريقة غير قانونية. وصرح مسؤول أمني لبناني كبير لـ”رويترز” بأن هذه المداهمات مرتبطة بالمخططات التي تتم بلورتها من خارج سوريا.

وأكد مسؤول أمني لبناني كبير آخر عدم وجود أي مذكرة توقيف بحق الضباط السوريين في لبنان، ولا ‌حتى طلبات عبر الشرطة الدولية (الإنتربول) لإلقاء القبض عليهم. وأضاف المسؤول “لا نستطيع اتخاذ أي إجراء ضدهم”.

——————————-

 الكيانات الهشّة.. قراءة في فشل أوهام التقسيم السوريم د. طلال المصطفى

2026.01.14

منذ سقوط نظام الأسد البائد في 8 كانون الأول/ديسمبر عام 2024، لم تتوقف الأسئلة المصيرية حول مستقبل الدولة السورية، وحدودها، وطبيعة نظامها السياسي. ومع كل تحوّل عسكري، أو ضغط سياسي، أو تدخل خارجي، كانت تطفو إلى السطح دعوات انفصالية وخرائط لدويلات جديدة، تُقدَّم أحيانًا بوصفها حلولًا واقعية لأزمة مستعصية. وقد تحوّل الساحل، والسويداء، وشمال شرقي سوريا إلى عناوين دائمة في هذا النقاش، حيث طُرحت أفكار «الحكم الذاتي» و«الإدارات المحلية الموسعة»، وحتى «الاستقلال»، باعتبارها بدائل عن الدولة المركزية. غير أن التمحيص في هذه المشاريع يكشف أنها لم تكن سوى أوهام سياسية تفتقر إلى مقومات بناء الدولة المتعارف عليها دوليًا، وتنهار قبل أن تولد فعليًا.

أول ما يفضح هشاشة الكيانات الانفصالية في سوريا هو اعتمادها شبه المطلق على الدعم الخارجي. فالدولة، في معناها السياسي والاقتصادي، لا تقوم على النيات ولا على الخطابات السياسية أو الدينية الطائفية، بل على القدرة على إنتاج الموارد، وإدارة الاقتصاد، وتأمين حاجات المجتمع بشكل مستقل. وفي الحالة السورية، لم يمتلك أي مشروع انفصالي هذه الشروط. فشمال شرقي البلاد، رغم امتلاكه موارد نفطية وزراعية، لم يستطع تحويلها إلى اقتصاد وطني متكامل، وبقي رهينة المعابر والقرارات الدولية، والدعم العسكري والسياسي الخارجي، ولا سيما الأميركي. وقد تحولت هذه الموارد، بدل أن تكون أساسًا للاستقلال، إلى عنصر ابتزاز سياسي يُستخدم للضغط والمساومة مع السلطة السورية الجديدة.

أما الساحل السوري، الذي يُطرح أحيانًا ككيان محتمل بدعم من روسيا، فيعاني أصلًا من ضعف البنية الاقتصادية الذاتية. فاقتصاده مرتبط تاريخيًا بالدولة المركزية، من حيث الوظائف العامة، والخدمات، والبنية التحتية. وأي مشروع انفصالي في هذه المنطقة يعني، عمليًا، الانفصال عن شبكة اقتصادية كانت تشكّل شرطًا لبقاء المجتمع واستقراره. وفي السويداء، حيث الموارد محدودة والبنية الاقتصادية هشّة، يصبح الحديث عن كيان مستقل أقرب إلى مغامرة سياسية غير محسوبة، لا يمكن أن تصمد من دون دعم خارجي دائم، ولا سيما من الدولة الإسرائيلية.

هنا يظهر الوهم المركزي في الخطابات الانفصالية؛ فالاستقلالية السياسية المعلنة ليست سوى واجهة شكلية. فالكيانات التي رُوّج لها على أنها «بدائل» عن الدولة لم تنتج سيادة حقيقية، بل أعادت إنتاج التبعية بصيغة جديدة. وقد تحوّل الدعم الخارجي إلى شرط وجود، ومع كل تغير في المزاج الدولي أو تراجع في هذا الدعم، كانت الدعوات إلى هذه الكيانات تتآكل بسرعة، ما يؤكد أنها لم تُبنَ على أسس داخلية متينة، بل على رهانات خارجية متقلبة.

إلى جانب غياب المقومات الاقتصادية، يبرز غياب الشرعية الداخلية بوصفه العائق الأهم أمام أي مشروع انفصالي. فالشرعية لا تُفرض بالقوة، ولا تُمنح بقرار خارجي، بل تُبنى على قبول اجتماعي واسع، وعلى مؤسسات تمثل المواطنين فعلًا. وفي سوريا، ورغم سنوات الحرب والانقسامات السياسية والطائفية، بقيت الهوية الوطنية السورية إطارًا مرجعيًا عميقًا لدى غالبية السوريين. وحتى في المناطق التي شهدت أشكالًا من الإدارة الذاتية أو المحلية، ظل المواطن السوري مرتبطًا بالدولة السورية بوصفها فكرة جامعة، لا مجرد سلطة سياسية عابرة.

هذا الارتباط جعل أي سلطة موازية تصطدم بحاجزين أساسيين: غياب القبول الشعبي الكامل، ووضوح التبعية السياسية للخارج. فالإدارات المحلية الجديدة لم تستطع إنتاج عقد اجتماعي مستقل، ولا بناء مؤسسات قادرة على فرض توازن داخلي مستدام. وبدل أن تكون تعبيرًا عن إرادة محلية، تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات وظيفية في صراع إقليمي ودولي، تُستخدم للضغط والمساومة في المفاوضات مع الحكومة السورية الجديدة، بدلًا من تحقيق تطلعات المواطنين في هذه المجتمعات المحلية.

إن المشاريع الانفصالية في الساحل، والسويداء، وشمال شرقي سوريا تكشف بوضوح أن التقسيم ليس مجرد قرار سياسي خارجي يمكن فرضه، بل هو عملية معقدة تتطلب شروطًا غير متوافرة. فالدولة القابلة للحياة تحتاج إلى اقتصاد مستقل، وأمن مستقر، وحدود واضحة، ومؤسسات شرعية، وكل هذه العناصر غير متوافرة على أرض الواقع. وما تحقق حتى الآن لم يكن سوى «خطابات انفصالية هشّة ومؤقتة»، مرتبطة باستمرار التمويل والحماية الخارجية، لا بقدرة ذاتية على البقاء.

والأخطر من ذلك أن خطاب التقسيم يتجاهل طبيعة المجتمع السوري نفسه. فسوريا لم تُبنَ تاريخيًا على كيانات مغلقة أو مجتمعات منفصلة، بل على تداخل ديمغرافي وجغرافي عميق. فالمكونات القومية والدينية والطائفية متداخلة إلى حد يجعل رسم حدود واضحة أمرًا شبه مستحيل من دون عنف واسع النطاق. لذلك، فإن أي مشروع تقسيم لا يعني فقط إعادة رسم الخرائط، بل تفجير صراعات جديدة، وفتح الباب أمام حروب لا نهاية لها.

كما تؤكد التجربة الإقليمية محدودية هذه المشاريع. فحتى في حالات امتلكت مقومات أكبر، مثل تجربة إقليم كردستان العراق، بقيت الدولة المستقلة بعيدة المنال، رغم الموارد والدعم والواقع الجغرافي. فإذا كان ذلك حال كيان يمتلك عناصر قوة نسبية، فكيف الحال في سوريا، حيث التداخل السكاني أعمق، والموارد أكثر هشاشة، والقرار السياسي مرتهن لتوازنات دولية معقدة؟

إن تفكيك الدولة السورية، كما تُظهر التجربة، ليس حلًا للأزمة السورية الحالية، بل تعميق لها. فالخطابات الانفصالية لم تُظهر أي قدرة على بناء مجتمع متماسك أو اقتصاد مستقل، بل ملأت فراغ ضعف الدولة الوليدة بتدخل خارجي مؤقت. وهذا التدخل، بدل أن يكون مخرجًا، عمّق هشاشة هذه الدعوات الانفصالية، وجعلها أكثر عرضة للانهيار عند أول تغير في ميزان القوى.

خلاصة القول، إن «وهم الكيانات الانفصالية» في سوريا ليس مجرد توصيف أدبي، بل حقيقة سياسية أثبتها الواقع والتاريخ. فكل المحاولات الانفصالية، مهما ارتدت من شعارات محلية أو حقوقية، فشلت لأنها افتقرت إلى الاستقلالية الاقتصادية، والشرعية الداخلية، والقدرة على بناء مؤسسات سيادية. وفي المقابل، ورغم كل ما أصابها من ضعف وإنهاك، بقيت الدولة السورية الإطار الوحيد القادر على الصمود بوصفها بنية جامعة.

وفي النهاية، فإن أي نقاش جدي حول مستقبل سوريا لا يمكن أن ينطلق من أوهام التقسيم، بل من قراءة واقعية لطبيعة المجتمع والدولة. فالاستقلالية الحقيقية لا تُعطى ولا تُفرض، بل تُبنى من الداخل، عبر إعادة بناء العقد الاجتماعي، وإعادة الإعمار، وترميم الثقة بين الدولة والمجتمع. وهذا ما لم تفعله، ولن تفعله، الخطابات الانفصالية التي وُلدت على وهم، وستبقى رهينة له حتى زوالها.

تلفزيون سوريا

————————-

الظل الهاشمي: مضر علي من استديو الراب إلى أرخبيل «المقاومة العلوية»/ حسام جزماتي

13-01-2026

        عندما قامت الثورة السورية كان مضر علي قد أتم الثانية عشرة منذ أشهر قليلة، ولم يكن مضطراً ليُحدد موقفاً منها يتجاوز ما يُتداوَل في حيّه ذي الغالبية العلوية من مدينة جبلة، على الرغم من أنه كان يسمع كلاماً معارضاً بصوت خافت من والده داخل المنزل. لكن الفتى سرعان ما انخرط في شغفه الخاص، موسيقى الراب التي أخرجته من الجو كلما ازداد تَعلُّقه بها، سماعاً ثم تأليفاً فتسجيلاً وحتى نشراً. وقد أتاحت له الإمكانات الاقتصادية لأبيه، تاجر الألبسة المحلي، فرصة الحصول على الآلات الموسيقية والتجهيزات اللازمة للانتقال من الصوت إلى تصوير فيديو كليبات، بمشاركة شلة أصحاب، وصولاً إلى تنظيم نشر التراكات في ألبومات لم تحظَ بالانتشار الذي كان يأمله. فيما كانت حياته تتمحور بصورة متزايدة حول غرفته المليئة بالصور والرسومات على الجدران.

        وبقدر ما كان يُفرط في التدخين والمشروب، وغالباً بما هو أكثر من ذلك، كانت حياته النظامية تتعثر؛ سواء في الدراسة التي صارت بعيدة ومُضجِرة أو في تجربة فاشلة للإسهام في أعمال أبيه. وكذلك عندما حاول أن يستثمر بيئته الضيقة المستجدة لتكون مصدر دخل، فافتتح استوديو لتسجيل الأغاني باسم الموجة الجديدة New Wave Records لم يُكتَب له النجاح، ومركزاً للوشم باسم مشابه New Wave Tattoo كان أوفر حظاً بقليل، وإن لم يصل إلى درجة طموح صاحبه الذي ملأ جسده بالوشوم وصار من المعتاد أن يُرَى متجولاً بصحبة كلبته الهاسكي في مجتمع كان يزداد بؤساً باستمرار.

        بعد عدة سنوات من التهرُّب عن الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية، وموجة اكتئاب حاد، قرر الشاب أن يُسلِّم نفسه للسياق الذي بات آمناً في السنوات الأخيرة من حكم بشار الأسد؛ مع هدوء الجبهات وعودة مدة الخدمة إلى أن تكون معقولة بلا تمديد الاحتياط. بأمل أن تكون هذه المرحلة تجميداً هادئاً يُراجع فيه حياته ويعود إليها بخطة جديدة.

        التحقَ مضر بقوات «الحرس الجمهوري» حيث كانت «خدمته مريحة» رتيبةً كما كان يرغب. وبينما كان ينتظر التسريح حصلَ شيء غريب، فقد انتفض الشمال السوري المنسيّ بمعركة لم يُلقَ لها بالٌ في البداية، لكنها سرعان ما انداحت على طول البلاد خلال أيام. ومثلما أدت، في البداية، إلى إيقاف قرارات التسريح؛ فإنها حلّت الجيش كله عندما انتصرت. ليعود المجنّد من العاصمة إلى مدينته الساحلية من دون مخطط.

        مثل كثير من العلويين أشاعَ الانتقالُ السلسُ في نفسه الارتياح، وأفسحَ له المجال لشتم آل الأسد «الذين باعونا» بلا خوف، لكن الاحتكاكات الطائفية المحلية أخذت تأكل من هذا الاطمئنان بالتدريج. وبعد عدة مظاهرات وُجِّهَت خلالها شتائم جنسية معروفة للعلويين في أحيائهم، وعجز أو تواطؤ «الأمن العام» في ضبطها أكثر من مرة؛ أخذت أحاديث الشبان في تلك الأحياء تنحو باتجاه التصدي للمظاهرات بالسلاح المتوافر، ثم صارت تُتداوَل بينهم كلمة «المقاومة» التي بدأت تنتظم كمجموعات.

        بحكم علاقاته في الحيّ وصلَ مضر إلى ميلاد فتيحة، شقيق مقداد الذي أشعلَ الساحل في مطلع آذار (مارس) 2025 بتمرد أثار ردة فعل عنيفة من الجمهور الموالي للسلطة الجديدة، فتقاطر إلى المنطقة وارتكبَ مجازر صدمت مجتمعها، ومنه مضر الذي نجا من عواقب مشاركته في العملية لأنه حافظَ خلالها على اللثام. لكنه تعرّضَ لإهانة علنية عندما قامت إحدى دوريات «الأمن العام» بضربه، بعد ذروة الصدام بعشرة أيام، لأنه كان يُردف وراءه على الدراجة النارية فتاة ليست من «محارمه» قال إنها صديقة كان يوصلها إلى بيتها.

        بوجه مدمّى ومرارة ساخرة بثَّ مضر، على صفحته في فيسبوك، قصة الحادثة فور حصولها. مُحيّياً بسخرية «إخوته في الوطن والمواطنة»، متحدثاً عن الشتائم الشخصية والطائفية التي تلقاها من أفراد الدورية الذين دعسوه، مُلمِّحاً إلى الانتقام من رئيسها صادق استانبولي. وبعدها لم يأخذ وقتاً طويلاً حتى حرق مراكبه وتخلى عن حياته المزدوجة، فالتحق بمجموعات المقاومة بشكل علني ونهائي.

        وعلى عكس ما تُوحي به تقارير إعلامية عديدة فإن تنظيم هذه المجموعات لا يتجاوز ما تتيحه إمكانات وخبرات متمردين محليين. فهي مجموعات صغيرة متداخلة ومتجاورة ومتخالفة رغم أنها تحمل أسماء مهيبة أحياناً، كلواء درع الساحل، وفوج أنصار المهدي 313، وفصيل العُقاب، وكتيبة مغاوير الجبل، وسرايا المقداد، وسرايا الجواد، وسرايا البحر، وسرايا الشبح.

        وفي هذا الأرخبيل الضيق أسهمَ مضر في تأسيس «سرايا الظل» التي ظهر متحدثاً رسمياً باسمها بلقب «الظل الهاشمي» بعدما غادر تماماً وصفه القديم كمغني راب: Venom and Serious (سامّ وحادّ).

        في بيانها الأول، الذي قرأه «الظل» مُمثلاً عن «السرايا» في أواخر أيلول (سبتمبر) 2025، قال: «من نحن؟ نحن مجموعة من الرجال لا تسمح لنا كرامتنا بالعواء». وتحت لوغو يحمل جملة «المقاومة العلوية» أردف: «جمعتنا الغيرة والنخوة وولاية أمير المؤمنين» علي بن أبي طالب الذي قال: «لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم فإنكم بحمد الله على حُجّة»، ولذلك هم الآن في حالة دفاع عن الأبرياء.

        في ظهوراته اللاحقة القليلة يبدو مضر، بلحية وخَلعَة خضراء في المعصم، منسجماً تماماً في إهابه الجديد. وبدل العدمية والضياع والبذاءة المعتادة لدى أي رابر، حلّت وصايا «أمير النحل». وفي كل المناسبات التي دعا فيها الشيخ غزال غزال للتظاهر كانت الموافقة التامة والانصياع الديني الرمزي موقفَ «الظل» الذي لم يعد يرى سواه قائداً للطائفة، مُصرِّاً على شتم بشار وماهر وأسماء الأسد – بألفاظ قادمة من الماضي -، والدعوة إلى ترك العلم الأحمر القديم للتبرؤ من تهمة «فلول النظام» التي تُجْمِل السلطةُ تحتها أعداءها من العلويين خاصة.

        من مجموعة من المؤشرات لا يبدو أن «الظل الهاشمي» يعيش الآن حياة سهلة، متنقلاً في الساحل بين الأحراش والبيوت الآمنة التي قد تفقد صفتها هذه فجأة بفعل «العواينية» الذين يتوعدهم بالانتقام الشنيع، خاصة بعد نجاته من اقتحام القوات الحكومية لمنزل في قريته الأصلية بعبدة في الأسبوع الأخير من العام الفائت، عندما اعتُقلَ أحد المتخفين وقُتل آخر وأقدم ثالث على تفجير نفسه بحزام ناسف. وهو ما يقول «الظل» إنه سيفعله إن حان وقت «الشهادة» على طريق سيدنا علي: «ما بياخدوني إلا شقف، أنا وهنّي».

موقع الجمهورية

————————-

جنوباً وساحلاً: ورقة الأقليات السورية في اللعبة الإقليمية!/ روز هلال

الجنوب والساحل السوري: هل تُستخدم الأقليات كورقتي ضغط خارجيتين؟

2026-01-12

أعادت التحولات السياسية العميقة التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى الحكم فتح نقاش واسع حول موقع بعض المناطق والمكوّنات في معادلة الصراع الإقليمي. وفي هذا السياق، برز تساؤل مركزي: هل يمكن النظر إلى الجنوب السوري والساحل باعتبارهما ورقتي ضغط خارجيتين متشابهتين، تُوظَّفان من قبل قوى إقليمية ودولية عبر بوابة الأقليات؟

في الجنوب، ولا سيما في مناطق الدروز، عادت إسرائيل إلى الواجهة بوصفها عاملاً خارجياً يُستحضر عند تصاعد الهواجس الأمنية والوجودية. تاريخياً، حافظ الدروز على مسافة حذرة من الصراعات الكبرى، غير أن انهيار السلطة المركزية، ثم وصول قيادة جديدة ذات خلفية جهادية سابقة، أعادا إنتاج مخاوف تتعلق بالأمن والتمثيل والمستقبل السياسي. هنا، لا يُطرح العامل الإسرائيلي كتحالف سياسي صريح، بل كـ”مظلّة ردع غير مباشرة” أو ورقة ضغط ظرفية، مستندة إلى الروابط الاجتماعية والدينية مع دروز فلسطين، وإلى إدراك إسرائيل لمصلحتها في استقرار حدودها الشمالية.

في المقابل، يبدو الساحل السوري في موقع مختلف تماماً. فالعلويون لم يكونوا جماعة تبحث عن حماية خارجية، بل شكّلوا لعقود جزءاً من قلب السلطة التي انهارت. ومع سقوط النظام، وجدوا أنفسهم أمام فراغ سياسي وأمني، ما فتح باب التكهنات حول دور روسيا وإمكان استخدامها للعلويين كورقة ضغط. غير أن هذا الطرح يواجه اعتراضات واسعة لدى عدد من الباحثين والديبلوماسيين.

الجنوب السوري: ورقة ضغط محتملة أم ردع ظرفي؟

في الجنوب، ولا سيما في مناطق الدروز، عاد العامل الإسرائيلي إلى التداول مع تصاعد الهواجس الأمنية عقب انهيار السلطة المركزية. تاريخياً، فضّل الدروز إدارة شؤونهم عبر توازنات محلية دقيقة، لكن التحولات الأخيرة أعادت طرح إسرائيل كخيار ردعي غير مباشر.

يرى الدكتور إحسان الخطيب، أستاذ العلوم السياسية في جامعة موري ستايت – كنتاكي، في تصريحات لـ”963+” أن إسرائيل “تريد خراب سوريا وإشعال حرب أهلية، وتسعى لاستخدام الدروز كما استخدمت الجيش اللبناني الجنوبي للضغط على الدولة السورية في إطار أي اتفاق سلام محتمل”.

ويشير في الوقت نفسه إلى أن هذا المسار لا يحظى بإجماع داخل المجتمع الدرزي، موضحاً أن “الانقسامات بين الدروز تحدّ من فعالية ورقة الضغط الإسرائيلية”، وأن سياسات بنيامين نتنياهو “غير براغماتية وتسبب لهم صداعاً سياسياً”.

هذا التوصيف يتقاطع مع مقاربة بشار الحاج علي، الديبلوماسي السابق، الذي يحذّر في تصريحات لـ”963+” من اختزال الجنوب في كونه أداة تفاوض، مؤكداً أن توصيف أي مكوّن باعتباره “ضمانة أمنية” خارجية يبقى “طرحاً إشكالياً بطبيعته”، لأن “الأمن الحقيقي لا يكون مستورداً ولا مرهوناً بتفاهمات خارجية”.

الساحل السوري: خسارة سلطة لا بحث عن حماية

في المقابل، يبدو الساحل السوري خارج هذا القياس المباشر. فالعلويون لم يكونوا جماعة هامشية تبحث عن مظلة خارجية، بل كانوا جزءاً من بنية السلطة التي انهارت. ومع سقوط النظام، برزت تساؤلات حول دور روسيا وحدود علاقتها بالمجتمع العلوي.

ويؤكد الخطيب أن روسيا “خسرت بسقوط النظام السابق لكنها براغماتية في مقاربتها للوضع السوري، ورأت أن النظام الجديد يمكن العمل معه عبر تفاهمات عقلانية”، لافتاً إلى أن الطائفة العلوية تعيش “حالة انقسام داخلي بين من يرى الحل في الفيدرالية ويعتبرها انقساماً، وبين من يتجه نحو المقاومة المسلحة بدعم خارجي روسي”.

لكنه يشدد على أن روسيا “ليست بحاجة إلى هذا الخيار لأنها تركز على الحفاظ على مصالحها وعلاقاتها مع الحكومة الجديدة”.

وينسجم هذا التقدير مع موقف الدكتور خالد حمادة، مدير المنتدى الإقليمي للاستشارات والدراسات في بيروت، الذي يرفض من حيث المبدأ ربط الوجود الروسي بالأقليات، موضحاً لـ”963+” أن روسيا “لا تذهب إلى مغامرة دعم أقليات محسوبة سياسياً على النظام السابق بهدف تهديد استقرار سوريا”، لأنها تدرك أن “هذا المسار لا يحمي مصالحها”.

إسرائيل وروسيا: اختلاف في الطبيعة لا في الحضور فقط

عند مقارنة الدورين الإسرائيلي والروسي، تتراجع فرضية التشابه أكثر. يوضح الخطيب أن هناك “فرقاً كبيراً بين روسيا وتل أبيب”، فروسيا “دولة كبرى لها علاقات دولية واسعة وأصدقاء في العالم النامي، إضافة إلى علاقة تاريخية مع سوريا في المجالين العسكري والاقتصادي”، بينما إسرائيل “تسعى إلى تقسيم سوريا بما يخدم مصالحها ومطامعها في الحفاظ على الأراضي المحتلة”.

ويذهب حمادة أبعد من ذلك، معتبراً أن الوجود الروسي في الساحل جاء نتيجة تلاقي مصالح واضحة تتعلق بالتمركز على ساحل المتوسط، في حين أن الوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا “ينسجم مع أطماع إسرائيل في دول المنطقة كافة”، ويتجلى عبر “استحداث معسكرات وميليشيات والعبث بالواقع السوري بطريقة عدوانية”.

أما الحاج علي فيلفت إلى أن قدرة أي طرف خارجي على استخدام الداخل السوري كورقة تفاوض “تبقى محدودة”، لأن المجتمع الدولي “لا يستطيع تجاوز مبدأ وحدة سوريا ورفض أي حلول تقوم على التقسيم أو حماية فئة على حساب أخرى”.

حدود الرهان على العامل الخارجي

تتقاطع مواقف المصرحين الثلاثة عند نقطة مركزية: الرهان على العامل الخارجي، سواء في الجنوب أو الساحل، يظل “رهانا هشاً”. فـالخطيب يشير إلى أن الانقسامات الداخلية تُضعف أي ورقة ضغط محتملة، بينما يرى الحاج علي أن “الاستقرار لا يُبنى عبر المقايضة الجغرافية أو المجتمعية”، بل عبر مسار سياسي شامل. في حين يؤكد حمادة أن “المصالحة الوطنية الشاملة” هي المدخل الحقيقي لقطع الطريق أمام أي استثمار خارجي في ملف الأقليات.

وبين الجنوب والساحل، يبرز تشابه شكلي في حضور العامل الخارجي، لكنه لا يصمد أمام التفكيك. ففي الجنوب، يُستدعى العامل الإسرائيلي كخيار ردعي ظرفي في لحظات القلق الوجودي، بينما في الساحل، يبقى الدور الروسي محكوماً بمصالح استراتيجية لا طائفية.

وعليه، فإن فرضية التعامل مع المنطقتين كورقتي ضغط متكافئتين تختزل واقعاً أكثر تعقيداً، وتغفل أن مستقبل سوريا لا يُرسم عبر رهانات الخارج، بل عبر تسوية داخلية تعيد بناء العلاقة بين الدولة ومجتمعها على أسس جامعة.

+963

————————-

الساحل السوري في المرحلة الجديدة: قوة جيوسياسية واقتصادية تفتح آفاقاً جديدة/ نغم قدسية

2026-01-10

في قلب التحولات التي تشهدها سوريا، يبرز الساحل السوري كأحد الركائز الفاعلة في رسم مستقبل البلاد. فبعد سقوط نظام الأسد، لم يعد الساحل منفذاً بحرياً فحسب، بل تحوّل تدريجياً إلى فاعل سياسي وأمني واقتصادي، يسهم في إعادة رسم خريطة بناء “سوريا الجديدة”، وتعزير مكانتها في المشهد الإقليمي والدولي.

في قراءة جيوسياسية واقتصادية، يبرز الساحل السوري كمفتاح للازدهار، إذ يحمل أوزاناً سياسية وأمنية واقتصادية تفوق حدوده الجغرافية.

سياسياً، بات الساحل السوري يمتلك أبعادًا تتجاوز حدوده على الخريطة؛ فهو منطقة استراتيجية تربط بين الداخل والجوار الإقليمي، كما أن الرمزية السياسية للساحل السوري تسهم في إعادة ترتيب العلاقات السورية مع دول المنطقة والقوى الدولية، بما فيها روسيا. إذ أن زيارة الجانب السوري إلى موسكو والتنسيق المتوقع بين دمشق وروسيا، يعكسان بوادر إعادة بناء تحالفات سياسية جديدة، تضع الساحل كمنطقة فاعلة ولكن بشروط وبنود مختلفة عن الماضي، ووفق أولويات جديدة ومصالح استراتيجية جديدة للبلاد. ذلك يجعل من الساحل السوري ورقة تفاوضية مع القوى الدولية، مما يظهر أهمية توظيفه بما يخدم مصالح الداخل.

ومن منظور أمني، فإن الساحل هو أكثر من مجرد شريط على خارطة المتوسط؛ بل مركز ثقل للسيطرة على أجزاء من البحر المتوسط. ويكمن الدور الأمني الداخلي للساحل السوري في المرحلة الجديدة لكونه صمام الأمان للبلاد، من شأنه سد الفراغات التي قد تستغلها فصائل متفرقة، بما يضمن استدامة الأمن والسلام.

ويتجاوز الدور السياسي والأمني للساحل حدود العلاقات الخارجية إلى دور داخلي يدعم الانتقال الديموقراطي للبلاد ويسهم في بناء مؤسساتها، فيما يبدو أن تعزيز الدور السياسي والأمني للمنطقة لا يمكن أن ينجح بمعزل عن إشراك المجتمع المدني المحلي في صناعة القرار السياسي، بما يضمن تمثيلاً حقيقياً لمختلف الفئات الاجتماعية، ما يؤكد أهمية تفعيل المجتمع المدني كضرورة سياسية لإرساء السلم الأهلي، وتعزيز التماسك الوطني، وتوسيع قاعدة المشاركة في مسارات المرحلة الانتقالية.

 وفي إطار متصل، يمثّل الساحل السوري منصة سياسية لتفاعل الأطراف الداخلية، فعلى الرغم من أن المشهد السياسي الداخلي محكوم بتوازنات دقيقة بين مكونات المجتمع، إلا أن هذه التوازنات تكشف عن ضرورة تجديد العقد الاجتماعي وسياسات الإدماج السياسي لجميع الأطراف، من أجل استقرار البلاد وضمان التمثيل الشامل.

اقتصادياً، يشكّل الساحل السوري فرصة حقيقية لإعادة إقلاع القطاع الاقتصادي الوطني بعد سنوات من العزلة الدولية والعقوبات. حيث أن الاستثمارات الضخمة في موانئ اللاذقية وطرطوس يمكن أن تعيد لسوريا دورها كمركز إقليمي يتيح للسوق السورية الانفتاح على منافذ تجارية مع أوروبا وآسيا والعالم.

كما أن تحديث البنى التحتية للموانئ عبر شراكات دولية، يمكن أن يسرع من وتيرة إعادة الإعمار، ويخلق وظائف جديدة، ويعيد دمج الاقتصاد السوري إقليمياً ودولياً.

من زاوية عملية، يمكن للساحل السوري أن يكون محرّكاً للاستثمارات الملاحية أيضًا، والتي من شأنها رفع قدرات الموانئ وربطها بشبكات نقل بري وطرق لوجستية، في حين أن الفرص الاستثمارية في الساحل تمتد إلى ما هو أبعد من الموانئ، لتشمل المناطق الصناعية، وتحديث سلاسل العمل، إضافة إلى القطاعات المرتبطة بالزراعة والصيد البحري والسياحة. فالساحل بطبيعته قادر على دعم نموذج اقتصادي مستدام يرتبط بالاقتصاد الأزرق واستغلال الموارد البحرية والبيئية.

ومع ذلك، يظل الطريق أمام النمو الاقتصادي طويلاً وسط ضعف البنى الخدمية الأساسية، والحاجة إلى برامج تطويرية متكاملة تشمل تحسين البنى التحتية، تأهيل القوى العاملة، وإعادة تصميم الأطر القانونية لجذب الاستثمار المحلي والأجنبي بشكل مسؤول ومستدام.

ورغم الفرص السياسية والاقتصادية، يبقى التحدي الاجتماعي هو الأكثر تعقيداً، حيث يعيش الساحل السوري تنوعاً سكانياً مركّباً يعكس تاريخاً طويلاً من العيش المشترك، لكنه أيضاً مرّ بأحداث دفعت البعض إلى الانكفاء أو الإحساس بعدم الأمان. هذا الواقع يستدعي مقاربة تنموية لا تقتصر على الاستثمار في المشاريع الاقتصادية فحسب، إنما الاستثمار في الإنسان أولاً، كمشروع تنموي، بما يعيد بناء الثقة ويوحّد الصفوف.

وبذلك يمكن للساحل السوري أن يكون رافعة لإعادة بناء البلاد وتعزيز حضورها الدولي، ومركز جذب للاستثمارات، ومنصة لتعزيز الأمن الإقليمي، إذا ما أُحسن توظيف هذه الإمكانيات، لكنه قد يصبح أيضًا بؤرة توترات جديدة، إذا ما تم الابتعاد عن تحقيق عدالة اجتماعية، مع ضرورة الحرص على مساحة مشتركة لصناعة القرار.

وفي مرحلة يحرص فيها السوريون على استعادة عافيتهم الوطنية، فإنّ الساحل يمكن أن يرمز إلى سوريا التي تعيد الاعتبار لرصيدها التاريخي والمستقبلي في آن واحد، ليكون الساحل مفتاح بوابة البحر المتوسط نحو العالم.

*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+

+963

————————–

بين المواطنة والإرث السياسي.. هل تُقصى جماعات أم تُحمى الحقوق؟/ عمار زيدان

احتجاجات الساحل في سوريا: بين حقّ التظاهر ومخاوف إعادة إنتاج النفوذ

2026-01-11

بعد سقوط النظام السياسي في أي دولة تدخل البلاد مرحلة انتقالية حساسة تتسم بإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع ومساءلة الماضي، وضمان عدم تكرار الانتهاكات والجرائم والممارسات السابقة. في هذا السياق يثار جدل حول حق فئات اجتماعية أو طائفية ارتبط بعض أفرادها أو مجموعاتها بالنظام المخلوع في التعبير والاحتجاج وهو ما يحدث حالياً في سوريا.

هنا يثار سؤال بالغ الأهمية حول مدى مشروعية خروج العلويين بوصف بعضهم من المرتبطين في الخيال العام للسوريين بالنظام المخلوع في تظاهرات احتجاجية خلال الفترة الماضية ضد الحكومة الانتقالية. فهل يُعد ذلك ممارسة طبيعية لحق دستوري وإنساني لا يسقط بتغير الأنظمة؟ أم أنه يُنظر إليه باعتباره سلوكاً سياسياً إشكالياً ومحاولة لإعادة إنتاج نفوذ سابق تحت غطاء الحقوق والحريات؟

وفي هذا الإطار، يعتقد الباحث في العلاقات الدولية طارق وهبي في تصريحات لـ “963+”، أن “هناك أفراد من الطائفة العلوية رفضوا كل ما قام به النظام المخلوع لينهي أمرهم إما بالسجون أو الهروب خارج البلاد والذين سكتوا عما رأوه أو ساعدوا بكتمان ما حصل يعيشون في الوقت الحالي بحالة رعب لأنه وللأسف هناك “موجة ثأر” قادمة ومتعددة لن تنتهي بهذه البساطة وهنا على الحكومة أن تضع من خلال القانون وليس فقط عبر القوات الامنية المسلحة حداً لكل ما يجري لأن هذا لا يساعد على استعادة الثقة والترابط بين مكونات الشعب السوري”.

ويضيف: “الحالة العلوية في الساحل تتسم بنوع من الدفع الخارجي وكأن من يحثهم على الإكمال بالتظاهرات يسعى لحمايتهم دولياً وهذا غير موجود حالياً، أضف على ذلك ان المكون العلوي السوري كانت يداه مغروسة في أدوات النظام وخصوصاً عمليات تصفية المعارضين وحتى الأبرياء الذين لفق إليهم تهم لأبعادهم عن المصالح الشخصية لهذه الطبقة العلوية الفاسدة التي شاركت النظام بكل مساوئه. وهنا علينا ان نسأل الحكومة الحالية أين وصلت بالتحقيقات لمعرفة من كان يشارك فعلياً في عملية الإرهاب الداخلي او ما يسمى “علوي النظام” وهكذا تستطيع الحكومة التمييز بين طرفين مختلفين من الطائفة نفسها.”

ويؤكد وهبي على أهمية إسراع الحكومة في العملية الانتقالية وإصدار قوانين تحمي الحرية الشخصية والتظاهر وفي الوقت نفسه تضع حدوداً لكل ذلك، يضاف إلى ذلك العمل على ترميم وإعادة إعمار البنية التحتية لتهيئة العملية الاقتصادية التي ستكون الأساس للمصالحة بين السوريين عبر الرخاء الاقتصادي واحترام حقوق الفرد والمجموعات.

 ويقول الصحفي محمد علي إنه من الخطأ القانوني والأخلاقي تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال نظام سياسي أو نخبة حاكمةk حيث من الضروري أن تكون المساءلة فردية وتتم عبر القضاء وكل ذلك يجب أن تضمنه الحكومة السورية.

لكن في الوقت نفسه تبرز العديد من المخاوف من احتمال استغلال التظاهرات في الساحل لإعادة إنتاج نفوذ النظام المخلوع أو التحريض على العنف واستخدام خطاب طائفي أو إنكاري للانتهاكات السابقة التي وقعت في عهد نظام الأسد الأب والابن وهو ما يتطلب بحسب علي  فرض رقابة قانونية على سلمية الخطاب وممارسة آلية محددة تتضمن محاسبة أي فرد أو جهة تثبت مشاركتها في التحريض أو التخريب.

ويشدد في حديث لـ “963+”، على أن هذا الملف يعتبر بالغ الحساسية خاصة أنه يتعلق بجماعات اجتماعية أو طائفية ارتبط اسمها بشكل أو بأخر في النظام المخلوع سواء عبر مشاركة بعض أفرادها بمؤسسات الحكم أو الأجهزة الأمنية والعسكرية أو نتيجة سياسات متعمدة اتبعها نظام الأسد عبر توظيف الانتماءات لضمان بقائه في السلطة وغالباً ما يؤدي هذا الارتباط إلى نشوء سرديات عامة تُحمل جماعات كاملة مسؤولية الاستبداد والانتهاكات متجاهلة العديد من العوامل والأسباب والتي يجب أخذها بعين الاعتبار بدءاً من الجرائم التي ارتكبها أفراد يتحملون مسؤوليتها لوحدهم بالإضافة إلى مستويات المشاركة وواقع الإكراه الذي كان سائداً.

+963

————————

الساحل.. يوحد سوريا أم يقسمها؟/ أحمد الجابر

سوريا بين إرث الاستقطاب واستحقاقات العدالة وبناء الدولة

2026-01-10

في لحظة مفصلية من تاريخ سوريا، يعود ملف الساحل السوري إلى واجهة النقاش بوصفه اختباراً حاسماً للسؤال الأعمق: هل يمكن للساحل أن يكون جسراً لوحدة البلاد أم يتحول إلى خط صدع جديد يقسمها؟ فبعد سنوات الحرب وما رافقها من تسييس للأمن والطائفة، وتوظيف سرديات الخوف والامتياز، بات الساحل محمّلاً بإرث ثقيل من الشكوك والانقسامات التي عطّلت الثقة الوطنية.

ومع استمرار التأثيرات الإقليمية والدولية ومحاولات استثمار الهشاشة الداخلية، تتجدد مخاطر إعادة إنتاج الاستقطاب المذهبي والمناطقي. وبين هذين الاحتمالين، يظل مستقبل الساحل مرتبطاً بقدرة السوريين على معالجة مسؤوليات النظام السابق، ودور النخب، وإرساء العدالة والمحاسبة، وفتح مسارات حوار ومشاركة وطنية حقيقية، بما يحوّل الساحل من ورقة انقسام إلى ركيزة لوحدة سوريا.

تداخل الأدوار الإقليمية

في ظل المشهد السوري شديد التعقيد، يتقاطع الداخل مع الإقليم بشكل يجعل من الساحل السوري ساحة اختبار حقيقية لمستقبل وحدة البلاد. ففي قراءة هذا التعقيد، يرى الدكتور خالد العزي، أستاذ العلاقات الدولية والسياسات الخارجية والمقيم في بيروت، في تصريحات لـ”963+” أن الوضع في سوريا يتسم بدرجة عالية من التشابك نتيجة تداخل قوى إقليمية “لا ترغب في رؤية سوريا دولة سليمة ومستقرة”، مشيراً إلى أن أدوار إسرائيل وإيران لا يمكن فصلها عن مسار الأحداث الداخلية.

وهذا الطرح ينسجم مع ما يؤكده وائل علوان، الباحث في مركز جسور للدراسات، في تصريحات لـ”963+” حين يعتبر أن “ما يجري في الساحل ليس مجرد توتر محلي أو رد فعل عابر، بل استثمار ممنهج في الفوضى تقوده مجموعات مرتبطة بالنظام البائد وأخرى مرتبطة بإيران، تستخدم الغطاء المناطقي والطائفي لتحقيق مكاسب أمنية وسياسية”.

وفي السياق نفسه، يربط مصطفى قلعه جي، الأمين العام لحزب التغيير والنهضة السوري وعضو وفد جنيف، في تصريحات لـ”963+” بين خطوط التماس داخل سوريا وخطوط التوتر الإقليمية والدولية، معتبراً أن الصراع السوري بات يتقاطع بشكل مباشر مع هذه الصراعات، ما يجعل أي انفجار داخلي امتداداً لأجندات خارجية.

ويبرز البعد الطائفي بوصفه أحد أكثر العناصر حساسية في ملف الساحل، حيث يحمّل العزي السلطة السورية، منذ عهد حافظ الأسد وحتى بشار الأسد، مسؤولية ترسيخ خطاب “حماية الأقليات في مواجهة الأغلبية”، معتبراً أن هذا الخطاب لم يكن أداة حماية بقدر ما كان وسيلة لتبرير سياسات أدخلت البلاد في حرب استمرت خمسة عشر عاماً، ومهّدت لممارسات القتل والتهجير التي طالت شريحة واسعة من السوريين.

هذا التوصيف يلتقي مع قراءة علوان، الذي يرى أن الإشكالية الحالية لا تكمن في سياسات الحكومة الراهنة أو في ردود الأفعال بحد ذاتها، بل في الإرث الثقيل الذي خلّفه النظام البائد، حين حوّل الطائفة العلوية عبر عقود إلى أداة استقطاب مذهبي ومناطقي على مستوى البلاد.

ويرى علوان أن هذا الإرث ما يزال يحكم مقاربة قضية الساحل، ويمنعها من التحول إلى عامل توحيد وطني، رغم مرور عام على سقوط النظام، لأن الإجراءات المتخذة لم ترقَ بعد إلى مستوى المعالجة العميقة المطلوبة.

وفي توصيف واقع الساحل الاجتماعي والسياسي، يشير العزي إلى أن “مجموعات متنفذة تُنسب إلى الطائفة العلوية اعتبرت نفسها جزءاً من النظام، ودافعت عن مصالحها الشخصية، لا عن النظام بحد ذاته ولا عن الطائفة ككل”، وهو ما أسهم، بحسب قوله، “في إغراق الطائفة في دماء السوريين وربط مصيرها بممارسات السلطة”.

لكنه في المقابل يلفت إلى أن الساحل، بوصفه جزءاً أصيلاً من الجغرافيا السورية وموطناً لشريحة واسعة من العلويين، ما يزال يعيش حالة من عدم الاستقرار، وأن شريحة كبيرة من أبنائه كانت مغلوبة على أمرها، وعانت الفقر والتهميش والظلم، رغم تورط بعض الشخصيات في دعم النظام.

بدوره يشدد علوان، على ضرورة الفصل الواضح بين النظام السابق والطائفة العلوية والساحل السوري، محذراً من أن ربط هذه المكونات ببعضها هو أحد أخطر أدوات الاستثمار في الفوضى، لما يحمله من انعكاسات مباشرة على السلم الأهلي والاستقرار.

العدالة شرط البناء

وفي هذا الإطار، يرى علوان أن “السلطة الحالية حاولت تجنب تسييس الهوية المذهبية في الساحل، إلا أن فلول النظام السابق ومجموعات مرتبطة به عملت على تسييس هذه الهوية من جديد عبر التحريض والتأجيج”، ما يستدعي، برأيه، “أدوات أكثر فاعلية لمواجهة هذا المسار، سواء على المستوى السياسي أو الإعلامي أو المجتمعي”.

ويتقاطع هذا الطرح مع تساؤل العزي عن جدوى الاستمرار في إعادة إنتاج الصراعات القديمة، حيث يجيب بأن النخب السورية مطالبة اليوم بإدراك أن مستقبل سوريا لا يُبنى بالعودة إلى الوراء ولا بتنفيذ أجندات خارجية، سواء كانت إيرانية أم إسرائيلية، مؤكداً أن المطالب المشروعة تُنتزع عبر الحوار والمشاركة السياسية، لا عبر التمرد أو التهديد.

وفي ما يتعلق بمخارج الأزمة، يشدد العزي على أن العدالة شرط أساسي لبناء سوريا جديدة، مؤكداً أنه لا يمكن الحديث عن أي عملية سياسية حقيقية من دون محاسبة كل من تورط في قتل السوريين أو تهجيرهم.

ويرى أن الظلم الذي تعرض له كثير من أبناء الساحل، ولا سيما نتيجة السياسات العسكرية والأمنية للنظام السابق، يجب أن يكون دافعاً للحل السلمي لا للتصعيد.

الاستقطاب الطائفي وتسيس المذهبية

من جهته، يقرّ علوان بوجود استقطاب بين مجتمع الساحل وبقية المناطق على المستويات المناطقية والدينية والمذهبية والفكرية، معتبراً أن ذلك أمر طبيعي بعد حرب استمرت أربعة عشر عاماً واستبداد دام خمسة عقود، لكنه يحتاج إلى معالجة جادة تبدأ بإعادة ترميم الحوامل المجتمعية، وتعزيز أدوات السلم الأهلي، والتعايش المشترك، والتنمية.

ويضيف علوان بعداً اقتصادياً إلى هذا المسار، مؤكداً أن تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية يمثل مدخلاً أساسياً لحل كثير من المشكلات المتراكمة، مشيراً إلى أن الساحل السوري يمتلك ثروات زراعية وسياحية كبيرة، وإذا جرى استثمارها بشكل صحيح، فإن ذلك سيسهم في تخفيف حدة الأزمات وتعزيز الاستقرار، إلى جانب ضرورة المشاركة الحقيقية لجميع المكونات في بناء سوريا الجديدة.

وفي السياق السياسي الأشمل، يؤكد مصطفى قلعه جي أن الخروج من المأزق الحالي يتطلب من القوى السياسية التي تمتلك وتتحكم بقوى عسكرية على الأرض “تغليب المصلحة الوطنية على أي مصالح أخرى، سواء كانت خاصة أو مرتبطة بأجندات الجهات المتدخلة في الشأن السوري”.

ويختم قلعه جي بالدعوة إلى الاتفاق على استقلالية القرار السوري بوصفها الهدف الأسمى في هذه المرحلة، موجهاً نداءً إلى العقلاء من أبناء الوطن، الذين ما زالوا كثراً، لتغليب صوت العقل والرشاد، والتكاتف بين جميع السوريين.

وهو طرح يلتقي مع خاتمة رؤية العزي، الذي يؤكد أن إعادة بناء سوريا تتطلب مشاركة جميع السوريين بروح التعاون والانتماء الوطني، وأن سوريا لا يمكن أن تكون إلا وطناً للجميع، حيث تُنتزع الحقوق بالوسائل السلمية والتفاهم المشترك، وبمشاركة كل السوريين، بكل تنوعاتهم الثقافية والاجتماعية، في صياغة مستقبل البلاد.

+963

—————————-

الساحل السوري: موطن لفلول نظام الأسد أم هي مبالغة إعلامية؟/ معاذ الحمد

هل تحوّل الساحل السوري إلى “وطن فلول نظام الأسد” أم أن الصورة مبالغ فيها؟

2026-01-10

رغم تأكيد الحكومة الانتقالية على استعادتها السيطرة على الساحل بعد اشتباكات مارس/آذار 2025 ونجاحها في ضبط مخازن السلاح واعتقال مسلحين، ساهمت التصريحات الرسمية وحملات التغطية الإعلامية غير المباشرة في تصوير المنطقة على أنها “وطن لفلول نظام الأسد”، ما عزّز الانطباع العام بوجود تهديد شامل، في حين تظهر المعطيات أن مجموعات النظام السابق ما تزال محدودة التأثير، وتهديداتها متفرقة وغير منظمة، مستفيدة من الانقسامات الطائفية والفراغات الأمنية، وأن المخاطر الحقيقية تكمن في استغلال هذه الأحداث إعلامياً وسياسياً، بينما يبقى المجتمع العلوي متأثراً بالمخاوف والانقسامات الداخلية، ويبرز الحاجة إلى التوازن بين الإجراءات الأمنية ومسار المصالحة لضمان استقرار مستدام دون تضخيم الخطر.

سيطرة معلنة وهشاشة ميدانية

يقول الخبير في الشأن الأمني مجاهد الصميدعي، لـ”963+” إن “الوضع الأمني في الساحل السوري لا يمكن وصفه بالمنهار، إلا أنه لا يزال هشّاً وقابلاً للتأثر”، مشيراً إلى أن “العمليات التي نفذتها الحكومة الانتقالية خلال مارس/آذار 2025 أسهمت في تفكيك بُنى أمنية قديمة وضبط عدد من مخازن السلاح”.

ويضيف أن “استمرار حالة عدم الثقة المتبادلة، إلى جانب غياب استقرار سياسي كامل، يُبقي المنطقة في حالة توتر منخفض الحدة، رغم تراجع مستوى التهديدات المنظمة”.

ومن زاوية عسكرية، يقول العميد الركن المتقاعد جلال العبادي، الخبير العسكري الاستراتيجي من الأردن، لـ”963+” إن “بقاء بعض فلول أي نظام بائد يُعدّ أمراً طبيعياً في أعقاب سقوطه أو هزيمته”، موضحاً أن هذه الفلول “تتكوّن عادة من شبكات منتفعين ومتضررين من التغيير، وتنتشر في مناطق مختلفة داخل سوريا وخارجها، بما في ذلك الساحل السوري”.

ويشير العبادي إلى أن هذه التحركات “قد تظهر من حين لآخر بدعم محدود من جهات كانت مستفيدة من النظام السابق، بهدف إثارة الإرباك وجذب الانتباه”، معتبراُ أن تأثيرها يبقى محدوداً.

حوادث دموية بلا قيادة موحدة

شهد الساحل السوري في مارس/آذار 2025 اشتباكات وُصفت بالأعنف منذ سقوط نظام الأسد، وأسفرت عن مقتل مئات المدنيين والعسكريين، وسط اتهامات متبادلة بارتكاب إعدامات طائفية. ورغم إعلان الحكومة استعادة السيطرة بحلول 10 مارس، استمرت حوادث أمنية متفرقة، من بينها هجمات طالت أحياء علوية في اللاذقية، ما دفع السلطات إلى فرض حظر تجول لاحقاً.

وفي توصيفه لطبيعة هذه الأحداث، يقول الصميدعي إن “الحوادث الأمنية الأخيرة، بما فيها الهجمات التي طالت بعض الأحياء العلوية، تعكس تهديدات متفرقة وغير منظمة، ولا تشكل دليلاً على وجود شبكة مركزية أو قيادة موحدة لفلول النظام السابق”.

ويوضح أن “معظم هذه الأعمال ذات طابع فردي أو انتقامي”، مضيفاً أنها “يتم توظيفها إعلامياً لتضخيم فكرة وجود ما يُعرف بـوطن الفلول، دون مؤشرات فعلية على تمرد واسع النطاق”.

بدوره، يقول العبادي إن “الاشتباكات التي شهدتها بعض المناطق في مارس/آذار 2025 جرى احتواؤها”، مشدداً على “ضرورة محاصرة البؤر الساخنة التي تتمركز فيها هذه المجموعات، ومنعها من التواصل مع مناطق أخرى، عبر تشديد الرقابة وبسط السيطرة الأمنية في مختلف المناطق السورية، شمالاً وجنوباً ووسطاً وساحلاً”.

بين التسريبات الأمنية وتقديرات التأثير

في مقابل توصيف التهديد على أنه غير منظم، يقول الكاتب والباحث السياسي عمران زهوي لـ”963+” إن “تورط ضباط كبار من نظام الأسد المخلوع في محاولات لزعزعة الاستقرار والسيطرة على الساحل السوري” يمثل عامل قلق حقيقي في المرحلة الانتقالية

ويشير زهوي إلى “تسريبات ووثائق تتحدث عن وجود نحو 168 ألف مقاتل من فلول النظام، موزعين على قطاعات في حمص وحماة ودمشق والساحل”، مع “خرائط انتشار وتسليح متنوع يشمل أسلحة خفيفة ومتوسطة وصواريخ مضادة للدروع ومدفعية”.

ويضيف أن هذه التسريبات كشفت عن “خلافات مالية وتنظيمية بين رامي مخلوف، ابن خال الأسد، واللواء سهيل الحسن، القائد السابق لقوات النخبة”، على خلفية “اتهامات بتضخيم أعداد المقاتلين بهدف الحصول على تمويل أكبر”، إلى جانب “هيكل قيادي تتصدره أسماء معروفة، وقيادات من الصف الثاني تتولى الملفات المالية والعسكرية والتنسيق بين المجموعات”.

في المقابل، يستبعد العبادي “وجود دعم فعلي في المرحلة الراهنة من أطراف إقليمية كإيران أو حزب الله”، موضحاً أن انشغال هذه الجهات بملفاتها الداخلية والضغوط الإقليمية والدولية “يحدّ من قدرتها على تقديم أي إسناد مؤثر”.

وأضاف أن السلطات السورية الانتقالية “تعمل على محاصرة هذه المجموعات وقطع خطوط إمدادها”، متوقعاً أن “تتلاشى تدريجياً خلال المستقبل القريب، في سياق طبيعي يشهده أي نظام بائد يفقد داعميه تباعاً”.

مخاوف أمنية ورفض للوصم الجماعي

على المستوى الاجتماعي، يعاني جزء من أبناء الطائفة العلوية من مخاوف أمنية، في ظل ربطهم الطائفي بالنظام السابق، واستمرار حوادث انتقامية محدودة أدت إلى تراجع الثقة بالحكومة لدى بعض الفئات.

وفي هذا الإطار، يقول زهوي إن “الإشكالية الأساسية لا تكمن في وجود مخططات لفلول النظام السابق، وهو أمر متوقع في مرحلة ما بعد السقوط، بل في طريقة التعاطي معها”، محذراً من “تحويل هذه المخططات إلى مبرر لوصم الساحل السوري أو الطائفة العلوية ككتلة واحدة مرتبطة بالنظام المخلوع، سواء سياسياً أو طائفياً”.

ويشير إلى “استمرار الانقسامات داخل المجتمع العلوي نفسه”، داعياً الحكومة إلى “فتح قنوات حوار ومباحثات مباشرة مع قيادات علويّة في الساحل”، بهدف “الوصول إلى تفاهمات تضمن بسط السيطرة على المنطقة، واستعادة الانتظام الأمني والسياسي”، وتقديم “تطمينات بعدم التعرض لأعمال انتقامية أو تكرار انتهاكات سابقة”.

من جانبه، يؤكد الصميدعي أن الإجراءات الأمنية “رغم أهميتها، تبقى غير كافية ما لم تترافق مع مسار مصالحة وطنية حقيقية وضمانات قانونية تكفل حماية جميع المكونات الاجتماعية وتعزز الاستقرار المستدام”.

بين الواقع والمبالغة: أين يقف الساحل اليوم؟

في المحصلة، تعكس التطورات في الساحل السوري واقعاً مركّباً، لا يؤكد تحوّله إلى “وطن فلول نظام الأسد” بالمعنى الشامل، ولا ينفي في الوقت نفسه وجود تهديدات أمنية قائمة.فبين توصيف هذه التهديدات على أنها “متفرقة وغير منظمة” أو “نيران إزعاجية”، وتحذيرات من استغلالها سياسياً وإعلامياً، يبقى الاستقرار مرهوناً بقدرة الحكومة الانتقالية على الجمع بين الحسم الأمني، والمصالحة المجتمعية، ومعالجة الانقسامات السياسية والطائفية في مرحلة انتقالية لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة.

——————————–

احتجاجات الساحل السوري.. “السلمية” تختبر “الانتقالية”/ عمار عبد اللطيف

احتجاجات الساحل السوري: السلمية على محكّ الانتقال السياسي

2026-01-11

بعد سنوات من ربط الساحل السوري بمعادلة معقدة بين السلمية والعسكرة وتنميطه بصورة ساهمت في ترسيخها سياسة النظام المخلوع، عادت مدن اللاذقية وطرطوس لتشهد احتجاجات سلمية تحمل مطالب سياسية وحقوقية واضحة، أبرزها اللامركزية وإطلاق سراح المعتقلين.

هذه التظاهرات لا تعكس مجرد حراك مطلبي، بل تمثل محاولة لإعادة تعريف هوية الساحل السياسية، وكسر الصورة النمطية التي لازمته طويلاً، مع وعي متراكم بكلفة العسكرة وتجاربها السابقة.

وتضع هذه الاحتجاجات الحكومة السورية الانتقالية أمام اختبار حقيقي، يتجاوز الخطاب المعلن حول احترام حق التعبير إلى طبيعة الممارسة على الأرض، إذ أن التعامل معها سيكشف ما إذا كانت المرحلة الانتقالية تشكل قطيعة فعلية مع نهج العسكرة، أم امتداداً له بأدوات أكثر ليونة.

وبين وعود الاحتواء السياسي ومؤشرات الضبط الأمني، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متناقضة تحدد ملامح الشرعية الجديدة للسلطة، إذ أن المطالب المرفوعة، وعلى رأسها اللامركزية وملف المعتقلين، تتجاوز اللحظة الراهنة لتلامس جوهر إعادة صياغة العقد السياسي في سوريا.

وقد تفتح الاستجابة السياسية الجدية الباب أمام مسار أكثر شمولاً وعدالة، في حين أن تجاهلها أو مقاربتها أمنياً يحمل مخاطر توترات أوسع، خاصة في بيئاتٍ كانت تُعد بعيدة عن الاحتجاج، ما يجعل من حراك الساحل محطة مفصلية في مسار الانتقال السوري.

تطور بالغ الدلالة

يقول الدكتور محمد اليمني، أستاذ العلاقات الدولية في القاهرة، إن الاحتجاجات التي شهدتها مناطق الساحل السوري في الآونة الأخيرة تمثل تطوراً سياسياً واجتماعياً بالغ الدلالة، كونها خرجت من بيئة اعتُبرت طويلاً خزاناً داعماً للسلطة المركزية، ولأنها تضع الحكومة السورية الانتقالية أمام اختبار يتجاوز البعد الأمني إلى أسئلة جوهرية تتعلق بطبيعة الدولة القادمة، وحدود القطيعة مع إرث النظام، وإمكانية إعادة صياغة العلاقة بين المركز والأطراف على أسس سياسية وقانونية جديدة.

ويشير اليمني في حديث لـ”963+”، إلى أن هذه الاحتجاجات لا يمكن قراءتها بوصفها مطالب خدمية أو أحداثاً أمنية معزولة، بل ينبغي مقاربتها ضمن سياق أوسع يرتبط بالهوية السياسية، والعدالة الانتقالية، وإعادة بناء العقد الاجتماعي في سوريا، وأن خروج الاحتجاجات من الساحل يحمل دلالة رمزية عميقة، ويؤكد أنها أزمة بنيوية في شكل الحكم وآليات إدارة التعدد.

ويلفت إلى أن مطالب المحتجين تركزت على قضايا سياسية وحقوقية واضحة، أبرزها إطلاق سراح المعتقلين، ووقف الاعتقالات التعسفية، وإعادة النظر في مركزية القرار، وتوسيع المشاركة المحلية في إدارة الشأن العام، معتبراً أن هذه المطالب تعكس وعياً متنامياً بضرورة إعادة تعريف الدولة بوصفها كياناً خاضعاً للمساءلة، لا هدفاً للتقويض.

وفي ما يخص تعامل الحكومة الانتقالية، يقول اليمني إن ردود الفعل الرسمية ما تزال متأرجحة بين خطاب يؤكد احترام حرية التعبير، وممارسات ميدانية تعكس استمرار الذهنية الأمنية، مشيراً إلى أن هذا التناقض يعكس صعوبة الانتقال من دولة “الأمن أولاً” إلى دولة “السياسة أولاً”، ويؤكد أن هذه اللحظة تمثل اختباراً حقيقياً: إما تأسيس سابقة تحترم الاحتجاج السلمي كأداة سياسية مشروعة، أو إعادة إنتاج مقنعة لمنطق الضبط الأمني.

وحول مطالب اللامركزية وملف المعتقلين، يشير اليمني إلى أنها تمس جوهر بنية الدولة، ويمكن أن تشكل مدخلاً لإعادة صياغة العقد السياسي السوري إذا عولجت ضمن إطار وطني شامل، محذراً من أن تجاهلها أو تسويفها، في ظل تدهور اقتصادي وغياب أفق سياسي، قد يقود إلى توترات أوسع.

ويخلص اليمني إلى أن احتجاجات الساحل السوري تمثل لحظة مفصلية في المسار الانتقالي، وأن طريقة تعامل الحكومة معها ستحدد ملامح المرحلة المقبلة، بين انتقال سياسي حقيقي يعيد الاعتبار للسياسة، أو عودة مقنّعة لمنطق أمني أثبت فشله تاريخياً.

ليست امتداداً للثورة

يقول مصطفى هاني إدريس، عضو مركز رؤى للدراسات والأبحاث السياسية في اللاذقية، إن مقاربة هذه الاحتجاجات بوصفها امتداداً طبيعياً لاحتجاجات سنوات حكم النظام المخلوع “قراءة غير دقيقة”، مشيراً إلى أن الفارق لا يقتصر على الشكل، بل يشمل السياق السياسي وهوية الجهات الداعية وطبيعة المطالب والتوقيت.

ويضيف في حديث لـ”963″، أن الاحتجاجات خلال الحقبة السابقة خرجت بمطالب سياسية واضحة وقوبلت بالقمع والعسكرة، ما أدى إلى انزلاق البلاد إلى حرب مدمرة، بينما يجري التعامل مع الاحتجاجات الحالية من قبل السلطة الانتقالية بدرجة عالية من الضبط والحذر.

ويشير إدريس إلى أن الحكومة السورية الانتقالية، حتى الآن، لم تلجأ إلى القمع، بل وفرت حماية أمنية للتظاهرات، ويضيف أنها تدخلت لمنع احتكاكات شعبية كان من الممكن أن تتطور إلى صدامات خطيرة، في ظل حالة غضب متراكمة لدى قطاعات واسعة من السوريين المتضررين من سنوات الحرب، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن هذا النهج “لا يمكن أن يستمر من دون أفق سياسي وقانوني واضح”.

وحول الشعارات المرفوعة، ولا سيما المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، يقول إدريس إن هذا المطلب يُستخدم – في بعض الحالات – كواجهة إنسانية، بينما تشير المعطيات، بحسب رأيه، إلى أن المقصود قد يكون إطلاق سراح أشخاص متورطين بجرائم جسيمة، ما يطرح إشكالية تتعلق بالعدالة الانتقالية وحقوق الضحايا.

كما يلفت إدريس إلى أن الدعوات إلى اللامركزية، كما تُطرح حالياً، تثير مخاوف من تحوّلها إلى مدخل لإضعاف الدولة المركزية أو خلق مناطق نفوذ خارج السيادة الوطنية، معتبراً أن المشكلة لا تكمن في مستوى الصلاحيات الإدارية بقدر ما تتعلق بالمشاريع السياسية الكامنة خلف بعض هذه الطروحات.

ويخلص إدريس إلى أن ما يجري في الساحل السوري يعكس، في أحد أبعاده، صراعاً مبكراً بين منطق الدولة الجديدة ومحاولات بقايا النظام إعادة إنتاج نفوذهم، مستشهداً بتقارير صحفية دولية تحدثت عن تحركات منسقة لشبكات أمنية وعسكرية سابقة، وأن الحكومة السورية الانتقالية تقف أمام اختبار حقيقي، يتمثل في الانتقال من سياسة الاحتواء الأمني إلى مسار واضح للعدالة الانتقالية وتطبيق القانون ونزع السلاح، محذراً من أن غياب هذا المسار قد يفتح الباب أمام توترات أوسع.

——————

مجتمع منهك وزعامات متصارعة.. من يحتوي المشهد في الساحل السوري؟/ أحمد الكناني

الساحل السوري بعد سقوط الأسد: تحولات سياسية واجتماعية في مرحلة انتقالية معقّدة

2026-01-11

شكل سقوط الأسد المتسارع في الثامن من ديسمبر 2024 صدمة سياسية في أوساط السوريين، خاصة في الساحل السوري، حيث بدا لهم المشهد ضبابياً حول مصيرهم بعد هروب الأسد ونظامه إلى موسكو، وتركهم يلقون مصيراً متعدد الخيارات مع “هيئة تحرير الشام”، والتي يحمل بعضهم فيها معتقدات ضد العلويين، ويعتبرونهم محركاً رئيسياً للنظام، إلا أن تحول “الهيئة” للعمل السياسي جنبها الدخول في هذه السيناريوهات نسبياً، عبر الانتقال لاستلام زمام الإدارة في البلاد.

تحول الساحل السوري بعد عام من سقوط النظام إلى نقطة تجاذب دولية بين الأطراف الفاعلة، حيث شهد العام الماضي سلسلة أحداث سياسية، واشتباكات عسكرية، ومحاولات متكررة لتقويض السلطة في دمشق، مدعومة من قبل أطراف إقليمية، لم تكن قادرة على استيعاب التغير الجديد في المنطقة، إضافة إلى وجود العديد من الأطراف الداخلية التي رأت فراغاً داخلياً يشتت أهالي الساحل في كلمتهم وموقفهم، استغله رجالات الأعمال، في محاولة لإنشاء كيانات وزعامات دينية في المنطقة، إلا أن ذلك لم يكن بقدر ما خُطط له نظراً لحالة الخوف والفقر الشديدين عند العلويين، خاصة بعد أحداث السادس من آذار / مارس 2025، عندما شنت عناصر من فلول النظام المخلوع هجوماً واسع النطاق على مواقع حكومية في طرطوس واللاذقية، وأعلنت الحكومة بعد أيام من الهجوم، استعادة ضبط الأمن في المناطق المستهدفة، وفتحت تحقيقاً في مقتل مئات المدنيين والعسكريين، لتحديد المسؤولين ومحاكمتهم.

واقع اجتماعي

تحول الساحل السوري بعد عام من سقوط النظام إلى مجتمع منهك ومتهم في كل تصرفاته، إذ لم تكن المؤسسات الإدارية الحكومية على قدر عال من الاحترافية في تعاملها مع أبناء الساحل، إذ تعرض قسم كبير منهم للإقصاء، والتهميش، والفصل من وظائفهم، إضافة إلى سحب صلاحياتهم من كافة مؤسسات الدولة، على أساس طائفي لا إداري، إلا أن ذلك كان مختلفاً بين مؤسسة إلى أخرى، وعليه شكلت قضية فصل الموظفين من المؤسسات الحكومية النواة الأولى لحالة الاحتقان الاجتماعي.

تطورت تلك الحالات إلى استهداف طائفي ارتكبه عدد من المتطرفين تجاه الأهالي، في استغلال واضح للفراغ الأمني الكبير والحالة الحكومية الجديدة، عدا عن استباحة البيوت في القرى، وسرقة الممتلكات، حيث تدخلت القوات الأمنية ولو بشكل متأخر لإيقاف مثل هكذا ظواهر.

إضافة إلى ذلك ارتفعت نسبة البطالة بشكل كبير بين الشباب الذين كانوا في معظمهم امتهنوا الجيش وظيفة لهم، ما جعلهم عرضة للتجنيد الخارجي بسبب الظروف الاقتصادية، والالتحاق في ركب الفلول، أو الانضمام إلى القوات العسكرية المقاتلة في شمال شرق الفرات، أو محافظة السويداء.

زعامة علوية

بدأت الحكومة السورية تعي المخاطر الاجتماعية للاحتقان الطائفي، وأنشأت لذلك لجنة “السلم الأهلي” لنقل مطالب الساحل للسلطات، خاصة بعد أحداث آذار، ويتولى عليها بشكل رئيسي أحد الاسماء البارزة والمقربة من الرئيس الشرع وهو خالد الأحمد، ومعه “فادي صقر” الاسم الأبرز في قيادة الدفاع الوطني بعهد النظام السابق، فيما برز من خارجياً رجل الأعمال رامي مخلوف وذراعه العسكرية “سهيل الحسن”، وظهر تكتل خاص تحت اسم “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر” بزعامة الشيخ غزال غزال، وسط محاولات يائسة ومحاولات من رئيس الاستخبارات العسكرية السابق في النظام كمال حسن، ومعه رجل الأعمال أبو علي خضر تشكيل تكتل إضافي، وجميعها تيارات متصارعة فيما بيها تسعى للسيطرة على الشارع بعد فراغ اجتماعي وسياسي، أحدثه سقوط النظام، حيث لم يكن في الساحل من يجمع كلمتهم على اعتبار أنه الأسد هو مرجعيتهم العليا سابقاً.

شكلت هذه الزعامات نفوراً شعبياً تجاه العديد من الشخصيات التي ارتبط اسمها بجرائم النظام، كما كشفت التسريبات الصحفية اتصالاتهم مع إسرائيل، وقابليتهم تنفيذ أي مخطط مقابل الزعامة، إضافة إلى أن الشارع لم يلمس أي تغير ملحوظ تجاه تحقيق مطالبه الاجتماعية، وعليه بدأ للشيخ غزال غزال الثقل الأكبر نسبياً بتوجيه الشارع وحشده تجاه المطالب الفيدرالية، والتي لاقت انقساماً عليها في الساحل السوري.

مسار حكومي

تُظهر الاحتجاجات الأخيرة خللاً في التعامل الحكومي، وعليه يرجح أحد الاحتمالين، الأول عدم قدرة لجنة السلم الأهلي المحسوبة على الحكومة ملامسة الواقع الاجتماعي، والثاني متعلق بأن الحكومة لا تعطي للجنة أي اعتبار، وفي الحالتين الأمر خطير على المستوى الداخلي، إذ يشكل احتواء المحافظات الساحلية في سوريا نقطة رئيسية لاستقرار المنطقة وتقليل بؤر التوتر، والتي تتطلب اسعافات فورية متعلقة بإعادة عدد كبير من الموظفين إلى دوائرهم، وتوازنهم في المؤسسات الحكومية على مبدأ الكفاءة لا الطائفة أو الولاء.

كما يظهر أن الرئيس الشرع بدأ العمل على احتواء المشاكل في الساحل عبر اجتماعه مع وجهائهم والأعيان في الـ 14 كانون الأول / ديسمبر، مستمعاً إلى مطالبهم الأمنية، والسياسية، والاجتماعية، مطمئناً لهم بحزمة من القرارات ذات الصلة، إذ تشير مصادر سياسية مقربة أن الحكومة السورية بدأت تناقش خطوات فعلية وجادة في سبيل احتواء الأزمة، إلا أن ذلك لم يلق -حتى اللحظة- خطوات حقيقية على الأرض في وقت تتصاعد فيه دعوات “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر” لتصعيد المواقف الشعبية في الساحل السوري

—————————–

فلول النظام في لبنان.. بين الثغرات الأمنية والمحاذير السياسية/ أحمد الكناني

11 يناير 2026

تحول لبنان، بعد سقوط الأسد، إلى ملجأ يقصده فلول النظام السابق، كما شكل نقطة عبور لكبار الشخصيات المرتبطة بالنظام، سواء نحو منطقة الخليج أو أوروبا، ومنهم من لم يستطيع مغادرة الأراضي اللبنانية كون أسمائهم وردت في مذكرات الاعتقال الدولية.

ويقول مراقبون إن الجانب اللبناني لم يتخذ أي إجراء جدي لتوقيف هؤلاء، أو تقديمهم للعدالة الدولية.

إلا أن الأمر لم يقف عند حد التواجد والإقامة، إذ أن تقارير إعلامية تحدثت عن اشتراك شخصيات عديدة، مقيمة على الأراضي اللبنانية، في التنسيق والترتيب لهجمات مركزة على الإدارة السورية الجديدة، ووثقت التقارير محاولات جادة لكل من سهيل الحسن وكمال الحسن، وهما شخصيتان بارزتان في نظام الأسد المخلوع، لتجنيد مقاتلين ضد الحكومة الجديدة، حيث أظهرت المراسلات النصية أنهما وزّعا أموالًا، وجنّدا عناصر، وعملا على تأمين الأسلحة، وكل ذلك تم داخل الأراضي اللبنانية.

مداهمات.. ولكن

أعلن الجيش اللبناني أنه، بمؤازرة من مديرية المخابرات، ألقى القبض على 35 مواطنًا سوريًا و9 مواطنين لبنانيين خلال تنفيذ ما أسماه “تدابير أمنية استثنائية” في مناطق عكار وطرابلس والبترون وبعلبك والهرمل، وهؤلاء متهمون بارتكاب جرائم متنوعة تشمل “إطلاق النار، وحيازة أسلحة، وتعاطي المخدرات، وتهريب أشخاص، والتجول بصورة غير قانونية.

يعتقد مدير البرنامج القانوني لمركز سيدار اللبناني، محمد صلبوح، أنه “حتى اللحظة لا يوجد أي خطوة فعلية من الحكومة اللبنانية تجاه ملف الفلول على الأراضي اللبنانية، إذ شكلت الاعتقالات الأخيرة نوعًا من الاستعراض لإيهام الرأي العام والدولة السورية بالتحرك، إلا أنه في حقيقة الأمر لا يشكل ذلك ملاحقة حقيقية، ما يثير العديد من إشارات الاستفهام حول أداء الجهاز الأمني اللبناني”.

يشير المحامي السوري إبراهيم شاهين إلى وجود العديد من الأسباب التي أخرت تحرك الحكومة والقضاء اللبناني، أبرزها أسباب تقنية متعلقة بالتثبت من صحة المعلومات والتقارير الإعلامية، وأخرى متعلقة بغياب وجود مذكرات مخاطبات رسمية كاملة، إضافة إلى ضعف الأداء وطبيعة الوضع السياسي والمحاصصة الطائفية، وجميعها أسباب كافية لعرقلة المذكرات القضائية تجاه فلول النظام السابق.

مطلوبون دوليًا

سلمت كل من الولايات المتحدة وفرنسا وسوريا، قوائم اسمية لعدد من كبار ضباط النظام السابق، أبرزهم مدير المخابرات الجوية السابق جميل الحسن والذي تؤكد المعلومات الاستخباراتية تواجده في بيروت، وحتى اللحظة لم تقدم دائرة الأمن العام اللبناني أي رد على مثل هذه البرقيات، مكتفية بتعميم أسمائهم وفقًا للبروتوكولات الشرطية المتبعة.

يعلق المحامي صلبوح قائلًا: “الحرج الأكبر للأمن اللبناني ما وثقته وسائل إعلامية، دلت بشكل مباشر وصريح إلى عناوين وأماكن تواجد أكثر من 20 ضابطًا مع عائلاتهم، وحددت قرى وعناوين لمخازن السلاح، دون أي رد فعل لبناني يذكر، إضافة إلى أن كل من واشنطن وفرنسا لديها كافة المعلومات حول إقامة هؤلاء الضباط، يدل على ذلك قضية مقتل الطرماح أحد الفلول التابعة لسهيل الحسن، والمقابلة المصورة التي أجرتها CNN الأميركية مع اللواء بسام الحسن المطلوب دوليًا، وذلك في شقته الفاخرة بالضاحية الجنوبية، ورغم ذلك لم يتم اتخاذ أي إجراء بحقه”.

انتهاك دولي

يشير المحامي السوري إبراهيم شاهين إلى أنه يمكن لدمشق أن تلجأ إلى القانون الدولي، وذلك في حال عدم التحرك الفعال من قبل الجانب اللبناني، لافتًا إلى أنه يحق للحكومة السورية التواصل عبر الانتربول الدولي، وتقديم نشرات الأسماء وفقًا للبروتوكولات الدولية المتبعة، والتأكيد على ضرورة الالتزام باتفاقية التعاون القضائي بين البلدين.

أما المحامي صلبوح فيشدد على خطورة غياب الإجراءات الفاعلية من قبل الحكومة اللبنانية كونها موقعة على اتفاقية دولية لمناهضة التعذيب، والتي تجرم مرتكبي التعذيب، ويضيف: “لبنان ملزم بتطبيقها، وتسليم المرتكبين لجرائم التعذيب في سوريا، خاصة في ظل وجود عشرات الطيارين الذين قصفوا الآلاف من المدنيين الأبرياء، وفي خشيت الدولة اللبنانية أن تسلمهم لدولتهم سوريا بحجة احتمالية تعذيبهم، يمكنها محاكمتهم على أراضيها، وفي كلا الحالتين لبنان لم يقدم على أي خطوة منهما، ما يشير إلى أخطاء سياسية في معالجة هكذا ملف”.

———————————-

========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى