أبحاثتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

الحرية لا تُورَّث: سباق الدولة والمجتمع في سوريا/ وائل السواح

13.01.2026

كان من السذاجة طبعاً أن نتخيل – وقد فعلنا – أن سقوط نظام بشار الأسد، مهما كان توقيته أو طريقته، سيعني دخول سوريا مباشرة إلى الحرية. كان علينا أن نفكر في أن التغيير سيشكّل بداية مرحلة أصعب، وندرس التاريخ لنرى ما إذا كانت الحرية ممكنة بنيوياً أصلاً.

في كتاب “الممر الضيق: الدول والمجتمعات ومصير الحرية” (2019)، يقدّم دارون عجم أوغلو وجيمس روبنسون إطاراً نظرياً يفسّر لماذا يتعيّن على المجتمع أن يسعى بلا انقطاع إلى موازنة قوته مع قوة الدولة. ويستعير المؤلفان من رواية لويس كارول “عبر المرآة” شخصية الملكة الحمراء، بعبارتها الشهيرة: “عليك أن تركضي بكل ما أوتيت من قوة إذا أردت أن تبقي في المكان نفسه،” لوصف دينامية سياسية لا تصمد فيها الحرية إلا عبر شدّ وجذب دائمين بين دولة تتوسع ومجتمع يراقب ويقاوم ويُحاسب.

ويطلق الباحثان على هذا التصور اسم “أثر الملكة الحمراء،” بوصفه الآلية التي تُبقي المجتمعات داخل ما يسمّيانه “الممر الضيق” – الفضاء الهش الذي تتعايش فيه دولة قوية لكنها مقيّدة مع مجتمع منظّم ويقظ، بحيث لا تنفلت الدولة إلى الهيمنة ولا ينزلق المجتمع إلى تفكيك السلطة العامة.

يلتقط أثر الملكة الحمراء فكرة بسيطة لكنها مقلقة: الحرية ليست حالة مستقرة، ولا منحة تُكتسب مرة واحدة وإلى الأبد عبر الدساتير أو الانتخابات أو القيادة المستنيرة. إنها نتاج تجاذب دائم بين قوة الدولة وقوة المجتمع، يتعيّن فيه على الطرفين تطوير قدراتهما باستمرار لمجرد الحفاظ على التوازن. فإذا سبقت الدولة المجتمع في هذا السباق، انزلقت إلى الاستبداد. وإذا سبق المجتمع الدولة من دون بناء مؤسسات قادرة وخاضعة للمساءلة، تفككت السلطة العامة وسقط النظام في الفوضى أو في أشكال حكم غير رسمي. لا تبقى الحرية ممكنة إلا حين يستمر الطرفان في الركض معاً، بوتيرة متقاربة، داخل الممر الضيق، حيث لا يكون التوازن ساكناً، بل يُعاد إنتاجه بلا انقطاع.

الممر الضيق: بين اللوياثان المستبد واللوياثان الغائب

في صميم أطروحة عجم أوغلو وروبنسون صورة الممر الضيق، الذي يقف في أحد جانبيه اللوياثان المستبد، الدولة التي تتضخم قوتها بينما يظل المجتمع ضعيفاً، فتنتج هيمنة سلطوية. وعلى الجانب الآخر يقف اللوياثان الغائب، حيث يقيّد المجتمع الدولة إلى حد تتفكك معه السلطة العامة وتتناهى إلى تشرذم وفوضى أو حكم أفقي غير رسمي تقوده قوى محلية وزعامات تقليدية.

هنا يصبح أثر الملكة الحمراء شرطاً لازماً للبقاء داخل الممر. فكلما ازدادت الدولة قدرة – إدارياً أو قانونياً أو قسرياً – وجب على المجتمع أن يصبح أكثر تنظيماً وقدرة على المنازعة وفرض المساءلة. جوهر القضية أن التوازن ليس اتفاقاً نهائياً ولا لحظة تُعلن ثم تُترك لتعمل تلقائياً. إنه توازن يُختبر، ويُرمم، ويُعاد التفاوض عليه باستمرار. المجتمع الذي يستكين إلى أنه “حقق معادلة جيدة” مع السلطة يخسرها ببطء، لأن الدولة، بطبيعتها، تميل إلى توسيع صلاحياتها عندما لا تواجه مقاومة منظمة.

الملكة الحمراء في “عبر المرآة”: السلطة التي تجبرك على الجري كي لا تسقط

تعود شخصية الملكة الحمراء إلى رواية لويس كارول “عبر المرآة” الصادرة عام 1871، وهي عمل تخييلي يتابع فيه المؤلف مغامرة أليس في بلاد العجائب، حيث تدخل فيه الفتاة الصغيرة عالماً غرائبياً منظماً وفق منطق رقعة الشطرنج. تدخل أليس هذا العالم بوصفها قطعة صغيرة تسعى الى التقدم، وتواجه الملكة الحمراء بوصفها سلطة مقابلة تحكم هذا الفضاء بقواعد صارمة. الملكة الحمراء ليست شريرة بالمعنى التقليدي، لكنها تمثل خصماً سلطوياً وتعليمياً في آن: تشرح لأليس قوانين العالم الذي دخلته، وتفرض الالتزام بها من دون نقاش، وكأن السلطة هنا لا تُقنع بقدر ما تُدرّب وتؤدّب.

تمسك الملكة الحمراء بيد أليس وتجبرها على الركض بسرعة هائلة، ثم تكتشف أليس أنها، على رغم كل هذا الجهد، لم تتقدم خطوة واحدة. عندها تقول الملكة عبارتها: “البقاء في المكان نفسه يتطلب كل الجري الممكن، أما الوصول إلى مكان آخر فيحتاج إلى جهد مضاعف”. يلخص هذا المشهد، على بساطته، منطق عالم الملكة الحمراء: عالم يجعل الجهد شرطاً للبقاء، لا مكافأة للتقدم. وفي السياسة، تصبح الفكرة أشد قسوة: إذا توقفت القوى التي تقيد السلطة عن النشاط، لا يستقر الحال، بل يبدأ التراجع.

سباق لا نهاية له

من الأفكار الجوهرية في “الممر الضيق” أن بناء الدولة وتعبئة المجتمع لا يحصلان على نحو متسلسل أو مستقل، بل يتطوران جنباً إلى جنب. حين توسع الدولة نطاق نفوذها عبر البيروقراطية ووسائل إنفاذ القانون والتنظيم أو المراقبة، فإنها تنتج، في الوقت عينه، منافع عامة، وتطلق مخاطر جديدة تتعلق بالتسلط. لذلك، لا بد من أن تستدعي هذه التوسعات استجابات مقابلة من المجتمع: منظمات مدنية أقوى، قضاء مستقل، إعلام حر، أحزاب سياسية، حركات اجتماعية، وأعراف تنظم المشاركة والاعتراض.

يصف أثر الملكة الحمراء هذه العملية بأنها سباق دائم لا يسعى أي من الطرفين فيه إلى تحقيق “الانتصار،” بل إلى الحفاظ على التوازن. الدولة التي تتجاوز المجتمع تتحول إلى الاستبداد. والمجتمع الذي يتجاوز الدولة، من دون بناء مؤسسات مساءلة وحوكمة، يقوّض النظام العام ويستبدل الدولة بأشكال قوة غير رسمية. لذلك يصف المؤلفان النظام السياسي الأمثل بأنه “لوياثان مقيّد”: دولة قوية بما يكفي للحكم، لكنها مكبلة بقيود مجتمعية تُختبر وتُعزّز ويُعاد التفاوض بشأنها باستمرار.

وتنبع صرامة هذا التصور من حقيقة أن القوانين والمؤسسات ليست ذاتية الإنفاذ. حتى أكثر النظم إحكاماً تتآكل إذا انسحب المواطنون من الفعل العام أو قبلوا السلطة بوصفها قدراً محسوماً. الدولة القوية التي لا تواجه تحدياً منظماً ستوسّع صلاحياتها تدريجياً، غالباً عبر أدوات قانونية أو إدارية تبدو “محايدة” لكنها تراكم السيطرة.

ولا يقل خطورة عن ذلك الإغراء المعاكس: أن يعرّف المجتمع الحرية بوصفها إضعافاً للدولة على نحو مطلق. عندما تفتت القوى الاجتماعية السلطة من دون أن تستبدلها بمؤسسات خاضعة للمساءلة، يسقط المجتمع خارج الممر في الاتجاه المقابل، منتجاً انعداماً للأمن وأعرافاً قسرية أو عدم استقرار مزمن. من هنا يرفض أثر الملكة الحمراء، في آن واحد، الثقة السلطوية بالدولة القوية والارتياب الرومانسي من الدولة نفسها. الحرية تتطلب توتراً لا انسجاماً: شد وجذب يبقيان السلطة فعالة، ويمنعانها في الوقت ذاته من الانفلات.

وقد شهد التاريخ هذا المسار كثيراً جداً وفي مراحل عدة: في الصين خلال “عصر أمراء الحرب” (1916–1928) حين تفككت السلطة المركزية إلى قوى محلية مسلحة؛ ثم في روسيا في تسعينات القرن العشرين (1991–1999) عندما سمح ضعف الدولة بصعود شبكات الأوليغارش والاقتصاد الرمادي، وتحوُّل القواعد إلى امتيازات تُدار بالنفوذ؛ وأخيرا في الصومال منذ انهيار الدولة المركزية عام 1991 حيث حلّت ترتيبات العشيرة والميليشيات محل القانون العام، وأصبح الأمن والحقوق رهينة موازين قوة لا مؤسسات مساءلة.

الملكة الحمراء المنفلتة: حين تنحرف التعبئة فتقود إلى الاستبداد

قد تكون الحرية أكثر الكلمات السياسية تداولاً في التاريخ السياسي. وكثيراً ما أعطيت تفسيرات غريبة ومتناقضة. ولكن إذا كان ثمة شيء أكيد حول الحرية، فهو في رأيي أنها ليست معطى مستقراً، ولا تُكتسب بمجرد كتابة الدساتير أو إجراء الانتخابات.

إنها توازن ديناميكي يُعاد إنتاجه يومياً بين دولة قادرة ومجتمع منظّم ويقظ. وقد نجد في ألمانيا ما بين الحربين تجسيداً حاداً لمنطق “السباق المنحرف،” حين تتحول الطاقة المجتمعية من قوة مساءلة إلى قوة تمكين، فتغدو الجموع رافعة لاندفاع الدولة بدل أن تكون قيداً عليها. لذلك، لم يكن صعود النازية مؤامرة نخبوية تُدار من فوق، بل حركة جماهيرية صاعدة من الأسفل أعادت توجيه التعبئة الاجتماعية نحو إقصاء الخصوم وتجريدهم من الشرعية، ثم تحويل هذا الإقصاء إلى ممارسات قسرية منظمة، قبل أن تُدمج هذه الطاقة الشعبية بأدوات الدولة نفسها.

هنا لا يتوقف السباق، لكنه ينحرف: التعبئة لا تعود مساءلة، بل نزع شرعية. والقوة لا تُبنى لضبط الدولة، بل لتمكينها من تجاوز القانون. يضيق الممر لا لأن المجتمع ضعيف، بل لأنه يُعاد تنظيمه حول غايات استبعادية تطبع العنف السياسي وتلغي المنافسة.

وتتجلى خطورة هذا المسار في ثلاث آليات متتابعة: الاستقطاب الذي يحوّل السياسة إلى صراع وجودي، فتغدو التعبئة أداة لإلغاء الخصم لا لمساءلة السلطة؛ ثم انتقال القسر إلى الشارع عبر الميليشيات، حيث يصبح العنف لغة سياسية تمهّد للاستيلاء على الدولة؛ وأخيراً الاستيلاء القانوني، أي استخدام الإجراءات الدستورية نفسها لتفريغ النظام من الداخل، فتتوسع قدرة الدولة بينما تُسحق القوى القادرة على كبحها.

وتوضح التجربة الألمانية أن وجود انتخابات أو دساتير، بحد ذاته، لا يكفي لإبقاء السياسة داخل الممر. ما يحفظ الحرية هو وجود قوة مضادة لا يمكن حلّها بإرادة السلطة: قضاء مستقل، إعلام محمي، أحزاب ونقابات لا تُدمج في هرم واحد، مؤسسات أمنية مهنية، ومجتمع قادر على التعبئة من دون أن يُجرّم. هذا هو “اللوياثان المقيّد” – الصيغة الوحيدة القابلة للاستمرار.

الممر الضيق: أربع معادلات عربيّة

أثر الملكة الحمراء ينطبق بدرجة كبيرة على أربعة بلدان عربية يمكن أن تفسر لنا واقعياً ما قلناه نظرياً، لكن بطرق مختلفة تماماً. لبنان والعراق والسعودية وسوريا حالات أربع تجسد أربع علاقات متمايزة بين قوة الدولة وقوة المجتمع، وبالتالي أربعة مواقع مختلفة إزاء الممر الضيق. على الضفة التي يسبق فيها المجتمع الدولة تقف الحالة اللبنانية بوصفها الفشل المعاكس: مجتمع يسبق الدولة، لكن من دون بناء بديل قادر. الدولة ضعيفة ومجزأة ومختطفة، بينما المجتمع نابض وحيوي وقابل للتعبئة، لكنه منقسم طائفياً وزبائنياً، وتتحرك داخله قوى هجينة تمتلك قدرة قسرية واجتماعية تتجاوز الدولة وتمنع في الوقت ذاته إعادة بنائها. هنا قد يكون السباق موجوداً لكنه غير متكافئ ومشوه، حيث ينازع المجتمع، عبر الاحتجاجات والإعلام والمبادرات المدنية، غير أن الدولة عاجزة عن الاستجابة البنّاءة وعن تحويل الضغط الاجتماعي إلى قواعد مساءلة مستقرة. والنتيجة تراجع التطور المشترك، والوقوع في حال من الركود والشلل المتبادل، يدفع لبنان خارج الممر، باتجاه “اللوياثان الغائب،” حيث ينعدم احتكار الدولة القوة، وتنعدم القدرة على فرض المساءلة، وحرية اجتماعية وثقافية بلا حماية مؤسسية.

أما العراق فهو الحالة الأكثر التباساً: جزئياً داخل الممر، لكنه على تماس دائم مع المحيط، وقابل دوماً للخروج منه. بعد 2003 وُجدت مساحة للتعبئة الاجتماعية عبر الانتخابات والاحتجاجات والإعلام، غير أن الدولة ظلت مخترقة بالميليشيات وبالمحاصصة الطائفية وبالأثر الخارجي، فبقيت قدرتها منقوصة ومتزعزعة. وقد جسدت احتجاجات تشرين 2019 لحظة “ملكة حمراء” حقيقية: مجتمع يدفع ضد الأسر والقسر، لكنه يدفع الثمن بكلفة عالية من القمع والاغتيالات. السباق هنا نشط لكنه غير مستقر؛ المجتمع قادر على التعبئة، والدولة توسّع قدرتها على نحو انتقائي، غالباً عبر القسر لا عبر الحكم العادل، لذلك تبدو الحرية متقطعة لا بنيوية، ويتأرجح العراق على حافة الممر من دون أن يرسو داخله.

وتبقى السعودية الحالة الأكثر مفارقة: فهي تقترب من الممر، ولكن “من الأعلى،” عبر توسع كبير في قدرة الدولة إدارياً وتقنياً وقسرياً، فيما ظل المجتمع مفككاً سياسياً على رغم تغير الأعراف والأنماط الاجتماعية، وبقيت الإصلاحات مدفوعة أساساً من الدولة لا من ضغط مجتمعي منظم. لذلك يبدو السباق أحادي الجانب إلى حد بعيد: الدولة تجري بسرعة، بينما يتحرك المجتمع ضمن حدود مشاركة أضيق، ما يترك مساحة محدودة للمنافسة المستقلة أو التنظيم أو المساءلة السياسية. وبهذا المعنى تبدو السعودية قريبة من الممر لكنها ليست داخله: قدرة دولة قوية من جهة، وقيود مجتمعية سياسية أضعف من جهة أخرى. ودخولها الفعلي إلى الممر يتوقف على ما إذا كان تمكين المجتمع – أي حماية التنظيم المستقل وتوسيع المشاركة وتثبيت أدوات المساءلة – سيلحق بتوسع القدرة، أم سيبقى منفصلاً عنها، بما يترك التحديث مهدداً بالانزلاق إلى استبداد أكثر تطوراً.

أما سوريا، فيبدو السباق وكأنه انتهى بعنف، لا بمعنى أن المجتمع خسر جولة سياسية فحسب، بل بمعنى أن قدرته على التنظيم والمنافسة قد حُطِّمت منهجياً. تاريخياً، راكمت الدولة قدرة قسرية بلا قيود فأنتجت لوياثانا مستبداً كلاسيكياً، وحين حاول المجتمع أن “يجري” في 2011 عبر الاحتجاجات واللجان التنسيقية والمجالس المحلية، واجهه عنف شامل، وتسليح للصراع، وتشظيات طائفية، وتدخلات خارجية عمّقت القسر بلا مساءلة. النتيجة لم تكن إعادة توازن داخل الممر، بل إلغاء المجتمع كقوة مستقلة، بحيث غدا أثر الملكة الحمراء معطلاً لأن أحد طرفي السباق شُلّ عمداً. لذلك تقف سوريا اليوم بعيداً عن الممر الضيق: قوة دولة قسرية لكنها خاوية مؤسسياً، ومجتمع يعيش عبر شبكات غير رسمية ومجزأة أو في المنفى، ما يجعل إمكان الحرية ضعيفاً بنيوياً ما لم تُستعد القدرة المجتمعية على التنظيم والمساءلة – لا أن يُكتفى بإصلاحات شكلية من فوق.

ولكن هل يمكن للدولة والمجتمع أن يتعلما الجري معاً في سوريا؟

كان من السذاجة طبعاً أن نتخيل – وقد فعلنا – أن سقوط نظام بشار الأسد، مهما كان توقيته أو طريقته، سيعني دخول سوريا مباشرة إلى الحرية. كان علينا أن نفكر في أن التغيير سيشكّل بداية مرحلة أصعب، وندرس التاريخ لنرى ما إذا كانت الحرية ممكنة بنيوياً أصلاً.

السؤال الحاسم لن يكون: هل سيظهر قادة جدد، أو تُجرى انتخابات، أو تُكتب دساتير؟ بل: هل تستطيع سوريا دخول الممر الضيق، حيث تتطور الدولة القادرة والمجتمع المعبأ معاً من دون أن يسحق أحدهما الآخر؟

يمكن تخيّل أربعة مسارات انتقالية واسعة، لكن واحداً فقط يبقي سوريا داخل الممر.

السيناريو الأول، والذي لا يزال للأسف الأكثر احتمالاً والأكثر خطورة هو احتمال تجديد الاستبداد. في هذا المسار، تعيد سلطة مركزية بناء الأمن والإدارة بسرعة، بحجة أن “النظام يجب أن يسبق السياسة،” فتُعاد المؤسسات المركزية القوية، ولكن يُنظر إلى التنظيم الاجتماعي المستقل كتهديد للاستقرار لا كركيزة للشرعية.

هذا فشل مألوف: الدولة تجري، والمجتمع يُؤمر بالتباطؤ. تُؤجّل التعددية، يُضيّق الفضاء المدني، وتُقدّم المساءلة كترف مؤجل. وقد يبدو النظام جديداً في الظاهر، لكن المنطق قديم: القدرة القسرية تتوسع من دون قيود مجتمعية موازية. يتم استبدال المسميات فقط، فحزب البعث يغدو “الهيئة السياسية” والمخابرات تصبح الأمن العام، وضابط أمن الفرقة أو المؤسسة يصبح “الشيخ” الذي بيده الحل والربط والكلمة النهائية في كل مؤسسة أو فرقة أو وزارة. ولئن بدا هذا المسار عملياً في سياقات ما بعد النزاع، فإنه لن يكون مستقراً بنيوياً، وهو لن ينتج الشرعية، بل الطاعة، ويحوّل القمع إلى بديل دائم عن القبول.

يقف على الطرف الآخر سيناريو ضعف الدولة المتخفّي في صورة “حرية،” حيث يفضي سقوط النظام القديم إلى تعددية مجزأة: مجالس محلية، وميليشيات، وشبكات زبائنية، ورعاة خارجيون يملأون الفراغ الذي تتركه سلطة مركزية انتقالية ضعيفة – أي حكومة في العاصمة عاجزة عن بسط احتكار القوة، وإنفاذ قانون واحد، وإدارة الموارد والخدمات على مستوى وطني. في هذا السياق، يبقى المجتمع نشطاً لكنه غير موحّد، وتظل السلطة متنازعاً عليها بلا مساءلة.

وليس كشفاً القول إن هذه ليست حرية في منطق “الممر الضيق.” إنها حالة لوياثان غائب: لا احتكار فعال للقوة، ولا قدرة على فرض قواعد عادلة. وفي مصطلحات الملكة الحمراء، المجتمع يجري أسرع، لكن الدولة لا تستطيع اللحاق، فتكون النتيجة إنهاكاً مؤسسياً وحقوقاً غير متساوية وعدالة يُفاوض عليها بدل أن تُفرض. ومع الوقت، يولّد الإنهاك مطالب بـ “قيادة قوية،” وغالباً ما يمهّد الطريق لعودة الاستبداد.

بين هذين الفشلين، مسار ثالث غامض قد يكون الأقرب إلى حال سوريا الراهن. التأرجح، حيث تتناوب الدولة بين لحظات انفتاح وفترات قمع. يتوسع الفضاء المدني ثم ينكمش. تُعلن إصلاحات ثم تُعلّق. يتحقق تقدم على شكل دفعات ثم يُعكس تحت ضغط أمني أو انقسام سياسي أو صدمات خارجية.

يأتي هذا بسبب تعثّر الملكة الحمراء لا توقّفها. فالسباق لا يزال قائماً، ولكن ليس على قدم وساق وبلا إيقاع مشترك أو قواعد مؤسسية ثابتة. قد يدوم هذا المسار سنوات، لكنه يميل في النهاية إلى الحسم باتجاهين: إما توطيد السلطة القسرية، أو التفكك إلى قوة غير رسمية. من دون مؤسسية متعمدة للقيود المتبادلة، يبقى الممر بعيداً.

وأخيراً، هنالك السيناريو الوحيد المتّسق مع حرية قابلة للاستمرار هو أيضاّ الأكثر تطلباً. إنه الدخول المدروس إلى الممر الضيق. ولا يتطلب هذا الخيار ديمقراطية فورية أو عدالة مثالية، بل يتطلب مبدأ أساسياً: كل توسع في قدرة الدولة يجب أن يقابله توسع مقابل في قيود المجتمع.

عملياً، يعني ذلك إعادة بناء الدولة مع حماية قدرة المجتمع على التنظيم والمنافسة ومساءلة السلطة. توحيد مؤسسات الأمن ومهنيتها، لكن وضعها تحت إشراف مدني وقضائي. جعل المحاكم مساحة لفض النزاع لا امتداداً للسلطة التنفيذية. حماية عمل الإعلام والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، حتى عندما يكون مزعجاً. هنا يصبح أثر الملكة الحمراء مبدأ حكم: الدولة تجري ببناء القدرة، والمجتمع يجري بتعميق الرقابة. لا يُسمح لأي طرف بالتوقف.

ما الذي سيحدد مسار سوريا إذاً؟ من منظور الملكة الحمراء، لن يُحسم مستقبل سوريا بالشعارات والتصريحات والمؤتمرات الاحتفالية التي تناسب ترندات السوشيال ميديا، بل بالتسلسل والتوازن:

إذا تقدّم إصلاح الأمن أسرع من القيود القانونية، يعود الاستبداد.

إذا سبقت التعبئة الاجتماعية إعادة بناء الدولة، يتعمق التفكك.

إذا تقدما معاً، تصبح الحرية ممكنة بنيوياً.

ويبقى الخطر الحقيقي في عدم التوازن، حيث تُغرى دول ما بعد النزاع غالباً بـ “إيقاف المنافسة” باسم إعادة البناء. ولكن أي توقف أو إيقاف سيكون قاتلاً، لأن التوقف ليس ثباتاً في المكان، بل بداية تراجع.

وختاماً، يعيد أثر الملكة الحمراء تعريف الحرية بوصفها مساراً طويلاً ومتشابكاً. وإن شئنا استعارة من الفيزياء، فهي أقرب إلى جسيم لا يستقر في موضع نهائي، بل تتحرك حدوده على الدوام وفق توازنات دقيقة؛ يكفي اختلال صغير كي يتبدل كل شيء. ليست الحرية سردية رومانسية، ولا نهاية سعيدة تصل إليها المجتمعات ثم تحميها سلبياً، بل شيئاً يتعين عليها إنتاجه باستمرار عبر اليقظة والصراع وتجديد المؤسسات.

وللبقاء داخل الممر الضيق، يجب على المجتمعات أن تواصل الركض، لا نحو نهاية محددة، بل في مواجهة الجذب الدائم للهيمنة من جهة والانهيار من جهة أخرى. فالوقوف في المكان ليس حياداً، بل تراجع. وفي تصور عجم أوغلو وروبنسون، لا تعيش الحرية إلا حيث تظل الدولة والمجتمع منخرطين في تنازع منتج لا ينتهي – لأنه من دونه لا يمكن للحرية أن تدوم.

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى