أبحاثإشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"التدخل الاسرائيلي السافر في سورياتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سورياعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

الخواصرُ الرخوة في سورية: فيدراليات مُقبِلَة أم بؤر استنزاف؟/ عبير نصر

11 يناير 2026

من زاويةٍ واقعيةٍ خالصة، تبدو الكتابة عن الاستعصاء السوري حمّالة أوجه، خصوصاً أنّ سقوط نظام الأسد لم يكن نهاية حكاية طغمة فاسدة بقدر ما كان بدايةَ سيناريو مفتوحٍ على كل الاحتمالات. وعليه، لا يمكن فصل طريقة تعاطي القوى الغربية مع الصراع السوري عن موقع سورية في خريطة الأطماع الإقليمية والدولية، حتى وإنْ غُلّفت أحياناً بشعاراتٍ إنسانيةٍ أو سياسيةٍ وأمنية، فإدارة الأزمة السورية لم تكن نتاج عجز سياسي أو فشل دبلوماسي، بل جاءت ضمن مقاربةٍ محسوبةٍ تُبقي باب العبث مفتوحاً، بالتزامن مع ضبط إيقاع التراجيديا السورية، بيئةً خصبة قابلة للاستثمار في صراع أوسع على النفوذ والطاقة. بصفة عامة، لدى الغرب شهوة منحرفة للاستئثار في ظلّ استشراء ثقافة المعادلة الصفرية، من ثم، تظهر سياسةُ تعليق النزاعات المستعصية في المناطق الحيوية بمنزلة تشخيص أولي من دون تقديم خلاصاتٍ نهائية، لمنع تشكّل وقائع مفاجئة قد تخلّ بتوازناته الإستراتيجية، حتى وإنْ لم يُعلن ذلك صراحة. فالسيطرة على مناطق الاحتياطي (الغازي) في العالم يعتبر أساس الصراع الدولي في تجلياته الإقليمية، ما يفسّر اللهاث المَرَضِي على سورية، التي تشكّل عقدة وصلٍ حسّاسةً بين الخليج وتركيا وأوروبا، وتشرف على شرق المتوسط الغني بالغاز. من هنا، جرى التعامل معها على قاعدة تعطيل الحسم ومنع التعافي، عبر إدارة الملفات بطريقة تُبقي الدولة في حالة إنهاكٍ دائم، وتحويل موقعها السيادي إلى أداة تفاوض، تُستخدم لإبقاء القرار السوري مرتهناً، ولمنع تشكّل توازن إقليمي جديد لا يمر عبر البوابة الغربية.

يمكن القول إنّ فشل حكومة دمشق في إدارة الاختلاف داخل الفضاء السياسي أفرز فواعل محلية التفّت حول ما يسمّى “حلف الأقليات”، في مناطقَ تشهد عملية إعادة التموضع بعد انهيار الهياكل السلطوية القديمة، بدايةً لاختبارٍ مبكّر: الساحل السوري يقبع على صفيح ساخن بعدما شهد تظاهرات شعبية واسعة “علوية”، نقلت الحراك من احتجاجاتٍ محدودةٍ إلى مستوى أكثر حساسية إثر صدامها مع تحركاتٍ مضادّة، وما رافق ذلك من شغبٍ واشتباكاتٍ أمنية.

وفي مدينة السويداء، يطالب دروزٌ بالاستقلال التام عن الدولة المركزية، لتتحوّل الجغرافيا في الجنوب برمته ساحةً لمواجهةٍ غير معلنة، تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الإقليمي مع صياغة ترتيباتٍ مستحدثة، تتجاوز ما استقرّ عليه اتفاق فكّ الاشتباك الموقّع عام 1974 إلى داخل الجغرافيا السورية، ما يمنح إسرائيل إمكانية مراقبة المسارات المستقبلية لنقل الغاز والطاقة عبر “ممر داود”، وهو المشروع المُشتهى لتل أبيب التي ستُظهر للجميع كيف يتحوّل معبرٌ صغيرٌ أداةً محورية فاعلة في التوازن الإقليمي. من يتحكّم في المعابر يتحكم في إيقاع القرار السياسي في شرق المتوسط، حيث تغلي المصالح المتناقضة، والخطّة إبقاء الجنوب السوري مشلولاً بين الانقسام والفوضى، لتحويل سياسة القضم الإسرائيلي إلى ورقة مشروعة تدخل في إطار أيّ صفقةٍ شاملة ترتبط بتسوية سياسية كبرى.

على التوازي، يرى مراقبون أنّ خيار تمديد اتفاق 10 مارس بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً بعد انتهاء مهلة تنفيذه، أقرب إلى تكنيك “كسب الوقت” منه إلى مرحلة حسم، بدلالة الاجتماع الذي أقيم بداية يناير/ كانون الثاني الجاري، والذي لم يحقق، بدوره، نتائج ملموسة، مع استمرار الخلافات حول آليات الإدماج ورفض مبدأ الفيدرالية بالمطلق، بينما يرى آخرون أنّ الاشتباكات الحالية الدامية في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، ذوي الغالبية “الكردية”، تثير المخاوف بشأن انهيار الاتفاق نهائياً، وقد سبق أنْ لوّحت تركيا بالتدخل بحجّة أنّ “قسد” لا تتخذ خطوات عملية نحو الاندماج.

بناء على ما تقدّم، يُترك الاستقرارُ هشاً في الجنوب السوري، بانتظار الوقت المناسب لتحويله معبراً استراتيجياً بالغ الأهمية، أما الشمال الغربي، فيمثل البعد البحري للصراع الطاقي، يجعله ساحة مراقبةٍ لا ساحة تنميةٍ فعلية، وفي شمال شرقي سورية تبدو الصورة أكثر وضوحاً، إذ تُدار الموارد النفطية والغازية بوصفها أداة ضغط تطرح حلولاً فضفاضة، تُوقِع الحكومة الجديدة في فخّ حوارٍ عقيم، يمنعها من استعادة سيادتها الكاملة على هذه الموارد، وتحقيق استقلالية اقتصادية وسياسية حقيقية، لإبقاء سورية في موقع التابع، لا الشريك. أما الحلّ المستدام فيحمل خطر خروجها من دائرة السيطرة، واستعادة قرارها الوطني، وهو ما لا ينسجم مع منطق الهيمنة السائد.

وقد يكون مجانباً للصواب الجزم أنّ سورية اليوم تشهد مخاضاً عسيراً لم تتبلور نتائجه النهائية، بعد تحوّلها عقدةً مركزية في الصراع الدولي على ثروات الشرق الأوسط، ليس بسبب حجم إنتاجها المباشر فقط، بل أيضاً لأنها حلقة وصل نادرة بين منابع الطاقة، شرقاً وغرباً. منح هذا الموقع المناطق الثلاث، المذكورة آنفاً، أهمية استراتيجية متداخلة، دفعت القوى الفاعلة لجعلها خواصر رخوة في جسدٍ متهالك، تسودها اضطراباتٌ تُحدِث تداعياتُها تحولاتٍ جذريةً خطيرةً غير مضبوطة، يمكّن تلك القوى من إعادة تشكيلها متى دعت الحاجة.

وما يربط هذه المناطق تكامل أدوارها في خريطة الطاقة الإقليمية: الجنوب يمثل مسارات العبور، والساحل يشكّل البوابة البحرية ومسرح التنافس الدولي، فالقواعد الروسية في اللاذقية وطرطوس تمنع تشكّل منظومة طاقة أوروبية مستقلة عن نفوذها، بينما تسعى تركيا وإسرائيل لإعادة رسم توازنات الغاز البحري عبر الساحل السوري، أما الشمال الشرقي فيمثل مصادر الطاقة الفعلية. وقد ترتّب على ذلك جدلٌ محموم مفاده أنَّ من يسيطر على هذه البؤر الملتهبة يفرض هيمنته الكاملة على القرار السوري.

ومهما يكن من أمر، فلا يمكن قراءة المشهد السوري بطريقةٍ عاطفيةٍ انتقائية، بل يحتاج إلى تحليل منطقي يضع الوقائع في سياقها التاريخي والسياسي والاجتماعي، خصوصاً أنه يشهد حالة تشابكٍ نادرةً بين تحوّلات البنى السلطوية في الداخل وإعادة هندسة الخرائط الأمنية من الخارج، فواشنطن لم تعد تتعامل مع سورية بوصفها ملفّاً هامشياً، بل حلقة مهمّة في معادلة إقليمية تهدف إلى إنتاج توازنات جديدة تغيّر وجه الشرق الأوسط. في السياق، هناك إجماع حول ماهية هذا النوع من الصراعات المركّبة الذي غالباً ما يستمر فترات طويلة، وعماده قوة استقطاب طائفي تزيد من زخم الاستعصاء وتحدّياته، وتعمل على تحقيق التعبئة الأيديولوجية بعيداً عن هموم الواقع وأولوياته، في ظلّ رفض عالمي أهوج للانتقال الحقيقي إلى مرحلة ما بعد الصراع، ما يزيد من تعقيد الوضع السوري، المأزوم أصلاً، والذي لن يكون له المقاربات والاستحقاقات نفسها مقارنة بالعقود الماضية. فالقوى الفاعلة تطرح الملف السوري باعتباره ورقة رابحة تحتل مواقع متقدمة على طاولة التفاوض، محوّلة سورية من لوحة فسيفسائية تعكس قوة التنوع إلى خريطة مشوهة تغص بمناطق نفوذٍ تتبدّل تحالفاتها وفقاً لموازين المصالح المبيّتة.

بالمختصر، إدارة الصراع السوري، وخلال أكثر من عقد، لم تُنتج حلولاً نهائية، بل أنتجت أزمات متراكمة، دفع السوريون ثمنها باهظاً، فيما بقيت ملفات الطاقة والغاز حاضرة في الخلفية، بوصفها محرّكاً صامتاً لكثير من القرارات الدولية، جزءاً من نظام دولي يتعامل مع النزاعات الدامية لا باعتبارها مآسي إنسانية، بل أدوات جيوسياسية طويلة الأمد. من هذه الزاوية، تبدو التجربة السورية نموذجاً كاشفاً لفهم كيفية إدارة الصراع بدل حلّه، فالصراعات كما الاستثمارات، تدار على نارٍ باردة، فيما تدفع الشعوب ثمن انتظار الحلول المؤجلة.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى