القراءة… آخر خطوط الدفاع أمام تعفّن الدماغ/ عاصف الخالدي

15 يناير 2026
تشير دراسات نشرت نهاية عام 2025، إلى أن “تعفّن الدماغ” ظاهرة وبائية، لها أعراضها كما في الأمراض، ومنها التشتت وتراجع القدرات الإدراكية وازدياد الاندفاع في اتخاذ القرارات، إضافة إلى تأثيره على أماكن معينة في الدماغ، مما يتسبب في إضعاف القدرة على معالجة المعلومات المعقدة أو التفاعل مع النصوص الطويلة. فمثلاً، تركز إحدى هذه الدراسات على أن الأفراد المصابين بإدمان الفيديوهات القصيرة “يكونون أكثر ميلاً لاتخاذ قرارات متهورة في الحياة، إذ تُضعف قدرتهم على تقييم العواقب بعيدة المدى”.
القراءة وسيلة لمحاربة تعفّن الدماغ
ربما يفسّرها البعض بأنها مجرد ظاهرة ثقافية تواكب روح العصر لحث الناس على القراءة واكتساب المعرفة، لكن الدراسات تواصل تحذيرها من “تعفّن الدماغ” المرتبط بالإدمان الرقمي والابتعاد عن القراءة. صدر العديد منها سنة 2025 ومطلع العام الجاري، ورغم الجدل بشأنها، إلا أنها تعكس صراعات مستقبلية ممكنة، ربما تحدد مصير العقل البشري وقدراته على التفكير والاستقلالية والإبداع.
ففي مطلع العام الجاري، أثارت بعض الدراسات مسألة أهمية القراءة مجدداً، ليس بوصفها أداة للتطور الثقافي لدى الأفراد والمجتمعات والحضارات فقط، بل وسيلةً لمحاربة “تعفّن الدماغ”، وهو مصطلح جديد نسبياً يرجح ظهوره مطلع عام 2024، اختارته جامعة أكسفورد ضمن تقليد سنوي لاختيار الكلمات الأكثر تأثيراً وتعبيراً عن وضع عالمي معين. ولقد استخدم المصطلح لوصف تدهور الحالة الذهنية أو الفكرية للفرد، نتيجة الإفراط في استهلاك محتوى سطحي أو غير محفّز، خصوصاً عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
ورغم أن هذا المصطلح انتشر بين الناس من باب السخرية بدايةً، إلا أنه شكّل تحدياً عالمياً معترفاً به في بعض الدوائر العلمية والثقافية، إذ قيل إنه ربما يؤدي إلى تدهور القدرات المعرفية والدماغية عبر “الاستهلاك المفرط وغير الناقد للمحتوى الرقمي منخفض الجودة، الذي يتميز بالإيقاع السريع والتحفيز البصري العالي والافتقار إلى العمق الموضوعي”، مما يقود إلى فقدان التركيز بشكل شبه دائم، وفق دراسة منشورة في تركيا مطلع هذا العام ضمن مجلة “المنهجيات المعاصرة في الطب النفسي”، بعنوان “الاستهلاك المفرط للمحتوى الرقمي والتراجع المعرفي: مراجعة حديثة لظاهرة تعفّن الدماغ”. لكن التأثيرات لا تتوقف عند هذا الحد.
من اعتياد القراءة إلى الإدمان الرقمي
استغرق مسار تطور القراءة لدى البشر آلاف الأعوام، إذ لم يولدوا مستعدين لها وراثياً كما هو الحال في النطق أو الرؤية، وبمرور الزمن، أدت القراءة إلى توسع المعرفة ونشوء التفكير المنطقي وتطور القدرات التحليلية والإبداعية لدى الإنسان. اليوم، أصبح هذا التاريخ الطويل مهدداً بالإدمان الرقمي، وبالادعاء أن “المنصات الجديدة هي الوسيلة الوحيدة للبقاء الاجتماعي” كما يقول عالم اللسانيات ستيفن روجر فيشر في كتابه “تاريخ القراءة” (منشورات كلمة، 2023)، والذي يرى أيضاً أن دور القراءة التقليدي في إثراء العقل يمضي إلى زوال.
في المقابل، يُقلّل بعض المتخصصين من شأن ما تطرحه الأبحاث العلمية والنقاشات الفلسفية والاجتماعية حول خطر ظاهرة تعفّن الدماغ، إذ لا توجد حتى اليوم إحصائيات موثقة تشمل شرائح كبيرة من الأشخاص لإظهار أثر حقيقي لها عليهم، إذ فسروا انتشار الجدل بخصوصها بأنه نتيجةٌ للخوف من التكنولوجيا ووتيرة تطورها السريعة، إضافة للمبالغة التي ربما يُقدِمُ عليها المثقفون ومحبو الكتب ودور النشر، لزيادة الاهتمام بالكتب، كلٌ وفق مصالحه.
ورغم هذه الآراء، فإن القراءة ليست مجرد فعلٍ يقدم المتعة أو الثقافة والمعرفة، بل أصبحت ضرورة أيضاً، فمثلاً، يطرح كتاب “نبض الخيال” (منشورات جامعة كامبريدج، 2025)، لمؤلفته سارة تراسمندي، موضوع القراءة من خلال الكتب، على أنه تفاعل أكثر عمقاً من أي وسيلة أخرى رقمية أو تكنولوجية، لأنه “يمنح القارئ مجالاً واسعاً من التجارب الحسية والعاطفية العميقة، التي تُعزّز المرونة العصبية”، إذ تعيد القراءة ضبط إيقاع الانتباه وتجبر الدماغ على بناء مسارات عصبية جديدة، وذلك لأن القراءة تحفز المعالجة البصرية وفهم اللغة وتنشيط الذاكرة والتفكير.
المعلومات للجميع والمعرفة للنخبة
لا تنتهي الجدالات حول “تعفّن الدماغ” بوصفه مصطلحاً ملتبساً، بانتصار عشاق القراءة ومحبي الأدب والمعرفة على متصفحي وسائل التواصل المدمنين أو العكس، بل توجد رؤى متنوعة أخرى، تذهب بالفكرة إلى أماكن أبعد، يتمثل أهمها في قضية “السيادة المعرفية” المطروحة على أنها قضية الأجيال القادمة ومحور الصراع المستقبلي بين المؤسسات والشركات والأفراد، وحتى الدول، وهذا للدور الذي يمكنها لعبه في تغيير العالم.
في كتابه “السّيادة المعرفية: إطار من سبع خطوات لاستعادة التركيز، والتفكير باستقلالية، والازدهار في عالم صاخب” (بارنز ونوبل، 2025)، يقول الباحث محمد يوسف، إن السيادة المعرفية تتمثل في “القدرة الفردية على التحكم في الموارد الذهنية والبيئة التي تشكلها”، وتكمن أهميتها برأيه، في أنها تعد فعل مقاومة ضد الاستنزاف الذهني في عصرٍ رقمي يعتبر تركيزنا فيه سلعة، تُقَدَّر بـ 2.3 تريليون دولار سنوياً.
تقوم البيئة الرقمية بتحويل انتباهنا وأسلوب حصولنا على المعلومات والمعرفة، عبر وسائل التواصل والفيديوهات القصيرة وعروض الكتب السريعة، وقوائم التفضيلات وغيرها، ويعيد معظمها توجيهنا وفق خوارزميات تدرس أنماط التفكير وتحاول التحكم فيها وإعادة توجيه الأشخاص وفقها، وهو ما يراه محمد يوسف خطراً كبيراً، لأنه يُصبح “قوة تشكيلية” تعيد تشكيل أدمغة البشر، ولن يخفف من وطأة هذه القوة حسب الكتاب، سوى اختيارات أكثر حرية وأكبر أثراً، ومن أهمها، القراءة.
هل تستحق القراءة كل هذا الدفاع عنها؟ خصوصاً أن وسائل التواصل وأدوات الذكاء الاصطناعي باتت بديلاً يومياً لدى الكثير من الناس في أعمالهم وحياتهم وضمن أساليب حصولهم على المعلومات والأفكار، رغم أننا لا نزال نقرأ كثيراً عبر حواسيبنا وهواتفنا أيضاً. سؤال يستدعي مزيداً من التفكير والبحث مع تغيّر أشكال التلقّي لمصادر المعلومة وسيل الأفكار المتدفق في حياتنا اليومية.
العربي الجديد



