العلاقات السورية-الأميركيةتشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

تطور الاقتصاد السوري تحديث 16 كانون الثاني 2026

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:

تطور الإقتصاد السوري

—————————————-

تحديث 16 كانون الثاني 2025

————————-

أسعار المحروقات في سورية بين سعرين للدولار وواقع معيشي مضطرب/ نور ملحم

16 يناير 2026

تشهد أسعار المشتقات النفطية في سورية حالة مستمرة من عدم الاستقرار، في ظل التعديلات شبه الأسبوعية التي تُجريها الشركة السورية للبترول على تسعيرة المحروقات. وتعتمد هذه التعديلات على سعر صرف للدولار يختلف عن السعر الرسمي الذي يحدده مصرف سورية المركزي، وكذلك عن سعر السوق الموازي، ما ينعكس مباشرة على الأسواق ويعمّق حالة الضبابية لدى المستهلكين والتجار على حد سواء.

وتعتمد الشركة في تسعير البنزين والمازوت على سعر صرف متغيّر للدولار مقابل الليرة السورية، لا يلتزم بالنشرة الرسمية للمصرف المركزي ولا بسعر التداول في السوق السوداء. ففي بعض الأحيان يكون هذا السعر أعلى من السعر الرسمي وأقل من سعر السوق، أو يتجاوزهما معاً في أحيان أخرى، ما يخلق فجوة تسعيرية تربك حركة السوق وتفتح الباب أمام موجات جديدة من الغلاء.

وفي مثال حديث على هذا التباين، حدّد مصرف سورية المركزي سعر صرف الدولار عند 11 ألف ليرة للمبيع والشراء، فيما بلغ سعر الدولار في السوق السوداء نحو 12,250 ليرة للشراء و12,350 ليرة للمبيع، بينما اعتمدت الشركة السورية للبترول سعراً وسطياً للمحروقات بلغ 12,100 ليرة للدولار الواحد، وهو ما اعتبره متابعون دليلاً إضافياً على غياب مرجعية واضحة للتسعير.

هذا التذبذب اليومي ينعكس مباشرة على معيشة السوريين، ولا سيما العاملين في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على المحروقات. وفي السياق، قال شادي داود، سائق سيارة أجرة في دمشق، لـ”العربي الجديد”، إن تغيّر سعر البنزين بشكل شبه يومي، حتى وإن كان طفيفاً، يضعه أمام مخاطر الخسارة الدائمة، إذ لم يعد قادراً على تحديد أجرة الرحلة في ظل ارتفاع التكاليف وعدم استقرارها، متسائلاً عن كيفية قدرة المواطن على التكيف مع هذا التخبط المستمر.

ولا يختلف حال سائقي النقل الجماعي كثيراً، حيث يوضح محمد سلطان، سائق ميكروباص يعمل على خط جرمانا – دمشق، أنّ السائقين باتوا في مواجهة يومية مع الركاب بسبب تغيّر أسعار المحروقات، مشيراً لـ”العربي الجديد” إلى أن الأجور المحددة تصبح غير واقعية بعد فترة قصيرة من صدورها. وأضاف أن السائق يُترك وحيداً بين خيار العمل بخسارة أو رفع الأجرة وتحمّل غضب الركاب، في ظل غياب أي دعم أو آلية تعويض، ما يدفع بعض السائقين إلى تقليص عدد الرحلات أو التوقف عن العمل في بعض الأيام.

من جهتها، أكدت نبيهة العاص، وهي ربة منزل، أن جميع الأسعار باتت مرتبطة بالمحروقات، إذ ينعكس أي ارتفاع فيها فوراً على أسعار الخضراوات والفواكه والسلع الأساسية. وأوضحت أن الفروق البسيطة في التسعير تتراكم سريعاً لتتحول إلى عبء ثقيل على القدرة الشرائية للأسر.

ويرى تجار أن هذا الواقع يفرض عليهم اعتماد سياسة تسعير احترازية. بدوره، قال شعبان المحمد، صاحب سوبر ماركت في منطقة المزة بدمشق، لـ”العربي الجديد”، إن العلاقة بين أسعار المحروقات وأسعار السلع علاقة طردية لا يمكن فصلها، مشيراً إلى أن التذبذب اليومي في التسعير يدفع كثيراً من التجار إلى رفع الأسعار كإجراء وقائي، لأن أي تاجر لا يستطيع تحمّل الخسائر الناتجة عن تغيّر كلفة النقل، التي قد تصل في بعض الأحيان إلى 100 ألف ليرة سورية للرحلة الواحدة.

وفي ما يتعلق بآلية التسعير، صرّح مدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة السورية، أحمد سليمان، لـ”العربي الجديد”، بأنّ التعديلات التي تطرأ على أسعار المشتقات النفطية تأتي في إطار ما وصفها بـ”المواءمة الدورية” مع سعر الصرف المعتمد، مؤكداً أن الهدف منها ضمان استقرار تأمين المحروقات ومنع حدوث اختناقات في السوق، وليس تحميل المواطنين أعباء إضافية. وأضاف أن البنزين والمازوت متوفران حالياً في محطات الوقود بكميات غير محدودة ووفق السعر الرسمي، مشيراً إلى أن الوزارة تتابع تطبيق التسعيرة في مختلف المحافظات، وأن أي تجاوزات يتم التعامل معها عبر الجهات الرقابية المختصة.

سورية: تمديد الدوام في مديريات النقل لتخفيف الازدحام

كما أشار سليمان إلى أن سورية باتت تنتج جزءاً من احتياجاتها من المشتقات النفطية، ما قد ينعكس مستقبلاً على تخفيض الأسعار. ولفت إلى أن أي انخفاض في أسعار المحروقات من شأنه أن يخفّض تكاليف نقل البضائع والسلع، وبالتالي ينعكس إيجاباً على أسعارها في الأسواق. وحول واقع المصافي، أوضح أن مصفاة بانياس غربي سورية تعمل بنسبة تقارب 80% من طاقتها الإنتاجية، فيما تتراوح نسبة تشغيل مصفاة حمص وسط البلاد بين 30 و40%.

غير أن هذا التبرير الرسمي لا يبدّد، وفق اقتصاديين، المخاوف المتزايدة في الأسواق من استمرار حالة عدم اليقين. ويرى الخبير الاقتصادي كرم شعار أن التعديلات شبه اليومية على أسعار المحروقات تعكس غياب سياسة تسعير مستقرة وواضحة، معتبراً أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في مستوى الأسعار، بل في عدم القدرة على التنبؤ بها. وقال شعار لـ”العربي الجديد” إن اعتماد سعر صرف متغيّر وغير معلن المعايير يدفع التجار إلى رفع أسعارهم بشكل استباقي للتحوط من أي تغيير مفاجئ، ما يؤدي إلى تسريع التضخم وإضعاف الثقة بالتسعيرة الرسمية، وأكد أن تثبيت سعر الصرف المعتمد لفترة زمنية محددة بات ضرورة لتخفيف الفوضى في الأسواق.

وبين خطاب رسمي يربط التعديلات بضمان توفر المشتقات النفطية، وواقع معيشي يتأثر بأي تغيير في أسعارها، يبقى المواطن السوري الحلقة الأضعف في معادلة تسعير غير مستقرة. فغياب سياسة واضحة وثابتة لأسعار المحروقات لا ينعكس فقط على كلفة النقل أو السلع الأساسية، بل يكرّس حالة دائمة من عدم اليقين في الأسواق، ويدفع مختلف الفاعلين الاقتصاديين إلى العمل بمنطق التحوط والخوف من الخسارة. ومع استمرار التعديلات شبه اليومية، تتزايد التساؤلات حول قدرة هذه السياسة على تحقيق الاستقرار المنشود، في وقت تبدو الحاجة ملحّة إلى تسعير أكثر شفافية وقابلية للتنبؤ، يخفف من الأعباء المتراكمة على السوريين.

العربي الجديد

————————-

الغاز الإسرائيلي في طريقه إلى سوريا ولبنان/ محمد عادل

16.01.2026

بالنسبة إلى سوريا ولبنان، اللذين سيشتريان، وفق الاتفاق، غازًا مسالًا يُنقل عبر الأنابيب، وهو خيار معروف بارتفاع تكلفته، فيشير الخبراء الذين تحدثوا إلى “درج” إلى أنه لا توجد أمامهما خيارات أخرى واقعية، ولا سيما في ظل عدم قدرتهما المالية على استئجار سفن أو إنشاء محطات تغويز.

مع الإعلان عن اتفاقات توريد الغاز إلى سوريا ولبنان عبر خط الغاز العربي مرورًا بمصر والأردن، وهو الخط نفسه الذي تستخدمه الدولتان لاستيراد الغاز من إسرائيل، عاد ملف الطاقة إلى الواجهة بقوة.

وبين ما هو مُعلَن وما هو غير مُعلَن، والمسارات التقنية المعقّدة لتدفقات الغاز، يحاول هذا التقرير مقاربة كيف انعكس مسار خط الغاز العربي، الذي أُنشئ في الأصل لتصدير الغاز المصري إلى الدول العربية، لينتهي به الأمر أداةً لتوريد الغاز الإسرائيلي إلى تلك الدول.

قضية توريد الغاز الى هذه الدول تطرح سؤالاً رئيسياً: هل تمثّل هذه الترتيبات مجرد تعاون طاقي لسد أزمات محلية، أم أنها خطوة أوسع لربط أربع دول عربية بمنظومة طاقة معتمدة على إسرائيل وتديرها وتستفيد منها الولايات المتحدة؟

ماذا نعرف حتى الآن؟

 يوم 12 كانون الثاني/ يناير، أشارت مواقع صحافية مصرية عدة، نقلًا عن مصادر حكومية مصرية، منها “اقتصاد الشرق بلومبرغ”، إلى أن مصر بدأت بتفعيل اتفاقية تصدير الغاز التي وقّعتها خلال الأيام الماضية مع سوريا ولبنان، إذ من المفترض ضخ نحو 50 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميًا لكل دولة، وهو ما يشكل نحو 20–25 في المئة فقط من حاجة محطتي توليد الطاقة العاملتين في لبنان.

في 29 كانون الأول/ ديسمبر 2025، وقّع لبنان ومصر مذكرة تفاهم لتلبية احتياجات لبنان من الغاز الطبيعي، وبعدها بأيام قليلة، في 5 كانون الثاني 2026، وقّعت سوريا أيضًا مع مصر مذكرتي تفاهم لتعزيز التعاون في قطاع الطاقة.

كيف سيصل الغاز إلى سوريا ولبنان؟

نصّ الاتفاق المعلن لكلٍّ من الدولتين على أن تزودهما مصر بالغاز الطبيعي لدعم قطاع الكهرباء. إذ يعاني البلدان من أزمة طاقة داخلية مستمرة منذ سنوات طويلة، تتفاقم حدّتها خلال فصل الشتاء. وقد وقّعا هذه الاتفاقات مع مصر، على رغم أنها تعاني بدورها من أزمة طاقة ناتجة من فجوة داخلية جعلتها مستوردًا صافيًا للغاز، لكنها في الوقت نفسه تطمح إلى أن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة، نظرًا الى  موقعها الاستراتيجي وامتلاكها بنية تحتية واتفاقات لاستيراد الغاز مع أطراف مختلفة، تتيح لها مساعدة الدولتين عبر الاستيراد وإعادة التوريد لهما.

كما نصّ الاتفاق على أن يتم توريد الغاز عبر الأردن، الذي يعدّ هو الآخر مستورداً صافياً للغاز، ولا سيما الغاز الإسرائيلي.

بحسب التفاصيل الرسمية، إضافةً إلى ما نشرته مواقع صحافية عدة حول آلية ضخ الغاز إلى لبنان وسوريا، ستستقبل مصر شحنات الغاز الطبيعي المسال لصالح البلدين، وذلك من خلال سفينة التغويز العائمة التي تستأجرها “إنرجوس فورس”، التي ترسو حاليًا في ميناء العقبة الأردني. توضح التقارير أنه انطلاقاً من العقبة ستُجرى عملية إعادة التغويز تمهيدًا لضخ الغاز باتجاه سوريا ولبنان عبر خط الغاز العربي، على أن يتحمّل كلّ من سوريا ولبنان سداد قيمة شحنات الغاز بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية.

في بداية الألفية الجديدة، أُنشئ خط الغاز العربي، وهو عبارة عن شبكة من خطوط الأنابيب يبلغ طولها نحو 1200 كيلومتر، خُصِّصت لنقل الغاز المصري وتصديره إلى الأردن وسوريا ولبنان. واكتملت مرحلته الأولى بوصوله من العريش في شمال سيناء إلى العقبة الأردنية، وبدأ تزويد الأردن بالغاز عام 2003. وفي مرحلته الثانية، وبحلول عام 2008، وصل الخط إلى الحدود السورية مرورًا بمدينة حمص، ثم اكتمل عام 2009 بوصوله إلى لبنان.

في حديث لموقع “درج” مع الباحث المصري المتخصص في العلاقات الدولية وشؤون الطاقة خالد فؤاد، يقول إن هذا الخبر يمنحنا نصف الحقيقة فقط، إذ يؤكد وجود شحنات غاز يشتريها كل من سوريا ولبنان تصل إلى خليج العقبة، لكن النصف الآخر ما زال غير واضح وغائباً، وهو المتعلق بكيفية نقل الغاز من محطة التغويز في خليج العقبة ليصل إلى سوريا ولبنان.

ويوضح خبير الطاقة أن هناك مشكلة فنية وتقنية تمنع مرور الغاز، إذ إن خط الأنابيب أحادي الاتجاه،  إذ يعمل في  اتجاه نقل الغاز الإسرائيلي إلى مصر ولا يمكن أن يعمل عكس الاتجاه، إلا إذا توقفت مصر عن استقبال الغاز الإسرائيلي، وهو أمر غير وارد نظراً الى اعتماد السوق المحلي عليه.

لذلك يتوقع خالد فؤاد أن يكون هناك اتفاق مقاصة بين مصر وإسرائيل، وهو أمر معتاد ومعروف، بحيث تستلم مصر شحنات الغاز المسال التي تشتريها سوريا ولبنان، وتعالجها في خليج العقبة، ثم تضخّها في سوقها المحلية عبر خطوط الغاز التابعة لها، وهي عملية تقوم بها بالفعل منذ استئجار محطة التغويز في آب/ أغسطس 2025.

وبدلًا من ذلك، ونظراً الى أن الأردن يستخدم الخط العربي بالفعل لاستيراد الغاز الإسرائيلي، فيمكن أن تقوم إسرائيل بإمداد سوريا ولبنان بالغاز الطبيعي من خلال زيادة كميات الغاز التي تضخّها من حقل ليفياثان إلى الأردن. وعند وصول الغاز إلى الأردن، يأخذ الأخير الحصة الخاصة به، وفي الوقت نفسه يمرّر الجزء المخصص لسوريا ولبنان شمالًا عبر الخط نفسه. في المقابل، تحتسب إسرائيل كميات الغاز التي صدّرتها الى الدولتين ضمن صادراتها من الغاز الطبيعي إلى مصر.

في حديثها مع “درج”، توضح لوري هايتيان، الخبيرة اللبنانية في سياسات الطاقة والجغرافيا السياسية، أن المعطيات الحالية تشير إلى أن الغاز لم يصل إلى لبنان بعد، نظرًا إلى حاجة خطوط الغاز القادمة من سوريا، والموجودة داخل الأراضي اللبنانية، إلى أعمال صيانة وتأهيل.

وعن احتمال تدفّق الغاز الإسرائيلي إلى سوريا ولبنان عبر خط الغاز العربي، تشير مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد إدارة الموارد الطبيعية (NRGI)، إلى أن هذا الاحتمال وارد وقائم من الجانب التقني في ظل وجود خط الغاز العربي.

مظلة طاقة أميركية

في حديث لـ”درج” مع الخبير الاقتصادي الأردني حسام عياش، يقول من وجهة نظر براغماتية للولايات المتحدة من ناحية، ولهذه الدول المأزومة طاقيًا من ناحية أخرى، أنه إذا كان الأردن ومصر يتزودان بالغاز الإسرائيلي، فما المانع من أن تتزود به سوريا ولبنان أيضًا؟

وترى  لوري هايتيان أن الأمر يندرج ضمن استراتيجية أميركية أوسع لا تنفصل عن المحادثات والمفاوضات السياسية والأمنية التي ترعاها واشنطن بين إسرائيل وسوريا. وتستدل هايتيان على ذلك بتزامن الحديث عن ترتيبات تدفّق الغاز مع الإعلان عن نتائج مفاوضات باريس، التي أفضت إلى إنشاء خلية اتصال مشتركة يتضمن دورها استكشاف فرص تجارية بين البلدين تحت إشراف أميركي.

يقول الخبير الاقتصادي حسام عياش:  الأمر يتجاوز حتى منطقة الشرق الأوسط، إذ إن الإدارة الأميركية الحالية تسعى، من خلال تحركاتها، إلى فرض هيمنة أميركية شاملة على قطاع الطاقة في العالم. ويكفي ذكر أن دول الاتحاد الأوروبي نفسها خضعت للهيمنة الطاقية الأميركية، وتحديداً في قطاع الغاز، لذلك فإنه لا يوجد ما يمنع، ولا يوجد من يعترض على قيام الولايات المتحدة بوضع الدول العربية تحت مظلة الطاقة الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه تحقيق أميركا مكاسب اقتصادية ضخمة.

اتفاقية الغاز بين مصر وإسرائيل تتمدّد

عند الإعلان عن الصفقة التي وقّعتها مصر مع إسرائيل يوم 7  آب/ أغسطس 2025، بقيمة تصل إلى 35 مليار دولار، لتوريد نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر حتى نهاية عام 2040، قالت وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية حينها إن الضغط الأميركي من الرئيس دونالد ترامب كان العامل الحاسم في تمرير الصفقة. وبحسب تقرير لمجلة Newsweek، اعتبرت واشنطن الاتفاق انتصارًا دبلوماسيًا، إذ سعت من خلاله إلى تحقيق أهداف سياسية واستراتيجية أوسع في المنطقة، تقوم على استخدام الطاقة كأداة لربط اقتصاد إسرائيل باقتصادات مصر ودول عربية أخرى.

وفي تعليقها على الصفقة، قالت وزارة الخارجية الأميركية إن الاتفاق يُعد انتصارًا كبيرًا للأعمال الأميركية وللتعاون الإقليمي، وهو ما يتناقض مع تصريحات الحكومة المصرية التي حاولت تصوير الصفقة على أنها تجارية بحتة، في مسعى الى امتصاص الغضب الشعبي.

على الجانب الآخر، لم تُخفِ إسرائيل هي الأخرى نواياها أو أهدافها من الصفقة، التي تتجاوز فكرة كونها اتفاقًا يخص مصر وحدها. ففي أول إعلان رسمي عن تفاصيل تعديل الاتفاق، والذي صدر عن الجانب الإسرائيلي، قال وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين في تعليقه في 7 آب إن الصفقة “تُرسّخ مكانة إسرائيل كقوة إقليمية رائدة في مجال الطاقة، ويعتمد علينا جيراننا ويحتاجون إلينا”.

وكرّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو المضمون نفسه تقريبًا في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2025، خلال المصادقة الرسمية على الصفقة، إذ أشار إلى أنها ستجعل دول الجوار تعتمد على إسرائيل.

وبعد توقيع الاتفاقية، وبالتزامن مع تشكيل الحكومة اللبنانية “لجنة الميكانيزم” للتفاوض مع اسرائيل، إشارات صحف عدة، منها الشرق الأوسط السعودية، إلى احتمال إدراج ملف الطاقة ضمن النقاشات بين بيروت وتل أبيب.

وترى لوري هايتيان أن صفقة زيادة التصدير، الموقّعة أساسًا بين مصر وإسرائيل، ليست بالضرورة موجّهة حتميًا لتزويد سوريا ولبنان بالغاز. غير أن زيادة كميات الغاز المتدفقة إلى مصر قد تتيح لها إعادة تصدير هذا الفائض إلى سوريا ولبنان، بما يحقق لها استفادة استراتيجية ويتماشى مع طموحات الحكومة المصرية في التحول إلى مركز إقليمي للطاقة. كما ترى أن هذا المسار قد يمنح سوريا ولبنان مخرجًا سياسيًا، إذ يمكنهما القول إن الاتفاق موقّع مع شركات مصرية، ولا وجود لعلاقة مباشرة بإسرائيل.

لكن هايتيان تشير في المقابل إلى أن تحقيق هذا السيناريو، ومد الاحتياجات اللازمة للبلدين، ما زال يتطلب قيام الأردن ومصر بإنشاء خط أنابيب جديد ضمن مسار خط الغاز العربي، يكون موازيًا للخط القائم حاليًا، بما يتيح للغاز الوصول فعلياً إلى سوريا ولبنان.

من المستفيد؟

لكن المكاسب ليست متساوية بين جميع الأطراف. ففي الترتيبات الجديدة لقطاع الطاقة، تستفيد الولايات المتحدة من مسارين أساسيين. المسار الأول يتمثل في امتلاك شركة “شيفرون” الأميركية حصص ملكية في الحقول الإسرائيلية التي تصدّر الغاز إلى مصر والأردن، وقد تمتد مظلتها لاحقًا لتشمل سوريا ولبنان. إذ تمتلك “شيفرون” نحو 25 في المئة من حقل تمار، إضافة إلى حصة تقارب الـ40 في المئة من حقل ليفياثان.

أما المسار الثاني، فيتمثل في استفادة الولايات المتحدة من بيع الغاز الأميركي المسال والاستفادة من البنية التحتية التي تربط الدول العربية الأربع. ووفق تقرير “اقتصاد الشرق” بلومبرغ، فإن أول شحنتي غاز تم ضخّهما باتجاه سوريا ولبنان عبر خليج العقبة كانتا من الغاز الأميركي، وسيتولى البلدان سداد مستحقاتهما للولايات المتحدة.

وقبل ذلك بفترة قصيرة، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، وقّعت مصر أكبر صفقة لاستيراد الغاز الأميركي، بشرائها 80 شحنة غاز مسال بقيمة 4 مليارات دولار من شركة “هارتري بارتنرز” الأميركية. وقد رحبت الإدارة الأميركية بالصفقة حينها، إذ أشار وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو إلى دعم واشنطن لها، معتبرًا أنها تعزز المصالح الاقتصادية والتجارية الأميركية وتوفر فرص عمل داخل الولايات المتحدة.

وكانت الحقول الإسرائيلية في المنطقة، ولا سيما “تمار” و”ليفياثان” اللذين اكتُشفا عام 2009، قد واجهت تحديات كبيرة على رغم ضخامة احتياطياتهما التي تجاوزت الـ600 مليار متر مكعب. فقد ظلت الشركات الحاصلة على حقوق تطويرهما مترددة في ضخ الاستثمارات اللازمة على مدى نحو تسع سنوات، بسبب محدودية الطلب المحلي الذي لم يكن يغطي كلفة الإنتاج، ما استدعى الحاجة إلى سوق قادرة على دفع سعر يجعل الإنتاج مجديًا اقتصاديًا. وذلك  وفق ورقة علمية صادرة عن مجلة “نوليدج آت وارتون” التابعة لجامعة بنسلفانيا.

ولم يتحقق ذلك إلا بعد توقيع الأردن اتفاقية استيراد الغاز عام 2016، ثم إبرام “صفقة الإنقاذ” المصرية لاستيراد الغاز الإسرائيلي عام 2018، ما دفع الشركات الإسرائيلية والأميركية إلى اتخاذ القرار النهائي بالاستثمار وبدء الإنتاج.

ويقول الخبير الاقتصادي حسام عياش إن نقل الغاز من الحقول الإسرائيلية إلى الدول الأوروبية عبر البحر كان صعبًا بسبب الكلفة المرتفعة لمد أنابيب بحرية، وبالتالي لم يكن أمام إسرائيل أي خيار للاستفادة من فائض إنتاجها الغازي سوى إبرام اتفاقيات أسهل مع الأردن ومصر، والاستفادة من بنيتهما التحتية، ولا سيما خط الغاز العربي. وهو ما يعني أن الغاز الإسرائيلي قابل للتمدد والتدفق عبر الخط العربي، مرورًا بالأردن وسوريا، وصولًا إلى لبنان.

وفي تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو خلال الإعلان عن الصفقة، ركّز بشكل واضح على المكاسب الاقتصادية، موضحًا أنها ستُدخل نحو 58 مليار شيكل، أي ما يعادل مليار دولار أميركي، إلى خزينة إسرائيل بشكل مباشر، وستساهم في تعزيز تمويل قطاعات “التعليم والصحة والصناعة والأمن ومستقبل الأجيال القادمة”، على حدّ تعبيره.

أما بالنسبة إلى سوريا ولبنان، اللذين سيشتريان، وفق الاتفاق، غازًا مسالًا يُنقل عبر الأنابيب، وهو خيار معروف بارتفاع تكلفته، فيشير الخبراء الذين تحدثوا إلى “درج” إلى أنه لا توجد أمامهما خيارات أخرى واقعية، ولا سيما في ظل عدم قدرتهما المالية على استئجار سفن أو إنشاء محطات تغويز. ويأتي ذلك فيما يحتاج البلدان إلى حلول سريعة لسد الفجوة الداخلية في الطاقة وتوفير مصادر لتوليد الكهرباء، بما يسمح بعودة الحياة الطبيعية وانتظامها.

وفي الوقت نفسه، ترى لوري هايتيان أن الأزمة في لبنان أعمق بكثير من مسألة انتظام تدفّق الطاقة أو توفير مصادرها. تقول: “إذا ساهمت الاتفاقية في توفير الكهرباء وبالتالي دعم الاقتصاد، وكانت مؤسسة كهرباء لبنان قادرة على دفع الكلفة من دون أن يشكّل ذلك عبئًا ماليًا إضافيًا أو يؤدي إلى تراكم ديون جديدة، فلا مانع من ذلك”.

لكنها تضيف: “مشكلة إنتاج الكهرباء في لبنان مشكلة عويصة وبنيوية، هي مشكلة حوكمة، ومشكلة انتظام مالي، ومشكلة فساد. وبالتالي، فإن وصول هذا الغاز لن يحلّ مشكلة لبنان”. وتشير إلى أنه “لا يمكن تقييم الاتفاق، إن كان جيدًا أم لا، لأننا أساسًا لا نعرف أسعار الشراء، ولا آلية الدفع، ولا غيرها من التفاصيل الأساسية”.

درج

————————-

فاضت أنهار دمشق… لكنها لا تكفي!/ شمس الدين مطعون

الأمطار الغزيرة تعيد المياه إلى مجاريها بريف دمشق

2026-01-16

بعد سنوات من الجفاف وتراجع الموارد المائية، شهدت أنهار دمشق وريفها في الأيام الماضية عودة محدودة للجريان بفعل الهطولات المطرية وتساقط بعض الثلوج، في مشهد أعاد الأمل لسكان العاصمة وريفها، ولا سيما المزارعين الذين يعتمدون على الأنهار في ري أراضيهم وتغذية الآبار. هذا التحسّن، الذي شمل نهرَي الأعوج وبردى ورافقه ارتفاع نسبي في منسوب بعض المجاري المائية الأخرى، فتح باب التساؤلات حول طبيعته وحدوده: هل يشكّل بداية تعافٍ حقيقي في الواقع المائي، أم أنه مجرد انفراجة مؤقتة بعد سنوات طويلة من الاستنزاف والجفاف؟

فرح مشوب بالحذر

في القرى الممتدة على طول مجرى نهر الأعوج، من سعسع وعرنة وصولاً إلى زاكية ومعضمية الشام وداريا، استقبل الأهالي عودة المياه بكثير من الفرح. وينبع نهر الأعوج من السفوح الشرقية لجبل الشيخ قرب قرية عرنة، لينتهي في سبخة الهيجانة، ويتفرع على امتداد مساره إلى 11 قناة ري، تغذي نحو 745 هكتاراً من الأراضي الزراعية. غير أن هذه الفرحة بقيت مشوبة بالحذر، بعد سنوات طويلة من الجفاف تركت آثارها الواضحة على الأراضي الزراعية والآبار والينابيع، وجعلت السكان أكثر تحفظاً في قراءة أي تحسّن طارئ.

يقول محمد الخالد، من سكان بلدة زاكية بريف دمشق، لـ”963+” إن مياه نهر الأعوج “لم تصل بشكل جيد بعد إلى المنطقة”، موضحاً أن جريان النهر يبقى مرتبطاً بشكل أساسي بهطول الأمطار وذوبان الثلوج وغزارة الينابيع القادمة من جبال الحرمون (جبل الشيخ). ويضيف أن الأهالي يدركون أن استمرار الجريان مرهون بالعوامل المناخية أكثر من كونه نتيجة تحسّن مستدام في إدارة الموارد.

ورغم محدودية الجريان حتى الآن، يشير الخالد إلى أن عودة المياه تسهم بشكل مباشر في تغذية آبار المنطقة، ما ينعكس إيجاباً على الفلاحين، ويساعدهم على ري محاصيلهم وتخفيف أعباء الزراعة، خاصة في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وكلفة الضخ من الأعماق الكبيرة. كما يلفت إلى أن أهمية نهر الأعوج لا تقتصر على مجراه الرئيسي، “إذ يتفرع عنه نهر الزوكاني ونهر الديرخباني، ما يوسّع دائرة الاستفادة المائية ويعزّز فرص تغذية المياه الجوفية في أكثر من منطقة ضمن ريف دمشق الجنوبي والغربي”

تحسّن مطري.. لكن هل يكفي؟

يوضح الدكتور صالح إسماعيل القادري، الأستاذ في كلية الزراعة بجامعة دمشق، أن حوض الأعوج يُعد الرافد الأساسي للنهر، ويشكّل الشريان الأهم في تغذية المياه الجوفية في المنطقة. ويؤكد لـ”963+” أن مرور مياه النهر في المناطق التي يعبرها يعكس تحسّناً واضحاً على الواقع المائي، سواء على مستوى الآبار أو رطوبة التربة.

ويشير القادري إلى أن الفلاحين يعتمدون حالياً بشكل كبير على جريان الأنهار في الزراعات البعلية، موضحاً أن دور الأنهار لا يقتصر على توفير مياه ري مباشرة، بل يمتد إلى تعزيز تغذية الخزان الجوفي، وهو ما ظهر مؤخراً من خلال ملاحظات عدد من المزارعين حول تحسّن منسوب المياه في آبارهم.

ويصف القادري تحسّن الهطولات المطرية خلال الفترة الحالية بأنه “ممتاز” مقارنة بالسنوات الماضية، معرباً عن أمله باستمرار هذه الظروف الإيجابية لصالح المزارعين. لكنه يحذّر في الوقت نفسه من المبالغة في التفاؤل، معتبراً أن الاعتماد على المواسم المطرية وحدها لا يكفي لمعالجة أزمة المياه المزمنة في المنطقة. كما يبيّن أن جزءاً من التحسّن الذي لمسه الفلاحون من خلال زيادة كميات المياه المضخوخة من الآبار، وهو مؤشر إيجابي على المدى القصير، لكنه لا يضمن استدامة المورد في ظل الاستنزاف المستمر للمياه الجوفية. وفي محاولة لتعظيم الاستفادة من الجريان الحالي، دعا إلى اتخاذ قرار بتنظيم مرور مياه نهر الأعوج لمدة خمسة عشر يوماً، عبر إغلاق الروافد بالكامل والإبقاء على مجرى الأعوج فقط، بما يسهم في إبقاء المياه أطول فترة ممكنة داخل الحوض وتعزيز عملية تغذية الخزان الجوفي، بدلاً من تشتت الجريان في عدة مسارات قصيرة الأمد.

ويعكس هذا الطرح حاجة ملحّة إلى تدخل إداري منظم، يتجاوز ردود الفعل الآنية، ويهدف إلى إدارة المورد المائي وفق رؤية علمية تراعي هشاشة النظام الهيدرولوجي في المنطقة.

تحسّن محدود

أما في دمشق، فرغم انتشار مشاهد ارتفاع منسوب المياه في نهر بردى عبر مقاطع انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أظهرت المعطيات أن تأثير الهطولات بقي محدوداً، نتيجة استنزاف الحوض المائي غير المتجدد، وتراجع قدرة الينابيع على التعافي. ويرى مختصون أن الاستفادة من الجريان الحالي، سواء في بردى أو الأعوج، تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، تبدأ بتعزيل مجاري الأنهار وتنظيفها من المخلفات لمنع الفيضانات وحماية الأراضي الزراعية، ولا تنتهي عند تنظيم الجريان وضبط الروافد. كما تبرز ضرورة تأهيل قنوات الري التقليدية التي تعاني من تسرب كبير، والتوسع في استخدام تقنيات الري الحديث للحد من الهدر وتحقيق توازن بين الاحتياجات الزراعية والموارد المتاحة.

في هذا السياق، لم تخضع مجاري الأنهار، بما فيها الأعوج وبردى، لعمليات تعزيل وتنظيف كاملة، إذ تحوّلت في عدد من البلدات إلى مكبّات للنفايات، في ظل ضعف الإمكانات الإدارية لترحيل القمامة؛ ما أعاق الانسيابية الطبيعية للمياه وتسبّب بفيضانات محدودة على الأراضي المحاذية.

وعلى صعيد الينابيع التي تغذي دمشق وريفها بمياه الشرب فإنه لم يطرأ عليه تغير ملحوظ فالأمر يتطلب معدلات أمطار أكبر وعلى مدة طويلة لتكون كفيلة بتعويض النقص جراء مواسم الجفاف التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية. وكان المدير العام لمؤسسة المياه والصرف الصحي في دمشق وريفها، أحمد درويش، قد أوضح أن كميات المياه الواردة من نبع عين الفيجة ما تزال عند أدنى مستوياتها منذ عقود، رغم الهطولات المطرية وتساقط بعض الثلوج خلال الفترة الأخيرة. وأعرب درويش في منشور عبر صفحته في “فيسبوك” عن أمله بزيادة الغيث خلال المرحلة المقبلة، بما يُسهم في ارتفاع غزارة النبع ويسمح بتعديل دور تزويد المياه.

المشهد المائي في سوريا

لا يمكن فصل واقع جريان الأنهار عن المشهد المائي العام في سوريا. وبحسب تقرير فريق تحليل أزمة سوريا التابع لمنظمة “ميرسي كوربس”، الصادر في آب 2025، فإن البلاد تمر بواحدة من أشد أزمات الجفاف منذ عقود، نتيجة تفكك واسع في الدورة الهيدرولوجية. ويشير التقرير إلى أن معدل هطول الأمطار انخفض بنحو 28% على مستوى البلاد، مع تسجيل تراجعات تجاوزت 30% في محافظات جنوبية وشمالية، بينها درعا وإدلب وحلب. ولم يقتصر هذا الانخفاض على المياه السطحية فقط، ولكنه أثر بشكل أخطر على المياه الجوفية التي تشكّل العمود الفقري للأمن المائي.

وفقاً للتقرير، انخفض التدفق الأساسي للمياه الجوفية التي تغذي الأنهار والينابيع بنسبة وصلت إلى 80% على مستوى سوريا، وتجاوزت 90% في بعض المناطق، نتيجة الحفر العشوائي للآبار، وضعف الرقابة، وتراجع كفاءة إدارة الموارد. وحذّر التقرير من أن هذا الواقع يجعل أي تحسّن مرتبط بالأمطار مؤقتاً بطبيعته، وقابلاً للانتكاس مع أول موسم جفاف جديد. ويبقى الأمل قائماً مع إحصائيات الأرصاد الجوية المحلية الحالية التي تشير لتحسن ملحوظ في معدل الهطولات والتي سجلت في بعضها زيادة للضعفين مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

+963

——————————–

عقد استثمار مع شركة تركية لإنشاء حوض لصناعة السفن بطرطوس

وقعت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا، اتفاقية استثمار استراتيجية مع شركة “KUZEY STAR SHIPYARD – DENİZCİLİK SANAYİ VE TİCARET A.Ş” التركية، لإدخال صناعة السفن بكافة أحجامها وأشكالها وفق المعايير الدولية إلى الجمهورية العربية السورية.

وتتضمن الاتفاقية وفق ما نشرته الهيئة في منشور لها اليوم 15 من كانون الثاني، عبر معرفاتها، إنشاء حوض سفن متكامل في مرفأ طرطوس، لتشكل نقلة نوعية في البنية الصناعية والاقتصادية الوطنية.

وتأتي الاتفاقية، وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، وتنص على منح الشركة المستثمرة حق بناء وتجهيز وتشغيل وإدارة حوض سفن متكامل، يشمل مختلف أعمال صناعة وبناء وإصلاح وصيانة السفن، بما يواكب أحدث المعايير الفنية والهندسية المعتمدة عالميًا، ويسهم في توطين صناعة بحرية متقدمة داخل سوريا.

وتمتد مدة الاستثمار 30 سنة ميلادية، تبدأ اعتبارًا من تاريخ التوقيع، تلتزم فيها الشركة التركية، باستثمار مبلغ لا يقل عن 190 مليون دولار أمريكي خلال مدة أقصاها خمس سنوات، لتغطية كامل أعمال البناء والتجهيز، بما فيها الأرصفة، والمعدات، والمستودعات، والمنشآت التشغيلية، دون أي التزام مالي على عاتق الهيئة العامة للمنافذ والجمارك.

كما نصت الاتفاقية، على منح حسم خاص بنسبة 20% من إجمالي قيمة الفاتورة قبل الضرائب لأعمال بناء أو إصلاح أو صيانة السفن التابعة للحكومة السورية، بما يعزز كفاءة التشغيل ويخفف الأعباء المالية.

كما تلتزم الشركة التركية المستثمرة، بتأمين 1700 فرصة عمل مباشرة و3500 فرصة عمل غير مباشرة، على أن لا تقل نسبة العمالة السورية عن 95% من إجمالي القوى العاملة، إلى جانب تدريب وتأهيل الكوادر السورية ونقل الخبرات الفنية والتقنية في مختلف مراحل الصناعة البحرية، لتولي بذلك اهتمامًا كبيرًا بالجانب الاجتماعي ونقل المعرفة.

واعتبرت الهيئة، في منشورها، أن هذا المشروع سيشكل ركيزة أساسية في مسار تطوير المرافئ السورية، وتعزيز موقع سوريا على خارطة الصناعات البحرية الإقليمية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار، ودعم الاقتصاد الوطني، وتحويل مرفأ طرطوس إلى مركز صناعي بحري متكامل يخدم السوق المحلية والأسواق المجاورة.

من هي الشركة التركية المستثمرة

تأسست شركة “Kuzey Star Shipyard Denizcilik Sanayi ve Ticaret A.Ş” في عام 2013 في تركيا وتعمل في قطاع صناعة وبناء وصيانة السفن، وتحظى بوجود قوي في منطقة تجارية صناعية استراتيجية في “توزلا” في إسطنبول.

وتعمل الشركة المسجلة رسميًا باسم “Kuzey Star Shipyard Denizcilik Sanayi ve Ticaret Anonim Şirketi”، في مجالات بناء السفن، الإصلاح والصيانة، التحويل والتحديث، وكذلك الخدمات الهندسية الميكانيكية والكهربائية المتعلقة بالمنشآت البحرية.

وتضم منشآتها في “توزلا” حوضًا بحريًا واسعًا ومرافق متقدمة لصيانة السفن، بما في ذلك أحواض عائمة يمكنها التعامل مع سفن بحمولة حتى حجم “باناماكس”، إضافة إلى أحدث المعدات الفنية لمشاريع تحويل السفن وإعادة تجديدها.

وتتوسع أعمالها تدريجيًا لتشمل مشاريع إنشاء سفن جديدة إلى جانب الخدمات التقليدية، وتقدم خدماتها لسفن محلية ودولية عبر شبكة واسعة من العلاقات التجارية في أوروبا والشرق الأوسط.

الشركة حاصلة على شهادة ISO 50001:2018، مما  يؤكد التزامها بمعايير إدارة الطاقة والعمليات التشغيلية في أعمال الصيانة والبناء البحري، ويعزز ثقة العملاء وشركاء العمل في قدراتها الفنية والإدارية.

عنب بلدي

——————————————-

 كهرباء ريف دمشق: تحسّن مؤقت وأعطال تعيد الأزمة إلى الواجهة/ شمس الدين مطعون

الجمعة 2026/01/16

بالرغم من الحديث الرسمي المتكرر عن تحسّن واقع التغذية الكهربائية في دمشق وريفها خلال الفترة الماضية، إلا أنه سرعان ما تراجع، ليعيد ملف الكهرباء إلى واجهة الشكاوى اليومية، في ظل انقطاعات طويلة، وأعطال متكررة؛ وهذا ما فاقم معاناة السكان، خصوصاً في فصل الشتاء.

شبكات قديمة وأحمال متزايدة

على ما يبدو فقد اصطدمت الوعود الحكومية المتكررة بتحسين الكهرباء بواقع ميداني مرير حال دون ترجمتها إلى حلول ملموسة.

وخلال الفترة الماضية سُجّلت عدة حالات انفجار في الخطوط الكهربائية والمحوّلات في أكثر من مدينة وبلدة بريف دمشق، أدت إلى أعطال متكررة استمر احتاج إصلاح بعضها لأيام وبقي الآخر على حاله لحاجته للاستبدال.

ويشير السكان إلى أن المشكلة في ريف دمشق لا تتعلق فقط بعدد ساعات التغذية، والتي شهدت بعض المناطق منها تحسّناً نسبياً لفترات قصيرة، بل في غياب بنية تحتية قادرة على تحمّل أي زيادة في التغذية، سواء من حيث الكابلات القديمة أو المحوّلات المتهالكة التي لا تستوعب الأحمال المتزايدة.

ويقول إياد، أحد سكان مدينة داريا، إن واقع الكهرباء تراجع بشكل كبير بعد تحسّن لم يدم أكثر من شهر، ويوضح لـ “المدن” أنه يقيم قرب خزان الكهرباء عند مدخل المدينة، حيث تتكرر الأعطال بسبب عدم قدرة المحوّلة على تحمّل الأحمال الزائدة، ما يؤدي إلى نزول القاطع بشكل مستمر.

ويضيف أن فرق الطوارئ وجّهت الأهالي أكثر من مرة، عبر مجموعات التواصل الاجتماعي، إلى تخفيف الأحمال المنزلية للاستفادة من ساعات الوصل، إلا أن المشكلة ما تزال قائمة.

وفي الجهة الغربية من المدينة، يؤكد مازن أن منطقته تعاني أصلاً من غياب توصيلات الكهرباء، مشيرا إلى أن معظم الشبكات غير مخدّمة، ولا يصل التيار إلى عدد من الأحياء رغم الوعود المتكررة.

ويبيّن مازن لـ”المدن” أن العمل بدأ بوضع بعض الأعمدة، إلا أن المشروع لم يكتمل، ما دفع الأهالي إلى سحب توصيلات بشكل فردي من خطوط التوتر العالي، الأمر الذي يزيد الضغط على الشبكة، ويضاعف الأعطال والمخاطر.

وتصل فترات انقطاع الكهرباء في معظم مدن وبلدات ريف دمشق إلى نحو ست ساعات متواصلة مقابل ساعتين فقط من الوصل، وقد تقل ساعات الوصل إلى أقل من ذلك، من دون أي جدول واضح للتشغيل والانقطاع، ما يشكّل عبئاً إضافيا في الشتاء، مع تراجع فعالية أنظمة الطاقة الشمسية.

شركة كهرباء ريف دمشق

من جهته، أوضح المكتب الإعلامي لشركة كهرباء ريف دمشق في حديث خاص لـِ “المدن”، أنه لا يوجد جدول تقنين ثابت أو محدد في مناطق الريف، مشيراً إلى أن توزيع ساعات التغذية يرتبط بشكل مباشر بكميات التوليد الكهربائي المتاحة يومياً.

وبيّن المكتب أن التحسّن مرتبط بكميات التوليد المتغيرة يوميا، وأن استمرار ارتفاع الأحمال، إلى جانب قدم الشبكات والأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية في ريف دمشق نتيجة سنوات القصف والتخريب والإهمال السابق، يجعل أي تحسّن غير مستقر ما لم يُدعَم بتأهيل شامل للشبكة.

وأرجع المكتب ذلك إلى الضغط الزائد خلال فترات الذروة، وقدم التجهيزات، وتضرّر عدد كبير منها سابقا، إضافة إلى التعديات والسرقات، وعدم تنفيذ الصيانات اللازمة في السنوات الماضية.

وأضاف أن المشكلة مركّبة، تجمع بين نقص التوليد والوقود من جهة، وتهالك الشبكات من جهة أخرى، مشددا على أن أي تحسّن في التوليد لن ينعكس بشكل مستقر دون تأهيل تدريجي ومستمر للبنية التحتية.

وأشار المكتب إلى أن الشركة تعمل على مسارين متوازيين؛ إسعافي لمعالجة الأعطال الطارئة، وتخطيطي تدريجي يشمل إنشاء وتأهيل مراكز تحويل وتحسين مخارج التوتر المتوسط، إضافة إلى مشاريع تُنفذ بالتعاون مع منظمات دولية، من بينها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)

وبين الوعود، وواقع الشبكات المنهكة، يبقى سكان ريف دمشق عالقين بين تقنين غير معلن وأعطال متكررة، تعيد أزمة الكهرباء إلى نقطة الصفر مع كل محاولة تحسّن جديدة.

—————————-

“500 ليرة مزورة”.. شائعات تشغل السوريين والمركزي يوضح

الرياض- العربية.نت

15 يناير ,2026

انشغل السوريون خلال الساعات الماضية بشائعات حول وجود فئات مزورة من العملة الجديدة التي كشف النقاب عنها قبل نحو أسبوعين.

وزعم بعض السوريين والحسابات على مواقع التواصل لا سيما فيسبوك، انتشار ورقة مزورة من فئة الـ 500 ليرة.

كما حذر البعض من الوقوع في الفخ، مؤكدين أن التعامل بالعملة المزوّرة جريمة يُعاقب عليها القانون.

ما دفع حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية إلى التأكيد أنه لم يرد حتى اللحظة إلى المركزي، أي بلاغ رسمي من أي مصرف أو مؤسسة مالية أو فرد يفيد بوجود حالات تزوير للعملة الجديدة.

“إشاعات غير مؤكدة”

وقال الحصرية، في منشور على فيسبوك اليوم الخميس: “عادة ما إن يتم إبلاغنا من قبل مصرف أو مؤسسة مالية عن حالة تزوير، يتم التعامل معها مباشرة بالتعاون مع الجهات المختصة لدى وزارة الداخلية”. وأضاف :”كل ما يتم تداوله على مواقع التواصل أو في الأحاديث العامة يعتبر حتى الآن مجرد إشاعات غير مؤكدة نرى أن غرضها قد يكون سوء الفهم أو الخوف أو التشويش ولا تستند إلى أي مصدر رسمي وهي قد تكون لتحقيق مشاهدات بعيداً عن الحقيقة”

هذا ودعا إلى “عدم الانجرار وراء الأخبار غير الموثوقة، واعتماد المعلومات الصادرة فقط عن المركزي، لما لذلك من دور في حفظ الاستقرار وتجنّب إثارة القلق دون داعٍ”.

وكان حاكم المصرف المركزي أوضح سابقاً المزايا الأمنية التي تتمتع بها الليرة الجديدة، مؤكداً أنها صعبة التزوير.

———-

=====================

تحديث 15 كانون الثاني 2025

————————-

 مخاوف وطروحات حول عملية إصدار الليرة السورية الجديدة/ د. عبد المنعم حلبي

2026.01.14

مع التسليم الكامل بأن إصدار الليرة السورية الجديدة يُعدّ ضرورة سياسية، وأن حذف صفرين من الليرة السورية القديمة مرتبط بضرورات تقنية نقدية ومتطلبات تسهيل المعاملات، فإن ذلك لا ينبغي أن يمنع من بحث مخاوف عميقة تحيط بهذه العملية، تتعلق بالتوقيت، والإدارة، ومدى ارتباطها بواقع سوق الصرف، الذي ظلّ منذ صيف 2025 يعكس تذبذبًا واضحًا بين السعرين الرسمي والموازي، وصولًا إلى طرح أفكار ومتطلبات من شأنها زيادة القدرة على تحويل هذا الإجراء الاسمي إلى مسار اقتصادي فعلي مستقر.

من الواضح أن البعد السياسي أو الرمزي للعملية كان طاغيًا. فصحيح أن العملة رمز سيادي، وأن إصدارها بصيغة جديدة يُراد له أن يعكس بداية مرحلة مختلفة، إلا أن التجارب النقدية تُظهر أن الرمزية وحدها لا تكفي، بل قد تنقلب إلى عبء إذا لم تُدعَم بأسس متينة قادرة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي. فالتطبيق المتسارع لحذف الصفرين أعطى انطباعًا مبدئيًا بوجود هدف يتمثل في تسجيل خطوة معنوية سريعة، مما جعل السوق أكثر ميلًا للاختبار. وتاريخيًا، كثيرًا ما أدت هذه المقاربة إلى نتائج عكسية، لأن السوق لا يتعامل مع القرارات النقدية بوصفها شعارات، بل باعتبارها التزامات قابلة للاختبار اليومي، تؤدي نتائجها التراكمية إلى بناء الثقة أو إضعافها.

إن عملية إعادة تقييم العملة ليست خطوة نادرة في التجارب الدولية، لكنها تظل أداة عالية الحساسية، لا تُقاس بجرأتها الشكلية، بل بقدرتها على تثبيت الثقة وكبح التوقعات السلبية. وقد نجحت هذه العملية في دول خرجت من أزمات تضخمية حادة حين جاءت ضمن برامج استقرار واضحة، لكنها فشلت حين استُخدمت كإجراء شكلي أو سياسي معزول. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبرز إشكالية الليرة السورية الجديدة، لا من حيث المبدأ، بل من حيث السياق الذي وُضعت فيه، والهدف الأساسي المنشود من إطلاقها.

في خلفية هذه العملية، نلاحظ أنه منذ منتصف عام 2025 كان سوق الصرف السوري يشهد حالة من التقلب وعدم اليقين، تحرك خلالها سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية ضمن مسار متقلب، لكنه صاعد في محصلته. فقد تراوح السعر في السوق الموازية ضمن نطاق يقارب 9,000–10,000 ليرة للدولار، ثم دخل في موجة ارتفاع تدريجي مع نهاية العام، وصولًا إلى مستويات سعر الصرف الرسمي عند نحو 11,000 ليرة للدولار الواحد، وهو السعر الذي بقي جامدًا طوال تلك الأشهر، ثم تجاوزته. ولا يبدو هذا التفصيل مجرد خلفية زمنية محايدة، بل عنصرًا جوهريًا في تقييم قرار حذف الصفرين، لأن أي إعادة تقييم اسمية للعملة تفترض، كحد أدنى، وجود استقرار نسبي في سعر الصرف أو قدرة واضحة على ضبطه. ومع تراكم الانطباع، بصرف النظر عن مدى دقته، بأن السياسة الرسمية كانت تميل إلى الحفاظ على مستويات مرتفعة نسبيًا لسعر صرف الدولار في القنوات الرسمية، جاء تطبيق الليرة السورية الجديدة في بيئة نقدية غير مكتملة الشروط، مع استمرار ضعف الليرة بدل تحسنها، رغم رفع العقوبات الاقتصادية عن البلاد رفعًا كاملًا.

إن عملية إعادة التقييم الاسمي للعملة تفترض، نظريًا وعمليًا، تثبيت الثقة بوجود سياسة سعر صرف محددة لإدارة توقعات السوق، أو هدف تضخم مُعلن، أو قدرة مُثبَتة على إدارة السيولة من خلال ربط الإصدار الجديد بإطار واضح لسعر صرف متوازن بين الإنتاج والدخل. فإن غياب إطار من هذا النوع من شأنه أن يزيد من تعامل السوق بحذر مع الليرة الجديدة. ومع استمرار ضعف الليرة أمام الدولار، قد يندفع مزيد من المتعاملين نحو توقع خطير مفاده أن هذا الإجراء ليس سوى إعادة صياغة رقمية لقيمة متراجعة أصلًا، لا بداية لمسار مختلف.

وهنا، ينبغي عدم فصل إدارة الليرة الجديدة عن خلفية وطبيعة الفريق الذي يقود مصرف سورية المركزي. فبحسب المعلومات المعلنة، يغلب على هذا الفريق الطابع الإداري العام، من دون سجل معروف لتجارب سابقة في العمل المصرفي، حتى في ظروف اعتيادية، فضلًا عن إدارة سياسات نقدية معقدة، أو تطبيق برامج إعادة تقييم عملة في ظروف تضخمية حادة. ولا ينطوي هذا التوصيف على حكم مسبق على الكفاءة بحد ذاتها، بقدر ما يسلط الضوء على المقاربة التي طغت على إدارة المرحلة، حيث بدا التركيز مُنصبًّا على تنفيذ القرار وتنظيمه إداريًا أكثر من بناء إطار نقدي متكامل يربط بين الليرة الجديدة وسعر الصرف والتوقعات المستقبلية، وقيادة تحول نقدي يتطلب خبرة تقنية عالية وقدرة على التواصل مع السوق بلغة الثقة والاستقرار، لا بلغة الإجراءات.

كما لا يمكن إغفال الجانب الفني لتصميم الأوراق النقدية الجديدة ذاتها، التي تميزت بخلفيات متماثلة بين الفئات المختلفة، الأمر الذي أثار تساؤلات مشروعة حول مخاطر التزوير، ولا سيما في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النقد الورقي. ومع التركيز على الرسومات الزراعية، لم يُجرِ التأكيد في البداية على عناصر أمان متقدمة ومتمايزة بوضوح من فئة إلى أخرى، إلا في مرحلة لاحقة. وفي حالة نشوء شكوك عامة حول سلامة الأوراق الجديدة، فإن أثر ذلك لن يقتصر على الجانب التقني، بل يتحول سريعًا إلى عامل نفسي يضعف قبول العملة الجديدة، مع وجود خيارات مفتوحة كالدولار والليرة التركية.

ومع ذلك، لا يزال بالإمكان تقليص المخاطر إذا ما جرى التعامل مع الليرة الجديدة بوصفها مسارًا قابلًا للتصحيح، لا إنجازًا منتهيًا. ويتطلب ذلك، أولًا، ربط العملة الجديدة بسياسة سعر صرف واضحة ومعلنة، سواء عبر نطاق مُدار أو أهداف مرحلية قابلة للقياس، بما يحدّ من الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، ويوفر مرجعية مفهومة للمتعاملين. كما يستدعي الأمر تعزيز استقلالية المصرف المركزي فعليًا، وتمكينه من استخدام أدواته النقدية دون تدخلات مباشرة، لأن أي شك في هذه الاستقلالية سيُترجم فورًا إلى ضغط إضافي على سعر الصرف.

ويظل ضبط مرحلة التداول المزدوج عنصرًا حاسمًا، إذ لا بد من رقابة حقيقية على التسعير تمنع تحوّل التغيير الاسمي إلى تضخم فعلي مقنّع. ويضاف إلى ذلك ضرورة مراجعة تصميم الأوراق النقدية وتعزيز عناصر الأمان فيها، مع تنويع واضح في الخلفيات والرموز، ورفع كلفة التزوير إلى مستويات رادعة. كما يبقى التواصل الشفاف مع الجمهور عاملًا لا يقل أهمية عن أي أداة نقدية أخرى، لأن الثقة لا تُبنى بالإنكار أو التطمين اللفظي، بل بالوضوح والاعتراف بالمخاطر وإدارتها. وقد يستلزم ذلك توسيع دائرة فريق العمل نوعيًا بما يخدم الحالة التفاعلية اللازمة لبناء الثقة مع الجمهور وشرائح المتعاملين، إذ إن مصداقية أي عملة تبدأ من مصداقية الجهة التي تديرها وفريقها.

وفي الإطار الأوسع لا بد من العمل الدؤوب على إتاحة إحصائيات شفافة ودورية حول واقع اقتصاد البلاد، والموارد المالية للحكومة، وحالة الإنفاق والموازنة، وتحديد المؤشرات الاقتصادية الكلية القائمة والمستهدفة ضمن إطار خطة اقتصادية استراتيجية واضحة. وعلى أساس هذه الخطة يمكن رسم السياسات المالية والنقدية والتجارية والقطاعية المختلفة، وتحديد نظام صرف يحظى بثقة السوريين والعالم بعملة جديدة وُلدت ويريد الجميع لها أن تنهض في بيئة اقتصادية صحية وسليمة، لتكون مرآة صادقة ومُحفِّزة لها، لا مجرد تغيير نقدي لإعادة ترتيب الأرقام في خانات قد تمتلئ من جديد.

تلفزيون سوريا

——————-

خرّيجو سورية… مَن يعرف مصيرهم؟/ زهير هواري

15 يناير 2026

من المتعذر معرفة مصير خرّيجي الجامعات السورية بفعل النتائج الكارثية التي تركتها الحرب الأهلية منذ عام 2011، إذ تفكّك المجتمع السوري، وهجر نحو نصف السكان قراهم ومدنهم، إمّا نحو مناطق في الداخل، أو إلى الخارج، والخرّيج السوري من جامعة تركية أو لبنانية أو أردنية أو مصرية له ظروف تختلف عن خرّيج الجامعات السورية، ومن الصعب حصر الأعداد من جهة، والمصائر من جهة ثانية لكليهما.

يمكن القول إنّ الخرّيجين من سورية الباقين في البلد ليسوا أفضل حالاً من أقرانهم اللاجئين، بالنظر إلى أنّ الحرب دكّت الاقتصاد بكامل قطاعاته، وتعرضت الصناعات لضربات قاصمة بعد التدمير الذي تعرّضت له المؤسسات في كلّ من دمشق وحلب وحمص وحماة وغيرها من مدن كانت تملك نواة صناعية تسهم في تلبية الحاجات المحلية، عدا تلك المُعدّة للتصدير إلى الخارج.

وتعرضت الزراعة وما يرتبط بها من ثروة حيوانية لخسائر فادحة تحتاج إلى سنوات طويلة لتجاوزها، وعودتها إلى ما كانت عليه من تأمين اكتفاء ذاتي للبلد وأمن غذائي للعاملين فيه. وتَرافق ذلك مع انهيار النقد الوطني وقيمة الأجور، وتردّي الخدمات. وهذه إذا أُضيفت إلى الوضع الأمني والتفكك الجغرافي، فإنها تجعل فرصة الشباب في الحصول على عمل يناسب مؤهلاتهم صعبة، أو شبه مستحيلة.

ويعمد ألوف الخرّيجين إلى مغادرة البلاد، ولو عبر مراكب الموت، أو يضطرون إلى العمل باعة مُياومين وسائقين عموميّين وحرفيّين، والوصول إلى هذه النتيجة يعود في جانب منه إلى غياب الاستثمارات تحت تأثير التعقيدات السياسية والضائقة الاقتصادية، وتوقف الكثير من المشاريع الخدمية والحرفية عن متابعة عملها، وصرف عمّالها، أو العمل بالحد الأدنى من طاقتها.

على أن فقدان فرص العمل ينسحب أيضاً على الخرّيجين الذين يتمتعون بمرونة عن سواهم، فالأطباء، ورغم تدنّي أجورهم وتعذر فتحهم لعيادات خاصة، لا يجدون مجالاً لممارسة اختصاصهم، ومثلهم المهندسون، فيندفعون إلى مغادرة البلاد. وقِسْ على ذلك من مهنٍ تُعتبر أدنى في سوق العمل.

ولا تعبر أرقام البطالة عن حال التشوّه الذي يعانيه سوق العمل في سورية فحسب، بل تحدّد في الوقت نفسه مَن يدفع الثمن مضاعفاً، فأصحاب المؤهلات العليا، وخصوصاً الإناث منهم، دفعوا الفاتورة الأعلى من خلال البطالة من جهة، والقبول بما يتيسّر من أعمال من جهة ثانية، إذ يضطرّ كثيرون إلى التنازل عن مؤهلاتهم، والقبول بما هو معروض عليهم من مهنٍ من أجل كسب العيش. نشير إلى ذلك من دون الدخول في تفاصيل أوضاع التعليم العالي، والتراجع الذي يعانيه، وضآلة الكفاءات بين الخرّيجين، والتباين بين الاختصاصات النظرية والتطبيقية.

(باحث وأكاديمي)

العربي الجديد

————————-

مصرف سوريا المركزي ينفي وجود حالات تزوير للعملة الجديدة

أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية الخميس أنه لم يرد حتى اللحظة إلى المركزي، أي بلاغ رسمي من أي مصرف أو مؤسسة مالية أو من فرد يفيد بوجود حالات تزوير للعملة الجديدة.

وقال الحصرية، في منشور على صفحته بموقع فيسبوك: “عادة ما إن يتم إبلاغنا من قبل مصرف أو مؤسسة مالية عن حالة تزوير، يتم التعامل معها مباشرة بالتعاون مع الجهات المختصة لدى وزارة الداخلية”.

وأضاف: “وعليه كل ما يتم تداوله على مواقع التواصل أو في الأحاديث العامة يعتبر حتى الآن مجرد إشاعات غير مؤكدة نرى أن غرضها قد يكون سوء الفهم أو الخوف أو التشويش ولا تستند إلى أي مصدر رسمي وهي قد تكون لتحقيق مشاهدات بعيدا عن الحقيقة”.

ودعا الحصرية إلى “عدم الانجرار وراء الأخبار غير الموثوقة، واعتماد المعلومات الصادرة فقط عن مصرف سوريا المركزي، لما لذلك من دور في حفظ الاستقرار وتجنب إثارة القلق دون داع”.

وكان حاكم مصرف سوريا المركزي أوضح المزايا الأمنية التي تتمتع بها الليرة الجديدة، التي تجعلها صعبة التزوير.

(د ب أ)

————————-

شركة قطرية تستحوذ على حصص كبيرة في بنكين سوريين

قالت أربعة مصادر مطلعة إن من المقرر أن تستحوذ مجموعة استثمار القابضة القطرية على شهبا بنك السوري وعلى ‌حصة ‌30 بالمئة من بنك سورية الدولي الإسلامي، وذلك في أول استحواذ مصرفي أجنبي في سوريا منذ سقوط الرئيس السابق بشار الأسد.

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا أواخر العام الماضي، وفي الوقت الذي يحاول فيه مصرف سوريا المركزي إعادة رسملة القطاع المصرفي الذي تضرر بشدة جراء الحرب التي استمرت نحو 14 عاما والعقوبات الغربية.

وقالت ثلاثة من المصادر إن شركة استثمار القابضة التابعة لمجموعة باور انترناشونال ‍القابضة ومقرها الدوحة، ستستحوذ على حصة أغلبية 60 بالمئة في شهبا بنك بعد شراء أسهم بنك بيمو السعودي الفرنسي وبنك الائتمان الأهلي. ويقود المجموعة الأخوان القطريان من أصل سوري معتز ورامز الخياط.

وقال مصدر مطلع على توجهات شهبا بنك “لديهم خطة طموح جدا للبنك، تتمثل في زيادة رأس المال وتسهيل التواصل مع بنوك المراسلة”.

وقال مصدر آخر إن 30 بالمئة أخرى من أسهم بنك سورية الدولي الإسلامي مملوك بالفعل لشركاء قطريين.

ولم ترد بنوك بيمو والائتمان الأهلي وسوريا الدولي الإسلامي حتى الآن على طلبات للتعليق.

ولا ‍تزال عمليات الاستحواذ خاضعة لموافقة الجهات التنظيمية.

وقال حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية إن ‍ليس بوسعه التعليق لأن هذه الأمور لا تزال سرية.

وأضاف لرويترز “مع ذلك، يرحب المصرف المركزي بأي مبادرات محتملة لإعادة الهيكلة، أو مبادرات مدفوعة بقوى السوق، من شأنها تعزيز استقرار القطاع المصرفي ومرونته وحوكمته الرشيدة، شريطة أن تتوافق تماما مع القوانين واللوائح المعمول بها”.

وستضاف عمليات الاستحواذ إلى محفظة متنامية من المشاريع والاستثمارات ‌التي تمتلكها عائلة الخياط، والتي لديها بالفعل عقود لمشاريع توليد الطاقة في سوريا ولإعادة تطوير وتوسيع مطار دمشق.

وقالت المصادر إن بنك الائتمان الأهلي وبنك بيمو سيستخدمان عائدات بيع حصصهما في شهبا بنك لضخ رأس المال في البنكين اللذين تضررا من انكشافهما على الأزمة المالية في لبنان المجاور.

 (رويترز)

 ——————–

=====================

تحديث 14 كانون الثاني 2025

————————-

 مخاوف وطروحات حول عملية إصدار الليرة السورية الجديدة/ د. عبد المنعم حلبي

2026.01.14

مع التسليم الكامل بأن إصدار الليرة السورية الجديدة يُعدّ ضرورة سياسية، وأن حذف صفرين من الليرة السورية القديمة مرتبط بضرورات تقنية نقدية ومتطلبات تسهيل المعاملات، فإن ذلك لا ينبغي أن يمنع من بحث مخاوف عميقة تحيط بهذه العملية، تتعلق بالتوقيت، والإدارة، ومدى ارتباطها بواقع سوق الصرف، الذي ظلّ منذ صيف 2025 يعكس تذبذبًا واضحًا بين السعرين الرسمي والموازي، وصولًا إلى طرح أفكار ومتطلبات من شأنها زيادة القدرة على تحويل هذا الإجراء الاسمي إلى مسار اقتصادي فعلي مستقر.

من الواضح أن البعد السياسي أو الرمزي للعملية كان طاغيًا. فصحيح أن العملة رمز سيادي، وأن إصدارها بصيغة جديدة يُراد له أن يعكس بداية مرحلة مختلفة، إلا أن التجارب النقدية تُظهر أن الرمزية وحدها لا تكفي، بل قد تنقلب إلى عبء إذا لم تُدعَم بأسس متينة قادرة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي. فالتطبيق المتسارع لحذف الصفرين أعطى انطباعًا مبدئيًا بوجود هدف يتمثل في تسجيل خطوة معنوية سريعة، مما جعل السوق أكثر ميلًا للاختبار. وتاريخيًا، كثيرًا ما أدت هذه المقاربة إلى نتائج عكسية، لأن السوق لا يتعامل مع القرارات النقدية بوصفها شعارات، بل باعتبارها التزامات قابلة للاختبار اليومي، تؤدي نتائجها التراكمية إلى بناء الثقة أو إضعافها.

إن عملية إعادة تقييم العملة ليست خطوة نادرة في التجارب الدولية، لكنها تظل أداة عالية الحساسية، لا تُقاس بجرأتها الشكلية، بل بقدرتها على تثبيت الثقة وكبح التوقعات السلبية. وقد نجحت هذه العملية في دول خرجت من أزمات تضخمية حادة حين جاءت ضمن برامج استقرار واضحة، لكنها فشلت حين استُخدمت كإجراء شكلي أو سياسي معزول. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبرز إشكالية الليرة السورية الجديدة، لا من حيث المبدأ، بل من حيث السياق الذي وُضعت فيه، والهدف الأساسي المنشود من إطلاقها.

في خلفية هذه العملية، نلاحظ أنه منذ منتصف عام 2025 كان سوق الصرف السوري يشهد حالة من التقلب وعدم اليقين، تحرك خلالها سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية ضمن مسار متقلب، لكنه صاعد في محصلته. فقد تراوح السعر في السوق الموازية ضمن نطاق يقارب 9,000–10,000 ليرة للدولار، ثم دخل في موجة ارتفاع تدريجي مع نهاية العام، وصولًا إلى مستويات سعر الصرف الرسمي عند نحو 11,000 ليرة للدولار الواحد، وهو السعر الذي بقي جامدًا طوال تلك الأشهر، ثم تجاوزته. ولا يبدو هذا التفصيل مجرد خلفية زمنية محايدة، بل عنصرًا جوهريًا في تقييم قرار حذف الصفرين، لأن أي إعادة تقييم اسمية للعملة تفترض، كحد أدنى، وجود استقرار نسبي في سعر الصرف أو قدرة واضحة على ضبطه. ومع تراكم الانطباع، بصرف النظر عن مدى دقته، بأن السياسة الرسمية كانت تميل إلى الحفاظ على مستويات مرتفعة نسبيًا لسعر صرف الدولار في القنوات الرسمية، جاء تطبيق الليرة السورية الجديدة في بيئة نقدية غير مكتملة الشروط، مع استمرار ضعف الليرة بدل تحسنها، رغم رفع العقوبات الاقتصادية عن البلاد رفعًا كاملًا.

إن عملية إعادة التقييم الاسمي للعملة تفترض، نظريًا وعمليًا، تثبيت الثقة بوجود سياسة سعر صرف محددة لإدارة توقعات السوق، أو هدف تضخم مُعلن، أو قدرة مُثبَتة على إدارة السيولة من خلال ربط الإصدار الجديد بإطار واضح لسعر صرف متوازن بين الإنتاج والدخل. فإن غياب إطار من هذا النوع من شأنه أن يزيد من تعامل السوق بحذر مع الليرة الجديدة. ومع استمرار ضعف الليرة أمام الدولار، قد يندفع مزيد من المتعاملين نحو توقع خطير مفاده أن هذا الإجراء ليس سوى إعادة صياغة رقمية لقيمة متراجعة أصلًا، لا بداية لمسار مختلف.

وهنا، ينبغي عدم فصل إدارة الليرة الجديدة عن خلفية وطبيعة الفريق الذي يقود مصرف سورية المركزي. فبحسب المعلومات المعلنة، يغلب على هذا الفريق الطابع الإداري العام، من دون سجل معروف لتجارب سابقة في العمل المصرفي، حتى في ظروف اعتيادية، فضلًا عن إدارة سياسات نقدية معقدة، أو تطبيق برامج إعادة تقييم عملة في ظروف تضخمية حادة. ولا ينطوي هذا التوصيف على حكم مسبق على الكفاءة بحد ذاتها، بقدر ما يسلط الضوء على المقاربة التي طغت على إدارة المرحلة، حيث بدا التركيز مُنصبًّا على تنفيذ القرار وتنظيمه إداريًا أكثر من بناء إطار نقدي متكامل يربط بين الليرة الجديدة وسعر الصرف والتوقعات المستقبلية، وقيادة تحول نقدي يتطلب خبرة تقنية عالية وقدرة على التواصل مع السوق بلغة الثقة والاستقرار، لا بلغة الإجراءات.

كما لا يمكن إغفال الجانب الفني لتصميم الأوراق النقدية الجديدة ذاتها، التي تميزت بخلفيات متماثلة بين الفئات المختلفة، الأمر الذي أثار تساؤلات مشروعة حول مخاطر التزوير، ولا سيما في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النقد الورقي. ومع التركيز على الرسومات الزراعية، لم يُجرِ التأكيد في البداية على عناصر أمان متقدمة ومتمايزة بوضوح من فئة إلى أخرى، إلا في مرحلة لاحقة. وفي حالة نشوء شكوك عامة حول سلامة الأوراق الجديدة، فإن أثر ذلك لن يقتصر على الجانب التقني، بل يتحول سريعًا إلى عامل نفسي يضعف قبول العملة الجديدة، مع وجود خيارات مفتوحة كالدولار والليرة التركية.

ومع ذلك، لا يزال بالإمكان تقليص المخاطر إذا ما جرى التعامل مع الليرة الجديدة بوصفها مسارًا قابلًا للتصحيح، لا إنجازًا منتهيًا. ويتطلب ذلك، أولًا، ربط العملة الجديدة بسياسة سعر صرف واضحة ومعلنة، سواء عبر نطاق مُدار أو أهداف مرحلية قابلة للقياس، بما يحدّ من الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، ويوفر مرجعية مفهومة للمتعاملين. كما يستدعي الأمر تعزيز استقلالية المصرف المركزي فعليًا، وتمكينه من استخدام أدواته النقدية دون تدخلات مباشرة، لأن أي شك في هذه الاستقلالية سيُترجم فورًا إلى ضغط إضافي على سعر الصرف.

ويظل ضبط مرحلة التداول المزدوج عنصرًا حاسمًا، إذ لا بد من رقابة حقيقية على التسعير تمنع تحوّل التغيير الاسمي إلى تضخم فعلي مقنّع. ويضاف إلى ذلك ضرورة مراجعة تصميم الأوراق النقدية وتعزيز عناصر الأمان فيها، مع تنويع واضح في الخلفيات والرموز، ورفع كلفة التزوير إلى مستويات رادعة. كما يبقى التواصل الشفاف مع الجمهور عاملًا لا يقل أهمية عن أي أداة نقدية أخرى، لأن الثقة لا تُبنى بالإنكار أو التطمين اللفظي، بل بالوضوح والاعتراف بالمخاطر وإدارتها. وقد يستلزم ذلك توسيع دائرة فريق العمل نوعيًا بما يخدم الحالة التفاعلية اللازمة لبناء الثقة مع الجمهور وشرائح المتعاملين، إذ إن مصداقية أي عملة تبدأ من مصداقية الجهة التي تديرها وفريقها.

وفي الإطار الأوسع لا بد من العمل الدؤوب على إتاحة إحصائيات شفافة ودورية حول واقع اقتصاد البلاد، والموارد المالية للحكومة، وحالة الإنفاق والموازنة، وتحديد المؤشرات الاقتصادية الكلية القائمة والمستهدفة ضمن إطار خطة اقتصادية استراتيجية واضحة. وعلى أساس هذه الخطة يمكن رسم السياسات المالية والنقدية والتجارية والقطاعية المختلفة، وتحديد نظام صرف يحظى بثقة السوريين والعالم بعملة جديدة وُلدت ويريد الجميع لها أن تنهض في بيئة اقتصادية صحية وسليمة، لتكون مرآة صادقة ومُحفِّزة لها، لا مجرد تغيير نقدي لإعادة ترتيب الأرقام في خانات قد تمتلئ من جديد.

تلفزيون سوريا

————————-

سوريا: التفاوت في الرواتب الحكومية يفتح ملف العدالة الوظيفية/ نادر دبو

أزمة الرواتب في سوريا: التفاوت والأرقام بين الموظفين يطرح تحديات العدالة الوظيفية

2026-01-14

في وقت يُفترض أن تبدأ سوريا إعادة بناء مؤسساتها على أسس العدالة والكفاءة، تعاني البلاد أزمة رواتب حادة تتجاوز ضعف الأجور وانهيار قيمتها الشرائية لتشمل تفاوتاً صارخاً بين الموظفين داخل المؤسسة الواحدة، حتى في الإعلام الرسمي، ما يفاقم شعور الظلم ويؤثر على الأداء الوظيفي والاستقرار النفسي للعاملين، وسط تضخم مزمن وارتفاع الأسعار يجعل الرواتب غير كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية من غذاء وكهرباء ونقل وطبابة وإيجارات، ما يعكس أزمة اقتصادية واجتماعية مركبة.

وخلال الأشهر الماضية، تصاعدت شكاوى موظفين وصحفيين في مؤسسات حكومية بسبب تفاوت الأجور بين فئات تتقاضى رواتب بالدولار مقابل الغالبية بالليرة السورية، بما لا يتجاوز مئة دولار شهرياً، وسط غياب تعليمات رسمية أو معايير واضحة، ما أثار جدلاً حول العدالة الوظيفية وكفاءة التوظيف، وخلق احتقاناً في المؤسسات، خصوصًا الإعلام الرسمي، حيث يعمل قدامى برواتب منخفضة مقابل تعيين جدد بأجر أعلى، ما قد يفرغ الوظيفة العامة من مضمونها ويحوّلها إلى ساحة تنافس غير متكافئ.

خلل بنيوي في إدارة الموارد البشرية

في حديثه لـ”963+”، يقول جمال الزعبي، موظف في قطاع المالية، إن أزمة الرواتب في المؤسسات الحكومية تجاوزت ضعف الأجور لتصبح خللاً بنيوياً ناجماً عن غياب سياسة واضحة وعادلة لإدارة الموارد البشرية بعد سقوط النظام، معبّراً عن أن ما يجري يعكس ارتباكاً إدارياً أكثر من كونه مساراً إصلاحياً.

ويوضح أن تفاوت الرواتب داخل المؤسسة الواحدة وبعملات مختلفة خلق شرخاً في العدالة الوظيفية، حيث يقارن الموظف راتبه بزميله الذي يؤدي نفس العمل ويتقاضى أضعاف أجره، مشيراً إلى أن تقاضي موظفين جدد 400–800 دولار بينما أمضى آخرون أكثر من خمسة عشر عاماً برواتب أقل من مئة دولار يشكل ظلماً واضحاً.

ويضيف الزعبي أن تبرير التفاوت بـ”استقطاب الكفاءات الجديدة” يتجاهل أهمية الكوادر القديمة التي حافظت على استمرارية العمل بلا حوافز، محذراً من أن تجاهل سنوات الخبرة والتدرج الوظيفي يهدد الثقة بين الموظف والدولة ويدفع البعض للهجرة أو العمل الموازي أو الاستقالة الصامتة.

ويحذّر من أن استمرار الوضع سيحوّل الوظيفة العامة من مصدر أمان إلى عامل توتر دائم، داعياً لإعادة هيكلة سلم الرواتب على أسس واضحة تربط الأجر بالمسؤولية وطبيعة العمل وسنوات الخدمة، مؤكدًا أن من دون معالجة عادلة وشفافة ستبقى الفجوة قائمة والاحتقان يتوسع داخل المؤسسات.

من جهتها، تقول ندى، وهي صحافية تعمل في جريدة الثورة الرسمية فضّلت عدم الكشف عن اسمها الحقيقي، لـ”963+” إن التفاوت في الرواتب داخل الإعلام الرسمي بات من أكثر القضايا إيلاماً للصحفيين القدامى، لأنه يمسّ جوهر العدالة المهنية ويضرب فكرة التقدير الوظيفي في أساسها.

وتضيف ندى: “أعمل في الصحافة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، ومررنا بسنوات كانت فيها ظروف العمل بالغة القسوة، من ضغوط أمنية إلى أعباء معيشية خانقة، ومع ذلك بقينا نعمل وننتج ونلتزم بمؤسساتنا”.

توقيت التعيين بدل سنوات الخبرة

تتابع: “اليوم نجد أنفسنا نتقاضى راتبًا بالليرة السورية لا تتجاوز قيمته الفعلية مئة دولار، بينما يتقاضى زملاء جدد عُيّنوا بعد سقوط النظام رواتب بالدولار تصل إلى 300 و400 دولار، وفي بعض المكاتب أكثر من ذلك”.

وتشير إلى أن المشكلة لا تكمن في مبدأ تحسين رواتب الصحفيين الجدد، بل في غياب أي معيار واضح أو عادل يفسّر هذا الفارق الكبير، ويضع حدًا للاجتهادات الإدارية غير المنضبطة.

وتقول: “لسنا ضد أن يعيش أي صحفي بكرامة، لكن من غير المنطقي أن يُكافأ توقيت التعيين أكثر من سنوات الخبرة. نحن نؤدي العمل نفسه، نغطي الملفات ذاتها، ونخضع لضغوط مهنية متشابهة، ومع ذلك الفارق في الراتب شاسع إلى درجة مهينة”.

وتضيف ندى أن هذا الواقع خلق انقساماً غير معلن داخل غرف التحرير، حيث بات الصحفيون يشعرون بأنهم ينتمون إلى درجتين وظيفيتين داخل المؤسسة الواحدة، ما ينعكس سلباً على التعاون المهني وروح الفريق.

الصمت خوفاً من الاتهام

كما تلفت إلى أن كثيراً من الصحفيين القدامى باتوا يتجنبون المطالبة بحقوقهم خشية الوصم أو الاتهام.

وتقول: “أي اعتراض أو تساؤل يُقابَل أحياناً بتلميحات سياسية أو باتهام غير مباشر بأنك من بقايا المرحلة السابقة. هذا مناخ خانق، يجعل الصحفي يشعر أن عليه الاختيار بين الصمت أو التشكيك في تاريخه المهني”.

وتختم ندى حديثها بالتأكيد على أن الإعلام الرسمي لا يمكن أن يستعيد دوره أو ثقة كوادره من دون معالجة عادلة وشفافة لملف الرواتب.

قطاع الاتصالات.. الضغط يتجاوز المعيشة

بدورها، تقول بتول الأحمد، موظفة في قطاع الاتصالات، إن التفاوت في الرواتب داخل المؤسسات الحكومية لم يعد مسألة أرقام فقط، بل تحوّل إلى عامل ضغط نفسي واجتماعي يومي على الموظفين القدامى، مؤكدة أن غياب العدالة في الأجور أفقد كثيرين الإحساس بقيمة عملهم ودورهم داخل مؤسساتهم.

وتضيف الأحمد لـ”963+”: “أعمل في قطاع الاتصالات منذ سنوات، ونؤدي أعمالاً تقنية وإدارية حساسة تتطلب التزاماً يومياً وضغط عمل مستمر”.

وتشير إلى أن راتبها لا يزال يُصرف بالليرة السورية ولا تتجاوز قيمته الفعلية مئة دولار، في وقت يتقاضى فيه موظفون جدد يعملون في القسم نفسه رواتب بالدولار تصل إلى 300 أو 400 دولار، وأحياناً أكثر.

وتقول: “عندما تعملين إلى جانب شخص يؤدي المهمة نفسها ويتقاضى ثلاثة أو أربعة أضعاف راتبك، يصبح من الصعب الحفاظ على الحافز أو الشعور بالانتماء للمكان”.

العدالة شرط بقاء المؤسسات

وتؤكد الأحمد أن المشكلة لا تتعلق برفض تحسين رواتب الموظفين الجدد، بل بغياب سياسة واضحة تضمن العدالة للجميع، وتأخذ في الاعتبار سنوات الخدمة والخبرة والمسؤوليات.

وتختم حديثها بالقول: لا يمكن بناء قطاع عام قوي إذا شعر موظفوه بأنهم غير مرئيين. العدالة في الرواتب ليست ترفاً، بل شرط أساسي لبقاء المؤسسات وقدرتها على الاستمرار في خدمة الناس.

في المحصلة تكشف أزمة الرواتب داخل مؤسسات الدولة عن خلل عميق يتجاوز الأرقام والحسابات، ليطال جوهر العلاقة بين الموظف والدولة، ومعنى العدالة الوظيفية في مرحلة يفترض أنها انتقالية وتأسيسية في آن واحد.

فاستمرار التفاوت الحاد في الأجور داخل المؤسسة الواحدة، وبعملات مختلفة، لا يهدد فقط الاستقرار المعيشي للموظفين، بل يقوّض الثقة الداخلية ويحوّل بيئة العمل إلى مساحة مشحونة بالإحباط والانقسام.

إن تجاهل سنوات الخدمة والخبرة والتدرج الوظيفي، مقابل مكافأة توقيت التعيين أو نوع العقد، يرسل رسالة سلبية مفادها أن الالتزام طويل الأمد لا قيمة له، وأن الاستمرار في الوظيفة العامة لم يعد ضمانة للاستقرار أو التقدير. وهو ما ينعكس مباشرة على جودة الأداء، ويضعف قدرة المؤسسات على القيام بدورها في خدمة المجتمع خلال مرحلة إعادة البناء.

وفي قطاعات حساسة كالإعلام والاتصالات والمالية، يصبح هذا الخلل أكثر خطورة، لأنه يضرب أسس المهنية والاستقلالية، ويفتح الباب أمام هجرة الكفاءات أو انسحابها الصامت من العمل العام. لذلك، فإن معالجة ملف الرواتب لم تعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة عاجلة، تتطلب سياسة شفافة تعيد الاعتبار لمبدأ العدالة، وتربط الأجر بالخبرة والمسؤولية، بوصفه المدخل الحقيقي لبناء مؤسسات دولة مستقرة وقادرة على الاستمرار.

+963

————————-

شائعات التزوير تضغط على الليرة السورية/ نور ملحم

14 يناير 2026

تداولت العديد من مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات فيسبوك، خلال الأيام الماضية، تحذيرات من انتشار أوراق نقدية مزوّرة من فئة الـ500 ليرة سورية الجديدة، وسط حديث متزايد عن صعوبة تمييزها عن النسخ الأصلية، ما أثار قلقًا في الأوساط الشعبية والتجارية، ولا سيما مع توسّع تداول الفئات المطبوعة حديثًا في الأسواق.

وترافقت هذه التحذيرات مع منشورات تشير إلى وجود أوراق نقدية تبدو باهتة أو تفتقر إلى بعض العناصر الأمنية المعروفة، الأمر الذي دفع مواطنين وتجارًا إلى التشدد في قبول فئة الـ500 ليرة الجديدة، في وقت يؤكد فيه مصرف سورية المركزي أن العملة الجديدة تتمتع بمزايا أمنية عالية تجعل تزويرها بالغ الصعوبة.

وفي هذا السياق، قال حاكم مصرف سورية المركزي عبد القادر حصرية، لـ”العربي الجديد”، إن آليات الحماية من التزوير تعتمد على نوعين من الإجراءات، أبرزها المزايا الأمنية المتقدمة المدمجة داخل عجينة الورق نفسها، وليست مضافة في مراحل لاحقة، وأوضح أن الخصائص الأمنية موجودة في بنية الورق ذاته، وهو ما يميّز العملة الجديدة عن تجارب سابقة شهدت محاولات تزوير.

وأشار حصرية، عبر منشور على حسابه في مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أن الليرة الجديدة تميّزت بمجموعة من المزايا الأمنية التي جرى تضمينها في مرحلة تصنيع الورق قبل الطباعة، في مقدمتها العلامة المائية التي تظهر عند تعريض الورقة للضوء وتحمل شعار الجمهورية العربية السورية العقاب السوري ورقم الفئة، إضافة إلى الخيط الأمني المزروع داخل الورق، والألياف الأمنية الملوّنة، واستخدام ورق قطني خاص يمنح العملة متانة وإحساسًا مميزًا عند اللمس، فضلًا عن خصائص فلورية وكيميائية تكشف محاولات العبث أو الغسل.

ورغم هذه التطمينات الرسمية، سُجّلت شكاوى لمواطنين تتعلق بآلية استبدال العملة، إذ تحدث بعضهم عن رفض شركات صرافة استبدال مبالغ تفوق خمسة ملايين ليرة قديمة، على الرغم من الإعلان عن سقف يصل إلى 75 مليون ليرة. وفي المقابل، امتنعت شركات حوالات في دمشق عن تسليم العملة الجديدة بحجة نفاد الكميات، مكتفية بتسليم الليرة القديمة.

بدوره، رأى الخبير الاقتصادي موفق الحداد أن أخطر ما في انتشار الشائعات المرتبطة بتزوير العملة لا يكمن في مضمونها بحد ذاته، بل في تأثيرها النفسي المباشر على سلوك المواطنين والأسواق، وأوضح أن هشاشة الثقة بالليرة تجعل السوق شديدة الحساسية لأي معلومات غير مؤكدة، حتى وإن كانت حالات فردية أو محدودة.

وأشار الحداد، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن تداول مثل هذه الشائعات يدفع المواطنين إلى التخلص من العملة المحلية واللجوء إلى الدولار أو الذهب، ما يرفع الطلب على القطع الأجنبي بشكل غير مبرر اقتصاديًا، ويضغط على سعر صرف الليرة، في ظاهرة يصفها بالتضخم النفسي، حيث تتراجع القيمة الشرائية نتيجة الخوف وتوقعات سلبية لا ترتبط بعوامل إنتاج أو سيولة حقيقية.

وحذّر الخبير الاقتصادي من أن خطورة الشائعات تتضاعف عندما تترافق مع ممارسات غير منضبطة من بعض شركات الصرافة أو الحوالات، كرفض الاستبدال أو تقييد تسليم العملة الجديدة، إذ تتحول الشائعة في هذه الحالة من مجرد تداول إلكتروني إلى تجربة واقعية تعزز فقدان الثقة بالسياسة النقدية. وأكد الحداد أن استمرار هذا المناخ قد يفتح الباب أمام المضاربة المنظمة على العملة، حيث تستفيد السوق السوداء من حالة الارتباك لدفع مزيد من السيولة نحو الدولار، ما يفاقم الضغوط على الليرة ويخلق تقلبات غير مبررة في الأسعار.

وشدد على أن “معالجة هذه الظاهرة تتطلب رقابة فعلية، والتزامًا صارمًا من شركات الصرافة بالتعليمات الرسمية، إضافة إلى تواصل شفاف وسريع مع الرأي العام”، ويخلص إلى أن “استقرار العملة في سورية بات مرتبطًا بإدارة الثقة بقدر ارتباطه بالأدوات النقدية”، محذرا من أن تجاهل الشائعات أو التقليل من أثرها قد يحمّل الاقتصاد كلفة أعلى بكثير من حجم المشكلة نفسها.

العربي الجديد

—————————————

=====================

تحديث 13 كانون الثاني 2025

————————-

عن ضرورة إدراج منظور اجتماعي-اقتصادي في العدالة الانتقالية/ جوزيف ضاهر

تَركّز السلطة في يد الرئاسة يحدّ من الرقابة المستقلة

12 كانون الثاني 2026

بعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، لا تزال عملية العدالة الانتقالية الشاملة والكاملة غائبة. وقد انتقدت منظمات حقوق الإنسان السورية تقاعس السلطة السورية في هذا الملف.

على سبيل المثال، انتقدت المرسوم رقم (20) الصادر في 17 مايو/أيار 2025، والذي شكّل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، المُكلّفة بالتحقيق في الانتهاكات الجسيمة المنسوبة إلى النظام السابق، متجاهلةً في الوقت نفسه الانتهاكات واسعة النطاق التي ارتكبتها جهات أخرى في سوريا. يتناقض منطق العدالة الانتقائية هذا مع مبادئ المساواة وعدم التمييز، ويستبعد شريحة واسعة من الضحايا من نطاق اختصاصها. علاوة على ذلك، اتهمت هذه المنظّمات السلطة الجديدة بموجب هذا المرسوم بالمساهمة في “تكريس مناخ من الإفلات من العقاب، ما يسمح لمختلف الأطراف والقوى العسكرية التي لا تزال تنشط بشكل مستقل أو تحت مظلة وزارة الدفاع بمواصلة ارتكاب انتهاكات جسيمة، بما في ذلك القتل خارج إطار القانون، والخطف والإخفاء القسري والاعتقال التعسفي والابتزاز والاغتصاب،”.[1]

من الواضح أنّ الرئيس المؤقّت أحمد الشرع وحلفائه في السلطة لا يرغبون بآلية شاملة للعدالة الانتقالية، خشية أن يعرّضهم ذلك للمساءلة عن جرائمهم وانتهاكاتهم بحقّ المدنيين ومختلف فئات المجتمع قبل سقوط النظام وبعده، بما في ذلك المجازر التي ارتُكبت بحق المدنيين في المناطق الساحلية والسويداء.

في هذا السياق، من المهم لمنظّمات حقوق الإنسان والناشطين السوريين مواصلة إثارة هذه القضية لتحقيق العدالة للضحايا، وتعزيز السلم الأهلي، وتخفيف حدّة التوتّرات الطائفية في المجتمع.

مع ذلك، لا يُطرح البُعد الاجتماعي والاقتصادي لعملية العدالة الانتقالية الشاملة في كثير من الأحيان من قِبل منظمات حقوق الإنسان السورية، والمجتمع المدني، والأحزاب السياسية، وهو غائبٌ عموماً عن الخطاب العام.

في تقرير نُشر عام ٢٠٢٥، كتب المقرّر الخاص برنارد دوهايم عن ضرورة تعزيز “التقاطع بين العدالة الانتقالية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية” للدول “التي تنتقل من الصراع أو الحكم الاستبدادي… عند التفاوض على عمليات العدالة الانتقالية وتصميمها وتنفيذها”.

ذكر المقرِّر الخاص للأمم المتحدة، على سبيل المثال، أنّه “ينبغي للدول ضمان معالجة الانتهاكات الجسيمة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كجزء من عمليات العدالة الانتقالية”. وأضاف المقرِّر أنّ   لجان تقصّي الحقائق وغيرها من آليات تقصي الحقائق يجب أن تحدّد هذه الانتهاكات الجسيمة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأن تعترف بها، وأن تحلّلها، وأن توثّقها. ولضمان فعاليتها، يجب منح هذه الهيئات الولاية والقدرات والموارد اللازمة لإنجاز مهامها.

ينبغي أن تكون استعادة أصول الدولة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المالية الخطيرة أولوية، بما في ذلك الجهود المبذولة للتنديد بعمليات خصخصة أصول الدولة والأصول العامة، أو توزيع الأراضي والممتلكات والعقود العامة على رجال الأعمال المُرتبطين بنظام الأسد السابق، على حساب مصالح الطبقة الشعبية والمجتمع والقطاع العام.

على النقيض من ذلك، وبدلاً من مقاضاة رجال الأعمال المُرتبطين بنظام الأسد السابق والمتورطين في جرائم مالية واقتصادية كبرى، أبرمت السلطة الحاكمة اتفاقيات مصالحة مع العديد منهم.[2] تشمل هذه الاتفاقيات شخصيات بارزة من الدائرة المقرّبة للأسد، مثل محمد حمشو، الحليف المقرّب تاريخياً من النظام، والذي يعتبر واجهة اقتصادية لماهر الأسد؛ وسمير حسن، المعروف بدوره في الشبكات المالية الغامضة للنظام؛ وعصام شموط، مالك شركة “أجنحة شام”، شركة الطيران الخاصة الوحيدة في سوريا (التي تُعرف الآن باسم “فلاي شام”)؛ وسليم دعبول، مالك ما لا يقل عن 25 شركة، وهو نجل محمد ديب دعبول، الذي شغل منصب السكرتير الشخصي لحافظ الأسد لمدّة 40 عاماً. لم تُتخذ أيّ إجراءات قانونية لمقاضاة هؤلاء الأفراد بتهم ارتكاب جرائم اقتصادية أو لاسترداد ثرواتهم لصالح الدولة ومواطنيها.[3]

في المقابل، وافقت هذه الشخصيات على التنازل عن جزء من ثرواتها. إلا أنّ السلطة الحاكمة لم تتبع أيّ إجراءات شفافة بشأن اتفاقيات المصالحة هذه.

أعلنت الهيئة في بيانٍ نُشر على موقعها الإلكتروني الرسمي، أن التسوية جاءت بعد “تحقيقات موسعة وفحص شامل للأصول والإقرارات المالية المقدمة من السيد حمشو”،[4] وبهدف “تحقيق العدالة الاقتصادية وضمان شفافية الأصول والممتلكات لدى رجال الأعمال الذين يشتبه في اكتسابهم للحسابات والمصالح من قربهم من النظام السابق.”  و”البرنامج يوفر فرصة فريدة لتسوية الأوضاع القانونية والضريبية أمام الذين لديهم ما يستوجِب الإفصاح، وذلك بدون المساس بحقوق الدولة ولا تجاوز إطار القانون”.  وأوضحت الهيئة أنّ التسوية تُمنح لمن يثبت أن ثروته مُكتسبة بطرقٍ مشروعة. يسعى البرنامج إلى تعزيز الشفافية في البيئة الاقتصادية، وتشجيع الاستثمار، وحماية الاقتصاد الوطني من مظاهر التربّح غير المشروع، بالإضافة إلى استعادة الحقوق المالية للدولة.

فما هي النسبة المئوية التي تمّ الاستيلاء عليها من ثروات هؤلاء رجال الأعمال؟ وأين وُجّهت هذه الأموال؟ هل وُضعت في الصندوق السيادي؟ أم في ميزانية الدولة؟ برامج أو استثمارات حكومية عامة محددة؟ أم لإثراء المقرّبين الجدد من رجال الأعمال؟

كما أنّ غياب الشفافية والعدالة في الجرائم الاقتصادية يُتيح للسلطة السورية الحاكمة الجديدة الإفلات من العقاب.

برز حازم الشرع، شقيق الرئيس المؤقّت، بشكلٍ مُتزايد كشخصية محورية في الشؤون الاقتصادية وإدارة النخب التجارية. وقد رافق أحمد الشرع في أولى زياراته الخارجية إلى السعودية وتركيا، وعُيّن رسمياً نائباً لرئيس المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية في سوريا. وكشف تحقيق أجرته وكالة رويترز أنّ حازم الشرع، برفقة لجنة صغيرة، مسؤول عن إعادة تشكيل الاقتصاد السوري من خلال عمليات استحواذ سرّية على شركات كانت مملوكة لرجال أعمال موالين لنظام الأسد السابق. ووفقاً للتحقيق، سيطرت هذه اللجنة على أصول تزيد قيمتها عن 1.6 مليار دولار من رجال أعمال وشركات كانت تابعة لنظام الأسد السابق. علاوة على ذلك، تتمثّل مهمّة حازم الشرع الرئيسية في إدارة العلاقات مع رجال الأعمال المحليين واستقطاب آخرين مُقيمين خارج البلاد، إلى جانب إدارة الاستثمارات وصناديق التنمية.

وبالمثل، في قطاع الاتصالات، أصبحت شركة سيرياتل، إحدى أكبر الشركات الخاصة في سوريا وأكبر شركة اتصالات في البلاد، خاضعة لسيطرة اللجنة التي يرأسها حازم الشرع، من خلال عضو معيّن كموقّع. إضافةً إلى ذلك، استأنفت شركات كانت مملوكة سابقاً لشخصيات مرتبطة بالقصر الجمهوري السابق،[5] مثل البرج وأوبال، عملياتها تحت اسم جديد هو شركة المُجتهد التقنية. وبرأس مال اسمي مسجل لا يتجاوز 50 مليون ليرة سورية (4545 دولاراً أمريكياً)، لا تزال ملكية الشركة غامضة. وكان قطاع الاتصالات في سوريا يُدرّ ما لا يقلّ عن 12% من دخل الدولة قبل سقوط نظام الأسد.

بشكل عام، أنشأت السلطة الحاكمة الجديدة مؤسسات اقتصادية جديدة، تُركّز السلطة في يد الرئاسة، مما يحدّ من الرقابة المستقلة، بما في ذلك المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، وصندوق الثروة السيادية، وصندوق التنمية. وفي كلّ حالة، تتركّز صلاحيات ومسؤوليات كبيرة في يد الرئاسة، مع وجود آليات ضئيلة للرقابة أو المُساءلة، لا سيما في ظلّ عدم تشكيل البرلمان بعد. وبالمثل، تشرف لجنة التوريد والمشتريات، المُنشأة تحت إشراف الأمين العام للرئاسة، والتي يُسيطر عليها شقيق الرئيس، على جميع المُشتريات الداخلية والخارجية للمؤسّسات الحكومية، ما قد يمنحها سيطرة على عقود بمليارات الدولارات. كما أنّ إنشاء شركة النفط السورية في أكتوبر/تشرين الأول 2025، التي دمجت جميع مؤسسات النفط المملوكة للدولة في كيان واحد، قد وسّع نطاق سيطرة الرئاسة، بما في ذلك التعاقد والاستخراج والتكرير والتوزيع في قطاع النفط والغاز.

في إطار هذا التوجّه، شُكّلت “اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير” في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني بهدف الإشراف على عمليات الاستيراد والتصدير. وتخضع هذه اللجنة الوطنية لسلطة الأمين العام لرئاسة الجمهورية، ويرأسها رئيس الهيئة العامة للموانئ والجمارك، وتضم في عضويتها خمسة نواب وزراء ومدير الجمارك. وقد تُفضّل هذه اللجنة بسهولة التجار المقربين من السلطة الحاكمة الجديدة.

لذا، وخلافاً لما يؤكّده بعض الاقتصاديين ومؤيّدي السلطة الحاكمة الجديدة، لا تزال ديناميكيات الفساد وتمركز السلطة مُتجذّرة بقوّة في أعلى مستويات الدولة.

بدلاً عن تشجيع التبرّعات التي يقدّمها رجال الأعمال الذين كانوا على صلة بنظام الأسد السابق والمتورطون في جرائم اقتصادية،[6] ينبغي محاسبتهم على هذه الجرائم. بعبارة أخرى، يجب مصادرة ثرواتهم ومكاسبهم بطرق غير قانونية وأصولهم لصالح المجتمع ككلّ وموارد الدولة. وقد جمعوا ثرواتهم عموماً بطرق غير قانونية أو من خلال علاقاتهم بالنُخب الحاكمة السابقة.

ينبغي لعملية واضحة وشفافة، بقيادة لجنة ديمقراطية شاملة من المهنيين، إعادة تقييم العقود السابقة وبرامج الخصخصة، فضلاً عن بيع جزء كبير من أراضي الدولة وممتلكاتها الخاصة الكبيرة. وقد استفاد رجال أعمال مرتبطون بالنظام السابق بشكل غير متناسب من العديد من هذه العمليات، ممّا أدى إلى تحويل إيرادات الدولة بشكل كبير إليهم. ومن شأن إعادة التقييم الشاملة أن تكشف أيّ مخالفات أو أصول مُكتسبة بطرق غير مشروعة. وفي حال ظهور مثل هذه النتائج، ينبغي تأميم الشركات المعنية ووضع إدارتها تحت سيطرة العمال مباشرة، مع مصادرة الدولة لأصول وثروات رجال الأعمال.

ينبغي تطبيق آليات مُماثلة لتخصيص العقود والتمويل الحكومي من قبل السلطة الحاكمة الحالية. تُعلن مذكرات التفاهم بين دمشق وشركات أو دول أجنبية خاصة علنًا، لكن التفاصيل الجوهرية، مثل عمليات الاختيار ومعايير وشروط منح العقود، تبقى طي الكتمان. ويعاني تخصيص عقود الدولة للشركات السورية الخاصة من مشاكل مماثلة. فعلى سبيل المثال، اعتمدت وزارة المالية في أبريل/نيسان 2025 شركة “شام كاش” كوسيلة وحيدة لدفع رواتب الموظفين الحكوميين والمتقاعدين. وقد أنشأت هيئة تحرير الشام بنك “شام” في إدلب عام 2020، وهو مسجّل في تركيا. وكان هذا القرار مُثيراً للقلق بشكل خاص لأنّ مصرف سوريا المركزي لا يعترف ببنك “شام” كمؤسسة مالية مرّخصة. علاوة على ذلك، يدير بنك “شام” محمد عمر قديد، الذي يشغل منصب رئيس هيئة الرقابة المالية المركزية، على الرغم من عدم وجود إعلان رسمي مُسبق عن تعيينه. ويُذكر أنّ قديد شخصية مؤثّرة داخل هيئة تحرير الشام منذ سنوات، وكان يُعرف سابقاً باسم عبد الرحمن زربة. يرتبط اسم قديد أيضاً بقضايا أخرى خصّصت له فيها السلطة الحاكمة الجديدة عقوداً حكومية في محاولة واضحة لتركيز الثروة والنفوذ في أيدي شخصيات مرتبطة بهيئة تحرير الشام. وتتعلّق القضية الأبرز بشركة طيبة للبترول، المملوكة لقديد، والتي يُقال إنها تخطّط للاستحواذ على إدارة جميع محطات الوقود التابعة لشركة محروقات، وهي شركة حكومية مسؤولة عن نقل وتخزين وتوزيع مشتقات البترول المُنتجة محلياً والمستوردة.

ينبغي أن تشمل قضايا الشفافية وتحقيق العدالة القطاع العام أيضاً، إذ تضرّر العديد من موظفي الدولة من قرارات اتخذتها السلطة الحاكمة اتسمت بقلّة وضوح المعايير والإجراءات القانونية المطبّقة، كالتسريح التعسفي، وخفض الرواتب، أو نقل الموظفين إلى أماكن بعيدة عن أماكن عملهم ومساكنهم الأصلية من دون أي تفسير مُسبق. فعلى سبيل المثال، نظّم موظفو ميناء طرطوس مؤخّراً اعتصاماً في ديسمبر/كانون الأول 2025 أمام مبنى المحافظة احتجاجاً على نقلهم إلى معبري جرابلس والبوكمال الحدوديين في المحافظات الشرقية.

بشكل عام، تُنفَّذ سياسات الدولة، كخفض أو إلغاء الدعم عن السلع الأساسية كالخبز ومشتقات النفط، أو الخدمات كالكهرباء، من دون حوار جماعي مسبق، مما يُلحق معاناة كبيرة بالسكان والقطاعات الإنتاجية في الاقتصاد (الزراعة والصناعة).

تؤثر هذه القرارات بشكل مباشر على المستفيدين والمستبعدين، مما يجعلها مصدراً رئيسياً للفساد والمحسوبية، فضلاً عن الظلم الاجتماعي والاقتصادي.

إلى جانب هذه الديناميكيات، ينبغي أن يكون رأس المال المُتراكم بطرق غير قانونية والمُخبّأ خارج البلاد هدفاً لتحقيق العدالة في هذه الجرائم الاقتصادية. فبحسب وثائق “باندورا”، التي كُشف عنها في العام ٢٠٢١، احتفظ سمير حسن، على سبيل المثال، بشركات خارجية في جزر العذراء البريطانية (ليبرا للاستثمارات التجارية، ساميا للاستثمار، صن سيت للعقارات)، بل ووسّعها، على الرغم من العقوبات المفروضة عليه، وذلك للاستثمار في العقارات هناك – ملاذ ضريبي في منطقة الكاريبي سمح له بالتحايل جزئياًـ على تجميد الأصول حتى الحلّ التدريجي لهذه الشركات عام ٢٠١٧. وبالمثل، استفاد رامي مخلوف أيضاً من هذه الشركات الخارجية لإخفاء جزء من ثروته.

على نطاق أوسع، يُثير البُعد الاجتماعي والاقتصادي للعدالة الانتقالية تساؤلاً حول الاقتصاد السياسي للسلطة الحاكمة، بينما يفتح الباب أمام استراتيجية تُعزّز مفهوم “الصالح العام”.  ويرتبط هذا المفهوم هنا، من جهة، بـ “مجتمع” من الناس )العوام( الذين يقرّرون “تجميع” مورد )طبيعي أو مُنتَج، مادي أو غير مادي(، من جهة أخرى؛ والذين، علاوة على ذلك، يحدّدون معاً معايير إنتاج هذا المورد وصيانته و/أو استخدامه. ولا يعتمد هذا القرار على “طبيعة” السلعة، بل على خيار جماعي؛ ويمكن أن يتعلّق بأيّ نوع من السلع أو الخدمات.

بمعنى آخر، ينبغي مناقشة عمليات تراكم رأس المال وتوزيعه، فضلاً عن السياسات الاقتصادية، بشكل جماعي في المجتمع، لا أن تقتصر على أقلية صغيرة في السلطة.

ومن هذا المنطلق، فإنّ قرارات السلطة الحاكمة الجديدة بإبرام اتفاقيات ومصالحات مع شخصيات أعمال مرتبطة بنظام الأسد السابق، إلى جانب غياب الشفافية أو انعدامها، وعدم وجود تفويض ديمقراطي في تخصيص أموال الدولة، وخصخصة أصولها، وإبرام مذكرات التفاهم والعقود، تتعارض مع مبادئ عملية العدالة الانتقالية الشاملة.

ختاماً، لا يقتصر غياب عملية عدالة انتقالية شاملة على خيانة جميع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وتفاقم التوترات السياسية والطائفية في البلاد، بل يُعزّز أيضاً الديناميات الاستبدادية وشبكات المحسوبية الجديدة المرتبطة بالسلطة الحاكمة الجديدة بقيادة أحمد الشرع وحلفائه. وينتج عن ذلك عملية انتقالية وإعادة إعمار تقودها النخب، تُعيد إنتاج التفاوتات الاجتماعية، والفقر، وتركّز الثروة في أيدي أقلية، وغياب التنمية الاقتصادية المنتجة.

لذا، ينبغي أن تكون العدالة الاجتماعية جزءاً لا يتجزّأ من أي عملية عدالة انتقالية شاملة وبرنامج عمل متكامل.

 لا تزال ديناميكيات الفساد وتمركز السلطة مُتجذّرة بقوّة في أعلى مستويات الدولة.

[1] في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أفادت اللجنة الوطنية لمكافحة العدالة الانتقالية لمنظمة العفو الدولية بأن قانون العدالة الانتقالية الذي يجري صياغته حاليًا سيضمن قدرة اللجنة على معالجة الانتهاكات التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع، بما في ذلك حكومة الأسد السابقة وجماعات المعارضة المسلحة. وأضافت اللجنة أن مشروع القانون سيشمل جرائم دولية غير منصوص عليها حاليًا في قانون العقوبات السوري، وسيُراجع من قبل فريق عمل يضم 25 منظمة من منظمات المجتمع المدني.

[2] وبحسب مصدر مسؤول في اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع في سوريا، التي تحدثت مع الموقع الإلكتروني عنب بلدي ، أن اللجنة لديها أكثر من 900 اسم ملاحق، تقدّم قسم منهم بطلب التسوية.

[3] فعلى سبيل المثال، تم بيع بعض الأصول التابعة لشركات عائله القاطرجي بالمزاد العلني من خلال شركة مقرها في إدلب تسمى إكتيفا، بينما ورد أنّ ممتلكات أخرى تعرّضت لهجوم من قبل مقاتلين يُزعم ارتباطهم بهيئة تحرير الشام.

[4] في تموز 2025، كشفت رويترز بالفعل عن وجود تسوية بين دمشق ورجل أعمال سوري، حيث أفادت التقارير أن حمشو تنازل عما يقرب من 80٪ من أصوله التجارية – التي تقدر بنحو 640 مليون دولار – للسلطات السورية مقابل التسوية واستمرار تشغيل شركاته في البلاد.

[5] كان ياسر إبراهيم وعائلته يملكون هذه الشركات، التي كانت بمثابة واجهات للقصر الجمهوري . وكانت هذه الشركات المزوّد الحصري للدعم الفني والأبراج وقطع الغيار وخدمات التطوير لشركتي سيرياتل و”إم تي إن”. وكانت العقود التي أبرمتها هذه الشركات غير قابلة للتفاوض، مما جرّد المشغلين الأصليين فعلياً من أي سيطرة أو استقلالية. ويشغل ياسر إبراهيم، الذي يُطلق عليه غالباً لقب “أمين خزينة القصر الجمهوري”، رسمياً منصب مدير المكتب المالي والاقتصادي في رئاسة الجمهورية، والذي يُشار إليه عادةً باسم “المكتب السري”. وهو مسؤول أيضاً عن تحصيل الأموال من التجار والصناعيين، وغالباً ما يكون ذلك تحت تهديد الاعتقال أو مصادرة الأصول.

[6] فعلى سبيل المثال، حضر أبناء محمد حمشو حفل إطلاق صندوق تنمية سوريا في دمشق، في الرابع من تشرين الأول / سبتمبر، والذي تبرعوا من أجله بمبلغ مليون دولار.

ناشط سياسي، له منشورات بالعربية والفرنسية والانكليزية. يدوّن في SyriaFreedomForever (سوريا حرية للأبد). نال درجة الدكتوراة من كلية الدراسات الآسيوية والمشرقية (سواس) بلندن. ركزت رسالته على المادية التاريخية وحزب الله. يعيش د. ضاهر في سويسرا، حيث يدرس في جامعة لوزان.

حكاية ما انحكت

————————————

«مراجل السياسة» تشعل التنافس على غاز المتوسط

سباق دولي على مكامن الثروة… وتداعيات أمنية خطرة

القاهرة: جمال جوهر

13 يناير 2026 م

اختلطت خرائط الطاقة بحدود السياسة في حوض شرق البحر المتوسط، فتحوّل الغاز من مجرد ثروة طبيعية، إلى وقود لصراع مفتوح تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية.

فأمام ازدياد الاستكشفات النفطية في هذه المنطقة الاستراتيجية، ارتفع منسوب التوتر، وتمثَّل ذلك في شكاوى متبادلة إلى الأمم المتحدة بين ليبيا واليونان ومصر وقبرص، بجانب تحركات دبلوماسية لا تخلو من رسائل مبطَّنة، ليتشكَّل مشهد مضطرب يشي بأن معركة الغاز أبعد ما تكون عن الحسم.

وفي قلب هذه التشابكات المعقَّدة، تبرز السياسة بوصفها المحرِّك الأساسي للصراع. فتركيا، الساعية إلى كسر عزلتها في المتوسط، ترى في علاقتها مع ليبيا بوابة استراتيجية لحصد مكاسب جيوسياسية وفي مجال الطاقة، فيما تتحصَّن بقية الأطراف بتحالفات متشابكة واتفاقيات متنافسة، تمتد من أثينا حتى تل أبيب.

وعليه، بات «حوض المتوسط» أشبه بـ«مراجل» تغلي على نار السياسة، كاشفاً عن نزاع مستقبلي تتصاعد مؤشراته وتتوالى نذره؛ فبينما يبرز التنافس على مكامن الغاز كعنوان ظاهري، يظل الجوهر هو إعادة صياغة موازين القوى الإقليمية. هذا ما يستشفه خبراء دوليون وعرب في قراءتهم للمشهد عبر «الشرق الأوسط»، محذرين من تحول المنطقة إلى بؤرة صراع جيوسياسي طويل الأمد».

بدايات الصراع

بدأ الصراع الفعلي على غاز شرق المتوسط في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مع توالي الاكتشافات الضخمة التي حوَّلت المنطقة من مجرد ممرات ملاحية إلى خزان عالمي للطاقة، وتصاعدت حدتها مع اكتشافات حقول غاز كبيرة بين عامي 2009 و2010 قبالة سواحل فلسطين (تمار ثم ليفياثان).

تلا ذلك اكتشاف قبرص لحقل «أفروديت» عام 2011 وهو ما فجَّر التوتر مع تركيا التي اعترضت على قيام «جمهورية قبرص» بالتنقيب دون اتفاق مع «جمهورية شمال قبرص التركية»، وكان ذلك نقطة التحول التي لفتت أنظار الإقليم والعالم إلى ثروات شرق المتوسط.

ومع تسارع الاكتشافات التي كان أبرزها أيضاً حقل «ظهر» قبالة السواحل المصرية، تعززت أهمية المنطقة طاقوياً، ليتصاعد الصراع أكثر ما بين عامي 2019 و2020 بعدما وقَّعت تركيا مع سلطات طرابلس الليبية مذكرة تفاهم تمنح أنقرة نطاقاً بحرياً ممتداً، وهو ما اعتبرته اليونان ومصر و«جمهورية قبرص» حينها «انتهاكاً للقانون الدولي وتعدياً على حقوقها السيادية»، عقب ذلك تحول الصراع من مجرد خلافات فنية إلى استقطاب سياسي وعسكري.

وعاد الصراع ساخناً إلى الواجهة عندما أعلنت اليونان في 12 يونيو (حزيران) 2025، عن دعوة دولية إلى تقديم عروض لمنح تصاريح للتنقيب عن الهيدروكربونات واستغلالها في مناطق بحرية جنوب جزيرة كريت مما أثار حفيظة حكومتي غرب ليبيا وشرقها وعدَّتا ذلك «انتهاكاً صريحاً للحقوق السيادية الليبية».

خرائط الأمر الواقع

تتسارع راهناً، أطراف الأزمة ممَثلة في دول: ليبيا واليونان وتركيا ومصر و«جمهورية قبرص» فيما يمكن تعريفه بـ«سباق مصالح» عبر لقاءات رفيعة وزيارات مكوكية كانت القاهرة وأثينا ثم القدس أهم محطاتها، بقصد غلّ يد «الطرف الآخر» وقطع الطريق عليه. وتركيا من جانبها ترفض تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بصيغتها التي تعتمدها اليونان وقبرص ومصر، وتعارض منح الجزر مثل (كاستيلوريزو اليونانية) مناطق اقتصادية خالصة، وترى أن ذلك يغصب حقوقها وحقوق «جمهورية شمال قبرص التركية» في الجرف القاري التركي بشرق المتوسط.

وبدا أن التحركات الحالية لتركيا واليونان آخذة في التصعيد، إذ سارعت كل منهما- على نحو مستقل- إلى تحديث «خريطة تخطيط الحيز البحري» بغرض «فرض أمر واقع» في أجواء لم تخلُ من اتهامات متبادلة، يشبهها بعض المحللين «ببرميل بارود يوشك على الانفجار».

وتقول اليونان إن تركيا تحاول السيطرة على «أرض يونانية» في خطوة «تفتقر إلى أساس قانوني»، بينما ترى أنقرة أن «مساعي اليونان لفرض خريطتها دون الترسيم مع جيرانها خطوات أحادية الجانب مخالفة للقانون الدولي ومحكوم عليها بالفشل».

خلف هذا النزاع المتصاعد، تبرز قوى دولية في مقدمتها الاتحاد الأوروبي، الذي يسعى لحماية أجنداته غير المباشرة وتوجيه التطورات بما يخدم مصالح شركائه الإقليميين. وفي هذا الصدد، يؤكد الخبير الدولي في اقتصاديات الطاقة ممدوح سلامة، أن اليونان، مسنودةً بدعم أوروبي صريح، «لن تتهاون تجاه أي محاولات تركية أو ليبية لاختراق منطقتها الاقتصادية الخالصة بغرض التنقيب عن الهيدروكربونات».

والمنطقة الاقتصادية الخالصة، هي منطقة بحرية نصت عليها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، وتمنح الدولة الساحلية حقوقاً سيادية محددة على موارد هذه المنطقة، تمتد إلى 200 ميل بحري كحد أقصى من خط الأساس (شاطئ الدولة).

ويذهب سلامة- وهو أستاذ زائر في اقتصاديات الطاقة بكلية «إي إس سي بي» لإدارة الأعمال في لندن- في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «إذا أصرت تركيا على انتهاك المياه اليونانية؛ فقد يؤدي ذلك إلى تصعيد عسكري خطير في البحر المتوسط».

وجزيرة قبرص المتوسطية مقسمة شطرين منذ عام 1974: الأول هو «جمهورية شمال قبرص» التي لا تعترف بها سوى أنقرة، والآخر هو «جمهورية قبرص» المعترف بها دولياً والعضو في الاتحاد الأوروبي. وجاء تقسيم الجزيرة بعدما استولت القوات التركية على الجزء الشمالي من الجزيرة، رداً على ما تقول أنقرة إنها محاولة القبارصة اليونانيين «الانقلاب على الحكومة وإلحاق الجزيرة باليونان».

حفتر والاستخبارات التركية

خلف كواليس الصراع تسابق أنقرة الزمن لكسب ودّ المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي بغرض دفع مجلس النواب الذي يترأسه عقيلة صالح بالتصديق على مذكرة ترسيم الحدود البحرية التي سبق ووقعتها مع سلطات طرابلس عام 2019. من أجل ذلك، أجرى رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن زيارة إلى بنغازي عبر الفرقاطة «TCG قنالي أدا» في نهاية أغسطس (آب) 2025، وهو ما أشارت إليه صحيفة «إيكاثمريني» اليونانية.

في مقابل ذلك، وخلال زيارة بالقاسم حفتر «مدير صندوق إعادة إعمار ليبيا» إلى أثينا بدايات سبتمبر (أيلول) 2025، نقل إليه وزير الخارجية اليوناني جورج غيرابتريتيس، رفض بلاده والاتحاد الأوروبي مذكرة التفاهم الموقّعة مع تركيا، والتي وصفها بـ«الباطلة وغير القانونية»، بحسب بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية اليوناية لانا زوخيو.

وتهدأ أزمة الطاقة في «المتوسط» لبعض الوقت، لتعود وتطفو على السطح مجدداً بمزيد من التوتر.

ويرى ريكاردو فابياني مدير مشروع شمال أفريقيا في «مجموعة الأزمات الدولية» أن «قضية موارد الغاز في شرق البحر المتوسط تظل قائمة ومشتعلة، بالنظر إلى أن اهتمام معظم الدول الإقليمية منصب راهناً على قضايا أخرى مثل الأوضاع في قطاع غزة.

ويعتقد فابياني، خبير الاقتصاد الكلي المختص بشمال أفريقيا في اتصال مع «الشرق الأوسط» أن مشكلة الحدود البحرية «ستبقى دون حل؛ رغم تحسن العلاقات بين مصر وتركيا» لافتاً إلى أن المنطقة لا تزال منقسمة بين تركيا وليبيا من جهة، وبقية الدول الأخرى من جهة ثانية».

وعلى عكس موقف تركيا التي تريد دفع البرلمان الليبي إلى الموافقة على مذكرة ترسيم الحدود الموقعة 2019 تطالب اليونان بعكس ذلك، وهو ما ألقى بظلاله على العلاقات الدبلوماسية بين سلطات أثينا وبنغازي، ودفع الأخيرة ممثلة في وزارة الخارجية بحكومة أسامة حماد إلى استدعاء القنصل اليوناني، أثاناسيوس أناستوبولوس ونائبته.

وكان رئيس البرلمان اليوناني، نيكيتاس كاكلامانيس، قد دعا رئيس مجلس النواب الليبي، خلال محادثاتهما في أثينا، في بدايات ديسمبر (كانون الأول) إلى عدم التصديق على مذكرة التفاهم التركية-الليبية، وطالب بإلغائها. وقد أثارت هذه التصريحات غضب سلطات شرق ليبيا.

وتتيح مذكرة التفاهم- والتي أعادت حكومة «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة التأكيد على الالتزام بها عام 2021، مع اتفاقات إضافية تتعلق بالطاقة- ترسيم مناطق اقتصادية خالصة متصلة بين البلدين في «شرق المتوسط».

ويعني هذا من وجهة نظر اليونان إلغاء حقوقها البحرية لعديد الجزر التابعة لها مثل رودس، وكاستيلوريزو وكارباثوس وكريت، ولهذا عارضت مذكرة التفاهم بشدة، واعتبرتها «انتهاكاً صارخاً لقانون البحار» الذي يمنح الجزر «حقوقاً بحرية كاملة»، كما رأت أنها تمنح في المقابل تركيا نفوذاً «غير مشروع» في منطقة غنية بالغاز والطاقة.

وسبق ووقعت بعض دول المتوسط، اتفاقيات ترسيم للحدود من بينها: قبرص ولبنان عام 2007- قبرص وإسرائيل عام 2010- مصر وقبرص عام 2013، والأخيرة اعترضت عليها أنقرة في حينها. علماً بأن قانونيين ينظرون إليها على أنها متوافقة مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1982.

شكاوى في الأمم المتحدة

أظهرت مذكرات رفعتها ليبيا ومصر واليونان وقبرص إلى الأمم المتحدة جانباً من الصراع المكتوم بشأن مكامن حوض شرق المتوسط، وتمحور الخلاف حول سؤال قانوني-سياسي: من يملك حق التنقيب والاستغلال؟

واحتجت طرابلس دبلوماسياً في مذكرتها على مطالب أثينا بالحدود البحرية جنوب وغرب جزيرة كريت. وأعلنت فيها بشكل رسمي حدود الجرف القاري الليبي، مدعومة بخرائط وإحداثيات تفصيلية، وذلك لتثبيت شرعية مذكرة التفاهم الموقعة مع تركيا بشأن ترسيم الحدود البحرية. كما اتهمت أثينا «بخلق أوضاع فعلية تضر بالحقوق السيادية لليبيا»، ورأت أن عملية الترخيص اليونانية «إجراء غير قانوني وأحادي الجانب دون أساس قانوني أو اتفاق ثنائي».

كما رفضت طرابلس اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع بين مصر واليونان عام 2020، واعتبرته «باطلاً وغير متسق مع قواعد القانون الدولي وقانون البحار».

ورأت طرابلس أن اليونان ومصر «لا تملكان أي حقوق قانونية في المناطق البحرية التي تشملها مذكرة التفاهم الليبية- التركية، مؤكدة أن هذه المناطق تقع ضمن نطاق السيادة الليبية الكاملة».

ورداً على ذلك، رأت اليونان في مذكرتها إلى الأمم المتحدة أن «المطالب الليبية لا تستند على أساس من الصحة أو القانون، وتتجاهل حقيقة أن أثينا تتمتع بحقوق سيادية بحكم الأمر الواقع على الجرف القاري وموارده في هذه المناطق»، كما قالت اليونان إن «خط الحدود الذي اقترحته ليبيا ليس له أساس قانوني، ورُسم في انتهاك كامل لقانون البحار الدولي».

وترى اليونان- مستندة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار- بأن من حقها إقامة منطقة اقتصادية خالصة تمتد على مسافة 200 ميل بحري حول كل واحدة من جزرها المتعددة بالبحر المتوسط.

ويعتبر الخبير الاقتصادي الليبي محمد الشحاتي، الصراع بالمتوسط «قضية معقدة جداً؛ نظرا لتداخل الاحتياطات مع قضايا ترسيم الحدود السياسية والبحرية»، لكنه يشير إلى أن «احتمالية تزايد النزاع في قادم الأيام واردة جداً».

ويلفت الشحاتي إلى أن بلاده «تمتلك ميزةً استراتيجية تتمثل في عدم الاستعجال لاستغلال المناطق المتنازع عليها، نظراً لتوفر موارد بديلة؛ مما يمنحها القدرة على المناورة التكتيكية وتأجيل المواجهة، ريثما تتوصل الأطراف الأخرى لا سيما في (المثلث التركي المصري اليوناني) إلى تسوية لخلافاتها».

وفي المذكرة التي تقدمت بها بعثة ليبيا لدى الأمم المتحدة في 20 يوليو (تموز) 2025، وكُشف عنها في الشهر الذي يليه، قالت إن «المنطقة التي أعلنت عنها اليونان للتنقيب، تقع ضمن مناطق بحرية لا تزال خاضعة لنزاع لم يُحل بين البلدين».

مكامن الغاز

دفعت الأزمات المبكرة في «حوض شرق المتوسط» سبع دول إلى إنشاء «منتدى غاز شرق المتوسط» بوصفه «فرصة للدول المتوسطية لتحقيق تعاون أكبر يعود بالنفع عليها»، خصوصاً مع ظل وجود احتياطات كبيرة من الغاز، تقدر بنحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وفقاً للهيئة العامة المصرية للاستعلامات في أكتوبر (تشرين الأول) 2021.

غير أن أسامة مبارز الأمين العام للمنتدى قدر هذه الاحتياطات بنحو 300 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، وفقاً للدراسات، وذلك خلال تصريحات إعلامية في فبراير (شباط) 2025.

ووقَّعت مصر والأردن واليونان وجمهورية قبرص وفلسطين وإسرائيل وإيطاليا، على تأسيس «منتدى غاز شرق المتوسط» في سبتمبر (أيلول) 2020 كمنظمة إقليمية مقرها القاهرة، على أن تكون العضوية مفتوحة لمن يرغب في الانضمام إليها.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أصدر قراراً في ديسمبر 2022 بتحديد الحدود البحرية الغربية للبلاد بالبحر المتوسط. ونشرت الجريدة الرسمية القرار، الذي تضمن قوائم الإحداثيات الخاصة بالحدود، إضافة إلى إخطار الأمين العام للأمم المتحدة بالقرار والإحداثيات المحددة.

أبعاد النفوذ والسيادة

الصراع الدائر حول مكان شرق المتوسط انتقل من خانة الخلاف على الغاز إلى صدام وشيك حول «السيادة البحرية»، وفق ما ترصده دراسات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فتركيا تتبنى مشروعها المعروف بـ«الوطن الأزرق»، وهي رؤية جيوسياسية تعتبر أن الجزر اليونانية القريبة من الساحل التركي «لا تملك جرفاً قارياً». والهدف وفقاً للتحليلات كسر الحصار الجغرافي المفروض عليها ومنع تحوّل البحر المتوسط إلى «بحيرة يونانية».

ويستند الموقف اليوناني- الأوروبي، إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ويرى الاتحاد الأوروبي أن «أي مساس بحقوق اليونان وجمهورية قبرص هو مساس بالأمن القومي الأوروبي»، مما جعل الغاز «محركاً» لترسيم الحدود.

أما دور إسرائيل، فيشير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أنها تدير ملف الغاز وفق استراتيجية «دبلوماسية الأنابيب»، ويرى أن الغاز الإسرائيلي المصدر إلى مصر والأردن ليس صفقة تجارية فحسب، بل هو وسيلة لخلق «اعتماد متبادل» يقلل من احتمالات الصدام العسكري ويجعل الاستقرار السياسي مصلحة اقتصادية مشتركة. ووفق شركة «نيوميد إنرجي» الإسرائيلية، تبلغ قيمتها 35 مليار دولار.

وتحلل تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الدور الأميركي كـ«ضامن للمسارات البديلة»، بمعنى أن واشنطن ترى في «غاز المتوسط» فرصة استراتيجية لتقليل ارتهان أوروبا للغاز الروسي.

ويتحدث طارق المجريسي، الزميل الأول في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، عن «سعي النخب الليبية كافة لاسترضاء واشنطن بشتى الوسائل»، معتبراً أن «الطاقة تظل الورقة الرابحة في هذا المسعى». وكشف عن وساطة أجراها مسعد بولس، مستشار ترمب للشؤون العربية والشرق أوسطية خلال زيارة حديثة «لتسهيل صفقات مع شركتي (هيل إنترناشيونال) و(إكسون موبيل) بهدف استكشاف وتطوير الحقول البحرية».

ويقرأ جيمي إنغرام، المحرر الإداري في مجلة (MEES) المشهد المحيط بغاز شرق المتوسط على اعتبار أن الموارد الطبيعية والحدود المتنازع عليها «تشكّل دائماً مزيجاً قابلاً للاشتعال»، ومع ذلك يرى أن الخلاف القائم «من غير المرجّح أن يتفاقم بشكل كبير في الوقت القريب».

(MEES) تعدُّ واحدة من أقدم النشرات التحليلية المتخصصة في شؤون الطاقة والاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومقرها في نيقوسيا بقبرص. ويقول إنغرام لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه القضية في جوهرها مسألة تم استغلالها ضمن سياق قضايا جيوسياسية أوسع»؛ ويدلل على ذلك بأن «تركيا ترى في دعمها لمطالب ليبيا فوائد اقتصادية وسياسية، وهي في موقع جيّد لتقديم هذا الدعم نظراً لاستيائها من الحدود البحرية الأخرى في المنطقة».

وفي ظل التباين في التقديرات حول احتمالات نشوب مواجهة، يربط مراقبون دوليون هذا السيناريو بمدى التوافق بين الأطراف الفاعلة في الأزمة. وفي هذا الإطار، يعزو فابياني، خبير الاقتصاد الكلي المتخصص في شؤون شمال أفريقيا، حالة الهدوء الحذر إلى انشغال هذه الأطراف بملفات أخرى، لافتاً إلى أن القاهرة وأنقرة «تميلان حالياً إلى ترجيح كفة التعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك».

ويضيف فابياني أن التوترات مع اليونان «لا تزال قائمة مع غياب أي أفق للحل حالياً، مما يرجح استمرار التصعيد الدبلوماسي. كما استبعد التوصل إلى تسوية قريبة بشأن ترسيم الحدود البحرية، نظراً لغياب الضغوط الجدية التي تدفع الأطراف نحو إيجاد حل».

واليونان التي تحظى بدعم من مالطا، تتمسك بـ«حقها في التنقيب»، وقال وزير خارجيتها جورج غيرابتريتيس إن «بلده يعتزم وضع خريطة طريق خاصة بترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة في شرق البحر المتوسط مع ليبيا بحلول نهاية العام الحالي»، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن.

وكان موقع «توفيما» اليوناني قد أفاد في 22 سبتمبر (أيلول) 2025، بأن مالطا انضمت إلى الموقف اليوناني في الأزمة؛ إذ وجهت مذكرتي احتجاج رسميتين تدعوان حكومة طرابلس إلى الانخراط في الحوار».

وضمَّنت مالطا إحدى هاتين المذكرتين «رفضها القاطع للخريطة والإحداثيات التي أرفقتها حكومة طرابلس في مذكرتها المقدمة إلى الأمم المتحدة، بداعي أنها تتداخل مع الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة لمالطا».

كما رأت مالطا أن طرابلس «أقدمت من جانب واحد على تحريك الخط الأوسط شمالاً على حساب مالطا، وطبقت الخط الأوسط على السواحل القارية متجاهلة الجزر مما شوّه ترسيم الحدود».

«شيفرون» الأميركية على الخط

دافع الجيولوجي النفطي وخبير اقتصاديات الطاقة الدكتور كونستانتينوس نيكولاو، عن موقف بلده اليونان في رفضها للمذكرة المقدمة من حكومة طرابلس إلى الأمم المتحدة، وعدّها «غير مقبولة»، ودلل على ذلك بالمادة «121» من القانون الدولي للبحار، التي تمنح الجزر كامل الحقوق في الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة.

واعتبر نيكولاو في حديث إلى «الشرق الأوسط» أن فوز شركة «شيفرون» الأميركية للطاقة بمناقصة استكشاف وإنتاج الهيدروكربونات، «يشكل تحدياً كاملاً لمذكرة تركيا- ليبيا لدعم مبدأ (الوطن الأزرق) لتركيا».

وأعلنت اليونان رسميا في 25 أكتوبر 2025 منح أربع قطع بحرية لتحالف دولي، تقوده «شيفرون» بغرض الاستكشاف والتنقيب عن موارد جديدة للنفط والغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وهي المنطقة المتنازع عليها مع ليبيا.

وأوضحت اليونانية أنه بعد إجراء التقييمات والمفاوضات مع «شيفرون»، وقع الاختيار على تحالف «شيفرون – اليونان القابضة»، وهو مشروع مشترك.

وتشمل الكتل البحرية في العرض الذي قدمته «شيفرون» الكتل المسماة جنوب بيلوبونيز، و«إيه 2»، وجنوب كريت الأول، وجنوب كريت الثاني. وتعمل أثينا و«شيفرون» الآن على وضع اللمسات النهائية على اتفاقية الامتياز.

ومن منظور يوناني، يعتقد نيكولاو أن استراتيجية «الوطن الأزرق اخترعتها أنقرة للمطالبة والاستحواذ على الجزء الشرقي من بحر إيجة باتجاه اليونان؛ بما في ذلك العديد من الجزر اليونانية». لكنَّ محليين أتراكاً يرفضون هذه النظرة من منطلق أن بلادهم «تدافع عن مصالحها الاستراتيجية».

نيكولاو يرى أن ذلك «تم على النقيض من القانون الدولي للبحار 1982، الذي ينص في المادة 121 على «حق الجزر اليونانية في امتلاك المنطقة الاقتصادية الخالصة».

ويعدُّ «شرق المتوسط» مركزاً رئيسياً للاستكشاف في السنوات الماضية، ففي منتصف يناير (كانون الثاني) 2025 أعلنت شركة «إكسون موبيل» عن اكتشاف مكامن غاز طبيعي قبالة سواحل مصر، بعد نجاحها في حفر بئر استكشافية في البحر الأبيض المتوسط.

تحالفات عسكرية

متغيرات دولية عدة وتربيطات تتم في الكواليس الدولية للسيطرة على مكامن غاز «شرق المتوسط»، شيء من هذا يتم بين تركيا والصين، ففي 23 سبتمبر (أيلول) 2025 وصفت صحيفة «غريك سيتي تايمز» اليونانية ما يجرى بشأن هذا الملف بأنه «إعصار جيوسياسي» يقترب من منطقة شرق المتوسط، ويهدد سلاسل الإمداد الرئيسية للطاقة في المنطقة.

وتحدثت الصحيفة عن «بداية حرب باردة جديدة في المنطقة»، بالنظر إلى التطورات الجارية في شرق البحر المتوسط وفي ليبيا، وأشارت إلى «تشكّل تحالف تركي– صيني في شرق البحر المتوسط، يعمل على ضم ليبيا»، وقالت إن هذا التحرك «ستكون له تداعيات أوسع نطاقاً على طموحات دول في المنطقة مثل اليونان وحلفائها، ومن بينها إسرائيل».

وفي نهاية ديسمبر 2025 شهدت مدينة القدس قمة ثلاثية، وأعلنت إسرائيل واليونان وجمهورية قبرص اتفاقها على تعميق التعاون الأمني والدفاعي، في خطوة عدها متابعون تتجاوز التنسيق السياسي إلى بناء مظلة أمنية أكثر تماسكاً في شرق المتوسط.

وفي نهاية ديسمبر 2025 أعلن الجيش الإسرائيلي، توقيع برنامج تعاون عسكري ثلاثي مع اليونان وجمهورية قبرص لعام 2026.

وعدَّ رئيس وزراء «جمهورية شمال قبرص التركية»، أونال أوستال، هذا الاتفاق «محاولة إسرائيلية لنقل الاضطراب إلى شرق المتوسط». واعتبر في بيان صادر عن مكتب رئاسة الوزراء، أن «المحاولات الجارية لإخراج المنطقة من كونها (ساحة سلام) وتحويلها إلى (مسرح للصراع) لا تهدد جزيرة قبرص فحسب؛ بل تهدد حوض البحر الأبيض المتوسط ​​بأكمله، وأن «قبول الثنائي اليوناني القبرصي بأن يكونا مجرد بيادق في هذه المؤامرة الخطيرة خطأ تاريخي».

ما يجري راهناً في كواليس الأزمة دفع المجريسي المحلل السياسي الليبي إلى طرح تساؤل جوهري حول طبيعة حقول الغاز في البحر المتوسط: هل هي «مناجم ذهب» للازدهار الاقتصادي أم «براكين تغلي» تهدد بانفجار الصراع؟

كما تساءل الدبلوماسي المصري، بلال المصري عبر دراسة نشرها المركز الديمقراطي العربي في أغسطس 2025: هل الحدود البحرية في شرق المتوسط ستكون سبباً رئيسياً لمواجهة مسلحة محتملة؟

وفي تحليل تشريحي للأزمة الراهنة، يرى المجريسي أن الصراع يتجاوز مجرد تسويق الغاز؛ إذ لطالما اعتبرت أنقرة ليبيا حجر زاوية في عقيدتها الاستراتيجية المعروفة بـ«الوطن الأزرق». ويهدف هذا المشروع إلى بسط السيادة التركية على مناطق شاسعة في حوض المتوسط، سعياً لتحقيق حزمة من المكاسب المالية والجيوسياسية والأمنية المتكاملة.

التحكيم الدولي… أم الحرب؟

يعتقد إنغرام، المحرر الإداري في مجلة MEES أنه في نهاية المطاف بعد هذه الصراعات، «يظل أفضل سبيل هو توقّيع الأطراف كافة على اتفاق للتحكيم الدولي، بحيث تُحدَّد الحدود البحرية وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار». لكن إنغرام، يرى أن هذا الطرح «غير واقعي؛ فكثير من مطالب تركيا المتعلقة بحدودها البحرية مع اليونان وقبرص سيُرجَّح رفضها».

وأمام تعقّد الأزمة، وتمسّك كل دولة بما تعتبره «حقها المشروع»، يشير فابياني خبير الاقتصاد الكلي المختص بشمال أفريقيا، إلى أن «الحل يجب أن يبدأ من (منتدى غاز شرق المتوسط) بشكل أكثر شمولية، على أن يشمل أصحاب المصلحة كافة؛ مع إشراك تركيا بشكل فعَّال لتعزيز التعاون الإقليمي من أجل الاستثمارات الضرورية».

وضمن هذا الإطار، يرى فابياني أنه يمكن للأطراف المتنازعة «التوصل إلى تسويات بشأن حدودهم البحرية، وهو أمر لن يكون سهلاً، لكنه ممكن مع تقديم تنازلات متبادلة أيضاً في قضايا إقليمية أخرى».

وفي مقابل تشابك الاتهامات، يطرح الخبير الدولي ممدوح سلامة سيناريو بديلاً للحل، يستند إلى وفرة الموارد النفطية الليبية في المناطق البرية والبحرية غير المتنازع عليها، ما يغني طرابلس عن الانخراط في صراع مع اليونان مدفوعاً بالأجندة التركية، خاصة في ظل التبعات الاقتصادية القاسية للحرب الأهلية المستمرة منذ 2014. ويحذر سلامة من أن الصدام مع أثينا حول ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة قد يؤدي إلى عزوف الاستثمارات الأجنبية، التي تعد حجر الزاوية لتطوير احتياطاتها من الهيدروكربونات».

وينتهي سلامة إلى أن «الحل الوحيد هو التوصل إلى اتفاق لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة من خلال تفاوض تشارك فيه تركيا واليونان وليبيا معاً».

وعقب تصاعد دخان الأزمة أممياً، تطرق الرئيس المصري إلى الحدود البحرية، وذلك خلال استقباله حفتر بالقاهرة في 8 ديسمبر 2025. وأشار المتحدث باسم الرئاسة المصرية إلى «توافق الجانبين في ملف ترسيم الحدود البحرية، وأهمية استمرار التعاون المشترك بما يحقق مصلحة البلدين دون إحداث أي أضرار؛ وفقاً لقواعد القانون الدولي».

وكانت مصر ضمَّنت مذكرتها إلى الأمم المتحدة رفضها للحدود المعلنة للقارة البحرية الليبية، معتبرة أن مواقف ليبيا «لا تتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وتنتهك أحكام القانون الدولي»، وهو ما وصفه الجيولوجي النفطي اليوناني نيكولاو، بـ«السياسة الصحيحة». معتقداً أن «أي طريق آخر قد يؤدي إلى قانون الغاب… والبديل هو استخدام القوة».

وبسؤاله عن احتمالية اتجاه الأوضاع نحو اللجوء للقوة، نظراً لأن كل طرف يصر على ما يعتبره «حقه التاريخي»، قال نيكولاو إن بوادر الأزمة المستقبلية «باتت تلوح في الأفق»، في ظل ما وصفه بـ«اللامبالاة» من جانب الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، و«عزوفهم عن التدخل لفرض تسوية تمنع الانفجار».

ويختتم قراءته للمشهد المأزوم بالتأكيد على أن «جمهورية قبرص، بمقدراتها المحدودة، لا تمتلك القدرة على مجابهة تركيا؛ مما يجعل اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي المخرج السلمي الوحيد المتاح».

وفي ظل تداخل الملفات وتعارض المصالح الإقليمية والدولية، يستشرف اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي المصري، نُذر خطر وشيك، لافتاً إلى أن بلاده تواجه تحديات جسيمة تهدد أمنها القومي على المحاور الاستراتيجية كافة.

وخلص فرج إلى أن «النزاع المسلح القادم في المنطقة سيتمحور حول غاز المتوسط… الحروب التقليدية لم تعد هي العامل الحاسم، بل أصبحت الحروب التجارية والاقتصادية هي الفيصل في حسم الصراعات الدولية».

الشرق الأوسط

————————

الخبز في سوريا.. بين تراجع الدعم الدولي وأزمة الإنتاج المحلي/ نايف البيوش

الخبز في سوريا: مؤشر على الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتفاوت في الجودة والتوفر

2026-01-13

لم يعد الخبز في سوريا مجرد مادة غذائية، بل مؤشراً مكثفاً على عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية منذ 2011، مع تراجع قدرة الحكومة على تأمين القمح وتآكل منظومة الدعم، مقابل اعتماد واسع على تدخلات منظمة الأغذية العالمية (WFP). وعلى مدى عقد، لعبت المنظمة دوراً محورياً عبر دعم المخابز وتقديم مساعدات غذائية لملايين السوريين، قبل أن يتراجع هذا الدور تدريجياً بسبب انخفاض التمويل الدولي وتغير أولويات المانحين، ما انعكس تقليصاً لكميات الطحين المدعوم وتضييقاً لنطاق المستفيدين. هذا التراجع زاد الضغط على الحكومة السورية، التي تواجه أصلاً صعوبات حادة في تأمين القمح والاستيراد في ظل شح الموارد والعقوبات، ليصبح الخبز اليوم سؤالاً يومياً عن الأمن الغذائي ومعيشة المواطنين.

الحاجة السنوية 2.5 مليون طن

يقول المدير العام للمؤسسة السورية للحبوب، المهندس حسن العثمان، في حديثه لـ”963+” إن حاجة سوريا السنوية من القمح تقدر بنحو 2.5 مليون طن، في حين لم تتجاوز الكميات المستلمة من المزارعين المحليين خلال الموسم الحالي 375 ألف طن فقط، ما يعني أن نسبة الاكتفاء الذاتي لا تتجاوز 15% من الحاجة الفعلية للسكان.

ويضيف: تواجه سوريا عجزاً في القمح يقدّر بنحو 70% نتيجة تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع تكاليف الزراعة، ما يدفع الحكومة إلى تغطيته عبر الاستيراد، إذ وُقّعت عقود لجلب نحو 1.375 مليون طن جرى توريد جزء منها تباعاً.

وفي هذا السياق، يقتصر دعم برنامج الأغذية العالمي حالياً على أربع محافظات وبكمية تقارب 20 ألف طن من الطحين لفترة مؤقتة لا تتجاوز شهرين، ويُنفذ حصراً عبر الحكومة.

وتوزَّع كميات الطحين المدعوم على الأفران وفق الحاجة الفعلية مع رقابة تموينية على الجودة والوزن، بينما يبقى الخبز مدعوماً بنحو 55% من كلفته، وتتحمل الدولة عجزاً تموينياً يقارب 45% في ظل استحالة رفع الدعم حالياً.

ويشير العثمان إلى أنه وبحسب التقييم الرسمي، تحسنت جودة الخبز بنحو 70% مقارنة بالسنوات السابقة، مع استمرار العمل على رفعها مستقبلاً.

ويعكس واقع الخبز في سوريا عمق الأزمة الاقتصادية، إذ تعمل الأفران في المدن الكبرى بطاقة الدعم مما خفّض الطوابير، بينما تعاني المناطق الريفية وانقطاع الإمدادات، ما يدفع السكان للاعتماد على أفران خاصة بأسعار مرتفعة أو بدائل أقل جودة.

تحسن نسبي

ويبرز الفرق بين الخبز المدعوم وغير المدعوم كمؤشر للتفاوت، فالمدعوم منخفض السعر لكنه أقل جودة، فيما يُباع الخبز غير المدعوم بسعر أعلى لكنه أفضل، ليصبح خياراً اضطرارياً لفئة من المواطنين.

ويرى محمد العاشور (38عاماً)، وهو موظف حكومي يقيم في مدينة دمشق، في تصريحات لـ”963+” أن توفير الخبز شهد في الأشهر الأخيرة تحسناً نسبياً بانخفاض الطوابير وسهولة الحصول على المخصصات، لكنه لم يحل المشكلة جذرياً بسبب جودة غير مستقرة للربطات، خصوصاً في الريف حيث الانقطاعات أكثر وتكون البدائل محدودة. ومع تفاوت التوزيع بين المدن الكبرى والمناطق النائية، يبقى الخبز المدعوم غير كافٍ لضمان الأمان الغذائي، ما يجعل تحسين النوعية لا يقل أهمية عن استمرارية التوفر.

وحول الفارق بين الخبز المدعوم وغير المدعوم، تقول رؤى القاسم (32عاماً) وهي ربة منزل من ريف دمشق، لـ”963+” إن السعر يبقى العامل الحاسم في خياراتها اليومية، في ظل دخل محدود لا يسمح بهوامش إنفاق إضافية، وأن الخبز المدعوم، رغم ملاحظاتها عليه، يبقى الخيار الأساسي لمعظم الأسر، لأنه الأقل كلفة والأكثر توفراً مقارنة بالبدائل.

لكن القاسم تؤكد أن هذا الخيار لا يخلو من المشكلات، نتيجة عدم استقرار جودة الخبز المدعوم. فتقول: “أحياناً لا تكفي الربطة ليوم واحد، إما بسبب نقص الوزن أو لأنها تجف بسرعة”، مشيرةً إلى أن الأسرة تضطر في بعض الأحيان لشراء كميات إضافية أو تقليل الاستهلاك، ما يضيف عبئاً يومياً على تدبير شؤون المنزل.

وتضيف أن الخبز غير المدعوم يتمتع بجودة أفضل من حيث الطراوة والنظافة وطول فترة الصلاحية، لكنها تصفه بأنه “خيار اضطراري وليس دائماً”، حيث تلجأ إليه فقط في حالات محددة، كنفاد الخبز أو عند وجود ضيوف، نظراً لارتفاع سعره مقارنة بقدرة الأسرة الشرائية.

وتشير إلى أن الفارق بين نوعي الخبز يعكس تفاوتاً واضحاً في السوق، حيث تصبح الجودة مرتبطة بالقدرة على الدفع، مما يضع شريحة واسعة من الأسر أمام معادلة صعبة بين السعر والجودة، في مادة يفترض أن تكون متاحة للجميع بمستوى مقبول.

بين الجودة والسعر

أما رائد اليونس (44عاماً)، وهو من سكان مدينة معضمية الشام بريف دمشق، فيضطر في كثير من الأحيان إلى شراء الخبز من مدينة داريا المجاورة، بسبب رداءة الخبز المنتج في مدينته.

ويوضح في حديث لـ”963+” أن الخبز المتوفر في معضمية الشام “سيئ من حيث الطراوة والوزن، ولا يصلح للاستهلاك ليوم كامل”، ما يدفعه لتحمل كلفة ومشقة التنقل بحثاً عن بديل أفضل، إذ أن هذه الرحلة ليست خياراً مريحاً، بل ضرورة فرضها واقع الجودة.

 “أدفع أكثر، وأتحمل أجور المواصلات، لكن الخبز من داريا أنظف وأفضل”، يقول رائد في إشارة منه إلى الفارق في الجودة بين منطقتين متجاورتين، ما يطرح تساؤلات حول آليات الرقابة وتوحيد معايير الإنتاج.

ويضيف أن اعتماده على الخبز غير المدعوم أو القادم من خارج مدينته أصبح جزءً من الروتين اليومي، رغم تأثيره المباشر على ميزانية الأسرة، غير أن المشكلة لا تكمن فقط في توفر الخبز، بل في جودته، فـ “توفر مادة أساسية بجودة متدنية لا يحقق الغاية من الدعم”، كما يجب أن تخضع مادة الخبز لمعايير موحدة بغض النظر عن المنطقة، مؤكداً أن استمرار التفاوت في الجودة بين المدن يعكس خللاً في منظومة الإنتاج والرقابة، تتحمل نتائجه الأسر ذات الدخل المحدود قبل غيرها.

وتتباين أسعار الخبز في سوريا بشكل واضح، إذ تباع الربطة المدعومة بوزن 1200 غرام (10 أرغفة) بـ 2500 ليرة سورية، أما الخبز غير المدعوم فيصل سعره إلى 5000 ليرة، في حين يباع الخبز السياحي في الأفران الخاصة بنحو 10 آلاف ليرة الربطة الواحدة، ما يعكس فجوة كبيرة بين القدرة الشرائية وجودة الخبز المتوفر.

أصحاب أفران خاصة يقولون إنهم يعملون في بيئة شديدة التقلب، حيث ترتفع أسعار الطحين والمحروقات بشكل مستمر، بينما يتوقع منهم الحفاظ على سعر مقبول للمستهلك، ويؤكد بعضهم أن هامش الربح ضئيل، وأن أي ارتفاع إضافي في التكاليف قد يدفعهم إلى الإغلاق.

يقول فراس عبد الباقي (45عاماً)، صاحب فرن خاص في ريف دمشق، لـ”963+” إن العمل في قطاع صناعة الخبز بات “مغامرة يومية” في ظل تقلب التكاليف وغياب الاستقرار السعري.

ويشهد الطحين والمحروقات ارتفاعاً مستمراً، ما يضغط على أرباح الأفران التي تواجه تكاليف مرتفعة تشمل العمال والكهرباء والصيانة، بينما يُطلب منها الحفاظ على أسعار منخفضة للمواطن. أصحاب الأفران الخاصة مضطرون بين رفع السعر وخسارة الزبائن أو الالتزام بسعر منخفض على حساب الجودة والربحية، ما قد يؤدي إلى إغلاق بعض الأفران وتهديد توفر الخبز وتنوعه في المناطق المعتمدة عليها.

+963

————————-

 السوريون والليرة الجديدة: اختبار الثقة قبل الحساب/ دمشق – رهام علي

الثلاثاء 2026/01/13

في شوارع المحافظات السورية ثمة صمت يسبق الحساب، المواطن يقلّب في يده ورقة نقدية جديدة “منزوعة الأصفار”، يحاول عقله أن يحذف “خانتين” اعتاد عليهما طوال سنوات، بينما عيناه تترقبان “جبر الكسور” من البائع.

هذا المشهد ليس مجرد تبادل مالي، بل هو اختبار حقيقي لفك الارتباط بين الذاكرة المثقلة بالتضخم وبين ليرة جديدة ولدت من رحم الأزمة.

وداعاً لـ”أكياس النقود”

يصف الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي هذه الخطوة بأنها “علاج جراحي” لكتلة نقدية ضخمة أرهقت السوق السوري، وبحسب قوله فإن السوريين الذين اعتادوا حمل رزم نقدية مهترئة في “أكياس” لقضاء أبسط حوائجهم، يواجهون اليوم تغييراً تقنياً طال انتظاره.

ويقول قضيماتي في حديث لـ”المدن”: إن حذف الأصفار ليس مجرد إجراء تجميلي، بل هو حل لمعضلة “الكسور” التي كانت ترهق البائع والمستهلك، فعندما كانت التكلفة 1200 ليرة مثلاً، كان البائع يعجز عن إرجاع “الفكة” للزبون، أما اليوم فالفئات الجديدة (10 و25 ليرة) ستمنح دقة وأريحية في التسعير.

ويؤكد قضيماتي أن “هذا التحول يسهل إجراءات النقل والتخزين ويحمي جودة النقد من التهالك، وهو مكسب لقطاع مصرفي وصناعي كان يختنق تحت وطأة “تضخم الورق” والاحتياطيات الضخمة التي كانت تُخزن بشكل سيء”.

فخ “الفكة” وكبار السن

على الضفة الأخرى، يبدو “الخوف من الاستغلال” هو العنوان الأبرز للأثر الاجتماعي، ويرى الأكاديمي والباحث في علم الاجتماع الدكتور طلال مصطفى، أن خلف هذه الأرقام المختصرة “اغتراباً” يطارد الفئات الضعيفة.

ويشرح مصطفى لـ”المدن” مصطلح “الوهم الحسابي”، حيث يواجه كبار السن وغير المتعلمين صعوبة في التقدير الذهني للأسعار الحقيقية، ما يولد شعوراً بالارتباك النفسي.

ويظهر هذا الارتباك جلياً في أسواق دمشق، حيث يتساءل المسنون بمرارة عن كيفية دفع “الكسور” الجديدة، مما يجعلهم عرضة لـ”الاستغلال الصامت” من قِبل بعض التجار تحت غطاء التقريب الرياضي، وهو ما يراه الخبراء تآكلاً مستتراً في القوة الشرائية لمواطن يعيش أصلاً على حافة الكفاف.

إدلب.. “السيادة” من بوابة النقد

في السياق، يُعدّ دخول الليرة الجديدة الحدث الأبرز في الشمال السوري، التعاطي معها في إدلب لم يأتِ كعملية استبدال فني، بل كـ”خطوة سيادية” بامتياز.

يرى مصطفى أن التعامل مع العملة الجديدة هناك يعد اعترافاً بشرعية السلطة السورية وقدرتها على إدارة الاقتصاد، ومحاولة لاستعادة “الخيال السياسي الجمعي” عبر الرمز المادي الأكثر تداولاً.

ويؤكد مصطفى لـ”المدن” أن نجاح هذا الفرض النقدي في إدلب يرتكز على ثلاث ركائز: أولاً، الثقة بالمؤسسات ومدى قدرة الدولة على ضمان التبادل دون خسارة. ثانياً، التدرج في التنفيذ لتجنب المقاومة الشعبية. ثالثاً، الاستقرار، حيث لن تكون العملة وحدها كافية لترميم الرابط الرمزي دون إجراءات مكملة لحماية السكان الذين عانوا من انقطاع نقدي طويل.

أزمة الثقة.. هل تكفي “الهوية البصرية”؟

يحاول المصرف المركزي ترويج العملة الجديدة كفرصة لبناء “ثقافة مالية”، لكن مصطفى يرى أن هذه الثقافة لا تُبنى في غرف العمليات المصرفية، بل في الثقة المتبادلة، “فنقص العملات الصغيرة “الفكة” يؤدي إلى إحباط يومي وفقدان للاستقلالية الاقتصادية، ما قد يدفع الناس نحو الاقتصاد غير الرسمي”.

وهنا يكمن الخوف من “الوهم النفسي”، فرغم أن الحذف تقني، إلا أن رؤية الراتب يتلخص من مئات الآلاف إلى بضع مئات يولد شعوراً بالانكماش المالي.

وعليه، فإننا اجتماعياً أمام سيناريوهين، إما نجاح تدريجي يمتص الاحتقان، أو انزلاق نحو احتكاكات يومية قد تتطور إلى احتجاجات مطلبية إذا ما رافق هذا الاستبدال ارتفاع “مستتر” في الأسعار تحت غطاء التقريب النقدي.

ترميم النفوس

وما بين “أريحية التسعير” التي ينشدها قضيماتي، و”ترميم الثقة” الذي يطالب به مصطفى، يقف السوري في “برزخ” مالي، فالليرة الجديدة قد تنجح في إنقاذ الخزائن من ثقل الورق، لكن التحدي الأكبر يظل في “ترميم النفوس”.

إن نجاح هذه “الجراحة النقدية” لا يُقاس بمدى سهولة حمل العملة في المحافظ، بل بمدى قدرتها على إنهاء “الوهم الحسابي” وشعور السوريين بأن تعبهم لم يذهب سدى، فالثقة بالعملة لا تأتي بحذف الأصفار، بل بشعور المواطن -في إدلب كما في دمشق- أن هذه الليرة قادرة على حماية “خبزه وكرامته”.

المدن

——————-

 أموال رفعت الأسد المُصادرة في فرنسا: 32 مليون يورو إلى دمشق

الاثنين 2026/01/12

تستعد الحكومة الفرنسية لتحويل دفعة أولى من أصول رفعت الأسد المصادرة في باريس، إلى الحكومة السورية، في خطوة تعد الأولى من نوعها بعد سقوط نظام الأسد، وتفتح نقاشاً واسعاً حول مفهوم العدالة ومصير الثروات التي جمعت خلال عقود من القمع والنهب.

ويبلغ الرقم المعلن 32 مليون يورو، حسبما قال مدير “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” الحقوقي مازن درويش الذي أكد أن التحويل سيتم وفق بروتوكول موقّع بين الجانبين الفرنسي والسوري، على أن تحدد دمشق مجالات الإنفاق مسبقاً وتستلم مبالغ إضافية لاحقاً.

ويستند التحرك الفرنسي إلى مسار قضائي طويل انتهى في أيلول/سبتمبر 2022، حين ثبّتت محكمة النقض الفرنسية حكم الإدانة بحق رفعت الأسد بتهم غسل أموال واختلاس أموال عامة سورية، مع مصادرة أصول تجاوزت قيمتها 80 مليون يورو تتضمن عقارات فاخرة في باريس ومحيطها. وتعدّ هذه الأحكام، ثمرة دعاوى رفعتها منظمات حقوقية أبرزها “شيربا”، بعد تتبع مسارات مالية مشبوهة وإثبات تعارض الممتلكات مع دخل رفعت المعلن منذ مغادرته سوريا إلى المنفى العام 1984.

وكانت فرنسا أقرت آلية لإعادة الأموال المنهوبة إلى السكان المتضررين بموجب قانون صدر في آب/أغسطس 2021، ينص على تخصيص العائدات لمشاريع تنموية وإنسانية تخضع للرقابة، بدلاً من إعادة الأموال إلى سلطات الأسد الفاسدة والمتهمة بجرائم حرب، لكن هذا المسار بقي مجمداً في الحالة السورية لأسباب سياسية، إلى أن تغيرت الظروف بعد سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، مما أتاح تحريك الملف وبدء التفاوض حول آليات التنفيذ.

وتتجاوز قضية الأموال المصادرة بُعدها المالي لتعيد فتح ملف رفعت الأسد نفسه الذي قاد “سرايا الدفاع” في الثمانينيات، وكان نائباً للرئيس الأسد الأب، وتحول اسمه إلى مرادف لمجزرة حماه 1982.. ونسج رفعت منذ خروجه من سوريا، شبكات مالية عبر شركات “أوفشور” وصناديق ائتمانية، وامتلك عقارات في فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، حيث تجري تحقيقات موازية بتهم غسل أموال في “كوستا ديل سول”، وسط تقارير عن ملكيات عقارية شاسعة تصل إلى عشرات الملايين من اليوروهات.

ولا تشير المعلومات المتاحة حتى الآن إلى بيان رسمي فرنسي يحدد تاريخ التحويل أو تفاصيل مجالات الصرف، لكن التصريحات الصادرة عن درويش ترجح أن تكون الدفعة الأولى مخصصة لدعم ملفات العدالة الانتقالية وتعويض الضحايا وتمويل آليات البحث عن المفقودين، وهي ملفات ما تزال تفتقر إلى بنى تنظيمية مستقلة وآليات رقابة مالية وقضائية محلية.

ولا يتعلق السؤال هنا  بتاريخ استرداد الأموال بل بكيفية استخدامها، ومن سيشرف على إنفاقها؟ وما هي الضمانات لمنع استنساخ الزبائنية السياسية القديمة تحت شعارات جديدة؟ فمعركة استرداد الحق العام التي طالما طرحت نظرياً، تجد اليوم اختبارها الأول في واقع معقد تتقاطع فيه ذاكرة الضحايا مع حسابات الدولة، وتلتقي فيه أحكام القضاء الغربي مع حاجة الداخل السوري إلى مساءلة وعدالة شفافة لا تعيد إنتاج الفساد بصيغته الانتقالية.

عاد رفعت الأسد إلى سوريا في تشرين الأول/أكتوبر 2021 بعد غياب دام قرابة 37 عاماً بترتيب خاص سمح له بتجنب تنفيذ الحكم القضائي الفرنسي بالسجن الذي صدق بشكل نهائي لاحقاً، ورغم أن عودته جاءت تحت ذريعة العيش والموت في الوطن، فإنها مثّلت لحظة بالغة الدلالة على طبيعة التفاهمات داخل بنية السلطة القديمة، التي ظلت قادرة على استيعاب رموزها رغم الاتهامات الجنائية والفساد العابر للحدود. لكن بقاء رفعت في سوريا لم يدم طويلاً، إذ تشير المعطيات إلى أنه غادر البلاد مجدداً بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى جهة غير معلومة.

———————————-

 سوريا تدرس آليات لتنظيم استيراد السيارات وقطع الغيار

بحث إطلاق مشروع لتصنيع قطع غيار السيارات تشجيعاً للصناعة المحلية

الرياض – العربية Business

13 يناير ,2026

بحث رئيس غرفة تجارة ريف دمشق عبدالرحيم زيادة، مع عدد من تجار السيارات ومستوردي قطع الغيار، واقع تجارة السيارات، ومناقشة أبرز الصعوبات والمعوقات التي تواجه هذا القطاع في سوريا.

وتناول الاجتماع التحديات المرتبطة باستيراد وتداول قطع الغيار، إضافة إلى القضايا المتعلقة بتنظيم الأسواق المحلية، وسبل تحسين بيئة العمل التجاري بما يحقق استقرار السوق ويحمي المستهلك.

وطرح المجتمعون إمكانية إنشاء نقطة مواصلات تابعة لمديرية مواصلات ريف دمشق في منطقة القطيفة، بهدف إجراء معاملات فحص وترسيم السيارات لمنطقة القلمون بريف دمشق، إلى جانب بحث إمكانية إطلاق مشروع لتصنيع قطع غيار السيارات، تشجيعاً للصناعة المحلية، حيث تم الاتفاق على إدراج هذا المشروع ضمن الفرص الاستثمارية المتاحة، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

كما ناقش الحضور تجربة استيراد السيارات المستعملة بهدف توفير خيارات مناسبة للمستهلكين ضمن نظام رقابي واضح، وأكدوا أهمية تحديث أسطول الشاحنات السورية القديمة، ووضع آلية وضوابط دقيقة لمراقبة استيراد السيارات، إضافة إلى تفعيل نظام الإنتربول الدولي.

وتم خلال الاجتماع اقتراح إنشاء مكان مخصص خارج مدينة دمشق لعرض وبيع السيارات الحديثة والمستعملة، إضافة إلى تفعيل الموقع المخصص لعرض السيارات في منطقة الدوير، حيث تمت الموافقة على هذه المقترحات.

كما تم الاتفاق على تشكيل لجنة قطاعية لتجار السيارات تضم ممثلين عن التجار، تتولى دراسة واقع القطاع واقتراح الحلول المناسبة للمعوقات القائمة وتعزيز التنسيق مع الجهات المعنية، بما يسهم في تسهيل النشاط التجاري وتحقيق استقرار السوق.

———————-

=====================

تحديث 12 كانون الثاني 2025

————————-

سورية… 18% فقط من الأسر آمنة غذائياً/ نور ملحم

12 يناير 2026

أكد وزير الزراعة السوري أمجد بدر أن الوزارة تعمل بشكل مستمر على دعم المزارعين عبر مشاريع صغيرة تهدف إلى تزويدهم بمستلزمات الإنتاج، مشيراً إلى أن هذه المشاريع تُنفَّذ بالتعاون مع شركاء أساسيين، وفي مقدمتهم منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو). وأوضح بدر، خلال ورشة العمل التي عُقدت صباح اليوم في فندق “الشيراتون – البوابات السبع” بدمشق حول تقييم الأمن الغذائي في سورية، أن من أبرز هذه المشاريع تطوير البنى التحتية الزراعية، ولا سيما مشروع مكافحة زهرة النيل في نهر العاصي عبر قنوات الري في منطقة الغاب.

ولفت إلى أن الفاو “شريك أساسي في دعم الزراعة والأمن الغذائي للسوريين، ونعمل معها على جمع البيانات وتحليلها وفق منهجيات دقيقة وقياس المؤشرات الغذائية حسب المعايير العالمية”. وقال بدر في تصريح لـ”العربي الجديد”، إن عمل وزارة الزراعة ليس منفرداً، بل متداخل مع العديد من الوزارات والقطاعات الأخرى، مثل البيئة والاقتصاد وإدارة الكوارث، موضحاً أن الهجرة القسرية للفلاحين لم تكن نتيجة ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج فقط، بل كانت أيضاً أحد آثار الظروف الأمنية القاسية التي مر بها الشعب السوري، بما في ذلك زراعة الألغام وحفر الخنادق وقطع الأشجار وحرقها، ما أدى إلى خروج مساحات واسعة من الأراضي عن الخدمة الزراعية.

وأكد الوزير أن القطاع الزراعي تكبد أضراراً كبيرة، لافتاً إلى أن إمكانات الوزارة بعد تحرير الأراضي كانت ضعيفة. وأضاف: “بدأنا بإصلاح الآليات الزراعية المعطلة، وإعادة تأهيل الأراضي، وردم الخنادق، وإزالة السواتر، بهدف إعادة الفلاحين إلى ممارسة الزراعة بشكل طبيعي”. وأشار إلى أن الوزارة قدمت قروضاً بلا فوائد لتأمين بذار القمح والأسمدة، إلا أن الإقبال عليها كان أقل من المتوقع، إذ لم يتجاوز 30% من المساحة المخطط لها، ما يدل على امتلاك الفلاحين مخزوناً من البذار من السنوات السابقة. وأكد أن زراعة القمح تُنفَّذ حالياً من دون الاعتماد على القروض، مع التركيز على القمح المروي لضمان الإنتاج، مشدداً على أن معدل نمو القمح السوري جيد جداً، وأن هذا المحصول يحظى باهتمام خاص من الوزارة.

وأوضح بدر أن الوزارة غيّرت منهجية العمل الزراعي من خلال وضع خطط دقيقة وتشكيل فرق ميدانية لمتابعة الإنتاج بشكل يومي، بهدف تحسين جودة المحاصيل وتحقيق الأمن الغذائي. وأضاف أن عمل وزارة الزراعة يقوم على تعاون حقيقي بين القطاعين العام والخاص، ويعتمد على التخطيط والمبادرات المستمرة لضمان عودة الزراعة إلى مستوياتها الطبيعية في جميع المناطق السورية. وأكد أن التحديات ما زالت قائمة، لكنه شدد على استمرار الوزارة في تنفيذ خططها لدعم المزارعين وتأهيل الأراضي المتضررة، مع التركيز على المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح، لضمان الأمن الغذائي وتوفير مستلزمات الإنتاج بكفاءة.

الشفافية والبيانات أساس صنع القرار

وعُقدت الورشة بحضور ممثلين رفيعي المستوى عن وزارة الزراعة وهيئة التخطيط والإحصاء، إلى جانب خبراء من منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي، لمناقشة نتائج التقييم الأخير للأمن الغذائي في سورية، بهدف التوصل إلى تقديرات دقيقة لأعداد المتضررين والعوامل المؤثرة في شدة انعدام الأمن الغذائي، بما يساعد على توجيه الدعم بشكل علمي وفعّال.

وفي هذا السياق، أكد رئيس هيئة التخطيط والإحصاء أنس سليم أن الأمن الغذائي في سورية اليوم أفضل مما كان عليه سابقاً، وأن الوضع الحالي مبني على حجم الاحتياجات، مع فتح الأبواب أمام الجميع لتحسين الأمن الغذائي، ولا سيما الزراعي، بحكم أن سورية بلد زراعي، وهناك خطة لإعادة تفعيل استثمارات جميع الأراضي الزراعية. وأشار سليم في تصريح لـ”العربي الجديد” إلى أن الأرقام الحالية تختلف جذرياً عن تلك التي صدرت في السابق، والتي كان النظام السابق يمنع تداولها، مؤكداً أن الشفافية في إتاحة البيانات تمثل خطوة أساسية لبناء مستقبل يعتمد على دقة المعلومات كأساس لصنع القرار.

وبيّن أن المشروع الإحصائي الجديد لا يقتصر على جمع البيانات، بل يشكل خريطة طريق لتوجيه السياسات وبرامج الدعم نحو الفئات الأكثر حاجة، مضيفاً أن قيمة البيانات تكمن في تحويلها إلى خطط عمل ملموسة وتعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية والشركاء الدوليين. وأكد أن نحو 50% من السكان ما زالوا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، ما يستدعي تكثيف الجهود ووضع خطط دقيقة لمعالجة الوضع، مع توقع توقيع مذكرة تفاهم جديدة لدعم الإجراءات المستقبلية.

الفاو ومنهجية التصنيف المرحلي

من جانبه، أوضح الممثل القطري بالإنابة لمنظمة الفاو، بيرو توماسو بيري، أن الورشة تهدف إلى التعريف بمنهجية التصنيف المرحلي المتكامل (IPC)، واصفاً إياها بأنها منصة دولية قائمة على الأدلة تُستخدم في العديد من الدول لتحليل مستويات الأمن الغذائي بطريقة منظمة وشفافة وشاملة. وأكد بيري في تصريح لـ”العربي الجديد” أهمية تحديث المنهجيات الحالية للتمييز الدقيق بين مستويات الشدة المختلفة، مشدداً على ضرورة اعتماد إطار موحد ومعتمد عالمياً، مع بروتوكولات تضمن الجودة والنزاهة وتعزز التنسيق بين جميع الشركاء.  وأضاف أن لدى الفاو خططاً عملية لدعم الأمن الغذائي والزراعي في سورية، تشمل حملات لإعادة توزيع اللقاحات ودعم الثروة الحيوانية، وبرامج للتخفيف من آثار الجفاف عبر آليات بديلة وتنظيم الري، إضافة إلى دعم البذار ورفع قدرات المزارعين لمواجهة التحديات المستقبلية.

نتائج مسح الأمن الغذائي

وأظهرت النتائج الرئيسية لمسح الأمن الغذائي في سورية، الصادرة أمس الأحد، أن نسبة الأسر الآمنة غذائياً بلغت نحو 18.4% من إجمالي الأسر، في حين لم تتجاوز النسبة في المخيمات 4.2%. وسجلت المناطق الحضرية مستويات أفضل من الريفية، بنسبة 19% مقابل 16.4%، فيما بلغت نسبة الأسر الصغيرة المؤلفة من 1 إلى 4 أفراد نحو 20.3%. وبيّنت البيانات وجود تفاوت واضح بحسب تركيب الأسرة، إذ بلغت نسبة الأمن الغذائي لدى الأسر التي لا تضم أفراداً من ذوي الإعاقة 18.6%، مقابل 10.5% لدى الأسر التي تضم أفراداً منهم. كما سجلت الأسر التي تعولها امرأة مستوى أقل من الأمن الغذائي بنسبة 12%، مقارنة بـ18.5% للأسر التي يعولها رجال.

وبحسب الوضع السكاني، بلغت نسبة الأمن الغذائي لدى المقيمين الدائمين 18.9%، مقابل 11.8% لدى النازحين داخلياً. وعلى المستوى الجغرافي، تصدرت محافظة طرطوس بنسبة 29.9%، تلتها ريف دمشق 27.6%، ودمشق 21.9%، في حين سجلت الرقة 4.2%، والحسكة 4.6%، والسويداء 5.4%، ما يعكس تأثير الجفاف والاضطرابات الأمنية في بعض المناطق.

وأظهرت البيانات أن الأسر التي تعتمد على التجارة بوصفها مصدر دخل سجلت مستويات أفضل من الأمن الغذائي مقارنة بالأسر المعتمدة على العمالة اليدوية غير الماهرة، التي كانت الأكثر هشاشة بنسبة 10.5%. كما أكدت النتائج أن عام 2025 شهد تحسناً ملموساً مقارنة بعام 2024، إذ ارتفعت نسبة الأسر الآمنة غذائياً من 11.1% إلى 18.4%، مع تحسن ملحوظ في المخيمات، وتضاعف النسب في محافظات القنيطرة وإدلب ودير الزور وطرطوس وريف دمشق، مقابل تراجعها في السويداء والرقة والحسكة.

العربي الجديد

————————-

 حرب السوريين الصامتة.. من نحن؟ أم ماذا سنأكل؟/ سامر القطريب

2026.01.12

لم يحدث القتال خلال السنوات الماضية في سوريا على الجبهات فقط بل حدث في “أجسادنا” من خلال الانضباط والمراقبة والتحكم، مثال ذلك عندما انقسمت حلب إلى شرقية وغربية وعندما قصف النظام المخلوع الغوطة الشرقية بالكيماوي والبراميل المتفجرة، حينئذ كان جسد السوري مثالا لـ “الحرب الصامتة” وللانضباط والمراقبة، الخوف من السلطة وعنفها كان عامل الانضباط في تلك “الحرب”، عشنا كسوريين حربنا الصامتة واليوم نعيشها من خلال المؤسسات، واللغة، وفوارق القوة “الطبقات” الاقتصادية والاجتماعية. يمثل سقوط نظام الأسد لحظة “انفجار” لموازين القوى، فبعد عقود من “السلطة المطلقة” التي كانت تتحكم في الحياة والموت، نجد أنفسنا أمام مشهد مليء بالعنف والكراهية (ليس على أرض الواقع) ولكن على أرض وسائل التواصل الاجتماعي لأن الجسد مازال منضبطا في واقعه.

في الواقع تخضع أجسادنا لرقابة فيزيائية واجتماعية مباشرة (نظرات الجيران، قوانين العمل، الحياء الاجتماعي، الخوف من العقاب إلخ..). هذه الرقابة تفرض “الهدوء” كشكل من أشكال الانضباط. أما في الواقع الافتراضي تتحرر الأجساد من الرقابة المكانية، لكن تظل “الذات” محبوسة في صراع الخطاب، لذلك ما نراه من عنف هو “انفجار” للقوى التي يكبتها الانضباط في الواقع الحقيقي.

جاءت العملية العسكرية الأخيرة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية لتنزع مسمار الأمان عن قنبلة خطاب الكراهية في مساحة لا متناهية للتعبير عن الغضب المكبوت. “من ليس معنا هو ضدنا” أصبحت الشعار الجديد للتصنيف في الخطاب اللغوى العنيف. الصراع الحالي في سوريا هو صراع على من يملك الحق في تعريف “سوريا الجديدة”، ومن يملك سلطة وضع القوانين. خطاب الكراهية غالباً ما يركز على تصنيف الناس (عرق، دين، توجه). هذا التصنيف هو جوهر في ممارسة السلطة؛ لأنك بمجرد أن “تُسمي” شخصاً وتضعه في قالب، فقد مارست عليه نوعاً من القمع المعرفي.

ولكن إذا كان كل ذلك يحدث على السوشيال ميديا فهل الواقع أكثر هدوءا؟

يتحدث كثير من السوريين أن الحياة في الواقع مختلفة عما يتم تداوله من خطابات عنف على وسائل التواصل، ويصفون الحياة الطبيعية والتفاعل اليومي القائم على تبادل المصالح بين السوريين بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم، إذا أين هي الحقيقة؟

يقول ميشيل فوكو نحن نعيش في حالة رؤية دائمة، “الجميع يراقب الجميع”. هذا الضغط يجعل الناس في حالة استنفار قتالي دائم؛ فإما أن تهاجم لتثبت وجودك وانتماءك لجماعة معينة، أو تصبح ضحية للمراقبة والنقد. العنف هنا هو “أداء” أمام الجمهور وليس مجرد شعور شخصي.

بناء على ذلك قد يكون “الهدوء في الواقع” ليس بالضرورة دليلاً على السلام، بل قد يكون دليلاً على “تمام السيطرة” وانضباط الأفراد التام، في حين يظهر “القتال” الحقيقي في الخطاب الرقمي لأنه المساحة التي لا تزال القوى تتصارع فيها لتشكيل “الحقيقة” أو ما كما يحب السوريون تسميتها اليوم “السردية”.

ما تراه من عنف وكراهية على الإنترنت ليس “فوضى”، بل هو نظام يحدد من يحق له الكلام؟ ما هي المواضيع المسموح بها؟ العنف اللفظي هو وسيلة لإقصاء “الآخر” وجعله غير مرئي أو غير شرعي، تماماً كما كان يُعامل “المجانين” أو “المجرمين” في العصور السابقة عبر عزلهم خطابياً.

في سوريا يبدو السلام مجرد “حرب صامتة”، فما كان يُسمى “استقراراً” قبل الثورة كان حالة حرب مكبوتة تمارسها أجهزة الدولة لدى “النظام المخلوع” ضد الجسد والمجتمع. وبسقوط النظام نكتشف أن تلك الحرب لم تنتهِ أبداً، بل انتقلت من “تحت الجلد” إلى وسائل التواصل. الخطاب العنيف الذي تراه الآن هو “المسكوت عنه” لسنوات طويلة، بدأ الآن يعبر عن نفسه كقوى متصارعة على الحقيقة.

في سوريا اليوم، هناك صراع حول “الحقيقة التاريخية”: من هو البطل؟ من هو الخائن؟ ما هو شكل الدولة؟

 وأصبحت وسائل التواصل لدى السوريين “ساحة قتال معرفية”. كل طرف يحاول بناء “نظام حقيقة” خاص به وإقصاء الآخر. العنف الرقمي الذي نلاحظه هو الأداة التي تستخدمها هذه القوى الناشئة لترسيم حدود سلطتها في غياب سلطة مركزية.

الهدوء كآلية للبقاء

السوريون في الداخل، وبعد سنوات من الموت، قد يميلون إلى “الهدوء” كآلية للبقاء. الجسد المتعب يبحث عن الأمان، وهذا “هدوء الضرورة”. يتحدث أحد السوريين اللاجئين في تركيا عن رغبته بالعودة إلى حياته البسيطة في ريف حلب لتربية الماشية والعمل بالزراعة بعد أن سقط النظام. في حين تخبرني صديقة عن زواج قريبها من “الحسكة” بفتاة من مدينة “سلمية”، أي زواج بين طائفتين.

نعود إلى الحياة على الإنترنت، المكان الوحيد الذي يمكن فيه ممارسة “إرادة القوة” من دون خوف مباشر من الاعتقال أو التوقيف أو العقاب إلى آخره.. الإنترنت هو “المختبر” الذي تُمارس فيه الحروب التي لا يستطيع الناس خوضها في الواقع بسبب التعب أو الخوف.

عندما يصبح الصراع على “من نحن؟” وليس على “ماذا سنأكل؟”، يصبح الوصول إلى عقد اجتماعي هادئ مهمة شاقة لأن التنازل هنا يبدو كأنه “خيانة للذات”.

في العقد الاجتماعي العادي، نتنازل عن بعض المصالح لنعيش بسلام. لكن في سوريا (كما يظهر في خطاب الكراهية الرقمي)، الصراع هو على الهوية والمعنى.

ولكن هذا الهدوء في الشارع السوري قد يكون “مقاومة صامتة” من الناس العاديين ضد تطرف الخطاب الرقمي وضد أي تسلط، الناس في الواقع يمارسون “عقداً اجتماعياً معاشاً” (تبادل تجاري، جيرة، مصالح يومية، زواج) يتجاوز صراعات الأيديولوجيا. هذا “الهدوء الحقيقي” هو القاعدة التي يمكن البناء عليها في هذه المرحلة، لأنه يثبت أن “ممارسة الحياة” أقوى من “خطاب الحرب”.

تلفزيون سوريا

————————-

العملة السورية الجديدة.. حياد بصري مفتوح على التأويل والاختلاف/ علي سفر

12 يناير 2026

حين أُطلقت النسخ الجديدة من فئات العملة السورية نهاية العام الماضي، بدا واضحاً أن هناك رغبة في الابتعاد عن التمثيل الشخصي والرمزي للسلطة، إذ اختفت الوجوه، وغابت الشخصيات، وحلّت مكانها عناصر من الطبيعة والبيئة السورية: القمح، الزيتون، التوت، البرتقال، الوردة الشامية. وفي مقابلة إعلامية، شدّد مصمم العملة محمد سلواية على أن هذا الخيار مقصود، وأن العملة لا تمتلك حصرية تمثيل التاريخ السوري أو ثقافته، وأنها ليست وسيلة لفرض قراءة معينة للهوية، بل أداة تداول يومية تسعى إلى التعبير عن المشترك، لا عن المختلف عليه.

يبدو هذا التوجه مفهوماً، بل يمكن اعتباره محاولة واعية لإغلاق باب نزاع رمزي طالما استُخدمت فيه العملة أداة للقول الواحد. المفارقة أن هذه المحاولة نفسها فتحت نقاشاً جديداً، لا يقل حدّة عن النقاشات السابقة. وسرعان ما ظهرت قراءات نقدية رأت في هذا الحياد المعلن نوعاً من الإفراغ الدلالي، واعتبرت أن العملة الجديدة، وهي تبتعد عن السياسة، ابتعدت أيضاً عن الثقافة بوصفها سرداً إنسانياً وتاريخياً، وعن الإنسان السوري بوصفه فاعلاً ومنتجاً للمعنى.

قبل الدخول في الجدل الذي أثاره تصميم العملة، ينبغي العودة خطوة إلى الوراء، لا إلى اللحظة السياسية الراهنة، بل إلى تاريخ النقود السورية نفسها، بوصفها حاملاً ثقافياً ورمزياً قبل أن تتحوّل، في مراحل لاحقة، إلى أداة مباشرة لتمثيل السلطة. فالنقاش الدائر اليوم لا يتعلّق بورقة نقدية فحسب، بل بعلاقة طويلة ومعقّدة بين المال والهوية، وبين الرمز والذاكرة العامة.

إذا ألقينا نظرة على إصدارات الليرة السورية في المراحل التي سبقت الحقبة الأسدية، سنجد أن العملة لم تكن حيادية بالمعنى الدقيق، لكنها لم تكن أيضاً مختزلة في شخص أو سردية واحدة، إذ حملت منذ الاستقلال صور آثار ومعالم تاريخية، وإشارات إلى العمل والإنتاج، والزراعة والحِرف، والعمران، بما يعكس تصوراً للهوية بوصفها نتاجاً تاريخياً واجتماعياً متراكماً. فكانت فضاءً بصرياً يعرض عناصر من الثقافة المادية والرمزية، ويستدعي المجتمع أكثر مما يستدعي السلطة.

التحوّل حصل لاحقاً، حين جرى اختزال العملة تدريجياً إلى مساحة تمجيد سياسي مباشر. عندها، لم تعد الورقة النقدية تحكي عن المكان، أو الناس، أو العمل، أو التاريخ، بل عن السلطة بوصفها مركز المعنى الوحيد. الاستخدام المكثّف لها أداةَ هيمنة رمزية هو ما جعل مسألة الرموز شديدة الحساسية اليوم، لأنّ الذاكرة الجمعية ما زالت مثقلة بتجربة طويلة من فرض السردية الواحدة عبر أبسط تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك ما حمله المواطنون في جيوبهم.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التصميم الجديد للعملة السورية بوصفه ردّة فعل واعية على هذا الإرث. من زاوية سيميائية مبسّطة، يمكن قراءة العملة بوصفها نصاً بصرياً. كل عنصر فيها هو علامة: الصورة، اللون، الخط، التكوين. وهنا في العملة الجديدة، تتقدّم الطبيعة لتحتل مركز الدلالة. القمح، مثلاً، يحيل إلى الاستمرارية والعيش اليومي، والزيتون إلى الجذور والارتباط بالأرض، والوردة الشامية إلى المدينة بوصفها ذاكرة مكان. هذه الرموز لا تخلو من معنى، لكنها تنتمي إلى حقل دلالي عام، يتجنب الصدام، ويخفف حدّة الاستقطاب.

هذا الاختيار يطرح سؤالاً ثقافياً مشروعاً: ماذا يحدث حين تُستبدل الرموز التاريخية والاجتماعية برموز طبيعية عامة؟ سيميائياً، الطبيعة دالّ واسع، لكنه صامت. لا يحكي قصة محددة، ولا يستدعي تجربة إنسانية بعينها، ولا يشير إلى فعل ثقافي أو إبداعي. وفيه تغيب الحِرف، وتتلاشى المدن بوصفها فضاءات تاريخية، كما يغيب الإنسان في عمله وفنه وصراعاته اليومية. وبهذا المعنى، لا يبدو أن المشكلة تكمن في غياب الرموز، بل في طبيعة الرموز المختارة، وفي انزياح الدلالة من التاريخ الاجتماعي إلى المشترك الطبيعي.

هذا النقاش لا يمكن فصله عن السياق الأوسع، فمن يراقب الشأن السوري في السنوات الأخيرة يلاحظ بسهولة أن أي موضوع عام، مهما بدا تقنياً أو إجرائياً، سرعان ما يتحول إلى مساحة جدال واختلاف، وأحياناً إلى ساحة استقطاب رمزي. وبعد سنة ونيف على إسقاط نظام بشار الأسد، بات كل تفصيل يُقرأ بوصفه مؤشراً على كيفية إعادة تعريف الهوية والذاكرة والفضاء العام. في هذا السياق، لم تعد العملة مجرد وسيلة تبادل، بل أصبحت جزءاً من نقاش ثقافي أوسع حول التمثيل والغياب والحضور.

السوريون بوصفهم جزءاً من الفضاء العربي والإسلامي، يراكمون في ذاكرتهم الجماعية أشكالاً كثيرة من الرموز: دينية وتاريخية، لغوية ومدينية، شعبية ونخبوية. رموز تشكّلت عبر قرون، وتراكبت في سياقات مختلفة، وأحياناً متناقضة. بعضها يوحِّد، وبعضها يقسِّم، وبعضها ما زال مثقلاً بصراعات لم تُحسم بعد. السؤال، إذاً، ليس لماذا غابت هذه الرموز عن العملة الجديدة فحسب، بل ما إذا كان من الضروري أصلاً إعادة ترسيخها جميعاً في العملة، وهل العملة هي الحيّز الأنسب لحمل هذا العبء الرمزي الكثيف؟ ربما تكمن الإشكالية الحقيقية في فائض التوقعات من كل تفصيل عام في لحظة انتقالية معقّدة.

الجمهور يريد من العملة أن تكون محايدة، لكنه يريدها أيضاً أن تكون معبّرة. إنه يرفض الرموز المؤدلجة، لكنه يتحسّس من غياب الرموز الثقافية والتاريخية. وفي جهة أخرى يطالب بإبعاد السياسة، ثم يقرأ هذا الإبعاد نفسه بوصفه موقفاً سياسياً وثقافياً. في هذا السياق، لا يعود الحياد حلاً نهائياً، بل يتحول إلى خيار إشكالي بحد ذاته.

ما كشفه الجدل حول العملة السورية الجديدة هو أن النقاش ذاته جزء من التحوّل الثقافي الجاري. السؤال عن الإنسان الغائب، وعن الثقافة المؤجلة، وعن التاريخ غير الممثَّل، ليس سؤالاً تقنياً أو تصميمياً، بل سؤال عن الكيفية التي يريد بها مجتمع خرج من زمن طويل من التغييب أن يرى نفسه وثقافته في الفضاء العام. ربما لم تكن العملة المكان الأنسب لحسم هذه الأسئلة، لكنها أظهرت بوضوح أن الحياد، في سورية اليوم، ليس مجرد خيار بصري، بل هو موقف ثقافي مفتوح على التأويل والاختلاف، شأنه شأن كل ما يتصل بإعادة تعريف الهوية بعد زمن طويل من اختزالها.

العربي الجديد

———————

العملة السورية الجديدة وإعادة ضبط النقد/ د. يحيى السيد عمر

يناير 12, 2026

يدخل ملف العُمْلة السورية الجديدة عام 2026 كأحد أكثر الملفات الاقتصادية حساسيةً وتأثيراً، ليس بوصفه إجراءً نقدياً تقنياً، بل لارتباطه المباشِر بتفاصيل الحياة اليومية للمُواطن، وانعكاسه على منظومة الأسعار، ومستوى الدخل، والثقة العامة بالسياسات الاقتصادية. فالعُملة لا تُؤدّي وظيفة التبادل فقط، بل تُمثّل أداة تنظيم اقتصادي، ومؤشراً على قدرة الدولة على إدارة التوازن بين الاستقرار النقدي ومتطلبات المعيشة.

شهد الاقتصاد السوري خلال الفترات السابقة ضغوطاً عميقة أثَّرت على قيمة الليرة، ورفعت مستويات التضخم، وأضعفت القوة الشرائية، ووسَّعت الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة. هذه التحوُّلات لم تكن وليدة عامل واحد، بل نتيجة تراكم اختلالات بنيوية، شملت تراجُع الإنتاج، وتراجع الموارد، واتساع التداول النقدي خارج الأُطُر الرسمية، ما جعل إدارة السيولة أكثر تعقيداً، وأضعف قدرة السياسة النقدية على ضبط السوق.

في هذا السياق، يأتي إصدار عُملة جديدة كجزء من محاولة لإعادة تنظيم المشهد النقدي، وليس كخطوة شكلية أو حلّ شامل للأزمة الاقتصادية. الهدف الأساسي يتمثَّل في تبسيط التعاملات اليومية، وتقليص التضخم العددي في الفئات النقدية، وتعزيز قدرة المصرف المركزي على متابعة حركة الأموال، وتقدير حجم السيولة الفعلية المُتداوَلة، بما يُتيح أدوات أدقّ لإدارة السوق.

أحد الأهداف الجوهرية لإصدار العُملة الجديدة يتمثَّل في تفكيك الكُتَل النقدية التي تَشكَّلت خارج أيّ إطار قانوني خلال عهد النظام البائد. هذه الكتل لا تقتصر على مدخرات غير مستخدَمة أو نشاط اقتصادي غير مُنظَّم، بل تشمل أموالاً ضخمة جرى تدويرها لأغراض سياسية، أو تراكمت نتيجة شبكات فساد، أو استُخْدِمَت كوسيلة نفوذ وحماية لمصالح ضيّقة، وبقيت بعيدة عن أيّ رقابة مصرفية أو محاسبة رسمية.

هذه الأموال لعبت دوراً مباشراً في تشويه السوق، وتعميق التضخُّم، وتمويل المضاربات، وإضعاف العملة؛ لأنها كانت تتحرَّك بحُرّية خارج النظام النقدي، وتُستخدَم للتأثير على الأسعار والطلب دون أن تكون مرتبطة بإنتاج فِعْلي أو نشاط اقتصادي مشروع.

قرار استبدال العُملة يُشكِّل أداة حاسمة لتعطيل هذه الأموال وإخراجها من التداول. فالاعتراف القانوني بالنقد الجديد مشروط بمرور الأموال عبر قنوات الاستبدال الرسمية، بما يَفْرض كشف مصدرها وإدخالها ضمن النظام المصرفي. الأموال التي لا تُقدَّم للاستبدال ضمن المُهْلَة المُحدَّدة تَفْقد قدرتها على الاستخدام في السوق، ولا تعود صالحة للتداول أو تسوية الالتزامات، ما يعني عملياً شلّ الكُتَل النقدية التي نشأت في بيئة فساد وفوضى مالية.

بهذا الإجراء، لا يجري المساس بدَخْل ومُدَّخرات المواطن السوري، بل يتم إنهاء حِقبة من التداول النقدي المنفلت، وقطع الطريق على إعادة استخدام الأموال الفاسدة أو المُسيَّسة في التأثير على السوق. النتيجة المتوقعة هي تقليص السيولة المشوّهة، واستعادة جزء من السيطرة على الكتلة النقدية، وحرمان شبكات المصالح القديمة من إحدى أهم أدواتها الاقتصادية.

إلا أن تغيير العملة لا يصنع اقتصاداً جديداً بحدّ ذاته. بل هو أداة تنظيمية تهدف إلى تحسين كفاءة إدارة النقد، وليس بديلاً عن الإصلاحات الإنتاجية والمالية. القيمة الحقيقية لأيّ عُمْلة تُستمَدّ من اقتصاد قادر على الإنتاج، ومن سياسات مالية منضبطة، ومن بيئة مستقرة تسمح بالتخطيط والتنبؤ.

العُملة الجديدة قد تُسْهم في تقليص التشوُّهات في التداول، وتسهيل العمليات المحاسبية، وتحسين قدرة المؤسسات على الرقابة، لكنها تبقى محدودة الأثر ما لم تربط بسياسات مالية واضحة تَضْبط الإنفاق العام، وتَحُدّ من التمويل التضخمي، وتُوجّه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعة والصناعة والخدمات الأساسية.

إدارة السيولة تبقى العامل الحاسم في هذه المرحلة. فالتضخُّم لا يرتبط فقط بمستويات الأسعار، بل بسلوك السوق تجاه النقد، سواء عبر الاكتناز أو التداول غير الرسمي. إعادة دَمْج السيولة ضمن القنوات القانونية تُعزّز قُدْرة المصرف المركزي على التدخُّل، وتَمْنحه أدوات أدقّ لمُراقَبة السوق وضَبْط الاختلالات.

التَّحدّي الأبرز يتمثّل في المرحلة الانتقالية التي تلي إصدار العُمْلة الجديدة، وهي مرحلة تتطلب إدارة دقيقة ومتدرّجة؛ نظراً لاحتمال حدوث ارتباك في التسعير، وظهور ثغرات في التنفيذ، ومحاولات استغلال من بعض الأطراف. أيّ خلل في وضوح التعليمات، أو تأخير في التطبيق، أو تضارب في التصريحات، ينعكس مباشرة على سلوك السوق ومستوى الأسعار.

إلى جانب ذلك، يَفْرض هذا الملف تحدياً مؤسسياً يَتمثَّل في جاهزية الجهاز المصرفي والإداري لتنفيذ عملية الاستبدال بكفاءة وعدالة. نجاح الخطوة يتطلَّب شبكة مصرفية قادرة على استيعاب الكُتَل النقدية المتدفقة، وإجراءات واضحة، وساعات عمل مَرِنَة، وانتشاراً جغرافيّاً يضمن وصول المواطنين في مختلف المناطق دون أعباء إضافية.

حماية القوة الشرائية للمواطن تُشكِّل الاختبار العملي الأهم. فتغيير العُملة، من حيث المبدأ، لا يُبرِّر أيّ زيادة في الأسعار، إلا أنّ التجارب تشير إلى أن بعض الأسواق قد تَستغل التحولات النقدية لفرض زيادات غير مُبرَّرَة. هنا يبرز دور الرقابة الفعَّالة، والتدخُّل السريع، ومنع تحميل المواطن أعباء لا تعكس واقع الكلفة أو العرض.

للعُمْلة بُعْد نَفْسي لا يقلّ أهمية عن بُعْدها الاقتصادي. فهي رمز للاستقرار، ومُؤشّر على اتجاه السياسات العامة. وكلما كانت إجراءات الاستبدال واضحة وسلسة ومعلومة مسبقاً، يتراجَع القلق، وترتفع فُرَص تقبُّل المجتمع للخطوة، وتتقلَّص السلوكيات الاحترازية التي تُعطِّل التداول.

في المُحصِّلة، تُمثِّل العُملة السورية الجديدة في 2026 محاولة لإعادة تنظيم المشهد النقدي، وتحسين أدوات الإدارة المالية، وتخفيف بعض أعباء التعامل اليومي. نجاحها لا يرتبط بتصميمها أو توقيتها فقط، بل بكيفية إدارتها، والسياسات التي تُرافقها، ومدى قُدرتها على حماية معيشة المواطن من أيّ آثار جانبية.

العُمْلة ليست غاية بحدّ ذاتها، بل وسيلة لخدمة الاقتصاد والمجتمع. وبين الفُرَص والتحديات، يبقى التنفيذ المدروس، والشفافية، وربط القرار بالمصلحة العامة، عوامل حاسمة في تحويل هذه الخطوة إلى عنصر استقرار اقتصادي ومعيشي، لا إلى عِبْء إضافي على حياة الناس.

الثورة السورية

——————————–

الشرع: تطابق المصالح الاستراتيجية بين سوريا ومصر «إلى حد كبير»

تعاون اقتصادي مصري – سوري «يذيب» جمود السياسة

القاهرة: «الشرق الأوسط»

11 يناير 2026 م

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال لقائه وفد اتحاد الغرف التجارية المصرية في دمشق، جاهزية بلاده للدخول في مرحلة الاستثمار والبناء.

وفي بداية اللقاء، قال الشرع: «أحب أن أتوجه بالشكر الكبير للشعب المصري على استقباله الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب. وهذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين»، مشيراً إلى أنها من أكثر الأماكن التي شعر فيها السوريون بالراحة كانت مصر، حيث كانوا بين أهلهم. وشدد الشرع على تطابق المصالح الاستراتيجية بين سوريا ومصر إلى حد كبير، ما يستدعي الاعتماد المتبادل في معالجة القضايا الاقتصادية والسياسية والأمنية.

وأوضح أن سوريا تجاوزت مراحل كثيرة، خاصة بعد رفع العقوبات عنها، وهذا الأمر فتح أبواباً عديدة، ومنها الفرص الاستثمارية، مشيراً إلى أن من أولى الجهات التي ينبغي أن تكون حاضرة هي الشركات المصرية للمساهمة في إعادة الإعمار في سوريا. وأشار إلى أن مصر دخلت خلال السنوات العشر الأخيرة، برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، في عملية نمو وتطوير للوضع الاقتصادي، خاصة في قطاعات البنية التحتية والطاقة وغيرها، وهو ما يمكن الاستفادة منه ومواكبته.

وأكد الشرع أن هناك ارتباطاً وثيقا مع السوق العراقية، وهناك حاجة إلى التعامل معها في الصناعات والإنتاج الزراعي، ولفت إلى أن سوريا ومصر والعراق بحاجة إلى السلة الغذائية المشتركة وتطويرها للوصول إلى التكامل، منوهاً بالفائض الزراعي في الخليج ومصر الذي يمكن أن يتحول إلى رأس مال داعم للإنتاج في سوريا.

وكانت العاصمة السورية دمشق استضافت، الأحد، «الملتقى الاقتصادي السوري – المصري» الأول، بمشاركة مسؤولين سوريين وقيادات من قطاع الأعمال في البلدين، في خطوة عدَّها مراقبون قد تساعد في «إذابة الجمود» الذي تشهده العلاقات السياسية بين البلدين.

ويستهدف الملتقى الاقتصادي «تعزيز التعاون التجاري والاستثماري، وإقامة مشاريع مشتركة بين البلدين»، بحسب اتحاد الغرف التجارية السورية الذي أوضح في إفادة، الأحد، أن الملتقى يتيح منصة رسمية لبحث الفرص الاستثمارية، وتطوير الشراكات التجارية بين القاهرة ودمشق.

ويعدّ الملتقى الفعالية الأبرز بين البلدين منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في سوريا، وتولي أحمد الشرع الرئاسة. ويأتي انعقاد الملتقى عقب توقيع الحكومتين المصرية والسورية على مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة الأسبوع الماضي؛ المذكرة الأولى «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا بهدف توليد الكهرباء من خلال استغلال البنية التحتية المصرية، سواء سفن التغييز أو شبكات نقل الغاز»، والثانية «لتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية».

ويتسم مسار التعاون السياسي المصري مع سوريا بالحذر، منذ تولي الشرع الحكم، حيث اقتصرت اللقاءات بين مسؤولي البلدين على مناسبات رسمية دولية، في حين تطالب مصر بضرورة تدشين عملية سياسية شاملة تضم كل مكونات المجتمع السوري.

وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في أكثر من مناسبة، إن موقف بلاده تجاه التطورات في سوريا ثابت، ويستند على ضرورة دعم الدولة السورية واحترام سيادتها ووحدة أراضيها.

نافذة تقارب

ومن شأن تعميق التعاون الاقتصادي أن يسهم في دفع مسار العلاقات المصرية – السورية في المجالات كافة، و«إذابة جمود السياسة»، وفق تقدير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، الذي قال إن «الملتقى يشكل نافذة لدعم التقارب والتفاهم السياسي بين البلدين».

وأضاف الشرقاوي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك فرصاً عديدة لتوسيع التعاون، في مقدمتها مشاركة الخبرات المصرية في عملية إعادة الإعمار. واستطرد قائلاً: «هناك استثمارات مشتركة ينفذها مستثمرون سوريون مقيمون في مصر يمكن التعويل عليها في تعميق التعاون الاقتصادي».

وفي كلمته أمام الملتقى، اعتبر وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار أن التعاون الاقتصادي السوري – المصري «تكامل طبيعي بحكم التشابه بين البلدين في نمط الإنتاج والاستهلاك، وطبيعة الموارد البشرية، والدور المحوري الذي تؤديه الصناعة والزراعة والخدمات في البلدين».

ولا يقتصر التعاون الاقتصادي على تبادل السلع، وفق الشعار، الذي قال في كلمته بالملتقى إن «تعزيز التعاون يقوم على مشروعات مشتركة بما يرفع فرص النجاح والاستدامة».

في نفس الإطار، قال رئيس الوفد المصري ورئيس الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، أحمد الوكيل، إن القاهرة ستقدم لدمشق كل خبراتها وإمكاناتها «لنقل تجربتها في الخطط العاجلة للنهوض بالبنية التحتية من كهرباء وطرق وموانئ وصرف صحي، وإنشاء الجيل الرابع من المدن الجديدة والمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية، وتحديث وإعادة تأهيل المصانع»، مستشهداً بمشاركات الخبرات المصرية في إعادة الإعمار بالعراق وليبيا.

وتسعى مصر وسوريا لـ«إعادة الوحدة الاقتصادية» بين البلدين، عبر دور فاعل من الغرف التجارية ومنتسبيها من القطاع الخاص، وفق الوكيل، الذي أشار إلى أن الهدف «تنمية التجارة البينية والاستثمارات المشتركة، وخلق فرص عمل».

ويرى الوكيل أن «الإرادة السياسية متماشية مع الإرادة الشعبية»، وطالب بتسريع توفير حرية انتقال رجال الأعمال ورؤوس الأموال والسلع والخدمات، ومنح الأفضليات للشركات السورية والمصرية في كلا البلدين.

آفاق تعاون

ووفقاً لعضو شعبة المواد الغذائية بالغرف التجارية المصرية، حازم المنوفي، فإن الملتقى يشكل «فرصة حقيقية لدفع التعاون الاقتصادي بين البلدين»، مشيراً إلى أن الهدف من انعقاده هو تنمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص في البلدين.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الملتقى يساهم في تعميق التعاون التجاري والاستثماري بين القاهرة ودمشق، إلى جانب الاستفادة من الخبرات المصرية في إعادة الإعمار بسوريا، خصوصاً في مجالات الصناعة والبنية التحتية والخدمات.

ويرى المنوفي أن هناك أبعاداً إيجابية للملتقى، من بينها «بناء شراكات تجارية واستراتيجية بين رجال الأعمال المصريين والسوريين، تشمل مجالات الكهرباء والبترول والغاز والزراعة والنقل واللوجستيات»، إلى جانب «فتح آفاق تعاون أوسع مع مؤسسات دولية وأوروبية، من خلال تكامل الجهود عبر اتحاد غرف البحر المتوسط واتحاد الغرف الأفريقية، ما يعزز دور البلدين في الأسواق الإقليمية».

وسيبحث الوفد المصري، الذي يضم 26 من قيادات الغرف المصرية والمال والأعمال، «التعاون في قطاعات الطاقة والنقل واللوجستيات والبنية التحتية والزراعة وإعادة تأهيل المصانع المتعطلة»، إلى جانب «دعم سوريا في إعادة الإعمار، ونقل تجربة مصر في الخطط العاجلة للبنية التحتية، وإنشاء 22 مدينة جديدة من الجيل الرابع، ومدن صناعية ومراكز لوجستية»، بالإضافة إلى «إقامة 8 آلاف من الطرق السريعة والكباري والأنفاق والموانئ»، حسب اتحاد الغرف التجارية المصرية.

وهناك إرادة للانفتاح التجاري والاقتصادي بين القاهرة ودمشق، رغم حالة الجمود السياسي، وفق تقدير عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ المصري، نورهان الشيخ، التي قالت إن «هناك توافقاً لفصل المسار الاقتصادي عن مستوى التعاون السياسي بين الجانبين»، مشيرة إلى أن «المصالح تفرض نفسها على مسار التعاون المصري – السوري».

وأضافت، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك «حذراً في الانفتاح السياسي المصري تجاه سوريا». واستطردت: «هناك قنوات تواصل بين الجانبين، لكن الانفتاح الكامل مرهون باستكمال الخريطة السياسية في سوريا واستقرار الأوضاع الداخلية».

وسبق أن التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالرئيس السوري الشرع على هامش القمة العربية الطارئة بالقاهرة في مارس (آذار) 2025؛ كما التقى وزير الخارجية عبد العاطي بنظيره السوري أسعد الشيباني على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وهناك نحو مليون ونصف مليون سوري يقيمون في مصر، بينهم أكثر من 15 ألف منتسب لاتحاد الغرف المصرية، باستثمارات تقارب مليار دولار، وفق الوكيل الذي دعا إلى «ضرورة تجاوز مرحلة العلاقات الثنائية بالبدء الفوري في العمل المشترك لغزو الأسواق الخارجية واستغلال المميزات النسبية والمواقع المميزة للبلدين للتصدير المشترك لمناطق التجارة الحرة المتاحة».

وعلى هامش الملتقى، استقبل رئيس اتحاد الغرف التجارية السورية، علاء عمر العلي، الوفد المصري المشارك. وأكد أهمية انعقاد الملتقى «لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، وفتح آفاق جديدة للشراكات بين مجتمعي الأعمال في سوريا ومصر»، حسب إفادة من اتحاد الغرف التجارية السورية.

الشرق الأوسط»

————————-

 دمشق والقاهرة توقّعان اتفاقيات بعد انقطاع 15 عاماً

دمشق – هناء غانم

الاثنين 2026/01/12

احتضنت العاصمة السورية دمشق الملتقى الاقتصادي السوري-المصري بأذرع مفتوحة، ليكون حدثًا تاريخيًا يعكس بداية جديدة للتعاون بين البلدين بعد انقطاع دام 15 عامًا.

حضور عدد كبير من رجال الأعمال إلى سوريا يُعتبر بداية جديدة لإعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية بين البلدين وفتح آفاق واسعة من الفرص المشتركة.

جاء الوفد المصري محملاً بآمال كبيرة، حيث عبّر رجال الأعمال المصريون في حديثهم إلى “المدن” عن تفاؤلهم العميق بزيارتهم لسوريا، مؤكدين أن العلاقة بين سوريا ومصر بدأت اليوم فصلًا جديدًا من الشراكة والتعاون. وأشاروا إلى أنهم حضروا إلى دمشق بعد غياب طويل. وأوضح الرئيس السوري أحمد الشرع في لقائه الأول مع الوفد أن “التعاون بين البلدين هو الباب الذي يمكن أن يفتح لنا آفاقًا واسعة من الفرص الاقتصادية”. كانت هذه الكلمات بمثابة الضوء الأخضر لانطلاق قطار التعاون بين البلدين.

افتتاح الملتقى

وفي الفندق الكبير “البوابات السبع”، افتُتح الملتقى، حيث التقت شخصيات اقتصادية من البلدين، ومن بينهم وزير الاقتصاد السوري الدكتور محمد نضال الشعار، الذي شدد على أن سوريا ومصر تتشاركان في نمط الإنتاج والحاجات الاقتصادية، ما يجعل التعاون بينهما خطوة طبيعية جدًا. وقال: “إن هذه الفرصة هي الوقت المناسب لفتح شراكات بيننا، خصوصاً في الصناعات التحويلية، الزراعة، والخدمات اللوجستية”.

من جانبه، أكد رئيس اتحاد غرف التجارة المصرية، أحمد الوكيل في حديثه إلى “المدن”، أن مصر ستقدم كل خبراتها في مجالات إعادة الإعمار، بما في ذلك البنية التحتية مثل الكهرباء، الطرق، والمياه. كانت هذه الكلمات بمثابة وعد كبير من الجار المصري بأن يد مصر ستكون حاضرة للمساهمة في إعادة بناء ما دمرته الحروب.

بدوره، قال رئيس اتحاد غرف التجارة السورية، علاء العلي، لـ”المدن” إن هذا الملتقى يمثل خطوة استراتيجية نحو إعادة بناء العلاقات الاقتصادية بين البلدين، مشيرًا إلى أن مصر كانت ولا تزال شريكًا أساسيًا لسوريا في مراحل البناء والتطوير. وبينما كانت دمشق تعيد ترتيب أوراقها الاقتصادية، جاء السفير المصري في سوريا، أحمد الخضر، ليؤكد أن “اليوم نعود إلى دمشق بعد غياب طويل، ونتمنى أن نتمكن من فتح آفاق التعاون على المستوى التجاري والاستثماري، كما أننا مستعدون لتقديم خبراتنا في مختلف المجالات لخدمة التنمية في سوريا”. كانت كلمات السفير المصري تجسد الروح الطموحة التي حملها الوفد، والمستقبل الذي يسعى الجميع لبنائه سويًا.

ثم تحدّث المدير العام لهيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي، أمام الحضور، عن قانون الاستثمار الجديد الذي سيغير وجه الاستثمار في سوريا. وكان الحديث عن المرسوم رقم 114 لعام 2025 بمثابة فرصة ذهبية للمستثمرين المصريين. تحدث الهلالي عن حوافز ضخمة، مثل حق التملك بنسبة 100% للمستثمرين الأجانب والإعفاءات الضريبية في الصناعات الأساسية مثل الزراعة والصحة. وأضاف: “نحن هنا لبناء المستقبل، ودعوة المستثمرين العرب،خصوصاً المصريين، للانضمام إلى رحلة سوريا نحو التنمية والازدهار”.

التوجه نحو سوريا

وفي أثناء تنظيم غرفة تجارة دمشق لورشات العمل والجلسات الحوارية، أشار رئيس غرفة تجارة دمشق، عصام غريواتي، في حديثه إلى “المدن” إلى أن سوريا بحاجة إلى استثمارات ضخمة، تحديداً في إعادة الإعمار، مثل بناء المدارس والفنادق، وغيرها من القطاعات التي دمرتها سنوات الحرب. كان حديثه بمثابة دعوة موجهة للمستثمرين المصريين للتوجه نحو سوريا والمساهمة في إعادة البناء.

وفي أجواء من التعاون والتفاهم، مستشار رئيس اتحاد غرف التجارة المصرية الدكتور علاء عز تحدّث عن ضرورة إعادة تشغيل المصانع السورية وتطوير البنية التحتية الاقتصادية، واصفًا هذه الفرص بأنها “طريق إلى المستقبل للبلدين”.

وخلال الجلسات الحوارية، تحدث وزير النقل المهندس يعرب بدر عن أهمية قطاع النقل في تعزيز الاقتصاد، مشيرًا إلى أن “النقل هو حلقة وصل حيوية بين جميع الأنشطة الاقتصادية”. ولفت إلى أن هناك فرصًا كبيرة في قطاع النقل، خصوصًا في مشاريع مثل نقل الفوسفات والحاويات إلى حلب، التي تحقق جدوى اقتصادية لرجال الأعمال.

أما وزير المالية السوري محمد يسر برنية، فتحدث عن التشابه الكبير بين المنتجات السورية والمصرية، مشيرًا إلى أن الشركات المصرية ستجد فرصًا واسعة في السوق السورية. كما تحدث عن الإجراءات المتخذة لضمان استقرار الليرة السورية، مؤكدًا أن العمل جارٍ لتثبيت قيمتها وتحسين التصدير والصادرات. وأضاف أن النظام الضريبي الجديد في سوريا سيكون بسيطًا وواضحًا، ويدعم الصناعيين والتجار والمستثمرين، وهو رسالة طمأنينة لكل من يرغب في الاستثمار، بما يعزز بيئة الأعمال.

ومع نهاية الملتقى، تم توقيع مذكرتي تفاهم بين اتحادي غرف التجارة السورية والمصرية، لتأسيس شراكات استراتيجية بين البلدين. هذه الاتفاقيات، التي حملت في طياتها آمالًا كبيرة، تعكس رؤية واضحة نحو تعزيز الروابط التجارية والاستثمارية بين البلدين، وتعتبر خطوة عملية مهمة نحو تحقيق تطلعات الشعبين في بناء مستقبل مشترك قائم على الشراكة الفاعلة والمستدامة

————————

ارتفاع طفيف في سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار

زاد سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار -اليوم الاثنين- في تعاملات السوق السوداء في المدن السورية، في حين تراجعت الليرة في مدينة الحسكة الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تطالبها حكومة دمشق  بالاندماج في الجيش السوري.

سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار في السوق السوداء

    تراجع سعر صرف الليرة السورية في الحسكة إلى 12 ألفا و500 ليرة عند الشراء من 12 ألفا و400 ليرة مسجلة مساء أمس، كما انخفض عند البيع إلى 12 ألفا و300 ليرة من 12 ألفا و200 ليرة أمس.

    في بقية المدن السورية ارتفع سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار بواقع 30 ليرة إلى مستويات 12 ألفا و100 ليرة عند الشراء و12 ألفا و180 ليرة عند البيع.

سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار في البنوك

    ثبّت مصرف سوريا المركزي سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار في تعاملات البنوك عند 11 ألف ليرة عند الشراء و11 ألفا و110 ليرات عند البيع، في الوقت الذي يواصل فيه استبدال الليرة الجديدة محل الليرة القديمة حاذفا بذلك صفرين من العملة القديمة.

    عند حساب سعر الصرف بالعملة الجديدة، وفق نشرة مصرف سوريا المركزي اليومية، يبلغ سعر صرف الليرة السورية الجديدة مقابل الدولار 110 ليرات عند الشراء و111 ليرة عند البيع.

وتواصل المؤسسات المصرفية استبدال الليرة السورية الجديدة بالقديمة، وأكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية أن جميع المصارف بما فيها المركزي تواصل طيلة أيام الأسبوع العمل على هذا الأمر، وذلك خلال مهلة 90 يوماً المخصصة للاستبدال بموجب التعليمات التنفيذية الصادرة في هذا الصدد.

أسعار الذهب في سوريا

ارتفعت أسعار الذهب في سوريا متأثرة بقفزات في الأسعار العالمية اليوم، وصارت على النحو التالي:

    غرام عيار 24: بلغ 1.78 مليون ليرة عند الشراء و1.8 مليون ليرة عند البيع.

    غرام عيار 21:  بلغ 1.56 مليون ليرة عند الشراء و1.58 مليون ليرة عند البيع.

    غرام عيار 18: بلغ 1.34 مليون ليرة عند الشراء و1.35 مليون ليرة عند البيع.

تراخيص بيع الذهب

بهدف ضبط سوق الذهب، أصدر وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار قرارين يقضيان بتفويض الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة بسحب تراخيص المحلات التي تشتري الذهب المسروق، وإحداث ضابطة خاصة بالصاغة تتبع لها.

إعلان

المصدر: الجزيرة + الصحافة السورية

————————–

 فرنسا تعتزم إعادة أصول رفعت الأسد إلى الحكومة السورية

2026.01.12

كشف رئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، مازن درويش، عن استعداد الحكومة الفرنسية لتحويل 32 مليون يورو، من أصول رفعت الأسد -عمّ الرئيس المخلوع بشار الأسد- إلى الحكومة السورية.

وبين دوريش في تصريحات لنشرة “سوريا بالأرقام

” الشهرية الذي تصدر عن مركز كرم شعار للاستشارات، أن الحكومة الفرنسية تستعد لتحويل 32 مليون يورو من أصول رفعت الأسد إلى الحكومة السورية، وستحوّل باقي الأصول تدريجياً، إذ يعمل المركز على توسيع المصادرات لما بعد الـ 80 مليون يورو، بما يشمل عقارات جديدة في فرنسا.

وأوضح أن الحكومة السورية والفرنسية وقّعت بروتوكولات، ومن المتوقع أن تحدد الحكومة السورية مجالات الإنفاق قبل تحويل الأموال.

وأشار “درويش” إلى أن هناك جهود قانونية مكثفة لمتابعة أصول رفعت الأسد في إسبانيا، موضحاً أن “أحد دروس السنوات الماضية هو أنه لا مسار مغلق أمام الضحايا المصممين على نيل حقوقهم، ففي عام 2023 حين صدرت مذكرة توقيف بحق بشار الأسد وهو ما يزال رئيساً، كان ذلك حدثاً غير مسبوق، واعتقد كثيرون أنه مستحيل، لكن الإصرار أثبت العكس”.

ويأمل درويش أن “تستخدم هذه الأموال في مسارات العدالة، والبحث عن المفقودين، وتعويض الضحايا”، لافتاً إلى أنه في الأيام المقبلة ستم رفع دعوى في الدنمارك مع شركاء سوريين ضد شركة دنماركية زوّدت الطائرات الروسية بالوقود بين 2015 و2017، وسيتم المطالبة بتعويض الضحايا والدولة السورية.

بدوره، أوضح القانوني المتخصص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، في منشور له على “فيس بوك

“، أن قضية الأموال المصادَرة من رفعت الأسد تعود إلى إدانته في فرنسا بجرائم غسل الأموال والاختلاس والاحتيال الضريبي، بعد أن ثبت للقضاء الفرنسي قيامه بشراء أصول وعقارات داخل فرنسا باستخدام أموال عامة سورية مختلسة.

وصدر الحكم الابتدائي عن محكمة باريس بتاريخ 17 حزيران 2020، وقضى بمصادرة تلك الأصول، ثم جرى تأكيد الحكم من قبل محكمة الاستئناف في 9 أيلول2021، قبل أن يصبح نهائياَ بعد أن أيدته محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 7 أيلول 2022، وفق الكيلاني.

وتابع الكيلاني: “بموجب هذا الحكم، آلت الأموال المصادرة إلى الدولة الفرنسية وفق القانون، و تعتزم الحكومة الفرنسية عن نية مستقبلية لإعادة هذه الأموال إلى الحكومة السورية.

 استرداد الأصول غير المشروعة أساس لبناء اقتصاد

في شهر تشرين الأول الماضي، أكد رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في سوريا، عامر العلي، أن استرداد الأصول غير المشروعة يشكّل أساساً لبناء اقتصاد مستقر وعادل، وخطوة مهمة نحو تجديد الثقة بين الدول والشعوب، وذلك خلال كلمته في اجتماع الشبكة الإقليمية لاسترداد الأصول (مينا-أرين) المنعقد في المملكة العربية السعودية.

ونقلت وكالة “سانا” عن العلي، أنّ سوريا واجهت تحديات كبيرة خلال السنوات الماضية، من أبرزها الفساد المستشري والمقونن في مؤسسات النظام المخلوع، الأمر الذي أثّر سلباً على مؤسسات الدولة وموارد الشعب، مؤكداً أن البلاد قطعت شوطاً في تطوير الأطر القانونية والتشريعية الهادفة إلى تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد.

وأشار إلى أن سوريا ملتزمة بالشفافية والمساءلة، وتعمل على تفعيل دور الجهات الرقابية لضمان نزاهة وعدالة كل الخطوات المتخذة، موضحاً أن التعاون مع الدول الأعضاء في شبكة “مينا – أرين” يهدف إلى توسيع تبادل المعلومات وتعزيز الاستراتيجيات لاسترداد الأصول غير المشروعة.

وختم العلي كلمته بالتأكيد على أن استرداد الأصول لا يقتصر على البعد المالي، بل يُعدّ جزءاً من عملية بناء مستقبل اقتصادي مستدام وتشاركي يضمن العيش الكريم في بيئة يسودها القانون، مجدداً التزام سوريا بالتعاون الدولي والعمل مع الدول الأعضاء لاستعادة الأموال المنهوبة.

——————————

من الشيخ مقصود إلى أربيل: عندما يصبح اقتصاد إقليم رهينة قرار انفعالي/ عبد الله رحال

يناير 12, 2026

ما حدث في أربيل بإلغاء معرض المنتجات السورية لا يمكن اعتباره إجراءً إدارياً عابراً أو تفصيلاً ظرفياً. ما جرى هو تكريس خطير لفكرة أن الاقتصاد في إقليم كردستان العراق قابل للإيقاف أو التعطيل في أي لحظة بقرار انفعالي، دون ضمانات، ودون قراءة للأثر، ودون اعتبار حقيقي لاستقرار السوق والقطاع الخاص.

الربط بين حدث أمني في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، وبين معرض تجاري صناعي كان من المفترض أن يُقام في أربيل، لا يقوم على منطق اقتصادي سليم. الاشتباكات لم تتوقف، المدنيون لم تتحسن أوضاعهم، ولم يتحقق أي أثر عملي. ما تحقق فعلياً هو نقل عبء الأزمة من ساحة لا يملك اقتصاد الإقليم التحكم بها، إلى السوق المحلية التي كان يفترض أن تكون محمية لا مستهدفة.

المعرض التجاري ليس بياناً سياسياً، والمنتج الصناعي ليس أداة ضغط، والتاجر ليس طرفاً في نزاع مسلح. ومع ذلك، جرى التعامل مع النشاط الاقتصادي وكأنه ورقة رمزية تُستخدم لإظهار موقف، بينما دُفعت الكلفة الحقيقية من السوق، ومن المستثمر، ومن المستهلك داخل الإقليم.

وهنا تظهر المشكلة الأعمق: مشكلة التقويم الاقتصادي. حين تكون الحكومة مرتبكة في تقويمها الاقتصادي، لا تعود الفعاليات التزاماً، ولا تصبح الخطط ضمانة، بل تتحول كل شراكة إلى حالة مؤقتة قابلة للإلغاء في أي لحظة. الاقتصاد الذي يمكن تعطيله بقرار انفعالي ليس اقتصاداً مستقراً، بل اقتصاد هشّ بلا ذاكرة وبلا أفق. إلغاء المعرض لم يكن مجرد قرار إداري، بل كان كسراً للتقويم الاقتصادي نفسه، وكسر التقويم يعني كسر الثقة.

المقارنة الضرورية: إدارة الاقتصاد بمنطق مهني مقابل إدارة الاقتصاد بردّ الفعل. المقارنة هنا ليست سياسية، بل اقتصادية إدارية بحتة. لو كان هذا المعرض سيُقام داخل سوريا، وبمشاركة شركات أو مستثمرين من إقليم كردستان العراق، لكان التعامل معه ضمن نهج منفتح ومهني يحفظ حقوق المستثمرين ويعزل النشاط التجاري عن التوترات الأمنية والسياسية. هذا النهج لا يقوم على العاطفة، بل على فكرة أساسية: احترام التقويم الاقتصادي كشرط لأي استثمار طويل الأمد.

المفارقة أن حكومة تعمل في ظروف أعقد اقتصادياً تحافظ على هذا الفصل، بينما تُدار فعالية تجارية في إقليم يتمتع باستقرار نسبي بمنطق ردّ الفعل والضغط اللحظي. هذه ليست مقارنة قيم، بل مقارنة في إدارة الاقتصاد.

إلغاء المعرض لم يضرب فعالية واحدة فقط، بل ضرب مبدأ الاستقرار نفسه. الرسالة التي وصلت إلى السوق واضحة: أي نشاط اقتصادي يمكن أن يكون التالي. هذه رسالة يجب أن تقلق كل رجل أعمال في الإقليم، لأن الاستثمار في بيئة قابلة للتجميد بقرار مفاجئ ليس استثماراً آمناً، بل مخاطرة مفتوحة.

وهنا تبرز مسؤولية القطاع الخاص في إقليم كردستان العراق. رجال الأعمال معنيون اليوم بمخاطبة حكومتهم بوضوح وصراحة: هذا النوع من القرارات غير مسؤول اقتصادياً، يضر بثقة السوق، ويخلق سوابق خطيرة. الصمت هنا لا يُفهم حكمة، بل يُقرأ قبولاً.إذا لم يُواجَه هذا المسار الآن، فسيتكرر. اليوم معرض، غداً شركة، بعده قطاع كامل. هذا ليس سيناريو افتراضياً، بل مسار بدأ بالفعل.

السوق في أربيل ودهوك والسليمانية مليء بالمنتجات التركية، ولم تُلغَ معارضها رغم كل التوترات المعروفة. السبب ليس أخلاقياً، بل اقتصادياً: لأن هناك مصالح منظمة تضغط وتحمي تقويمها الاقتصادي. وهذا بالضبط ما يحتاجه القطاع الخاص في الإقليم اليوم، الدفاع عن التقويم الاقتصادي قبل الدفاع عن أي منتج بعينه.

المنتجات السورية تشكّل عنصر توازن سعري، وكابح احتكار، وخياراً واقعياً للمستهلك. إقصاؤها لا يخدم قضية، بل يضعف المنافسة ويرفع الأسعار. وهذه حقيقة يعرفها كل تاجر في الإقليم، حتى لو لم تُقل علناً.

الاقتصاد لا يُدار بالعاطفة، ولا يُحمى بالشعارات. وإذا لم يتحرك رجال الأعمال في إقليم كردستان العراق اليوم للدفاع عن قواعد السوق واحترام التقويم الاقتصادي، فإنهم غداً سيدافعون عن مصالحهم كلٌّ على حدة، بعد أن يصبح القرار الانفعالي هو القاعدة لا الاستثناء.

————————

=====================

تحديث 11 كانون الثاني 2025

————————-

الأمان الاقتصادي بوابة للوطنية/ سلوى زكزك

11 يناير 2026

يختبر السوريون والسوريات، بشكل شبه يومي، مخاضهم الاقتصادي الجديد على وقع تراجع كبير في ميزان الأمان الاقتصادي المنشود.

بعد عام على سقوط نظام الأسد يتبادل السوريون معاً خيباتهم الاقتصادية والمعيشية التي ظنّوا أنها ولّت هاربة مع رأس النظام الفار. لكن الواقع الفعلي يفصح عن خيبة واسعة من جرّاء، ليس عدم تحسّن الواقع الاقتصادي فحسب، بل تراجعه إلى أرقام غير مسبوقة أيضاً، ولشموله أعداداً مُتزايدة ممّن ظنّوا أنفسهم بأمانٍ ووفرة مقبولة.

تفصح المقابلات مع السوريين والسوريات في الشارع وهم يتوجهون إلى أعمالهم التي لم تعد مُجدية اقتصادياً، ولا مُنصفة اجتماعياً، وغير كافية لسدّ الاحتياجات اليومية، عن خيباتٍ تتعاظم، ويصل بعضها إلى حدود الانهيار التام. كذلك ترسم الجرأة المدفوعة بالقهر وبالعجز ملامح اعتراضات عميقة، صوتها عال وصاخب، لكنّه متوافق مع حالة شبه عامة، إلى درجة أنّ أحدهم صرخ في إحدى المقابلات معه قائلًا: “قولوا للمحافظ (ويقصد محافظ دمشق الذي أصدر أمراً بإزالة بسطات الخضار والفواكه) إن ثورة تونس أشعلها صاحب بسطة”.  وتضامن بائع آخر قائلاً: “يلعن أبي إذا ما بحرق حالي بالبنزين”. واستطرد ثالث بعد أن أوضح بالصوت والصورة حجم الأمراض التي يعاني منها وفداحتها، وبخاصة في ظهره وكتفيه، من جرّاء الأحمال الثقيلة واضطراره إلى نقل البسطة مرّات مُتعدّدة للهروب من شرطة المحافظة الساعية لمصادرة بضاعته، قائلاً: “لا حدا يفكر يقرب ع رزقي ورزق ولادي”!

في مكان آخر، بالإضافة إلى شاشات التواصل الاجتماعي والتلفزة، يشتكي السوريون من رفع سعر الكهرباء الذي بلغ ستمائة ضعف بذريعة تحسين جودة الكهرباء. ويمكن تلخيص مدى مرارة الأمر على جيوب السوريين وحياتهم اليومية بالنكتة التي تنتمي إلى الكوميديا السوداء حين قالوا: كنا بس تجي الكهرباء نركض لوصل كلّ الأجهزة الكهربائية، أما اليوم فنركض لفصل الأجهزة الكهربائية كافة عن التيار.

تقول السيدة (ن): ذهبت من أجل خياطة حذائي المنزلي. تفاجأت بارتفاع هائل في أجرة خياطته، التي تساوي ثلث ثمن حذاء بيتي جديد. ومن شدّة تعاطف مصلّح الأحذية معي أهداني مجاناً خيطاً خاصاً بخياطة الأحذية، وقال لي: “اذهبي إلى البيت، ضعي كشتباناً كبيراً في يدك واستعملي إبرة غليظة وكبيرة وأخيطي الحذاء بنفسك”. تابعت السيدة وكأنها تواسي نفسها: “صحيح أنه انثقبت أصابعي من الإبرة الغليظة وسماكة الخيط وقساوة النعل، لكنه في الأخير حذاء بيتي، ولا يمكنني هدر كلّ هذا المبلغ عليه”.

بات التحدّث عن الوضع الاقتصادي معادلاً طبيعياً لعبارة: بدنا نهج! ما عاد يعاش بالبلد! بلد تحوّل إلى أرقام مليونية فلكية على الشاشات، في مقابل مساحة واسعة وتتسع يومياً لعروض غزيرة وممتدّة لحجم الاحتياجات الأساسية، التي تُوجَّه نداءات مُتكرّرة عبرها إلى فاعلي الخير أو الجمعيات أو السوريين في بلاد الهجرة والاغتراب بلغة عاطفية مؤثّرة، وبإلحاح يحذّر من مخاطر التأخّر بالمساعدة، خصوصاً لأصحاب الحالات الطبية الحرجة.

يبدي الكثيرون علانيةً غضبهم من أنفسهم لاتخاذ قرار البقاء في البلد، ويحلمون بالرحيل عنه بسرعة، كذلك يؤكّد آخرون أنّ امتلاء المتاجر والمحال والدكاكين، وحتى البسطات بالمواد المُعدّة للبيع موجع جداً، لأنه يكشف بوضوح ضعف القوة الشرائية، حتى إنّ أحد باعة الخضار في سوق شعبي في دمشق، قال بأسىً بالغ: حتى كيس البقدونس الذي يحتوي على خمسة وعشرين ربطة من البقدونس قد يمرّ اليوم ولا أتمكن من بيعه، والخضار الذابلة تخسر نصف ثمنها في اليوم التالي.

إنّ ارتباط الوضع الاقتصادي بالوطنية رابطة متينة ومهمّة جدّاً للشعور والتماهي مع الوطن بكونه قاعدة للوجود، لكن السياسات الاقتصادية والنقدية المفروضة وتراجع القدرة الشرائية بسبب غياب السيولة وفقدان عشرات الآلاف لأعمالهم وإغلاق الكثير من الفعاليات الإنتاجية… تهدّد فعلياً بفصل العرى الوطنية بين السوريين والسوريات وسورية.

العربي الجديد

————————–

بعد إزالة التهديدات.. هل تستعيد الصناعة في حلب نهضتها؟/ حمزة العبد الله

يناير 11, 2026

مع استكمال سيطرة الجيش العربي السوري على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد والمناطق المحيطة التي تضم معامل الليرمون والشقيف الصناعية، عقب معارك مع تنظيم “قسد”، تقف مدينة حلب اليوم أمام فرصة حقيقية لاستعادة دورها التاريخي كعاصمة اقتصادية لسوريا.

فإزالة المخاطر عن أحيائها ومناطقها الصناعية أعادت فتح الباب أمام عودة الاستثمارات، وتشغيل المعامل المتوقفة، وتحريك عجلة الإنتاج، وسط مؤشرات رسمية واقتصادية على انطلاق مسار تعافٍ قد ينعكس إيجابياً على المدينة ومحيطها، وصولاً إلى الاقتصاد الوطني ككل.

وأكد وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، أن محافظة حلب، بما تمثله من ثقل اقتصادي وصناعي، ستبقى الشريان الاقتصادي لسوريا وركيزة أساسية في مسيرة التعافي وإعادة الإعمار.

وأشار الشعار إلى التزام الوزارة بدعم عودة الحياة الطبيعية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والمجتمعي في المدينة، مشيراً إلى مواصلة الجهود لحماية المنشآت الصناعية وضمان استمرارية عملها، بالتنسيق الكامل مع الجهات المعنية، لتأمين بيئة آمنة ومستقرة للمصانع والعاملين فيها، وحمايتها من أي تهديدات قد تؤثر في العملية الإنتاجية.

كما أشار الشعار إلى سعي الوزارة لإعادة تنشيط منطقة الليرمون الصناعية، لما لها من أهمية اقتصادية كبيرة في دعم الصناعات المحلية وتعزيز قدرة مدينة حلب على استقطاب الاستثمارات، بما يسهم في رفع الطاقات الإنتاجية وإعادة إعمار القطاع الصناعي.

وشدد وزير الاقتصاد والصناعة على أن هذه الإجراءات تندرج ضمن رؤية متكاملة تهدف إلى تحسين الواقع المعيشي للمواطنين، وإعادة ترسيخ دور مدينة حلب كمحرك أساسي للاقتصاد الوطني ورافعة للتنمية في سوريا.

إزالة المخاطر

يرى نقيب الاقتصاديين السوريين محمد البكور، أن سيطرة تنظيم “قسد” على أحياء في مدينة حلب كانت عاملاً يهدد المدينة الصناعية في الشيخ نجار، إضافة إلى سيطرته على معامل الليرمون والشقيف، لكن إزالة هذه المخاطر من شأنها أن تسهم في بدء مسار النهوض والتعافي الصناعي والتجاري في محافظة حلب ومناطق شمال وشمال غربي البلاد.

وقال البكور لصحيفة “الثورة السورية” إن سيطرة تنظيم “قسد” على تلك الأحياء كانت من أبرز أسباب تأخر النهوض الاقتصادي والصناعي والتجاري، وتوقف الإنتاج المحلي وإعادة الإعمار في المحافظة، مرجحاً بعد عودة المنطقة إلى كنف الدولة أن تشهد المحافظة نهضة متكاملة الأركان سيمتد صداها ليشمل كامل الجغرافيا السورية.

وأضاف أن الاستقرار الأمني في المدينة وأريافها سيشجع شركات الاستثمار والمستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال على الاستثمار في المنشآت الصناعية والحرفية، ما سيوفر آلاف فرص العمل ويُسرّع عجلة الاقتصاد المحلي.

ومن شأن تحرير حلب أن يفتح طريق حلب- اعزاز الذي يعتبر شريان المدينة من الجهة الشمالية، والذي كان تنظيم “قسد” يقطعه دائماً.

وتُعد محافظة حلب محركاً أساسياً لبناء اقتصاد وطني قوي ومنافس، إذ كانت تسهم بنسبة 25 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي و50 بالمئة من الصادرات الوطنية.

وتتميز المحافظة بمقومات عديدة جعلت منها العاصمة الاقتصادية، لا سيما موقعها الجغرافي والاستراتيجي القريب من تركيا، وهو ما جعلها بوابة للتجارة الدولية والإقليمية بين الغرب والشرق، إضافة إلى تنوع الصناعات من الخفيفة إلى الثقيلة.

اقرأ أيضاً: حلب رافعة التعافي الاقتصادي والتنمية

مسار التعافي الصناعي

يربط الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل، مسار التعافي الصناعي في محافظة حلب بإعادة تأهيل وتشغيل المناطق الصناعية الحيوية في الليرمون والشقيف، التي كانت تحت تهديد تنظيم “قسد”، لأن ذلك سيعيد جزءاً من سلاسل التوريد المحلية ويخلق فرص عمل جديدة، ما ينعكس على دخل الفرد وبالتالي زيادة قدرته الشرائية.

وأوضح المغربل لصحيفة “الثورة السورية” أن حركة التجارة الداخلية قد تشهد تحسنًا واضحًا في المدى المنظور جراء تراجع حدة المخاطر الأمنية.

من جانبه، توقع عضو نقابة الاقتصاديين السوريين والباحث الاقتصادي حسام أبو عمر، انتعاش حركة الأسواق المحلية بين المدينة والأرياف، إضافة إلى عودة الصناعيين من أبناء المحافظة إلى تأهيل وتشغيل منشآتهم بعد إزالة التهديدات.

وقال أبو عمر لصحيفة “الثورة السورية”، إن الإقبال الخجول للمستثمرين المحليين أو الأجانب بعد التحرير كان محدودًا في محافظة حلب بسبب سيطرة تنظيم “قسد” على تلك الأحياء، “لأن رأس المال جبان”، مشيراً إلى أن الإقبال سيزداد مع شعور المستثمرين بالأمان والاستقرار.

الاستقرار ضرورة

يرى الباحث الاقتصادي فراس شعبو، أن تحرير كامل مدينة حلب من شأنه أن يعيد تشغيل واحدة من أهم العقد الصناعية السورية، لما تمتلكه المدينة من مقومات ومزايا تجعلها عصب الاقتصاد الوطني.

وقال شعبو لصحيفة “الثورة السورية”، إن من الآثار الإيجابية للسيطرة على المدينة توحيد السوق الحلبية، وعودة التدفق الطبيعي للخدمات من المدينة إلى الريف وبالعكس، وانخفاض تكلفة النقل والمخاطر، وتخفيض تكاليف الإنتاج، ودعم المنتجات الوطنية.

وشدد على أن بدء النهوض الصناعي والتجاري في المدينة ضروري لبناء اقتصاد وطني قوي، لا سيما أن المحافظة كانت على مرّ التاريخ مركز التصنيع والتصدير الأول للدولة، مشيراً إلى أن الاستقرار ضروري لإعادة تدوير رأس المال الصناعي الوطني وتطوير الصناعات المحلية.

بعد انقضاء الأيام الأولى من التعامل بالليرة السورية الجديدة، شهدت أسواق دمشق استجابة متفاوتة من المواطنين والتجار على حد سواء، ورغم حداثة التجربة، بدا الإقبال على استبدال العملة كبيراً، فيما شهدت بعض المحال التجارية، إعلان الأسعار بالعملتين الجديدة والقديمة.

وخلال جولة ميدانية لصحيفة الثورة السورية على عدد من المحال في دمشق، لوحظ أن معظم الأسعار لم تتغير بعد، وما زالت معلنة بالليرة القديمة، في مخالفة لتعليمات وزارة الاقتصاد والصناعة، وكذلك مصرف سوريا المركزي.

وفي هذا السياق، قال “أبو جهاد” من مؤسسة لأنظمة الطاقة: إن الأمر “أبسط” من إعلان السعر بالعملتين، قائلاً: “الزبون الذي يريد الشراء بالعملة الجديدة نحذف له صفرين من السعر القديم، وتجري العملية بسلاسة”، مضيفاً: إن “من يصعب عليهم التعامل قد يكونون من كبار السن، ويمكن التعامل معهم بطريقة مناسبة”.

وكانت وزارة الاقتصاد والصناعة، أعلنت اعتماد سلسلة من الإجراءات لدعم عملية استبدال العملة وضمان استقرار السوق خلال فترة التعايش بين العملتين القديمة والجديدة، وتشمل هذه الإجراءات إلزام جميع الفعاليات التجارية بالإعلان عن الأسعار بالعملتين بشكل واضح ومقروء، بما يضمن شفافية المعاملات التجارية أمام المستهلكين.

إقبال على الاستبدال

وفي مكتب للصرافة والحوالات المالية، أفاد محمد سمير السمرة، بأن الإقبال على استبدال العملة كان لافتاً خلال اليومين الأولين، وأن العملية جرت بسلاسة رغم الضغط الكبير من المواطنين، مشيراً إلى استمرار العملية وفق تعليمات المصرف المركزي، وأضاف: إن الحصول على كميات إضافية من الأموال الجديدة بعد نفاد الكميات المتوفرة يحتاج إلى وقت.

ونفى حاكم مصرف سوريا المركزي، الدكتور عبد القادر الحصرية، صحة الأحاديث المتداولة حول نفاد العملة الجديدة، مؤكداً أن عملية الاستبدال تسير وفق المخطط ولا داعي للقلق.

مستقبل عدادات النقود

تسهم العملة السورية الجديدة في تسهيل التداول اليومي، وجعل العمليات المالية أكثر وضوحاً وسلاسة، ما يقلل من الحاجة لاستخدام كميات كبيرة من النقود.

وعن مستقبل عدادات النقود، قال صاحب محل للأدوات التقنية في الحلبوني بدمشق، إن الحاجة لهذه العدادات ستبقى موجودة، وربما يتراجع الطلب قليلاً، لأن انتشارها كان مرتبطاً بكميات كبيرة من الأوراق النقدية، ورأى أن الطلب على العدادات لن يختفي تماماً، حتى مع التعامل بالعملة الجديدة.

الثورة السورية

————————–

هل ينهي اتفاق الغاز بين القاهرة ودمشق أزمة الطاقة السورية؟

وقّعت مصر، يوم الاثنين 5 يناير/كانون الثاني 2026، مذكرتي تفاهم مع سوريا لتعزيز التعاون في قطاع الطاقة، تهدف المذكرة الأولى إلى توريد الغاز الطبيعي إلى سوريا عبر البنية التحتية المصرية لتوليد الكهرباء، في حين تركز المذكرة الثانية على تلبية احتياجات دمشق من المنتجات البترولية.

جاء ذلك خلال لقاء جمع وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي، بوفد سوري رفيع المستوى برئاسة غياث دياب نائب وزير الطاقة السوري لشؤون النفط.

وأكد الطرفان استعداد مصر لتقديم خبراتها الفنية لدعم قطاع الطاقة في سوريا، إلى جانب مناقشة فرص تأهيل البنية التحتية السورية الخاصة بالغاز والبترول، بما يساهم في تحسين كفاءة الإمدادات وتعزيز استقرار المنظومة الطاقية.

أزمة مزمنة

يؤكد مصدر اقتصادي مطّلع يعمل مع وزارة الاقتصاد السورية، في تصريحات خاصة للجزيرة نت، أن الاتفاق يمثل خطوة إيجابية نحو تخفيف أزمة الطاقة في سوريا، لكنه لا يشكّل “بوابة” كاملة لإنهائها بصورة جذرية.

ويشير المصدر إلى أن الأزمة السورية مزمنة ومتعددة الأبعاد، وتعود أسبابها إلى تدمير واسع في البنية التحتية خلال سنوات الحرب، وتراجع حاد في الإنتاج المحلي، إلى جانب تأثير العقوبات الدولية.

ويرى أن الاتفاق يُعد خطوة أولية قد تُحسّن الوضع على المدى القصير، لكنه يظل بحاجة إلى إصلاحات داخلية واستثمارات طويلة الأجل لتحقيق أثر مستدام.

ووفقًا للمصدر، يبلغ إنتاج الغاز في سوريا حاليًا نحو 7 ملايين متر مكعب يوميًا، أي ما يعادل قرابة 3 مليارات متر مكعب سنويًا، وهو انخفاض حاد مقارنة بمستويات ما قبل 2011 التي كانت تصل إلى نحو 30 مليون متر مكعب يوميًا.

وتُقدَّر الاحتياطيات المؤكدة البرية بنحو 250 مليار متر مكعب، إضافة إلى احتياطيات بحرية محتملة تُقدَّر بنحو 1200 مليار متر مكعب، إلا أن استغلال هذه الموارد ما زال محدودًا بفعل النزاعات والعقوبات.

إعلان

وبحسب خبراء اقتصاديين، فإن الطلب على الغاز المستخدم في توليد الكهرباء يصل إلى نحو 30 مليون متر مكعب يوميًا، ما يخلق فجوة تتجاوز 20 مليون متر مكعب.

ويعتمد توليد الكهرباء في سوريا بدرجة كبيرة على الغاز، الذي يمثل نحو 58% من الغاز غير المصاحب المستخدم في محطات التوليد، الأمر الذي يفسّر الانقطاعات المستمرة في التيار الكهربائي.

ومع عودة اللاجئين وزيادة النشاط الاقتصادي، يُتوقّع أن يرتفع الطلب إلى ما بين 40 و50 مليون متر مكعب يوميًا بحلول 2030، وهو ما يتطلب رفع الإنتاج المحلي إلى نحو 15 مليون متر مكعب يوميًا بحلول نهاية 2026، إلى جانب الاعتماد على الاستيراد.

خط الغاز العربي.. المسار الفني الأكثر جاهزية

يشير المصدر الاقتصادي إلى أن الاتفاق يعتمد أساسًا على البنية التحتية المصرية لتوريد الغاز، في ظل غياب إعلان رسمي عن كميات محددة أو جدول زمني واضح، إذ لا يزال في إطار تفاهمات غير ملزمة قانونيًا بشكل كامل.

وقد يبدأ التنفيذ خلال أشهر في حال جرى تأهيل الخطوط داخل الأراضي السورية، غير أن العقبات تشمل إعادة بناء المنشآت المتضررة في محافظتي الحسكة ودير الزور، إضافة إلى تحديات التمويل.

ويأتي هذا الاتفاق في سياق سعي مصر إلى تعزيز التعاون الإقليمي في مجال الطاقة، في وقت تعاني فيه سوريا من أزمة طاقة حادة.

وفي هذا الإطار، قال الخبير الاقتصادي خالد تركاوي، في حديثه للجزيرة نت، إن نقل الغاز سيتم بشكل أساسي عبر خط الغاز العربي الذي يربط مصر بالأردن وسوريا ولبنان، وكان من المخطط سابقًا تمديده إلى تركيا وأوروبا.

وأوضح أن الخط توقف عن العمل 2011 بعد ضخ كميات محدودة، قبل أن يخضع لصيانات متفرقة، وعاد الحديث عنه مؤخرًا ضمن مشاريع تزويد لبنان بالغاز، مع حصول سوريا على عائدات مرور.

وأضاف تركاوي أن الخط يُعد الخيار الأسهل والأكثر أمانًا من الناحية الفنية، رغم تعرضه سابقًا لأضرار في العريش وبعض المناطق السورية، مشيرًا إلى أنه خضع لأعمال صيانة حديثة.

ولفت إلى أن قدرته التصميمية تصل إلى نحو 15 مليار متر مكعب سنويًا عند التشغيل الكامل، إلا أن الكميات الفعلية ستعتمد على مستوى الطلب والتمويل، وقد تبدأ بمليار متر مكعب سنويًا أو أقل.

وأوضح تركاوي أن الغاز المورّد سيُوجَّه إلى محطات توليد الكهرباء السورية، مثل محطة دير علي، ما من شأنه تحسين التغذية الكهربائية في دمشق والمنطقة الجنوبية، وتقليص ساعات الانقطاع وزيادة ساعات التغذية، مع إمكانية تحقيق فائض يسمح بتصدير الكهرباء إلى لبنان.

تحديات التنفيذ وآفاق الاستدامة

ولفت تركاوي إلى أنه لا توجد مشاركة معلنة لشركات دولية خارج الإطار العربي حتى الآن، مع إمكانية حصول دعم تمويلي من دول خليجية أو من البنك الدولي لتغطية تكاليف الصيانة والتشغيل.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل أن الاتفاق يسهم في سد فجوة الوقود على المدى القصير، بوصفه جسر إمداد يعزز استقرار التغذية الكهربائية، إلا أن أثره يبقى مرهونًا بكلفة التوريد، وآلية السداد، وانتظام الإمدادات.

إعلان

وأشار، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن التحديات الرئيسية تتمثل في جاهزية البنية التحتية السورية، بما يشمل تأهيل محطات الغاز، وخطوط النقل، وأنظمة الضواغط، وتقليص الفاقد الفني، إلى جانب قيود التمويل وصعوبات توفير قطع الغيار والمخاطر الأمنية واللوجستية.

وبيّن المغربل أن تجاوز هذه التحديات يتطلب خطة مرحلية واضحة، تبدأ بمشاريع ذات عائد سريع، وتحديث الشبكة وأنظمة القياس، وإبرام عقود تشغيل وصيانة واضحة، وحوكمة فنية مشتركة.

وشدد على أهمية تنويع مصادر التوريد، ورفع كفاءة الطاقة، والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، إلى جانب تحديث بيانات الاحتياطيات البحرية وتوفير إطار تعاقدي جاذب للاستثمار.

المصدر: الجزيرة

————————

 وزير الاقتصاد يؤكد استمرار دور حلب كمركز اقتصادي وصناعي

السبت 2026/01/10

أكد وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار أن محافظة حلب، بما تمثله من ثقل اقتصادي وصناعي، ستبقى الشريان الاقتصادي لسوريا وركيزة أساسية في مسيرة التعافي وإعادة الإعمار.

احتياجات المواطنين

وبيّن الشعار في تصريح لوكالة “سانا”، التزام الوزارة بدعم عودة الحياة الطبيعية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والمجتمعي في المدينة، حيث تعمل حالياً على تأمين مادة الخبز بشكل مستمر، وتوفير جميع المستلزمات اللازمة لتشغيل المخابز في الأحياء وسائر مناطق المدينة، بما يضمن تلبية احتياجات المواطنين وعدم انقطاع هذه المادة الأساسية تحت أي ظرف.

القطاع الصناعي

وأوضح الوزير الشعار أن الوزارة تواصل جهودها لحماية المنشآت الصناعية وتأمين استمرارية عملها، وذلك بالتنسيق الكامل مع الجهات المعنية، لضمان توفير بيئة آمنة ومستقرة للمصانع والعاملين فيها وحمايتها من أي تهديدات قد تؤثر على العملية الإنتاجية.

ولفت إلى أن الوزارة تسعى إلى إعادة تنشيط منطقة الليرمون الصناعية، نظراً لما تتمتع به من أهمية اقتصادية كبيرة في دعم الصناعات المحلية وتعزيز قدرة مدينة حلب على استقطاب الاستثمارات، بما يسهم في رفع الطاقات الإنتاجية، وإعادة إعمار القطاع الصناعي.

وأكد أن هذه الإجراءات تأتي في إطار رؤية متكاملة بما يسهم في تحسين الواقع المعيشي للمواطنين، وإعادة ترسيخ دور المدينة كمحرك أساسي للاقتصاد الوطني ورافعة للتنمية في سوريا

————————

 الملتقى الاقتصادي السوري-المصري: خطوة لتعزيز التعاون والتطور

الأحد 2026/01/11

انطلقت اليوم أعمال الملتقى الاقتصادي السوري- المصري، الذي ينظمه اتحادا غرف التجارة في البلدين، في فندق البوابات السبع بدمشق.

يهدف الملتقى الذي تشارك فيه شخصيات رسمية ومؤسسات اقتصادية ورجال أعمال من البلدين، إلى تعزيز التعاون التجاري والاستثماري، وإقامة مشاريع مشتركة، وفق ما ذكرت “وكالة الأنباء السورية” (سانا).

في السياق، أكد وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار أن “التعاون الاقتصادي السوري- المصري هو تكامل طبيعي حيث يتشابهان في نمط الإنتاج والاستهلاك، وطبيعة الموارد البشرية، والدور المحوري الذي تؤديه الصناعة، والزراعة، والخدمات في البلدين”.

وأوضح أن تعزيز التعاون الاقتصادي بين دمشق والقاهرة لا يقتصر على تبادل السلع، “بل يقوم على إقامة مشاريع مشتركة، والاستفادة من تشابه نمط الاستهلاك والذائقة السوقية، بما يرفع فرص النجاح والاستدامة”.

بدوره، قال رئيس اتحاد غرف التجارة في سوريا علاء العلي إنَّ اللقاء “خطوة استراتيجية نحو إعادة البناء والتطور على مختلف الأصعدة”، لافتاً إلى أن التعاون المشترك يمثل ركيزة قوة اقتصادية لسوريا ومصر في المرحلة المقبلة.

من جهته، شدد رئيس اتحاد الغرف التجارية المصرية أحمد الوكيل على أن “تعزيز العلاقات الاقتصادية مع سوريا ضرورة ملحة عبر شراكة فاعلة بين القطاع الخاص في البلدين”.

—————————

=====================

تحديث 10 كانون الثاني 2025

————————-

أموال سورية المهربة: نزيف صامت بمليارات الدولارات وسط تخبط الأرقام/ نور ملحم

10 يناير 2026

لم يكن خروج الأموال من سورية خلال سنوات الحرب مجرد ظاهرة عابرة، بل تحوّل إلى نزيف اقتصادي واسع، تجاوز في حجمه وقدرته على التأثير ما شهدته البلاد في أي مرحلة سابقة. تقديرات الدول الأربع المجاورة لسورية تشير إلى أن مليارات الدولارات غادرت سورية خلال سنوات الحرب، من خلال تجار وصناعيين ورجال أعمال، تتضمن حجماً كبيراً من الأموال المهرّبة، ما يسلّط الضوء على جزء ظاهر من كتلة مالية أوسع يصعب حصرها في ظل اقتصاد ظل متشعّب وقنوات تحويل غير رسمية.

وفي مؤشر إضافي على اتساع الظاهرة، سجّل القضاء السوري خلال عام 2024 أكثر من 150 قضية تهريب أموال منظورة، بينما من المتوقع أن يكون العدد الفعلي أكبر بكثير. الخبير الاقتصادي رأفت عيد يؤكد لـ “العربي الجديد” أن الوصول إلى رقم دقيق لحجم رؤوس الأموال السورية المهربة إلى الخارج يكاد يكون مستحيلاً، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال أودِع في أنظمة مصرفية تخضع لقوانين صارمة للسرية المصرفية. لكنه يشير إلى أنّ تتبّع الاستثمارات المعلنة في بعض الدول يمكن أن يمنح صورة جزئية عن اتجاهات هذه الأموال.

وفق تقديرات عيد، تصل الودائع السورية المعلنة وفق بنك التسويات الدولية إلى نحو 45 مليار دولار. وبلغت استثمارات رجال الأعمال السوريين في مصر منذ بداية الحرب نحو 23 مليار دولار. وتجاوز إجمالي رؤوس أموال الشركات السورية المسجّلة رسمياً في الأردن 310 ملايين دولار موزّعة على أكثر من أربعة آلاف شركة. أما في تركيا، فقد بلغت قيمة الاستثمارات السورية نحو 1.5 مليار دولار، مع تسجيل أكثر من 7,500 شركة أسهمت في خلق قرابة 100 ألف فرصة عمل، بينما تركزت الأموال السورية في لبنان على شكل ودائع مصرفية قُدّرت بنحو 10 مليارات دولار خلال سنوات الحرب.

لا غطاء قانونياً

يشير عيد إلى أن عام 2012 شكّل الذروة في خروج الأموال، قبل أن تشهد الفترة بين 2013 و2016 حالة من الاستقرار النسبي، لتعاود وتيرة التهريب الارتفاع مجدداً منذ عام 2017. ويضيف أن إدخال تقديرات اقتصاد الظل في الحسابات يغيّر الصورة بالكامل، إذ تصبح الأموال الخارجة من سورية أكبر بكثير من أي رقم معلن أو متداول. وفي هذا السياق، يبرز قرار مصرف سورية المركزي المتعلّق بحصر استبدال العملة داخل الأراضي السورية إجراءً نقديا استثنائيا، لا من حيث مضمونه المباشر فقط، بل من حيث دلالاته الاقتصادية غير المعلنة.

فحاكم مصرف سورية المركزي عبد القادر حصرية شدّد، عبر تصريح لـ”العربي الجديد”، على أنّ أي تداول أو استبدال للعملة خارج البلاد لا يقع ضمن مسؤوليته، مؤكداً أنّ “المبالغ الموجودة خارج البلاد لن يكون لها أي استبدال، وأنّ المصرف المركزي غير مسؤول عن أي تداول يتم خارج سورية”، في إشارة واضحة إلى أن الكتلة النقدية الموجودة خارج الحدود لن تتمتع بأي غطاء قانوني في عمليات الاستبدال المستقبلية.

ويرى الخبير الاقتصادي فادي عياش أن هذا التوجّه يتجاوز كونه إجراءً تنظيمياً تقنياً، ليشكّل أداة رقابية غير مباشرة على الأموال المهرّبة.

ويوضح عياش أن اشتراط وجود الأموال داخل البلاد لاستبدالها يضع أصحاب الكتل النقدية الكبيرة أمام اختبار عملي: إما إدخال الأموال إلى الداخل والخضوع لإجراءات الاستبدال، ما يتيح للسلطات تكوين تقدير أقرب للواقع عن حجم السيولة الخارجة، أو الاحتفاظ بها خارج سورية مع المخاطرة بفقدانها قيمتها القانونية.

ويضيف لـ “العربي الجديد” أن هذا الأسلوب استخدمته دول أخرى واجهت ظروفاً استثنائية، ليس بهدف استعادة الأموال فوراً، بل لرسم خريطة أوضح لتوزّع الكتلة النقدية بين الداخل والخارج، وهو ما يوفّر للأجهزة الرقابية صورة أفضل عن الأموال الفعلية المتداولة خارج الدولة.

ويحذّر من أن نجاح هذا الإجراء مرتبط بعوامل أخرى لا تقل أهمية، أبرزها توفير بيئة آمنة وواضحة لإدخال الأموال، وضمان عدم تعرّضها لمخاطر قانونية أو إدارية مفاجئة، موضحاً أن غياب الثقة قد يدفع أصحاب الأموال إلى إبقائها خارج البلاد، ما يقلّل من فعالية القرار ويحول دون تحقيق أهدافه غير المعلنة.

آثار على الاقتصاد المحلي

ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن الأموال المهرّبة لم تؤثر فقط في حجم السيولة في السوق المحلية، بل تركت آثاراً مباشرة في الاقتصاد اليومي للمواطنين. فغياب هذه الأموال عن السوق أدى إلى شح الاستثمارات المحلية، وزيادة أسعار السلع والخدمات، وتقليص فرص العمل، خاصة في القطاعات الصغيرة والمتوسطة. كما أن جزءاً كبيراً من الأموال المهرّبة يتحرّك ضمن اقتصاد الظل، عبر تحويلات غير رسمية أو ودائع نقدية خارج المصارف، ما يجعل تقدير حجم النزيف المالي أصعب على الجهات الرسمية.

ويرى الخبراء أن تقديم حوافز مؤقتة لإعادة هذه الأموال إلى الداخل، مثل تسهيلات قانونية وضريبية، قد يشكّل طريقاً عملياً لتقليص النزيف المالي، وتحويل جزء من الكتلة النقدية المهرّبة إلى رافد حقيقي لدعم الإنتاج والاستثمار المحلي.

من زاوية قانونية، يرى نقيب المحامين السوري علي الطويل أن التعامل مع ملف تهريب الأموال لا يمكن أن يكون انتقائياً أو ظرفياً، بل يتطلّب مساراً متكاملاً يبدأ من تحديث التشريعات المالية وينتهي بتفعيل التعاون الدولي. ويشير الطويل إلى أن تشديد الرقابة على التحويلات المالية وتحديث قوانين مكافحة غسل الأموال والتهرّب الضريبي بات أمراً ملحّاً، خصوصاً مع وجود عشرات القضايا المنظورة أمام القضاء.

ويضيف أن تسريع الفصل في هذه القضايا يبعث برسالة واضحة مفادها أن تهريب الأموال لم يعد ملفاً هامشياً أو مؤجّلاً. يؤكد الطويل لـ “العربي الجديد” أن التعاون مع الدول التي استقطبت الأموال السورية خلال السنوات السابقة يمثّل خطوة أساسية، ليس فقط لاستعادة الأموال في حال ثبوت المخالفات، بل أيضاً لتبادل المعلومات المالية وتعزيز الشفافية.

ويرى أن تقديم حوافز قانونية واقتصادية لعودة رؤوس الأموال، بالتوازي مع مكافحة اقتصاد الظل، يمكن أن يشكّل مدخلاً واقعياً للحد من النزيف المالي، شرط أن يكون ضمن إطار واضح ومستقر يعيد الثقة بالبيئة الاستثمارية المحلية. ويشير الطويل إلى أن القانون السوري رقم 3 لعام 2013 الخاص بالعقوبات الاقتصادية ينص في المادة 21 على أن من يهرّب الأموال إلى خارج البلد أو يؤخّر رجوعها يُعاقب أولاً بإعادة المبلغ، ثم بالحبس لمدة خمس سنوات ودفع غرامة تعادل الضرر الناتج من الفعل، مع نصوص صارمة لضمان تطبيق العقوبة في حال الامتناع عن الدفع.

العربي الجديد

—————————-

العدالة الانتقالية في سوريا: الاقتصاد كساحة انتهاك بحد ذاته/ ناهد بدوية

هيمنت المقاربة القانونية ـ القضائية على تصوّر العدالة في مجتمعات ما بعد النزاع، إذ انصبت الجهود على آليات مثل، المحاكمات الجنائية الدولية، أو الوطنية، ولجان الحقيقة والمصالحة، وبرامج جبر الضرر الفردي، بوصفها الأدوات الأساسية لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. غير أن هذا التمركز حول القانون، الذي اصطلح على تسميته بـ«الاختزال القانوني»، تعرّض لنقد متزايد، كونه يعالج العنف بوصفه سلسلة من الأفعال الإجرامية الفردية، لا نتيجة لبُنى تاريخية واقتصادية واجتماعية غير عادلة.

حسب روتي تايتل “لا يمكن فهم العدالة الانتقالية كمرحلة تقنية، أو إجرائية محضة، بل هي وضعية استثنائية تُعاد فيها صياغة العقد الاجتماعي، والعلاقة بين الدولة والمجتمع، ويُعاد التفاوض حول مفاهيم الشرعية، والمسؤولية، والذاكرة، والحقوق”.

يعكس هذا الفصل بين العدالة والاقتصاد، افتراضا ضمنيا مفاده أن العنف السياسي منفصل عن البنية الاقتصادية، وأن معالجة الجرائم بحد ذاتها كافية لمنع تكرارها. غير أن تجارب عديدة، من أمريكا اللاتينية إلى جنوب افريقيا، أظهرت أن الاقتصار على العدالة القانونية، دون تفكيك أنماط التفاوت البنيوي والنهب المنظّم، يؤدي إلى إنتاج “سلام سلبي”، يحافظ على علاقات القوة ذاتها التي غذّت العنف في الأصل. في حالتنا السورية، يصبح نقد المنظور الانتقالي التقليدي ضرورة ملحّة. فالعدالة، وفق هذا التصوّر، ينبغي ألا تقتصر على الاعتراف بالضحايا، أو معاقبة الجناة، بل يجب أن تستهدف تحويل الشروط البنيوية التي أنتجتها الديكتاتورية الأسدية، والتي جعلت الانتهاكات ممكنة ومربحة في آن واحد. ويشمل ذلك أنماط الملكية، وتوزيع الموارد، وعلاقات العمل والمحسوبيات، والاقتصاد السياسي للدولة السلطوية، ومركزة رؤوس الأموال في أيدي الفئات المرتبطة بها.

تنقل هذه المقاربة النقاش من سؤال: كيف نحاسب؟ إلى سؤال أعمق: ما الذي يجب تغييره كي لا يُعاد إنتاج العنف؟ وهنا يحتل البعد الاقتصادي موقعا مركزيا، لا بوصفه مكمّلا للعدالة، بل كأحد ميادينها الأساسية. فالاستيلاء المنهجي الذي مارسته السلطة الأسدية على الموارد، والتمييز الاقتصادي، والفساد البنيوي، وتحالف السلطة السياسية مع شبكات الريع، ليست مجرد خلفية للنزاع، بل آليات عنف بحد ذاتها. تكتسب هذه الإشكالية بعدا مضاعفا في سوريا مقارنة بتجارب بلدان أخرى خارجة من الحرب أو النزاعات الداخلية. فالاستبداد لم يكن سياسيا فحسب، بل تجسّد في نموذج متكامل من الاقتصاد السياسي القائم على الاحتكار، والزبائنية، وتحويل الدولة إلى أداة لإعادة توزيع الثروة لصالح دائرة ضيقة مرتبطة بالعائلة الأسدية، وبالأجهزة الأمنية. وقد شكّل هذا النموذج أحد الشروط البنيوية للانفجار الاجتماعي، وثورة الحرية عام 2011، ثم تحوّل خلال الحرب إلى اقتصاد حرب كامل، أصبحت فيه الانتهاكات، والتهجير، وتدمير الملكيات، مصادر تراكم رأسمالي لأمراء الحرب المرتبطين بالاستبداد.

وعليه، لا يمكن تصوّر عدالة انتقالية ذات معنى في سوريا دون تجاوز الإطار القانوني الضيق، والانتقال إلى مقاربة بنيوية تدمج الاقتصاد في صلب مشروع العدالة. فالمساءلة عن الجرائم لا تنفصل عن مساءلة أنماط الإفقار، ولا يمكن لجبر الضرر أن يكون فرديا في سياق دُمّرت فيه البنى المعيشية لمجتمعات كاملة. إن العدالة في السياق السوري ليست فقط عدالة تجاه الماضي، بل عدالة ضد إعادة إنتاجه بأدوات جديدة. يمكن الاستعانة بمفهوم “العنف البنيوي”، الذي يعرّف العنف بأنه كل بنية اجتماعية تمنع الأفراد من تحقيق إمكاناتهم الأساسية. ووفق هذا التعريف، فإن الفقر الممنهج، والإقصاء من العمل، والتمييز بين المواطنين في فرص العمل، وفقدان السكن، والتهجير القسري، تُعدّ أشكالا من العنف لا تقل خطورة عن العنف المباشر. وعليه، فإن العدالة الانتقالية في سوريا مطالَبة بالاعتراف الصريح بأن الاقتصاد كان ساحة انتهاك بحد ذاته. يُعدّ ملف السكن وحقوق الملكية من أكثر الملفات تعقيدا في مسارات العدالة الانتقالية. وقد عالجت تجارب دولية هذا التحدي بطرق متفاوتة. ففي جنوب افريقيا، ورغم نجاح لجنة الحقيقة والمصالحة في كشف الانتهاكات، فإن تجاهل مسألة إعادة توزيع الأرض أبقى التفاوت العنصري ـ الاقتصادي قائما، ما دفع عددا من الباحثين، بينهم محمود ممداني، إلى وصف التجربة بأنها “مصالحة بلا عدالة اجتماعية”. أما في البوسنة والهرسك، فقد قُدّمت تجربة أكثر تقدما في استرداد الملكيات، حيث أُعيدت ملايين العقارات إلى أصحابها الأصليين، رغم تعقيدات ما بعد التطهير العرقي، ما يدل على أن العدالة العقارية ممكنة سياسيا وتقنيا متى توفرت الإرادة.

كما يؤدي غياب فرص العمل للشباب والشابات، وتهميش الريف، والتفاوت بين المدن والمناطق الطرفية، إلى إنتاج جيوب فقر قابلة للتحول إلى ساحات صراع. وتؤكد تجارب دولية، مثل سيراليون وليبيريا، أن فشل برامج العدالة الانتقالية في خلق فرص عمل حقيقية للشباب أسهم في عودة العنف. من هنا، تصبح السياسات الاقتصادية التي تعطي أولوية لتأمين فرص العمل، وإعادة الإدماج الاقتصادي، جزءا من ضمانات عدم التكرار، لا مجرد برامج تنموية لاحقة. ويدخل ضمن هذه السياسات حماية الصناعات المحلية، وفرض شروط تعاقدية واضحة على المستثمرين الخارجيين، تلزمهم بالاعتماد على العمالة السورية المحلية وتدريبها، وعدم استقدام الأيدي العاملة الأجنبية إلا ضمن نسب محدودة جدا.

تحمّلت النساء في سوريا أشكالا متعددة من الانتهاكات؛ فإضافة إلى الاعتقال، والقصف، والتهجير، تعرّضت عشرات الآلاف من النساء لانتهاك فقدان المعيل، وتحمل أعباء الإعالة في ظل غياب شبه كامل للحماية الاجتماعية. وتقدّم تجربتا المغرب في جبر الضرر الجماعي، وبيرو في دمج النساء ضمن برامج التعويض، أمثلة على إمكانية ربط جبر الضرر بالتمكين الاقتصادي طويل الأمد. ويُعدّ تفكيك اقتصاد الحرب واستعادة الأموال المنهوبة جزءا أساسيا من مسار العدالة، إلى جانب تحديد مسؤوليات الفاعلين، بما في ذلك الدولة، والبلديات، والمستثمرين، والوسطاء القانونيين، الذين شاركوا في تقنين الانتهاكات الاقتصادية. وتشير تجارب مثل غواتيمالا وتونس، إلى أن تجاهل الفساد البنيوي يقوّض أي مسار عدالة انتقالية. وفي سوريا، حيث تداخلت شبكات رجال الأعمال مع الأجهزة الأمنية واقتصاد الميليشيات، يصبح تفكيك اقتصاد الحرب شرطا أساسيا للإنصاف، فالعدالة الانتقالية يمكن أن تشكّل لحظة تأسيسية لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد، إذا ما اقترنت بإصلاحات مؤسساتية حقيقية. كما أن استعادة الأموال المنهوبة تمثّل موردا مهما لجبر الضرر، وتمويل التعويضات للعائلات المنكوبة.

كما ينبغي تفكيك خطاب “التنظيم” و”التحديث” الذي غالبا ما يُستخدم لتبرير إعادة تشكيل الفضاءات العمرانية على حساب واقعها الاجتماعي والثقافي. وتُظهر تجربة إعادة إعمار وسط بيروت كيف أُفرغ المكان من طابعه التاريخي، وتحول إلى فضاء نخبوي منفصل عن محيطه، على حساب أصحاب المحلات والسكان الأصليين، لصالح تراكم ثروة فاحشة لدى فئات محدودة. وفي ظل شحّ الموارد المالية في سوريا، وغياب الرغبة المشروعة لدى الحكومة الانتقالية في اللجوء إلى القروض، يبرز سؤال جوهري: هل يُعتمد اقتصاد الإعمار كاقتصاد ريعي جديد؟ أم تُترك إعادة الإعمار للاستثمار وحده، مع تجاهل من يستفيد ومن يُقصى من أصحاب البلاد الحقيقيين، الذين تعرّضوا لانتهاكات اقتصادية ممنهجة على مدى عقود؟ أم تُوضع خطة وطنية شاملة لإعادة الإعمار، تأخذ في الاعتبار مصالح جميع السوريين، ويجري في إطارها استدعاء استثمارات خارجية متنوعة وفق شروط عادلة؟ إن الإجابة تقتضي بلورة مبادئ تخطيط بديلة قائمة على العدالة الانتقالية، تشمل آليات إعادة إعمار تشاركية، وضمان حق العودة واستعادة الملكية، وتقديم توصيات تشريعية ومهنية واضحة للمرحلة الانتقالية في سوريا. باختصار، من دون عدالة عقارية، وإدماج اقتصادي فعلي للشباب والشابات، وجبر ضرر مستدام، وتفكيك اقتصاد الحرب، تبقى العدالة الانتقالية مهددة بالتحول إلى إجراءات قانونية نخبويّة، منفصلة عن التجربة المعيشة لغالبية السوريين، وقابلة لإعادة إنتاج الانتهاكات ذاتها التي يفترض بها معالجتها.

كاتبة سورية

القدس العربي

————————-

=====================

تحديث 09 كانون الثاني 2025

————————–

هل يتحول الغاز من نعمة اقتصادية إلى شرارة توتر إقليمي؟/ مازن الشاهين

نفوذ موسكو يتآكل بهدوء رغم أن احتياطيات الغاز السورية غير مؤكدة بالكامل

2026-01-09

تحوّلت الطاقة في شرق المتوسط، من ملف تقني إلى لغة نفوذ تعيد صياغة موازين القوة الإقليمية. أعلن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن أنقرة تعتزم توقيع اتفاق مع سوريا للتنقيب عن النفط والغاز عام 2026، مع إبراز الساحل السوري كمنطقة حساسة تتقاطع فيها طموحات تركيا، وحسابات روسيا، وضبط الإيقاع الأميركي. احتياطيات الغاز القابلة للاستخراج تبلغ نحو 3.5 تريليون متر مكعب، منها نحو 5% ضمن المياه السورية، ما قد يرفع الناتج المحلي السوري 8–12% خلال عقد إذا توفرت البيئة الاستثمارية الملائمة. تقارير مركز الدراسات التركي ORSAM تشير إلى استعداد شركات تركية لتوظيف 1.5–2 مليار دولار في مشاريع طاقة وبنية تحتية حال التوصل لتفاهمات مع دمشق، تشمل تزويد سوريا بالغاز والكهرباء وربط الشبكات، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل السيادة الاقتصادية السورية.

ثروة مؤجلة أم بوابة نفوذ جديد؟

الخبير الاقتصادي عدنان السعدون يقول في تصريحات لـ”963+” إن “تقديرات جيولوجية إقليمية تشير إلى وجود احتياطيات غاز بحرية محتملة قبالة الساحل السوري تتراوح بين 250 و700 مليار متر مكعب، وهي أرقام لا تضع سوريا في مصاف كبار المنتجين، لكنها تمنحها موقعاً وظيفياً مؤثراً في معادلة شرق المتوسط، حيث تلعب الجغرافيا دوراً يوازي حجم الموارد، فالقيمة الحقيقية لا تكمن في حجم الغاز، بل في موقعه ومسار تصديره”.

ويكتسب الساحل السوري أهميته في موقعه الجيوسياسي المطل على شرق المتوسط، أحد أكثر أحواض الغاز تنافساً في العالم، وقربه من خطوط الملاحة والطاقة المحتملة نحو أوروبا، ووجود بنية نفوذ روسية تاريخية (عسكرية واقتصادية) جعلت الساحل منطقة نفوذ شبه مغلقة لعقود.

ولكن هذا “الاحتكار الضمني”، بحسب السعدون، بدأ يتصدّع مع تحولات ما بعد الحرب، وتبدّل أولويات اللاعبين الدوليين، وتقدّر القيمة الإجمالية المحتملة لموارد الغاز السورية خلال عقدين بما بين 30 و50 مليار دولار، لكن تحقيق هذه الفائدة يبقى مشروطاً بقدرة سوريا على التفاوض من موقع سيادي، وتنويع الشركاء، والفصل بين الاستثمار الاقتصادي والنفوذ السياسي.

ويختم السعدون أن ملف النفط والغاز في الساحل السوري يمثّل اختباراً مبكراً لشكل الاقتصاد السوري الحالي، فإما أن يتحول إلى رافعة تنموية مدروسة، أو إلى بوابة نفوذ جديدة تُدار من الخارج.

كيف يؤثر الدور التركي المتنامي على سيادة سوريا في ملف الطاقة؟

لا يمكن قراءة التصريحات التركية الأخيرة التي أعلنها وزير الطاقة عن خطط لبدء مسح سيزمي قبالة السواحل السورية في عام 2026 بمعزل عن السياق الأوسع لإعادة تشكيل منظومة الطاقة السورية بعد سنوات من التدمير والعقوبات، فالدعم الطاقي كما يقول المحلل السياسي نجم العبدالله في تصريحات لـ”963+”، رغم أهميته الإنسانية والاقتصادية، يحمل في طياته انعكاسات استراتيجية طويلة الأمد، وهذا التحرك قد يؤدي إلى ترسيم حدود جديد، ومحاولة إنشاء منطقة اقتصادية خالصة (EEZ) مشتركة بين دمشق وأنقرة، مما يهدد “منتدى غاز شرق المتوسط” الذي تقوده مصر واليونان وتشارك فيه إسرائيل، والتجربة الإقليمية تشير إلى أن الاستثمار في الطاقة نادراً ما يكون محايداً، فالتحكم بخطوط الغاز يمنح الدولة العابرة قدرة ضغط تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والأمن، وهنا تكمن المخاطرة، فمن الناحية النظرية، تقدّم تركيا نفسها كشريك اقتصادي وخبرة فنية في البنية التحتية، وحاجة أوروبية للغاز غير الروسي، وموقع عبور (Transit State) مثالي، ولكن من الناحية العملية، يطرح التوسع التركي في ملفات الطاقة أسئلة مقلقة: من يملك قرار الاستثمار؟ ومن يحدد مسارات التصدير؟

ويرى العبدالله أن السؤال الأهم ليس من سيستثمر الغاز السوري؟ بل: هل تمتلك سوريا، في هذه اللحظة التاريخية، القدرة على حماية اقتصادها من أن يصبح مجرد امتداد لنفوذ الآخرين؟

هل يتحول الدور التركي إلى وصاية اقتصادية؟

في المقابل، يوضح الباحث التركي محمود دانيش في تصريحات لـ”963+”: “تركيا لا تسعى للسيطرة على سوريا بل لشراكة تحقق مصالح متبادلة وتضمن ممرات طاقة آمنة نحو أوروبا، مستغلة موقعها الاستراتيجي وخبرتها الفنية. وجودها كمزوّد أساسي للكهرباء والغاز يمنحها تفاوضاً أفضل في المشاريع المستقبلية، ويجعل مسارات التصدير تمر عبر أراضيها. وبما أن إعادة بناء قطاع الطاقة السوري مكلف لا تستطيع تركيا تمويله وحدها، فإن فرص الوصاية الاقتصادية محدودة، وتحرك أنقرة يهدف إلى توازن مع لاعبين عالميين آخرين مع إمكانية عقود طويلة وأسعار تفضيلية، مع بقاء المستقبل مفتوحاً”.

موسكو نفوذ يتآكل بهدوء

رغم أن احتياطيات الغاز السورية غير مؤكدة بالكامل، إلا أن مجرد احتمال وجودها يكفي لإشعال التنافس، وفي شرق المتوسط، فالغاز كان سبباً في نزاعات حدود بحرية وتحالفات إقصائية وسباق ترسيم وفرض أمر واقع، وأعاد تشكيل تحالفات وصراعات.

في هذا السياق، يبرز سؤال حساس: هل يمكن أن يصبح الغاز السوري نقطة تماس غير مباشر بين تركيا وإسرائيل؟

ويقول المحلل السياسي المصري سعيد فوده لـ”٩٦٣+” إن تركيا تعتبر نفسها لاعباً أساسياً في غاز المتوسط، بينما تسعى إسرائيل لتأمين تصدير مستقر لأوروبا، وأي تغيّر في الغاز السوري قد يعيد خلط مسارات التصدير ويفتح باب تنافس صامت بين “واشنطن وموسكو وأنقرة وتل أبيب”. الموارد البحرية السورية قد توفر أرباحاً لكنها محفوفة بالمخاطر، وقد تحوّل الساحل السوري إلى ساحة تنافس اقتصادي مكتوم، مع دفع واشنطن لمزيد من الانخراط لضبط التوازن. روسيا، رغم حضورها العسكري والاقتصادي على الساحل، تواجه ضغوط عقوبات ومنافسة أطراف أكثر قدرة تمويلية، ما قد يؤدي لتراجع نسبي في دورها ما لم تُعاد صياغة شراكات. الولايات المتحدة تدير الملف من الخلف، تحتفظ بأدوات حاسمة وتستخدم أي إشارة إيجابية لرفع جدوى الاستثمار، بينما أي تشدد سياسي قد يؤجل الملف لسنوات، ضمن هدف تقليص النفوذ الروسي ومنع تمدد حلفاء إقليميين.

ويضيف فوده: “سوريا ستظل محكومة بتوازن دقيق بين قبول الأدوار الإقليمية وعدم التحول لساحة نفوذ، ويحدده صياغة العقود وتعدد الشركاء ووضوح الرؤية. المكاسب الاقتصادية من أي استثمار تركي أو روسي تحتاج سنوات قبل أن تتحول لإيرادات، بينما المخاطر السياسية حاضرة فورياً، فالغاز السوري قد يعيد فتح صراع نفوذ بين أنقرة وموسكو وتل أبيب، ما يجعل سعر المتر المكعب من الغاز أعلى سياسياً من قيمته السوقية، والسيادة تُقاس بقدرة الدولة على إدارة مواردها دون أن تتحول ورقة بيد الآخرين”.

ويختم فوده حديثه بأنه يمكن للغاز أن يكون فرصة نادرة لإنعاش الخزينة، ومدخلاً لإعادة الإعمار وورقة تفاوض دولية، لكن المخاطر هي في توقيع عقود في ظل ضعف تفاوضي، وربط الاقتصاد الوطني بمسارات خارجية، وتحويل الموارد السيادية إلى أدوات نفوذ للآخرين، والتحدي الحقيقي ليس في استخراج الغاز، بل في إدارة قراره.

+963

————————

 المركزي السوري: تسليم فوائض المصارف تمهيداً لاستبدالها

الجمعة 2026/01/09

أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية، أنه اعتباراً من يوم غد ستُسلَّم المصارف مقابل كامل الفوائض النقدية التي تسلّمها المصرف المركزي بعد السابع من أيار، والتي كانت قد أُودِعت لديه خلال الشهر الماضي، وذلك في إطار التحضير لاستبدالها، مشيراً إلى أن عملية استبدال العملة مستمرة وفق الخطة الموضوعة.

وقال في منشور على “فيسبوك”: “انصبّ تركيزنا في المرحلة الماضية على وضع السياسات وآليات التنفيذ، تمهيداً لإطلاق العملة وفق المواصفات العالمية، أما اليوم، فيتركز عملنا على متابعة عملية الاستبدال بما يضمن سلاستها ويعزز الطمأنينة لدى المواطنين، إلى جانب الحرص على رضا المتعاملين خلال تفاعلهم مع المؤسسات المالية”.

وأوضح حصرية أنه “في هذا الإطار، أجرينا جولات ميدانية شملت مصرف سوريا المركزي وعدداً من المؤسسات المالية، وظهرت بعض المشاكل التي عالجناها مباشرة، كما سنعتمد تقنية المتسوق الخفي أو العميل السري في المتابعة والرقابة، وهي آلية تقوم على تكليف أشخاص مؤهلين ودقيقين بتقييم أداء الموظفين وفرق العمل والعمليات التشغيلية، من خلال دخولهم المؤسسات بصفة متعاملين عاديين وخوضهم التجربة الفعلية، بما يسهم في رصد مواطن القوة والضعف وضبط أي مخالفات”.

وأشار إلى أن المصرف المركزي يدير الاستقرار النقدي ويقود القطاع المالي في عملية الاندماج في النظام المالي العالمي، ويعزز الثقة بالمصرف المركزي وبالاقتصاد السوري وبمؤسساته المالية بما يحقق النمو الاقتصادي المستدام.

في وقت سابق، أكد حصرية أن عملية استبدال العملة تسير بسلاسة وبشكل منظّم، ولا توجد أي عوائق تُذكر حتى الآن.

وأوضح عقب جولة ميدانية على مراكز استبدال العملة في دمشق، أنه لا يوجد أي داعٍ للاستعجال في التبديل، إذ إن المهل ستُمدَّد عند الحاجة، وبما يتيح للجميع إتمام العملية براحة ومن دون ضغط

———————————–

===================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى