عن رحيل “بيلا تار” مرة أخرى مع روابط شغالة لمشاهدة أهم أفلامه -كان من الصعب للغاية الحصول على روابط لازالت تعمل-

بيلا تار.. سينما الرماد بالأبيض والأسود
أتى بيلا تار إلى السينما من الغضب، ومن الثأر، ومن الموقف السياسي الناضج والمكتمل ضد الظلم، والعسف، والإنسانية التائهة بعيدًا عن ذاتها. ومع ذاك المجيء القصدي إلى السينما، اضطرّ النقاد أن يأتوا لأجله، لأجل أفلامه وسينماه، بلغة ملائمة وإحاطية بعالمه الشاسع، كما كاميراه التي لا تتوقف عن الخروج إلى الفراغ، غير هيّابة من أن يضيع منها المعنى.
انتبه النقاد والمشاهدون معًا إلى أفلامه، كما فعلوا مع سينما تاركوفسكي وأنطونيوني، حيث التصقت مفردات كالأسلوبية، والتأملية، وعمارة الصمت، والوجودية، بشكل عضوي بتجربته التي لم تخجل من كسر كل ما هو متعارف عليه في تاريخ السينما الاعتيادية، المريحة، والمتداولة في الصناعة.
لم تقلق أفلام بيلا تار إن تعاملت مع الوقت بصفته زمنًا، ومع المكان باعتباره وطنًا وجغرافيا أولى، ومع التاريخ بكونه أزلًا لا ينفكّ عن الجثوم فوق أجساد شخصياته ليطحنها.
وُلد بيلا تار في المجر، ذلك البلد المدمّى بضربات الشيوعية المختلّة عبر سنوات لم تترك فيه إلا آثار الدمار وعدم الاتساق، لا أخلاقيًا ولا جماليًا، بما يتناسب مع طرحها “الأخوي” غير المتسق.
كل ذلك الحس الكابوسي لم يترك لبيلا تار غير عوالم من الأبيض والأسود، عوالم الرماد، والبرد، والريح، والفقر، والتكرار الدوراني لأيام تعيد ذاتها بالبلادة نفسها، والقسوة ذاتها، واللاجدوى.
مات بيلا تار عن عمر يناهز السبعين، أمضاها في حكي السينما كثائر لا يهدأ، إلى أن وصل قتاله سلامه، فأصبح ناسكًا؛ ذاك الذي يسأل الوجود، والله، والقيم، عمّا يفعله البشر بها اليوم، بتلك الصور الخارجة من الزمن، كما لو أنها آتية من البدء ذاته.
2026 .. عام الخسارة الكبرى
تنعي السينما العالمية اليوم بيلا تار، الذي وُلد عام 1955 في بلدٍ كان على وشك أن يختبر واحدة من أكثر لحظاته قسوة: ثورة عام 1956، التي سُحقت بالدبابات السوفييتية، فدخل العالم على تخوم أملٍ قصير أعقبه صمتٌ مديد. شكّلت تلك الانتفاضة إحدى الذكريات الحارّة المتجذّرة، شديدة الحضور والوقع في الوعي المجري، حضرت كما لو أنها جرحٌ مؤسِّس في العقل الجمعي، علّم المجتمع المجري كيف يعيش تحت ثقل الرقابة، بحيث استطاع، كما فعل البشر منذ البداية، تحويل الخضوع والانكسار والقبول إلى عادة.
التاريخ المجري الذي اصطدم به بيلا تار لم يأته دفعة واحدة، أو عبر حادثة كبيرة فحسب، بل حضر عبر تراكمٍ متواتر من الخيبات؛ تاريخٌ ألقى بثقله كما لو أنه كتلة واحدة، لكن للعين الخبيرة المفكِّكة التي امتلكها تار، كُسِّرت تلك الكتلة إلى مادتها الأولية من أحداثٍ منفصلة، كما لو أنها زمنٌ مقيم، طويل، ومتّصل.
عندما صوّر بيلا تار الثورة، لم يصوّرها بذاتها، بأحداثها وواقعيتها، بل انشغل بما تركت من أثر. انتبه لما تلاها، وحكى عن أولئك البشر الذين رُموا، معطّلين، مشلولين، وعاجزين عن الفعل، بلا لغةٍ مطوّرة وقوّة مفردات، لغةٍ قادرة على الاحتجاج. بشرٌ يَعون أنهم يعيشون داخل نظام لم يعد بحاجة إلى عنفٍ مباشر، لأن الطاعة التي زُرعت في بنية الجسد المجري ذاته، وفي حدقات عيون المجريين، قد استقرّت في داخل أرواحهم.
بيلا تار وحرب مع الشيوعية والرأسمالية في آن
لا يمكن فصل سينما بيلا تار عن الظرف السياسي الذي نشأ تحت ظله، إذ نشأ في خيالات وهلوسات نظام اشتراكيةٍ متأخرة، لم تُنتجها معسكراتٌ ممزّقة بين شرقٍ وغرب، ولم تنتج عنها مجازر مخزية، لكنها أيضًا لم تملك تجربةً ناضجة تحفظ الكرامة ككيانٍ حقيقي متماسك، ولا حسّ عدالةٍ كافٍ، ولا حتى أملًا بالأفضل، أو انتظارًا لأفق. فالنظام السياسي الطاحن عجز عن إنتاج أبطال أو شهداء ليُطرحوا كمثلٍ أعلى يُحتذى.
حضرت شخصيات بيلا تار كأجسادٍ محطّمة، أفقدها التعب واليأس كل بريق. بشرٌ يسكنون قرى منهكة، يمارسون حياةً معلّقة داخل زمنٍ متوقّف، أو ضمن حالةٍ من انتظارٍ لا اسم لها سوى انتظار الموت.
حين انهار هذا النظام الشيوعي المؤدلج في أواخر الثمانينيات، لم يستطع بيلا تار أن يرى في الانتقال إلى الرأسمالية خلاصًا، بل وعى بعقله وثقافته وحسّه الإنساني الرفيع أن ذلك الانتقال التعسّفي الإكراهي ليس سوى خيبةٍ أخرى: فوضى، وفقرًا، وعريًا أخلاقيًا. في سينماه المتأخرة لا يظهر فرحٌ أو غبطة التحرّر من قيد الشيوعية، بل يحضر التيه كما لو أنه حقيقةٌ مطلقة، تحمل استخلاصاتها وفلسفتها شخصياتٌ تبحث عن نظامٍ بديل، عن معنى، عن سلطةٍ جديدة، فتقع في الوهم، أو تنتظر منقذًا لا يأتي.
هكذا يتبدّل التاريخ عند تار من ملاحقةٍ للتوصيف السياسي المباشر، المملّ واللافنّي، إلى حالةٍ وجودية، حلقةٍ مغلقة تتغيّر فيها الأنظمة، بينما يُترك الإنسان وحيدًا في العراء، مثقلًا بزمنٍ فقد إيمانه بالتغيّر، وبالمستقبل، وبالقدرة على القفز فوق سؤال الوجود المقيت، فلم يعد يملك سوى الاستمرار.
الحقيقة كما يرويها الصمت
في أفلام مثل ” رقصة الشيطان ” (Sátántangó)، و”تناغمات فيركمايستر” (Werckmeister Harmonies)، و”حصان تورينو”(The Turin Horse )، يحضر التكرار كما لو أنه اللبنة الأساسية في معمار الكون، وكأنه بنيةٌ مؤسِّسة للعالم. الأيام تتشابه، والكاميرا لا تكلّ عن تكريس هذا التشابه، والتكرار الدوراني المدوّخ، لأن التاريخ في أفلام تار لا يتقدّم؛ فهو عالق في وحل المآسي.
الحركات، خلع الملابس، مقاومة الريح، تناول الوجبات المتقشّفة، لكنها الحارّة، التي تحرق ملتهمها كما تفعل البطاطا المسلوقة في ماءٍ مغلي. كلّه يُعاد، لأن لا جديد يمكن ابتداعه. فكل ما تفعله سينما بيلا تار هو تكريس الخراب، تأكيده، إعلانه، وترك المتلقي ليتعامل مع حقيقة الحكاية لديه كما لو أنها الحقيقة الأولى والأخيرة.
لمشاهدة أهم أفلامه اتبع الروابط التالية:
والفيلم التالي طوله 7 ساعات، وهو عن رواية “تانغو الخراب”
——————————
بيلا تار.. فيلسوف السينما وراهبها/ خالد عبد العزيز
7 يناير 2026
“إذا كنت حقًا صانع أفلام، فيجب أن تمتلك بصمتك وأسلوبك الخاص، وهذا يعتمد على خلفيتك وتاريخك الثقافي وميزانيتك بالطبع، لأن صناعة الأفلام حسب اعتقادي، ما هي إلا رد فعل تجاه العالم، فأنت تُخبر الناس برؤيتك ووجهة نظرك عن الحياة”.
بهذه الكلمات التي تنتمي لفنان السينما المخرج المجري المرموق بيلا تار (1955 – 2026)، يُمكن الوصول بسهولة ويسر لجوهر رؤيته وعالمه السينمائي الحافل بالتأكيد بالعديد من الرؤى المغايرة عن السائد، والمبتعد عن المألوف، ليس رغبة في إثارة الدهشة، بقدر ما هو رغبة في مناوشة هذا العالم، وسعيًا للاشتباك معه وفهمه، بل والاقتراب الحثيث منه.
فلكل مخرج رؤيته الخاصة تجاه العالم، التي تحمل بين طياتها همًا أو نظرة ما، يسعى دومًا للتعبير عنها بصيغ عديدة، ووفق خلطة فنية لا يُدرك سرها غير صانعها؛ ومن هذا المنطلق يُمكن القول بأن بيلا تار، خلق توليفة سينمائية لسحر الكاميرا والصورة بها موقع الصدارة، ليس من منطلق استعراض العضلات، لكن للتعبير عن السرد والحكاية المروية، وفق أسلوب يراه الأنسب، فالأهم بحسب رؤيته هو كيفية الحكي سينمائيًا، أو ماهية ما يُقال.
فالسرد والحكاية ما هي إلا بطانة خارجية للأفكار التي تتلاحم عضويًا مع الأسلوب، يَدمغها ويُولفها في نسيج متكامل، وبالتالي ما هذه الأفكار إلا نتاج للماضي والحاضر. بيلا تار، المولود في بكس بالمجر، قبل عام من الغزو السوفييتي لبلاده 1956، يرى في السينما التقليدية أكاذيب وقصص ملفقة وهي تبتعد عن الحياة التي يعرفها، حيث عمل لثلاث سنوات في مصنع للسفن، قبل أن يتجه للسينما، حينها أدرك “تار بيلا” مثلما يُنطق اسمه في بلاده، جوهر السينما التي يرغب في صنعها، سينما خالصة، أو ما يُطلق عليه السينما الفنية، التي تقف في مسافة واحدة مع باقي الفنون وتستوعبها، وتُعبر عن الأفكار والرؤى الإنسانية، بالوسائل واللغة السينمائية، عبر تمازج الصور واللقطات ببعضهما البعض وتوليفهما سويًا.
ولا شك أن الظروف العامة التي أحاطت بالمسيرة الإبداعية لبيلا تار ساهمت بشكل أو بآخر في تأصيل هذه التجربة، فالطبيعة الجغرافية للمجر بوقوعها في المنتصف بين عدة دول، تبدو وكأنها في حالة حصار دائم، مثل تاريخها الحديث المُحاصر على الدوام بالأزمات السياسية، التي ألقت بظلالها على رؤية تار بشكل متواري أحيانًا، فالفنان لا ينفصل عن مُحيطه الاجتماعي أو التاريخي، بل يُعبر عنهما بأسلوبه الخاص.
فقد عاصر مخرجنا التقلبات السياسية التي أحاطت بالمجر، بدءًا بالمنعطف الشيوعي والسيطرة السوفيتية، وصولًا لمرحلة فك الاشتباك مع العقائد الاشتراكية والتحول للسوق الحر. وبالتالي، جاءت أفلام بيلا تار كتعبير عن ميلاد جيل جديد من مخرجي السينما المجرية، بعد الجيل الذهبي الذي يضم بين راحتيه ميكلوش يانتشو، فإذا كانت أفلام يانتشو تُمثل ذروة السينما المجرية في الستينيات والسبعينيات، فأفلام بيلا تار تُشكل مرحلة موازية للتعبير السينمائي، مُتخذًا من الفلسفة – التي كان يرغب في دراستها في جامعة “إلتي” ببودابست – معيارًا للرؤية ومنهجًا للتعبير.
فالعوامل الاجتماعية والثقافية المُحيطة ببيلا تار شكلت حيزًا لا بأس به من أفكاره، ومن ثم صبغت أسلوبه السينمائي بمذاق لا يُشبه غيره. فعبر تسعة أفلام روائية طويلة، تُمثل منجزه السينمائي، إذا اقتطع مشهد ما من أفلامه يُمكن بسهولة إدراك نسبه وهويته، والسبب هذه البصمة والروح التي لا تفقد بوصلتها؛ نبحث هنا في هذه المساحة عن اتجاهات تلك البوصلة الإبداعية.
ملامح البدايات
عندما وصل بيلا تار للسابعة عشرة من عمره، أهداه والده كاميرا 8 مم، التي كانت سببًا لاحترافه العمل السينمائي فيما بعد، وفي ظل سيطرة الحزب الأوحد على المسارات الحياتية آنذاك، اتخذ تلقائيًا مخرجنا من الفكر الاشتراكي منهجًا، سواء من ناحية انتقاد دور المؤسسات الشيوعية، والإشارة إلى تكلس أدائها، وانعدام المسؤولية لديها، أو التعبير عن معاناة المجريين في تلك الفترة. وتتضح تلك النبرة الساخرة الناقدة للأوضاع العامة في أعماله الثلاثة الأولى، أو فيما جرى تسميتها ثلاثيته الأولى، التي بدأها بفيلم “عش العائلة” (family Nest) إنتاج 1979، وتبعها بفيلم “الدخيل” (The Outsider) إنتاج 1981، ثم فيلم “الناس المُفضلون” (The Prefab People) إنتاج 1982.
وبنظرة بانورامية، نكتشف أن الثلاثة أفلام الأولى ما هي إلا امتداد لبعضها البعض، تتواصل أفكارها وتتلاحق في وحدة عضوية واحدة، وتكتمل في مصفوفة متناسقة، يُمكن من خلالها فهم ليس فكر بيلا تار في تلك الفترة فحسب، بل التوجه الفكري في المجتمع المجري. عبر هذه الأفلام نقف أمام ثلاثة تجارب زواج أو شروع في الزواج، والمعوقات الاقتصادية والحياتية تقف كحائط صلب أمام تحقيق الأحلام، بمعنى أدق الوصول للحد الأدنى من المتطلبات المشروعة.
الزوج ذو الشخصية الضعيفة في “عش العائلة”، وعازف الكمان في “الدخيل”، والزوج الغاضب في “الناس المفضلون”، كل هؤلاء ما هم إلا تنويعات على نفس الفكرة والشخصية، فالأفكار التي تدور حول المجتمع والأسرة، هي ما تم تداوله في مرحلة الأفلام الأولى، مُعتمدًا على الأسلوب الواقعي، في رصد ما يدور في المجتمع من سلبيات إنسانية ومجتمعية، وبالتأكيد لا تخلو من الحس السياسي الناقد لما يدور هناك من أوضاع توشك على الانفجار، وكأن بيلا تار بإشارته لما يدور أسفل أنقاض المجتمع يُبشر بتغيير على وشك الحدوث، وهذا ما حدث بالفعل عام 1989 أثناء الانتفاضة ضد الأنظمة الشيوعية.
ورغم تعبير هذه الأفلام عن المجتمع بنظرة كلاسيكية أو بالأحرى حيادية، إلا أن الفيلم الأول “عش العائلة” لم يَعبرُ بسلاسة كما يعتقد البعض، ويكمن السبب في أن بيلا تار خارج المنظومة السينمائية الرسمية، فحتى هذا الحين، لم يكن قد عبر من أسوار المعهد السينمائي، الذي بدأ بالانتساب إليه بعد نجاح هذا الفيلم، حينها بدأت المرحلة الاحترافية لمخرجنا، وتحديدًا في بداية الثمانينات.
صكوك الاحترافية
عندما عُرض فيلم “الناس المفضلون” في مهرجان لوكارنو السينمائي عام 1982، بدأ اسم بيلا تار يأخذ منحى مغايرًا؛ فقد ارتبط اسمه بالأوساط السينمائية الأوروبية، ثم أعقب ذلك عرض فيلم “روزنامة الخريف” (Almanac of Fall) عام 1984 في مهرجان لوكارنو كذلك، حينها استحق مخرجنا صك الاحترافية والتقدير، ليس بحكم تواجد أفلامه في المهرجانات السينمائية الكبرى فحسب، لكن هذا الثِقل يعود إلى طبيعة الموضوعات التي تطرحها هذه الأفلام، وانحيازها للفرد، حتى مع هبوطه في منعطف الضعف الإنساني.
فشخصيات بيلا تار تعاني من البؤس والشقاء النفسي، ومن ثم يدور رحى الصراع داخل الإنساني. شخصيات مُعذبة، وسر عذابها يكمن في هذه الحياة الملونة بصنوف العذابات التي لا تنتهي، من يبحث عن ذاته التائهة، أو الحائر بين هذه المرأة أو تلك، أو من يحب امرأة منسوب الوفاء لديها يتناقص بإطراد، وغيرها من النماذج الإنسانية؛ فالسينما عند تار أشبه بالمآسي الشكسبيرية، تُدخل مُتفرجها في حالة من الانجذاب تجاهها والتعاطف معها.
خمسة أشخاص يعيشون في إحدى الشقق السكنية، يكاد يندر خروجهم منها، وبداخل كل منهم ما يعصي على الفهم والتفسير من علل نفسية وإنسانية، هكذا تدور فكرة فيلم “روزنامة الخريف”، فالمعنيّ هنا هو النفس، التي تحوي بداخلها كل هذه المتناقضات، من حب وكره، وضعف وشوائب أخرى تُغطي نفوس هؤلاء. فإحدى أهم الأفكار المتداولة في أفلام بيلا تار هي البؤس والشقاء الإنساني، وما يفعله بإصرار مقصود في الإنسان، ودفعه نحو هاوية مُحققة، مثل كارير (ميكلوش سيكيلي) في فيلم “السيطرة” (Domination) إنتاج 1988، حيث نرى الشخصية الرئيسية تقع ضحية حب امرأة متزوجة، وحينما يود الفرار من أسر هذا الحب المستحيل، يجد نفسه يدور في فلكها دون أمل في النجاة.
أفكار مثل هذه تبحث عن مأوى، يحتويها ويبلورها في أعمال سينمائية، دون تدخل جهات إنتاجية سواء عامة أو خاصة، لذا أنشا بيلا تار في الثمانينيات استوديو “تارسولاس” برفقة مجموعة من السينمائيين المجريين الباحثين عن سينما مُغايرة، تبتعد عن الموضوعات المألوفة للسينما التجارية، وتسعى للمزج بين الروائي والتسجيلي. في هذا الاستوديو أخرج بيلا تار الفيلم السابق “روزنامة الخريف”، وعندما كان يستعد لإخراج فيلم “السيطرة”، واجهته عواقب عدة تُشي بتهميشه مُجددًا من المجتمع السينمائي.
العيش على الحافة
لسنوات عدة، ظل بيلا تار يُعاني من التهميش من الأوساط السينمائية، ويُرفض الاعتراف باسمه، أو بأي إنجاز يُحققه، أو كما تقول زوجته آنيس هرانتيزاكى: “الموقف على النحو التالى: لم يعامل بجدية كمخرج سينمائي، فهو بالنسبة للاستوديوهات كان مجرد حالم”، إلا أن الحلم لا شك وثيق الصلة بالواقع، ويكاد يلتحم به. فإذا كان مخرجنا ضحية الهامش، فشخصياته كذلك، بدت هي الأخرى، على الهامش، وإذا انتقلت للمتن، أو إلى دائرة الضوء، تقلقل وضعها وفقدت حيثية وجودها.
في اللقطات الأولى في “عش العائلة” نرى الزوجة العاملة أثناء انتقالها من منزلها للعمل، حيث تسير في شوارع تنتشر فيها الحيوانات والدواجن، ثم نجدها تعبر إحدى الشوارع الرئيسية، وكذلك كارير في “السيطرة” حينما ننظر إلى مكان إقامته، نجده في إحدى القرى الهامشية، والمطر والوحل يُحيط بها من كل جانب؛ والذروة في “تانغو الشيطان” (Satantango) إنتاج 1994، والأحداث لا تدور سوى في قرية مهملة مُقفرة، وكأنها خارجة للتو من الجحيم، ويستكمل بيلا تار التعبير عن خصوصية المكان في “حصان تورين” (The Turin Horse) إنتاج 2011، حيث نرى سائس العربة، يعيش برفقة ابنته وحصانه الوحيد بجوار الجبل، أو على حافة الطريق.
فدلالة المكان في أفلام بيلا تار تُعبر من ناحية عن رفض هذا العالم، أو الوقوف على الحياد، بلا أدنى أثر يُذكر، وفي محبة الهامش وتعبيرًا عن المعذبين في الأرض، بتواجدهم على حافة العالم، إشارة إلى ضآلتهم وضعفهم في مقابل قوى أخرى قد لا تراها أعينهم، وبالتالي ما اختيار المكان إلا تضامنًا مع غير المرئيين، بالأحرى الإنسان في أضعف حالاته.
بصفة أساسية، تتكرر سمات المكان من فيلم لآخر، تأكيدًا على رؤية بيلا تار للعالم، والاستثناءات نادرة الوجود، اللهم إلا في أفلام “هارمونيات فاركميستر” (Werckmeister Harmonies) إنتاج 2000، و”الرجل من لندن” (The Man From London) إنتاج 2007، حيث يعيش البطل في المدينة المُقبلة على الثورة في الفيلم الأول، والميناء البحري حيث يعمل البطل في الفيلم الثاني. لكن كلا البطلين ينتميان بطريقة أو بأخرى للمهمشين، ويسعون للانتقال لمرحلة أخرى من حياتهم، يانوس في “هارمونيات فاركميستر” يسعى لفهم العالم وإدراك كنهه، في مقابل مولين الذي يعمل في المرفأ البحري ويسرق أموال أحد العاملين سعيًا للثراء السريع.
غواية المرأة
حضور المرأة في أفلام بيلا تار محفوف بالغواية، والخطر أيضًا، يُنظر إليها كتفاحة مغوية أحيانًا، وكسبب للخراب أوقات أخرى، قد يرى البعض أن ذلك يرتبط بمسار الدراما، والقصة المُحكاه في الفيلم، لكن الوضع ليس كذلك في أفلام بيلا تار، فالأهم هو الفكرة، ثم تأتي الحكاية فيما بعد، ولذلك لا يكتب سيناريوهات بالمعنى المتعارف عليه لأفلامه كأغلب المخرجين، لكن وقت التصوير تأتي التوجيهات الإخراجية بمصاحبة الإلهام الإبداعي.
البداية مع فيلم “عش العائلة”، حيث تترك الزوجة منزل الأسرة غاضبة من زوجها، فالزوجة في نظر حميها ليست سوى سبب تعاسة ابنه، وتُعيقه عن تحقيق حلمه. تستمر هذه الرؤية في “الناس المفضلون”، حيث الزوجة مُثيرة للمشاكل دومًا، وعندما يضطر الزوج للهرب من تلك الحماقات، تتمسك به الزوجة، هذا في البدايات، ماذا عن اللاحق؟ هل تغيرت الرؤية مع مرور الزمن؟ أم يبقى الحال راكد لا يتبدل؟
في فيلم “روزنامة الخريف” نرى رجلان يتشاجران حول حب امرأة تسكن معهما في نفس الحيز المكاني، وفي مشاهد أخرى، نجدها تترك نفسها لشخص آخر، تلك الحالة تتماثل مع الفيلم التالي “السيطرة”، حيث البطلة مُغنية البار، تُحب شخص أخر غير زوجها، لكنها تتركهما وتدخل في علاقة أخرى مع صاحب الحانة. هنا المرأة كالتفاحة تغوي وحينما تقترب منها تُدرك أنها مسمومة، لذا يقول كارير في أحد المشاهد: “لا أقدر على البعد عنها”، وفي الوقت نفسه لا يقوى على الاقتراب منها، فحياته أشبه بدائرة مُفرغة من الجنون، وليس هو وحده من يُعاني، فالرجل عند بيلا تار ضحية الحب أو بقول آخر قُربان للمرأة.
لا شك أن هذه الرؤية نحو المرأة، ليست نابعة من كره نحوها، أو عاطفة مُشوهة، بل تُشير لشيء ما أعمق نحو الحياة. فالحياة عند مخرجنا يحف بها الغموض، كأفلامه التي تحوي جرعات كثيفة من الضبابية، وحينما يتبدد هذا الضباب، تتضح الرؤية وتتعمق بطريقة أو بأخرى. كذلك العلاقة بين الرجل والمرأة، علاقة متوترة على الدوام، وإذا خفت التوتر والارتباك، أدرك كل منهما الآخر، مثل لحظات الصفاء في أفلام “روزنامة الخريف” و”السيطرة”، فعندما يدرك الرجل سر المرأة، يصل لدرجة من الوعي بقيمتها، ولكن هذه اللمحات الإدراكية نادرة، والوصول إليها شاق، كالبحث عن معنى الحياة من بين تشابكات النفس وما يدور في داخلها من صراع.
فلسفة الحياة
تتميز الأفلام الكبرى في تاريخ السينما العالمية بقدرتها على تناول القضايا الإنسانية والفلسفية، ولكل مخرج وأسلوبه في التناول والمعالجة. وهنا تتباين أسلوبية كل مخرج حسب طرحه للمضمون، وأفلام بيلا تار لا تخلو من الطرح الفلسفي الذي يغوص في دهاليز النفس البشرية؛ فإذا كان الروائي الروسي فيدور دوستوفيسكي تناول في أعماله ما يعتمل في الداخل الإنساني عبر تشريح النفس الإنسانية بسهولة ويسر، فمخرجنا يُمسك هو الآخر بمشرط حاد النصل، ويوجهه نحو الطبيعة البشرية، لكنه مشرط بمذاق فلسفي خالص.
وبنظرة عامة على أعمال تار، يُمكن تقسيمها إلى شقين. الشق الأول، الذي يُمثل الأعمال الثلاثة الأولى، والتي تتسم بالوحدة الموضوعية والفكرية، حيث يدور المضمون حول العائلة ونقد الأوضاع الاشتراكية آنذاك، إلا أنه بدءًا من الثمانينيات اتخذت الأعمال التالية صبغة فلسفية واضحة، تتخذ من العمق الإنساني ساحة صراع داخلية، تتسع أكثر فأكثر وتتبلور بصورة أكثر وضوحًا كلما توالت الأفلام، حتى نصل للذروة في فيلم “حصان تورين”.
بداية تلك المرحلة في “روزنامة الخريف”، حيث يتأجج الصراع النفسي لساكني تلك الوحدة السكنية، كل منهم يُعاني من شيء ما، يخفى على الآخر، ويتجرع الجميع عذابات النفس والوحدة. يتجدد هذا الصراع بصورة أكبر في “السيطرة” حينما يقع كارير في حب مغنية البار المتزوجة، وحينما يُحاول الفكاك من هذه العلاقة، يجد نفسه ينساق على نحو أكبر إليها. فشخصيات بيلا تار تبدو مُندفعة نحو قوة داخلية أكبر منها، تُحكم السيطرة عليهم وعلى أفعالهم؛ وبالتالي تأتي ردود الأفعال غير متوقعة، أو قد تبدو غير مُبررة، لكنها بطريقة أو بأخرى تُشي بالضعف الممزوج بفلسفة خاصة، لا تصدر سوى عن شخصيات ذات بنية نفسية بالغة التعقيد، تنظر للحياة بنظرة لامبالية، ولا تخلو من فوضوية.
وعلى الرغم من فوضوية الحياة، إلا أن هناك رغبة حثيثة لفهم كُنهها، مثل يانوس الذي يتبع حدسه للفهم والإدراك، ويتابع عروض الأمير الوهمي في فيلم “هارمونيات فاركيمستر”، وحينما يوشك أن يصل للمعنى الكامن للحياة وفهم سرها المُغلق، تُباغته قوة أكبر وتُقبض على أحلامه، ففرضية الحلم المُجهض تتكرر مرة أخرى. في الفيلم التالي “رجل من لندن” عندما يتبدد حلم مولين، موظف الميناء، بالثراء السريع، ويُسلم نفسه للشرطة بعد سرقته للمال، بإيعاز من ضميره، رغم الإطار العبثي الذي يُغلف حياة البطل.
يرى الفيلسوف الألماني، فريدريك نيتشه، أن الحياة تخلو من أي معنى، وبالتالي يرفض كل القيم الاجتماعية والسياسية، ليس هذا فحسب، بل يعتقد أن انهيار معنى الحياة وخلوها من أي أهداف، من أكبر العوائق والقوى المضادة، وأفلام بيلا تار تتبنى هذه الرؤية بدرجة كبيرة.
في “تانغو الشيطان” يُفتتح المشهد الاستهلالي للفيلم على لقطة طويلة لقطيع من المواشي، بلا راعي، والمظهر العام للبيئة المُحيطة يُشي بالوضاعة، وكأن البشر القائمين في تلك البقعة هبطوا فجأة على الأرض، في إشارة مُبطنة إلى خواء هذا العالم. وتتكرر هذه الإشارة في “حصان تورين”، لكن على نحو أكثر دقة، فعندما يزور الجار منزل السائس، وأثناء تناوله الشراب، يُلقي منولوج طويل عن الفوضى وعدمية وخواء العالم، ولا جدوى الحياة، في خطاب عالي النبرة، لكنه يكشف عن فكر بيلا تار بجلاء ووضوح، وكأنه في هذا الفيلم يروي نظرته الخاصة للحياة.
فالنظرة العدمية نحو الحياة المتأثرة بنيتشه، لا تظهر فقط في “حصان تورين”، لكنها تمتد للأفلام السابقة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، مشاهد الحانات والشراب، والبشر الجالسين في صخب أحيانًا وفي صمت أحيانًا أخرى، لا شيء سوى انتظار تدفق لحظات حيواتهم في ملل، ومشاهد اللحظات الصامتة الطويلة، التي لا تُعبر سوى عن بطء إيقاع الوقت والرتابة التي تقطر منه.
ماهية الأسلوب
يُمكن القول إن أفلام بيلا تار تنتمي للسينما الخالصة، أي تلك التي تعتمد في بنائها على توالي الصور والمشاهد ومزجها عضويًا في النسيج الدرامي للفيلم، وأهم نقطة في البناء السردي هي الزمن، مُمتد دون قيود، ليس عن رغبة في صنع أفلام طويلة المدة، بل لأن الإطار العام للفكرة والتعبير عنها في حاجة لهذا الطول المُفرط أحيانًا. فالزمن في “تانغو الشيطان” يكاد لا يتزحزح عن مكانه، لكن برؤية حيادية، نجد أن السرد يدور في إطار أربعة عشر فصلًا، كل منهما يرتبط بحادثة عودة أرشيماس ورفاقه بعد اختفائهم لفترة من الوقت، حينها ترتبك القرية وساكنيها، فالرغبة في التغيير، لا تزال حلم يراود البعض، فضلًا عن الحاجة للإحساس بمرور الوقت وثقله، وبالتالي تبدو الساعات السبع وعشرون دقيقة زمن عرض الفيلم مُلائمة.
وبما يتناسب مع تلك الرؤية الإخراجية، يعتمد بيلا تار على المشاهد واللقطات الطويلة والحوارات، بأسلوب قد يراه البعض مسرحي نوعًا ما، خاصة مع ثبات المكان، لكن اللمسات السينمائية تظهر بين طيات هذا الإطار عبر اللجوء إلى الترافلينج واللقطات المتوسطة الوصفية، والتي تتلاقى مع نظرة بيلا تار، فالسينما عنده موضوعية، وتعتمد على الوصف بدرجة كبيرة.
والسينما الوصفية تعتمد على الجماليات الفنية بطريقة أو بأخرى، ودرجات الأبيض والأسود عند بيلا تار تُمثل رُكنًا أساسيًا في التعبير. فالسينما لديه هي صاحبة اللونين الأساسيين، أما الألوان المتعددة، فلم يلجأ إليها سوى في فيلمين فقط من إجمالي تسعة أفلام، وهما “الدخيل” و”روزنامة الخريف”، وعندما سُئل في إحدى الحوارات الصحفية عن سر هذين اللونين في أفلامه، أجاب بأنه يرى أن مجالات الإبداع واللعب أكثر تنوعًا في تلك المنطقة عن غيرها، بل وتبدو في نظره أكثر واقعية.
تلك الواقعية التي يبدو وكأنه يبعد عنها كلية، فأسلوبه السينمائي يراه البعض يقترب على نحو أكثر من آندريه تاركوفسكي، من ناحية الصورة والإيقاع والحس الفلسفي، لكن هذه النقطة تبدو إشكالية ولا تخلو من فخاخ، فبيلا تار يرفض هذا التشبيه، ويرى أعماله مغايرة عن أعمال تاركوفسكي، بل تملك بصمتها الخاصة، والنقطة الأهم، أنه بالفعل أنجز رؤيته هو للحياة، التي تختلف بالتأكيد عن أي من السابقين، ولا أعتقد أنها ستتماثل مع اللاحقين، فلكل فنان سينمائي نظرته، وبيلا تار يملك تلك النظرة العميقة نحو الواقع، الذي تراه أعيننا، وكأنها لا تراه.
——————————
شاعر اللقطة الطويلة/ إسماعيل غزالي
آخر تحديث 08 يناير 2026
مثلما هي أفلامه دروس كبرى في المعرفة البصرية، في فن تدبير اللقطة الطويلة المتماهية مع ثقل النفس البشرية، أو فرط سوداوية الوجود، خاصة “تانغو الشيطان” و”تناغمات فيركمايستر”، و”حصان تورينو”، كذلك هي حواراته المتقشفة، بصوغ شذري لاسع، يشحذ في ما قلّ من حفنة القول، موجز التجربة بما دلّ وأكثر من شرارة المعنى، الأمر يتعلّق بالمخرج المجري بيلا تار الذي رحل في 6 يناير/كانون الثاني 2026، عن عمر يناهز 70 سنة.
“لا تستطيع أن تعرض وضعا داكنا بألوان فرحة، ولا تستطيع أن تضفي عليه حلولا مطمئنة، ما أقوم به هو أن أعرض الواقع وأعلق عليه من زاويته. إلى ذلك، أنا لا أرى ما يثير البهجة اليوم”. يفصح المخرج المجري في حوار عن علاقته بالمخرج أندريه تاركوفسكي، فاللقطة الطويلة في سينما بيلا تارـ اختبار شاق للتحمّل، استغوار للزمن، ومجابهة قاسية لتكرار يتطابق مع إيقاع الوجود، بينما عين الكاميرا الراصدة باردة، وبذا يقحم المتلقي في امتحان الضجر، معايشة لبؤس إنساني دامغ، بينما اللقطة الطويلة في سينما تاركوفسكي تأملية، متأهبة للتسلل إلى منطقة الحلم، شاعرية، ضالعة في التأمل المضرّج بالصمت، لكن ذات أثر ينحاز للإيمان، عبر رموز دينية مائية، نارية، أيقونية، وقربانية، كأنما السينما محض صلاة تتحقق بشعرية بصرية، وأما في سينما بيلا تار، فالعالم بلا قداسة، محض خراب شاهد على غياب الإله.
السينما وفق حالة بيلا تار العدمية، ليست استعراضا بالمرة، بل تجربة معاشة تحدث تحولا عميقا في هاوية العتمة المطبقة، وهو لذلك يجافي أسطورة المؤلف الإله، حتى إنه لا يحبذ النظر إلى نفسه كفنّان، بل مجرد صانع سينما بسيط، والسينما إذن حرفة إنسانية متواضعة، لا ادعاء نخبويا فيها، وحسبه أنه لا يفكر أبدا في الأمور النظرية عندما يعمل، ورهان المغامرة كامن في العمل دون سيناريو مسبق، لا ممثلين محترفين، وما يعنيه ليس السرد، ولا الحبكة، بل الزمن، تماما وليس لماما، الزمن هو المادة العاتية للسينما بلا هوادة، واحتكاما لذلك ففلسفة اللقطة الطويلة تغدو تأملا وجوديا، أكثر من ذلك اللقطة الطويلة ليست أسلوبا وحسب، بل طريقة تفكير، والصمت ليس فراغا، بل امتلاء دامغ الثقل.
وعن تناغم أشلاء التجربة البصرية حينما يتنفس الجميع بوتيرة إيقاع مشتركة واحدة، يضيف: “أحيانا عندما نصور لقطة طويلة، يكون الجميع: الممثلون، عامل العربة، مدير التصوير… يتنفسون بالإيقاع نفسه، يشبه الأمر علاقة حميمة ناجحة… الكاميرا تدور… هذا ما اكتشفته تدريجيا أثناء العمل باللقطات الطويلة… الفيلم يكتب بالصور، بوجوه البشر، بردود أفعالهم”.
على حجر اليقظة يشحذ بيلا تار أسلحة التوتر في ماراثون اللقطة الطويلة: “اللقطة الطويلة تحمل توترا خاصا جدا، لأن الجميع يجب أن يكون في أقصى درجات اليقظة… وهذا التوتر ينتقل إلى الشاشة”.
وهو لذلك يكره أن يتحكم مسبقا في كيمياء المشاعر، كارها لتدبير تموج انفعالات الممثلين: “عندما أستخدم لقطة طويلة، لا أقول الكثير للممثلين… إنهم يطورون أشياء من شخصياتهم، من أعماقهم، عليهم أن يتفاعلوا مع بعضهم البعض… ويمكنك أن ترى ذلك في أعينهم”.
السينما بحسب الرؤية الحادة لبيلا تار صدمة وجودية وأخلاقية في آن، ولا ينبغي لها كفنٍ مزعج أن تكون أداة للتهدئة، ولكي يكون الفيلم قريبا من الحياة، من رعب الحقيقة، فعليه أن لا يجامل حينما يتعلق باللعنة المسماة واقعا وفق توصيفه اللاذع.
اللقطة الطويلة في مرصد بيلا تار الجمالي والفلسفي، ليست تمثيلا كيفما اتفق، بل حدث شعوري مشترك. ما أبعدها مسافة لكي تكون حيلة فنية، بل محض مساحة جسورة لتعالق تأملي بين الفيلم والمشاهد. كيف لا وهي معنية باستغوار وجود إنساني كما هو، من زاوية الواقع نفسه، لا الأداء المصطنع إذن هو رهانها، وإنما مجازفة استكناه عمق الكينونة لا التمثيل.
وكيفما كان إيقاع الفيلم مفرطا في ماراثونيته، فهو يعتمد كليا على ما يريد قوله، إذ إن الوتيرة الفادحة لاستطالة المشهد، جزء من طريقة التعبير الفني ذاته، واستنادا إلى ذلك، فاللقطة الطويلة لدى بيلا تار لا تقاس بحجم إيقاعها فقط، بل بحجم التوتر الذي تخلقه بين الممثلين وعين الكاميرا، حيث يتشكل المعنى بفضل تفاعل الأجساد مع الزمن والفضاء، لا من آلية السرد المتسارع، والمشاهد يلفي نفسه مقحما داخل حيز هذا الفضاء المتوتر، يتأرجح بين التكرار الممعن، والتحول المرتقب خلف إسهاب البطء، وهذا ما يعزّز الأثر المزدوج للفرجة والمعايشة في آن.
لا محالة، تستوعب حذاقة التلقي ضمن هذا التحمل اللامألوف، مسألة اللقطة الطويلة، بالنظر إليها كانضباط شعري صارم، في انسلاخ تام عن البطء الاعتباطي، أن تعيش الزمن بثقله داخل اللقطة كما هو، وليس كشيء مختزل، وبذا يمكن عدّ سينما بيلا تار، بصورة من الصور، مقاومة جمالية وأخلاقية ضد اقتصاد السرعة الموبوء.
اللقطة ليست محض تأمل كيفما اتفق، بل أن تعيش هشاشة الوجود ورعبه، داخل حيز زمني ثقيل لا يرحم سوداوي آسن.
باللقطة الطويلة يخلق بيلا تار استمرارية نفسية ضالعة في التوتر، لا يمكن تحقيقها بوتيرة التقطيع السريع، يحملك على أن تعيش مفارقة الوجود وفزعه، بؤسه أو عبثه، داخل إيقاع واحد ممعن في الثقل والرماد والخراب.
اللقطة الطويلة وفق شاعرها المجري، بيلا تار، تتفرّد باجتراح عالم سينمائي عبر الزمن لا عبر الحبكة، كذا هي طريقة مبتكرة لجعل السينما فنا للإيقاع وليس الحدث.
المجلة



