سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

كيف تكون سورياً؟/ ثائر الزعزوع

يناير 15, 2026

إبان فترة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها فرنسا عامي 2018 و2019 وعرفت عالمياً باسم السترات الصفراء، كرر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خطاب متلفز وجهه للشعب الفرنسي عبارة “فن أن تكون فرنسياً” أربع مرات، وقد أثارت هذه العبارة نوعاً من اللغط في الأوساط الثقافية الفرنسية، وطرحت لنقاش أكاديمي واسع، فماذا يعني أن تكون فرنسياً!

الآراء كلها صبت في مصلحة الفن والثقافة، واللغة أيضاً باعتبارها الحوامل الأبرز للأمة الفرنسية، ولم يتطرق أي من المفكرين الذين تمت استضافتهم في أحد البرامج التلفزيونية إلى شخصية سياسية أو عسكرية. بل حضر وبقوة الشعراء والرسامون والمغنون. كشواهد على “كيف تكون فرنسياً” وكان الكاتب الفرنسي الشهير جان كوكتو يقول: “وطنيتي هي لغتي الفرنسية”.

وقد شاركتُ منذ فترة في نقاش مفتوح، ضم عدداً من المثقفين والكتاب والسياسيين، لمناقشة فكرة الهوية الوطنية السورية. اصطدمنا كالعادة في عدم وجود تعريف واضح ومباشر لماهية الهوية السورية، و رغم اجتهادنا في نحت مفهوم خاص لتلك الهوية، إلا أننا عدنا إلى نقطة البداية في كل مرة، ما الهوية السورية حقاً؟ وهل يكفي كونك ولدت وترعرعت في سوريا أن تكون سورياً، أم أن ثمة مواصفات ما ينبغي أن يتمتع بهذا ذلك الكائن كي يكون سورياً؟

كان رأس النظام المخلوع يعرف السوري على الشكل التالي: إن الجنسية السورية حق لمن يدافع عن سوريا فقط، وإن الأزمة أفرزت بشكل جيد من هم السوريون، ومن هم غير السوريين.

وقد استوقفني وقتها هذا التعريف مطولاً، وأنا الذي ولدت وعشت في بلد ظل على مدى خمس وخمسين سنة يسمى سوريا الأسد، هكذا بكل بساطة، فكان انتمائي الوطني يقودني بالضرورة إلى انتماء سياسي، يتمثل في الديكتاتور الأب مؤسس “الدولة الاسدية” وهذا يعني بالضرورة أن أي تمرد على تلك التسمية يجرد صاحبها من انتمائه الوطني كلياً، فلن تكون سورياً إن لم تكن أسدياً. وقد ظهرت، فعلاً، دعوات من قبل بعض مؤيدي النظام البائد بسحب الجنسية من بعض المعارضين، وتجريدهم من سوريتهم.

وفي ردودنا الانفعالية، آنذاك، على ذلك الطرح، ذهبنا نحن أيضاً، من كنا نصنف كمعارضين للنظام، إلى اعتبار كل من يقف مع ذلك النظام ليس سورياً، بل إن ثمة من كان يسعى جاهداً لإثبات أن عائلة الأسد التي ينتمي لها رأس النظام، ليست سورية وأنها إنما حلت في سوريا وافدة من مكان ما. طبعاً هذا الكلام لن يقدم أو يؤخر في واقع الأمر شيئاً، فرأس النظام البائد هو سوري ولادة ونشأة، وأبوه الديكتاتور السابق كان كذلك، إذاً كيف يمكن أن يكون المرء سورياً؟

فإذا كان جان كوكتو اعتبر أن وطنيته هي لغته الفرنسية، و قياساً على ذلك فإن كاتباً من أصول لبنانية مثل أمين معلوف الذي انضم إلى الأكاديمية الفرنسية يمكن أن يكون فرنسياً، فهو يكتب باللغة الفرنسية، بل وهو يصنف من بين أكثر عشرة كتاب قراءة في فرنسا، كما يعتبر اللاعب، الجزائري الأصل، زين الدين زيدان، أحد الرموز الفرنسية.

وربما أستطيع أنا الذي أتقن اللغة الفرنسية أن أعتبر نفسي فرنسياً. لكننا في سوريا لا نستطيع قول ذلك، إذ لا لغة جامعة لنا، بل إن بعض السوريين لا يفهمون ما يقوله البعض الآخر نظراً للاختلاف الكبير في اللهجات، ولا أغنية سورية نتوافق عليها، فقد اعتبرنا على مدى عقود أن فيروز مغنيتنا، رغم أن فيروز، مثلاً، هي فنانة لبنانية وليست سورية، ولم تولد أو تعش معنا في تلك المساحة الجغرافية.

تعرف سوريا باسمها الرسمي الجمهورية العربية السورية، وهذا يجعلها جزءاً من الوطن العربي، الذي تشكّل اللغة العربية جامعاً رئيساً فيه، لكن إتقان العربية لا يعني أبداً هوية سورية، ثم إن في سوريا سوريين ليسوا عرباً، والدولة أيضاً هي عضو في منظمة التعاون الإسلامي، لكن الإسلام أو أي دين آخر لا يمكن أن يشكل هوية وطنية، وخاصة في بلد يضم ديانات وطوائف مختلفة.

وقد ظل هذا التنازع يحكم الانتماء السوري طيلة عقود، واستمر ربما إلى ما بعد اندلاع الثورة بسنتين أو ثلاث سنوات، وربما أكثر، فهل يكفي الحصول على الجنسية السورية كي يكون المرء سورياً مثلاً؟ طبعاً لا، لأن هناك عشرات الآلاف من السوريين الذي كانوا وما زالوا محرومين من الجنسية، كما قام النظام بمنح الجنسية للكثيرين من عناصر الميلشيات الطائفية التي استقدمها، فهل صار أولئك سوريين؟

في الثامن من كانون الأول/ديسمبر من العام المنقضي، ظهرت الهوية السورية في صورة غير مسبوقة، ملايين الأشخاص خرجوا إلى الشوارع يحملون علماً وطنياً، دفعنا ثمنه غالياً، في مختلف المدن السورية، ويغنون أغان لسوريا، بحب وحماس مدهش، بل إن كثيرين سافروا من دول أخرى كي ينضموا إلى المحتفلين بالذكرى السنوية الأولى لعيد التحرير، من دون أن يفكروا فيما إذا كان نظام الحكم يمثلهم أم لا، بل فكروا فقط في أنهم استعادوا انتماءهم الخالص لبلدهم، انتماء بلا لواحق، فسوريا هي سوريا، سواء أكتبت بألف الإطلاق أم بالتاء المربوطة، لا يهم.

أمام ذلك المشهد الذي، وللأسف، لم تسعفني ظروفي لأكون جزءاً منه، عدت لأطرح على نفسي هذا السؤال: كيف تكون سورياً؟

أعتقد أن هذا السؤال سوف يظل مثار بحث، ونقاش لوقت ليس يسيراً، ما دام رجل واحد استطاع بقرار منه، أن ينزع عن مئات الآلاف من السوريين انتماءهم، ويلصق بهم انتماء جديداً لم يكونوا قد سمعوا به من قبل، فمن يحق له أن يمنحني انتمائي الوطني، ومن يحق له أن ينزعه عني؟

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى