
2026.01.12
منذ أن وصلت القيادة الجديدة إلى الحكم في دمشق سارعت إلى ارتداء إهاب الشرعية القانونية وأعلنت الانتقال إلى عقلية “الدولة”، كما أصرّ مؤيدوها على منحها صفة “الدولة”، في خلط معتاد مع مفهوم “السلطة” الأدق اصطلاحاً، التي كانت تتحرر بسرعة لافتة، من أي لواحق تضبط عملها وتعبّر عن واقعها، مثل أوصاف “المؤقتة” أو “الانتقالية”، الأدق مرة أخرى.
ووفق نهج قديم لها، عندما كانت حكماً محلياً في إدلب، لجأت إلى المظهرية لملء الفراغات وتلافي النواقص والإقناع بالشكل ريثما يتوافر المحتوى أو يُنسى، بدءاً من الألبسة الموحدة (اليونيفورمات) المحددة لقطاعات من وزارة الداخلية، ومنحها سيارات مطلية بشعارات مميزة، وأحياناً أسماء أجنبية (Unit_A1) أو مهيبة (وحدة المهام الخاصة)، وصولاً إلى التشديد على استخدام ألفاظ الفخامة والمعالي لوصف مسؤوليها في الإعلام الرسمي وللتداول في المكاتب الحكومية.
والحق أن ذلك لم يكن فقط تعبيراً عن الفرح بالمناصب المفاجئة، بل أساساً لرسم الانتقال من صورة قادة الفصيل، الذي لم يكن معظم السوريين يعرفون عنه ما يكفي، إلى مشهد “رجال الدولة”، الذين يُعتمد عليهم للخروج من حضيض الأسدية، في خريفها، باتجاه وعود براقة عريضة بإعادة الإعمار والتنمية والازدهار والمكانة.
ولأنّ هذه السلطة “براغماتية” كما كان يقال، وغير مشغولة بالشفافية كما بات واضحاً؛ فهي تحتاج لأداء مهامها إلى الإيمان بها أو السمع والطاعة، وهو ما منحته لها جماهير من أنصارها، وإلى الهيبة لتعزّز ولاءهم من جهة ولترهب خصومها الداخليين من جهة أخرى.
ولذلك ارتبط خطاب “الدولة” الجديدة بمهام صارمة؛ “بسط سيطرتها” على كل شبر من البلاد، وحصر السلاح بأيدي عناصر قواتها، والمحافظة على الوحدة برفض “اللامركزية” المتهمة بشبهة التقسيم، و”الضرب بيد من حديد” عند مخالفة هذه المسارات، وفق التعبير المنتشر للإعلام الرديف وأشباهه.
لكن اليد الحديدية من سمات محدثي السلطة، وهو أمر لا يخفيه صانعو المحتوى الموالي الحالي وجمهورهم، إذ يرون أن الأغلبية (العرب السنّة) جرى إبعادها عن الحكم لسنوات طويلة، حتى “أعزها” الله به مجدداً و”أذل” خصومها المتربصين، وأن التمسك بهذه “الفرصة” التاريخية واجب يسمح بسلوك كل الأساليب، بما فيها استثمار ما تتيحه “الدولة” من شرعية استخدام العنف إلى أقصى درجة من الاستثمار.
لا “براغماتية” هنا إذاً، لا بدلات غربية وربطات عنق، ولا أيدٍ ناعمة، فقط “أقدام ثقيلة”، وفق تعبير استُخدم في إدلب ذات يوم وهو لا يخفي قابليته السريعة للانبعاث وكأنه البطانة الحقيقية للبدلات.
وهو ما بدا فعلياً في طريقة التعامل مع بعض المشكلات الداخلية الكبرى خاصة مع الأقليات، حين ظهر مدى سطحية “الدولة” وقشريتها، بوصفها جهازاً إدارياً وقانونياً منضبطاً يحقق المساواة بين كل مواطنيه، مخلية المكان لجحافل من “التصرفات الفردية” والمبادرات الفصائلية والفزعات الأهلية.
وبينما تهدف “الدولة” إلى تفهّم حساسيات مكوناتها، الطائفية والقومية والجهوية، وتحاول الوصول إلى تسويات عادلة؛ فإنّ التوجه خلال السنة المنصرمة قلما اعتنى جدياً بذلك بالدرجة الكافية؛ بقدر ما اعتمد خطة قطع الاتصال الدولي بين هذه المكونات وبين من يمكن أن يكونوا داعميها؛ الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل مثلاً، بأن تضمن “دمشق” تحقيق مصالح هذه الدول داخل البلاد بشروط أبرزها الامتناع عن التنسيق مع جماعات ما دون “الدولة” فيها، طالما أن الأخيرة تتكفل بالتواصل الخارجي المستمر والناجع.
وفي مجمل هذا السياق، ليس من المستغرب أن تباهي السلطة الحالية بأنّ أبرز ما أنجزته كان على الصعيد الدولي، انفتاحاً كبيراً من عدد من الحكومات متناقضة المصالح وصولاً إلى رفع طبقات العقوبات.
لكن ما يظهر عن المستقبل، بعد تحرر البلاد من القيود، يبدو خارجياً إلى حد بعيد أيضاً؛ سواء من جهة الأمل بما يشبه مشروع “مارشال”، الذي ضخ المال لإعادة إعمار ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، أو الاعتماد على المساعدات من الدول العربية الغنية أو ترقب مشاريعها، بشكل تبدو فيه سوريا مجرد أرض خصبة بالموارد الطبيعية، ما عليها إلا أن تهيئ بنيتها القانونية والتحتية لاجتذاب المستثمرين، وفي هذا تبدو الحزمة الثانية المرنة من وظائف “الدولة” الجديدة، بعد حزمتها الأولى، الفظة، المشار إليها أعلاه.
قبل سنين شاعت في سوريا، بين أفراد “الجيل Z” كما يعرف عالمياً أو جيل الحرب وفق التأريخ المحلي، أي مواليد مطلع الألفية بشكل مركزي، موجة من مقاطع الفيديو والصور تحت عنوان “نحن الدولة ولاك”، عبّرت عن بحث هذا الجيل عن مكانه الرمزي بين الأقوياء الذين كانوا يتقاتلون بالفعل، بادعائه الرجولة المبكرة واعتماده التنمر المدعوم بانتحال وصف “الدولة” الحازم.
لكن قطاعاً من هذا الجيل صار يشعر أنه “الدولة” حقاً، بتماهيه معها وتباهيه بحمل هويتها البصرية (العُقاب) وتطوعه في مؤسستها العسكرية والأمنية كما تدل الأعمار المطلوبة في الإعلانات المخصصة لذلك.
وإن لم يتحقق هذا تمكن الاستعاضة عنه بالعدوانية في العالم الافتراضي السوري الذي يعيش، في هذه الأيام، واحدة من أسوأ مراحله، وتفيض فيه عقلية “نحن الدولة ولاك” عن الجيل الأساسي الحاضن لها إلى أجيال ونماذج وشخصيات كان من المتوقع أن تكون أنضج وأثقل من أن تؤيد “الدولة” عندما تطلق عنفاً داخلياً منفلتاً، وحتى لومها على التلكؤ في ذلك إن أبدت تعقلاً!
تلفزيون سوريا



