تاريخ

دير الزور بلا تاء مربوطة/ عبد المنعم مسعود

27 يناير 2026

المدينة الأكثر خصوصية في سورية، والتي تكاد لا تشبه غيرها في طبيعتها، وفي بنيتها الاجتماعية والثقافية، وفي التنوع الواسع الذي تضمه، والفارق الكبير بينها وبين أريافها القريبة.

يبدو الحديث عن دير الزور صعباً؛ فالغوص في تفاصيلها يشبه القراءة في كتاب الرمل: كل شيء متغيّر، وفي الوقت نفسه، ثابت. لكلّ كثيبٍ حكاية وتفاصيل، وقبل هذا وذاك تاريخٌ من الحبّات، ولكلّ حبّة سرديّتها التي تكتبها على صفحات مياه نهر الفرات بقلمٍ مداده الماء والتراب.

وتبدأ جدلية الكتابة باسمها؛ فهي ليست “دير الزور” بالنسبة لغالبية أهلها من ذوي الأصول العشائرية والقبلية، بل هي “ديرة الزور”. فليس فيها دير، ولم يكن يوماً. وقد سقطت التاء المربوطة في مكانٍ ما وزمان ما، ولسببٍ ما ارتآه من وثّق الاسم قبل مائة عام ونيّف، بعد اتحاد متصرّفية الزور مع ولاية سورية. أو ربما بتأثير أو امتداد لكثير من المناطق والمدن السورية التي يبدأ اسمها بكلمة دير، وكانت مركزاً لدير فعلاً في زمن ما. أما دير الزور فليست واحدة منها، واسمها على ألسنة أهلها الأوائل كان ديرة الزور. والكلمتان منطقيّتان: فـ”ديرة” كلمة عربية مستخدمة في مناطق كثيرة، ويعتمدها أهل المنطقة لتسمية الأمكنة نسبةً إلى شكلٍ ما في الطبيعة، أو إلى نسل رجلٍ سكن المكان، أو لحدثٍ وقع فيه. أمّا الزور فهو واقع جغرافي صنعه النهر من ازوراره، أي تعرّجه في هذه المنطقة أكثر من المناطق الأخرى. فنهر الفرات، في أثناء شقّه مجراه، يصطدم بحوافّ الصحراء التي يعبرها، فتصدّه حوافها الصخرية نحو الضفة الأخرى، التي لا تلبث أن تعيده بدورها. لكنه لا يلبث أن يعود إلى الازورار بعد بضعة كيلومترات، بحيث تشكّل رحلة ازوراره في هذه المنطقة الممتدة من معدان وصولاً إلى البوكمال واديا خصبا كانت تملؤه سابقاً أشجار الحور والغرب، ولاحقاً ما تشتهيه الأرض من النخيل والتين والرمان والمشمش والتوت الديري، أو ما يسمّى بالفرطوس بلهجة أهل الدير. … ويفرض الفرات رحلة الازورار هذه على تعابير أهل المنطقة؛ فتجدهم يستخدمون كلمة الزور مرادفاً للقوّة، كنايةً عن فرض الشيء ليس فقط بالقوة بل أيضاً بالإجبار، فيقولون في التعبير الشعبي: “بالقوة بالزور”.

أما تسمية الفرات والصحراء في المنطقة فلها خصوصيتها؛ فلا أحد يقول إنه ذاهب إلى “نهر الفرات”، ولا تُضمّ الفاء، بل تُلغى حركة الضمّ ويُكتفى بالشدة. كما لا يطلق أهالي المنطقة اسم “الصحراء” أو “البادية” على منطقتهم؛ فهذه أسماء الكتب والخرائط. إذ تُسمّى المنطقة الظَهْرة، بينما تبقى تسميتا الجزيرة للجهة الواقعة شرق النهر، والشامية للجهة الغربية، المصطلحين الأكثر تداولاً واتفاقاً.

سُمّيت المنطقة بين عامي 1854 و1918 متصرّفية الزور، وكانت تتبع مباشرةً للسلطان العثماني، كحال متصرفية جبل لبنان. وامتدت من جنوب ماردين وصولاً إلى تدمر، ومن ولاية ديار بكر شمالاً إلى عانة وراوه جنوباً في العراق، ومن ولاية الموصل شرقاً إلى ولاية حلب غرباً، بينما حدّتها ولاية سورية من الجنوب الغربي. وقد ضمّت بذلك أجزاء واسعة من بادية الشام الشمالية وقسماً كبيراً من الجزيرة السورية. وفي 1918 قرّر أهالي المتصرفية الاتحاد مع ولاية سورية التي أصبحت تحت حكم الملك فيصل، لكن بريطانيا وفرنسا اختلفتا حول تبعية إقليم الزور. فدخلت القوات الإنكليزية من العراق واستولت على المنطقة وصولاً إلى دير الزور، فخرج لها رمضان باشا شلاش ودحرها من كامل المنطقة، متجاوزاً حدود الإقليم وفق التقسيم العثماني، ووصل إلى ما بعد عانة وراوه في عمق الأنبار العراقية، متّجهاً نحو بغداد، لولا طلب الملك فيصل منه التوقف… فامتثل.

وبما أنّ سورية من حصة فرنسا وفق اتفاقية سايكس ـ بيكو، جاءت القوات الفرنسية، فتصدى لها الشيخ حمود الحمادي وأذاقها الهزيمة مراراً. ولما حاصروه ربط قدميه حتى لا يفرّ، ولم يتمكن الفرنسيون منه إلا بعد نفاد ذخيرته، فقتلوه وقطعوا رأسه، ولا تزال جمجمته في متحف اللوفر. وكما اختلفت فرنسا وبريطانيا في العقد الثاني من القرن الماضي، اختلفت روسيا وأميركا في السنوات العشر الماضية، فأصبح مجرى النهر حدوداً لقوى كبرى وأخرى إقليمية تقتسم ضفتيه. وصرنا نسمع في نشرات الأخبار مصطلحات مثل شرق الفرات للدلالة على مناطق النفوذ الأميركي، وغرب الفرات للدلالة على المناطق الخاضعة للروس أو المليشيات الإيرانية. وقبل الروس والأميركيين، كان تنظيم داعش قد غيّر اسم المحافظة من دير الزور إلى ولاية الخير، التي شهدت بلدة الباغوز فيها نهايته.

وليس اسم المدينة وحده ما طغى على اسم المتصرّفية؛ فمدن أخرى تغيرت أسماؤها، فمدينة الميادين لا يسميها أهل المحافظة بهذا الاسم، إذ يقلبون حرف الدال ذالاً، فيقولون: المياذين. وكانت تُدعى سابقاً الرحبة نسبةً إلى رحبة مالك بن طوق المشرفة على المدينة. أما البوكمال فكانت تُعرف بـ”القشلة”، أي الثكنة العسكرية، وقد بُنيت هناك ثكنة عثمانية في منطقة يقطنها الفرع الثالث من قبيلة العقيدات (البوجمال). وكان الناس يقولون عند السؤال عن وجهتهم (قشلة البوجمال). ومع الوقت سقط اسم القشلة، وقُلب حرف الجيم كافاً، فصارت البوكمال.

وبالعودة إلى الفرات ورحلته الطويلة في الازورار، كانت رحلةً خطرة على أبناء المنطقة حتى بداية سبعينيات القرن الماضي، حين كان النهر يفيض خصوصاً في الربيع، فيمتد عرض مجراه في بعض الأماكن إلى أكثر من كيلومتر. لكن بعد بناء سد الفرات في السبعينيات، ثم سد تشرين، ثم السدود التركية، وجديدها أخيراً سد أتاتورك قبل نهاية القرن الماضي، استسلم النهر لقدره، وبات قانعاً بمساره الهادئ في سريره، فلم يعد يتعرج أو يزور… كشيخٍ في آخر العمر اقتنع بحظّه من الحياة.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى