إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر 28 كانون الثاني 2026

تابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي:
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
————————————–
الأنظار كلّها شاخصةٌ إلى جنوب سورية/ أرميناك توكماجيان
سيكون للمكاسب التي حقّقتها الحكومة في الشمال الغربي صدى على الصعيد الوطني، ولكن هل ستغيّر الحسابات الإسرائيلية؟
27 يناير 2026
اجتازت قوات الحكومة السورية، بعبورها نهر الفرات في الأيام الماضية، حدًّا فاصلًا عمره عقدٌ من الزمن، كان أسهم في تشكيل ملامح الصراع السوري، وحافظت خلفه قوات سورية الديمقراطية (قسد) التي يطغى عليها الأكراد على منطقةٍ ذات إدارة ذاتية بحكم الأمر الواقع في شمال شرق سورية. وقد تتأرجح المرحلة التالية بين المواجهة، في حال فشل الحوار، والتفاوض المعقّد بشأن حقوق الأكراد، والسيطرة على السلاح، والمشاركة السياسية، وغير ذلك من المسائل التي لن يكون من السهل حلّها. ويبدو أن تماسك سورية سيُحسَم في الشمال الشرقي، مع ارتداداتٍ ستطال أجزاء أخرى من البلاد، ولا سيما في الجنوب حيث طالبت شخصيات نافذة من الطائفة الدرزية بحقّ تقرير المصير لمحافظة السويداء.
وقد بدأت التطوّرات الأخيرة مع مطلع العام الجديد. فبعد أن دفعت قوات الحكومة المقاتلين الأكراد خارج حلب، وجّهت أنظارها إلى مناطق في غرب الفرات، حيث كانت “قسد” انتشرت خلال فترة الفراغ التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد. وتوسّطت الولايات المتحدة في محادثاتٍ أُجريَت بالتوازي مع الحشد العسكري، وأفضت لفترة وجيزة إلى صيغةٍ قابلةٍ للتطبيق، وهي انسحاب “قسد” شرق الفرات. لكن القطيعة حصلت خلال عملية الانسحاب والتسليم، حينما انتفضت العشائر العربية في كلٍّ من دير الزور والرقّة ضدّ “قسد”، ما أرغم وحداتها على التراجع شمالًا في اتجاه المناطق ذات الغالبية الكردية. وفي 18 كانون الثاني/يناير، حالت اتفاقية لصالح دمشق دون نشوب مواجهة شاملة لفترة قصيرة جدًّا، إذ ما لبث أن انهار في 20 كانون الثاني/يناير، ما دفع “قسد” للدعوة إلى التعبئة العامة، قبل أن توافق الأطراف على وقفٍ آخر للقتال من أجل استئناف المفاوضات، على الرغم من أن التوتّرات بقيت مرتفعةً للغاية.
والواقع أن الصراع في الشمال الشرقي ينطوي على أبعاد كثيرة. فهو يعكس سعي دمشق إلى كبح المناطق الطرفية المتمرّدة، ولكن الشمال الشرقي هو أيضًا الساحة الرئيسة التي تتصادم فيها رؤيتان استراتيجيتان لسورية يقودهما الخارج. ترى الاستراتيجية الأولى، المرتبطة أساسًا بإسرائيل، والمدعومة ربما من الإمارات العربية المتحدة، مصلحةً في تقسيم سورية إلى أجزاء قابلةٍ للإدارة. أما الاستراتيجية الثانية، التي ساقتها تركيا والمملكة العربية السعودية، وتبنّتها واشنطن لاحقًا، فتراهن على دولةٍ سورية مركزية تُدار من أعلى هرم السلطة في دمشق، حيث تحتكر الدولة القوة والتمثيل. ووفق هذا النهج، يُعاد دمج جميع المكوّنات الطائفية والعرقية في سورية في النسيج الوطني عبر مساومات مع النظام. لكن المشكلة حتى الآن هي أن هذا الهدف كان أقرب إلى لملمة أجزاء سورية الممزّقة منه إلى إطلاق عملية إعادة دمجٍ مستدامة.
ويُعَدّ انهيار الكيان المستقلّ بحكم الأمر الواقع بقيادة الأكراد في شمال شرق سورية الانتصارَ الأوضح حتى الآن للنهج الثاني، ولتركيا بالدرجة الأولى. ومع تفكّك “قسد”، طالب بعض القادة الأكراد بالتدخّل الإسرائيلي. لكن على الرغم من هذه المناشدة الضمنية لبناء تحالفٍ بين الأقليات، لطالما نظرت أنقرة، وهي اللاعب الأهمّ، إلى المسألة الكردية على أنها مشكلة أمن قومي على حدودها الجنوبية. ومن هذا المنظور، مثّل الكيان الكردي تهديدًا استراتيجيًا لتركيا، فأصبح تفكيكه هدفًا محوريًا، سعت أنقرة إلى تحقيقه بصبرٍ وبتكلفةٍ باهظةٍ على مدى أكثر من عقد. وقد تفضّل إسرائيل تجزئة سورية، وهي لا تتّفق مع تركيا في الكثير من القضايا، إلا أن توقُّع أن تتحدّى مصالحَ أنقرة على حدودها، وخلافًا للتفضيلات الأميركية، لم يكن يومًا طرحًا واقعيًا.
والمفارقة أن سياسة تركيا الأمنية على الحدود تشكّل دليلًا مفيدًا لنهج إسرائيل في الجنوب. فانهيار “قسد” ساهم في تقوية دمشق، والجهات السورية التي ترفض تفتيت البلاد، وهو ما قد يخفّف مع الوقت حدّة مطالب إسرائيل القصوى. ومع ذلك، لا بدّ لأيّ ترتيبٍ في الجنوب أن يراعي متطلّبات إسرائيل الحدودية، تمامًا كما ينبغي على أيّ ترتيبٍ في الشمال أن يراعي المصالح التركية. وما سيتمكّن الرئيس السوري أحمد الشرع من تحقيقه في الجنوب بعد نجاح الحملة في الشمال الشرقي يبقى مرهونًا بكيفية تعريف إسرائيل للمنظومة الأمنية على حدودها الشمالية في السنوات المقبلة.
تستند سياسة إسرائيل في جنوب سورية إلى مبدأَين أساسيَّين: الأول هو إنشاء منطقةٍ عازلة إلى الشمال من مرتفعات الجولان المحتلّة؛ والثاني هو اتّباع نهجِ تقسيم سورية إلى كياناتٍ إثنية وطائفية. إن الدافع وراء إقامة مناطق عازلة نابعٌ من اعتبارات تاريخية، ومتجذّرٌ في السياق الذي أفرزته الصراعات السابقة بين إسرائيل وسورية، ولا سيما اتفاقية فضّ الاشتباك للعام 1974 التي وقّعها الجانبان بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973. وتمّ بموجب هذه الاتفاقية إقامة منطقة فصل خاضعة لمراقبة الأمم المتحدة شمال الجولان، وتخفيف الأسلحة على طرفَي الخط الفاصل.
وسّع الصراع في سورية بعد العام 2011 مفهوم “المنطقة العازلة”، وبلغ هذا التحوّل ذروته في الاتفاق الذي تم التوصّل إليه بوساطة روسيا في العام 2018. فقد جسّد الاتفاق أولوية إسرائيل في الانتقال من إنشاء منطقةٍ لحماية الجولان إلى هدفٍ أشمل هو إزالة أي تهديدات مُحتملة آتية من جنوب غرب سورية، سواء من دمشق أو من حلفائها. ومع أن الأسد وروسيا أصبحا خارج المشهد، ما زال جوهر اتفاق العام 2018 يوجّه التفكير الإسرائيلي. وأدّت أحداث غزة بدءًا من هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى تشديد هذا النهج أكثر، إذ باتت المنطقة العازلة في سورية جزءًا من حزامٍ أوسع من المناطق العازلة المحيطة بإسرائيل، يشمل أيضًا غزة ولبنان.
تتجلّى أهمية هذا الأمر في أن إسرائيل ستواصل التمسّك باستراتيجية المنطقة العازلة، حتى مع تمكُّن الشرع من تعزيز موقعه في شمال شرق البلاد، وانحسار تأثير الجهات الساعية إلى تقسيم سورية. ما قد يتغيّر هو نطاق هذه الاستراتيجية وطريقة تقديمها. فإسرائيل قد تُدفع نحو إبرام اتفاقٍ قابلٍ للتطبيق يمنح سورية هامشًا لتحقيق الاستقرار، في ظلّ تقليص الإسرائيليين انتهاكاتهم للسيادة السورية وخفض سقف بعض مطالبهم، بما فيها إنشاء منطقة منزوعة السلاح تمتّد إلى دمشق. لكن ميزان القوى ما زال راجحًا لصالح إسرائيل، التي تعتبر أن إقامة المناطق العازلة هي من ركائز أمنها القومي. لذا، لا ينبغي الافتراض بأنّ الإسرائيليين سيقدّمون تنازلاتٍ كبرى.
في المقابل، يُعدّ التوجّه الإسرائيلي نحو تقسيم سورية، الذي يغذّي بعض المطالب الدرزية في السويداء بحقهم في تقرير مصيرهم، سياسةً أقلّ رسوخًا وأكثر ارتباطًا بالظروف المحيطة التي تشكّلت بفعل التشرذم الذي خلّفه سقوط نظام الأسد، والاحتمال القائم بحدوثٍ مزيدٍ من التفكّك في البلاد. واقع الحال أن الدروز لديهم أسباب مشروعة للتوجّس من رئيسٍ جديدٍ كان، حتى وقتٍ قريب، منخرطًا في العمل الجهادي؛ وقد عزّزت هذه الهواجس رغبتهم في الحكم الذاتي. لكن مصير هذا الحكم الذاتي لا يتوقّف على العوامل المحلية فحسب، بل يرتبط بالحسابات الإسرائيلية الأوسع حيال تقسيم سورية.
قد لا تتخلّى حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن الدروز، نظرًا إلى ثقلهم السياسي في إسرائيل ودورهم المهم في الجيش. لكن في ظلّ سعي تركيا والسعودية إلى قيام دولةٍ سورية موحّدة، ودعم واشنطن هذا الهدف، بات من الصعب على إسرائيل التمسّك بسياسة التقسيم كمبدأ استراتيجي. في الواقع، يكشف سلوك إسرائيل عن هرمية أولوياتها. ويُرجّح أن تكون خارطة الطريق التي اعتُمِدت في أيلول/سبتمبر 2025 لحلّ الأزمة في محافظة السويداء، والتي لبّت مطالب الحكومة السورية، قد حظيت بموافقة إسرائيل، ما يوحي بأن هذه الأخيرة مستعدّة لإبداء مرونةٍ بشأن الترتيبات السياسية المحلية. في المقابل، يبدو إصرار إسرائيل على إقامة منطقة عازلة قوية أكثر رسوخًا، ولا سيما أنه يحظى بدعم مؤسساتها العسكرية والسياسية والأمنية على السواء.
ولكي ينتقل صدى التطوّرات في الشمال الشرقي إلى جنوب البلاد، يجب على دمشق أن تثبت قدرتها على توطيد سيطرتها في المناطق الكردية. وفي حال تَحقّق ذلك، ستمتدّ التأثيرات إلى أجزاء أخرى من سورية، بما فيها الجنوب. لكن المتضرّر من ذلك سيكون الحكم الذاتي النسبي الذي يتمتّع به الدروز في السويداء والذي سيرزح تحت وطأة ضغوطٍ متزايدة، وليس نهج إسرائيل الراسخ في إقامة منطقةٍ أمنيةٍ داخل سورية، حتى على حساب سيادة الدول المجاورة.
مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
——————————-
تحركات أمنية بغطاء ديبلوماسي: ما الذي يجري فعلياً على المسار السوري–الإسرائيلي؟/ ةمعاذ الحمد
دمشق وتل أبيب: تفاهمات أمنية أم إعادة إدارة للصراع؟
2026-01-26
تتكشف في الأسابيع الأخيرة معالم مسار جديد على خط دمشق ـ تل أبيب، تقوده الولايات المتحدة بهدوء، ويُعاد فيه فتح قنوات التواصل الأمنية والديبلوماسية تحت عناوين “خفض التوتر” و”تعزيز الاستقرار”. غير أن طبيعة هذا المسار، وسقفه الحقيقي، يبدوان موضع تباين حاد في التقديرات، بين من يراه تمهيداً لتفاهمات أوسع وربما سلام إقليمي، ومن يعتبره إدارةً محسوبة للصراع، لا ترقى إلى مستوى التحول السياسي.
مسار أمني
في هذا الإطار، نقل موقع “آي 24 نيوز” عن مصدر سوري حديثه عن تحركات ديبلوماسية غير معلنة لترتيب لقاء قريب بين مسؤولين من سوريا وإسرائيل، برعاية أميركية، بهدف التوصل إلى اتفاق أمني.
ووفق المصدر، فإن باريس تُطرح مجدداً كمسرح لهذه المحادثات، على أن تتجاوز الجانب الأمني الصرف إلى بحث مشاريع استراتيجية واقتصادية مشتركة، يُرجّح تنفيذها في المناطق العازلة بين البلدين.
لكن قراءة هذه المعطيات، بحسب الديبلوماسي السوري السابق بشار الحاج علي، لا تشير بالضرورة إلى تحوّل في جوهر الصراع السوري ـ الإسرائيلي، بقدر ما تعكس تغييراً في طريقة إدارته.
فالمسألة، من وجهة نظره، بحسب ما يقول لـ”963+” تُدار اليوم كملف أمني يُراد ضبطه ومنع انزلاقه، في سياق توجه أميركي أوسع لتقليص بؤر التوتر المفتوحة في المنطقة، وليس كمسار سياسي ناضج يستهدف تسوية شاملة أو إعادة تعريف العلاقات.
ويعزز هذا التقدير ما أورده المصدر ذاته عن أن الخطة السورية بدأت باتفاق أمني محدود، يتبعه افتتاح مكتب ارتباط إسرائيلي في دمشق دون صفة ديبلوماسية كاملة، قبل أن تتسارع الوتيرة، تحت ضغط أميركي مباشر، ولا سيما من الرئيس دونالد ترامب.
غير أن الحاج علي يرى أن هذا التسارع “لا يعني وجود تفويض سياسي واضح لدى أي من الطرفين، بل يندرج ضمن تواصل أمني تقني، يهدف أساساً إلى منع سوء التقدير واحتواء التوترات الميدانية، وهو نمط سبق أن شهدته مراحل متعددة من الصراع، من دون أن يفضي إلى مسار تفاوضي رسمي”.
وفي السياق ذاته، تحدّث المصدر عن أجواء تفاؤل بإمكانية افتتاح سفارة إسرائيلية في دمشق قبل نهاية العام الجاري، وعن “تقدم كبير” في فرص انضمام سوريا إلى اتفاقيات السلام الإقليمية، إضافة إلى طرح “حل وسط” قد يتضمن تأجير مرتفعات الجولان لمدة 25 عاماً، وتحويلها إلى “حديقة سلام” لمشاريع اقتصادية مشتركة.
إلا أن هذا الطرح، وفق تقدير الحاج علي، يظل نظرياً أكثر منه عملياً، في ظل غياب إطار قانوني ودولي واضح، وغياب حل سياسي شامل للصراع، ما يجعل أي تفاهمات محتملة محدودة السقف والمدة، وقابلة للاهتزاز مع تغيّر الظروف السياسية أو الأمنية.
وعلى مستوى الوقائع المعلنة، شكّلت اجتماعات باريس التي عُقدت مطلع كانون الثاني/يناير الجاري محطة مفصلية، إذ جمعت مسؤولين سوريين وإسرائيليين وأميركيين على مدار يومين، وانتهت ببيان ثلاثي مشترك نُشر على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأميركية.
البيان تحدث عن “مناقشات مثمرة” تمحورت حول سيادة سوريا وأمن إسرائيل وازدهار البلدين، وأعلن التوصل إلى تفاهمات تتعلق بترتيبات أمنية، وإنشاء آلية تنسيق مشتركة بإشراف واشنطن، تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والتنسيق الدبلوماسي، إضافة إلى بحث الفرص التجارية.
خرائط النفوذ
غير أن السياسي السوري المقيم في السويد، كمال اللبواني، يرى في تصريحات لـ”963+” أن هذه المخرجات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع لإعادة رسم خريطة النفوذ في سوريا. فبرأيه، لم تكن اجتماعات باريس محطة ديبلوماسية عابرة، بل جاءت ضمن خطة لتنظيم أدوار الدول المتدخلة، ولا سيما إسرائيل وتركيا، بعد ما يصفه بوضع أنقرة يدها بشكل مباشر على قرار السلطة في دمشق مع نهاية العام الماضي. ومن هذا المنطلق، يعتبر أن الطابع الأمني ـ الدبلوماسي المعلن للاجتماعات يخفي مضموناً استراتيجياً أعمق.
ويشير اللبواني إلى أن إنشاء خلية التنسيق بإشراف أميركي، وربط المسار الأمني بالمسار الديبلوماسي، يتقاطع مع طرح فكرة “منطقة اقتصادية منزوعة السلاح”، بما يفتح مجالات تعاون مدني في قطاعات الطاقة والزراعة والصحة.
إلا أن هذه الصيغة، بحسب قراءته، تمنح إسرائيل إشرافاً طويل الأمد على جنوب سوريا، وصولاً إلى منطقة التنف، من دون أن تقدّم تنازلات مقابلة في ملف مطالبها الأمنية.
وفي هذا السياق، يلفت اللبواني إلى أن إسرائيل، وفق ما أفرزته اجتماعات باريس، ما زالت متمسكة بجنوب سوري “مُعقّم أمنياً”، وبترتيبات تمتد حتى محيط دمشق، مع بقاء مصير جبل الشيخ معلقاً، وتثبيت الوقائع التي فرضتها القوة بعد تقدم القوات الإسرائيلية داخل المنطقة العازلة المنصوص عليها في اتفاق عام 1974، عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024.
أما على مستوى الخطاب السوري الرسمي، فيقرأ اللبواني تصريحات وزير الخارجية أسعد الشيباني، التي استبعد فيها ملف الجولان من أي تفاوض مقابل المطالبة بانسحاب إسرائيل إلى ما قبل حدود 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بوصفها “محاولة لإظهار الجدية السورية وكسب الضوء الأخضر الأميركي لعملية عسكرية ضد “قسد”، وهو ما يربطه بشروط تركية مباشرة”.
غير أن هذا المسار، بحسب تقديره، “تعثر لاحقاً بعد أن فرضت الولايات المتحدة وقف إطلاق نار بذريعة محاربة تنظيم “داعش”، جرى تمديده من 15 يوماً إلى ستة أشهر، مع توقع تحوله إلى وقف دائم”.
ويرى اللبواني أن هذه النتيجة أفضت عملياً إلى تعزيز موقع “قسد”، وتحولها إلى كيان كردي أكثر تماسكاً يتمتع بحماية دولية، وعلى تماس طويل مع الحدود التركية، ما يجعل من اتفاق باريس، في نظره، “صفقة أضرت بالأمن القومي التركي أكثر مما خدمته”. وهو ما يدفعه إلى توقع تعثر المسار التفاوضي مع إسرائيل مجدداً، وربما انزلاقه إلى تصعيد إسرائيلي ـ تركي أوسع، في حال لم تُحسم ملفات النفوذ الميداني شمالاً وشرقاً”.
+963
———————————
“نحو مستقبل آمن للسويداء”.. محافظ السويداء يطلق مبادرة لإنهاء أزمة المحافظة
كانون الثاني 27, 2026
أطلق محافظ السويداء مصطفى البكور مبادرة جديدة بعنوان “نحو مستقبل آمن للسويداء”، تحت شعار “خيار مصيري بين استمرار الأزمة وحلّ يحفظ ظلّ المستقبل”، موجّهاً رسائل تتعلّق بالأولوية والخيار والتطلّع.
وقال البكور عبر معرفات المحافظة، اليوم 27 كانون الثاني، موجّهاً حديثه لأهالي السويداء: “أخاطبكم اليوم ليس بصفتي الإدارية فحسب، بل كشريك لكم في الهمّ والمسؤولية، نحن اليوم على مفترق طرق مصيري، إمّا استمرار يزيد الجراح عمقاً، أو مخرج يحفظ ما تبقّى ويحمي المستقبل”.
وأضاف: “لقد تجاوزت الأزمة مرحلة الخلاف إلى حالة نفسية شعورية، فالبعض يشعر أنه أمام خيار وحيد، وهذا الشعور هو أصل العداء، حيث يحوّل النقاش إلى صدام والحلّ إلى استحالة”.
جوهر المبادرة
وأكد المحافظ أن جوهر المبادرة هو تسوية شاملة تكسر هذه الدائرة، مبيّناً أنها ليست صفحة بل تحويل المواجهة من الشارع إلى قاعات القانون، وليست إلغاءً للمساءلة بل بداية مسار جديد لها، كما تهدف إلى نزع أخطر سلاح، وهو فكرة “العدام المفرج”.
الحكمة من الحل
وشدد البكور على أن “استمرار المواجهة يضعف النسيج الاجتماعي ويخلق غضباً موروثاً، بينما تحوّله التسوية إلى ملفات إدارية وقانونية قابلة للإدارة، وإن استمرار رفض الحلول يعيق دور الدولة الحقيقي في احتواء الأزمات وفتح باب الحلّ للجميع، تحت سقف القانون وفي إطار المؤسسات”.
ولفت إلى أن “استمرار المواجهة يستنزف طاقات المجتمع في معارك جانبية، بدلاً من توجيهها نحو البناء وضمان المستقبل”، مؤكداً أن هذا المسار هو ضمانة لسلامة الأهالي واستعادة الحياة الطبيعية، ووقف نزيف الخوف.
رسائل مباشرة
ووجّه محافظ السويداء رسائل مباشرة للمنخرطين في مسار الحروب، حيث قال: “هذه دعوة صادقة للعقل، وهي فرصتكم للخروج إلى فضاء المجتمع المدني حيث يبقى المستقبل ممكناً”.
وأكد في رسالته للقوى الفاعلة أن “القوة الحقيقية في حكمة اختيار المعركة، وليس بالقدرة على الصدام”، مشيراً إلى أن “الدولة تختار معركة القانون والزمن والمؤسسات”.
وأوضح أن الخيار هو بين مثالية الموقف التي تؤجّج صراعاً طويل الأمد، أو واقعية الحلّ المؤلمة التي تنقذ المحافظة من جرح غائر، مؤكداً أن هدف القرار هو الحماية والاحتضان والبناء، وهو القرار الأصوب في هذه الظروف.
واختتم بالقول: “نثق بحكمتكم ونتطلّع معاً إلى غد يسوده السلام، ويبنى فيه مستقبل السويداء خطوة خطوة”.
وتأتي هذه المبادرة كاستجابة عاجلة لإنهاء التوترات والأزمات في السويداء وإعادة الحياة إلى طبيعتها، وانطلاقاً من مسؤولية المحافظة وإيمانها بحق كلّ سوري بالاندماج في المجتمع المدني.
ووجّه محافظ السويداء مصطفى البكور، في 18 كانون الثاني الجاري، دعوة لأبناء السويداء يحثّهم فيها على مدّ يد المصالحة تحت مظلة الوطن الواحد.
وقال البكور حينها: “أهلنا الكرام في محافظة السويداء، تهدأ العواصف وتشفى الجراح بمرور الأيام، وتعود الأمور إلى مجاريها الطبيعية تحت مظلّة الوطن الواحد”.
وأضاف: إن عودة السيطرة الكاملة للدولة على جميع أراضيها، بما في ذلك المناطق التي تمّ تحريرها مؤخراً، هو حدث مبارك وخطوة جوهرية على طريق استعادة الأمن والاستقرار لوطننا الحبيب سوريا”.
المصدر: الإخبارية
———————————–
ترتيبات أمنية وغرفة عمليات: نموذج اتفاق سوري-إسرائيلي للبنان/ منير الربيع
الأحد 2026/01/25
بعد شمال شرق سوريا وانتهاء المعركة مع قوات سوريا الديمقراطية، اتجهت الأنظار في سوريا نحو السويداء ونحو مسار التفاوض على الاتفاق الأمني مع إسرائيل. ذلك لا يمكن فصله عن مسار التطورات مع إيران في ظل التحشيد العسكري واحتمال التصعيد الذي سيكون له انعكاسات وتداعيات على وضع المنطقة ككل. وبقدر ما سيكون المسار الأميركي الإيراني عنصراً مؤثراً على لبنان وملفاته، فإن التنسيق الأميركي السوري والوصول إلى اتفاق مع إسرائيل سيكون له أثراً كبيراً على لبنان أيضاً، خصوصاً في حال تمكنت دمشق من إنهاء ملف السويداء بطريقة سلسة، أي بالاستناد إلى تفكيك البنية الداخلية للمحافظة وحصول انشقاقات كبيرة عن الشيخ حكمت الهجري. أما في حال حصلت عملية عسكرية، فيفترض أن تكون مدروسة وتستند على مبدأ القضم البطيء.
وفق المعطيات، يفترض بعد إنجاز الاتفاق مع قسد، على الاندماج، وإنهاء معضلة السويداء أن يتم الإعلان عن ملامح الاتفاق السوري الإسرائيلي، وهو اتفاق سيرخي بظلاله الكاملة على الوضع في لبنان، خصوصاً أن مسار التفاوض بين دمشق وتل أبيب، الذي ترعاه أميركا، سيكون شبيهاً إلى حدود بعيدة مع ما هو معروض في لبنان إن لجهة الآلية التفاوضية أو المسارات أو النتائج حتى، وهو ما تختصره مؤشرات عديدة تتوزع على نقاط ومراحل عديدة. من أبرز النقاط:
1- الوصول إلى اتفاق حول ترتيبات أمنية بين دمشق وتل أبيب.
2 – خلق آلية عمل مشتركة لإدارة الوضع في الجنوب السوري.
3 – إنشاء غرفة عمليات في الأردن للتعامل مع ملف السويداء.
4 – وضع مسار تعاوني على المستوى الأمني وتبادل المعلومات.
أما المراحل فهي:
المرحلة الأولى: ترتيب الاتفاق الأمني مع ما يتضمنه ذلك من نقاط الانتشار العسكرية للجيش السوري في الجنوب، وأنواع الأسلحة التي ستكون موجودة هناك.
المرحلة الثانية: الاتفاق على مسألة الانسحاب الإسرائيلي من النقاط التي احتلتها تل أبيب بعد سقوط نظام الأسد، وسط استمرار الخلاف بشأن نقطة مرصد جبل الشيخ، فيما تسعى واشنطن إلى إيجاد صيغة تلائم الطرفين إما برعاية أميركا أو من خلال اقتراح دوريات مشتركة أو ضمن إطار التنسيق الأمني.
المرحلة الثالثة: البحث في خلق منطقة اقتصادية في الجنوب ولا سيما في المناطق التي احتلتها إسرائيل وجانب من مناطق متنازع عليها وخصوصاً في الجولان، على قاعدة البحث في إقامة مشاريع مشتركة، إما على صعيد انتاج الطاقة الهوائية أو إقامة مناطق صناعية أو زراعية أو حتى سياحية.
المفارقة أن المسار المطروح على سوريا هو نفسه المطروح على لبنان، إن لجهة الاتفاق الأمني، وإيجاد آلية لإدارة الوضع في الجنوب، أو من خلال اقتراح الإسرائيليين تنسيقاً أمنياً وعسكرياً مشتركاً عبر لجنة عسكرية قد تكون مشابهة للجنة التي تشكلت لمراقبة اتفاق الهدنة. أو لجهة الطرح الإسرائيلي المستمر حول التعاون الاقتصادي، في مقابل تمسك لبنان بمبدأ عودة الأهالي إلى قراهم وإعادة الإعمار ومنع التهجير. في حال جرى الوصول إلى الاتفاق السوري الإسرائيلي فإنه سيشكل ضغطاً كبيراً على لبنان، لأن هذا النموذج الذي جرى تطبيقه على الحدود الملاصقة للجنوب اللبناني ستضغط أميركا وإسرائيل أكثر لتعميمه على الجنوب اللبناني، بينما لا يجد لبنان نفسه قادراً على مواجهة هذا المسار وحيداً.
المدن
———————————
مصدر: مباحثات سورية – إسرائيلية مرتقبة للوصول إلى الاتفاق الأمني
موقع عبري: توسع دائرة المباحثات السورية – الإسرائيلية
2026-01-25
قال مصدر سوري نقله عنه موقع “آي 24 نيوز”، إن هناك تحركات ديبلوماسية غير معلنة لعقد لقاء قريب بين مسؤولين من سوريا وإسرائيل، برعاية أميركية، بهدف التوصل إلى اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب.
وأضاف المصدر، أن المحادثات المحتملة قد تُعقد في العاصمة الفرنسية باريس، وستتجاوز الجانب الأمني لتشمل بحث مشاريع استراتيجية واقتصادية مشتركة، يُرجّح تنفيذها في المناطق العازلة بين البلدين.
وأضاف أن أجواء التفاؤل تتصاعد بشأن إمكانية افتتاح سفارة إسرائيلية في دمشق قبل نهاية العام الجاري، في ظل ما وصفه بـ”التقدم الكبير” في فرص انضمام سوريا إلى اتفاقيات السلام الإقليمية.
وأوضح أن الخطة السورية في بدايتها كانت تقتصر على إبرام اتفاق أمني محدود، يتبعه افتتاح مكتب ارتباط إسرائيلي في دمشق دون صفة ديبلوماسية كاملة، غير أن “وتيرة التطورات تسارعت بشكل لافت، تحت ضغط أميركي مباشر، لا سيما من الرئيس دونالد ترامب، وبالتوازي مع اتساع دائرة الانفتاح السوري”.
وبيّن المصدر أن الحكومة السورية تعتقد بإمكانية التوصل إلى “حل وسط” لدفع مسار السلام قد يتضمن تأجير مرتفعات الجولان لمدة 25 عاماً، مع تحويل المنطقة إلى ما وصفه بـ”حديقة سلام”، تُخصص لإقامة مشاريع اقتصادية مشتركة.
كما لفت إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعمل على جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس السوري أحمد الشرع، في مراسم رسمية لتوقيع اتفاقية السلام المرتقبة بين الطرفين.
ومطلع كانون الثاني/ يناير الجاري عقد مسؤولون سوريون وإسرائيليون و أميركيون اجتماعات في العاصمة الفرنسية باريس على مدار يومين.
وعقب الاجتماعات، أصدرت حكومات الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وسوريا، بياناً ثلاثياً مشتركاً، أعلنت فيه نتائج اجتماع رفيع المستوى عُقد في العاصمة الفرنسية باريس برعاية واشنطن.
وذكر البيان الذي نشر على موقع وزارة الخارجية الأميركية الرسمي، أن مسؤولين إسرائيليين وسوريين رفيعي المستوى اجتمعوا برعاية من واشنطن، في إطار جهود تقودها الولايات المتحدة لتعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن “سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المنطقة أتاحت إجراء مناقشات مثمرة، تمحورت حول احترام سيادة سوريا واستقرارها، وأمن إسرائيل، وازدهار البلدين”.
وأوضح البيان أن إسرائيل وسوريا وصلتا، خلال هذا الاجتماع، إلى عدد من التفاهمات المشتركة، أكّد فيها الجانبان مجدداً “التزامهما بالسعي نحو تحقيق ترتيبات أمنية تحفظ الاستقرار لكلا البلدين”.
وبحسب البيان الثلاثي، قرر الطرفان إنشاء آلية تنسيق مشتركة، تتمثل في خلية اتصالات مخصصة، بهدف تسهيل التنسيق الفوري والمستمر في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والمشاركة الديبلوماسية، إضافة إلى بحث الفرص التجارية، وذلك تحت إشراف الولايات المتحدة الأميركية.
وأشار البيان إلى أن هذه الآلية ستعمل كمنصة لمعالجة أي نزاعات بشكل فوري، وللعمل على منع سوء الفهم بين الجانبين، بما يسهم في تعزيز الاستقرار وتخفيف حدة التوتر.
وفي السياق ذاته، أشادت الولايات المتحدة بهذه الخطوات التي وصفتها بالإيجابية، مؤكدة التزامها بدعم تنفيذ هذه التفاهمات، باعتبارها جزءاً من جهود أوسع تهدف إلى تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط.
واختتم البيان الثلاثي بالتأكيد على أن هذا الإعلان المشترك يعكس روح الاجتماع الذي عُقد في باريس، ويجسد عزم الجانبين الإسرائيلي والسوري على فتح صفحة جديدة في علاقاتهما، بما يخدم مصالح الأجيال القادمة.
—————————-
السويداء: أزمة الثقة وهم الاستقلال ومأزق الدولة المؤجّل/ علي سفر
2026.01.24
مع اقتراب مشكلة قسد من نهايتها بفعل التطورات السريعة على الأرض، عاد الحديث عن ضرورة فرض سيادة الدولة على محافظة السويداء. لكن غالبية من يطرحون هذه الفكرة يغفلون أن الشروط على الأرض مختلفة تمامًا. وقبل هذا لا ينتبهون إلى أن هذه المحافظة العزيزة على قلوب السوريين، يعيش فيها مواطنون يجب ألا يُغفل صوتهم في أي نقاش أو حديث حولها. وأن الوضع الراهن معقد، وهو نتيجة تراكمات منذ سقوط النظام البائد، ويحتاج إلى آليات مختلفة كليًا عما طُبّق في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة.
ما يجري اليوم في جبل العرب لا يمكن اختزاله في توصيف أمني، ولا في صراع نفوذ عابر، ولا حتى في تمرّد محلي على المركز. إنّه، في جوهره، أزمة ثقة عميقة ومركّبة، انفجرت على خلفية جرائم وانفلات وتواطؤ وصمت، وانتهت إلى وضع باتت فيه العلاقة بين المجتمع والدولة مشوبة بالخوف والارتياب.
المحافظة، بوصفها حالة سورية خاصة، تقف اليوم عند مفترق خطير: فهي من جهة تعيش تحت سلطة مجموعات مسلحة محلية فرضت نفسها بقوة الواقع، ومن جهة أخرى تقف على مسافة نفسية وسياسية متزايدة من دمشق. هذا ليس بسبب نزعة انفصالية راسخة، بل بسبب جرح لم يُعالَج، ومازال متروكاً على حاله.
المعضلة الأساسية في السويداء ليست مسألة “فرض سيادة” بالمعنى التقليدي، بل انهيار فكرة الدولة بوصفها ضامنًا للأمن والعدالة. فالمجازر والجرائم التي شهدتها المحافظة في شهر تموز العام الماضي، وتوجيه الاتهام لأجهزة الدولة الأمنية بتسهيل عمل المجرمين، أدّت إلى تدمير الأساس الأخلاقي والسياسي لأي علاقة طبيعية بين الناس والمؤسسات الرسمية القائمة.
لم تعد الدولة تُرى في وعي شريحة واسعة من المجتمع بوصفها حماية، بل باتت تُستدعى في الذاكرة بوصفها خطرًا محتملًا أو مسهّلًا له. لا بل إن البعض يرى أن الواقع تجاوز فكرة العلاقة مع “هذه الدولة” باتجاه طلب الاستقلال.
هذه القطيعة النفسية لا يمكن إنكارها أو تجاوزها بالشعارات، لأنها ليست موقفًا أيديولوجيًا، بل نتيجة تجربة ملموسة. وهي لم تتشكّل فقط بفعل ما فعلته الدولة أو امتنعت عن فعله، بل تعمّقت بفعل شعور واسع داخل السويداء بأنّها تُركت وحيدة في لحظة غدر. حين تعرّض المدنيون لجرائم وانتهاكات ارتكبتها فئات محسوبة على وزارتي الداخلية والدفاع، لم يشعر كثيرون أن بقية المجتمع السوري وقف إلى جانبهم بالقدر الكافي؛ لا في الشارع، ولا في الخطاب العام، ولا في الضغط الفعلي من أجل المساءلة.
هذا الإحساس بالعزلة، حتى وإن لم يكن دقيقًا بالكامل، تحوّل إلى عنصر بنيوي في الوعي الجمعي. وأسهم في تكريس شعور بأن السويداء تُترَك لمصيرها عند وقوع الانتهاكات، ثم يُنتظر منها لاحقًا أن تضبط نفسها وتتحمّل وحدها تبعات ما جرى، من دون أن تُقابَل تلك المطالبة بمساءلة حقيقية للفاعلين.
ويزداد هذا الشك عمقًا مع الغموض الذي يحيط بعمل لجنة التحقيق التي شكّلتها الحكومة على خلفية ما جرى. إذ لم تُعلَن حتى الآن نتائج واضحة لتحقيقاتها، ولا ما اتُّخذ من إجراءات فعلية بحق المتورطين. هذا الصمت الرسمي، بدل أن يساهم في تهدئة النفوس، عزّز الانطباع بأن العدالة مؤجّلة أو انتقائية، وأسهم في ترسيخ القناعة بأن الدعوة إلى إعادة بناء العلاقة مع دمشق لا تستند إلى مسار محاسبة حقيقي، بل إلى تجاوز جديد لما حدث.
ويجب التوقف هنا عند نقطة أساسية كثيرًا ما تُغفَل في النقاش العام، وهي أن الجرائم والانتهاكات التي وقعت في السويداء لم تستهدف الدروز وحدهم. فالمجتمع البدوي، الذي يعيش منذ وقائع العام الفائت حالة تهجير وتهميش مشابهة لما يعيشه الدروز المهجّرون من قراهم، يقدّم بدوره مطالبات واضحة بالاقتصاص من مجرمين الطرف الآخر، الذين اعتدوا عليه وارتكبوا جرائم مباشرة بحق أبنائه. إن تجاهل هذه المطالب، أو التعامل معها بوصفها هامشية، لا يكرّس الظلم فحسب، بل يعمّق الانقسام المجتمعي، ويحوّل الجريمة من واقعة جنائية يجب محاسبة مرتكبيها إلى مادة إضافية لتفكيك النسيج الاجتماعي في المحافظة.
صحيح أن قطاعات واسعة من النخب السورية، السياسية والثقافية، أعلنت مواقف واضحة معارضة لما جرى، ورفضت الجرائم والانتهاكات. لكن هذا الموقف النخبوي ظل، في نظر كثيرين، معزولًا عن المزاج الشعبي العام، وغير قادر على تحويل الإدانة الأخلاقية إلى ضغط فعلي يبدّد الإحساس بالخذلان.
وقبل هذا كله، لا يمكن قراءة المشهد في السويداء من دون التوقف عند الدور الذي لعبته القيادة الروحية المتمثلة بالشيخ حكمت الهجري. فقد وضعت منذ وقت مبكر حاجزًا سياسيًا ونفسيًا واضحًا بينها وبين الحكومة في دمشق. هذا الحاجز، الذي لم يكن مبرّرًا في نظر غالبية السوريين الذين رحّبوا بالسلطة الجديدة، تحوّل مع الوقت من أداة حماية مشروطة إلى عامل إغلاق كامل، ساهم في تجميد أي مسار تفاوضي أو تنظيمي يمكن أن يحدّ من الفوضى.
الأخطر من ذلك أن هذا الموقع المؤثر، وفّر مشروعية ضمنية لتصرّفات فصائل مسلحة غير منضبطة. وكرّس مظلة حماية لبعض الضباط والشخصيات الأمنية من فلول النظام السابق، من دون مساءلة أو محاسبة. وبهذا المعنى، لم يعد السلاح “أداة دفاع”، بل تحوّل إلى سلطة قائمة بذاتها، تعمل خارج أي أفق سياسي أو قانوني.
هذا المسار المركّب أدّى إلى نتيجتين بالغتي الخطورة: الأولى، تكريس سلطة محلية مسلّحة تُنهك المجتمع اقتصاديًا وأمنيًا، وتنتهك حقوق مواطنيه عبر الاعتقالات والاعتداء على مثقفيه وناشطيه. والثانية، نشوء فئة متطرّفة داخل صفوف بعض مؤيدي الدولة، تنظر إلى السويداء بوصفها منطقة “خارجة” أو “غير وطنية”، لا بوصفها مجتمعًا جريحًا يطالب بالأمان والعدالة. وهكذا، وُضعت السويداء بين تطرفين: تطرف السلاح في الداخل، وتطرف الخطاب الإقصائي في الخارج.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع بروز مواقف صادرة عن جهات درزية خارج سوريا، ولا سيما في لبنان، باتت تؤكد أن إعادة بناء العلاقة مع دمشق ضرورة لا مفرّ منها لدروز سوريا. قوبلت داخل السويداء برفض شعبي واضح، لا رفضًا لمبدأ العلاقة مع المركز، بل اعتراضًا على دور وساطي يُنظر إليه بوصفه منحازًا. ويتجلّى هذا الرفض بشكل خاص تجاه وليد جنبلاط، الذي ترى فيه قطاعات واسعة من أبناء السويداء شخصية سياسية متواطئة مع السلطة في دمشق، أو على الأقل مساهمة في تغطية سياساتها، ومحاولة إعادة تعويم العلاقة معها من دون أي شروط تتعلق بالمحاسبة أو العدالة. من هذا المنطلق، لا يُنظر إلى هذا الدور كوساطة حريصة على المجتمع المحلي، بل كجزء من ترتيب سياسي يُراد له أن يمرّ فوق الجراح، لا أن يعالجها.
في هذا الفراغ السياسي والنفسي، برز خطاب تروّجه المجموعات المسلحة المسيطرة حاليًا، يقوم على فكرتين متلازمتين: التلويح بـ”الاستقلال” أو الكيان الخاص، والإيحاء بوجود دعم إقليمي، وتحديدًا إسرائيلي، لهذا المسار. هذا الخطاب لا يهدف إلى بناء مشروع سياسي قابل للحياة، بل إلى تثبيت سلطة السلاح ومنع مساءلتها.
فكرة الاستقلال، في السياق الجغرافي والسياسي والاقتصادي للسويداء، غير متفق عليها من قبل الجميع، وهي ليست أكثر من وعد كاذب. محافظة بلا منفذ، بلا موارد سيادية، وبلا اعتراف دولي، لا يمكن أن تشكّل كيانًا مستقلًا فعليًا. أمّا الحديث عن دعم إسرائيلي، فهو أكثر أشكال التضليل خطورة. إذ إن إسرائيل، وفق منطق مصالحها الثابت، لا تدعم كيانات مستقلة هشّة، بل تفضّل مناطق رخوة ومفككة، قابلة للاختراق، من دون تحمّل كلفة سياسية أو أمنية مباشرة.
بهذا المعنى، يُستخدم خطاب الاستقلال كأداة تعبئة داخلية، لا كمشروع واقعي، ويُستثمر لتخوين أي صوت يعارض سطوة السلاح أو يطالب بإعادة ربط المجتمع بالدولة ضمن شروط جديدة.
السويداء اليوم عالقة بين خوفين متناقضين: الخوف من سلطة السلاح المحلي، التي باتت عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا متزايدًا، والخوف من عودة الدولة بالشروط القديمة، أي من دون محاسبة، ولا اعتراف، ولا تغيير في طبيعة العلاقة.
هذا التناقض يفسّر حالة التململ المتصاعدة داخل المجتمع، ورفض قطاعات واسعة الاستمرار في عزلة خانقة عن المركز، في وقت بات فيه الانفصال الاقتصادي عن دمشق سببًا مباشرًا في تدهور المعيشة وانسداد الأفق.
من الضروري القول بوضوح إن الحلول السطحية لن تنجح. التدخل الأمني الصرف سيُقرأ بوصفه عقابًا جماعيًا، لا استعادة للنظام. والوعود العامة غير المقرونة بخطوات ملموسة لن تعيد الثقة. كما أن التعامل مع زعماء المجموعات المسلحة بوصفهم “ممثلي المجتمع” لن يؤدي إلا إلى تكريس منطق الميليشيا وإضعاف أي تمثيل مدني حقيقي.
إذا كانت فكرة الاستقلال غير قابلة للحياة، كما لا يمكن العودة بالشروط السابقة، فإن الحل الوحيد الواقعي يمر عبر إعادة تعريف دور الدولة في السويداء، لا بوصفها قوة سيطرة، بل بوصفها ضامنًا للعدالة والأمن والعيش.
الخطوة الأولى يجب أن تكون قانونية قبل أن تكون أمنية: فتح ملفات الجرائم السابقة بآليات شفافة، والإعلان الصريح أن لا حصانة لأحد، أيًا كان موقعه أو ذريعته. العدالة هنا ليست ترفًا أخلاقيًا، بل شرطًا سياسيًا لاستعادة الثقة.
في الوقت نفسه، لا بد من فك الارتباط بين المجتمع والسلاح، عبر مسار تدريجي ومدروس، يشمل نزع السلاح مقابل ضمانات قانونية ومعيشية، وعفوًا مشروطًا، ودمجًا محدودًا ومنضبطًا، لا انتقاميًا ولا فوضويًا.
لا يمكن لأي حل أن ينجح من دون إعادة وصل السويداء اقتصاديًا بالمركز. تسهيل حركة البضائع، إعادة الخدمات، دعم الزراعة والتجارة، خطوات قادرة على تحويل الدولة من فكرة مجرّدة إلى حضور ملموس في حياة الناس. فحين يشعر المواطن أن الدولة تخفف عنه، لا تعاقبه، تبدأ الثقة بالتحرّك.
السويداء ليست مشكلة أمنية تبحث عن قوة إضافية، بل جرح ثقة يحتاج شجاعة سياسية. وأخطر ما تواجهه اليوم ليس احتمال الانفصال، بل الوعد الكاذب بالاستقلال، ولا القطيعة مع دمشق بحد ذاتها، بل الإصرار على عودة بلا ذاكرة ولا عدالة. بين تطرف السلاح في الداخل، وتطرف الخطاب الإقصائي في الخارج، يبقى الخيار الوحيد الممكن هو بناء علاقة جديدة، تقوم على الاعتراف، والمساءلة، والشراكة، لا على القوة ولا على النسيان.
تلفزيون سوريا
———————————
ما تفاصيل زيارة القيادي بالسويداء سليمان عبد الباقي إلى واشنطن؟/ أحمد العكلة
دمشق- في ظل التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه محافظة السويداء، أجرى القيادي في الأمن الداخلي بالمحافظة سليمان عبد الباقي زيارة إلى واشنطن لعرض الواقع الميداني ومناقشة مستقبل المنطقة ضمن الإطار السوري العام.
وركزت اللقاءات مع مسؤولين أمريكيين وأعضاء في الكونغرس على نقل صورة دقيقة للأوضاع، بعيدا عن التضخيم أو التبسيط، وسط تصاعد التوترات المحلية والمخاوف من محاولات تقسيمية أو انفصالية.
وأكد الوفد المشارك في الزيارة، وهم سياسيون من منظمات سورية أمريكية، أن المطلب الأساسي الذي تم طرحه هو موقف أمريكي واضح يرفض دعم أي مشروع يهدف إلى تقسيم سوريا أو إقامة كيانات منفصلة، مع التشديد على أن السياسة الأمريكية الرسمية تدعم وحدة دمشق واستقرارها.
نقلة نوعية
وفي تصريح للجزيرة نت، كشف القيادي سليمان عبد الباقي تفاصيل لقاءاته مع كبار المسؤولين الأمريكيين، وأكد أن زيارته تُمثل نقلة نوعية في طرح قضية السويداء على المستوى الدولي، حيث تم عرض الواقع كما هو.
يأتي ذلك في ظل التوترات المتصاعدة في المحافظة، التي شهدت اشتباكات بين فصائل محلية ومحاولات للترويج لمشاريع انفصالية.
وأضاف عبد الباقي “للمرة الأولى، طرحت قضية السويداء أمام كبار صناع القرار الأمريكيين كما هي، بلا تزييف ولا أوهام، وطلبنا منهم بوضوح أن يعلنوا لأهلنا في سوريا أنهم لا يدعمون أي مشروع انفصالي”.
وأشار إلى أن السياسة الأمريكية “تقوم أساسا على دعم سوريا موحدة”، وأن هذا الموقف سيجعل أهالي السويداء يدركون أنهم “يُساقون خلف سراب، وأن زعيم الموحدين الدروز في المحافظة حكمت الهجري، قد زج بهم في مأزق بعد أن خدعهم بوعود كاذبة”.
وقال عبد الباقي إن “الذين أوهموا الهجري بإمكانية إقامة دولة مستقلة هم أشخاص من بعض دروز إسرائيل، لكنهم أسماء لا وزن لها إطلاقا في واشنطن، ولم يسمع بها أحد هناك”. وتوقّع أن يتضح الموقف الأمريكي الحقيقي قريبا منهم، و”حينها ستسقط الغشاوة عن عيون الذين تم التغرير بهم” على حد قوله.
إعلان
وأكد أن الإدارة الأمريكية تدعم الرئيس أحمد الشرع والدولة السورية، وهي ضد أي مشروع انفصالي أو تشكيل مجموعات مسلحة، مبينا أن دعم الولايات المتحدة لأي مكوّن سوري لا يتجاوز إرسال المساعدات الإنسانية، مع التركيز على تعزيز أمن سوريا واستقرارها ككل.
وكان عبد الباقي، الذي تولى منصبه في سبتمبر/أيلول 2025، قد تلقّى دعوة رسمية لزيارة واشنطن بتنسيق من قبل منظمات سورية أمريكية لمناقشة ملف السويداء.
حدث تاريخي
من جهته، أكد عضو منظمة “مواطنون من أجل أمريكا آمنة”، بكر غبيس، للجزيرة نت أن الزيارة الأخيرة لقيادة درزية وطنية إلى واشنطن تُعد حدثا تاريخيا.
وقال غبيس، وهو من الجالية السورية الأمريكية، إن الوفد التقى مع أعضاء الكونغرس ومكاتبه، وقدّم إحاطات للجانه في مجلسي الشيوخ والنواب، كما التقى بعدة مراكز فكرية ومؤسسات دراسات في واشنطن.
وأوضح أن الزيارة تعكس مرحلة تاريخية جديدة في سوريا، حيث “يستمر السوريون الوطنيون بالتأثير في القرار والرأي العام الأمريكي”.
وأكد أن “السوريين يستطيعون بجهود خالصة أن يوصلوا صوت شعبهم والصورة الصحيحة عن الواقع الذي يجري على الأرض في البلاد، خاصة في الملف الشائك المتعلق بالسويداء الذي تهتم به كل دول المنطقة، ومنها إسرائيل، إضافة للولايات المتحدة”.
وتابع “يعني هذا تدعيما لاستقرار البلاد والنهج الحكومي الجديد الذي يتضمن كل مكونات الشعب وطوائفه وأحزابه وتوجهاته، كلها تحت سقف بلد واحد، وتتناغم مع رؤية الرئيس أحمد الشرع لاستقرار سوريا ووحدتها ودعم السوريين أينما كانوا، داخلها وخارجها”.
أحمد العكلة_واشنطن_ تاريخ اليوم والشهر والسنة_واشنطن_المستشار طارق نعمو يلتقي توم باراك المبعوث الى سوريا_ الجزيرة نت
المستشار طارق نعمو (يمين) خلال لقائه المبعوث الأمريكي توم براك (الجزيرة)
خطوة إستراتيجية
بدوره، أفاد المستشار طارق نعمو، وهو أحد الشخصيات القريبة من دوائر صنع القرار الأمريكية والسورية، بأن هذه اللقاءات تعتبر الخطوة الختامية في مواجهة المحاولات الانفصالية، مما يؤدي إلى تبدد أية آمال بتقسيم سوريا.
وشدد على أن هذه الزيارة ليست مجرد إجراء بروتوكولي، بل تُمثل حركة إستراتيجية حاسمة على الساحة السياسية، تهدف لإغلاق ملف السويداء نهائيا و”إعادة دمجها في الوطن” بشكل كامل، معتمدة على قوة أهلها وتماسكهم الوطني.
كما تُعد، حسب قوله، خطوة بارزة في سياق الجهود السورية لإعادة ترتيب العلاقات مع القوى الدولية بعد التغيرات السياسية الأخيرة، حيث تسعى مختلف الأطراف السورية إلى تأكيد التزامها بوحدة البلاد وسيادتها، مع استمرار الحاجة إلى حوار داخلي شامل يعالج مطالب أهالي السويداء ويحافظ على تماسك النسيج الاجتماعي والوطني دون إقصاء أو تهميش.
ووفقا لنعمو، برزت “فراسة الرئيس أحمد الشرع وتناغمه الدقيق مع وزير الخارجية أسعد الشيباني، كعنصرين أساسيين في تحويل أخطر الملفات الأمنية من تهديد وجودي إلى فرصة لتعزيز السيادة الوطنية”. وأكد أن “سوريا لا تطالب إلا بحقها الطبيعي؛ دولة واحدة موحدة، وسيادة كاملة غير مجزأة”.
في المقابل، يرى مراقبون أن هذه الزيارة تشكّل محاولة لتعزيز التواصل مع صناع القرار في الولايات المتحدة وتوضيح أن أية وعود خارجية سابقة لم تكن ذات وزن حقيقي في الدوائر الأمريكية الرسمية.
إعلان
يُشار إلى أن الجزيرة نت حاولت التواصل مع وزارة الخارجية الأمريكية للوقوف على حيثيات زيارة وفد السويداء، لكنها لم تحصل على أي رد.
المصدر: الجزيرة
———————————
السويداء – «فتنة الأغوار» ثم «دافوس»… معركة شرسة مع «مجموعة نتنياهو»: كيف يديرها الأردن؟
بسام البدارين
المحترفون فقط من الساسة الأردنيين يمكنهم الافتراض بأن جلوس وزير الخارجية أيمن الصفدي على منصة إعلان توقيع ميثاق مجلس السلام الأمريكي أو «الترامبي» الجديد في مدينة دافوس، قد يشكل خطوة إضافية إلى الأمام.
منطق النخبة الرسمية على الأقل في عمان وسط جدل ترامب ومجلسه ثم «العضوية الأردنية» فيه يشيرون إلى شبكة مصالح معقدة تمررها تلك العضوية ابتداء من «بقاء المملكة في وسط تحالفات الدول العربية والإسلامية الكبرى مثل تركيا ومصر والسعودية»، وانتهاء بـ «تحصين الذات أكثر»، وفقاً للتعبير الذي استعمله الخبير الدكتور جواد العناني بحضور «القدس العربي» في مواجهة عنوانها «التخفيف من تحرشات حكومة اليمين الإسرائيلي لا بل خططها أيضاً».
في وقت سابق معلوم، وصف وزير الخارجية أيمن الصفدي حكام تل أبيب بـ «نظام إسرائيل الساعي للهيمنة وإخضاع للجميع».. لاحقاً، وصف رئيس الوزراء جعفر حسان تلك المجموعة الحاكمة في إسرائيل بأنها «يمينية متطرفة ساهمت في عزل إسرائيل» ولا تشكل خطراً إلا على الكيان بالنتيجة.
أحد الرسميين في عمان همس في أذن «القدس العربي»: جماعتنا في دافوس، ونتنياهو خشي الاعتقال لأنه مجرم دولي.. ما الذي يعنيه ذلك؟
عملياً، في مشهدية «دافوس» الأخيرة وبعد التحزم بموافقة 7 دول عربية وإسلامية على العضوية في مجلس السلام الترامبي، التحق الأردن وفي ذهنه مسألتين على الأرجح.
المسألة الأولى: «تمرير الوقت» والعبور من مرحلة ترامب بأقل الخسائر،
والثانية تمثلت في «ملاعبة اليمين الإسرائيلي» الذي يحاول بوضوح شديد «إخضاع عمان» لقبول «الضم والتهجير الناعم»، على حد وصف المستشار العسكري نضال أبو زيد حيث مواجهة شرسة هنا.
ذلك طبعاً مع فارق ملموس يؤشر على أن تلك الملاعبة «قد تتم» من خلال «العضوية في مجلس ترامب»؛ بمعنى الاشتباك مع يمين تل أبيب «المتحرش المخطط للتوسع» من داخل مؤسسة ترامب الجديدة وحساباتها بدلاً من الجلوس وانتظار «ما يقرره الأمريكيون لاحقا».
يصر العناني على أن استراتيجية «التخفيف من حدة نفوذ اليمين الإسرائيليين» عبر التشبيك مع «حلفاء إسرائيل» في واشنطن والهند وحتى آسيا، قد تمثل ممراً قسرياً وذكياً لبلد مثل الأردن في ظل التوازنات الإقليمية.
يحصل ذلك عملياً عند مراقبة الحراكات الدبلوماسية النشطة التي سبقت عمان فيها وهي تحاول مع الأطراف البقاء في المركز وصولاً فيما يبدو إلى اتخاذ القرار الذي لا يتميز بأي شعبية داخلياً في ركوب حافلة ترامب وانتظار «المحطة التالية» على الأقل.
الحد من نفوذ اليمين الإسرائيلي وتحرشاته أصبح «هدفاً دائماً» ليس لخطاب «الثوابت «الأردني فقط، بل لاستراتيجية الجولات والمجسات والاستشعارات المباشرة تجنباً لحصول «أخطاء في التقدير» يمكن أن يستغلها حكام تل أبيب وتغضب الطاقم الحالي الذي يدير البيت الأبيض.
لذلك، تعزز انطباع بأن وجود الأردن في أقرب مسافة ممكنة من ميثاق مجلس السلام قد يشكل خطوة احتراز متقدمة حرصاً على مصالح المملكة ليس حصراً في قطاع غزة حيث الاستثمار اللوجستي في إعادة الإعمار وحصة الاقتصاد الأردني، بل أيضاً في المقاربة السياسية الأخطر والأهم في المقايسة الأردنية، وهي تلك المرتبطة بانتقال مفترض لـ «الضفة الغربية» في حال إنجاز «مهمة غزة» ومن جهة مجلس السلام الجديد.
عمان وعلى المستوى السيادي والعملياتي، توقفت عن «النأي بالنفس» منذ أسابيع في ملفين يؤثران على «الأمن القومي الحدودي» للمملكة، وهما أولاً- ملف السويداء وجنوبي سوريا حيث يريد الإسرائيليون «خنق الجميع» بالسيطرة على «موارد المياه» في الإقليم، وحصراً في سوريا ولبنان، حسب الرأي الذي سمعته «القدس العربي» من الخبير الدكتور دريد محاسنة.
وثانياً- ملف عسكرة الأغوار وضم الضفة الغربية الذي يعتبر بمثابة المسار الأكثر حساسية في التأثير بكل ما هو «أردني» وعنوانه حسابات ملموسة لـ «تغيير الوقائع» في الأغوار تحديداً، تمهيداً لـ «تهجير أبناء الضفة الغربية»، وفقاً لحسابات المتخصص أبو زيد.
توقفت ماكينة المؤسسة الأردنية الرسمية عن «إنكار المخاطر» على الحدود مع فلسطين وسوريا. وما ظهر من التكنيك الأردني هو الحرص وبجرأة على مواجهة «خطة إسرائيل» مع المكون الدرزي في السويداء وجنوبي سوريا عبر قبول تركيبة اقترحها ويشرف عليها المبعوث الأمريكي الأخطر توماس براك، وعنوانها «مراقبة التهدئة في السويداء وجوارها» عبر غرفة عمليات العسكرية الأردنية تمثل المراقب الأهم فنياً فيها.
ولاحقاً، ما ظهر على واجهة الأغوار مهم أيضاً في سياق التحليل؛ فقد ابتكر اليمين الإسرائيلي «سردية المخاطر الأمنية» على الحدود مع الأردن وبدأ يدعم عن بعد «هجمات منظمة لتهرب المخدرات شرقاً» باتجاه الأردن وقام بتفجير الألغام لبناء «جدار أمني عازل» يبدل في «الدور الإقليمي للأردن» قبل العبث إسرائيلياً بإرباك الجسور والمعابر لصناعة «فتنة» بين حكومة عمان وأهالي الضفة الغربية المسافرين.
في فتنة الجسور والمعابر حصراً، توجه وزير الداخلية مازن فراية للموقع، وأعاد هندسة المشهد قبل أن يتوجه للمكان، وفد يمثل «لجنة فلسطين» في البرلمان الأردني بهدف الاطلاع والاستكشاف، وصولاً إلى تصريح لرئيس تلك اللجنة النائب سليمان السعود يعلن فيه ضمناً عن «مزاعم فتنوية إسرائيلية» لإثارة الزحام والاضطراب على الجسور والمعابر.
في الخلاصة، تقول المعطيات إن الأردن أدار بحرفية «لعبة خطرة» يؤسسها يمين تل أبيب في كل من جنوبي سوريا ومعابر الأغوار.
عاقبت تل أبيب بنسخة نتنياهو عمان؛ مرة بقطع المياه وأخرى بإنتاج «أزمة زحام المعابر»، قبل توجيه رسائل واضح أنها تتجاوز العتب وتنطوي على «تلويح بتهديد» قبل بروز إشكال دعم الأردن السياسي عن بعد لسيناريو «توحيد قائمة مرشحي الأحزاب العربية في مناطق عام 1948» وهو الدعم الذي أغضب بوضوح المتطرف إيتمار بن غفير.
لذلك، تبدو المعركة «صامتة وشرسة» لكنها مفتوحة مع يمين إسرائيل وبأكثر من موقع استثنائي.
وما يقوله أصحاب الاختصاص الرسميون حالياً هو أن إعادة تدوير زوايا الاشتباك مع يمين تل أبيب وفي جزئية خططه الماسة بمصالح الأردن تطلبت بصورة أساسية تجنب البقاء على الرصيف في مشروع ترامب الخاص بمجلس السلام. الانطباع متراكم بأن العضوية مفيدة على الأقل وفي حدها الأدنى أكثر من مكاسب البقاء خارج المؤسسة الأمريكية المستجدة ومسارها.
القدس العربي
———————————
سوريا تتّجه جنوباً: السويداء والحزب والاتفاق مع إسرائيل/ منير الربيع
الجمعة 2026/01/23
بعد العملية العسكرية السورية في شمال شرق سوريا، تتركز الأنظار في دمشق على ملف السويداء، وليس بالتأكيد الدخول في عملية عسكرية بل من خلال الرهان السياسي على الضغط الدولي، وعلى جملة خطوات من بينها زيادة التواصل مع شخصيات من داخل السويداء، في سبيل توفير صيغة سياسية تفصلهم عن السياسة التي يتبعها الشيخ حكمت الهجري، وإيصال حالته إلى مرحلة من التفكك. وهو أيضاً ما تسعى إليه الولايات المتحدة الأميركية التي على ما يبدو تركز في هذه المرحلة على وحدة سوريا وسيطرتها على أراضيها، على قاعدة التفاهم مع كل المكونات، وهو ما ترجم في الضغوط التي مارستها واشنطن على قوات سوريا الديمقراطية للدخول بالاتفاق والاندماج.
إسرائيل لم تتدخل
يبقى السؤال الأساسي عن الموقف الإسرائيلي، إذ كرر المسؤولون الإسرائيليون مواقفهم حول حماية الدروز. وكانت إسرائيل تسعى إلى فتح ممر إنساني باتجاه السويداء، وهو ما أرادت له أن يكون ممراً مفتوحاً يصل إلى شمال شرق سوريا والحدود مع العراق من خلال المناطق التي كانت تسيطر عليها “قسد”، والذي عرف بممر داوود. ولكن سيطرة دمشق على شمال شرق سوريا تعني أن هذا الممر قد سقط. فيما لم يكن لدمشق أن تحقق ما حققته من دون هذا الدعم الأميركي الواضح وعدم التدخل الإسرائيلي. فلو تدخلت إسرائيل إلى جانب “قسد”، لكان سياق المعركة قد اختلف، وربما وصلت الأمور في سوريا إلى حافة المواجهة الإسرائيلية التركية.
ملف السويداء والترتيبات
في انتظار ما ستحمله التطورات في المرحلة المقبلة حول ملف السويداء، ثمة من يعتبر أنه بمجرد الوصول إلى صيغة حلّ، فإن اتفاق الترتيبات الأمنية بين سوريا وإسرائيل سيعلن. البعض يعتبر أن ما جرى في شمال شرق سوريا كان نتاجاً للملامح التي وضعت للاتفاق في اجتماع باريس الأخير بين المسؤولين السوريين والإسرائيليين. هنا لا يمكن المرور على الكثير من التحليلات أو التسريبات التي كانت تتحدث عن مهل لقسد للاندماج، أو عن كسب الوقت قبل الدخول في المعركة لقراءة تطورات الوضع في المنطقة، على وقع التصعيد الأميركي الإيراني واحتمال حصول حرب جديدة ستنخرط فيها إسرائيل.
الانسحاب من كل النقاط
وسط مراقبة هذه التطورات، دارت سجالات حول ماهية الاتفاق الذي تسعى إليه الولايات المتحدة الأميركية بين سوريا وإسرائيل، وهو عملياً اتفاق أمني. بالتزامن مع شن العملية العسكرية في شمال شرق سوريا، بدأت الصحافة الإسرائيلية في تسريب أخبار عن نقاشات في الداخل الإسرائيلي عن الانسحاب من 9 نقاط تحتلها تل أبيب في سوريا، وتشير التسريبات الى أن الجيش لا يوصي بذلك. هذا النقاش حتماً مطروح في التفاوض السوري الإسرائيلي، علماً أن المسؤولين الإسرائيليين أكدوا أكثر من مرة عدم استعدادهم للانسحاب من جبل الشيخ، في حين تصرّ دمشق على مطالبة تل أبيب بالعودة إلى اتفاقية فض الاشتباك في العام 1974؛ أي الانسحاب من كل النقاط التي احتلها الإسرائيليون بعد 8 كانون الأول 2024.
أفكار حول الاتفاق
ثمة من اعتبر أن المكسب الذي حققته سوريا في شمال شرق سوريا، وتسعى إلى تحقيقه في السويداء، سيكون له ثمن. ثمنه ليس فقط الاعلان عن اتفاق الترتيبات الأمنية مع إسرائيل، بل ربما الدخول في مفاوضات أوسع من ذلك تتصل في جوانب سياسية واقتصادية. وبما أن دمشق تصر على عدم توقيع أي اتفاق قبل انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها، فإن التفاوض سيبقى منحصراً في الجانب الأمني، خصوصاً أن تل أبيب تعلن دوماً سعيها لتأمين حدودها، مع سوريا أو مع لبنان. وهنا تشكل سوريا عنصراً أساسياً في حماية أمن اسرائيل من لبنان، لأن طريق الإمداد لحزب الله كانت تعتمد على الجغرافيا السورية. وهنا تبرز أفكار كثيرة حول ماهية الاتفاق بين سوريا وإسرائيل للمرحلة المقبلة:
1 تعتبر تل أبيب أنها كما غضت النظر عن تقدم دمشق في شمال شرق سوريا لتحقيق أهدافها وأمنها، فإن إسرائيل تريد تضييق الخناق على حزب الله لحماية أمنها أيضاً.
2 التفاهم حول ترتيبات الوضع الأمني في جنوب سوريا، وذلك من خلال إشراف إسرائيلي على كيفية انتشار الجيش السوري والنقاط التي سينتشر فيها ونوعية الأسلحة التي ستكون موجودة.
3 تربط اسرائيل بقاءها في جبل الشيخ بتوفير أمنها من جهة الحدود السورية، واللبنانية أيضاً، وهنا تُطرح فكرة سحب النقاط الثابتة من هناك مقابل الاتفاق على آلية تنسيق أمنية وعسكرية لضمان الاستقرار.
4 إحدى الأفكار المطروحة تتصل بتبادل المعلومات الأمنية والاستخباراتية وهو ما تريد إسرائيل استخدامه للتضييق على حزب الله أكثر.
5 فكرة تسيير دوريات عسكرية مشتركة وفق صيغة معينة يعمل الأميركيون على رعايتها أو إنشاء غرفة عسكرية خاصة بها، وهذه تكون مهمتها ضمان ضبط الوضع في الجنوب السوري وعلى الحدود مع لبنان.
6 زيادة فعالية التنسيق الحدودي لقطع طرق الإمداد عن حزب الله ومنعه من تهريب السلاح، من خلال زيادة الإجراءات التي ستتخذها سوريا، ومن دون إغفال الضربات الإسرائيلية التي تستهدف مناطق على الحدود اللبنانية السورية، وكان آخرها قبل يومين، في ظل السعي الإسرائيلي إلى قطع طريق الإمداد بين البقاع والجنوب.
المدن
————————————
من «باشان» إلى «روجآفا»: «الخط» الإسرائيلي!
في مقابلة مع قناة «آي 24» الإسرائيلية، وجهت الرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية» الكردية، إلهام أحمد، دعوة لتل أبيب للتدخل لصالح ما يسمى «قوات سوريا الديمقراطية» بقولها: «اليوم يحتاج الأكراد إلى مساعدة دولية قوية. من يستطيع المساعدة فليفعل».
جاء تصريح أحمد ليضيف على ما قالته في لقاء مع صحافيين يوم الثلاثاء الماضي بالقول إن حركتها «تتواصل مع شخصيات إسرائيلية»، وأن قواتها ترحب بتلقي دعم من «أي مصدر» كان. بدوره، قال سيبان حمو، عضو قيادة «قسد»، وقائد «وحدات حماية الشعب» الكردية، في تصريحات قبل أيام لوكالة رويترز، إنه «يأمل أن تتدخل إسرائيل لصالح أكراد سوريا»
في مقابلة سبقت الأحداث الأخيرة في شمال شرق سوريا، ظهر الزعيم الديني حكمت الهجري على موقع «واي نت» الإسرائيلي التابع لصحيفة يديعوت أحرونوت، معتبرا أن «الاستقلال التام» عن سوريا هو الحل الوحيد، وأن «الدروز يرون أنفسهم جزءا لا يتجزأ من منظومة الوجود التي تمثلها إسرائيل»، التي هي «دولة قانون ومؤسسات دولية»، مشيرا إلى وجود «تنسيق استراتيجي» مستمر مع «قوات سوريا الديمقراطية».
كشف تحقيق موسّع قامت به صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية أن إسرائيل بدأت بتسليح ودعم ميليشيات الهجري بعد أيام من سقوط نظام بشار الأسد عام 2024، وأنها بدأت بتقديم أموال ورواتب شهرية للمقاتلين، وأنها دعمت إنشاء كيان مسلح درزي يسمى «المجلس العسكري» (سمّي لاحقا «الحرس الوطني») مع تمويل تجاوز نصف مليون دولار وتدريب عبر «قوات سوريا الديمقراطية».
أدى هذا الدعم، حسب التحقيق، لانقسامات داخل الطائفة الدرزية، وإلى صراعات بين قادتها واتهامات بالخطف والفساد وتهريب المخدرات، وساهم في تأجيج التوتر مع الحكومة السورية وصولا إلى المواجهات المسلحة في تموز/ يوليو من العام الماضي، والتي أدت، حسب تقرير منظمة العفو الدولية، لحصول انتهاكات واسعة على يد القوات الحكومية ومجموعات مسلحة وعشائر بدوية، أدت لمقتل المئات، جرى إثر ذلك تدخّل إسرائيلي عنيف ومباشر ضد القوات الحكومية أدى، حسب مصادر حقوقية، إلى مقتل 183 جنديا.
بالتزامن مع سقوط النظام السابق احتلت إسرائيل أكثر من 400 كيلومتر مربع من الأراضي السورية، ونفّذت مئات الغارات لتدمير مخازن السلاح لمنع الحكومة الجديدة من السيطرة عليها. خلص التحقيق إلى أن هذه التدخّلات الإسرائيلية هي جزء من استراتيجية لتقويض فرص استقرار سوريا وإضعاف الدولة الجديدة عبر منعها من استعادة السيادة المركزية حتى لو أدى ذلك إلى صراعات داخلية طويلة المدى في سوريا والمنطقة المحيطة.
تشير الأحداث الأخيرة في شمال شرق سوريا إلى تغيّرين مهمين، يتعلّق الأول بقرار أمريكي بدعم الدولة السورية على حساب الوكيل الفرعي الممثل بـ«قسد»، ويتعلّق الثاني بتجاوز الحكومة السورية في عملياتها الأخيرة، إلى حد كبير، أخطاءها الجسيمة التي جرت في ملفّ السويداء (والتي اعتبرها الرئيس السوري «فخا إسرائيليا» وقعت فيه).
تثير طلبات قياديي «الكردستاني» النجدة الإسرائيلية العجب، وتكشف المآلات البائسة للحزب الماركسي الداعي لتحرر الكرد، والذي بدأ قتاله المسلح في تركيا رافعا رايات مكافحة الامبريالية الأمريكية و«توابعها» في المنطقة، ليتحوّل إلى تابع صغير بائس تلاشت سيطرته الواهية على سوريا بمجرّد رفع واشنطن الغطاء عنه. يؤشر ذلك، على ما يبدو، إلى مآل قريب يُعيد السويداء أيضا إلى تاريخها وهويتها السورية ويُنهي «المعادلة الصفرية» التي دفعت إسرائيل في اتجاهها.
القدس العربي
—————————-
مصير دولة “جبل الباشان” بعد انهيار نموذج قسد!/ أيمن الشوفي
الجمعة 2026/01/23
تكابر المنظومة الحاكمة في السويداء، والمؤلفة من شيخ العقل حكمت الهجري وميليشيا الحرس الوطني، على الإقرار بانهيار نموذج “قسد” للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، بمجرد أن تمّ رفع الغطاء الأميركي عنه، وهو الأمر الذي يُنجز تطاولاً على فكرة “الدولة الباشانية”، حيث يستثمر الهجري من خلالها إطالةً مفتعلة لأزمة السويداء، وتفرّداً بالرأي والقرار هناك.
الجنوب ليس الهدف التالي
ويرى عضو مؤتمر الحوار الوطني جمال درويش، أن المقارنة بين السويداء وشرق الفرات هي مقارنة تصحُّ من حيث البنية، وليس من حيث التفاصيل، ويضيف لـِ “المدن”، أن “قسد أدارت مساحات واسعة، وأشرفت على معابر حدودية، وحقول نفط وغاز، وسدود، وهذا شكل عبئاً على حكومة دمشق، وأعتقد أن هناك عملية مقايضة بين شرق الفرات، وبين الجنوب”.
ويوضح درويش أن “ثمن استعادة الدولة السورية للنفط والقمح في شرق الفرات، سيكون مقابلهُ سيادةً منقوصة للحكومة السورية في الجنوب”. ويستند في رأيه على مخرجات اجتماع “باريس 3” الذي أقرّ بأن يكون الجنوب السوري منزوع السلاح الثقيل، وأن إعادة تشكيل الخريطة السورية لم يعد يخضع للرغبات الوطنية، بل إلى اتفاق باريس، وبالتالي لن تكون السويداء والجنوب السوري هما الهدف التالي للحكومة السورية، بعد شرق الفرات.
انقلاب الدروز على الهجري
بينما يعتقد الكاتب والناشط المدني أدهم القاق، بأن “دروز السويداء سوف ينقلبون على الهجري، وعلى الحرس الوطني، وهذا سيعزز نفوذ المسار الوطني في السويداء، مدفوعاً بما تحقق من انتصار في شمال وشرق الفرات”.
ويقول القاق لـِ “المدن”، إن “الحكومة الانتقالية تستطيع الاستعانة بنصوص اتفاقات كالتي أبرمتها أخيراً مع قسد، وقبلها الاتفاقات التي تم تنفيذها في جرمانا وأشرفية صحنايا بريف دمشق، لتكون إطار عمل حكومي داخل السويداء، ضمن اشتراطات أساسية كسيادة الدولة السورية على كامل أراضيها، ووحدة الشعب السوري، وهما اشتراطان أساسيان لإتمام المرحلة الانتقالية، بالإضافة إلى ضرورة أن يكون السلاح داخل نطاق الدولة السورية فقط”، معتبراً أن “مصير السويداء هو العودة إلى الوطن، والاعتراف بسيادة الحكومة الانتقالية”.
الهجري بعد خسارة قسد
ويرى الصحافي والإعلامي فؤاد عزام، بأن الهجري الذي استولى على قرار السويداء، وقمع جميع الأصوات التقليدية والنخب، ويحكمها بالقوة من خلال ميليشيات الحرس الوطني، “بات يشعر بأنه في مأزق كما السويداء، بسبب خسارته قسد، حتى وإن كانت تستخدمه كورقة تفاوضية فيما سبق، وأيضاً إسرائيل التي أرسلت إشارات حول تنصّلها منه، بعد أن تقدمت في مفاوضاتها مع الحكومة السورية”.
ويضيف عزام لـ”المدن”، أن “الهجري، بسبب عقليته المغلقة بوصفه رجل دين، لا يتقن قراءة المتغيّر النسبي في السياسة، قد يلجأ إلى ربط مصيره بالأهالي، بمعنى الاحتماء بهم، واستخدامهم، وفي هذه الحالة سيعمل على تشديد قبضته الأمنية لقمع الأصوات التي تريد إخراج السويداء من أزمتها المتفاقمة”.
ويتوقع عزام أن تظهر أصوات من داخل السويداء رغم سياسة القمع هناك، وتختار أن تتجه لطرح حلول بغية الخروج من الأزمة، وفي أجواء قبول خريطة الطريق، لتجنيب المحافظة تبعات مواقف الهجري.
السويداء ليست شرق الفرات
فيما يتحدث القيادي في حزب “شباب الاستقلال” محمود السكر، بأنه يتم حالياً تقييم التطورات الأخيرة في شمال شرق سوريا من قبل الجهات الفاعلة في السويداء، واعتبارها قراراّ أميركياً بعودة “قسد” إلى حجمها الديموغرافي في مناطق الأكراد. ويقول لـِ “المدن”، إن قسد لم تخُض معركة حقيقية، بل انسحبت إلى داخل المناطق الكردية.
ويضيف أن “الوضع في السويداء منفصل عن الوضع الكردي، باعتبار أن الأكراد يخضعون لمنطقة نفوذ تركي. بينما الجنوب السوري يُعتبر منطقة نفوذ إسرائيلي يخضع بشكل أساسي للمفاوضات بين إسرائيل وسلطة دمشق، والتي كان آخرها لقاء باريس”.
ووفق كلام السكر، فإن قرار السويداء هو في حق تقرير مصيرها شعبياً، وتحرير الأرض، وضمان حقوق المتضررين، وعودة المخطوفين.
المدن
———————————
مدير مديرية الأمن في السويداء التابعة لوزارة الداخلية السورية سليمان عبد الباقي من واشنطن: أمريكا لن تدعم ميليشيا وتريد سوريا موحدة/ جانبلات شكاي
فيما أعلن مدير مديرية الأمن في السويداء التابعة لوزارة الداخلية السورية سليمان عبد الباقي، من واشنطن، أن الولايات المتحدة لا تدعم أي مشروع انفصالي في البلاد، وأنها مع سوريا واحدة موحدة، رجّح شيخ أن يذهب حلّ ملف محافظة السويداء عبر الحوار السلمي بعيداً عن التصعيد العسكري.
الهجري يبيع الوهم
وفي واشنطن، أجرى لقاءات مع عدد من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب في الكونغرس الأمريكي، إلى جانب لقاءات أخرى مع أعضاء من الإدارة الأمريكية.
وفي مقطع مصور له من أمام الكونغرس، وجّه عبد الباقي رسالة للسوريين ولأهالي السويداء خصوصاً، عبر صفحته على «فيسبوك» قال فيه إنه «عندما تستمع إلى خطابات (شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في سوريا) حكمت الهجري، يخيل لك أنه على اتصال مباشر بالرئيس الأمريكي والكونغرس، على مدار الساعة، لكن ما أن تأتي إلى واشنطن وتلتقي وجهاً لوجه بمسؤولين في وزارة الدفاع وأعضاء من مجلسي الشيوخ والنواب في الكونغرس ومسؤولين في البيت الأبيض، حتى يتضح حجم الوهم الذي يبيعه الهجري لأتباعه، فلا أحد هنا سمع بخرافاته، ولا أحد يعيرها أي اهتمام».
وأوضح أن «لقاءاته كانت متواصلة خلال اليومين الماضيين، وتم تنظيمها وللمرة الأولى بدعم من الجالية السورية ومنظمة «مواطنون من أجل أمريكا آمنة»، وكان الحديث خلالها واضح حول دعم الإدارة الأمريكية للدولة السورية الجديدة واحدة وموحدة، وهي لن تقدم الدعم لأي من الميليشيات، وترفض أي عملية انفصالية، بل تعلن دعمها للرئيس أحمد الشرع صاحب الفضل الكبير في إعادة توحيد سوريا وإعادة إعمارها».
وناشد أبناء السويداء عدم الانجرار وراء أوهام الهجري أو الانجرار إلى الاقتتال والدم، مؤكداً أنه طلب من المسؤولين الأمريكيين أن يعلنوا لأهلنا في سوريا أنهم لا يدعمون أي مشروع انفصالي، وأن السياسة الأمريكية تقوم على سوريا موحدة، حتى يدرك أهل السويداء أنهم يُساقون خلف سراب، وأن حكمت الهجري زجّ بهم في هذا المأزق بعد أن خدعهم، مبيناً أن «الأكثر سخرية أن من أوهموا الهجري من بعض دروز إسرائيل بإمكانية منحه دولة، هم أسماء لا وزن لها إطلاقاً في واشنطن، ولم يسمع بها أحد هنا»، مؤكداً أنه «قريباً سيتضح الموقف الأمريكي الحقيقي من مهزلة دولة الباشان، وحينها ستسقط الغشاوة عن عيون من تم التغرير بهم».
والخميس، شهدت مدينة السويداء عملية انتشار لوحدات من «الحرس الوطني» في أسواق المدينة ومداخلها «في إطار اختبار للجاهزية العسكرية والأمنية لتنظيم الدفاع في حال حدوث أي طارئ»، وفق ما ذكر المكتب الإعلامي للحرس الوطني.
وسيطرت على السويداء حالة من التوتر خلال الأيام الماضية على خلفية تخوفات من إمكان أن تشهد المحافظة عملية عسكرية تنهي الحالة غير الطبيعة السائدة منذ أحداث تموز/ يوليو الماضي الدامية، وسط أنباء عن خروج أعداد كبيرة من الأهالي في اتجاه العاصمة، وأنباء أخرى عن عمليات انشقاق بين صفوف «الحرس الوطني» التابع للهجري، والتي تم نفيها لاحقا.
وفي تصريح خاص لـ «القدس العربي» قال الشيخ منصور حمد النادر، وهو من شيوخ عشيرة النعيم، إن الأمور على الأرجح لن تذهب في السويداء في اتجاه العمل العسكري، ولن تشهد المحافظة، إن شاء الله، أي مواجهات. الوضع سينتهي للحل عبر الحوار السلمي ليعمّ الأمن والأمان على كامل الأراضي السورية في الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن الأمور تسير في اتجاه الأفضل والحلحلة، ومشدداً في الوقت ذاته على أن من سيعمل على إعاقة الحل السلمي فإنه لن يحصل في المقابل على السلام، مستبعداً عودة التدخل الإسرائيلي مرة ثانية في ملف السويداء.
وأكد النادر، المقيم في مدينة الكسوة في ريف دمشق، أنه لا يتم الإعداد أو التجهيز أو الحشد للقيام بأي عملية عسكرية في اتجاه السويداء، والأمور تسير في اتجاه السلم لا القتال، مشدداً على أنه حتى العمليات العسكرية التي حصلت فيما يتعلق باستعادة مناطق شمال شرق سوريا في محافظات الرقة ودير الزور وريف الحسكة، جرت تحت ضبط شديد وبأخف الخسائر رغم بعض الخروقات التي قام بها من يمكن تسميتهم بفلول «قسد»، أسوة بفلول النظام.
وتحدث عن أوضاع النازحين من بدو محافظة السويداء في مراكز الإيواء في درعا وريفها.
وقال إنهم يعيشون في أوضاع مأساوية جداً وهؤلاء يعولون على تسريع إيجاد حل ينهي معاناتهم وخصوصاً في الأجواء الشتوية العاصفة بهم، مؤكداً أن الحل المعول عليه حالياً هو في الجهود الإقليمية والدولية التي تسعى لإيجاد مخرج لأزمة السويداء إن كان من الأردن أو قطر أو الولايات المتحدة.
وعبر عن اعتقاده بأن هذا الملف سيجد نهاية له عبر هذه الجهود الدولية، مشيراً إلى أن ملف الأسرى كان قد شهد انفراجات في الفترة الماضية بعد تبادل لعدد من الموقوفين من قبل الجانبين، لكن ما زال هناك معتقلون من البدو لدى دروز السويداء، حسب تعبيره والملف لم يغلق بشكل نهائي.
في السياق ذاته، رجحت مصادر إعلامية إنهاء ملف السويداء قريباً من خلال تأمين المنطقة بقوات من أبنائها، وحل الميليشيات غير النظامية، وتمثيل المحافظة في مجلس الشعب مع تعيين المحافظ من قبل السلطة المركزية، وانتخاب مجالس البلديات مستقبلاً، ما سيعزز المشاركة المحلية من دون المساس بالوحدة الوطنية.
وظهر العديد من النداءات عبر صفحات نشطاء من أهالي السويداء على وسائل التواصل الاجتماعي، تدعو إلى ترجيح لغة العقل والاتعاظ بما حصل مع «قسد» في مناطق شمال شرق سوريا.
وفي تصريح خاص لـ «القدس العربي» قال الحقوقي والمحامي باسل دعبوس، وهو من المقيمين في حي جرمانا القريب من دمشق، إن هناك حكمة تتسم بها الإدارة الجديدة في دمشق تجاه ضرورة حل ملف السويداء بعيداً عن إراقة الدماء، ومن المرجح أن العمل حالياً يجري في هذا الاتجاه، موضحاً أن الأوضاع جيدة في أماكن إقامة الدروز في باقي المناطق السورية ومنها جرمانا، ولا نشعر بأي توتر، والحياة طبيعية تماماً ومريحة جداً، على خلاف ما نسمع به عن وجود بعض التوتر في الوسط الشعبي في السويداء.
حلّ دون دماء
وعبر عن قناعته بأن ملف السويداء سيحل من دون إراقة أي نقطة دماء لأن ما حصل سابقاً كان قاسياً، وهذا التوجه هو الغالب على مطالب الجميع من أهلنا.
وفيما يتعلق بضرورة البحث عن حل سوري – سوري دون الاعتماد على العامل الخارجي، كي لا يتكرر السيناريو الذي حدث في مناطق شمال شرق سوريا حين عوّلت «قوات سوريا الديمقراطية» على الدعم الأمريكي، قال دعبوس إن الأمر معروف ولا يمكن التعويل لا على الدعم الأمريكي ولا الإسرائيلي، ولم يعتمد أحد يوماً على الأجنبي وخرج رابحاً، فمهما كانت الخلافات بيننا، سنجتمع لاحقا، والأمر لا يحتاج إلا إلى بعض من الشعور بالراحة تجاه الآخر وانتشار الأمان، وتأمين فرص عمل للشباب، وحينها سنرى أن الأمور صارت في مكان آخر غير حالة التوتر الحالية.
ورفض دعبوس الأخذ بمقولة أن أهالي السويداء يفضلون اليوم أن يكونوا مع إسرائيل أكثر من أن يكونوا مع دمشق، وقال إن هذا الكلام لا يمثل أهالي السويداء، وإن الوطنيين الواعين والمثقفين يدركون أن الإسرائيلي سيرمي ورقة السويداء في النهاية عندنا يتعارض الوضع مع مصالحه، ولا يعنيه البتة ما يمكن أن يحصل في السويداء، وهذا ما يجب أن يعيه الجميع في السويداء.
وأضاف: نحتاج اليوم إلى العقل والحكمة والتروي لأن التحرك بالمنحى الآخر لن يجلب إلا الخسارة للجميع، لأن من يسقط من أي جهة كان، هو سوري في النهاية، والإسرائيليون وغيرهم لا يريدون أكثر من أن يشاهدونا نحن أبناء الدولة الواحدة، نقتل بعضنا وهم يتفرجون علينا ويتاجرون بنا.
وختم بالقول نتمنى من أهلنا في السويداء أن يكون لديهم هذا الوعي، والحال ذاته فيما يتعلق بالإدارة الجديدة في دمشق بأن تعمل وفق هذا المنحى، وأن يتم استقطاب الجميع للعمل على الخير والمحبة والسلام، فقد تعب الشعب السوري كله من هذه الحرب البغيضة وآن لنا أن نعمل جميعنا على إعادة بناء دولتنا التي انهكتها المعارك.
القدس العربي
———————————
كشف تفاصيل زيارته لواشنطن.. مدير أمن السويداء: الهجري يبيع الوهم لأتباعه
22 يناير 2026
كشف سليمان عبد الباقي، مدير الأمن الداخلي في محافظة السويداء، عن تفاصيل زيارته الأخيرة إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث التقى بكبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية.
وقال عبد الباقي في منشور على حسابه الشخصي على فيسبوك، إنه “للمرة الأولى، وبدعم من اللوبي السوري، والجالية السورية الأميركية طُرحت قضية السويداء أمام كبار صناع القرار الأميركيين كما هي، بلا تزييف ولا أوهام”. مؤكدًا أنه تم الطلب “بوضوح من المسؤولين الأميركيين أن يعلنوا لأهلنا في سوريا أنهم لا يدعمون أي مشروع انفصالي، وأن السياسة الأميركية تقوم على سوريا موحدة، حتى يدرك أهل السويداء أنهم يُساقون خلف سراب، وأن حكمت الهجري زجّ بهم في هذا المأزق بعد أن خدعهم”.
وأضاف عبد الباقي: “عندما تستمع إلى خطابات حكمت الهجري في سوريا، يخيل لك أنه على اتصال مباشر بالرئيس الأميركي والكونغرس على مدار الساعة. لكن ما إن تأتي إلى واشنطن وتلتقي وجهًا لوجه بمسوؤلي البنتاغون وأعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النواب.. ومسوؤلي البيت الأبيض، حتى يتضح حجم الوهم الذي يبيعه الهجري لأتباعه”. مشددًا على أنه “لا أحد هنا سمع بخرافاته، ولا أحد يعيرها أي اهتمام”.
وتابع: “الأكثر سخرية أن من أوهموا الهجري من بعض دروز إسرائيل بإمكانية منحه “دولة” هم أسماء لا وزن لها إطلاقًا في واشنطن، ولم يسمع بها أحد هنا. قريبًا سيتضح الموقف الأميركي الحقيقي من مهزلة “دولة الباشان”، وحينها ستسقط الغشاوة عن عيون من تم التغرير بهم”.
وختم عبد الباقي بالقول إن “الإدارة الأميركية تدعم الرئيس أحمد الشرع والدولة، ومع سوريا واحدة موحدة وضد أي مشروع انفصالي”.
وكانت مصادر محلية في محافظة السويداء قد تحدثت عن تزايد التململ بين الأهالي إزاء سياسات الهجري وما يسمى بـ “الحرس الوطني” التابع له، لا سيما بعد الإجراءات الأحادية التي يتخذها الهجري فيما يخص مستقبل المحافظة، بدءًا من تغيير اسمها إلى “جبل الباشان” إلى إصراره على الانفصال وإعلان دولة مستقلة، والأهم ربط مصير السويداء بدولة الاحتلال الإسرائيلي.
وتحدثت المصادر عن انقسامات داخل “الحرس” نفسه، إذ أعلن عشرون عنصرًا انشقاقهم، مع إشارات إلى وجود موجات انشقاق أخرى وشيكة.
وإثر اندلاع المواجهات العسكرية في حلب وريفها، والتي سرعان ما امتدت إلى شمال شرق سوريا، لتفضي إلى سيطرة الجيش القوات الحكومية على محافظتي الرقة ودير الزور وأجزاء من الحسكة، اتجهت الأنظار إلى ملف السويداء، ورأى كثيرون من أهالي المحافظة أن على الهجري أن يلتقط الإشارات السياسية ويستفيد مما حصل في ملف قسد، وأن عليه أن يخفض سقف توقعاته ويغدو أكثر مرونة. كما رأوا أن على الحكومة بالمقابل تصويب سياساتها والتخلي عن أسلوب القوة البحتة والعودة إلى معالجة شؤون السويداء وفق الأساليب السياسية ذات البعد الوطني.
وكانت مقابلة الهجري مع صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، قد أحدثت ردود فعل سلبية وخاصة داخل المحافظة.
وأدلى الهجري بتصريحات مثيرة للجدل، اعتبر فيها أن العلاقة مع إسرائيل “طبيعية” وقائمة على “روابط دم وعلاقات عائلية”، واصفًا إياها تارةً بـ”دولة قانون” وتارةً أخرى بـ”نظام دولي”.
وقال الهجري إن إسرائيل “أنقذت الدروز من إبادة جماعية”، معتبرًا أن الأحداث الأخيرة أثبتت، بحسب رأيه، “عدم إمكانية الاعتماد على أي جهة أخرى لحماية الطائفة”. وأضاف: “كان الثمن فادحًا، لكنه لن يذهب سدى. نحن نبحث عن مستقبل لا يكون فيه الدروز ضحية بعد اليوم”.
وأشاد الهجري بالدور الإسرائيلي قائلًا إن إسرائيل “كانت الدولة الوحيدة التي تدخلت عسكريًا عبر ضربات جوية أوقفت المجزرة”، معتبرًا أن غياب ممر إنساني مباشر معها “يُصعّب وصول المساعدات”.
ويؤكد مراقبون أنه لا يمكن للحكومة مواجهة الهجري بالطريقة السابقة، مؤكدين أن الهجوم على السويداء وما رافقه من انتهاكات واسعة بحق المدنيين، قد أفضى إلى نتيجة كارثية، حيث تم تثقيل أوراق الهجري وزيادة وزنه، ويرى هؤلاء أنه من الممكن استثمار التذمر من سياسات الهجري عير مقاربة وطنية تجد حلًا سياسيًا متوازنًا يحفظ مكانة السويداء ويصون كرامة أهلها، مع إشارة إلى أن خارطة الطريق التي وقعتها سوريا مع الأردن وأميركا تصلح لتكون مدخلًا للحل.
الترا سوريا
———————————
مدير أمن السويداء من واشنطن: الإدارة الأميركية مع «سوريا واحدة موحدة»
عبد الباقي قال إن بعض دروز إسرائيل ممن أوهموا الهجري بمنحه «دولة» لا وزن لهم في واشنطن
دمشق: موفق محمد
22 يناير 2026 م
أكد مدير الأمن الداخلي في مدينة السويداء، سليمان عبد الباقي، من واشنطن، أن الإدارة الأميركية «مع سوريا واحدة موحدة، وهي ضد أي مشروع انفصالي».
وعلق بمنشور في حسابه على «فيسبوك» و«إكس»، بعد لقاءات أجراها مع مسؤولين في «البنتاغون» ومع أعضاء في مجلسَيْ الشيوخ والنواب بالكونغرس، بأنه قد نوقشت خلالها «الخطوات المقبلة لوضع حد للخطوات الانفصالية» التي يعمل عليها شيخ العقل، حكمت الهجري، في المحافظة ذات الغالبية الدرزية.
ويزور عبد الباقي وفريق من أعضاء منظمة «مواطنون من أجل أميركا آمنة»، العاصمة الأميركية منذ يومين. وأوضح الدكتور بكر غبيس، العضو في المنظمة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه قد «عُقدت لقاءات عدة عالية المستوى؛ لتعرية الأوضاع القائمة حالياً في سوريا والسويداء، ومحاولة توضيح الصورة لأصحاب القرار، خصوصاً ما يحدث من ادعاءات لعناصر انفصالية مرتبطة بالنظام السابق و(حزب الله) اللبناني وميليشيات إيران وإسرائيل؛ لجر الأهالي في السويداء إلى أجندة ضيقة والتصادم ومواصلة التخريب في مؤسسات الدولة الجديدة».
في منشوره بحسابه على «فيسبوك»، وجه عبد الباقي رسالة إلى السوريين، خصوصاً أهالي السويداء، قال فيها: «عندما تستمع إلى خطابات حكمت الهجري في سوريا، يُخيّل لك أنه على اتصال مباشر بالرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وبالكونغرس على مدار الساعة… لكن ما إن تأتي إلى واشنطن وتلتقي وجهاً لوجه مسؤولين في البنتاغون، وأعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النواب بالكونغرس، ومسؤولين في البيت الأبيض، حتى يتضح حجم الوهم الذي يبيعه الهجري لأتباعه»، مؤكداً أنه «لا أحد في واشنطن سمع بخرافاته، ولا أحد يعيرها أي اهتمام».
وأوضح عبد الباقي: «للمرة الأولى، وبدعم من اللوبي السوري، والجالية السورية – الأميركية، طُرحت قضية السويداء أمام كبار صناع القرار الأميركيين؛ كما هي، بلا تزييف ولا أوهام. وطلب منا المسؤولون الأميركيون بوضوح توصيل رسالة لأهلنا في سوريا أنهم لا يدعمون أي مشروع انفصالي، وأن السياسة الأميركية تقوم على سوريا موحدة؛ وذلك كي يدرك أهل السويداء أنهم يُساقون خلف سراب، وأن الهجري زجّ بهم في هذا المأزق بعد أن خدعهم».
وقال عبد الباقي إن «المثير للسخرية أن مَن أَوْهَمَ الهجري من بعض دروز إسرائيل بإمكانية منحه (دولة) هم أسماء لا وزن لها إطلاقاً في واشنطن، ولم يسمع بها أحد هنا»، لافتاً إلى أنه «قريباً سيتضح الموقف الأميركي الحقيقي من مهزلة (دولة الباشان)، وحينها ستسقط الغشاوة عن عيون من جرى التغرير بهم».
وشدد عبد الباقي على أن «الإدارة الأميركية تدعم الرئيس أحمد الشرع ودولة سورية واحدة موحدة، وهي ضد أي مشروع انفصالي أو مجموعات انفصالية، ولا تدعم أي مكون سوري سوى عبر إرسال المساعدات الإنسانية، وتدعم أمن واستقرار سوريا».
ورأى مراقبون أن زيارةَ عبد الباقي، المتحدر من محافظة السويداء، واشنطن ومباحثاته هناك، مؤشرٌ على أن أميركا دخلت بقوة على مسألة حل ملف محافظة السويداء؛ التي يسيطر الهجري وما تعرف بـ«قوات الحرس الوطني»، التابعة له، على أجزاء واسعة منها.
وفي تصريحه، أوضح غبيس أن التجاوب خلال اللقاءات كان «كبيراً» مع طلبات عبد الباقي وفريق المنظمة، التي تمثلت في «دعم سوريا واحدة موحدة، ورفع الغطاء عن أصحاب الأجندة الانفصالية الخارجية، ودعم وجهة نظر الرئيس دونالد ترمب بإعطاء سوريا فرصة حقيقية، ودعم سياسة الرئيس أحمد الشرع بالحفاظ على وحدة سوريا أرضاً وشعباً، والتخلص من إرث النظام البائد وخلايا الإرهاب من تنظيم (داعش) وعناصر (حزب العمال الكردستاني) و(حزب الله) وإيران والعناصر المرتبطة بـ(الحرس الوطني) في السويداء».
زيارة عبد الباقي وفريق المنظمة واشنطن ومباحثاتهم هناك، تتزامن مع استمرار الهجري في السعي إلى فصل السويداء عن الدولة السورية، وإقامة ما يسميها «دولة باشان» فيها بدعم من إسرائيل.
وبيّن غبيس أنه «جرى عرض كل الحقائق على الأرض، بما في ذلك التهديد الذي يتعرض له الأهالي في السويداء، ومناقشة الخطوات المقبلة؛ لوضع حد للخطوات الانفصالية والدعوات لجر المكون الدرزي الوطني إلى حرب وصراع دائم مع كل السوريين… والعمل على سوريا واحدة وقوية ومستقلة».
وتأتي تلك المحادثات بعد النجاح الكبير الذي حققه الجيش الحكومي السوري في شمال وشرق البلاد بمواجهة «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، والذي يرى فيه مراقبون انتهاءً لمشروع «قسد» السياسي والعسكري، وأن تأييد أميركا عملية الجيش الحكومي السوري في الشمال، الذي أعلن عنه قبل يومين صراحة مبعوثها الخاص إلى سوريا، توم برّاك، ومن ثم ترمب، يأتي «تطبيقاً لوجهة نظر الرئيس الأميركي بأن سوريا يجب أن تكون واحدة موحدة، وفي الوقت ذاته رسالة تحذير لكل أصحاب المشروعات الانفصالية بأن سيناريو الشمال سينسحب عليهم».
الشرق الأوسط
——————————-
القوى “الحاكمة” الانتحارية.. ثلاثة نماذج: قسد و”حزب الله” والهجري/ جاد يتيم
2026.01.22
شكّل اغتيال نصر الله في لبنان، وسقوط بشار الأسد في سوريا، وضرب النظام الإيراني في عقر داره والقضاء على كلٍّ من مشروعه النووي وقيادات الحرس الثوري، مضافًا إلى ذلك وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تحولًا استراتيجيًا هائلًا في المنطقة. تغيّرت، نتيجة لذلك، كل الأسس التي قامت عليها السياسات الإقليمية والدولية في المنطقة، والتي أنتجت حسابات وقياسات لم تعد صالحة للعصر الجديد. ومن غير المفهوم أن يصيب العمى والقصور في استيعاب وفهم التغيرات من يمسك بمصير جماعة، وموجود في صلب القيادة، أي تتوافر لديه معطيات ومعلومات واضحة تمكّنه من رصد التحولات، فلا يتغير، ويختار الانتحار لحزبه وجماعته.
تستحضرني هنا نظرية داروين: “البقاء للأقوى (الأصلح)”، وبتعبير أدق “البقاء للأكثر ملاءمة” (Survival of the fittest)، ومدى انطباقها على بعض القوى في المنطقة، التي ظلّت مهيمنة لوقت طويل قبل أن يتجاوزها الزمن والتحولات. وهي قوى يمثّل كلٌّ منها الحزب “الحاكم” في جماعته، وتحديدًا أتحدث هنا عن: “حزب الله” و”قسد” وحالة الشيخ الهجري في السويداء، ممثَّلة عسكريًا بـ”قوات الحرس الوطني”، وجلّها من عناصر النظام السابق الذين نكّلوا بأهل السويداء وربما شاركوا في اغتيال الشيخ وحيد البلعوس.
تغيّرت المنطقة والسياسات، وانتهى فعليًا كل مشروع حلف الأقليات الذي روّج له المحور الإيراني، وبتقاطع مع المصالح الإسرائيلية التي تسعى للتفتيت ومنع قيام دول وطنية قوية. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب كان واضحًا وصريحًا وحاسمًا في الانحياز لتحالفات استراتيجية مع حلفاء استراتيجيين دولتيين: تركيا والسعودية في سوريا، والحكم السوري الجديد بقيادة الشرع بديلًا عن كل القوى والكيانات التي تأسست لملء الفراغ الذي نشأ عن ضعف سلطة الأسد وتلاشيها. أمّا اليوم، فلم يعد من مكان للبديل بوجود الأصيل، أي نظام الشرع في سوريا، الذي بات واحدًا من أسس النظام الإقليمي الجديد الذي ترسمه الولايات المتحدة.
توالت الإشارات إلى هذا التحالف العميق والتغيير الجذري: انضمام الحكم الجديد بقيادة الشرع إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، اجتماعات مباشرة بين الحكم الجديد في سوريا وإسرائيل تُوّجت باجتماع باريس الشهر الحالي وأدّت إلى اتفاقية أمنية تتضمن تبادلًا استخبارايًا وفتح آفاق التبادل الاقتصادي، والعلاقة الوثيقة التي تجمع ترامب بالشرع ودعمه بشكل لا محدود، وكذلك انحياز ترامب إلى أردوغان وتركيا. الأكثر من ذلك، أنه وعلى الرغم من المجازر والانتهاكات بحق المدنيين في كل من الساحل والسويداء، وكذلك كرنفال الحوار الوطني الاستعراضي، وعملية انتخابية لم تنتج مجلس شعب حتى اللحظة، فإن كل ذلك لم يزعزع الدعم الأميركي والغربي للشرع.
كيف يمكن لصاحب قرار وقيادات مسؤولة عن جماعات وازنة مثل الكرد ألا تعتبر ما يحصل تغييرًا في موازين القوى، وتتصرف على أساسه؟
وتمامًا كالنهج الذي يصرّ حزب الله في لبنان على انتهاجه، وحالة الإنكار للبيئة التي يدّعي الدفاع عنها، وأقصد شيعة لبنان بشكل خاص، أظهر الحزب الحاكم للكرد في سوريا قصورًا في التكيف مع الوقائع الجديدة والتحولات الكبرى، وهذا يعني الذهاب نحو انتحار جماعي. في الحالتين، من حق الكرد – كما شيعة لبنان – أن يحاسبوا من أخذهم إلى هزيمة محسومة سلفًا قد تقود إلى تهجير إضافي وتهدد وجودهم بحد ذاته.
والسؤال: هل فقد قائد قسد، الجنرال مظلوم عبدي، البوصلة، أم إنه ممنوع من التكيف مع المتغيرات؟ وهل في ظل كل ذلك لم تدرك القيادات الكردية أنها فقدت الدور، وجلّ ما تستطيع تحصيله في الواقع الراهن هو مكاسب سياسية وحماية المجتمع الذي تدّعي الدفاع عن أمنه وحياته وحراسة أحلامه؟
يختار الشيخ حكمت الهجري قيادة الدروز إلى انتحار جماعي بدلًا من تأمين مصالحهم وحمايتهم. وعلى غرار القيادات الكردية، لا يبدو أن الهجري يدرك أن الاتفاق السوري–الإسرائيلي في باريس، وكذلك التغير الجذري في مواقف الشيخ موفق طريف، يعنيان أن المغامرة انتهت، وأنه بعد الحسم العسكري في الشمال الشرقي مع الكرد سيكون ملف السويداء هو التالي. لقد تخلّت إسرائيل، مكرهة وبضغط أميركي، عن دعم الدروز في السويداء، كما تخلّى الأميركيون عن دعم الكرد شمالًا. مع ذلك، يسير الهجري بثبات وراء عناده، الذي سيورّث السوريين مزيدًا من الانشقاقات.
هذه دعوة للمصارحة، ولا يعني ذلك مطلقًا براءة الحكم السوري الجديد من عدم السعي إلى إدارة تنوّع حقيقي للمكونات السورية، أو إخلاء مسؤوليته عن التجاوزات التي أدت إلى مجازر بحق المدنيين وأجّجت الحقد الطائفي والإثني في سوريا. فالنظام الجديد يفضّل التسويات مع الخارج على الحوار مع الداخل، ويسعى لحل المشكلات الموروثة من النظام السابق عبر اتفاقات أمنية لا تتضمن بحث المشاركة السياسية، وهذا ما يعقّد الأمور. وبالتالي، فإن تأخر انخراط الكرد والدروز في مشروع الدولة الجديدة ليس مسؤوليتهم وحدهم.
لكن ما أقوله هنا، أنه مع كل هذا، فإن التحولات الكبيرة التي تشهدها المنطقة، وتجمع على استقرار سوريا من باب تثبيت حكم الشرع، لا تترك مجالًا للمغامرة، لأن ذلك لن يغيّر في المشهد بل سيريق الكثير من الدماء. هذه واقعية لطالما انتهجتها الجماعات للحفاظ على وجودها، لكن يبدو أن القيادات الحالية للقوى الحاكمة في كل من لبنان (حزب الله) وسوريا (قسد والهجري) تختار أن تقود جماعاتها إلى الانتحار، لا العبور إلى برّ الأمان للحفاظ على الوجود.
اليوم نشهد انتهاء حقبة الكيانات التحت-دولتية والميليشيات الموازية، وتستأنف الولايات المتحدة الاستراتيجية التي بدأها جورج بوش الابن في العراق عام 2003: تسليم الحكم للأكثريات. إنه عصر عودة النظام الإقليمي الدولتي بقيادة سنية، وسوريا الموحدة في قلب النظام الجديد، بل وركيزته.
تلفزيون سوريا
——————————–
تقرير عبري: لاتفاق أمني شامل مع سوريا
الخميس 2026/01/22
ذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية في تقرير اليوم الخميس، أن هناك تطورات مهمة تحدث في صميم جدول أعمالنا السياسي والأمني على جبهتين: في غزة، انطلقت المرحلة الثانية من خطة “العشرين نقطة” التي بادر إليها الرئيس الأميركي؛ وفي إيران، بدأت مرحلة الانتظار، التي تتّسم بحالة من عدم اليقين بشأن مستقبل الاحتجاجات وسياسة الرئيس ترامب.
وأشار تساحي هنغبي في تقرير نشرته الصحيفة إلى أنه “في كلتا الجبهتين، تبدو قدرة إسرائيل على تشكيل الأحداث محدودة. لذلك، أقترح المبادرة إلى القيام بخطوة سياسية في ساحة أُخرى، هي الساحة السورية، من أجل التوصل سريعاً إلى اتفاق أمني شامل بين إسرائيل وسوريا”.
هدفان إسرائيليان
ووفق التقرير، فإن الاتفاق السابق مع سوريا، “اتفاق فصل القوات” الذي وقِّع في سنة 1974، بعد حرب يوم الغفران، صمد خمسين عاماً، أكثر من أي اتفاق آخر مع دولة عربية، على الرغم من التحديات الكثيرة التي هددت استمراره، لكن انهيار نظام المخلوع بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 أنهى هذا الاتفاق فعلياً، فأطلق الجيش الإسرائيلي، بتوجيهٍ من المستوى السياسي، عملية “سهم الباشان”، وتحرّك بسرعة وحزم، وسيطر على مناطق قريبة من الحدود السورية مع هضبة الجولان، بما في ذلك قمة جبل الشيخ. وفي موازاة ذلك، نفّذت إسرائيل ضربات واسعة في أنحاء سورية بهدف تدمير مخازن أسلحة ذات أهمية استراتيجية ومنع سقوطها في يد النظام الجديد.
وقال هنغبي: “خلال الفترة الماضية، سعت إسرائيل لتحقيق هدفين سياسيَّين طموحَين على الساحة الشمالية؛ الأول، استثمار اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقِّع في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 لدفع لبنان نحو الانضمام إلى مسار التطبيع والسلام؛ والثاني في سورية، عبر بلورة مسارٍ من مرحلتين، يبدأ بتنظيم الترتيبات الأمنية على الحدود المشتركة، ويُستكمل بانضمام سورية إلى اتفاقيات أبراهام”.
وأضاف أنه لا يمكن إحراز تقدّم في هذين المسارين من دون انخراط أميركي قوي، وفعلاً، عيّن رئيس الولايات المتحدة سفيره في تركيا توم برّاك، مبعوثاً شخصياً للدفع بهذه الرؤية. أظهر السفير برّاك نشاطاً ومبادرة، وبذل جهداً كبيراً، بينما عمل الوزير رون ديرمر معه بتنسيق وثيق، محاولاً المساعدة على تسوية الخلافات مع لبنان وسورية على حد سواء، لكن الخلاصة حتى الآن تعكس صورة معقدة.
وتطرق هنغبي إلى لبنان قائلاً: “في لبنان، يبدو الرئيس جوزاف عون قائداً ملتزماً حيال مستقبل بلده، وليس المصالح الأجنبية، ولا سيما الإيرانية، التي أوصلت بلده إلى حافة الدمار. ومع ذلك، وعلى الرغم من حُسن نيته، فشل عون في تنفيذ البند المركزي في الاتفاق مع إسرائيل: نزع سلاح حزب الله من جميع أنحاء لبنان، ولأسباب عديدة، أهمها الضعف البنيوي للجيش اللبناني وخشية عون وحكومته من الانزلاق إلى حرب أهلية”.
وبحسب التقرير، صحيح أن حزب الله تلقّى ضربات قاسية خلال عام القتال مع إسرائيل، ويتجلى ذلك في قراره بشأن الامتناع من الرد على مئات عمليات الاغتيال والضربات القوية التي تنفّذها إسرائيل، في إطار سياستها القاضية بفرض الالتزام حيال الاتفاق بالقوة. ومع ذلك، فإن التنظيم الشيعي، بفضل تفوّقه العسكري الواضح، يردع خصومه عن اتخاذ خطوات سياسية جريئة. والنتيجة هي غياب أي تقدُّم عملي في الحوار الثلاثي بقيادة الولايات المتحدة بشأن القضايا الخلافية على الحدود الإسرائيلية – اللبنانية. وأوضحت إسرائيل أن تموضُعها الدفاعي المتقدم في الجنوب اللبناني لن يتغير طالما يشكل حزب الله تهديداً لسكان الشمال، وحالياً، بات التصعيد أكثر واقعيةً من التوصل إلى تفاهمات.
المسار السوري
وكشف التقرير أنه “يجري منذ فترة، حسبما نُشر، حوار سياسي متواصل بين إسرائيل والنظام الجديد في سورية، شاركتُ فيه، وانطباعي أن المصالح المشتركة أكثر من عوامل الخلاف؛ فالرئيس السوري أحمد الشرع ربط مصير بلده بالولايات المتحدة والغرب، وفي العالم العربي، هو شريك في المحور السنّي المعتدل، بقيادة السعودية، وكراهية القيادة السورية الحالية لإيران وحزب الله عميقة وصادقة، ومن خلال الحوار الحميم الذي أجريته مع مسؤولين سوريين كبار، اقتنعت بإمكان إيجاد حلول عملية لكل واحد من المبادئ التي يجب على إسرائيل التمسك بها”.
وأشارت إلى أن هناك ثلاثة مبادئ أساسية:
التزامنا حماية أبناء الطائفة الدرزية القاطنين قرب حدودنا مع سورية؛
ضرورة منع تمركُز قوى دولية معادية لإسرائيل في مناطق تهدد حرية عملنا في ساحات بعيدة؛
ضمان نزع السلاح من منطقة جنوب سورية، كجزء من مفهوم الدفاع عن مستوطنات الجولان.
في إطار مهمتي كرئيسٍ لمجلس الأمن القومي، أجريت سلسلة لقاءات سرية تتعلق بسورية؛ التخوف الرئيسي لإسرائيل هو أن تتحول سورية إلى دولة تابعة على حدودنا الشمالية. وفي ضوء الخطاب التحريضي للرئيس التركي أردوغان، فإن هذا التخوف ليس بعيداً عن الواقع. ومع ذلك، فإن الطريقة الأنجع لإحباط مثل هذا السيناريو هي تعظيم الفائدة المتوقعة لسورية من الارتباط بمبادرة الرئيس ترامب للسلام في الشرق الأوسط، ومن التعاون مع إسرائيل.
وأوضحت الصحيفة، أن هذه كانت الاستراتيجيا الأميركية، ولا تزال، غير أن البيت الأبيض لم يطالب بأيّ مقابل لقاء دعمه النظام الجديد؛ ترامب التقى الشرع بوساطة سعودية، وألغى العقوبات التي شلّت الاقتصاد السوري، وبغياب أدوات الضغط الأميركية، يصبح التحدي في إيجاد نقطة توازُن بين مصالح إسرائيل وسورية أكثر صعوبةً – لكنها صعوبة يمكن تجاوُزها.
ووفق التقرير، فإن سوريا لا تطرح مسألة السيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان في سياق الترتيبات الأمنية على الحدود، سواء لعدم وجود أيّ أمل بذلك، أو لأن إدارة ترامب تدعم هذه السيادة من دون أيّ تحفّظ، لكن في المفاوضات بشأن ترتيبات أمنية جديدة، من المتوقع أن يطالب السوريون بانسحاب إسرائيلي من المناطق التي انتشر فيها “جيش الدفاع الإسرائيلي” في أواخر سنة 2024. ويمكن أن يقوم الحل على إيجاد نقطة توازُن مُثلى بين الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، وبين تنفيذ فعلي لإجراءاتٍ تضمن المصالح الأمنية الحيوية لإسرائيل.
إن نشاطاً حازماً، متواصلاً وفعالاً من جانب قوات النظام السوري للقضاء على نشاط إيران وحزب الله و”حماس” والجهاد الإسلامي في جميع أنحاء سورية، إلى جانب نزع السلاح الكامل من المنطقة الواقعة جنوبي دمشق، سيزيد في هامش المرونة لدى إسرائيل.
لقد عرّفت الحكومة تموضُع الجيش الإسرائيلي في المناطق القريبة من الحدود بأنه خطوة موقتة تهدف إلى حماية مصالح أمنية حيوية، وإذا ما تم الحفاظ على هذه المصالح، يُفتح الباب أمام تفاهمات إبداعية. حتى في اتفاق السلام مع مصر، أصرّت إسرائيل على أن يتم الانسحاب من شبه جزيرة سيناء على مدى ثلاثة أعوام، اشترطت خلالها تنفيذ بنود جوهرية، مثل إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وتبادُل السفراء. هذا النموذج أثبت نجاحه، ويمكن البحث فيه في إطار الحوار مع الولايات المتحدة وسورية.
وخلص هنغبي إلى أنه يمكن وضع هدف “سوريا أولاً” في صدارة العمل السياسي الإسرائيلي؛ وهناك أهمية قصوى للوقت؛ لقد دخلنا سنة انتخابات، وستتعاظم الاعتبارات السياسية بمرور الوقت، على حساب الاعتبارات الموضوعية. يمكن إغلاق جبهة مفتوحة، وسيكون النجاح في ذلك رافعة إيجابية في الساحات الأُخرى.
المدن
——————————
سياسي وخبير أمني إسرائيلي: يجب وضع سوريا على سلم الأولويات السياسية
تقف في مركز جدول الأعمال السياسي والأمني تطورات مهمة في ساحتين: في غزة، حيث انطلقت المرحلة الثانية من خطة الـ 20 نقطة؛ وفي إيران حيث انطلقت مرحلة الانتظار وانعدام اليقين حول مستقبل الاحتجاج وسياسة الرئيس ترامب.
قدرة إسرائيل على تصميم الأحداث محدودة في هاتين الساحتين. وعليه، أقترح مبادرة لخطوة سياسية في ساحة أخرى، الساحة السورية، للوصول بسرعة إلى اتفاق أمني شامل بين إسرائيل وسوريا.
الاتفاق السابق مع سوريا – “اتفاق فصل القوات” الذي وقع في العام 1974 بعد حرب يوم الغفران – صمد 50 سنة، أكثر من أي اتفاق آخر مع دولة عربية، رغم التحديات الكثيرة التي هددته. انهيار نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 جلب الاتفاق إلى نهايته. الجيش الإسرائيلي بتوجيه من المستوى السياسي انطلق إلى حملة سهم الباشان. عمل بسرعة وبتصميم وسيطر على مناطق مجاورة للحدود السورية مع هضبة الجولان، بما في ذلك جبل الشيخ. بالتوازي، نفذت إسرائيل هجمات مكثفة في أرجاء سوريا لتدمير مخزونات سلاح ذات أهمية استراتيجية ومنع سقوطها في أيدي النظام الجديد.
في أثناء الفترة التي انقضت منذئذ، سعت إسرائيل للمضي في الساحة الشمالية بهدفين سياسيين طموحين: الأول، استخدام اتفاق وقف النار الذي وقع في تشرين الثاني 2024 للمضي بانضمام لبنان إلى مسيرة التطبيع والسلام؛ أما في سوريا فلبلورة خطوة من مرحلتين، بدايتها ترتيب الشروط الأمنية على الحدود المشتركة وتواصلها في انضمام سوريا إلى اتفاقات إبراهيم.
لا يمكن التقدم في هذين المحورين بلا دور أمريكي نشط. وبالفعل، عين الرئيس الأمريكي سفيره في تركيا توم براك مبعوثاً شخصياً لتحقيق هذه الرؤية. وأبدى السفير براك نشاطاً ومبادرة وبذل جهداً جماً، فيما عمل الوزير رون ديرمر معه بالتشاور في محاولة للمساعدة على تسوية الخلافات مع لبنان وسوريا على حد سواء. غير أن السطر الأخير في هذه المرحلة يدل على صورة معقدة. في لبنان، يتخذ الرئيس ميشيل عون صورة الزعيم الملتزم بمستقبل بلاده وليس بمصالح أجنبية، أساساً إيرانية، جلبت بلاده إلى حافة الخراب. لكن رغم نيته الطيبة، فشل عون في محاولاته لتنفيذ البند المركزي في الاتفاق الموقع مع إسرائيل: نزع سلاح حزب الله في كل أرجاء لبنان. ثمة أسباب عديدة لذلك، أهممها ضغط شديد للجيش اللبناني وتخوف عون وحكومته من التدهور إلى حرب أهلية. صحيح أن حزب الله تلقى ضربات قاسية أثناء سنة القتال مع إسرائيل، ودليل ذلك امتناعه عن الرد على مئات الاغتيالات والهجمات القوية التي تنفذها ضده إسرائيل في إطار سياستها أن ترد بالنار على خروقات الاتفاق. ولا يزال التنظيم الشيعي بفضل تفوقه العسكري الواضح، يردع خصومه من تنفيذ خطوات سياسية خارقة للطريق. والنتيجة أنه لا يوجد أي تقدم عملي في الحوار الثلاثي بقيادة الولايات المتحدة على مسائل الخلاف في حدود إسرائيل – لبنان: توضح إسرائيل بأن انتشارها في دفاع متقدم في جنوب لبنان لن يتغير ما لم يشكل حزب الله تهديداً على سكان الشمال؛ أما تصعيد المواجهة فيبدو الآن أكثر واقعية من تحقيق التفاهمات.
بخلاف الجمود في لبنان، يبدو الاتجاه السوري في نظري واعداً أكثر. منذ زمن يجري حوار سياسي بين إسرائيل والنظام الجديد في سوريا. نلت شرف المشاركة فيه وأخذت انطباعاً بأن المصالح المشتركة أكثر بكثير من المصالح التي تفرق بيننا. أحمد الشرع، رئيس سوريا، ربط مصيره بلاده بالولايات المتحدة والغرب. في العالم العربي هو شريك للمحور السني المعتدل بقيادة السعودية. كراهية القيادة الحالية في سوريا تجاه إيران وحزب الله عميقة وأصيلة. في الحوار الحميم الذي أجرته مع مسؤولين سوريين كبار، اقتنعت بأنه يمكن إيجاد حلول عملية لكل واحد من المبادئ التي على إسرائيل أن تصر عليها. هناك ثلاثة كهذه: التزامنا بالدفاع عن أبناء الطائفة الدرزية الذين يعيشون قرب حدودنا مع سوريا؛ والحاجة لمنع تموضع قوات لدول معادية لإسرائيل في المجالات التي تهدد حرية عملنا في ساحات بعيدة؛ وضمان تجريد منطقة جنوب سوريا من السلاح كجزء من مفهوم الدفاع عن بلدات هضبة الجولان.
كجزء من مهمتي كرئيس هيئة الأمن القومي، أجريت سلسلة لقاءات سرية في موضوع سوريا. تخوف إسرائيل الأساس هو أن تصبح سوريا دولة مرعية من آخرين على حدودنا الشمالية. فعلى خلفية خطاب حماسي للرئيس التركي أردوغان، يبدو أنه تخوف ذو أساس. ومع ذلك، فإن السبيل الأكثر نجاعة لإحباط مثل هذا السيناريو هو تعظيم الربح المتوقع لسوريا من الارتباط بمبادرة الرئيس ترامب للسلام في الشرق الأوسط، ومن التعاون مع إسرائيل. لقد كانت هذه ولا تزال الاستراتيجية الأمريكية، غير أن البيت الأبيض لم يطلب أي مقابل لقاء دعمه للنظام الجديد. لقد التقى ترامب مع الشرع بوساطة سعودية، وألغى العقوبات التي شلت اقتصاد سوريا. بغياب روافع أمريكية، فإن التحدي لإيجاد نقطة توازن بين مصالح إسرائيل ومصالح سوريا بات أكثر صعوبة. صعب، لكنه ممكن.
سوريا لا تطرح مسألة سيادة إسرائيل في هضبة الجولان في سياق التسويات الأمنية على الحدود، سواء لاعتبارات عدم وجود أمل في ذلك، أم بسبب تأييد إدارة ترامب لهذه السيادة دون أي تحفظ. لكن ربما يطالب السوريون في مفاوضات حول تحديد تسويات أمنية جديدة، انسحاباً إسرائيلياً من المناطق الجديدة التي ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي للدفاع في نهاية 2024. حل هذه المسألة قد يستند إلى العثور على نقطة توازن بين تواجد إسرائيلي في الأراضي السورية، وتنفيذ فعلي لخطوات تضمن مصالح إسرائيل الأمنية الحيوية. إن عملاً مصمماً ومثابراً وناجعاً لقوات النظام السوري للقضاء على نشاط إيران وحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي في أرجاء سوريا، بالتوازي مع تجريد تام للمنطقة جنوبي دمشق، أمران ستزيدان مجال المرونة لدى إسرائيل.
لقد حددت الحكومة احتفاظ الجيش بالمناطق المجاورة للحدود كخطوة مؤقتة تستهدف الحفاظ على مصالح أمنية حيوية. إذا ما حفظت هذه المصالح، تفتح فرصة لاتفاقات إبداعية. وفي اتفاق السلام مع مصر، أصرت إسرائيل على أن تنفيذ الانسحاب من شبه جزيرة سيناء يمتد على مدى ثلاث سنوات. طُلب من مصر في أثنائها تنفيذ بنود جوهرية في الاتفاق، مثل إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وتبادل للسفراء. هذا نموذج أثبت نفسه ويمكن البحث فيه في إطار الحوار مع الولايات المتحدة وسوريا.
وختاماً، يمكن وضع هدف “سوريا أولاً” في مقدمة الفعل السياسي لإسرائيل. للزمن أهمية عليا. دخلنا إلى سنة انتخابات، واعتبارات سياسية ستنال الزخم في سياق الطريق لتغطي على الاعتبارات الموضوعية. يمكن إغلاق ساحة مفتوحة، ونجاح ذلك سيشكل رافعة إيجابية في الساحات الأخرى.
تساحي هنغبي
يديعوت أحرونوت 22/1/2026
القدس العربي
———————————
ما قصة رادار مطار دمشق الذي أثار حفيظة إسرائيل
قالت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السوري، الأربعاء 21 كانون الثاني إن منظومة الرادار المدخل حديثًا إلى مطار دمشق الدولي هو رادار مدني مخصص حصرًا لأغراض الملاحة الجوية وإدارة الحركة الجوية المدنية.
وأضافت الهيئة أن النظام الجديد يستخدم ضمن منظومة السلامة الجوية، وذلك تحت السلطة الكاملة والمباشرة للهيئة وفق القوانين الوطنية والأنظمة الدولية المعتمدة.
وأوضحت الهيئة أن هذا الرادار يأتي في إطار تحديث البنية التحتية للطيران المدني، وتحسين مستويات السلامة وكفاءة إدارة الأجواء، ولا يحمل أي طابع عسكري أو استخدامات غير مدنية.
وشددت هيئة الطيران على التزامها الكامل باتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي، والمعايير الصادرة عن منظمة الطيران المدني الدولي(ICAO).
ورفضت الزج بقطاع الطيران المدني في أي سياقات سياسية أو عسكرية.
ونقل موقع “INEWS 24″ الإسرائيلي أن الجيش التركي نصب رادارًا متقدمًا في سوريا، كـ”جزء من الخطوات لترسيخ الوجود التركي في الأراضي السورية”.
وقال الموقع الإسرائيلي نقلًا عن مراسل شؤون الديبلوماسية عميحاي شتاين، أن الخطوة التركية قد تحد بشكل كبير من حركة سلاح الجو الإسرائيلي.
نظام يعزز سلامة الطيران
قال السفير التركي في سوريا نوح يلماز، إن نظام رادار مراقبة الحركة الجوية “إتش تي آر إس 100” المنتج من قبل شركة “أسيلسان” التركية، سيسهم في تعزيز سلامة الطيران بمطار دمشق الدولي.
ونقلت وكالة “الأناضول” عن يلماز أن الرادار الجديد يعد إضافة بالغة الأهمية لرحلات الطيران الليلية في مطار دمشق، ويساهم في بدء الرحلات الليلية في ربط سوريا بالعالم الخارجي بشكل أكبر”.
وأضافت الوكالة أن الرادار التركي يتيح مراقبة الحركة الجوية، من خلال الكشف الدقيق عن جميع الأهداف الجوية المحيطة بالمطارات وتتبعها، حيث جرى دمجه بأحدث التقنيات بما يضمن أعلى مستويات الموثوقية والأداء.
وأوضحت أن نظام المراقبة الأولية (بي إس آر) الذي يعد أحد مكونات النظام، يعمل على نطاق “إس”، ويعتمد على خوارزميات متقدمة لمواجهة التشويش وتتبع الأهداف، ما يتيح رصدًا وتتبعًا واضحًا وموثوقًا حتى في أصعب البيئات، فيما يعزز رادار المراقبة الثانوية قدرات تتبع الطائرات عبر نظام التعرف صديق أو عدو، ويوفر دعمًا لوضع الاستجواب المتعدد لمختلف العمليات.
ويتميز النظام، بحسب “الأناضول”، ببنية “الاحتياط الساخن النشط والموزع”، وهي بنية نادرة عالميًا تتيح له مواصلة العمل حتى في حال تعطل أحد مكوناته ما يضمن عدم توقفه بالكامل واستمرارية حركة الطيران في اللحظات الحرجة.
ويستخدم النظام خوارزميات ذكية للتعامل مع سوء الأحوال الجوية والتشويش، ويتيح عبر تقنيات متقدمة لكتم الضوضاء تتبع الأهداف بوضوح حتى أثناء العواصف أو الأمطار الغزيرة.
وأشارت الوكالة إلى أن النظام الجديد يمتلك قناة خاصة لرصد الأحوال الجوية آنيًا، إضافة إلى خوارزميات قادرة على التمييز بين الطائرات وعنفات الرياح وأسراب الطيور، ما يرفع مستوى السلامة التشغيلية.
ويتمتع بقدرة تشغيل تتجاوز أربعين ألف ساعة قبل الأعطال الحرجة، كما يحد من إهدار الوقت بفضل زمن إصلاح يقل عن 30 دقيقة عند الحاجة إلى الصيانة، ويمكن ضبط مدى الرادار ليصل إلى 80 أو 100 ميل بحري (نحو 185 كيلومترًا).
————————–
اقتحام مؤتمر الإرادة الحرة بالسويداء.. بسبب إعلان جبل العرب؟
الثلاثاء 2026/01/20
اقتحمت مجموعة مسلحة من “الحرس الوطني” التابع للشيخ حكمت الهجري، أحد مشايخ عقل الطائفة الدرزية في محافظة السويداء، مؤتمر مبادرة “الإرادة الحرة” واعتدت على المشاركين بالضرب.
اعتقال وتكسير
وقالت مصادر محلية إن المجموعة اقتحمت مكان انعقاد المؤتمر على طريق بلدة قنوات، وأخرجت النساء من القاعة بالقوة، واعتدت على الرجال بالضرب، كما قامت بتكسير الكاميرات المستخدمة لتوثيق الحدث، ما أدى إلى حالة من الفوضى والخوف بين المشاركين.
وشارك في المؤتمر نحو 70 شخصاً، بينهم نشطاء سياسيون، ومثقفون، فنانون، وكتّاب من أبناء محافظة السويداء، بحسب المصادر التي أشارت إلى الحادثة أثارت استياءً واسعاً بين المجتمعين الذين أكدوا على الحاجة لحماية الفعاليات السياسية السلمية.
ويهدف المؤتمر إلى تشكيل جسم سياسي يمثّل محافظة السويداء، وينظم الحياة السياسية، الإدارية، والاقتصادية في المحافظة، مع التركيز على النهوض بالمجتمع المدني وتعزيز القدرات المحلية.
مطالبات بالتحقيق
وطالب ناشطون بفتح تحقيق بالحادثة، ومحاسبة جميع المتورطين فيه، واتخاذ الإجراءات اللازمة التي تصون الحريات العامة والخاصة، وتكفل حق أبناء السويداء في التعبير عن آرائهم وممارسة نشاطهم السياسي السلمي دون تهديد أو اعتداء.
وأشارت المصادر إلى أن الاعتداء المشاركين، حصل على الرغم من حصول المؤتمر على ترخيص رسمي من “الجهات المعنية” في السويداء، ووضع عناصر حماية على بوابة قاعة الاجتماعات.
وانطلقت مبادرة “الإرادة الحرة” في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وأعلنت عن عدد من الأهداف، أبرزها تشكيل جسم سياسي جديد متماسك يمثل المحافظة، وتوحيد الموقف والرؤية الداخلية، وتهيئة الأرضية للمستقبل للحصول على الدعم الدولي في الحصول على استقلال المحافظة.
ولم تُعرف الأسباب وراء الاعتداء على المشاركين في المؤتمر، وذلك على الرغم من تناغم أهداف اللجنة التحضيرية للمؤتمر والبيانات الصادرة عنها، مع مطالب الهجري وموقفه من الحكومة السورية، لكن معلومات رجحت أن الأسباب جاءت على خلفية اتهامات وجهت سابقاً إلى عدد من المشاركين بالتوقيع على “إعلان جبل العرب” الذي أكد رفض الانفصال، ودعا للحوار مع الحكومة السورية، وهذا ما اعتبر مخالفاً ما لتوجهات الهجري، وهو ما نفته اللجنة التحضيرية للمؤتمر.
المدن
—————————–
طارق نعمو لـ”المدن”: مباحثات سورية-أميركية لحسم ملف السويداء
أحمد العقلة
الأربعاء 2026/01/21
أفاد المستشار طارق نعمو وهو أحد الشخصيات القريبة من دوائر صنع القرار الأميركية والسورية بأن مسؤولاً وشيخاًً من وجهاء السويداء وهو مدير الأمن الداخلي سليمان عبد الباقي يتواجد حالياً في واشنطن لعقد جلسات أمنية حاسمة.
وقال نعمو إن الرحلة تمت بتنسيق مع منظمة مواطنون من أجل أميركا آمنة، وعدد من الأعضاء كالدكتور بكر غبيس.
وبحسب نعمو تُعتبر هذه اللقاءات الخطوة الختامية في مواجهة المحاولات الانفصالية، مما يؤدي إلى تبدد أي آمال بتقسيم سوريا، لذلك لا تُعد هذه الزيارة مجرد إجراء بروتوكولي، بل تمثل حركة استراتيجية حاسمة على الساحة السياسية، تهدف إلى إغلاق ملف السويداء نهائياً وإعادة دمجها في الوطن بشكل كامل، معتمدة على قوة أهلها وتماسكهم الوطني.
وأضاف: “سوريا لا تطالب إلا بحقها الطبيعي دولة واحدة موحدة، سيادة كاملة غير مجزأة،
وحدة أراضيها كاملة”.
وقال مصدر آخر لـ”المدن” إن من المتوقع إنهاء هذا الملف قريباً من خلال: تأمين المنطقة بقوات من أبنائها، حل الميليشيات غير النظامية، تمثيل المنطقة في مجلس الشعب مع تعيين المحافظين من قبل السلطة المركزية، انتخاب مجالس البلديات مستقبلاً، مما يعزز المشاركة المحلية من دون المساس بالوحدة الوطنية.
———————————
ما تداعيات هزيمة “قسد” على الاتفاق الإسرائيلي-السوري؟/ مايكل هراري
لا تزال هناك عقبات تعترض التوصل إلى اتفاق
21 يناير 2026
لم يُسفر استئناف المفاوضات بين إسرائيل وسوريا في باريس مطلع هذا الشهر عن اتفاق رسمي، لكنه على ما يبدو أفضى إلى جملة من التفاهمات. لم تحظَ تلك الاجتماعات بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الإسرائيلية آنذاك، إلا أن الملف عاد إلى صدارة العناوين في الأيام الأخيرة، خصوصا في ظل القتال الدائر بين الأكراد والنظام السوري، والمكاسب العسكرية التي أحرزها الأخير.
بوجه عام، أبدت وسائل الإعلام الإسرائيلية قدرا متزايدا من الارتياب حيال الرئيس أحمد الشرع، مركّزة في تغطيتها المتكررة على ماضيه الجهادي، وعلى علامات الاستفهام التي تحيط بنواياه وقدرته على مراعاة المصالح الأمنية لإسرائيل.
بالنسبة إلى جوهر المحادثات بين الطرفين، ينبغي التشديد على عدة نقاط، كما تعكسها تقارير الإعلام الإسرائيلي: إنشاء آلية تهدف إلى منع سوء التقدير، إضافة إلى عقد اجتماعات دورية على نحو منتظم، اتُفق على اتخاذ إجراءات متبادلة لبناء الثقة بين الطرفين.
بالنسبة إلى حماية الأقلية “الدرزية” في جنوب سوريا، يبدو أن الطرفين اتفقا على اعتبار ذلك شأناً سورياً داخلياً يُحل دون تدخل خارجي أو استخدام للقوة. وفي بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورد أن “الاتفاق نص على مواصلة الحوار من أجل دفع الأهداف المشتركة قدما وصون أمن أقلية الدروز في البلاد”.
لا تتضمن تقارير الإعلام الإسرائيلي أي تفاصيل بشأن نطاق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي سيطرت عليها عقب انهيار النظام السوري السابق في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024. وذكر مسؤول أميركي رفيع، لم يُكشف عن اسمه، أن الولايات المتحدة اقترحت على الطرفين إنشاء غرفة عمليات مشتركة في الأردن، إلى جانب إقامة منطقة منزوعة السلاح على جانبي الحدود.
في الأيام الأخيرة، وفي سياق الاشتباكات العنيفة بين قوات النظام السوري والأكراد، برزت أربع نقاط أساسية:
أولا، اشتد الارتياب تجاه حكم الشرع على نحو ملحوظ، لا سيما في ما يتعلق بالمخاطر التي قد تهدد المصالح الحيوية لإسرائيل في حال انسحبت من الأراضي التي أحكمت سيطرتها عليها في هضبة الجولان عقب انهيار نظام الأسد. وعلى نحو موازٍ، أبدت مصادر عسكرية إسرائيلية بارزة قلقها من انسحاب إسرائيلي مفرط، سواء خشية تهريب السلاح، بما في ذلك إلى “حزب الله”، أو خوفا من عودة عناصر إسلامية متشددة إلى مناطق لا يفرض فيها النظام الجديد سيطرة كاملة.
ثانيا، حظي وقف إطلاق النار بين النظام السوري والأكراد باهتمام واسع، مع تركيز ملحوظ على “هزيمة الأكراد” وتداعياتها المحتملة على إسرائيل من جهة، وعلى تركيا من جهة أخرى، حيث صُوِّرت الأخيرة بوصفها المستفيد الأكبر من مجريات الأحداث.
ثالثا، تصاعد القلق بشأن مصير أقلية الدروز في ضوء نتائج المواجهة بين النظام السوري والأكراد، وبرزت أيضا مخاوف من احتمال أن توافق الحكومة على التراجع عن دورها في حماية مجتمع الدروز والتخلي عن نفوذها في هذا الملف.
رابعا، يتصل تفصيل مهم بالفجوة التي أبرزتها وسائل الإعلام بين المؤسسة الأمنية في إسرائيل والقيادة السياسية. ووفقا للتقارير، يسعى الجيش إلى الحفاظ على هوامش أمنية أوسع، محذرا من احتمال وقوع مفاجآت أخرى قد تصدر عن الحدود السورية.
لا يعني ذلك بالضرورة تراجع فرص التوصل إلى اتفاق أمني بين البلدين، غير أن ثمة تداعيات عدة تستدعي التمعن فيها بعناية.
ستخضع إسرائيل الاتفاق الأخير بين الشرع والأكراد لفحص دقيق، لا سيما من حيث ما إذا كان يُعد استسلاما فعليا من جانب الأكراد. ويحمل هذا التطور انعكاسات بالغة الأهمية على موقف إسرائيل تجاه حماية أقلية الدروز، فضلا عن السكان الأكراد.
ويكتسب العامل التركي أهمية بالغة وحساسية شديدة، إذ يتعين على صناع القرار في إسرائيل إجراء تقييم معمق لما ينطوي عليه من دلالات تتعلق بانخراط تركيا المتزايد في سوريا، وتداعيات ذلك على المدى البعيد.
إذا تحقق تقدم نحو اتفاق أمني مع سوريا، سيكون على القيادة السياسية في إسرائيل أن تروّج له بطريقة أكثر جدية مما كان عليه الحال في السابق. كما أن التطورات السياسية الداخلية، بما في ذلك احتمال إجراء انتخابات مبكرة، تكتسب أهمية خاصة في هذا السياق.
ويشكل العامل الأميركي عاملا حاسما كذلك. إذ تدرك إسرائيل بوضوح رغبة الرئيس دونالد ترمب في ترسيخ حكم الشرع في سوريا، إلى جانب وعيها بتأثير كل من السعودية وتركيا في توجهات الإدارة الأميركية.
ومع ذلك، وهذه نقطة بالغة الأهمية، حين يتعلق الأمر بالمصالح الأمنية التي تعتبرها إسرائيل حيوية، فإن واشنطن تُصغي بعناية فائقة. ومن هنا، تبرز أهمية قراءة التطورات الأخيرة في سوريا، والطريقة التي تُفهم بها في القدس، سواء أصابت في تقديرها أم جانبت الصواب.
في المحصلة، لا تزال هناك عقبات تعترض التوصل إلى اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا. ورغم أن هذه العقبات لا تبدو عصية على المعالجة، فإن تجاوزها يتطلب وضوحا أكبر، خصوصا في ظل المستجدات المرتبطة بالأكراد. ورغم أن الإطار الاستراتيجي الأساسي ما زال ثابتا، فإن واقعا إقليميا شديد التقلب خلال العامين الماضيين يفرض اتباع دبلوماسية دقيقة ومتزنة. كما أن الحكومة بحاجة إلى إطلاق حملة مدروسة تكسب من خلالها دعم الرأي العام الإسرائيلي لأي اتفاق محتمل مع سوريا.
المجلة
—————————
صراع المشاريع والتمويل.. ما وراء انشقاقات “الحرس الوطني” في السويداء؟
2026.01.21
أفادت مصادر محلية لموقع تلفزيون سوريا بأن نحو 20 عنصراً من ميليشيا “الحرس الوطني” في محافظة السويداء انشقوا قبل يومين، في خطوة تعد الأولى من نوعها منذ تشكيل الميليشيا.
وتعيش السويداء حالة من التململ والانقسامات داخل ما يُعرف بـ”الحرس الوطني”، في تطور يعكس حجم التعقيدات السياسية والتنظيمية التي تمر بها التشكيلات المحلية المسلحة، ويعيد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول طبيعة المشاريع المطروحة لمستقبل المحافظة، وحدود التوافق بين الفاعلين المحليين.
وبحسب معلومات متقاطعة حصل عليها موقع تلفزيون سوريا، فإن موجة الانشقاقات الأخيرة عن ميليشيا “الحرس الوطني” تعود إلى جملة من الأسباب، تتقاطع فيها الخلافات السياسية مع النزاعات المالية والتنظيمية، في ظل غياب إطار جامع قادر على استيعاب التباينات المتراكمة بين التيارات المختلفة.
خلافات حول المشروع والقيادة
تستند الرواية الأولى المتداولة والتي حصل عليها موقع تلفزيون سوريا من مصادر مقربة من قوات “شيخ الكرامة” في السويداء، إلى وجود خلاف عميق بين بعض حركات المعارضة المحلية القديمة من جهة، وقيادة “الحرس الوطني” من جهة أخرى، وتحديداً حول مشروع وطريقة تفكير طلال عامر، الذي يُنظر إليه من قبل هذه الحركات كجزء من منظومة عسكرية سابقة، بحكم خدمته السابقة ضمن “الفرقة الرابعة” في جيش النظام المخلوع.
وتشير هذه المصادر إلى أن عدداً من التشكيلات والناشطين الذين انخرطوا في حركات معارضة محلية خلال سنوات الثورة السورية لا يرون في مشروع ميليشيا “الحرس الوطني” المطروح حالياً امتداداً لأهدافهم الأولى، بل يعتبرونه قطيعة معها، سواء على مستوى الخطاب أو الممارسة.
كما يعبّر هؤلاء عن رفضهم لما يعتبرونه تقاطعاً مع مشروع الشيخ حكمت الهجري، الذي يُنظر إليه من قبل بعض الأطراف على أنه يحمل مخاطر تتجلى في إدخال المحافظة بصراعات إقليمية أو داخلية لا طاقة لها بها.
وبحسب هذه الرواية، فإن الانشقاقات جاءت نتيجة لشعور متنامٍ لدى هذه المجموعات بأنها مهمّشة سياسياً، وأن القرارات المصيرية باتت تُتخذ من دون توافق حقيقي، ما دفعها إلى الانسحاب أو فك الارتباط بـ “الحرس الوطني”، تفادياً لتحمّل تبعات خيارات لا تشارك في صياغتها.
التمويل في قلب الخلاف
في المقابل، تطرح رواية ثانية حصل عليها موقع تلفزيون سوريا من قبل قوات عسكرية منشقة قبيل أحداث السويداء، بُعداً مختلفاً للأزمة، يتمحور حول الخلافات المالية وآليات توزيع الدعم.
ووفق هذه الرواية، فإن جزءاً كبيراً من التمويل الخارجي، وتحديداً التمويل الإسرائيلي، يُوجَّه حصراً إلى القيادات الجديدة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بـ “الحرس الوطني”، وإلى مجموعات مقرّبة من الشيخ سلمان الهجري، في حين حُرمت الحركات القديمة من أي دعم يُذكر.
وتقول مصادر في السويداء لموقع تلفزيون سوريا، إن هذا التفاوت في توزيع الموارد خلق حالة من الاحتقان داخل الصف الواحد، إذ شعرت التشكيلات الأقدم بأنها تُستخدم كغطاء أو رصيد معنوي، من دون أن تنال حصتها من الدعم المالي أو اللوجستي.
ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الشعور إلى قناعة لدى بعض المجموعات بأن استمرارها ضمن “الحرس الوطني” لم يعد مجدياً، لا سيما في ظل صعوبة الاستمرار بالعمل الميداني من دون تمويل.
أزمة ثقة ومستقبل غامض
ويرى عدد من الناشطين في محافظة السويداء، خلال استطلاع أجراه موقع تلفزيون سوريا، أنه سواء كانت الانشقاقات عن “الحرس الوطني” مدفوعة بخلافات سياسية أو بصراعات مالية، أو بمزيج من الإثنين، فإنها تكشف عن أزمة ثقة عميقة داخل التشكيلات المحلية في السويداء، وتعكس هشاشة البنى التنظيمية التي قامت في سياق استثنائي، من دون أن تنجح في بلورة رؤية مشتركة طويلة الأمد.
ويعتبر الناشطون أن استمرار هذه الانقسامات من شأنه إضعاف أي جسم عسكري أو أمني محلي، وفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية والصراعات الداخلية، في وقت تحتاج فيه السويداء إلى حدّ أدنى من التماسك الداخلي لمواجهة التحديات الأمنية والمعيشية المتفاقمة.
تلفزيون سوريا
———————————
صحيفة إسرائيلية: تحالف غير متوقّع في دمشق.. كيف أصبح الأردن داعمًا أساسياً للشرع؟
الأربعاء 21 يناير 2026
في قراءة إسرائيلية للتحولات الإقليمية، قدّم الباحث الإسرائيلي رونين يتسحاق تقييماً معمقاً للتغير الجذري الذي طرأ على العلاقات السورية الأردنية عقب سقوط نظام بشار الأسد وتولي الرئيس أحمد الشرع السلطة، معتبراً أن البلدين دخلا مرحلة جديدة عنوانها التنسيق والاستقرار بعد سنوات طويلة من التوتر.
وفي مقابلة مع صحيفة معاريف الإسرائيلية، قال يتسحاق، رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في الكلية الأكاديمية بالجليل الغربي، والباحث في الشأن الأردني في مركز ديان لدراسات الشرق الأوسط وإفريقيا بجامعة تل أبيب، إن الحكم الهاشمي في الأردن لم يعرف الهدوء طوال فترة حكم الأسد، متهماً النظام السوري السابق بمحاولات متكررة لزعزعة استقرار المملكة، خصوصاً بعد اندلاع ما سُمّي بالربيع العربي.
وأوضح الباحث أن دمشق، في عهد الأسد، شجعت تهريب الأسلحة والمخدرات إلى داخل الأردن، بهدف إتاحة المجال أمام منظمات إرهابية وعصابات إجرامية لتقويض النظام، مضيفاً أنه مع خروج الأسد من المشهد السوري في ديسمبر 2024 بدأت حقبة جديدة في العلاقات بين سوريا والأردن.
وبحسب يتسحاق، فإن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيس السوري أحمد الشرع يتقاسمان رؤية مشتركة تعتبر الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة مصلحة عليا، وهو ما يفسر حرص الطرفين على الإبقاء على قنوات حوار مباشرة ومفتوحة بين عمّان ودمشق.
وأشار إلى أن الأردن بادر إلى لعب دور محوري في إدارة لقاءات إقليمية ضمت ممثلين عن سوريا والعراق وتركيا، في إطار حوار استراتيجي يهدف إلى ضمان استقرار نظام الشرع. ولفت إلى أن زيارات الوزراء بين البلدين أصبحت منتظمة، وأن التعاون الثنائي بات يجري بصورة اعتيادية بين دولتين صديقتين.
وأضاف أن عمّان قامت بتطبيع علاقاتها مع دمشق، حيث أُعيد فتح المعابر الحدودية، وتنامى التعاون الاقتصادي والتجاري، إلى جانب التنسيق السياسي. وكشف في هذا السياق عن توقيع اتفاق حديث لتزويد سوريا بالغاز الأردني، في خطوة تعكس مستوى الثقة المتزايد بين الطرفين.
ورأى يتسحاق أن التغيير في المقاربة الأردنية تجاه سوريا يتجلى في عدة مؤشرات أساسية، من بينها انخراط الأردن في جهود مكافحة تنظيم داعش داخل الأراضي السورية، أحياناً بالتنسيق مع الولايات المتحدة وأحياناً بشكل منفرد، بهدف تثبيت حكم الشرع وتعزيز أمنه. كما أشار إلى دعم عمّان لمساعي تفكيك الميليشيات المسلحة ونزع سلاح الدروز والأكراد، بما ينسجم مع مطلب الحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها.
وتوقف الباحث عند ملف اللاجئين، مشيراً إلى تزايد وتيرة عودة السوريين من الأردن إلى بلادهم، إذ عاد أكثر من 180 ألف لاجئ منذ سقوط نظام الأسد، من أصل نحو 450 ألف لاجئ سوري لا يزالون مسجلين رسمياً في المملكة. كما لفت إلى تعزيز التعاون الأمني بين البلدين لإحباط عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات، ولا سيما الكبتاغون، التي تقف خلفها شبكات مرتبطة بالإرهاب والمعارضة المسلحة.
واعتبر يتسحاق أن التنسيق المتنامي بين عمّان ودمشق منذ تولي الشرع السلطة يشكل تطوراً إيجابياً ومباركاً بالنسبة للأردن، مؤكداً أن بناء التحالفات وتعزيز التعاون الإقليمي لا يسهم فقط في استقرار المملكة، بل يمثل ركناً أساسياً في تعزيز أمنها القومي.
وفي دلالة على هذا التحول، وصفت صحيفة معاريف الأردن في عنوان مقابلتها بأنه الصديق المفاجئ الذي يقدم دعماً متواصلاً للشرع، في توصيف يعكس تبدل النظرة الإسرائيلية إلى طبيعة العلاقة المستجدة بين الجانبين.
———————————
السويداء: المجموعات الخارجة عن القانون سرقات بالجملة ونهب لا مسؤول/ ماجد الخطيب
يناير 20, 2026
عادل الذيب من بلدة المجدل، مسن يبلغ من العمر 74 عاما، متقاعد، يملك قطيعا صغيرا من الأغنام يقوم برعايته لتأمين مستلزمات العيش. تعرض مساء البارحة لعملية سرقة لعدة رؤوس من قطيعه قبل أن ينتبه، وفر الفاعلون إلى جهة مجهولة. في اتصال أجرته صحيفة “الثورة السورية”، معه قال: “المسألة ليست خسارة مادية فقط، بل مسألة ذل للإنسان بانتهاك حرمة بيته وسلب تعبه لسنين”.
ربما تبدو الحادثة عادية، لولا أنها حلقة ضمن سلسلة سرقات مستمرة في بلدة صغيرة تقع تحت حماية ما تسمى “كتيبة الصمود” التي تعد من أقوى المجموعات الخارجة عن القانون، والتي تسيطر على بلدة المجدل منذ انسحاب العشائر في تموز 2025. هذه الجريمة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في بلدة شهدت سلسلة من السرقات الكثيفة تحت رعاية هذه المجموعات وتحت نظر قائدها سعيد بريك، الذي كثيرا ما يظهر في مواقع التواصل الاجتماعي، بالرغم من الانتهاكات التي قامت جماعته بها ضد الأشخاص، بما فيها القتل كمقتل أسامة العاقل، وطرد بيت العاقل من بيوتهم ونهبها، والهجوم على منزل أكرم بندق وسرقته وحرقه بسبب مطالبة أكرم ببندقية أخيه الذي قتل في الأحداث، وقد تم سرقة بندقيته من قبل جماعة سعيد بريك.
هذه الحوادث نافذة لواقع البلطجة والنهب والسرقة التي تعد جزءا من الأعمال المشبوهة التي امتهنتها المجموعات الخارجة عن القانون في السويداء منذ سقوط النظام لتأمين رفاه أفرادها، سيما المتعاطين للمخدرات، ولو على حساب المزيد من فقر وجوع وإذلال الآخرين، وكل ذلك تحت شعار حماية الأرض والعرض.
من السرقة إلى النهب اللامسؤول
تزايدت عمليات السرقة في السويداء على أثر تشكل الفصائل وانتشار السلاح بعد الثورة السورية 2011، حيث غدت السويداء مرتعا خصبا لعمليات السرقة للمنازل والمزارع والمؤسسات العامة والأحراج، والتي طالت كل شيء. إلا أن هذه السرقة تحولت بعد سقوط النظام إلى نهب ممنهج لتدمير البنية التحتية ووسيلة سريعة للكسب غير مشروع لتغذية تجارة الممنوعات في ظل الفوضى الأمنية المستفحلة بتغطية من الأجهزة الأمنية الموالية لحكمت الهجري.
منذ ليلة سقوط النظام استغلت هذه المجموعات الفوضى الأمنية، حيث توافدت بقوة السلاح لنهب القطعات العسكرية المنتشرة في أرجاء المحافظة، فاستولت على السلاح والأثاث والعتاد والمؤن والسيارات والآليات. هذا الأمر أدى إلى زيادة قوة تسليحها، سيما بعد امتلاكها السلاح الثقيل، مما أسهم بزيادة نفوذها وسطوتها وتحكمها بمقاليد المحافظة وإقصاء وتحجيم القوى الوطنية والشرفاء الموالين للدولة السورية.
في شهر كانون الثاني من عام 2025 شهدت المحافظة عمليات نهب المؤسسات والمرافق العامة، حيث رصدت تقارير عدة قيام مجموعات مسلحة بالاستيلاء على مستودعات المحروقات في عريقة (الريف الغربي)، وقدرت بكميات ضخمة وصلت إلى 11 مليون لتر بنزين و5 ملايين لتر مازوت و6000 برميل زيت محركات، إضافة إلى نهب الأثاث المكتبي والوثائق وسيارات وصهاريج النقل والمضخات. وقد نشبت اشتباكات وقتها بين مجموعات مسلحة تابعة لحركة رجال الكرامة التي يقودها يحيى الحجار ومجموعات تابعة لخالد نصر (وهو مهرب محروقات خطير منذ العهد المخلوع) وشكيب عزام على محور ريمة اللحف – نجران – عريقة، حيث تم اقتسام هذه الكميات الضخمة ومن ثم بيعها لاحقا في السوق المحلية.
كما استولت مجموعات مسلحة تابعة لسلمان الهجري على بيت المحافظ ومباني إدارة الموقع في السويداء ونادي الضباط وعدد من شقق الجيش في القلعة ومساكن الخضر، وتم توزيعها على قيادات المجموعات المسلحة وضباط “الحرس الوطني”، فيما استولت مجموعة (فرسان حمزة) التي يقودها يامن الصغير على مبنى الفندق السياحي.
كما تم الاستيلاء على مستودعات الحبوب في مطحنة أم الزيتون، وتجاوزت الكميات المستولى عليها 2000 طن من القمح والطحين. وفي آذار 2025 تم الاستيلاء على مستودعات المؤسسة الاستهلاكية وعدد من منشآت الدواجن، خاصة في (فرع القريا)، حيث تم سرقة القطعان والأعلاف والتجهيزات الفنية والمولدات الكهربائية مما أدى إلى تدهور قطاع الدواجن.
وفي السياق نفسه نشير إلى نهب كامل مؤسسة الإنشاءات العسكرية (فرع السويداء) بما تحويه مستودعاتها من مواد ومعدات ثقيلة كالمجابل البيتونية والكسارات والقلابات والتركسات والرافعات ومواد البناء والإكساء كالحديد والاسمنت والسيراميك والبلاط والأدوات الكهربائية والتمديدات الصحية والمحروقات وغيرها.
كما تم سرقة محتويات مكاتب الهجرة والجوازات من الأثاث وأجهزة الكمبيوتر، والسطو على المدينة الرياضية وإفراغها من محتوياتها وقلع البلاط والسيراميك وخلع الأبواب. هذه الجرائم تكررت في الملعب البلدي وبناء حزب البعث وفوج الإطفاء ومعظم المؤسسات الخدمية.
كما تم الاستيلاء على الأموال في المصرف التجاري فرع شهبا وتخريب أنظمته المصرفية. كذلك تناولت السرقات معمل عصير العنب ومشتل عرى ورساس ومبنى البحوث الزراعية، حيث تم سرقة التجهيزات والغراس والماشية وغطاسات الآبار والأسمدة.
أيضا تم سرقة تجهيزات فرع الهندسة العسكرية على طريق المشفى، إضافة إلى نهب محتويات بعض البلديات من الوقود والأثاث وأجهزة الكمبيوتر. كما تم نهب معمل السجاد المتواجد في حي المقوس من قبل مجموعة من أبناء عشائر المقوس، وقد اندلعت على أثر ذلك اشتباكات مع مجموعة أخرى من العشائر أسفرت عن قتلى وجرحى.
وفي الإطار نفسه تم منذ حوالي شهرين الاستيلاء على مستودعات شركة زنوبيا للسيراميك في السويداء وسرقة محتوياتها بالكامل في وضح النهار، رغم مناشدات المواطنين على مواقع التواصل بالتحرك لمنعها. وفي مطلع الشهر الحالي تم الاستيلاء على مستودعات الشركة في مدينة صلخد جنوب السويداء، وقد نجم عن ذلك اشتباكات بين مجموعة رائف الجوهري وباسل الجرمقاني من جهة وفصيل (قوات العليا) الذي يقوده رأفت بالي من جهة أخرى، بالرغم من أن المجموعتين تابعتان لـ”الحرس الوطني”.
سرقة الممتلكات الخاصة
المجموعات الخارجة عن القانون لم تكن أفضل حالا، بل استغلت الفراغ الأمني بعد انسحاب الأمن العام وقامت بسرقة محلات وصياغات في مدينة السويداء ومستودعات ومحلات في المنطقة الصناعية.
وفي هذا الإطار تحدث راجي كيوان، لصحيفة “الثورة السورية”، وهو يملك محلا للحديد المستعمل في المنطقة الصناعية عن هجوم جماعة مسلحة على محله، حيث تم خلع الغلق وتفتيش المحل، ومن ثم سرقة عدد من اسطوانات الغاز. فيما تحدث حمد نصر، الذي يسكن في دوار العمران عن تعرض أثاث بيته وبيت الحارة للسرقة من قبل مجموعة مسلحة محلية استغلت انسحاب الأمن العام.
وفي الإطار نفسه نشرت مواقع تواصل اجتماعي مؤخرا، تقريرا يبين ازدياد انتشار عمليات سرقة البيوت في المجدل وريمة اللحف وعرى، سيما بيوت العشائر في ريمة اللحف حيث تم سحب الحديد من سطوحها. كما نقلت مصادر محلية عن سرقات لبيوت في نجران والحريسة وفي أحياء السويداء مثل كناكر والمقوس ومساكن الخضر.
كما شملت عمليات السرقة السطو على المحلات والصياغات وسرقة السيارات والدراجات النارية، وحتى قطع الأشجار بهدف الاتجار، سواء من الأحراش كحرش المظلم شرق الرحى أو من كروم التفاح في ضهر الجبل.
كما امتدت عمليات السرقة إلى أساليب جديدة كخطف الأثرياء بهدف طلب فدية، ومنها خطف صائغ من عائلة خير الدين عند ساحة الفرسان وسرقة كمية من الذهب، واستغلال بعض المواطنين من الأخوة السنة كما حدث فعلا في تشرين الثاني، حيث تم خطف عائلة مؤلفة من 6 أفراد من دير الزور يعملون عند صاحب مزرعة في قرية عرى، وقد طلب الخاطفون فدية مقدارها 600 ألف دولار. إلا أن جهود الأمن الداخلي التابع للدولة السورية أثمرت عن إحباط عملية الخطف، وبالوقت نفسه أدت إلى تفادي فتنة كادت تحصل بين سكان المحافظة وقبيلة العكيدات.
خروقات لتغطية السرقات
بالعودة إلى المجدل وهي بلدة صغيرة تقع غرب السويداء بمسافة 14 كيلومترا. فهي تعد من أكثر القرى تعرضا لسرقة بيوتها. فبعد انسحاب الأمن العام في تموز الماضي عادت المجموعات المسلحة التي فرت للاختباء في المقرن الشرقي والجنوبي إلى البلدة بحجة إجراء تمشيط، حيث تم سرقة العديد من البيوت التي تركها أصحابها وغادروا إلى أماكن اللجوء.
كما توجهت مجموعات تابعة لسعيد بريك إلى المزرعة ونهبت أرزاق البدو وتعفيش بيوتهم. كما قامت مجموعة من داخل المزرعة تابعة لحكمت الهجري بسرقة وحرق بيوت أفراد الأمن العام والأشخاص الموالين للحكومة.
وفي الفترة نفسها نقل شاهد عيان، من خلال اتصال مع زيدان الحمود وهو من عشائر ريمة اللحف، عن مجموعة مسلحة يشتبه بأنها تابعة لشكيب عزام قامت بمهاجمة بيوت العشائر في القرية وقامت بسرقة أثاثها، كما استولت على المواشي والآليات، واضطر السكان من العشائر للفرار (بثيابهم) سيرا على الأقدام إلى ريف دمشق.
فيما بعد أصبحت المجموعات الخارجة عن القانون في بلدة المجدل حاليا “كتيبة الصمود” تفتعل الخروقات الأمنية لتغطية تحركات السارقين أثناء تمرير شحنات مخدرات أو سرقة الآليات. وقد ذكر شاهد عيان عن سرقة سيارات وبيوت تحت غطاء الخروقات الأمنية. وينطبق هذا الأمر على محاور التماس في ريمة حازم والنقل والسجن المركزي، حيث ذكر العديد من المواطنين أن السرقات تزداد أثناء اشتعال المحور.
مما سبق يتضح أن الفوضى الأمنية الناجمة عن سيطرة المجموعات الخارجة عن القانون هي السبب الرئيس لانتشار شتى مظاهر الجريمة في الوقت الذي لا يوجد رادع لهذه المجموعات. إذ إنه برغم لجوء بعض المواطنين لتقديم ضبوط لدى ما يسمى بقوى الأمن الداخلي التابعة للجنة (غير القانونية) التي عينها الهجري، إلا أنه بحسب العديد من المواطنين لا تقدم ولا تؤخر، حيث توجد أذرع لهذه المجموعات فيها تقوم بترهيب كل من يحاول تقديم شكوى أو تقوم برمي الشكوى في سلة المهملات.
وقد ذكر مصدر محلي يعمل بتسجيل الضبوط لتقديمها إلى النائب العام أن عشرات الضبوط تقدم يوميا بدون أن يحال أحد إلى القضاء. حيث إن هذه المجموعات تعمل بدون أي ضوابط أخلاقية أو قانونية، ولن يردعها إلا تدخل الدولة بحزم وبأجهزة أمنية منضبطة وفعالة، وتفعيل مؤسسات الدولة سيما المؤسسة القضائية، بما يسهم بنشر الأمن والأمان والازدهار في السويداء.
الثورة السورية
—————————–
انتهت قسد فهل تنتهي أوهام الانفصاليين؟/ عمر قدور
الثلاثاء 2026/01/20
آلت محافظتا دير الزور والرقة إلى سيطرة دمشق، وبقيت محافظة الحسكة تحت سيطرة قسد حتى كتابة هذه السطور. إلا أن هذه الوضعية مؤقتة بموجب الاتفاق الجديد الذي وقّعه الشرع، وينصّ على سقف أدنى لقسد مما كان في اتفاق العاشر من آذار. فالاتفاق الجديد الذي يدفن سابقه واضح لجهة غياب الشراكة السياسية بين الجانبين الموقّعين عليه، لصالح دمج عناصر قسد كأفراد ضمن سلطة المركز. وكان المطلب الرئيسي لقيادة قسد أن تُدمج قواتها ككتلة لها نوع من الاستقلالية ضمن الجيش وقوات الأمن.
إذاً، ما لم تحدث تطورات دراماتيكية، قد لا يطول الوقت قبل إسدال الستار على قسد وباقي المنظومة العسكرية لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي. وحتى بقاء قسد لبعض الوقت في الحسكة لن يكون له الثقل الذي كان لها أثناء السيطرة على المحافظات الثلاث. والحسابات لا تقتصر على المساحة الواسعة التي خسرتها مؤخراً، فهناك آبار النفط والغاز التي خسرت إيراداتها، ما يجعلها أكثر بكثير من قبل رهْن المساعدات الأميركية، وتالياً توجهات واشنطن، التي لم تمانع في شن العملية العسكرية التي أخرجت قسد من حيين في حلب، ثم من ريف حلب وصولاً إلى حدود الحسكة.
جدير بالتذكير أن ترامب في ولايته الأولى كان عازماً على الانسحاب من سوريا، وتراجع تحت ضغوط الحلقة الأمنية التي كانت ترى في البقاء مكسباً أكثر من تكاليفه. ذلك أيام حكم الأسد، أما وقد سقط الأخير، وهناك حكم بديل على علاقة جيدة مع واشنطن وحلفائها، فلن يلاقي الانسحاب اعتراضاً في دوائر القرار الأميركية. على سبيل المثال، أثناء التطورات السورية الأخيرة انسحبت القوات الأميركية من قاعدة في العراق، وحدث ذلك بصمت تام، ومن المحتمل حدوث ذلك في سوريا قريباً.
ولا يخطئ أنصار السلطة الذين رأوا في التطورات الأخيرة رسالة لا تقتصر على أكراد سوريا، بل تذهب إلى آخرين طامحين إلى الانفصال عن المركز، إما عبر انفصال تام أو لا مركزية موسعة جداً. وبالطبع لا تزال فرضيات أخرى تلقى الرواج، تقوم بمعظمها على رغبات أصحابها بلا سند واقعي. منها مثلاً أن انكفاء قسد يمهد لفيدرالية بعد إعادة الرقة والدير بأغلبيتهما العربية، وأن هذه الفيدرالية ستُطبّق أيضاً في الساحل والسويداء. إلا أن رواج الأقاويل يشي بإفلاس سياسي، وبتعويل على مجهول يُحاك في الخفاء، مبنيٌّ على عدم تصديق السلوك المعلن لقوى دولية وإقليمية ليس إلا.
وكان التنظير لتقسيم سوريا قد لقي رواجاً بعد سقوط الأسد، خصوصاً بعد مجازر الساحل ثم السويداء، أيضاً من دون انتباه إلى عدم تأثير تلك الانتهاكات على السياسات الدولية. جدير بالتذكير أيضاً أن قوى دولية، منها أميركا، وقوى إقليمية عديدة كانت مستعدة لإعادة تدوير الأسد والتطبيع معه بعد ارتكابه مجازر كبرى وإدانته في المحافل الدولية. أما تغيير الخرائط فمن الخطأ الظنّ أنه يحدث بسهولة، أو أن القوى الفاعلة ترغب فيه، أو تدفع في اتجاهه. وفي التاريخ القريب هناك تجربة إقليم كردستان في العراق، إذ مُنع استقلال الإقليم بعد استفتاء حاز فيه مؤيدو الاستقلال أغلبية لا جدال فيها، مع التنويه بأن الإقليم يحظى بحكم ذاتي قريب عملياً من الاستقلال.
صحيح أن الحدود الحالية لدول المنطقة رُسمت قبل قرن بإرادات دولية، والصحيح أيضاً أن الإرادات الدولية غير متوفرة لإعادة رسم خرائط المنطقة. وتجارب الاحتراب الداخلي في العديد من الدول، إذا كانت تشير إلى أزمات في التعايش بين جماعاتها، فهي تؤكد في المقابل على أن خيار التقسيم لم يكن واراداً، ودونه إرادات دولية، مثلما دونه المزيد من إراقة الدماء بين الجماعات التي ستقاتل كلّ واحدة منها للاستحواذ على نصيب من الأرض والثروة. وفي حالات نادرة جداً أثبت الانفصال أن مقولة “نريد ديكتاتوراً من جماعتنا” لا تصنع فرقاً حقيقياً، وهو ما حدث في سوريا المقسّمة خلال السنوات الماضية بين سلطات أمر واقع غير ديموقراطية. في السنوات ذاتها رأى السوريون كيف استخدمت قوى الخارج الفصائل العسكرية السورية، بمختلف تناقضاتها، بعيداً عن أي هدف وطني، وكان يكفي أن تتفاهم قوى الخارج لينصاع الداخل على النحو الذي كان فاقعاً بقوة في اتفاقيات خفض التصعيد.
من الخطأ بعد التطورات الأخيرة عدم رؤية توجهات إدارة ترامب في المقام الأول، وقد أكّدت في العديد من المناسبات على “سوريا موحَّدة”، وعلى دعمها مشروع اندماج. الرسائل الأميركية غير بعيدة عن المطالبات الداخلية بالفيدرالية أو اللامركزية، أي أن واشنطن لا تتبنى هذه المطالبات ولا تشجّع عليها. وفضلاً عن مزاج ترامب الشخصي، من المنطقي للإدارة الأميركية، وللعديد من قوى الخارج، أن تفضّل التعامل مع قوة محلية واحدة منضبطة على التعاطي مع قوى متنافرة، ما لم يكن للقوة الخارجية مصلحة مباشرة في الإبقاء على الانقسام. وبقاء جيب منعزل هنا أو هناك لن يغيّر في المنحى العام، بل ستكون إعادته إلى المركز مسألة وقت.
لكن ستبقى المشكلة مزمنة إذا بقي الذين سينضوون مُكرَهين تحت حكم المركز على قناعاتهم بأن الحل الوحيد هو بالانفصال عنه. فهذا التصور يستثني سلفاً إمكانيات التغيير ضمن المركز نفسه. القناعة بحتمية الانفصال ستساهم في صنع قضايا من نوع “قضية درزية” و”قضية علَوية” وبالطبع ثمة “قضية كردية جاهزة”، والواضح أن أدبيات هذه “القضايا” تستند إلى أفكار حركات التحرر العائدة لزمن مضى، والتي انتعشت في ظروف استعمارية مختلفة عن الصراعات الداخلية حالياً.
نعود للتأكيد على أن الانفصال، حتى إذا كان ممكناً على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية…، هو قضية مشتركة، ما يقتضي أولاً اتفاقاً بين مختلف الأطراف كي لا تدخل في حرب أهلية لا تُعرَف نهايتها. أيضاً، الانفصال ليس شأناً داخلياً على الإطلاق، ما يقتضي توفر البيئة الدولية المساعدة عليه، وذلك لا يعني قطعاً أن يحصل أي طرف على دعم خارجي مؤقت بطبيعته، أي لا يتبنى فيه الخارج بشكل واضح الطموحات الانفصالية.
يبقى أن هناك خياراً غير مفكَّر فيه، هو تعاون القوى ذات المصلحة المشتركة من مختلف الجماعات الأهلية، أي على الضد مما جُرِّب بدرجات متفاوتة في الماضي القريب والبعيد وأوصل السوريين جميعاً إلى هذا الدرك من الانقسام. ينطلق هذا الخيار من قناعة مختلف الأطراف بحتمية التعايش، ومن أن عقلنة العيش المشترك هي أولوية مستدامة، وهي التي توجّه الأفكار نحو أفضل السبل لتحقيقه، فلا يكون هناك محرمات تتعلق بالنظام السياسي بوصفه وسيلة للعيش المشترك وضمانة للأفراد أيضاً.
سوريا، بهذا المعنى، ليست معطى بديهياً، بل تتأسس مجدداً بمجموع الإرادات المشتركة لسوريين لا ينتظرون من أية سلطة أن تقدّم لهم ما يشتهون، خصوصاً وهم منقسمون كما تشتهي أية سلطة. قد يبدو هذا مستحيلاً في ظل الانقسامات الدموية الراهنة، لكن التفكير فيه يبدأ من مقارنته بسيناريوهات ليس لها حظ أوفر من النجاح، لا في سوريا ولا في دول الجوار. أليست الواقعية، بحسب مقولة شهيرة، هي في طلب المستحيل؟
المدن
———————————
الجيش الإسرائيلي يعارض انسحاب قواته من سوريا لأنه يقيد حرية عملياته
اتفاق دمشق والأكراد يقلق تل أبيب لأنه يعزز عودة سوريا دولة قوية
تل ابيب: «الشرق الأوسط»
20 يناير 2026 م
أعربت مصادر في قيادة الجيش الإسرائيلي، الاثنين، عن معارضتها لمضمون المحادثات الجارية بين دمشق وتل أبيب للتوصل إلى اتفاق «تفاهمات أمنية»، تنص على انسحاب قواته من المواقع التسعة التي أقامها في الأراضي التي احتلها في جنوب سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، بادعاء أنه سيفقد حريته في استهداف هذه المناطق.
وبحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، يعتبر الجيش الإسرائيلي أن مطالبة الرئيس السوري، أحمد الشرع، بتوقف إسرائيل، وخاصة طيرانها الحربي، عن استمرار الغارات في الأراضي السورية «سيشكل صعوبة في إحباط تهريب أسلحة متطورة من العراق وإيران، عن طريق سوريا، إلى (حزب الله) الذي يعيد بناء قوته».
وأضافت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي الذي أجرى دراسات معمقة للمطالب السورية، وتبعات الاتفاق الأمني الذي تريده، ورغم أن المستوى السياسي تعهد خلال الأسبوع الأخير بأن الجيش سيبقى في جميع الأحوال في كل قمم جبل الشيخ في سوريا، كونها «موقعا استراتيجياً يسمح لقوات الجيش بمراقبة طرق تهريب أسلحة بين سوريا ولبنان»، فإن هناك عناصر أخرى تبدي فيها الحكومة الإسرائيلية مرونة يرفضها الجيش، خصوصاً الانسحاب من المواقع التسعة، ووقف الغارات في مختلف أنحاء سوريا.
ويدعي الجيش الإسرائيلي أن اتفاقاً أمنياً جديداً بين إسرائيل وسوريا من شأنه أن يعيد عمليات تهريب أسلحة، بادعاء أنه بقيت في أنحاء سوريا كميات كبيرة من الأسلحة وقدرات المراقبة، مثل رادارات روسية، من فترة النظام السابق، وغيرها.
وبحسب الصحيفة، فإنه لا توجد قدرة أو خبرة للجيش السوري الذي يجري بناؤه مجدداً لتشغيل معظم الأسلحة، والقدرات، «لكن اتفاقاً مع سوريا من شأنه أن يتيح لها أن تتعلم وفي الوقت ذاته، يقيد الجيش الإسرائيلي ويمنعه من مهاجمة هذه الأسلحة، والقدرات».
ويعارض الجيش الإسرائيلي، حسب الصحيفة، مطالبة سوريا بوقف الهجمات الإسرائيلية في منطقة درعا، بادعاء أن ميليشيات موالية لإيران، ومنظمات فلسطينية، و«حزب الله» كانت تنشط في هذه المنطقة، واستهدفها الجيش الإسرائيلي. ويعتبر الجيش أن موافقة إسرائيل في إطار المحادثات حول اتفاق أمني سيمنع مهاجمة أهداف مثل هذه، علماً بأنه لم يتم إطلاق نار من الأراضي السورية باتجاه إسرائيل طوال سنوات كثيرة.
كما يعارض الجيش الإسرائيلي تقليص ما يسمى بـ«المساعدات للدروز السوريين في ثلاث مناطق قرب دمشق وجبل الدروز ومحافظة السويداء»، والتي تطالب سوريا في المحادثات بوقفها كلياً. وتشكل هذه المساعدات، من وجهة النظر السورية، خطراً على سلامة الدولة، في أعقاب مطالبة الزعيم الروحي للدروز في السويداء، الشيخ حكمت الهجري، باستقلال هذه المنطقة عن سوريا.
وبحسب الجيش الإسرائيلي فإن هذه المساعدات التي شملت بالأساس آلاف الأسلحة «النوعية» التي استولى عليها الجيش الإسرائيلي خلال الحرب في السنتين الماضيتين، من «حماس» و«حزب الله»، وكذلك شملت دروعاً واقية تعتبر ضرورة أمنية حيوية للدروز، ولإسرائيل، ولا يمكن الاستغناء عنها.
وبناء على ذلك، أوصى الجيش أمام الحكومة الإسرائيلية بعدم الانسحاب من «الجولان السوري»، أي المناطق التي احتلها بعد سقوط النظام السابق، وأنه «يحظر الانسحاب من أراضي العدو في أي حدود معادية، ومن الأسهل الدفاع عن بلدات إسرائيلية عندما تكون في أراضي العدو وفي منطقة منزوعة السلاح»، بادعاء أن هذه عبرة من هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول).
ويقول الجيش الإسرائيلي إنه رغم تخوفه من نتائج المحادثات مع سوريا، فإنه في جميع الأحوال ستبقى قواته منتشرة بأعداد كبيرة، ومضاعفة عن السابق على طول الحدود في هضبة الجولان السورية (المحتلة)، حتى لو تقرر الانسحاب من الأراضي في جنوب سوريا.
من جهة ثانية، كشفت صحيفة «معاريف» عن قلق إسرائيلي من التوقيع على الاتفاق بين الحكومة السورية و«قسد». وقد عبر عن هذا القلق المستشرق موشيه ألعاد، المحاضر في كلية الجليل، قائلاً إن هذا الاتفاق ليس مجرد تطور تكتيكي في الجبهة السورية الدامية، بل هو تطور استراتيجي ذو بعد إقليمي، يدل على سيطرة الدولة على مواردها النفطية، وتوحيد صفوفها لتكون منطلقاً لاستعادة قوتها وقدراتها في شتى المجالات. وقال إن هذا التطور، إلى جانب الاستمرار في مضايقة العلويين والدروز يثير القلق.
وأعرب ألعاد عن تقديره بأن الدعم الأميركي لأحمد الشرع يتحول إلى ضربة لحلفائه الذين حاربوا «داعش» وهزموها في سوريا. وها هو يقوض الثقة بها، ليس عند الأكراد وحدهم، بل عند جميع حلفاء أميركا.
واعتبر ألعاد عودة سوريا لتكون دولة قوية وموحدة هي خطر استراتيجي على إسرائيل. لذلك، فإن تل أبيب «تفضل حالياً البقاء في الظل، مع تعميق جهودها الاستخبارية، والمحافظة على نشاط سلاح جوها العسكري في سوريا، ونسج علاقات مع الأقليات، مع تفضيلها لعدم الاستقرار في سوريا على أن تكون قوية، وموحدة».
الشرق الأوسط
———————————
استعصاء الحل.. صدمة السويداء ووجعها العميق/ جمال الشوفي
2026.01.19
لماذا يستعصي الحل في السويداء إلى اليوم؟ ولماذا تزداد حدة التباينات في مواقف الفاعلين السياسيين لدرجة القطيعة؟ ويبدو أننا نطرح السؤال الخاطئ وبالضرورة الإجابة، مهما كررنا السؤال، ستكون خاطئة!
فالحل في السويداء وأحداث تموز المنصرم الدموية والكارثية ليس سياسياً يمكن أن ينهي وقع أحداثها بخطة سياسية ما، وهذا ليس تعنت ولا مكابرة بل رؤية المشهد الذي لم يُدرك بتمامه بعد، فحتى وإن كان مشهد السويداء لليوم يظهر سياسياً بأشكال واقتراحات لا تتوافق مع تاريخه والواقع المعاش أياً كانت تحولاته.
وهنا، وبالمبدأ، فإنني لا أتبنى أي طرح سياسي معلن لليوم، وهذا من بوابة مسلمتي الأولى أن الحل في السويداء ليس سياسياً فحسب، فهل هذه معضلة أو أحجية؟
السويداء مصابة حتى النخاع بألم ووجع عميق.. أجل وجع السويداء مضاعف وعميق، وقد يقول قائل: ألم يمر على السوريين المجازر التي مرت على السويداء وأضعافها؟ لأجيب ببساطة نعم، لكنها مرت علينا كسوريين من كل جغرافيتنا من نظام المخلوع، والسويداء كانت قد سحبت غالبية أبنائها من الجيش ولم تشارك في مقتلته، وكانت مستعصية على هيمنته السلطوية سوى شكلياً.
والأهم من هذا أن حاضر السويداء لم يزل قريب الذاكرة وليس ببعيد، فأبناء السويداء من كل الشرائح المجتمعية بقيت لما يزيد عن 500 يوم تتظاهر بشكل يومي ومتتالي ومن دون انقطاع في ساحات الحرية والكرامة حتى يوم سقوط النظام.
وغالبية من كانوا في ساحات الكرامة وحاضنتهم الشعبية هم المصابون بالألم المضاعف، هم المصدومون بوقع المجازر التي شاهدوها بأم أعينهم، وتقرير “هيومن رايتس وتش” الأخير يثبت بما لا يدع مجال للشك مسؤولية السلطة السورية المركزية فيها.
وبالضرورة هي السلطة البديلة المفترضة لنظام الأسد الذي بقي شباب وشابات السويداء يتظاهرون ضدها سلميا لعام ونصف، وليس فقط، بل الطبيعة العامة لسكان هذه المنطقة أنهم يكرهون العنف، رغم ما يظهر عليهم من عنفوان، ولا يذهبون إلى الحرب إلا إذا فرضت عليهم، وهذا ما أنتج شعارهم منذ اشتداد الاحتراب في الثورة السورية بقولهم: حرمة الدم السوري ونحرم الاعتداء منّا وعلينا.
الصدمة النفسية لسكان هذه المنطقة هو الذي لم يرقب بعناية بعد في الأحداث السورية المتتالية خلال المرحلة الانتقالية، وبالضرورة طرق العلاج المتبعة أو المقترحة لليوم، لا تجد سبيلها للوصول إلى نقطة تحوّل في المشهد العام وتغيير مساراته.
وقد يقول قائل هذا تبرير للنزعة الانفصالية التي تطرح كمشاريع سياسية في الوقت الحالي يتضح معها مدى الاستقواء بالخارج، وهنا أعيد الطرح من أوله: لا حل سياسي للسويداء أياً كان شعاره انفصالي أو هيمنة مركزية، ولن أدخل في هذا الجدل العقيم أساساً، بل أريد توضيح الشعور الجمعي المتألم.
وبالضرورة ليست كل السويداء موافقة على ما يطرح من شعارات سياسية انفصالية، لكن عمومها تخاف على مستقبلها وعلى تاريخها وتخشى تكرار المجازر مرة أخرى، وبالأصح قولها بالمثل العامّي: بالع الموس على الحدين.
وهذا ليس وهماً ولا استثناء أبداً، بل هو الحقيقة الطبيعية لمجالات حياة الإنسان الذي حددها هرم ماسلو للاحتياجات، وقاعدة الهرم هي الاحتياجات المادية ومن ثم الأمان، وهذا هو تاريخ البشرية وصناعة حضارتها وتاريخها المدني المتشكل في دولة.
فالأمان الذي يفتقده أبناء السويداء اليوم كانوا يفترضونه في دولة القانون، الشعار الذي لازمنا كتابة واعلاماً طوال سنوات الثورة، والصدمة المضاعفة التي يعيشها أبناء السويداء أن القانون لم يحمهم! وبالأصح سيكولوجيتهم وخيالهم الجمعي توقف عند التناقض الحاد بين ما سعوا إليه تاريخياً وحاضراً في حماية دولة القانون بات مشلولاً عن رؤية إمكانية تحققها، وبعضهم يردد: خدعنا!
ما ينقلنا طبيعياً أيضاً للانكماش على العصبة، وهذا الأمر ذاته الذي ناقشه “ابن خلدون” قبل ألف عام من الآن حين قال: عندما تنهار الدول تلوذ الناس بالعصب، وحقيقة الأمر أنه ذات المحرك الذي أدى إلى انحرافات شديدة في مهد الثورة السورية والذي طالما ناقشناه في مقالات سابقة.
أي أن حجم العنف الممارس على الكتلة السورية السنية جعلها أكثر تصلباً في مواقفها تجاه الآخرين، سواء كانت معارضة سياسية أو غيرها، وردة الفعل النفسية هذه تظهر حجم الوجع السوري برمته والمتنقل من موقعة لأخرى ومن مكان إلى آخر ويبدو اننا جميعاً سنذوق ويلاته، وهذا خطاً التاريخ والذاكرة ومكر السياسة ولعنتها حين تصبح سياسة غلبة لا سياسة اعتدال وإدارة.
وهذه النقطة التي يجب أن تكون محور حوارات السوريين القادمة قبل أية حلول سياسية مفترضة لا تعاين الواقع العام بمهده النفسي والاجتماعي، فكيف وإن أضفنا عليه خطابات التحريض والكراهية الطائفية، ونزعات الاستقواء بالمظاهر العسكرية مركزية كانت أو طرفية، وعدم القبول بالآخر وشيطنته لدرجة الخروج عن المألوف التاريخي والتعاقد الأهلي الذي كانت تعيشه سوريا تاريخياً بين مللها وطوائفها واختلاف أديانها رغم حكم العسكر المقيت.
وهنا بالضرورة حدث ويحدث الخطأ السياسي المتكرر في الواقع السوري وهو طلب حماية الخارج، لتتكرر ذات المعضلة السياسية التي عاشتها الثورة السورية ببدايتها، فالعالم لن يتدخل لمصلحة الناس بل لأجل مصالحه وفقط، وكأن الواقع يعيد تكرار مشاهده من دون أن ندرك بعد أن لا حماية للسوري إلا السوري ذاته، وهذا وجع آخر نعيشه بطريقة أخرى نحاول التعبير عنه مراراً: باغتيال العقل والحكمة والاعتدال عمداً.
اشتداد النزعة النفسية وصدماتها المتراكبة أوّل ما يهدد الوطنية العفوية، وهذا ليس تبريراً أبداً، فالوطنية حالة شعورية ارتبطت بمفهوم الوطن والموطن، أي السكن والحماية والاكتفاء بالمبدأ، قبل أن تنتقل مع الوعي والتجربة لمفهوم المواطنة.
وبالضرورة ما يبحث عنه السوريين باختلافاتهم ومنهم أبناء السويداء اليوم هو الحماية والأمان، وكل سوري ينطلق من مظلوميته: فالغالبية السنية تخشى عودة نظام الأسد، وهذا بالمبدأ انتكاس عام ومخيف، والأقليات ومنهم أبناء السويداء يخشون من تمكن السنة من السلطة بالعنف والقوة، فهل من حل لهذه المعضلة؟
الانتقال من الوطنية الفطرية الشعورية الى ممارسة الوطنية بالخيار الحر والإرادي، والذي نعرفها اليوم بالمواطنة، هي تلك اللحظة التي التقت فيها الإرادات الحرة لمكونات الشعب السوري لصياغة تعاقدهم الوطني في الحرية والكرامة، بما تحمل من مضامين وجودية واجتماعية وسياسية، تتجاوز الاختلاف الديني وطرقه الايمانية، وتتجاوز الخلاف على أحقية القيادة والزعامة التقليدية، وتنفي الغلبة السياسية لجهة خلاف غيرها، وتذهب تجاه نواة البناء العام للمواطنة.
تلك كانت شعلتها لحظة التنسيق والإجماع العام بين الكتلة الدمشقية الوطنية مع أبناء جبل العرب بقيادة سلطان الأطرش ليضعوا وثيقة عهد وطنية عمت بشمولها عموم سوريا في موضوعتي الهوية الوطنية، والاستقلال والتحرر، ما جسدته بوضوح مقولة “الدين لله والوطن للجميع” بشكل متلازم بين القول والممارسة، فكانت ثورة 1925.
وهذا ما نفتقده لليوم ولم ندرك ألية العمل على إعادة إنتاجه في سوريا الحديثة بعد سقوط نظام أجهض كل إنجازات رجالات التحرير والاستقلال السوري السابق، ودور الآباء المؤسسين كانت السويداء في صلبه ورافعته، وهنا الصدمة تتضاعف أكثر، فإن كانت المواطنة هي ممارسة الحقوق العامة والوطنية جذرها الطبيعي الأول، فمن غير الممكن تأطيرها والاكتفاء بالوطنية شعورياً على أنه مشروع دولة أو دويلة سوى بتحقق الحرية والقواعد الدستورية لصيانتها، وهذا لن يتحقق إلا بالتحوّل الديموقراطي وهذا مسار شاق لكن لا بد منه.
بالمقابل كان يمكن لسلطان ورفاقه أن يكتفوا بالإغراءات الفرنسية بدويلة على مقاس الدروز وجبل العرب، ومثلهم وطنيو سوريا في مناطقهم، لكن بصيرتهم ووعيهم الفطري قادهم لمغايرة الاستسهال والذهاب لأعلى درجات الوعي بضرورة التعاقد على هوية الوطن وطريقة المواطنة، من دون نزاع ديني أو سياسي بل باتجاه التحرير ومن بعده البناء وهذه الخطوة يجب أن تكون أساساً لوعي جديد يبدأ بعلاج الصدمات النفسية المتكررة، وإلا فإنّ ترسيخ الوضع الحالي المخالف لمنحى التاريخ والحاضر ستكون نتائجه كارثية على الجميع سلطة وأطراف، مهما كانت وعود الخارج تداعب خيال المؤثرين في المشهد.
البدء بعلاج الصدمات النفسية التي يعيشها السوريين ومنهم أبناء السويداء يبدأ من الإعلان العام: أن أمان السوري مرتبط بأمان الآخر المختلف عنه مادياً ومعنوياً، دينياً وثقافياً، وبالضرورة ما حصل في تموز وغيرها في العام المنصرم وتركة الدم الأليمة يمكن تفسيرها بخوف السوريين من بعض وكأنهم لم يعرفوا بعض من قبل، وهذا ليس موقع خلاف أو حل سياسي وكفى، بل نتائجه النفسية والاجتماعية التي يجب البدء بعلاجها، وهذا قول ألم لا شبهة سياسية فيه.
تلفزيون سوريا
———————-
بعد الاتفاق الأخير مع “قسد”.. هل نشهد يدا ممدودة للمصالحة في الجنوب؟/ أسماء الفريح
19/01/2026
لم تتوقف دعوات الدولة السورية إلى أبناء محافظة السويداء بضرورة تغليب لغة العقل، والمبادرة إلى الصلح، وتجاوز الخلافات والانقسامات، إعلاءً لمصلحة الوطن الواحد الموحّد بأرضه وجميع أبنائه أولاً. فسوريا لكل السوريين، بمختلف أديانهم وقومياتهم، وهم وحدهم القادرون على صونها انطلاقاً من روح المسؤولية المتأصلة فيهم.
وأمس الأحد، أكدت وزارة الخارجية والمغتربين، عقب الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية وتنظيم «قسد»، أن وحدة الشعب السوري وتماسكه بكل مكوّناته تمثّل الأساس الصلب لأي استقرار دائم، مشددة على أن الجمهورية الجديدة تقوم على مبدأ المواطنة، وتنظر إلى تنوّع المجتمع السوري بوصفه مصدر قوة وثراء.
وأشارت الوزارة إلى أن الدولة السورية، انطلاقاً من هذا التصوّر، تواصل خطواتها العملية لترسيخ وحدة المؤسسات وبسط السيادة الوطنية على كامل الأراضي السورية، مؤكدة أن الاتفاق يجسّد نهجاً راسخاً قائماً على تغليب لغة العقل والحوار والحلول التوافقية، بما يحفظ الكرامة والحقوق والسلم الأهلي، ويؤسس لشراكة وطنية مسؤولة تحقن الدماء وتصون المكتسبات.
وفي السياق ذاته، قال محافظ السويداء مصطفى البكور: «إننا نرى في عودة السيادة الكاملة للدولة على كل أراضي سوريا، بما فيها المناطق التي تم تحريرها مؤخراً، حدثاً تاريخياً مباركاً، وخطوة جوهرية على طريق استعادة الأمن والاستقرار لوطننا الحبيب».
وأضاف البكور: «في هذا المنعطف الوطني، نتوجه إلى عقلاء السويداء وشرفائها، أصحاب الرأي والحكمة، بدعوة صادقة للمراجعة وإعادة النظر، وأن يكونوا كما عهدناهم دوماً في طليعة من يمدّ يده للمصالحة والوئام. فالسويداء كانت وستبقى قلعة للعروبة، وشعبها عنواناً للكرامة والوعي».
وعقب الأحداث المؤسفة التي شهدتها السويداء بين الدروز وعشائر البدو في تموز الماضي، شدد السيد الرئيس أحمد الشرع، في لقاء مع قناة الإخبارية السورية، على أن مجتمع السويداء جزء أساسي وأصيل من المجتمع السوري، وأن ما جرى جرح يحتاج إلى وقت ليلتئم، مؤكداً أن مصلحة السويداء، كما مصلحة شمال شرق سوريا، تكمن مع دمشق.
وقال الرئيس الشرع إن هذه المرحلة تمثل فرصة حقيقية لسوريا للملمة جراحها والانطلاق بحلّة جديدة، محذراً من أن أي تفكير خارج هذا الإطار يضر بأصحابه قبل غيرهم.
تطبيق للاتفاق
وانطلاقاً من مسؤوليتها في إدارة شؤون البلاد وبسط الأمن، تبقى الدولة السورية الجهة الوحيدة القادرة على الحفاظ على هيبتها وسيادتها في كل بقعة من الأراضي السورية. ويُطرح التساؤل اليوم حول إمكانية التوصل إلى اتفاق خاص بمحافظة السويداء، على غرار الاتفاق الذي أُبرم بشأن محافظات الجزيرة السورية.
وفي هذا السياق، قال الباحث والمحلل السياسي عباس شريفة، في حديث لـ«الثورة السورية»، إن تطبيق الاتفاق ممكن، ولا سيما في ظل وجود اتفاق دولي سابق وقّعته الجمهورية العربية السورية والمملكة الأردنية والولايات المتحدة الأميركية.
وكانت الحكومة السورية أعلنت في السادس عشر من أيلول 2025 خارطة طريق شاملة لمعالجة الأوضاع في محافظة السويداء، حظيت بدعم وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، ونائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، وهدفت إلى تضميد جراح المحافظة، وتحقيق التنمية، وترسيخ الأمن الوطني، مع رفض أي تدخلات خارجية تمس وحدة الأراضي السورية.
وأكد الشيباني حينها أن الحكومة وضعت خارطة طريق واضحة تكفل الحقوق، وتدعم العدالة، وتقوم على بناء الثقة وتعزيز الصلح المجتمعي، مشدداً على أن لا علاج للجراح إلا بالحوار السوري–السوري والجلوس معاً لإعادة البناء وفتح صفحة جديدة قوامها الوحدة والمصالحة والمصير المشترك.
وحظيت المبادرة بدعم عربي وإقليمي ودولي لافت، لكونها قامت على أساس وحدة الأرض السورية والمساواة الكاملة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات.
ويرى شريفة أن ملف جنوب سوريا بات الملف الأبرز حالياً بعد اتفاق وقف إطلاق النار واندماج «قسد» ضمن مؤسسات الدولة، لافتاً إلى أن الساحل السوري يشهد استقراراً ملحوظاً. وأشار إلى وجود ضغوط داخلية وخارجية لحسم ملف الجنوب وتثبيته وفق الاتفاق الثلاثي بين سوريا والأردن والولايات المتحدة.
تفاهمات أميركية – سورية تضغط على إسرائيل
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي فراس رضوان أوغلو أن ملف السويداء والجنوب يختلف جذرياً عن ملف «قسد» أو الساحل السوري، بسبب الحضور الإسرائيلي والخصوصية الجغرافية للمحافظة، إلى جانب التوسعات الإسرائيلية التي تلقي بظلالها على المشهد برمّته.
ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مصادر إسرائيلية قولها إن الاتفاقات قيد البحث مع سوريا قد تشمل انسحاباً إسرائيلياً من مواقع عسكرية في الجولان، مقابل ضمانات أمنية، وسط نقاشات تتعلق بتقييد الضربات داخل سوريا ووقف المساعدات الإسرائيلية للطائفة الدرزية في الجنوب.
وفي أوائل كانون الثاني الجاري، أعلنت الولايات المتحدة وسوريا وإسرائيل، خلال اجتماع في باريس، التوصل إلى تفاهمات جديدة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، شملت إنشاء خلية اتصال مشتركة بإشراف أميركي لتبادل المعلومات ومنع التصعيد وفتح قنوات دبلوماسية.
ويرى رضوان أوغلو أن تفاهمات أميركية–سورية ستضغط باتجاه تفاهمات أمنية سورية–إسرائيلية، من شأنها إعادة محافظة السويداء بالكامل إلى السيادة السورية، مؤكداً أن مشاريع الفيدرالية أو التقسيم غير مطروحة، وأن الأطراف الدولية ستدفع باتجاه اتفاق يعيد الاستقرار.
ترسيخ الاستقرار
من جهته، قال مدير الشؤون الأميركية في وزارة الخارجية السورية قتيبة إدلبي إن هناك ارتياحاً واضحاً في الموقف الأميركي حيال اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد»، باعتباره خطوة أساسية لترسيخ الاستقرار في سوريا والمنطقة. وأكد أن السياسة الأميركية ترتكز على دعم الاستقرار الإقليمي، وأن الحكومة السورية ستتعامل وفق القانون مع أي مجموعات مسلحة خارجة عن إطار الدولة.
وشدد محافظ السويداء في ختام بيانه على أن المطالبة بالحقوق المشروعة حق لا خلاف عليه، وسيجري العمل لتحقيقه عبر الحوار البنّاء والقنوات الرسمية، في إطار الدستور والقانون، مؤكداً أن الأيام المقبلة كفيلة بمحو آثار الألم وعودة الأمور إلى مجاريها تحت مظلة الوطن الواحد.
وختم بالقول: «فلنتسابق جميعاً نحو غدٍ أفضل، يعمّ فيه السلام، ويعود فيه البناء، وتشرق فيه شمس الأمل على كل تراب هذا الوطن الغالي».
الثورة السورية
———————————
جيش الاحتلال يحذّر من استئناف المفاوضات مع سورية ويفضل نموذج لبنان/ نايف زيداني
19 يناير 2026
يحذّر جيش الاحتلال الإسرائيلي المستوى السياسي من تبعات استئناف المفاوضات مع سورية، بشأن إعادة تفعيل اتفاق وقف إطلاق النار في الجولان السوري المحتل، أو ما يُعرف باتفاقية فض الاشتباك، والذي كان معمولاً به منذ سنة 1974، وانتهكته إسرائيل بذرائع أمنية، لا سيما بعد سقوط نظام بشار الأسد وسيطرت على مزيد من الأراضي السورية التي ترفض حتى اليوم الانسحاب منها. ويفضل جيش الاحتلال نموذج لبنان على نموذج غزة في سورية، بحيث تتاح له حرية الطيران لشن هجمات متى شاء على مواقع سورية، بحجة منع تعاظم تهريب السلاح لحزب الله، ومنع توقّف الدعم للفئات الدرزية السورية المتعاونة مع إسرائيل.
وأفادت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، التي أوردت التفاصيل اليوم الاثنين، بأن الجيش الاسرائيلي لا يشارك في المحادثات التي استؤنفت هذا الشهر، بين ممثلي الحكومة الإسرائيلية وممثلي الحكومة السورية، ويعتبر أنها قد تؤدي إلى تغيير الواقع في المناطق التي احتلها قبل نحو عام وثلاثة أشهر. وأردفت أنه وفقاً لكل المؤشرات، لا يدور الحديث عن حوار يُحدث اختراقاً نحو شرق أوسط جديد أو إقامة سلام أو حتى تطبيع مع سورية، بل عن ضمانات أمنية لإسرائيل مقابل الانسحاب من تسعة مواقع أقامها جيش الاحتلال في المناطق المحتلة حديثاً من الجولان، وعلى قمة جبل الشيخ التي احتلها منذ أكثر من عام.
وبدأ مسؤولون في الجيش الإسرائيلي بصياغة تصور لتبعات مثل هذا الترتيبات، رغم أن المستوى السياسي تعهّد في الأسبوع الأخير بأن جيش الاحتلال سيبقى في كل الأحوال في قمة جبل الشيخ، وهي نقطة استراتيجية يقول إنها تساعده في السيطرة على مسارات تهريب السلاح بين سورية ولبنان. إلا أن الانطباع داخل جيش الاحتلال مختلف، استناداً إلى تقارير صادرة عن المفاوضات تشير إلى وجود موافقة مبدئية على انسحاب إسرائيلي وفرض قيود تصل حد منع قوات الجيش، وخاصة سلاح الجو، من تنفيذ هجمات داخل الأراضي السورية.
وبينما تطالب سورية بمنع سلاح الجو الإسرائيلي من مواصلة هجماته، يقدّر الجيش الإسرائيلي أن إحباط تهريب الأسلحة المتطورة من العراق وإيران، عبر سورية، إلى حزب الله “الذي يعيد بناء قوته”، سيكون مهمة صعبة للغاية.
ولفت تقرير الصحيفة العبرية، إلى أن مسارات التهريب هذه تضررت بشدة بفضل النشاط المتواصل لشعبة الاستخبارات العسكرية وسلاح الجو، لكن اتفاقاً جديداً بين تل أبيب ودمشق قد يساعد في عودتها إلى العمل. إضافة إلى ذلك، يرى جيش الاحتلال أن بقايا غير قليلة من وسائل القتال وقدرات المراقبة، مثل رادارات روسية تعود إلى فترة نظام الأسد، ما زالت منتشرة في أنحاء سورية، وأن اتفاقاً مع سورية قد يقيّد الجيش الإسرائيلي أيضاً من مهاجمة هذه القدرات المتبقية عندما تظهر بين الحين والآخر في المعلومات الاستخباراتية. كما يمتعض جيش الاحتلال من مطالبة سورية بتقييد هجماته في منطقة حوران.
وبحسب التقرير، فإن بنداً آخر محلّ خلاف، يتعلق بتقليص المساعدات الإسرائيلية للدروز السوريين الموجودين في ثلاث مناطق، هي أطراف دمشق، وجبل الدروز في محيط بلدة السويداء جنوب سورية على بُعد عشرات الكيلومترات من هضبة الجولان، وقرية حضر الواقعة على سفوح جبل الشيخ.
وأضاف التقرير أن حجم المساعدات التي قدّمتها إسرائيل خلال العام الأخير للدروز السوريين (الفئات الدرزية المؤيّدة لتدخلها بالشأن السوري)، تراوحت بين آلاف قطع السلاح عالية الجودة، التي صودرت في الحرب مع حزب الله وحماس، مروراً بسترات القتال، ووصولاً إلى الأدوية والمعدّات، لكن الدولة السورية تطالب بوقف هذا التدخل الإسرائيلي أيضاً.
ويوصي ضباط في جيش الاحتلال المستوى السياسي بعدم الانسحاب من المناطق التي احتلتها اسرائيل، كذلك، بذريعة تزايد المخاوف من تسلّل أو اجتياح واسع لعناصر مسلّحة من الشرق، من الأردن وأيضاً من سورية، على غرار ما حدث في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بقطاع غزة. ويقولون إنه “من الأسهل حماية البلدات عندما تكون في الأمام، داخل أرض العدو، في منطقة عازلة مُعزَّزة”، ومع ذلك، ورغم القلق من نتائج المفاوضات مع الجانب السوري، يذكّر الجيش بأنه في كل الأحوال ستبقى قوات معزَّزة، تكاد تكون مضاعفة، على طول الحدود في الجولان إذا تقرر الانسحاب من المواقع العسكرية في المنطقة العازلة.
العربي الجديد
———————————
“يديعوت أحرونوت”: نقاشات حول انسحاب إسرائيلي من مواقع في جبل الشيخ
يتخوف الجيش الإسرائيلي من أن أي تقييد للعمليات في سوريا قد يسمح بإعادة تهريب السلاح إلى حزب الله اللبناني
2026-01-19
قالت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، إن الجيش الإسرائيلي يتخوف من أن أي تقييد للعمليات في سوريا قد يسمح بإعادة فتح ممرات تهريب السلاح من إيران والعراق إلى حزب الله اللبناني عبر سوريا.
وأضافت، “الجيش نصح القيادة السياسية بعدم الانسحاب من الجولان لا سيما في ظل تزايد المخاوف من غزو واسع النطاق من الأردن وسوريا على غرار 7 أكتوبر”.
وأوضحت الصحيفة أن هناك نقاشات حول انسحاب إسرائيلي من مناطق استراتيجية في جبل الشيخ مقابل ضمانات أمنية من الحكومة السورية.
وكشفت بأن الاتفاقات التي تعتبر حالياً قيد البحث مع سوريا تشمل انسحاباً من تسعة مواقع عسكرية سيطرت عليها إسرائيل في منطقة الجولان.
ومن بين البنود الخلافية في المحادثات بين سوريا و إسرائيل وقف المساعدات الإسرائيلية للدروز في جنوب سوريا ومحيط دمشق، بحسب “يديعوت أحرونوت”.
واليوم الاثنين، أفادت قناة “الإخبارية” السورية، أن قوات “الأندوف” تعمل على إزالة الألغام ومخلفات الحرب المنتشرة في الأراضي الزراعية بريف القنيطرة.
وقالت “الإخبارية”، إن الألغام ومخلفات الحرب التي بدأت قوات “الأندوف” بإزالتها تنتشر في الأراضي الزراعية وبمناطق قريبة من التجمعات السكنية.
ودعت قوات “الأندوف” السكان المحليين إلى الابتعاد عن مناطق انتشار الألغام ومخلفات الحرب والإبلاغ عن أماكن وجودها لضمان سلامتهم وتسهيل عمليات التطهير.
وخلال شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، شهدت قرى وبلدات ريف محافظة القنيطرة وريف دمشق نشاطاً مكثفاً لدوريات قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل (الأندوف).
————————–
يديعوت أحرونوت: الجيش الإسرائيلي يعارض الانسحاب من سوريا ويدعم الدروز بأسلحة نوعية
19 يناير 2026
كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يواصل تزويد الدروز في محافظة السويداء بأسلحة نوعية، ويرفض الانسحاب من تسعة مواقع عسكرية أقيمت بعد سقوط نظام بشار الأسد، معتبرًا أن أي انسحاب سيقلل قدرته على المراقبة والتحرك في هذه المناطق الاستراتيجية.
وأضافت الصحيفة أن جيش الاحتلال يعارض أي التزام بوقف الغارات الجوية على الأراضي السورية، مشيرًا إلى أن ذلك قد يعقد جهود إحباط محاولات تهريب أسلحة متطورة من العراق وإيران عبر سوريا إلى حزب الله، الذي يسعى لإعادة بناء قوته العسكرية. وعلى الرغم من تأكيد المستوى السياسي الإسرائيلي على أهمية بقاء الجيش في قمة جبل الشيخ لمراقبة طرق التهريب بين سوريا ولبنان، يظل الجيش معارضًا لأي اتفاق يفرض قيودًا على عملياته.
وأوضحت “يديعوت أحرنوت” أن أي اتفاق أمني جديد مع سوريا قد يسمح للحكومة السورية بالاحتفاظ بكميات كبيرة من الأسلحة والقدرات العسكرية، بما في ذلك رادارات روسية، وهو ما يعتبره الجيش قيودًا على حرية استهدافه. كما يرفض الجيش مطالب سوريا بوقف الهجمات الإسرائيلية في منطقة حوران، رغم غياب إطلاق النار من الأراضي السورية لسنوات، بسبب نشاط ميليشيات موالية لإيران ومنظمات فلسطينية و”حزب الله” في المنطقة.
وتشير الصحيفة إلى استمرار دعم جيش الاحتلال للدروز في مناطق قرب دمشق وجبل الدروز والسويداء، عبر تزويدهم بأسلحة نوعية استولى عليها خلال العامين الماضيين من حماس و”حزب الله”، إضافة إلى دروع واقية. ورغم دعوات الشيخ حكمت الهجري، الزعيم الروحي للدروز في السويداء، لاستقلال المنطقة عن الدولة السورية، تعتبر إسرائيل هذه المساعدات ضمانًا لاستقرار المناطق في ظل المفاوضات الأمنية الجارية.
ونقلت الصحيفة عن مصادر عسكرية أن ممثلين روسًا قاموا قبل نحو شهر ونصف بجولة ميدانية في الجولان السوري شملت المرور بين مواقع للجيش الإسرائيلي، بتنسيق مسبق مع قيادة المنطقة الشمالية. وبحسب المصادر، طُرحت إمكانية نشر قوات روسية في الجولان السوري، وهو سيناريو مثير للجدل لا يحظى بدعم داخل الجيش، وتُشير التقديرات الحالية إلى أنه غير مرجّح في المستقبل القريب.
وأوضحت المصادر أن روسيا لا تزال تحتفظ بقوات عسكرية شمال غربي سوريا، وأن دعمها الطويل لنظام بشار الأسد قد يتغير إذا أعيد خلط المصالح الإقليمية في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، أوصى ضباط الجيش الإسرائيلي المستوى السياسي بعدم الانسحاب من الجولان السوري، خشية تسلل جماعي لـ”مخربين” من الشرق، سواء من الأردن أو سوريا، على غرار سيناريو السابع من تشرين الأول/أكتوبر.
وفي الميدان، صادرت قوات الكتيبة 52 التابعة للجيش الإسرائيلي وسائل قتالية في منطقة الرفيد جنوب سوريا، ضمن جهود منع تعاظم التهديدات. وتشير مصادر عسكرية إلى أن تداعيات فشل منع تسلل حماس إلى غلاف غزة ما زالت حاضرة داخل الجيش، ما يعزز موقفه الرافض لمغادرة أي منطقة تماس معادية في المرحلة الحالية.
وأكد ضباط جيش الاحتلال أن البقاء داخل “أراضي العدو” وفي مناطق عازلة معززة يسهل الدفاع عن المستوطنات، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية. ورغم ذلك، تشير التقديرات إلى أنه في حال الانسحاب من بعض المواقع العازلة، فسيتم الإبقاء على انتشار عسكري معزز يقارب ضعفي القوات الحالية على طول خط الجولان.
وأشار الجيش إلى أنه سيبقى له الحق في مهاجمة أي تهديد فوري يُرصد في المنطقة، بينما يتمحور النقاش حول سياسة “إحباط التعاظم العسكري”: هل ستُعتمد الهجمات المكثفة والمتواصلة كما في لبنان، أم نموذج أكثر تقييدًا شبيه بالنهج المتبع في قطاع غزة منذ بدء وقف إطلاق النار، حيث تقتصر الضربات على الرد على الخروقات.
——————————
نتنياهو غير جاد في العودة إلى الاتفاق الأمني مع سوريا الجديدة/ ماجد عزام
2026.01.18
قالت صحيفة معاريف أول أمس الأربعاء إن إسرائيل رفضت انتشار قوات روسية جنوب سوريا في إطار الفصل بين القوات والعودة المحدثة لاتفاق فك الاشتباك الأمني “1974”. يتطابق هذا مع ما كانت قد قالته صحيفة يديعوت أحرنوت في تقرير لافت ومطوّل لها الأسبوع الماضي، وأفاد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتن ياهو غير جاد في التوصل إلى صيغة محدثة مع سوريا الجديدة تستند إلى اتفاق 1974 الأمني.
وعرضت الصحيفة العبرية في تقريرها المطوّل الأسباب والحيثيات للخلاصات التي وصلت إليها وتتضمن تخفيض مستوى الوفد الإسرائيلي قياساً للوفدين السوري والأمريكي في جولة المحادثات الأخيرة بباريس، ورفض نتن ياهو الانسحاب من الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد سقوط نظام بشار الأسد للمساومة والابتزاز والضغط على سوريا الجديدة وقيادتها، وتشجيع الميليشيات والمشاريع الانفصالية ولو بشكل غير مباشر على المضي قدماً في أحلامها بل أوهامها المستحيلة، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الذى لا يريد الظهور بالمتراجع في عام الانتخابات يتحاشى حسب الصحيفة العبرية الصدام مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعني بالتوصل إلى اتفاق أمني وخفض التصعيد لأهمية أمن واستقرار سوريا للمنطقة وحتى العالم ولضغوط عربية وإسلامية عليه تدفع بهذا الاتجاه، مع الإشارة كذلك إلى سعي نتن ياهو المنهجي للتقليل من أهمية جولة المفاوضات الأخيرة بباريس، وأنها لم تؤدي إلى اختراق جدي، واقتصرت على عرض للمواقف فيما تشبه البداية الجديدة لها بعد تغيير الطاقم الإسرائيلي، بينما اعتبرها السفير الأمريكي في تركيا المبعوث إلى سوريا والمنطقة عكس ذلك وواعدة وشكلت أرضية يمكن البناء عليها للمضي قدماً نحو خفض التصعيد والأمن والهدوء على الحدود بين سوريا وفلسطين.
إذن أكدت معاريف هذا الأسبوع ما كانت قد قالته يديعوت أحرونوت الأسبوع الماضي لجهة أن نتن ياهو غير جادّ في التوصل إلى صيغة أمنية محدثة مع سوريا الجديدة وفق اتفاق فك الاشتباك بالعام 1974 بما في ذلك رفض الانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد وتحديداً قمة جبل الشيخ الاستراتيجية وذلك بحجة عدم الثقة بالقيادة الجديدة والتشكيك بقدرتها على فرض سيطرتها وسلطتها على كامل أراضي البلاد. في تناقض وانفصام غير غريب على الدولة العبرية بل يكمن في جيناتها كونها سعت منذ اليوم التالي لسقوط النظام إلى وضع العصي في دواليب القيادة ومنع نجاحها كما سيرورة نهوض واستقرار سوريا الجديدة بشكل عام.
بالسياق الإسرائيلي نلحظ أساساً في قاعدة موقف نتن ياهو نزوعاً واضحاً نحو العسكرة والحروب الأبدية وإبقاء السيف مشرعاً وعدم إعطاء الفرصة لدول الجوار لترتيب شؤونها الداخلية -ينطبق ذلك على فلسطين بالضفة الغربية وغزة- بما ينعكس إيجاباً على الأمن الإقليمي وهو ما يتعارض مع مقاربة إسرائيلية تريد بقاء التوتر مستمراً للحفاظ على هيمنتها كما لمنع استقرار الدول العربية ونهوضها.
إلى ذلك ثمة استلاب من الدولة العبرية لسياسة تقليدية تشمل الحفاظ على الواقع الراهن بالجبهات كافة لأطول فترة ممكنة وربما للأبد طالما أنه يعمل لمصلحتها.
بالسياق السوري لا بد من التذكير بأسباب وخلفيات عديدة لموقف نتن ياهو تبدأ أولاً بابتزاز قيادة الرئيس أحمد الشرع، ومراكمة الصعوبات والعراقيل ولأطول فترة ممكنة لعرقلة سيرورة ونهوض سوريا الجديدة.
سورياً أيضاً، ثمة هدف آخر لا يقل أهمية يتمثل بتشجيع الحركات والميليشيات الانفصالية على المضي قدماً في تحدي القيادة السورية حتى لو توقفت إسرائيل عن دعمهم مباشرة وبشكل فظّ سياسياً وعسكرياً وإعلامياً، بمعنى أن عدم التوصل لاتفاق أمني وبقاء إسرائيل بالأراضي المحتلة يدفع طردياً الهواء في أشرعة المشاريع الانفصالية ومواصلة المراهنة اليائسة على تل أبيب للعب دور مركزي ومؤثر في سيرورة تشكيل سوريا الجديدة.
دلّلت يديعوت على استنتاجاتها السابقة لجهة عدم جدية نتن ياهو في التوصل الى اتفاق أمني محدث إلى طبيعة الوفد الإسرائيلي المفاوض الذي ضمّ السفير بواشنطن يحيئيل ليتر وسكرتير نتن ياهو العسكري رومان غوفمان ونائب رئيس المجلس الأمن القومي جيل رايش والمنخفض نسبياً قياساً للوفدين السوري – ضمّ وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات حسين السلامة – والأمريكي ضمّ إضافة إلى باراك المبعوثين الرفيعين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير الوثيقي الصلة بترامب وملفات المنطقة وتعقيداتها.
يديعوت أشارت كذلك إلى محاولة نتن ياهو التقليل من المباحثات والادعاء أنها لا تزال في بدايتها الجديدة، ومرحلة عرض المواقف رغم انعقاد عدة جولات سابقة في باريس وغيرها، واتضاح وشق المسار والأفق العام لها المستند إلى قاعدة تحديث ما لاتفاق 1974 الأمني.
بالمقابل جاء البيان الثلاثي الصادر عن جولة المحادثات الباريسية كما توضيح السفير والمبعوث الأمريكي باراك متفائلاً لجهة تشكيل لجنة وآلية مشتركة “ميكانيزم” بمشاركة دبلوماسية وعسكرية كما يجري في لبنان وغزة بحضور ومشاركة الأردن يفترض أن تجتمع بشكل منتظم للعمل على البعد الأمني بينما يبدو الاقتصادي “كما في لبنان” مؤجلاً مع الإشارة الى ضغوط أمريكية أثمرت عن وقف الهجمات والغارات الإسرائيلية بالعمق السوري كما الدعم اللوجستي خاصة العسكرية للمشاريع والخطط الانفصالية.
في سياق إقليمي ودولي أبعد ترفض تل أبيب الحضور الروسي جنوب سوريا لتشكيل أرضية مناسبة للعودة الاتفاق الأمني رغم الاطمئنان لموقف موسكو والعلاقة الوثيقة التي تجمع نتن ياهو والرئيس فلاديمير بوتين والعلاقة الجيدة بين هذا الأخير وإدارة ترامب ومبعوثيه إلى المنطقة.
بالمقابل ثمة توجس إسرائيلي أقرب إلى الهوس تجاه الموقف التركي الداعم لسوريا الجديدة وقيادتها ووحدة وسلامة أراضيها وهو وموقف متناغم مع المواقف العربية والأمريكية والدولية ولكن ثمة شيطنة عبرية متعمدة لأنقرة ومواقفها رغم أنها ليست بصدد الانتشار بالجنوب وتعرف أن ثمة قوى أخرى فاعلة هناك مثل الأردن وروسيا وبالطبع أمريكا راعية المفاوضات التي تدعمها تركيا بما في ذلك تحديث الاتفاق الأمني وخفض التصعيد بالجنوب الذي سيرتد إيجاباً على كامل البلاد وعلى كل المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
في الأخير باختصار وتركيز ورغم عدم جدية نتن ياهو إلا أن العودة لاتفاق فك الاشتباك محدثاً والانسحاب من الأراضي السورية المحتلة بعد 8 كانون الأول ديسمبر مسألة وقت بظل سيرورة النهوض والوحدة بسوريا الجديدة والإصرار الأمريكي والعربي والدولي واستعداد رئيس الوزراء الإسرائيلي للتنازل -المصطلح مجازي كونه لا يملك أصلاً- بسوريا وغزة للحصول على مكاسب ثنائية مع أمريكا كما بالتعاطي مع الملف الإيراني باعتباره أولوية لتحقيق مكاسب داخلية ولفت الانتباه عن الممارسات الإسرائيلية الحربجية بالمنطقة.
تلفزيون سوريا
———————————
بين الكرامة والبقاء: مسار الهجري السياسي خارج عقيدة الجبل/ نزار غانم
الأحد 2026/01/18
في السياسة، ليست كل الهزائم هزائم، وليست كل المواجهات شرفاً. أحياناً، يكون الامتناع عن القتال هو عين الحكمة، ويكون القبول بخسارة آنية هو الشرط الوحيد لتفادي هزيمة استراتيجية لا يمكن التعافي منها. هذه ليست فلسفة استسلام، بل خلاصة تاريخ طويل من التجارب القاسية في هذه المنطقة، خصوصاً في تاريخ الدروز السياسي.
حين يكون امتصاص الخسارة شرطاً لتفادي الهزيمة
عندما اغتال النظام السوري كمال جنبلاط عام 1977، ثم دخلت إسرائيل إلى بيروت عام 1982 بتفاهمات واضحة مع النظام السوري، هدفها الأساسي تحطيم منظمة التحرير الفلسطينية، بموافقة عربية ودولية صريحة أو ضمنية، كان من السهل جداً – بل ومن المشروع سياسياً وأخلاقياً – أن يقول دروز لبنان إن العرب خانوهم، وإن النظام السوري البعثي عقد تسوية مع إسرائيل على حساب لبنان والقضية الفلسطينية. ولم يكن هذا القول ليكون خاطئاً في سياقه الزمني. بالعكس، كان توصيفاً دقيقاً لموازين القوى وللخيانات الكبرى التي حكمت تلك المرحلة.
لكن السؤال الحقيقي لم يكن: من خان من؟ بل: كيف تتصرف أقلية سياسية – لا عددية فقط – في لحظة انهيار إقليمي شامل؟ هل تنجرّ إلى معركة كسر عظم مع أنظمة ودول تفوقها حجماً وعدّة، أم تمتص الصدمة، وتحفظ تموضعها، وتؤجل الحساب إلى لحظة تاريخية أكثر ملاءمة؟
ما حصل لاحقاً يجيب على هذا السؤال. الانتقام من حزب البعث السوري لم يُلغَ، بل أُجّل. وجاء بعد ثلاثين عاماً، حين سقط النظام في مستنقعه الخاص، وتفككت شرعيته، وانكشف عجزه أمام شعبه والعالم. في تلك الأثناء، لم يخسر الدروز تموضعهم الوطني التاريخي في لبنان، ولم يدخلوا في مغامرة استراتيجية مع النظام السوري أو الإيراني، ولم يُدفعوا إلى مواجهة عبثية مع الأكثريات في الإقليم. هذا ليس ضعفاً، بل سياسة باردة، طويلة النفس، تعرف الفرق بين المعركة والتوقيت.
من مظلومية محقّة إلى ورقة في لعبة
من هنا، يصبح من الضروري قراءة ما يجري اليوم في السويداء، ليس من زاوية الغضب أو المظلومية فقط، بل من زاوية الاستراتيجية. ما نشهده ليس “ثورة كرامة” مكتملة الأركان، ولا تمرّداً محسوباً على نظام محاصر، بل مساراً ارتجالياً وانفعالياً يفتقد لأي أفق سياسي واضح، ويقود الطائفة الدرزية في سوريا نحو تهلكة استراتيجية حقيقية. يزداد هذا الخطر في ظل واقع جديد يتمثل في أن النظام السوري الحالي يحظى بدعم غير مسبوق إقليمياً وعربياً ودولياً، ما يجعل كلفة المواجهة المفتوحة معه أعلى بكثير مما كانت عليه في أي مرحلة سابقة.
هناك من يحاول تبرير هذا المسار تحت عناوين أخلاقية أو عاطفية: “الدفاع عن الكرامة”، “رفض الخضوع”، “الوقوف بوجه النظام”. لكن السياسة لا تُدار بالشعارات، بل بقراءة دقيقة لموازين القوى وحسابات المصالح. والسؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح هنا ليس أخلاقياً، بل سياسياً بامتياز: إلى أين يأخذ الشيخ حكمت الهجري الدروز؟ ولحساب من؟
الأكثر خطورة أن الشيخ الهجري يخوض مواجهة مباشرة مع النظام من دون أي غطاء عربي أو إقليمي أو دولي، وفي الوقت نفسه نجح – عن قصد أو عن سوء تقدير – في توحيد غالبية السوريين ضده، لا خلفه. فمن المشروع سياسياً أن تكون معارضاً للنظام الجديد، لكن الكارثي تكتيكياً هو أن تفشل في قراءة التوازنات داخل سوريا نفسها، وأن تحوّل اعتراضك إلى موقع عزلة وطنية، بدلاً من أن يكون جزءاً من معادلة ضغط أوسع.
الأدهى من ذلك أن هذا المسار يبدو وكأنه بُني على افتراض وجود دعم إسرائيلي يمكن الاتكاء عليه. لكن ما تبيّن حتى الآن أن هذا الدعم ليس سوى سراب سياسي: لا حماية حقيقية، ولا التزام طويل الأمد، ولا استعداد لتحمّل كلفة مواجهة مع النظام أو مع البيئة السورية الأوسع. إسرائيل لا تحمي أحداً إلا بقدر ما يخدم مصالحها الآنية، وعندما تنتفي هذه المصالح، يُترك “الحليف” لمصيره.
هل هناك حاجة دولية مضمرة لتحويل الجنوب السوري إلى منطقة فض اشتباك بين النفوذ التركي والنفوذ الإسرائيلي؟ ربما. المؤشرات الإقليمية لا تنفي ذلك، خصوصاً في ظل إعادة رسم خرائط النفوذ في سوريا بعد سنوات من الحرب. لكن حتى لو صحّ هذا التحليل، يبقى السؤال الأخطر: لماذا يُدخل الشيخ الهجري الدروز في بازار النفوذ الدولي والإقليمي؟ وما مصلحة الدروز في أن يكونوا ورقة تفاوض أو منطقة عازلة أو ساحة صراع بالوكالة؟
الدروز ليسوا دولة، ولا يملكون عمقاً جغرافياً أو ديموغرافياً يسمح لهم بلعب هذه الأدوار الخطيرة. تاريخهم السياسي، منذ خمسة قرون، قائم على مبدأ واحد بسيط وواضح: الحياد في الصراعات الدولية، والانحياز فقط إلى حماية الجبل وأهله. هذا التموضع لم يكن صدفة، بل خياراً استراتيجياً واعياً، وضع أسسه الأمير السيد عبدالله التنوخي، وسار عليه معظم السياسيين الدروز حتى يومنا هذا.
ما يفعله الشيخ الهجري هو نقيض هذا الإرث. إذ حوّل الدروز إلى كبش فداء في لعبة أكبر منهم بكثير. فجأة، باتوا متهمين – ظلماً ولكن واقعياً – بتحمّل مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي للجنوب السوري، وهي مسألة تفوق قدرة الدروز والدولة السورية نفسها. وفي الوقت نفسه، باتوا رهائن، أمنياً، للجيش الإسرائيلي، الذي يتحكّم عملياً بأمن المنطقة، ويملك قرار التصعيد أو التهدئة متى شاء.
بهذا المعنى، نجح الشيخ الهجري وفريقه في أمر واحد فقط: حصار أنفسهم بأنفسهم. فلا النظام السوري يبدو راغباً أو قادراً على إعادة احتواء السويداء، ولا الإقليم يرى في الدروز شريكاً استراتيجياً يمكن الاستثمار فيه، ولا المجتمع الدولي مستعد لتحمّل كلفة حمايتهم أو تبنّي قضيتهم. النتيجة واضحة: عزلة سياسية، هشاشة أمنية، واستنزاف اجتماعي واقتصادي متسارع.
الحياد كخيار وجودي: العودة إلى عقيدة الجبل السياسية
فك الحصار عن السويداء لا يبدأ بالشعارات ولا بالرهان على الخارج، بل بالعودة إلى التموضع الاستراتيجي التاريخي للدروز. الحياد ليس جبناً، بل فن البقاء. هو القدرة على قراءة موازين القوى، وعلى معرفة متى تصمت، ومتى تفاوض، ومتى ترفع السقف، ومتى تخفضه. الدروز أهل حرب وقتال، نعم، لكن المقاتل الحقيقي ليس من يطلق النار أولاً، بل من يعرف متى يطلقها، ولماذا، ومتى يتوقف.
التاريخ مليء بأمثلة عن جماعات اندفعت خلف قيادات انفعالية، فدفعت أثماناً وجودية. ما يجري اليوم يذكّر، بشكل مقلق، بمهاترات سياسية عرفها لبنان في مراحل سابقة، أبرزها تجربة الجنرال ميشال عون في نهاية الثمانينات: خطاب عصبي، مواجهة مع الجميع، رهان على الخارج، وانتهى الأمر بالهزيمة والنفي والدمار.
السويداء لا تحتمل تجربة مماثلة. الجبل ليس ساحة لتصفية حسابات إقليمية، ولا منصة لخطابات بطولية فارغة. المطلوب اليوم مراجعة شجاعة، داخلية، تعيد الاعتبار للعقل السياسي الدرزي، وتفصل بين الكرامة والانتحار، وبين المقاومة والحماقة.
التموضع الاستراتيجي ليس خيانة، بل حماية للناس. والتسوية ليست دائماً استسلاماً، بل أحياناً الطريق الوحيد للبقاء.
رحم الله من نظر فاعتبر!
المدن
————————-
سورية وإسرائيل… تطبيع من دون سلام/ حسين عبد العزيز
17 يناير 2026
أن تحصل دولة ما على استقرارها الأمني بثمن سياسي وسيادي كبير يُدفع إلى الخارج على المدى البعيد، فهذا نوع من الارتهان الاستراتيجي المحفوف بالمخاطر؛ فالسياسة والمصالح الدولية لا تقوم على التنازلات من طرف واحد، ولا على تقديم تنازلات لا يُعرف زمن الحصول على مقابلها ولا حجم هذا المقابل. صحيحٌ أن من المبكّر الحديث عن تطبيع سوري رسمي مع إسرائيل، في ظلّ الواقع المعقّد القائم بين الجانبَين، وفي ظلّ التباين الحادّ في مواقفهما، وصحيحٌ أن نصّ البيان الثلاثي المشترك الذي صدر عقب اجتماعات باريس (بين الولايات المتحدة وسورية وإسرائيل) في 6 يناير/ كانون الثاني الجاري يُخفي كثيراً ممّا لم يُذكر في منطوق البيان، إلا أن الاكتفاء بظاهر النصّ كافٍ للقول إن سورية أصبحت على استعداد للمضي في تطبيع أمني واقتصادي بوصفه مرحلةً أولى، قبيل الوصول إلى التطبيع السياسي (الاعتراف الرسمي بإسرائيل).
اتفق الطرفان على “إنشاء آلية تنسيق مشتركة لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية، تحت إشراف الولايات المتحدة”. التنسيق بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية أمر مفهوم، ومن شأنه أن يخفّض من حالة التوتّر في الجنوب السوري، ويطمئن إسرائيل مما تدّعيه بوجود تهديد أمني يأتي من جبهتها الشمالية (سورية). ولكن من غير المفهوم أن يجرى تفاهمٌ على انخراط دبلوماسي وتعاون اقتصادي بين سورية وإسرائيل من دون الاتفاق المسبق على مبدأ الوجود الإسرائيلي في سورية، سواء تعلّق الأمر بالمناطق التي سيطرت عليها إسرائيل عقب سقوط نظام الأسد، أو بالجولان المحتل. ولم يتطرّق البيان الثلاثي إلى الوجود الإسرائيلي في سورية، ولا حتى إلى الالتزامات الإسرائيلية حيال استقرار سورية وسيادتها، وإنما اكتفى بالقول إن الولايات المتحدة تؤكّد التزامها بدعم تنفيذ هذه التفاهمات جزءاً من “الجهود الأوسع نطاقاً لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط”.
ومن مفارقات هذا الاتفاق أنه جاء خارج منطق هذا النوع من التفاهمات؛ فالتهديدات الأمنية بين الدول تُحلّ عبر ترتيبات أمنية مشتركة إذا كان التهديد متبادلاً بين دولتَين، ويكون من طرف دولة ما إذا كانت هي التي تُشكّل التهديد. وفي الحالة السورية الراهنة، يكاد الأمر يكون مقلوباً، ويكاد يكون حالة استثنائية تعكس موازين القوى الاستثنائية بين الجانبَين. فبدلاً من مطالبة سورية الجانب الإسرائيلي بإنهاء حالة التوتّر والتهديد الأمني بالانسحاب من الأراضي السورية المحتلّة خطوةً أولى ضرورية لتحقيق الأمن، ثم الانتقال إلى المستوى السياسي، قدّمت سورية تنازلات سياسية واقتصادية مقدّمةً للحصول على الهدوء الأمني من إسرائيل. نحن هنا أمام حالةٍ لا يمكن وصفها إلا بأنها قلب لمنطق السياسة والاستراتيجية، وكأنّ المطلوب من سورية قسراً أن تقدّم ولاءها أولاً للحصول على الثقة الإسرائيلية. وهذه عملية زمنية طويلة، وقد تأتي بنتائج معكوسة لم تتوقّعها دمشق، خصوصاً مع عدم وجود ضامن حقيقي وحيادي يهتمّ بالمصالح السورية طرفاً موازياً للمصالح الأمنية الإسرائيلية.
ولا تنطبق هذه المواصفات على الولايات المتحدة، على الرغم من رغبتها في استقرار سورية، فهذا الاستقرار، من وجهة نظر القاموس الأميركي – الإسرائيلي، يختلف تماماً عن القاموس الوطني السوري. وواضحٌ من صيغة البيان الثلاثي أن الضغوط الأميركية انحصرت في الجانب الإسرائيلي بقبول المشاركة في اجتماعات باريس، والقبول بهذا الإطار التسووي الغامض والفضفاض. وفي الجانب السوري، شملت الضغوط الأميركية إقناع الرئيس أحمد الشرع بضرورة تقديم خطوات لبناء الثقة تتجاوز المسألة الأمنية. ولهذا السبب لم يُذكر ما يمكن تسميته “قضايا الحل النهائي”، أي مصير الجولان المحتل ومصير الوجود الإسرائيلي في سورية. قد يكون (أو على الأغلب) جرى النقاش بين الأطراف الثلاثة حول مصير الجولان، واتفاق فكّ الاشتباك (1974)، لكن عدم تضمين ذلك في البيان الختامي يعني أن من السابق لأوانه الحديث عن اتفاق رسمي، وما جرى لا يعدو تفاهمات لبناء الثقة، وهي ثقة على سورية وحدها تقديم ما يدعمها.
يخطئ صنّاع القرار في دمشق إذا اعتقدوا أن هذا المسار والتنازلات سيحقّقان لسورية أمنها وسيادتها المستقبلية. ودليل ذلك عدة معطيات؛ أولها أن الوفد الإسرائيلي كان منخفض التمثيل في مفاوضات باريس مقارنةً بالوفد السوري رفيع المستوى، إذ ضمّ الوفد الإسرائيلي سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل لايتر، المسؤول المباشر عن الملف السوري، ورومان غوفمان السكرتير العسكري لرئيس الحكومة، وغيل رايخ القائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي. فيما تمثّل الوفد السوري بوزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس الاستخبارات حسين سلامة. ثانيها، استمرار إسرائيل بتوغلاتها العسكرية البرّية في الجنوب السوري، وتعزيز نقاط سيطرتها العسكرية، قبل اجتماعات باريس وبعدها. المعطى الثالث، استمرار إسرائيل برفع مستوى مطالبها إلى حدّ عالٍ: الاحتفاظ بالجولان، وعدم الانسحاب من نقاط سيطرتها في الجنوب السوري بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، ومنطقة عازلة تمتدّ من دمشق إلى الحدود الجنوبية، وتقسيم هذه المنطقة بين ثلاثة أجزاء، على غرار نموذج “كامب ديفيد” مع مصر: نزع السلاح الثقيل، وفرض منطقة عازلة، وحظر جوي، والتدخّل العسكري الإسرائيلي في الأرض السورية إذا اقتضى الأمر هذا، ودعم السوريين الدروز في مطالبهم السياسية.
وحتى لا يكون حديثنا مجرّد ترف تحليلي بعيداً من وقائع ومضامين القوة القائمة بين الجانبَين، وما يجري في كواليس القادة من تهديدات ووعود، قد يحقق هذا المسار للسلطة السورية أهدافها الآنية، بما يسمح لها بتحييد التهديد الإسرائيلي من أجل الالتفات إلى الداخل. وربما تكون معركة حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب أحد مضامين هذه التفاهمات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وربما نشهد متغيّرات في السويداء لاحقاً كواحد من هذه التفاهمات. قد يصف بعضهم ذلك بأنه براغماتية سياسية ذكية من الشرع لإبعاد الخطر الإسرائيلي القاتل؛ فالأولوية حالياً منع انهيار الدولة السورية والعمل على إعادة بنائها الداخلي، وهذا هدف كبير في نظر كثيرين، ولكنّ من المهم التذكير، في المقابل، بأن المسألة مع إسرائيل تختلف جذرياً على المستويين السياسي (البراغماتي والوطني) الأخلاقي. فبالنسبة إلى المستوى السياسي، لن توقف إسرائيل تدخّلاتها وتهديداتها لسورية، حتى تحصل على مبتغاها الأمني الاستراتيجي، وهو هدف سيكون بالضرورة على حساب المصالح الوطنية العليا لسورية.
وقد خبرنا إسرائيل نحو 80 عاماً، لا سيّما منذ عام 1990 حين قبلت الانخراط في مفاوضات السلام مع العرب، وكانت النتيجة القضاء على الحقوق الفلسطينية، والقضاء على أيّ أمل بإنشاء دولة فلسطينية، والقضاء على أيّ أمل بإمكانية نشوء وحدة وطنية فلسطينية. وبالنسبة إلى المستوى الوطني – الأخلاقي، فإن لتحويل سورية ساحةَ أمان لإسرائيل، وإخراج سورية والشعب السوري من العباءة الوطنية والأخلاقية تجاه القضية الفلسطينية ثمناً باهظاً، وهو إضاعة لتاريخ طويل من نضال الشعب السوري تجاه فلسطين. قد يكون ثمن التخلّي عن القضية الفلسطينية مقبولاً على المستوى السوري إذا انسحبت إسرائيل من الجولان المحتل، على أن يتحوّل بعدها الدور السوري إلى داعم سياسي للقضية الفلسطينية وداعم للفلسطينيين في سورية.
ليست السياسة مهمّة سهلة؛ ذلك أن العمل السياسي يتطلّب مهارات عالية وحسابات معقّدة، وأهم هذه الحسابات هو عامل الزمن. والأولى بالدولة السورية اللعب على هذا الزمن والبحث عن مكامن القوة في الداخل السوري، والعمق العربي والإقليمي والدولي.
العربي الجديد
—————————–
العِقدة الدرزية في سوريا/ ناصر زيدان
الجمعة 2026/01/16
لا يوافق غالبية الموحدين الدروز على ما قاله الشيخ حكمت الهجري، ولا على تصريحات الوزير أيوب قرَّة، وليس هناك أي ترابط مصيري بين الدروز وإسرائيل. فهؤلاء شريحة إسلامية ينتمون الى المنطقة العربية منذ نشأة الدعوة قبل ألف عام، ويرى غالبيتهم أنهم في طليعة الأكثرية وليسوا أقلية، بينما إسرائيل دولة غاصبة لأرض الفلسطينيين، وكان يمكن أن تُنشأ في جزيرة القُرم الروسية أو في كشمير الهندية أو في أميركا الشمالية كما عرض يهودا ليب بينسكر (1821 – 1891) وهو من أبرز المنظرين لضرورة إنشاء دولة خاصة لليهود (راجع كتاب “الصندوق القومي اليهودي” وولتر رين وأوري ديفر. ترجمة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 1990. ص. 23).
ما ذكرته جريدة “واشنطن بوست” في كانون الأول/ديسمبر الماضي، وما جاء على لسان الشيخ الهجري لصحيفة “يديعوت أحرنوت” قبل أيام؛ أكد أن هناك مجموعة من الدروز السوريين تعاونوا مع جهات إسرائيلية ترغب بإحداث قلاقل في سوريا، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وطالب هؤلاء بالاستقلال واعترضوا على تولِّي الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع قيادة سوريا.
وبينما ارتكبت الإدارة الجديدة أخطاء كبيرة بحق الدروز ولم تحمِهم من هجمات المُتشددين المُتفلتين؛ كان الفريق الدرزي المذكور أعلاه يبحث عن حجج لتسويق مشروعه الانفصالي، وجاءت أحداث منتصف تموز/يوليو الأليمة لتعطي هؤلاء مُبررات لجنوحهم، لأن الارتكابات التي حصلت بحق مدنيين الدروز في السويداء؛ فاقت كل تصوُّر، واقتنع غالبية من سكان المحافظة بأنهم مُستهدفون بالإبادة، وهذا الأمر ساعد في توفير بعض الالتفاف الدرزي حول أصحاب الخيارات الانفصالية.
تسيطر على معظم بلدات جبل العرب أو (محافظة السويداء) فصائل الحرس الوطني، وبعضها اعترف بأنه تلقى مساعدات عسكرية وغير عسكرية من جهات خارجية (تحديداً من إسرائيل ومن قسد)، وعدد كبير من قيادة هذه الفصائل كانوا من كبار ضباط النظام السابق، وبطبيعة الحال؛ فإن هؤلاء يفضلون أي خيار مستقبلي يمنع الإدارة السورية الجديدة من السيطرة على المحافظة. والدروز عامةً يرفضون المواجهات الداخلية الدامية بينهم بعد مأساة العام 1711 (معركة عين دارة) التي تسبَّبت بإضعافهم وتفريقهم وتهجير قسم منهم، والمعارضون الكثيرون لسياسة الشيخ حكمت الهجري يتجنبون الصدام مع أنصاره على هذه الخلفية، لكنهم ليسوا مع خياراته اطلاقاً، وممتعضون من إقفال المعابر مع دمشق، ولا يوافقون على منع التعامل بالعملة السورية بطبعتها الجديدة، وهم مع تطبيق تفاهم 16 أيلول/سبتمبر (خريطة الطريق).
رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو يستثمر بما يجري، لكي يبتزّ الحكومة السورية من جهة، وليُغرِق بعض الدروز أكثر فأكثر بأحضانه، على اعتبار أنهم مُهددون بحياتهم من القوى الخارجة عن القانون والتي تتلقى مساندة من جهات حكومية كما يروج. لكن الإسرائيليين الذين يدَّعون الصداقة مع الدروز، هم ذاتهم الذين صادروا ما يزيد عن 60 في لمئة من أراضيهم في الجليل، وحاولوا تهجيرهم إلى السويداء في العام 1967، لكن مخططهم التهجيري انكشف، كما انكشفت مؤامرتهم لإنشاء دولة درزية تدور في فلكهم؛ وأُجهضت من قبل الزعيم الراحل كمال جنبلاط والمرحومين كمال أبو لطيف وكمال كنج أبو صالح، وبمساندة من سلطان باشا الأطرش (قائد الثورة السورية الكبرى للعام 1925). وقادة تل أبيب لا يتغافلون عن أي فرصة لدسّ السُمّ بين الشرائح العربية والإسلامية من أجل زرع بذور التفرقة والتنافر بينهم.
معظم الدروز يعيشون اليوم خارج محافظة السويداء، وخيارات المُتنفذين هناك اليوم؛ لا يمكن اعتبارها خيارات للأكثرية الدرزية التي لا تريد تكرار تجربة الانتداب الفرنسي، وعدد كبير من أهل السويداء المنكوبين لا يرغبون بأي مواجه دموية مع أشقائهم، بينما إسرائيل تتربَّص شراً بكل مَن يعارض سياستها.
وبالعموم؛ فإن أبناء الطائفة الدرزية يفتخرون بتاريخهم العربي، وبدورهم في الدفاع عن الأمة (أو الأكثرية) منذ تجاوزهم لمحنة أنطاكيا في مواجهة البيزنطيين في النصف الأول من القرن الحادي عشر، مروراً بقتالهم ضد الصليبيين الى جانب صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين عام 1187 ميلادية، ومن ثمَّ مشاركتهم الوازنة في دحر التتار بمعركة عين جالوت في العام 1260، كما تجاوزوا محناً كثيرة مثل حملة خرُّم باشا عام 1524، وحملة إبراهيم باشا عام 1585، ولم يغيروا سياستهم. ورفضهم للخيار الإسرائيلي؛ نابعٌ من ثوابت تاريخية وعقائدية، وليس بسبب عدم تمكن هذه الأخيرة من الإيفاء بوعدها لبعض المتهورين بفتح ممرّ يربط بين السويداء والجولان المحتل.
أمام الإدارة السورية مشكلات وازنة في الساحل وفي الشمال الشرقي وفي مواجهة عصابات الإجرام الداعشية؛ لكن حلّ العقدة الدرزية تبقى أولوية، وتفرض الوقائع التعاطي معها باهتمامٍٍ وعناية، وعدم محاسبة أهالي السويداء على أخطاء البعض منهم، ذلك لأن جنوب سوريا بكامله مُهدَّد بسبب هذه العقدة، وإسرائيل تتربَّص شراً لتخريب وحدة سوريا انطلاقاً من هذا الجنوب.
وهناك مجموعة من الخطوات قد تساعد على ابتكار الحلول، لعلَّ أبرزها إظهار نتائج التحقيق بالجرائم التي وقعت في تموز الماضي، ورفع كل أنواع الحصار المفروض على مدنيي المحافظة، ودفع رواتب الموظفين الحكوميين، ولا سيما المتقاعدين الذين خدموا الدولة طيلة سنوات عمرهم، وليس لهم أي ذنب بسياسة النظام السابق الاجرامية. وللخطاب السياسي المتوازن أهمية كبرى في لجم التحريض المذهبي. وعلى الإدارة معاقبة مثيري الفتنة لأي جهة انتموا.
المدن
———————————
الاشتباكات تتجدد بين “الداخلية” و”الحرس الوطني” في السويداء
وسط تقاذف الاتهام بالبدء..
تجددت الاشتباكات بين الفصائل المحلية في السويداء، وبين قوى الأمن الداخلي، التابعة لوزارة الداخلية السورية، في ريف السويداء الغربي، اليوم السبت 17 كانون الثاني.
مراسل عنب بلدي في درعا، أفاد أن الاشتباكات بين الطرفين بدأت مساء الجمعة 16 كانون الثاني، واستمرت حتى صباح اليوم السبت.
الاشتباكات تضمنت قذائف هاون، ومضادات عيار 23، وطائرات مسيرة، واقتصرت الأضرار على الماديات لدى الجانبين. بحسب المراسل.
مكتب العلاقات الإعلامية في محافظة السويداء، قال لعنب بلدي إن “المجموعات الخارجة عن القانون”، بحسب وصفه، جددت خرق وقف إطلاق النار في السويداء.
وذلك عبر استهدافها منازل المدنيين في بلدة المزرعة بريف السويداء الغربي بقذائف الهاون والمضادات عيار 23، مما أدى إلى أضرار مادية في المنازل، اليوم.
ولفت المكتب إلى أن مصدر الاستهداف، عناصر”الحرس الوطني”، التابع للرئيس الروحي لطائفة الدروز الموحدين، حكمت الهجري، المتمركزة في قرية المجدل المجاورة.
وتتكرر عمليات خرق وقف إطلاق النار من قبلهم بشكل شبه يومي، ويشتكي سكان بلدة المزرعة من تلك الخروقات مطالبين الدولة السورية ردع تلك المجموعات عبر إيجاد حلول أبرزها السيطرة على قرية المجدل وطرد المجموعات المسلحة منها، حسبما أضاف المكتب.
وتعد القرية من أبرز النقاط التي تتم منها عمليات الخرق وتجعل حياة المدنيين في بلدة المزرعة بخطر.
بالمقابل، أكد مصدران أهليان في السويداء لعنب بلدي، أن القوات الحكومية أطلقت قذيفة “هاون” بالبداية، على بلدة المزرعة، أعقبها رد من قبل قوات “الحرس الوطني”.
الأضرار اقتصرت على الماديات، حيث أصابت ملحقات قذائف “الهاون” و”شظايا” وطلقات الأسلحة الثقيلة، المنازل والسيارات، بحسب المصدرين.
مقتل عنصر في اشتباك سابق
قتل عنصر من قوات “الحرس الوطني” في السويداء، إثر تجدد الاشتباكات بين “الحرس الوطني” التابع للرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، وبين قوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية السورية، في الريف الغربي للمدينة، في 9 من كانون الثاني.
مراسل عنب بلدي في درعا، أفاد أن الاشتباكات استمرت لعدة ساعات، في محور بلدة المجدل بالريف الغربي للسويداء.
بدوره، قال حينها مدير مكتب العلاقات العامة في محافظة السويداء، قتيبة عزام، لعنب بلدي، إن الاشتباكات بين الطرفين بدأت عند ساعات فجر ذاك اليوم، على محور بلدة المجدل وسرية النقل في ريف السويداء الغربي.
حصيلة الاشتباكات هي قتيل وعدد من الجرحى في صفوف “الحرس الوطني”، بالمقابل لا توجد إصابات أو قتلى في صفوف الأمن الداخلي، حسبما أوضح عزام.
من جانبه، مصدر أهلي في السويداء، أفاد عنب بلدي أن قوى الأمن الداخلي بدأت بإطلاق قذائف هاون على الجانب المقابل لها في ريف السويداء.
وأكد مقتل عنصر من قوى “الحرس الوطني”، وإصابة عنصر، إثر إطلاق القذائف، وبعدها بدأت الاشتباكات بين الجانبين باستخدام الرشاشات الثقيلة، بحسب المصدر.
في حين أصدر “الحرس الوطني”، بيانًا حينها، اتهم فيه قوات الحكومة السورية بتنفيذ سلسلة من الخروقات الميدانية، شملت إطلاق قذائف هاون ورمايات من رشاشات ثقيلة عيار 23 مم من جهة بلدة المنصورة باتجاه المحور الشمالي الغربي للمدينة، إضافة إلى استخدام أسلحة القنص، ما أسفر عن مقتل أحد عناصره.
عنب بلدي
———————————
الاحتلال الإسرائيلي يتوغل مجددا بريف درعا جنوبي سوريا
توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم السبت، في محيط قريتي معرية وعابدين الواقعتين بمنطقة حوض اليرموك في الريف الغربي لمحافظة درعا جنوبي سوريا، وفق ما أفادت وكالة الأنباء السورية (سانا).
ونقلت الوكالة عن رئيس بلدية عابدين ومعرية موفق محمود، أن قوة للاحتلال مؤلفة من 20 جنديا و3 سيارات “هاي لوكس”، وسيارة جيب عسكرية، تمركزت في المنطقة الواقعة بين القريتين صباحا ثم انسحبت.
وكانت قوة من الاحتلال قد توغلت أمس الجمعة، في قريتي عين الزيوان وسويسة في ريف القنيطرة الجنوبي، ضمن سلسلة توغلات دأب عليها الجيش الإسرائيلي منذ إطاحة نظام المخلوع بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
يأتي ذلك رغم اتفاق سوريا وإسرائيل، في 6 يناير/كانون الثاني الجاري، على تشكيل آلية اتصال مشتركة بإشراف أميركي، لتنسيق تبادل المعلومات وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية، بحسب بيان ثلاثي عقب مباحثات بباريس.
تواصل الخروقات
وتواصل إسرائيل خرقها اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974 عبر التوغّل في الجنوب السوري، والاعتداء على المواطنين.
وتطالب سوريا باستمرار بخروج قوات الاحتلال الإسرائيلي من أراضيها، مؤكدةً أن جميع الإجراءات التي تتخذها إسرائيل في الجنوب السوري باطلة ولاغية، ولا يترتّب عليها أي أثر قانوني وفقا للقانون الدولي.
كما دعت دمشق المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بمسؤولياته وردع ممارسات الاحتلال، وإلزامه بالانسحاب الكامل من الجنوب السوري والعودة إلى اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974.
ومنذ عام 1967 تحتل إسرائيل معظم مساحة هضبة الجولان السورية، واستغلت أحداث الإطاحة بنظام بشار الأسد، وأعلنت انهيار اتفاقية فض الاشتباك، واحتلت المنطقة السورية العازلة.
ورغم أن الحكومة السورية لا تشكل تهديدا لتل أبيب، فإن الجيش الإسرائيلي شن غارات جوية قتلت مدنيين ودمرت مواقع وآليات عسكرية وأسلحة وذخائر تابعة للجيش السوري.
إعلان
المصدر: وكالات
———————————
مسؤول عمليات حفظ السلام بعد زيارة لسوريا ولبنان: إسرائيل لا تلتزم باتفاقيات جنوب لبنان أو الجولان/ عبد الحميد صيام
الأمم المتحدة- “القدس العربي”: قدّم جان-بيير لاكروا، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، إحاطة حول نتائج جولته الأخيرة إلى الشرق الأوسط، تناول فيها أوضاع بعثات حفظ السلام الأممية في المنطقة، لا سيما في لبنان وسوريا وقطاع غزة، في سياق أمني وصفه بالمليء بالتحديات، وبالتوازي مع ضغوط مالية تواجه عمليات الأمم المتحدة نتيجة عدم السداد الكامل من بعض الدول المساهمة.
واستهل لاكروا إحاطته بالإشارة إلى أن زيارته شملت لقاءات مع مسؤولي بعثات الأمم المتحدة وقادة ميدانيين، إضافة إلى اجتماعات مع سلطات رسمية وشركاء إقليميين، بهدف تقييم تنفيذ ولايات حفظ السلام في ظل أوضاع أمنية متقلبة وقيود مالية متزايدة.
وفي ما يتعلق بلبنان، أكد لاكروا أن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) تواصل دعمها للجيش اللبناني في جهوده لإعادة بسط سيطرة الدولة في جنوب البلاد، وفي العمل المتصل بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701 (2006). وأوضح أن هذا الدعم يتم في سياق وصفه بـ”الصعب والمعقّد”، مشيرًا إلى أن القيود المالية الناتجة عن خطط الترشيد المفروضة على عمليات حفظ السلام أثّرت على وتيرة بعض الأنشطة، بما في ذلك تقليص عدد الدوريات في بعض المناطق.
ورغم ذلك، أشاد لاكروا بقدرة اليونيفيل على التكيّف مع هذه القيود من خلال الابتكار وتغيير أساليب العمل، معتبرًا أن البعثة نجحت إلى حد كبير في التخفيف من آثار التخفيضات المالية على تنفيذ ولايتها الأساسية. ولفت إلى أن الأمر ذاته ينطبق على قوة الأمم المتحدة لمراقبة فضّ الاشتباك (أندوف) في الجولان السوري المحتل، التي تمكنت من تنفيذ خططها التشغيلية ضمن الإمكانات المتاحة.
وفي السياق الأمني، حذّر وكيل الأمين العام من أن البيئة التي تعمل فيها قوات حفظ السلام أصبحت أكثر خطورة، موضحًا أن أفراد البعثات يواجهون أحيانًا قيودًا على الحركة أو حوادث ميدانية. وقال إن العلاقة بين اليونيفيل والمجتمعات المحلية في جنوب لبنان “جيدة عمومًا”، إلا أنه أعرب عن قلق خاص إزاء تزايد عدد الحوادث التي تعرّض فيها أفراد حفظ السلام لمخاطر ناجمة عن أنشطة عسكرية إسرائيلية، مؤكدًا أنه أثار هذه المسألة خلال لقاءاته مع المسؤولين الإسرائيليين، ودعا إلى اتخاذ إجراءات تحول دون تكرار مثل هذه الحوادث.
وأضاف أن هذه الوقائع تشكل خطرًا مباشرًا على سلامة قوات حفظ السلام، مشددًا على أن مسؤولية ضمان أمنهم تقع على عاتق جميع الأطراف، وأن تعريض حياة أفراد الأمم المتحدة للخطر “ليس في مصلحة أي طرف”.
وأشار لاكروا إلى أن مجلس الأمن طلب من الأمين العام إعداد خيارات بشأن شكل الدعم الأممي لتنفيذ القرار 1701 في مرحلة ما بعد اليونيفيل، موضحًا أن العمل جارٍ على إعداد هذه الخيارات بالتشاور مع السلطات اللبنانية، بوصفها الدولة المضيفة، ومع الأطراف المعنية الأخرى. وبيّن أن التقرير المقرر رفعه إلى مجلس الأمن يجب أن يُقدَّم قبل الأول من يونيو/ حزيران المقبل.
وخلال زيارته لجنوب لبنان، قال لاكروا إنه اطّلع ميدانيًا على حجم الدمار الواسع في القرى الواقعة قرب الخط الأزرق، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من المدنيين لم يتمكنوا بعد من العودة إلى منازلهم. واعتبر أن استمرار هذا الوضع يؤثر سلبًا على المجتمعات المحلية، ويزيد من تعقيدات جهود إعادة التأهيل وإعادة الإعمار.
أما في سوريا، فتطرق لاكروا إلى عمل قوة الأمم المتحدة لفضّ الاشتباك “أندوف” في الجولان، موضحًا أن ولايتها جُدّدت مؤخرًا بإجماع مجلس الأمن، وأنها تحظى بدعم قوي من الدول الأعضاء ومن السلطات المضيفة. لكنه أشار إلى أن الوضع الميداني تغيّر بشكل ملحوظ منذ دخول قوات إسرائيلية إلى منطقة الفصل، حيث توجد حاليًا عدة مواقع عسكرية إسرائيلية في منطقة يُفترض أن تكون منزوعة السلاح، ما أوجد بيئة تشغيلية مختلفة للبعثة الأممية.
وأوضح أن وجود هذه القوات له تأثيرات على عمل حفظ السلام وعلى السكان المحليين، لافتًا إلى أن الأمم المتحدة تتلقى شكاوى من المدنيين بشأن بعض التداعيات اليومية، وتعمل من خلال قنوات الاتصال مع الجيش الإسرائيلي على معالجة هذه القضايا، بما في ذلك السعي لإعادة ممتلكات أو الإفراج عن أشخاص في بعض الحالات.
وأكد لاكروا أن الهدف النهائي للأمم المتحدة يبقى العودة إلى التطبيق الكامل لاتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974 بين سوريا وإسرائيل، بحيث تكون “أندوف” القوة العسكرية الوحيدة في منطقة الفصل، مع احترام جميع بنود الاتفاق. وأشار في هذا السياق إلى أن الاتصالات الجارية بين دمشق وتل أبيب بوساطة الولايات المتحدة تُعدّ تطورًا إيجابيًا، رغم أن الطريق لا يزال طويلًا.
وفيما يخص غزة، أشار لاكروا إلى أن دائرة عمليات السلام تشرف أيضًا على أنشطة دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام (UNMAS) في القطاع، إضافة إلى الضفة الغربية. وقال إنه ناقش مع الجهات المانحة أهمية دعم هذه الأنشطة، ولا سيما في ظل التحديات المرتبطة بوقف إطلاق النار، والحاجة إلى تسهيل إدخال المعدات ومنح التأشيرات اللازمة للعاملين الأمميين.
وفي ختام الإحاطة، شدد وكيل الأمين العام على أن بعثات حفظ السلام، رغم القيود المالية والتحديات الأمنية، تواصل أداء ولاياتها بأقصى ما تسمح به الإمكانات، داعيًا الدول الأعضاء إلى الوفاء بالتزاماتها المالية، ومؤكدًا أن حماية المدنيين ودعم الاستقرار الإقليمي يظلان في صلب عمل الأمم المتحدة في الشرق الأوسط.
————————
===========================



