ازدواجية الخطاب ليست طريقاً سليماً إلى المستقبل/ حسام جزماتي

2026.01.26
لتحليل كثير من الظواهر الراهنة في سوريا نحتاج إلى العودة إلى المرحلة المؤسِّسة، أيام معركة “ردع العدوان”، التي انتهت بسقوط بشار الأسد، وشهر أو اثنين قبل ذلك وبعده.
قبيل هذه الحملة الفاصلة كانت المناطق المحررة، سواء في إدلب أو في شمالي حلب، قد استنقعت في سنوات من انسداد الأفق، كانت معزولة إلى حد كبير، تعاني الشعور بالترك والإهمال وفقدان الأمل المستند إلى معطيات واقعية وعدم القدرة على رؤية ملامح مستقبل، فضلاً عن ارتفاع نسبة الفقر وقلة فرص العمل وضعف مردوده.
وكانت ثقافة المجتمعات المحلية تتوزع على سلّم متدرج من التدين، أعلاه السلفية الجهادية وأدناه إطلاق اللحى بدوافع تتراوح بين الإهمال وبين التمرّد وبين التمسّك المظهري بالدين من دون التزام حقيقي.
وبينهما درجات مختلفة من التوجهات الإسلامية أو المحافظة، يجمع بينها استفحال في النزعة الذكورية وتفاقم في الحس الطائفي، إذ كان من المألوف الإشارة إلى العدو، الذي قتل وهجّر ويحاصر ويقصف، على أنه الجيش “النصيري” وحلفاؤه من الميليشيات “الرافضية”، وكانت مشاعر الكراهية لا تقف عند هؤلاء بل تتعداهم، بفعل الشعور بالخذلان، إلى مجتمعات أوسع، أقلوية أو حتى من المدن الأكثروية المتجاهِلة.
ثم اندلعت المعركة على يد من تبقى لديهم شيء من أمل في تحرير جزء من الريف المحيط وإبعاد آلة القصف، فانهارت أمامهم دفاعات النظام كأحجار الدومينو، ووجدوا أنفسهم يدخلون حلب بطاقة فتية واعدة أدت إلى السيطرة الخاطفة على حماة ثم حمص.
وفي هذه المرحلة بدا الطريق إلى العاصمة متاحاً، وكان العالم قد التفت إلى ما يجري، وصار احتمال سقوط الأسد مطروحاً على الطاولة بل هو الأرجح، صحيح أن القوة الفاعلة في ذلك، “هيئة تحرير الشام” على رأس حلف فصائلي، ليست الخيار الأمثل للدول لكنها كانت على وشك فرض أمر واقع لا ينقصه سوى المباركة الخارجية الحاسمة التي اشترطت أمرين: المحافظة على مؤسسات الدولة ومنع اندلاع فوضى ستؤدي، وفق معطيات الصراع السوري، إلى مجازر طائفية انتقامية كانت الحيلولة دون وقوعها هي الشرط الثاني.
في تلك المرحلة تلاحقت البيانات عن “إدارة الشؤون السياسية”، التي أصبحت وزارة الخارجية الآن، لتطمئن الجميع في الخارج والداخل، وصدرت عن “«إدارة العمليات العسكرية”، التي أصبحت الرئاسة الآن، تعليمات متكررة للمقاتلين بأقصى درجات الانضباط تجاه المدنيين، وشاعت كلمات العفو وأن ما يجري “نصر دون ثأر”.
وحين وصلت إلى دمشق حرصت على حماية الجهات العامة واصطحبت وزراءها في “حكومة الإنقاذ” ليحلوا، فوراً، مكان حكومة النظام تجنباً لحصول فراغ في الإدارات، وهكذا استطاعت السلطة الجديدة نيل الاعتراف المتتالي والمتصاعد.
بين هذين المسارين، العقلية التي انطلقت منها الفصائل وتمثيلاتها المدنية وحاضنتها الشعبية، ومسؤولية المحافظة على الدولة لا بل إعادة بنائها بمعايير حديثة، هوة عميقة لم تنفع في ردمها عشرة أيام من معركة أدارت رؤوس القادة والعناصر الذين تفهّموا متطلبات الزيّ الجديد أمام العالم قبل أن يستنتجوا أن المسافة المطلوبة أوسع من تلك التي قطعوها بالانتقال من بدلاتهم العسكرية المتعددة إلى لباس موحد باسم “وزارة الدفاع”، أو إلى أطقم غربية وربطات عنق.
كان التناقض مكيناً، إذ لا تستند الأرضية العميقة إلى سنوات العزلة فقط، ولا إلى أعوام الثورة وحدها، بل إلى إرث ثقافي واجتماعي وجد فرصته للنمو بلا رقيب، ثم إلى الانتصار الذي ضاعف الزهو. وتقف هذه الذهنية على كتب ودورات وتعاليم وحرّاس شرعيين وتقاليد راسخة، أمّا متطلبات “الدولة”، والتي يسفحها الممثلون الخارجيون من دون حساب في كل سفرياتهم وتصريحاتهم وتعهداتهم، فتحيل إلى سلوكات غريبة مختلفة تماماً.
ولما كانت السرعة مطلوبة كان الحل الإسعافي هو ازدواج الخطاب، فقد يلقي القائد في جنده، قبيل معركة داخلية، كلمة تذكّرهم بالجهاد، لكنه يستخدم “بسط سيطرة الدولة” حين يصرّح للإعلام، يعبّر العناصر، في بيتهم الداخلي مترامي الأطراف، عن بغضهم للمكونات الطائفية والقومية، لكنهم يحاولون أن يتعلموا مصطلحات “سياسية” للتعبير عن ذلك مثل “الفلول” أو “الانفصاليين” أو “عملاء إسرائيل”.
ومعركة وراء معركة قل استعمالهم لكاميرات موبايلاتهم الخاصة لتصوير انتهاكاتهم الشخصية أو قل توزيعهم لها، فقد علموا أن ذلك لا يضر بسمعة “الدولة” فقط بل قد يدفعها إلى التضحية ببعضهم كبش فداء، تنسب إليه التجاوزات وتقدّمه للمحاكمة.
انسحب هذا على معظم مسؤولي الحكومة ما لم يكن عملهم في قطاع لا يتطلب الخطاب أصلاً، كإصلاح تمديدات المياه ونصب أعمدة الكهرباء، لكن ضخامة هذه البنية، وقلة اهتمامها، فتحا المجال لعدد كبير من زلات اللسان والتسريبات والتصريحات والقرارات التي تلغى بسرعة، وتشفّ كلها عن البطانة السميكة التي تضيق بالواجهة الدولتية المطلوبة.
وفي حين يتغاضى الخارج عن هذه التناقضات مصرّاً، بمعظمه، على تصديق التبريرات والتصويبات والتعديلات سعياً وراء إنجاح التجربة، انقسم الداخل، حسب انتمائه الأهلي، بين من فقد الثقة بالحكومة وذهب بعيداً في اتهامه لها، وبين متواطئ معها “يتفهم” الدوافع التي تحملها على هذا السلوك المزدوج ولا يمانع من لعب دوره فيه إن لزم، مصرّحاً أنّ كل السوريين أهل وإخوة متساوون على الشاشات، كاشفاً عن أنيابه إذا خلا إلى شيطانه على مواقع التواصل الاجتماعي.
تلفزيون سوريا



