التشاركية في سوريا بين الموضوعي والذاتي/ غسان المفلح

يناير 18, 2026
الإعلان الدستوري الانتقالي الذي صدر في دمشق في 13 آذار/ مارس 2025، يحدد مدة المرحلة الانتقالية في البلاد بـ 5 سنوات. كان لي موقف رافض لما ورد في المادة الثالثة التي تنص على أن دين رئيس الجمهورية الإسلام، هذا تمييز ضد المواطن السوري المسيحي. هذا الرفض يطال المادة الأولى التي تنص على اسم الجمهورية.
أرى من المناسب أن يكون اسمها الدولة السورية. لنتحدث انطلاقا من هذه المقدمة عن مفهوم التشاركية المطروح من قبل القوى المعارضة للسلطة الحالية، المسلح منها وغير المسلح، بعيدا عن الاستقطاب الحاد في اللوحة السورية، علينا أن نناقش الوضع السوري بهدوء.
في قضية التشاركية لا يوجد وصفة جاهزة لكل الدول. لكل دولة خصوصيتها وظروفها. كل دولة فيها قوى سياسية ومصلحية مختلفة عن الدول الأخرى. القصة ليست تنظيرا حول مفهوم التشاركية السياسية والمجتمعية. السوريون أغرقوا هذا المفهوم بحثا نظريا، لكن الحقيقة لم أجد من قارب الموضوع انطلاقا من القوى القائمة على الأرض. كانت محاولات قليلة جدا تلك التي قاربت الموضوع سوريا.
الواقع الموضوعي الذي تكشف بعد اليوم الأول للتحرير، قوى أمر واقع مسلحة لها مطالب تخص القائمين عليها، تحت شعار التشاركية أو شعارات أخرى، قوى لديها علاقات داخلية وخارجية تخصها وحدها، بمعنى: لكل قوة من هذه القوى وزارة خارجيتها واتصالاتها السرية وتمويلاتها الخاصة! هذه القوى في الحقيقة لا تملك من قرارها شيئا أمام القوى الخارجية التي تدعمها أو تمولها.
ظهر لدينا ثلاث دول أميركا وتركيا وإسرائيل، إضافة لدول أخرى أقل تأثيرا. هذه الدول الثلاث حتى اللحظة ليس لديها سيناريو موحد لمساعدة الشعب السوري في مرحلته الانتقالية من تركة سوداء مثقلة بالخراب والفقر واللاعدالة والسلاح المنفلت. السلطة في دمشق كانت الطرف الأكثر شرعية من كل هذه القوى داخليا وخارجيا. لهذا أسبابه التي يطول الحديث فيها.
موضوعيا، وانطلاقا مما تقدم وجدت السلطة في دمشق نفسها أمام مرحلة انتقالية معقدة التفاصيل ولوحتها الخارجية ليست بمتناول هذه السلطة. رغم كل ما حصلت عليه السلطة من دعم خارجي وكانت حمولتها الدولية واضحة. لكنها رغم ذلك كانت حمولة تقف عند حد استمرارها اللعب بالملف الداخلي.
فلول الأسد في مناطق السوريين العلويين أعلنت أنها تريد عفوا عاما منذ الأسبوع الأول. هذا مطلب لا يمكن لأي سلطة مهما كانت عقيدتها أن توافق عليه. مع ذلك حاولت هذه السلطة أن تتعامل بطريقة أهلية ارتجالية من خلال”اذهبوا فأنتم الطلقاء”. خلال شهرين أو ثلاثة، الطلقاء أعادوا تنظيم أنفسهم، وقاموا بانقلابهم في منطقة الساحل وريفه.
كيف يمكن بناء التشاركية مع هذا الطرف؟ كي نكون أكثر وضوحا، حتى الآن لا تزال بعض مناطق العلويين تخاف من هؤلاء. موضوعيا لا يمكن لأي سلطة أن توافق على التشاركية مع هؤلاء. أيضا مهما كانت عقيدتها. هذا ينطبق أيضا على فصائل السويداء وقسد وفصائل تركيا.
هل هذه القوى تطرح فعلا تشاركية أم حضورا سياديا في البلد؟ هنا بالضبط تكمن المشكلة التي لا يريد كثير من النخب رؤيتها. ما هو شكل الحضور السيادي المطروح؟ أن يبقى لدى كل قوة وزارة خارجية ووزارة دفاع ووزارة داخلية خاصة بها! هنا يكمن أهم عامل في عرقلة الانتقال. هذه ليست تشاركية.
من جهة أخرى لابد من مناقشة قضية بالغة الحساسية لهذه النخب. هي قضية عودة سوريا إلى ما يمكننا تسميته “الدولة العادية” وليس بقاءها كدولة شاذة. هذا ما أريد توضيحه أيضا.
في سوريا هنالك أكثرية سكانية سنية وعربية سنية، وهنالك أقليات سكانية دينية: مسيحون، يهود، يزيديون. هنالك أقليات طائفية: علويون، دروز، إسماعليون، جعفريون. هنالك أقليات إثنية سكانيا، أكبرها الكرد ثم التركمان والآشوريين والشركس والأرمن. هذا التنوع الغني والذي يجب أن تحمى حقوقه دستوريا، لا يعني أن تكون هنالك في سلك الجيش أكثرية الضباط من طائفة واحدة من هذه الأقليات، أو لضباطها وضعا سياديا، هذه ليست تشاركية.
من الطبيعي، وفي أي دولة طبيعية مشابهة لسوريا، أن يكون أكثرية الضباط سنة أو عربا سنة. هذه لا تأتي بقرار من سلطة ما، لكنها طبيعة الأمور. أيضا هذا ينسحب على غالبية مؤسسات الدولة. التشاركية في مؤسسة الجيش لا تعني المساواة العددية، أو لا تعني السيادة التمثيلية بقوة السياسة. سأضرب مثالا: قسد لو تم تسريح المكون العربي منها، سنجد أنها تحولت إلى كتلة عسكرية صغيرة. لأن العدد السكاني للكرد لا يتيح كما أتاح العدد في كردستان العراق مثلا.
فصائل السويداء أيضا: تعداد الطائفة الدرزية في كل سوريا، لا يتجاوز مليونا و200 ألف نسمة. فكم سيكون تعداد هذه الفصائل؟ من الطبيعي أن تكون النسب في أية مؤسسة تعكس التوزع السكاني في الدولة، وأشدد: “دون تدخل سياسي من السلطة”. الشاذ هو العكس. غالبية من يدعو للتشاركية يريدون نسف الوضعية الطبيعية للدولة. لهذا تطرح هذه الفصائل وعلى رأسها قسد حتى اللحظة ما يلي: أحتفظ بكتلتي العسكرية وأشاركك وزارة الدفاع السورية. في أي قاموس دولتي تأتي هذه الترويسة؟
هذه النقطة الواقع بعد التحرير تجاوزها، لأن البلد تعود لوضعها الطبيعي. ما يمكننا طرحه في تجاوز هذا الأمر هو مفهوم المواطنة. المواطن بوصفه هيئة اعتبارية لا صفة لها سوى أنها سورية. عندها فقط يكون التشارك بناء على هذا المعطى. ربما نجد لاحقا غالبية أبناء الطائفة العلوية يعودون للجيش بوصفهم مواطنين سوريين، وليس بوصفهم نتاج وضع سياسي شاذ أو قرار سلطوي طائفي.
السلطة الحالية لم تجبر شباب”السنة” على التطوع في الجيش والأمن. لم تطرح معادلة الترغيب والترهيب. لم تطرح عليهم رشوة تمييزية ما مقارنة ببقية شباب سوريا. من الطبيعي الآن أن نرى أن أكثرية موظفي الدولة من الأكثرية السكانية، دون إجبار ودون قرار سياسي، أو استثمار طائفي كما كان في عهد الأسد.
هذه المسألة تحتاج إلى مزيد من الحوار السوري-السوري. لهذا، طرح قضية التشاركية يجب أن يكون في سياق عودة الدولة لطبيعتها. دولة قانون ومواطنة وحقوق إنسان. بأي تشاركية تطالب وأنت تطرح فيدرالية طائفية؟
سوريا الآن تحتاج لمفاهيم خاصة بها، وتجربتها وتفاصيلها المنسية في الحقيقة أمام هذا الاستقطاب والتخندق، الهادف لإعادة عقارب الساعة للخلف بشتى “الفبركات” الشعاراتية. التشاركية الفعلية تكون بقانون أحزاب ونظام ديمقراطي فقط، ولامركزية جغرافية. هذه عناوين أزعم أنها تصلح لسوريا الآن، على المعارضة أن تجتمع حولها، وتناضل من أجلها.
الثورة السورية



