سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

الصمت السوري.. موقف واعٍ في مواجهة الضجيج العام/ وفاء علوش

 

2026.01.21

يبدو الصمت في المشهد السوري الراهن ظاهرةً لافتة بقدر ما هو مُساء فهمها؛ فقد اختارت شريحة واسعة من السوريين الانسحاب من النقاش العام، لا هروبًا من المواجهة، ولا نتيجة لخوف أو حياد، بل كموقف واعٍ اتُّخذ عن قناعة، في سياق سياسي وإعلامي واجتماعي بات شديد الاستقطاب، ومفتقرًا إلى الحدّ الأدنى من شروط النقاش العقلاني.

يمكن فهم هذه الظاهرة بوصفها ردًّا على واقع يُفرض فيه الكلام ضمن قوالب جاهزة، وتُختزل فيه المواقف في ثنائيات حادّة، وتُمارَس فيه ضغوط معنوية وأخلاقية على الأفراد لإعلان اصطفاف واضح، لا يعبّر بالضرورة عن تعقيد تجاربهم أو مواقفهم الفعلية.

إن أحد التحوّلات الأساسية في المجال العام السوري هو انتقال النقاش من تبادل الآراء إلى فرضها. وفي هذا السياق، لم يعد الصمت غيابًا عن النقاش، بل رفضًا لشروطه؛ إذ أدرك كثيرون أن المشاركة في هذا النوع من الخطاب لا تفتح أفقًا للفهم، بل تعيد إنتاج الانقسام نفسه، وتفرض على المتكلم أن يختار لغة لا تشبهه، أو موقفًا لا يعبّر عنه بدقة، فكان الامتناع عن الانخراط في لعبة لغوية مشوَّهة.

إن الأصوات الأكثر حضورًا اليوم في الفضاء السوري تعتمد خطابًا حادًّا تعبويًا وإقصائيًا، يهدف إلى التشويش أكثر مما يهدف إلى التوضيح، ما يجعلنا أمام ضجّة سياسية وإعلامية لا تعكس بالضرورة اتجاهًا عامًا، لكنها تُنتج وهمًا واسع الانتشار بأن المجتمع منقسم فقط بين هذه الأصوات المتقابلة، وأن ما عداها إمّا متواطئ أو غير موجود.

لكن ذلك يجافي الواقع إلى حدّ كبير؛ فالشريحة الصامتة تمثّل كتلة اجتماعية واسعة، متنوّعة في مواقفها، لكنها تشترك في رفضها للغة السائدة، وفي شعورها بأن النقاش العام بات غير قادر على استيعاب التعقيد السوري، وبات غير معنيّ إلى حدّ كبير برأي السوريين البسطاء، وأحلام المهجّرين، وذوي الضحايا.

يبدو الصمت اليوم فعلًا سياسيًا غير مُعلن، على الرغم من أنه لا يُقدَّم عادةً على هذا النحو، إلا أنه في السياق السوري يحمل بُعدًا سياسيًا واضحًا؛ فهو ليس موقفًا سلبيًا، بل فعل امتناع عن المشاركة في إعادة إنتاج خطاب يرى كثيرون أنه بات جزءًا من المشكلة، لا من الحل.

لا يعني ذلك انعدام الرأي، بل غالبًا العكس؛ فهو نتيجة لتراكم معرفي وتجريبي، أوصل أصحابه إلى قناعة بأن التعبير ضمن الصيغة الحالية لا يخدم الحقيقة، ولا يسهم في تغيير فعلي، بل يُستخدم وقودًا لمعارك رمزية لا تنتهي، ليتحوّل إلى نوع من المقاومة الهادئة للابتذال، ولتحويل المأساة السورية إلى مادة للخطابة أو الاستثمار السياسي.

تلعب البيئة الرقمية دورًا مركزيًا في تعزيز أهمية هذا الصمت؛ فالخوارزميات تكافئ المحتوى الاستفزازي لا التحليلي، وتمنح الانتشار للأكثر حدّة لا للأكثر دقّة، وفي مثل هذا المناخ، يصبح الصوت المتزن عبئًا على نفسه، في حين يتحوّل الصراخ إلى عملة رائجة، ليغدو الصمت موقفًا فكريًا، واستجابة واقعية لبنية إعلامية منحازة لتعزيز التناحر والانقسام.

لفترة طويلة، كان الصمت في سوريا مرتبطًا بشكل مباشر بالقمع السياسي، والاستجابة للخوف، أو نتيجةً لميزان قوة غير متكافئ. وعلى الرغم من التغيّر الحاصل اليوم، فإن الجوهر لم يتبدّل بالكامل؛ إذ لم يعد القمع حكرًا على السلطة السياسية، بل انتقل جزئيًا إلى الفضاء الاجتماعي والإعلامي، حيث تمارسه أصوات ظاهرة ومتصدّرة المشهد، من اتجاهات مختلفة، تدّعي امتلاك الحقيقة الأخلاقية أو السياسية، وتتعامل مع أي اختلاف بوصفه تهديدًا لا وجهة نظر.

لا يستخدم هذا القمع الجديد أدوات المنع أو السجن، بل يحارب عبر النبذ، والتشهير، والتخوين، والإقصاء الرمزي. إنه قمع أفقي لا عمودي، يمارسه المجتمع ضد أفراده، لا الدولة ضد مواطنيها؛ لا يحتاج إلى قرار رسمي، بل إلى إجماع صاخب، يُنتج مناخًا ضاغطًا يجعل الاختلاف مكلفًا، حتى في غياب أي عقوبة قانونية.

في هذا السياق، لا يصبح الصمت ردّ فعل على الضجيج فحسب، بل رفض لهذا الشكل الجديد من الإكراه، ورفض لأن يُملى على الأفراد ما يجب أن يعتقدوه، وكيف يعبّروا عنه، ومتى يصمتوا. لكن استمرار حالة الصمت يسمح باستباحة الصوت العام، ويترك المجال العام في يد فئة معيّنة تحتكره، وتتصرف باسمه وكأنها الممثّل الوحيد.

انطلاقًا من ذلك، من المرجّح أن الصمت السوري ليس حالة نهائية، بل مرحلة مؤقتة بعد تعب، ورغبة في المراجعة وإعادة التقييم؛ إذ توجد أصوات كثيرة تنتظر لحظة يصبح فيها الكلام ممكنًا من دون تشويه، ومن دون ابتزاز أخلاقي، وتحويل كل رأي إلى سلاح. لكن كسر الصمت يبقى مرهونًا بتغيّر شروط النقاش، وسكون حالة التجاذبات؛ وإلا سيبقى الفضاء العام محتكَرًا من أصوات الجعجعة، وستبقى الأغلبية حاضرة في الواقع، غائبة عن التمثيل.

إن الصمت الذي نراه اليوم ليس علامة ضعف، بل مؤشرًا على خلل بنيوي في المجال العام. وإذا كان من درس يمكن استخلاصه، فهو أن المجتمعات لا تصمت عبثًا، بل تفعل ذلك حين تفقد ثقتها باللغة المتداولة. وفي المحصلة، لا يمكن قراءة الصمت السوري بوصفه فراغًا سياسيًا، بل بوصفه فراغًا في التمثيل.

إن هذا الصمت لا يعني غياب الوعي، بل غياب القنوات التي تسمح لهذا الوعي أن يُعبَّر عنه من دون أن يُشوَّه أو يُستغل. فما نشهده اليوم ليس انسحاب المجتمع من السياسة، بل انسحاب السياسة من المجتمع، وتحولها إلى مجال ضيّق تحتكره أصوات مرتفعة، متصارعة، ومتشابهة في بنيتها الإقصائية، مهما اختلفت شعاراتها.

فالأصوات التي تهيمن حاليًا على المشهد، من مختلف الجهات، تمارس ضجيجًا أكثر مما تمارس فعلًا سياسيًا؛ هي أصوات تجيد التعبئة، لكنها عاجزة عن التمثيل؛ تجيد التشويش، لكنها لا تنتج أفقًا. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الصمت موقفًا عقلانيًا، لا لأنه الحل الأفضل، بل لأنه الخيار الأقل سوءًا في لحظة مختنقة.

قد يصبح الصمت في هذا السياق ضرورةً أكثر مما هو حاجة أو موقف؛ فنحن في الغالب لم نعد نسمع بعضنا بعضًا في خضم هذا الضجيج المتناثر بيننا، وتبدو ضرورته أكبر حين نعترف بأننا بحاجة إلى وقفة مع ذواتنا، وإعادة قراءة حكاياتنا وسردياتنا، والاستماع — بوصفه فعلًا — لمن لا يملكون صوتًا ضمن كل هذه الأصوات المرتفعة وغير المجدية.

لكن استمرار هذا الصمت، مهما كان مفهومًا، لا يمكن أن يكون بديلًا دائمًا عن العمل السياسي؛ لأنه يسلب الإرادة العامة من فئات لا تعبّر إلا عن نفسها، ويمنح الضجيج سلطة رمزية لا يستحقها. إن الخطر الحقيقي لا يكمن في صمت الأغلبية، بل في تحويل هذا الصمت إلى تفويض غير مُعلن لمن يحتكر الكلام.

من هنا، لا تبدو المسألة مسألة تشجيع على الكلام أو دعوة إلى الصمت، بل مسألة إعادة بناء شروط المجال العام نفسه، بلغة سياسية أقل حدّة، ومع مساحات تعترف بالتعقيد، وتسمح بالاختلاف من دون شيطنة.

الصمت هنا لا ينافس الكلام، بل يكشف أزمته؛ هو نتيجة لغياب لغة سياسية قادرة على استيعاب التجربة السورية كما هي، بكل تناقضاتها وتعقيداتها، من دون اختزال أو تخوين. ولهذا، فإن كسر هذا الصمت لا يمكن أن يتم بالدعوة الأخلاقية إلى التعبير، ولا باتهام الصامتين بالانسحاب أو اللامبالاة، بل بإعادة بناء شروط الكلام نفسه.

ما يحتاجه المجال العام السوري اليوم ليس مزيدًا من الأصوات، بل أصواتًا مختلفة في طبيعتها: متزنة، أقل تعبئة، أكثر تحليلًا، أقل يقينًا، أكثر تواضعًا، وأقرب إلى مساءلة الذات من شيطنة الآخر. ومن دون ذلك، سيبقى الصمت موقفًا عقلانيًا لمن يدرك أن المشاركة في جعجعة مستمرة لا تنتج موقفًا ولا تغيّر واقعًا.

في هذا المعنى، لا يبدو الصمت السوري تعبيرًا عن نهاية السياسة، بل عن تعليقها؛ هو مؤشر على أزمة تمثيل لا على انعدام رأي، وعلى وعي مؤجَّل لا على فراغ. والسؤال الذي يفرض نفسه في النهاية ليس متى يتكلم الصامتون، بل ما إذا كان الفضاء العام سيتّسع يومًا لكلام لا يشبه الضجيج السائد، ولا يُقاس بارتفاع الصوت، بل بقدرته على الفهم.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى