اللامركزية والفدرالية في سوريا.. أدوات حكم أم مسارات تفكيك؟/ ميسون محمد

21 يناير 2026
في الخطاب السياسي السوري المتداول منذ عام 2012، جرى تقديم مفهومي الفدرالية واللامركزية السياسية بوصفهما حلولًا تقنية لأزمة حكم مزمنة، أو مخارج “عقلانية” لإدارة التنوع وضبط الانهيار. غير أن هذا التأطير، رغم جاذبيته الظاهرية، يتجاهل السياق الحقيقي الذي وُلدت فيه هذه المشاريع، ويتغافل عن كونها لم تنشأ كاستجابة وطنية داخلية، بل كأدوات جيوسياسية أُدرجت ضمن مسارات تقسيم فعلية، صامتة أحيانًا وصريحة أحيانًا أخرى، تقودها قوى دولية وتنفذها سلطات أمر واقع ذات طبيعة ميليشياوية.
تفكك السيادة وإعادة توزيع السيطرة
المشكلة البنيوية في سوريا لم تكن يومًا غياب شكل إداري ملائم، بل طبيعة الدولة الأمنية المركزية التي أُفرغت فيها السياسة من مضمونها، وتحولت فيها المؤسسات إلى واجهاتٍ للسلطة لا أدواتٍ للمساءلة. غير أن انهيار هذه الصيغة بعد 2011 لم يُفتح على مسار إصلاحي سيادي، بل على فراغ سيادي استثمرته قوى خارجية عبر تفكيك المجال السوري إلى مناطق نفوذ.
في هذا السياق، لم تظهر اللامركزية كخيار دستوري نابع من حوار وطني، بل كآلية لإدارة مناطق خارجة عن سيطرة المركز، ضمن منطق “الاستقرار مقابل التفويض”. النتيجة لم تكن نقل صلاحيات ضمن دولة واحدة، بل تعدد مراكز القرار، وتفكك السيادة، وتحول الجغرافيا إلى وحدات أمنية–اقتصادية منفصلة.
الفدرالية بوصفها أداة ضبط لا عقدًا سياسيًا
الفدرالية، بوصفها مفهومًا دستوريًا، تفترض شروطًا صارمة: وحدة سياسية سابقة، توافقًا وطنيًا، مؤسسات ضامنة، وهوية جامعة قادرة على استيعاب التعدد. ما جرى في سوريا هو العكس تمامًا. جرى استدعاء المصطلح في ظل حرب، وانهيار مؤسسات، وتدخلات عسكرية مباشرة، ليصبح المصطلح أداةً لإضفاء شرعية سياسية على واقع قسري.
هنا تتحول الفدرالية من عقد سياسي إلى آلية ضبط جيوسياسي: تقسيم المجال، إدارة الموارد، منع عودة الدولة المركزية، وإنتاج كيانات وظيفية قابلة للتفاوض الدولي. ليست صدفة أن تُطرح هذه المشاريع في المناطق ذات الثقل النفطي أو الحدودي، ولا أن ترتبط بخطاب “حماية المكونات” في غياب أي ضمانات قانونية حقيقية.
“قسد”.. من فاعل محلي إلى ذراع تنفيذية
ضمن هذا المشهد، لعبت “قسد” دورًا محوريًا. فهي لم تكن مجرد فاعل محلي يسعى لإدارة شؤونه، بل سلطة أمر واقع ذات بنية عسكرية–أمنية، تستند إلى دعم دولي مباشر، وتُعيد إنتاج نموذج حكم فوق–مجتمعي، لا يستند إلى عقد اجتماعي بقدر ما يستند إلى موازين القوة.
خطاب “الإدارة الذاتية” الذي رفعته “قسد”، ولا تزال، يخفي تناقضًا جوهريًا: الحديث عن ديمقراطية محلية في ظل احتكار السلاح، وإقصاء القوى السياسية الأخرى، وإدارة الموارد دون تفويض وطني. هذا التناقض ليس عرضيًا، بل بنيويًا؛ إذ إن المشروع ذاته لا يقوم على الاندماج في دولة سورية معاد بناؤها، بل على ترسيخ كيان سياسي – أمني منفصل قابل للتكيّف مع المصالح الدولية المتغيرة.
السبب – النتيجة – الأثر البعيد
السبب الأولي هو غياب مسار وطني جامع لإعادة بناء الدولة بعد 2011، واستبداله بمقاربات أمنية دولية تبحث عن الاستقرار لا العدالة. النتيجة المباشرة كانت تفويض سلطات محلية مسلحة لإدارة مناطق كاملة خارج أي إطار سيادي. أما الأثر البعيد، فهو أخطر: تطبيع التقسيم، وتحويله إلى أمر واقع قانوني وسياسي يصعب التراجع عنه.
هذا المسار لا يُنتج استقرارًا، بل يؤسس لصراعات مؤجلة. فحين تُدار المناطق على أساس هويات فرعية، وتُربط الموارد بالقوة العسكرية، يصبح الصدام مسألة وقت. بعد عام 2024، ومع تغير موازين القوى الدولية أو تراجع بعض أشكال الحماية، قد تنفجر هذه التناقضات في شكل صراعات طائفية–إثنية، لا لأن المجتمع السوري محكوم بها، بل لأن البنية المفروضة عليه تُغذّيها.
الفجوة بين الخطاب والواقع
أخطر ما في مشاريع الفدرالية واللامركزية المطروحة اليوم هو الفجوة بين خطابها وواقعها. فهي تُسوّق بوصفها حلولًا لتفادي التفكك، بينما تُمارس عمليًا كآليات لتعميقه. تُقدَّم كضمانة للتنوع، بينما تُدار بمنطق أمني إقصائي. تُطرح كبديل عن الدولة المركزية، دون أن تُجيب عن سؤال: أي دولة ستبقى إذا تحولت كل منطقة إلى كيان شبه مستقل؟
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت سوريا بحاجة إلى لامركزية أو لا، بل: من يملك حق تعريفها، وفي أي سياق، ولأي غاية؟ هل هي أداة لإعادة توزيع السلطة داخل دولة موحدة، أم غطاء ناعم لتفكيكها تحت مسميات دستورية؟ ما لم يُطرح هذا السؤال بجرأة، ويُعاد ربط أي نقاش إداري بمشروع وطني سيادي شامل، ستبقى الفدرالية واللامركزية في سوريا ليست حلولًا لأزمة الحكم، بل مراحل متقدمة في أزمة الكيان ذاته.
الترا سوريا



