نقد ومقالات

سُكنى القصيدة: فندلر وجمهورية الشعر/ صبحي حديدي

هذه السطور افتقدت، وتواصل افتقاد، الناقدة الأمريكية الكبيرة هيلين فندلر (1933 ـ 2024) غير البعيدة عن احتلال موقع الدارسة الأعمق للشعر عموماً وللشعر المكتوب باللغة الإنكليزية خصوصاً، وذلك على امتداد ستة عقود أو ابتداء من كتابها الرائد «رؤيا ييتس ومسرحياته الأخيرة»، 1963. وفي عداد أكثر إصدارات العام المنصرم 2025 إبهاجاً وإمتاعاً وتعليماً وإدهاشاً في آن معاً، كان كتابها «سكنى القصيدة: مقالات أخيرة» الذي صدر في نيويورك ضمن سلسلة «مكتبة أمريكا»، وأضاف مقالات جديدة إلى أكثر من 30 مؤلفاً حول الشعر والشعراء، نشرتها فندلر في سياق من الحرص الشديد على ربط الشعر الرفيع بقارئ مسلّح بأفضل أدوات الاستقبال وطرائقه.

مقالات الكتاب الـ 13 تتناول الشاعرات والشعراء (حسب الترتيب على الغلاف): وليام بتلر ييتس، والاس ستيفنز، أدريان ريش، روبرت هايدن، ماريان مور، جون دون، سيلفيا بلاث، جيرالد مانلي هوبكنز، أوشن فونغ (فييتنامي/ أمريكي)، وليام بليك، وليام كوبر، والت وتمان، إميلي برونتي، وإميلي دكنسون. وعبر هذه التجارب، تتناول فندلر طائفة واسعة ومتشعبة من قضايا الشعر، بينها على سبيل الأمثلة، الجمال المُلغز لكلّ لغز جميل، وعلاقة الفنّ بالغضب، وعلاقته أيضاً بالتنميط المسبق، وكيف يمكن للفنّ أن يكون بلا تفنّن، وما تسميه «نَفْس متنازلة عن نفسها» في النَفْس، ثمّ السؤال الأزلي: هل يمكن للشعر أن يكون ذهنياً مجرّداً؟

وفي مقدمة الكتاب تشدد فندلر على أنّ القصائد يندر أن تُطرح على الجمهور بوصفها من أعمال الفن، على غرار ما يوصف به عمل باليه لجهة جوانبه الكوريوغرافية، وعدد راقصاته وراقصيه، وعلاقته بأعمال باليه أخرى وسمات الموسيقى فيها. وأمّا «دراما قراءة الشعر»، حسب تعبير فندلر، فإنها تتجلى في برهة «ترنّ» خلالها جميع المكوّنات، فتندمج في هيئة وتترابط مع بعضها مثل لمعة خاطفة تنير القصيدة بأسرها. «هنالك قراءات خاطئة، عبر الجهل»، تكتب فندلر وتشير إلى ناقد ألماني قرأ مديح الحبّ عند شكسبير هكذا: «نجم لكل نباح جوّال»، بمصطلح صرخة حيوان عاطفية، بينما قصد شكسبير السفينة وليس الكلب، مقتبساً رمزاً من شاعر الحبّ بترارك!

جماهيرية الشعر في المقابل إنما تبدأ عند فندلر من إحساس ابتدائي يشدّ القارئ المعاصر إلى قصيدة ما، وينطوي على رغبة في إشراك آخر ــ صديق، حبيب، شاعر، أستاذ… ــ بمستويات مختلفة من الوعي الجمالي والتذوّق الشخصي والتنبّه العاطفي، قوامه أيضاً الانتقال من ضمير الغائب في النصّ إلى ضمير المتكلم. تلك عتبة أولى لانتقال تأثير القصيدة من ذات الفرد إلى نطاق الجماعة، ومن هنا تتراكم العناصر الكفيلة بصناعة جمهور الشعر، أو جماهيريته بالأحرى. وثمة هنا، في تقدير هذه السطور، معضلة مزمنة ترسخت على الدوام لدى شعراء عرب ينكرون جماهيرية الشعر، ليس لأيّ اعتبار آخر يسبق حقيقة افتقارهم إلى الحدود الكافية، أو حتى الدنيا، من جمهور القراءة.

وفي فصل عنوانه «كيف يمكن الكلام مع الله»/ طريف، ولكنه ينتهي إلى خلاصات بالغة الجدية، وربما الخطورة بصدد قراءة طراز الشعر البَوْحي/ الغنائي تحديداً؛ تعود فندلر إلى الشاعر الإنكليزي جون دون (1572 ــ 1631)، في قصيدته «السونيت المقدسة 14»، لتطرح الأسئلة التالية: هل يمكن لقصائد «قديمة»، كُتبت خلال ثقافة آفلة، أن تُنقَذ لصالح قارئ معاصر، أم أن بهاءها سوف يضيع؟ وما الذي ننقذه، في نهاية المطاف: عبارة بليغة، شذرة سيرة ذاتية، أم مجرد صورة؟ وفي تحليل قصيدة دون، التي تعود إلى سنة 1633، تقتفي فندلر سلسلة العلاقات الشعورية التي في وسع القراءة المعاصرة أن تعيد إنتاجها، فتضيفها إلى تلك السردية البوحية بين الشاعر والله، بعد نحو… 380 سنة!

وفي ذلك، وسواه الكثير مما تقترحه على سبيل أبجدية «جمهورية» لقراءة الشعر، فإنّ فندلر تواصل الوفاء ليقين راسخ بأنّ الشعر لا ينبغي أن يظلّ مخفياً، وعلى القرّاء أن يتنبهوا إليه كفنّ رفيع أولاً، ثم أن يدركوا جيداً ما يخسرونه من متعة فريدة جرّاء تركه للنخبة. ورغم صرامتها الأكاديمية، فإنها لم تتردد في الترويج للشعر بوصفه إكسيراً خطابياً قادراً على مداواة الاعتلال الجمالي أو النفسي أو الروحاني: «إذا كنتَ في حال من الحيرة، أو الحزن، أو الضنك، أو التيه، أو الذهول… فتّشْ لنفسك عن قصيدة تلائم ما أنتَ فيه وما تشعر به»، كتبت فندلر؛ التي آمنت بقوّة أنّ الشعر «تحليلي بقدر ما هو تعبيري، والقصيدة تميّز، وتعيد بناء، وتعيد توصيف ما يكشفه الشعر ويكتشفه في الدواخل العميقة للحياة».

وتلك مقاربة مركزية لم تُفقدها صفة ناقدة موضوعية متأنية، صارمة وقاسية وحاسمة في الآن ذاته، لم تخجل البتّة من منح القراءة الذاتية الانطباعية فسحة واسعة حرّة؛ منطلقة في ذلك من قناعتها بأنّ قراءة الشعر تجربة شخصية وفردية، وجدانية أحادية أولاً. وفي كتابها «تقول الروح»، 1996، رَوَت تجربتها القرائية الشخصية مع النسق الغنائي، وأوضحت أن نجاح الموضوع الغنائي في تفادي الفخاخ الاجتماعية للنثر يجعله أقرب إلى «صوت الروح نفسها»، ويسمح لنا بالتماهي التام مع ضمير المتكلم.

.. أي ضمير الفرد والمفرد، داخل الجمع والجمهور!

القدس العربي

————————————

هيلين فندلر المتربعة على عرش نقد الشعر: القصيدة فنّ العامة وليست امتياز النخبة

في ظلّ اعتكاف الناقد الأمريكي هارولد بلوم بعيداً عن نقد الشعر، وانخراطه في تحرير الكتب أو الاهتمام بالتاريخ الأعرض للموروث الأدبي الغربي، وربما اغترابه بعض الشيء عمّا يُنتج من أدب معاصر وما بعد حداثي؛ ليس من المبالغة القول إن مواطنته هيلين فندلر هي، اليوم، أفضل من يمارس نقد الشعر، في اللغة الإنكليزية على الأقل. إنها، بين حفنة أسماء أخرى، تؤمن أن الشعر لا ينبغي أن يظلّ مخفياً أو خافياً، وعلى القرّاء أن يتنبهوا إليه كفنّ رفيع أولاً، ثم أن يدركوا جيداً ما يخسرونه من متعة فريدة جرّاء ترك هذا الفنّ للنخبة. وهي لا تتردد، رغم صرامتها الأكاديمية، في الترويج للشعر بوصفه إكسيراً خطابياً قادراً على مداواة الاعتلال الجمالي أو النفسي أو الروحاني: «إذا كنتَ في حال من الحيرة، أو الحزن، أو الضنك، أو التيه، أو الذهول… فتّشْ لنفسك عن قصيدة تلائم ما أنتَ فيه وما تشعر به»، تكتب فندلر، التي تؤمن بقوّة أنّ الشعر «تحليلي بقدر ما هو تعبيري، والقصيدة تميّز، وتعيد بناء، وتعيد توصيف ما يكشفه الشعر ويكتشفه في الدواخل العميقة للحياة».

وقبل أيام تفاخرت مطبعة جامعة هارفارد بأنها كانت، سنة 1963، أوّل من نشر كتاباً للناقدة الشابة، يومذاك، وكان عن الشاعر الإرلندي الكبير و. ب. ييتس، مستنداً على أطروحتها في الجامعة ذاتها. واليوم تحصي الدار قرابة 24، من أصل 31 كتاباً من اعمال فندلر، انفردت الدار بنشرها؛ وكان أحدثها كتاب «المحيط والطائر والباحث»، الذي ضمّ حصيلة عقدين من المقالات، حول شعراء محدثين من أمثال والاس ستيفنز، شيموس هيني، جون أشبري؛ وآخرين سابقين، من أمثال لانغستون هيوز، ألن غنسبرغ، روبرت لويل، أليزابيث بيشوب، وجيمس ميريل؛ فضلاً عن كيتس، ييتس، ويتمان، إليوت، وآخرين.

وفي هذه المناسبة عقدت فندلر حواراً مع طلاب الجامعة، حول موروثها النقدي، توقفت خلاله عند ضيقها، أيام الدراسة، بنظام في نقد الشعر يبدأ من فرضية قاطعة مفادها أن القصيدة تنطوي على تصريح ما، أو بيان؛ كأن تحتج على حرب، أو تحزن على فقيد. وأمّا هي فقد عوّدت ذائقتها على عدم طرح السؤال التقليدي: «ما معنى هذه القصيدة؟»، مقابل سؤال أهمّ وأجدى: «كيف كُتبت هذه القصيدة؟». ومن جانب آخر، شدّدت فندلر على أنّ الشعراء أشدّ مزاجية، وتمايزاً، من أن يُجمعوا تحت أيّ سقف تصنيفي، مهما كان بسيطاً؛ وأنّ النقد المسيّس أشدّ تعسفاً من أن ينصف شيموس هيني، أو أنّ النقد الميتافيزيقي أضعف أدوات من أن يسهّل قراءة إميلي دكنسون عند القارىء العريض.

وفندلر ناقدة موضوعية متأنية، صارمة وقاسية وحاسمة في الآن ذاته، لا تخجل البتّة من منح القراءة الذاتية الانطباعية فسحة واسعة حرّة، منطلقة في ذلك من قناعتها بأنّ قراءة الشعر تجربة شخصية وفردية ووجدانية أحادية أولاً. وفي كتابها «تقول الروح»، رَوَت تجربتها القرائية الشخصية مع النسق الغنائي، وأوضحت أن نجاح الموضوع الغنائي في تفادي الفخاخ الاجتماعية للنثر يجعله أقرب إلى «صوت الروح نفسها»، ويسمح لنا بالتماهي التام مع ضمير المتكلم. وحين كانت في مقتبل العمر، متلهفة على معرفة المزيد عن العالم، شعرت فندلر أنه «إذا كان الشاعر مُنتبَذاً، فإنها منتبَذة كذلك. وإذا تحسّر على وطنه، تحسرت هي بدورها على وطن سوف تفقده، وإذا كتب أودن عن درع آخيل، شعرت هي أن هوميروس ملْك يديها مثلما هو ملك أودن». وتقول، بلا حرج أكاديمي: «لقد عرفتُ الكثير عن الإمكانيات المستقبلية في حياتي الداخلية من خلال الشعر الذي يبدأ من غنائية العالم».

في كتابها «مستمعون لا مرئيون: الحميمية الغنائية عند هربرت، ويتمان، وأشبري»، أثارت فندلر مسألة نقدية مفاجئة حقاً، اختصرتها الأسئلة التالية: ما الذي يدفع الشاعر إلى إقامة حال من الحميمية الشخصية العميقة، مع جمهور متخيَّل لا مرئي؟ لماذا يجهد لتوجيه القصيدة، جزئياً أو كليّاً، إلى مستمع خفيّ لا يعرفه الشاعر، بل لا يستطيع إبصاره أيضاً؟ لماذا، في الأمثلة التطبيقية، يتوجه جورج هربرت (القرن السابع عشر) إلى الله، ويتغنّى والت ويتمان (القرن التاسع عشر) بالقارئ أليف المستقبل، ويحيل جون أشبري (معاصرنا) إلى رسّام يصوّر الماضي؟ واستطراداً، ما الذي في وسع القصيدة أن تضيفه، وفي مقدورنا نحن القرّاء أن نكسبه، من خلال هذه الحميمية بين الشاعر المرسِل والعنوان المرسَل إليه؟ وأيّة خصوبة إضافية، أو ربما استثنائية، تمثّلها حقيقة أنّ تَخاطباً كهذا لا يمكن إلا أن يكون غنائياً بفضيلة الضمير الواحد، المتكلم غالباً، وشيوع الوجدان وطغيان العاطفة وفيوض الذات؟

الكثير… الكثير… الكثير، تؤكد فندلر في هذا الكتاب الوجيز (144 صفحة)، لأنّ تلك العلاقة المتخيَّلة الغريبة مع مستمع لامرئي (إما لأنه مقدّس، أو لأنه كامن في المستقبل، أو لأنه قضى منذ زمن طويل) يمكن أن تنطوي على محفزات نفسية وعاطفية وجمالية بالغة القوّة والثراء؛ تدفع قارىء القصيدة إلى اجتراح مخاطَبات مماثلة يقيمها بنفسه ولنفسه مع آخر لامرئي، يشبع على هذا النحو أو ذاك حاجة التواصل الإنساني، وعبر وسيط جبّار غير مألوف هو الشعر. العلاقة الحميمية مع اللامرئي هي علاقة حميمية مع الأمل، وقراءة القصائد التي تنشّط هذا النوع من التراسل ترتقي بذائقتنا، وتدنينا أكثر فأكثر من تلك المصافّ الأرقى التي يروم الأدب تأصيلها أو تمثيلها: المثال المحال، أو القيمة الأعلى، أو النمط الحلمي…

وفي «المُعطى والمصنوع» وسّعت فندلر موقفها من الغنائية، فاعتبرت أنها «نصّ مكتوب لكي يقوم القارئ بأدائه. وحالما يتوغل هذا القارئ في الغنائية، فإنه بذلك يكفّ عن دوره كقارئ، ويصبح الناطق بالقصيدة، المردِّد لكلماتها، الصانع للمزيد من مشاعرها ومعانيها». وفي كتابها «إنقطاع الأسلوب» تابعت الموقف ذاته من الغنائية على صعيد آخر (أدهى وأخطر) هو الأسلوب، الذي تسمّيه «الجسد المادي للشعر»، نائية بذلك عن الاستعارة المعتادة التي ترى في الأسلوب ثوباً خارجياً.

أعمالها عموماً تتابع هذه التقاليد في دراسة الشعر بوصفه فنّ العامّة وليس امتياز النخبة، خصوصاً وأنّ مشاع البشر ـ وليس الصفوة ـ هم الأكثر عرضة لحال العزلة التي تدفع الشاعر إلى تأسيس صلات حميمية مع خلّ وفيّ غير مرئي، وبالتالي مع عالم حافل صاخب هادىء رتيب قاسٍ ورحيم في آن معاً. وليس غريباً أن فندلر تبدو مفتونة بهذين السطرين من الشاعرة الأمريكية إميلي دكنسون: «هذه رسالتي إلى العالم/ الذي لم يكتب لي قطّ»!.

——————————–

والأذن تعشق…/ صبحي حديدي

وصلتني، من مدينة حلب السورية، هدية ثمينة القيمة متواضعة الثمن في آن، هي أسطوانة مدمجة CD، عنوانها ‘لآلىء شعرية’، تتضمن 15 قصيدة عربية وأرمنية، بصوت سالبي دراكجيان. وهذه الفنانة الشابة لا تمتلك صوتاً خاصاً أخاذاً فحسب، بل تبدو عالية التمرّس في إلقاء الشعر، شديدة التمكّن من الفصحى، عليمة بنطق الحروف كما في إشباعها حسّاً وأحاسيس.

القصائد العربية تبدأ من ‘دعوة إلى الأحلام’ لنازك الملائكة و’بالله يا قلبي’ لجبران خليل جبران، و’تعوّد شعري عليك’ و’أسئلة إلى الله’ لنزار قباني، و’وجدتها’ لفدوى طوقان، و’العباءة’ و’الثائر’ لأدونيس، و’جندي يحلم بالزنابق البيضاء’ و’صوت وسوط’ لمحمود درويش. القصائد الأرمنية الستّ هي للشعراء تانييل فاروجيان (قصيدتان) وفاهان ديريان وباروير سيفاك وأفيديك إسحاقيان وفاهان تيكيان، والترجمة لناظار ناظاريان وفاروجان كازانجيان. وثمة قصيدة واحدة صاغها الشاعر المصري محمد إبراهيم أبو سنة، الذي كان قد تعاون مع كازانجيان في كتاب ‘مختارات من الشعر الأرمني عبر العصور’، الذي صدر في القاهرة عن ‘المشروع القومي للترجمة’

الهدية ثمينة عندي لأني أنضوي في صفّ أولئك المؤمنين بمحاسن قراءة الشعر جهراً، واستنطاق فضائل الصوت والإيقاع والموسيقى، والاستمتاع بمباهج الإلقاء، الكثيرة الوفيرة، حتى إذا كان المرء يلقي على نفسه وحدها. القراءة الصامتة ضرورية، لا ريب، وذات طابع تأملي وتحليلي واستكشافي، تخاطب العين والمشاعر أكثر من الأذن والحواسّ، وليس إنصافاً لأيّ شعر عظيم أن يُؤسر في نطاق أحادي من طاقات الإستقبال الواسعة المتعددة.

ولقد كانت مبادرة حميدة ورائدة تلك التي أطلقها ‘المجمّع الثقافي’، وهو اليوم ‘هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث’، حين أصدر سلسلة لشعراء من مختلف عصور الشعر العربي القديم والحديث، سُجّلت مختارات من قصائدهم بصوت عدد من متذوّقي الشعر والممثلين العرب أصحاب الأصوات المتميزة. كذلك يحتوي موقع ‘جهة الشعر’، الذي يديره الصديق الشاعر البحريني قاسم حداد، على مكتبة إلكترونية ثرية بالقصائد المسجّلة، بصوت الشعراء أنفسهم في أمثلة عديدة. وهنالك، بالطبع، مواقع عربية أخرى على شبكة الإنترنت، يزداد التفاتها إلى هذا الجانب الصوتي في الشعر، ويتنامى اهتمام القرّاء بها، وبنماذج الشعر المعاصرة تحديداً.

والأسطوانة القادمة من حلب أعادتني إلى الناقدة الأمريكية هيلين فندلر، التي قد تكون اليوم أفضل مَنْ يمارس نقد الشعر، في اللغة الإنكليزية على الأقل، وفي حدود ما أعلم بالطبع. وهي ناقدة موضوعية متأنية، وصارمة قاسية حاسمة، ولكنها لا تخجل البتّة من إعطاء القراءة الذاتية الإنطباعية فسحة واسعة حرّة، منطلقة في ذلك من قناعتها بأن قراءة الشعر تجربة شخصية وفردية ووجدانية أحادية أوّلاً.

بين أبرز أعمال فندلر مجلّد ضخم كرّسته لإعادة قراءة سونيتات وليام شكسبير، هذه النصوص الشعرية التي خلبت ألباب الإنسانية طيلة أكثر من أربعة قرون، فأُشبعت شرحاً ودرساً وتحليلاً وقراءة واقتداءً… دون أن تستنفد ما في سطورها من فتنة جمّة. جديد فندلر كثير بالفعل، والمحور الأول في جدّته أن منهجية القراءة إشكالية وصدامية وانشقاقية، ولكنها منهجية عميقة ومعمّقة على نحو يجعل الاختلاف معها عتبة ضرورية لهذا القدر أو ذاك من درجات الإجماع حول جوهر الفنّ في السونيتات.

تفصيل آخر مثير هو أن فندلر أرفقت المجلد الضخم بقرص مدمّج، سجّلت عليه قراءة بصوتها لخمس وستين من السونيتات الـ145. هدفها المعلن من وراء هذه التسجيلات هو توفير ‘شكل سماعي’ لكلمات شكسبير، و’ترقية وعي قرائي بموقع الصوت الغنائي’ في القصيدة، و’إضافة البُعد الشفاهي إلى قصائد قُرئت مراراً بوصفها نَظْماً لفظياً أولاً’. وبطبيعة الحال كان في وسع فندلر أن ترفق الكتاب بنماذج من القراءات الشهيرة التي نفّذها من قبل ممثلون مسرحيون كبار (جون غيلغود مثلاً)، تخصّصوا في القراءة الشعرية إجمالاً، وفي أداء النصّ الشكسبيري تحديداً.

ليست هذه هي الغاية، تقول فندلر، لأنها أرادت للتسجيلات أن تحقّق الأغراض المشار إليها أعلاه، ولكن… من موقع الناقد الدارس لهذه النصوص، بصوته الذي ينبغي أن يكشف مستويات انفعاله بين سطر وآخر، والكيفيات التي تميل فيها قراءته إلى الإنسياق وراء تركيب لغوي ما، خلف صورة أو استعارة أو قافية، وعند خصوصية خفيّة في هذه أو تلك من عشرات ألغاز الفتنة الكامنة في السونيتات. فماذا يمكن أن يتبدّل إذا قرأ الناقد قصيدة بصوت عالٍ؟ وهل يمكن لقراءته الجهرية أن تخون بعض، أو جلّ، استنتاجاته التحليلية؟ وفي الأساس: ماذا يحدث إذا نجح الناقد، بالفعل، في إقناع القارىء صوتياً، بما كان قد حاول إقناعه به تحليلياً؟

وفي الجانب الآخر، هل من الممكن أن نتخيّل ناقداً عربياً يُقْدم على هذه المغامرة؟ السؤال هنا يتجاوز حدود المماحكة حين نتذكّر أننا ‘ثقافة الصنّاجة’، كما يحدث أن نتهم أنفسنا بين حين وآخر؛ وأنّ الأذن العربية تختزن الكثير ــ بل أكثر من اللازم، حسب البعض ــ من طبول الإيقاع. ماذا سيحدث إذا فعلها ناقد عربي، ليس في قراءة صوتية للمعلقات فحسب، أو خيرة نماذج قصائد التفعيلة، بل بصدد أرقى نماذج قصيدة النثر المعاصرة، وبالتالي أشدّها مشقّة على العين كما الأذن؟

وهل سيبرهن أنّ الأذن تعشق القصيدة قبل العين والعقل، أحياناً؟

—————————–

فتّشْ عن الشعر/ صبحي حديدي

في كتابها الجديد “مستمعون لامرئيون: الحميمية الغنائية عند هربرت، ويتمان، وأشبري”، تثير الناقدة الأمريكية هيلين فندلر مسألة نقدية مفاجئة حقاً، تختصرها الأسئلة التالية: ما الذي يدفع الشاعر إلى إقامة حال من الحميمية الشخصية العميقة، مع جمهور متخيَّل لامرئي؟ لماذا يجهد لتوجيه القصيدة، جزئياً أو كليّاً، إلى مستمع خفيّ لا يعرفه الشاعر، بل لا يستطيع إبصاره أيضاً؟ لماذا، في الأمثلة التطبيقية، يتوجه جورج هربرت (القرن السابع عشر) إلى الله، ويتغنّى والت ويتمان (القرن التاسع عشر) بالقارىء أليف المستقبل، ويحيل جون أشبري (معاصرنا) إلى رسّام يصوّر الماضي؟ واستطراداً، ما الذي في وسع القصيدة أن تضيفه، وفي مقدورنا نحن القرّاء أن نكسبه، من خلال هذه الحميمية بين الشاعر المرسِل والعنوان المرسَل إليه؟ وأيّة خصوبة إضافية، أو ربما استثنائية، تمثّلها حقيقة أنّ تخاطباً كهذا لا يمكن إلا أن يكون غنائياً بفضيلة الضمير الواحد، المتكلم غالباً، وشيوع الوجدان وطغيان العاطفة وفيوض الذات؟

الكثير… الكثير… الكثير، تؤكد فندلر في هذا الكتاب الوجيز (144 صفحة)، لأنّ تلك العلاقة المتخيَّلة الغريبة مع مستمع لامرئي (إما لأنه مقدّس، أو لأنه كامن في المستقبل، أو لأنه قضى منذ زمن طويل) يمكن أن تنطوي على محفزات نفسية وعاطفية وجمالية بالغة القوّة والثراء، تدفع قارىء القصيدة إلى اجتراح مخاطبات مماثلة يقيمها بنفسه ولنفسه مع آخر لامرئي يشبع على هذا النحو أو ذاك حاجة التواصل الإنساني، وعبر وسيط جبّار غير مألوف هو الشعر. العلاقة الحميمية مع اللامرئي هي علاقة حميمية مع الأمل، وقراءة القصائد التي تنشّط هذا النوع من التراسل ترتقي بذائقتنا، وتدنينا أكثر فأكثر من تلك المصافّ الأرقى التي يروم الأدب تأصيلها أو تمثيلها: المثال المحال، أو القيمة الأعلى، أو النمط الحلمي…

وفي ظلّ اعتكاف هارولد بلوم بعيداً عن نقد الشعر، وانخراطه في تحرير الكتب أو الاهتمام بالتاريخ الأعرض للموروث الأدبي الغربي، وربما اغترابه بعض الشيء عمّا يُنتج من أدب معاصر وما بعد حداثي، ليس من المبالغة القول إن فندلر هي اليوم أفضل من يمارس نقد الشعر، في اللغة الإنكليزية على الأقل، وفي حدود ما يعلم كاتب هذه السطور بالطبع. إنها، بين حفنة أسماء أخرى، تؤمن أن الشعر لا ينبغي أن يظلّ مخفياً (حتى في جوانب دقيقة عميقة عويصة مثل هذه التي يناقشها كتابها الأخير)، وعلى القرّاء أن يتنبهوا إليه كفنّ رفيع أولاً، ثم أن يدركوا جيداً ما يخسرونه من متعة فريدة جرّاء ترك هذا الفنّ للنخبة. وهي لا تتردد، رغم صرامتها الأكاديمية، في ترويج الشعر بوصفه إكسيراً خطابياً قادراً على مداواة الاعتلال الجمالي أو النفسي أو الروحاني: “إذا كنتَ في حال من الحيرة، أو الحزن، أو الضنك، أو التيه، أو الذهول… فتّشْ لنفسك عن قصيدة تلائم ما أنتَ فيه وما تشعر به”، تقول فندلر التي تؤمن بقوّة أنّ الشعر “تحليلي بقدر ما هو تعبيري، والقصيدة تميّز، وتعيد بناء، وتعيد توصيف ما يكشفه الشعر ويكتشفه في الدواخل العميقة للحياة”.

وفندلر ناقدة موضوعية متأنية، صارمة قاسية حاسمة في الآن ذاته، لا تخجل البتّة من منح القراءة الذاتية الإنطباعية فسحة واسعة حرّة، منطلقة في ذلك من قناعتها بأن قراءة الشعر تجربة شخصية وفردية ووجدانية أحادية أولاً. وفي كتابها «تقول الروح» رَوَت تجربتها القرائية الشخصية مع النسق الغنائي، وأوضحت أن نجاح الموضوع الغنائي في تفادي الفخاخ الاجتماعية للنثر يجعله أقرب إلى «صوت الروح نفسها»، ويسمح لنا بالتماهي التام مع ضمير المتكلم. وحين كانت في مقتبل العمر، متلهفة على معرفة المزيد عن العالم، شعرت فندلر أنه «إذا كان الشاعر مُنتبَذاً، فإنها منتبَذة كذلك. وإذا تحسّر على وطنه، تحسرت هي بدورها على وطن سوف تفقده، وإذا كتب أودن عن درع آخيل، شعرت هي أن هوميروس ملْك يديها مثلما هو ملك أودن». وتقول، بلا حرج أكاديمي هنا أيضاً: «لقد عرفتُ الكثير عن الإمكانيات المستقبلية في حياتي الداخلية من خلال الشعر الذي يبدأ من غنائية العالم».

وفي «المُعطى والمصنوع» وسّعت فندلر موقفها من الغنائية، فاعتبرت أنها «نصّ مكتوب لكي يقوم القارىء بأدائه. وحالما يتوغل هذا القارىء في الغنائية، فإنه بذلك يكفّ عن دوره كقارىء، ويصبح الناطق بالقصيدة، المردِّد لكلماتها، الصانع للمزيد من مشاعرها ومعانيها». وفي كتابها «إنقطاع الأسلوب» تابعت الموقف ذاته من الغنائية على صعيد آخر (أدهى وأخطر) هو الأسلوب، الذي تسمّيه «الجسد المادي للشعر»، نائية بذلك عن الاستعارة المعتادة التي ترى في الأسلوب ثوباً خارجياً.

كتابها الجديد يتابع، إذاً، هذه التقاليد في دراسة الشعر بوصفه فنّ العامّة وليس امتياز النخبة، خصوصاً وأنّ مشاع البشر ـ وليس الصفوة ـ هم الأكثر عرضة لحال العزلة التي تدفع الشاعر إلى تأسيس صلات حميمية مع خلّ وفيّ غير مرئي، وبالتالي مع عالم حافل صاخب هادىء رتيب قاسٍ ورحيم في آن معاً. وليس غريباً أن فندلر تبدو مفتونة بهذين السطرين من الشاعرة الأمريكية إميلي دكنسون: “هذه رسالتي إلى العالم/ الذي لم يكتب لي قطّ”!

——————————

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى