أبحاث

في معنى الهزيمة وتاريخها: عن السؤال الذي يتجدد مراراً في السياق العربي/ موريس عايق

16-01-2026

        حظيت الهزيمة بمكانة راسخة وهامة في الفكر العربي منذ هزيمة 1967، باعتبارها نقطة الأساس فيما يتعلق بالسؤال والتأمل في أحوال وأوضاع العرب. فأعمال مفكرين عرب مثل صادق جلال العظم وعبد الله العروي وهشام شرابي وياسين الحافظ ومحمد عابد الجابري، وغيرهم، مُؤسَّسة على واقعة الهزيمة ومعناها فيما يخص التاريخ والاجتماع، وباعتبارها تحدياً علينا التعامل معه. بحيث تحولت هذه الأعمال الفكرية إلى مشاريع تشخيص للمجتمع العربي، تنظر في كافة مستوياته ونظمه وقطاعاته، من نقد العقل العربي والاشتغال على التراث العربي الإسلامي والنُظم الأبوية المتسلطة واللاعقلانية، في محاولة لاستكشاف أسباب العطب والخلل. وقد قدمت هذه المشاريع الفكرية مروحة واسعة من سُبل العلاج، من إعادة اكتشاف الديمقراطية ومعها الليبرالية في أحيان كثيرة، إلى التاريخانية أو العقلانية، وحتى العودة إلى الإسلام التي كانت أحد الخيارات الكبرى التي حضرت إثرَ سؤال الهزيمة.

        المكانة المركزية للهزيمة جعلت تأريخ الفكر العربي غير ممكن دون الانطلاق من سياقها وشرطيتها، مهما ابتعد موضوعُ التفكير عن الشأن السياسي المباشر. وقد تبلورت هذه المكانة للهزيمة من حقيقة كونها هزيمة حضارية، بما يتجاوز اللحظة السياسية-العسكرية. لم تُهزَم وقتها الجيوش العربية في معركة عسكرية وحسب، إنما كانت الهزيمة انكشافاً للمجتمع العربي بأسره، كشفاً للحساب عن تأخره وفواته كما قال ياسين الحافظ.

        لكن الانشغال بالهزيمة عربياً لم يكن جديداً، ولم يكن وليد ما بعد حزيران (يونيو) 67، إنما كان استئنافاً أكثرَ جذريةً للسؤال المؤسس لعصر النهضة: «لماذا تخلَّفَ العرب المسلمون وتَقدَّمَ الغرب؟»، وبينهما «معنى النكبة» و«مستقبل الثقافة في مصر» بوصفها علامات مفصلية على تاريخ المحاورة مع هذا السؤال. لقد ظهر السؤال إثرَ الانكشاف العربي الإسلامي أمام الغرب مع الهزائم العثمانية المتلاحقة وصولاً إلى الاحتلال الفرنسي لمصر، حيث ظهر العجز كاملاً وواضحاً بما يتجاوز البعد العسكري المحض، وقد عبر عنه التفاوت الهائل في القوة والمكانة والتقدُّم بين عالم الإسلام والغرب، الأمر الذي وضعَ المجتمعَ بكامله أمام التحدي والمساءلة.

        رغم الجذرية الفكرية التي استدعتها لحظة الهزيمة، وتحديداً هزيمة حزيران، إلا أن السؤال الفكري نفسه بقي مُؤطَّراً داخل تصوُّر واضح وراسخ للذات «الحضارية» في مواجهة الآخر، وإن تباينت الأسماء والأنماط التحليلية لهذه الذات. «نحن»، عربية أو عربية إسلامية، في مواجهة الآخر الغربي أو الإمبريالي أو الاستعماري أو المسيحي. وضوح الذات وعلاقةُ المُنازعة مع الآخر جعلت المشاريع العربية مشاريعَ تشخيص للذات من أجل امتلاك أسباب القوة والمنعة والحرية، والبحث عن شروط تغيير العلاقة مع الآخَر والتحرُّر من الهيمنة والخضوع، وبقي ذلك مُضمَراً حتى ضمن أكثر أشكال التفكير قطعاً مع التمركُز حول الذات؛ مثل الاشتراكية أو الشيوعية اللتين حضرتا لدينا في نسختهما العالمثالثية المُؤسَّسة على الوحدة بين البعدين الطبقي والقومي، حيث تمت إعادة صياغة التحرر القومي بلغة طبقية.

        اليوم، وأمام هزيمة أشد نفاذاً وعُمقاً وما رافقها من تحولات بنيوية، فإن هذا الشرط الثابت نفسه قد تغيَّر، وهو ما يدفع إلى التأمل في الهزيمة انطلاقاً من لحظة أكثر جذرية حتى بالمقارنة مع تصورها بوصفها هزيمة حضارية، أي النظر لها بوصفها هزيمة تامة وتحللاً حضارياً.

        الهزيمة الآن

        يُمكن تقديم مجموعة من الملاحظات المتعلقة بالأحداث وتطوراتها خلال العقدين الأخيرين، التي ترصد الهزيمة والانهيار التاريخي لمجتمعاتنا خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة بِدءاً من الربيع العربي بمآلاته وانكساراته، وما تبعها من حروب أهلية وتفتُّت دول عربية وانهيارها، والحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان وإيران:

        1- بعد مضي ما يقارب الخمسة عشر عاماً على الربيع العربي بموجاته المتلاحقة، يُمكن ملاحظة أنه في كل بلد انتصر المنتفضون فيه ونجحوا حقاً في إسقاط النظام، انتهى البلد إلى الوقوع في براثن حرب أهلية حطمت الهوية الوطنية وأحالت الشعب إلى جماعات أهلية متحاربة ومُتنازعة، بحيث صار البلد مَسرحاً للمجازرِ والتطهير العرقي والكراهية ومشاريع التقسيم، هذا هو الحال في ليبيا والسودان واليمن وسوريا. بالمقابل، فإن البلاد التي لم تنهَر تحت وطأة الحرب الأهلية مثل مصر وتونس، كانت البلاد التي انتصرت فيها الثورة المضادة وأعادت سيطرة النظام السلطوي القديم، وإن بشكل جديد. أو أن النظام نجح في الصمود وهزيمة الانتفاضة الشعبية مثلما حصل في لبنان، أو انتصر في الحرب الأهلية التي ترتبت على هزيمة الانتفاضة مثلما كان الحال في العراق.

        لم تكن خلاصات الربيع العربي محصورة في هزيمة الثورات فقط، بحيث يكون السؤال عندها: لماذا هُزم الربيع؟ بل إن الخلاصات الأعمق والأكثر كشفاً تجلّت مع النجاح في إسقاط النظام القديم، الذي آل دوماً إلى حرب أهلية على خطوط الانقسام الأهلي والفشل التام في التعامل مع التنوع الإثني والطائفي والمناطقي في المجتمعات العربية ضمن الحد الأدنى الذي يحفظ إمكانية العيش المشترك والهوية الوطنية. رفع سقوط النظام القديم الستارة عن الانقسامات الأهلية وأنها ليست مجرد تَنوُّع، إنما متواشجة بما لا يقبل الانفصال مع علاقات السيطرة والهيمنة التي قامت عليها الدولة نفسها وليس فقط النظام. وبهذا فإن سقوط النظام فجَّرَ الأسئلة الأكثر أساسيةً حول الهوية الوطنية والأهلية وسؤال العيش المشترك وشروطه، بعد عقود من بناء الدول والأنظمة على أساس من هيمنة وسيادة المراكز على الأطراف والهوامش المُقصاة والمُبعدة، سواء كانت هوامش إقليمية أو هوامش جماعات وهويات.

        لم تكن هذه الانقسامات ونِزاعاتها في ذاتها أمراً حديثاً، فحرب دارفور الأولى انطلقت عام 2003 وقد رافقتها الانتهاكات والتطهير العرقي على يد الجنجويد، والعلاقة الدرزية الإشكالية مع المركز عمرها يزيد عن القرن، والحرب الأهلية اليمنية بين الشمال والجنوب حصلت عام 1994 بعد أربع سنوات من الوحدة، والمسالة الكردية جرحٌ مفتوح منذ نشأة كيانات الهلال الخصيب. ليس هناك شيء جديد حقاً، بل عدم الجِدَّة نفسها تشي مبدئياً بالطبيعة الاحتكارية والتمييزية التي قامت عليها الدولة العربية، وتشرح شيئاً من سِماتها التسلطية ونُزوعها الفجّ نحو المركزية والتسلطية والإدماج القسري، الأمر الذي فحصه أبكر آدم إسماعيل بشكل ممتاز في عمله «جدلية المركز والهامش، قراءة جديدة في دفاتر الصراع في السودان»، عندما نظر من خلال هذه الجدلية إلى بنية الدولة في السودان باعتبارها مُؤسَّسة على هيمنة المركز، المُعرَّفِ بالعروبة والإسلام، والهامش الذي تزداد هامشيته بقدر ابتعاده عن هوية المركز. «المركز والهامش» هي علاقة سيطرة وسلطة وثروة، وعلاقة تكوينية في الدولة السودانية منذ تَشكُّلها التاريخي على يد الاستعمار البريطاني-المصري.

        عدمُ جِدة هذه النزاعات تشي بالطبيعة التكوينية للدولة العربية وطبيعتها. غير أن استقرار النظم النسبي في العقود السابقة، سمح بإدارة هذه الصراعات، ولو بعنف هائل وقع على العديد من المجتمعات المحلية من مجازر الآشوريين إلى حماة إلى دارفور مثلاً، وضبطها دون الوصول إلى حافة الانهيار إلا في حالات محدودة ومُقيدة؛ لبنان والصومال والعراق في سنوات الحرب الأهلية، أو الحرب الأهلية في جنوب السودان حتى انفصاله. لكن مع الربيع العربي والانهيار المُتتابع للأنظمة، فُتِحَ باب هذه الصراعات الذي كان مغلقاً بسطوة القمع وإرهاب الدولة. غير أن الانهيار الأخير يدفع إلى جعل الباب مُشرَعاً أمام أكثر الأسئلة تأسيساً، من نحن؟ هل نرغب بالعيش سوية؟ وما هي شروط الحياة سوية؟ دون أن يكون لنا حد أدنى من التوافق على الإجابة على هذه الأسئلة أو امتلاك الحد الادنى من الشروط التي تُتيح لنا إنتاج مثل هذا التوافق. ومحاولةُ الإجابة عن هذه الأسئلة لا يُمكن لها أيضاً أن تُطرَح دون إعادة النظر في علاقات السيطرة والسلطة والمساواة والكرامة بين هذه الجماعات، أي إعادة النظر فيما يبدو لنا طبيعياً ومعيارياً حول طبيعة الاجتماع من وجهة نظر كُثر، سواء تحت مسمى الديمقراطية أو الدين أو القومية أو غيرها. إن الأسئلة التي رافقت الحروب الأهلية تمسُّ عُمقَ إدراكنا للعالم وعُمقَ شكل الحياة لدينا. ماذا تعني المساواة بين المواطنين؟ ولكن أيضاً بين الجماعات؟ هل يمكن لنا أن نكون مواطنين وجماعات إثنية في الوقت ذاته؟ ماذا يعني أن يكون للكردي أو الأمازيغي أو الأفريقي نفس حقوق العربي؟ ماذا يعني أن يكون للمسيحي والأرواحي (من أصحاب الديانات الإفريقية المحلية) والعلوي نفس حقوق المسلم؟ والسؤال عن الحقوق هنا ليس سؤالاً يخص المواطن-الفرد، إنما يُحيل إليهم بوصفهم أعضاء في جماعات إثنية. إن النظر في هذه الأسئلة ومحاولة تقديم إجابة عنها، تضع كل شكل الحياة الخاص بنا موضعَ التساؤل، من الثقافي إلى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والديني.

        2- خلال العامين اللَّذين تليا هجوم حماس على إسرائيل، حصلت مجزرة مروعة في غزة، ليس فقط تحت سمع ونظر العالم وتجاهله، إنما – وللغرابة – بمباركته. رافقتها حرب ضد حزب الله وأخرى ضد إيران وسقوط النظام السوري بينهما، وهو ما عنى انكسار محور الممانعة وهزيمته التامة. لم تقتصر هذه الهزيمة أيضاً على كونها هزيمة عسكرية أخرى تُضاف إلى هزائمنا العديدة، إنما هزيمة أنهت – على نحو جدي مثلما يبدو – القضية الفلسطينية، بحيث أننا ننتظر فقط الإعلان الرسمي عن موتها. هذه الهزيمة عَمَّدَت نفسها بمجزرة مهولة لحقت بالفلسطينيين، في سياق عجز عربي عن منعها أو مواجهتها أو التخفيف منها. فيما تبحث دول المواجهة الباقية عن موقع لها في النظام الإقليمي قيد التشكل، موقع يقيها فقط من الانهيار في غياب أي مناعة وصلابة داخليتين، وغياب أي أفق لإنتاج مثل هذه المناعة والحلول القادرة على صيانة ما بقي كذلك.

        لم يعد العجز العربي يُشير إلى مجرد عجز، حتى لو كان كشفاً للحساب بفوات وتأخُّر العرب! إنما إلى تحول أساسي في نظرة العرب إلى أنفسهم. فالعرب لم يعودوا عرباً، باعتبارهم جماعة لها تصورات عامة – على تباينها واختلافها – عن أمنها وموقعها وعلاقاتها. انحلَّ العربُ في جماعات-أمم (وفي أحيان أكثر في جماعات دون الأمم) مُتباينة ومختلفة تماماً، لها تصورات مُتغايرة وحتى متناقضة عن مصالحها وأمنها، بما في ذلك الموقف من إسرائيل، بما يجعل من المستحيل الحديث عن أمة عربية أو جماعة عربية حتى في أشد الصيغ عموميةً وتجريداً. أعلنت الهزيمةُ نهاية حقبة تاريخية كاملة من العروبة أو الذات الواحدة وكل ما يرتبط بها من تصورات عامة (سياسية واستراتيجية وثقافية وغيرها)، مُعلِنة بدء عصر جديد ليس من الواضح كيف سنتحدّثُ فيه عن أنفسنا، هل صرنا دولاً-أمماً؟ أم أننا مرشحون لمزيد من الانقسام وتشكيل دول جديدة، أو صيغ أخرى من التجمع؟ لا أحد يعلم، لكن من الواضح، أننا غادرنا المرحلة التي اعتدنا أن نُشير فيها إلى أنفسنا ونُدرك أنفسنا أيضاً باعتبارنا ذاتاً، بالحد الأدنى، تبحث عن مكان لها تحت الشمس. ربما، تشي عبارة عبد الله العروي الأخيرة عن المغرب بوصفه جزيرة مُطوَّقة بالكثير هنا، خاصة أنها من مفكر وقف أعماله الفكرية الكبرى على سؤال العروبة.

        3- منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وتَشكُّل الدول العربية كوحدات سياسية مستقلة أو شبه مستقلة، جرَّبَ العربُ طيفاً واسعاً من الإيديولوجيات السياسية، من الليبرالية إلى الاشتراكية والقومية وحتى الإسلام، من الحداثة والمعاصرة إلى الأصالة والتقليد، بالترافق مع مروحة واسعة أيضاً من الأنظمة السياسية الجمهورية والملكية، والأنظمة الاقتصادية المختلفة. لكن شيئاً لم يتغير في واقع الهزيمة والانكسار والخيبة، لقد جرَّبنا حقاً كل شيء تقريباً، وهُزمنا! بالتأكيد يمكن الادعاء أن هذه الإيديولوجيات لم تتحقق بحسب المثال المُرتجى، وأن الدولة الوطنية الحقّة لم توجد يوماً، مثلما أن الليبرالية الحقّة أو الاشتراكية الحقّة لم تتحقق يوماً في بلاد العرب. لكن هذا أيضاً بدوره خلاصة أساسية يجب الانطلاق منها. 100 عام من تاريخ الدولة الوطنية، دون أن تتحقق هذه الدولة الوطنية حقاً. تماماً، مثل عقود الليبرالية أو عقود الاشتراكية والقومية دون أن يتحقق النموذج الليبرالي أو الاشتراكي أو القومي حقاً، بل على العكس تماماً: أن يتحقَّقَ نَقيضُه. حتى فيما يتعلق بالإيديولوجيات التي لم تصل إلى السلطة وبقيت خياراً ثقافياً محدوداً دون نجاح سياسي، فإنها بدورها جُرِّبَت ولم تصل أصلاً إلى الحد الأدنى من الهيمنة السياسية التي تُمكنها من الحلم بالسلطة.

        أيضاً يمكن إضافة تحديات مثل الانهيار البيئي الذي تواجهه بلادنا مع التحول المناخي، وما يعنيه من انهيار شروط المكان نفسها من حيث قدرتها على تأمين الموارد والقدرة على إدامة الحياة، وما يرافقه من انهيار اقتصادي وبلاد مُحطَّمة بفعل حروبٍ وأزماتٍ وتفاوتٍ هائل في توزيع الثروة وانفجاراتٍ ديمغرافية مهولة (العراق 45 مليون، اليمن 40 مليون، مصر 105 مليون). وفي العديد من هذه البلدان لا يبدو الاتجاه الانفجاري في السكان مرشحاً للتباطؤ قريباً، فضلآً عن الحديث عن إيقافه. وهذه جميعها تحديات مهولة قد تؤدي إلى انهيار مجتمعات مستقرة لا تعاني أزمات كبرى في مواجهة أسئلتها التأسيسية مثل مجتمعاتنا.

        تُشير هذه الملاحظات إلى هزيمة تتجاوز بشكل كيفي هزيمة 1967، خاصة فيما يمسُّ الإطار الذي انتظمَ فيه التفكير بهزيمة 1967 بوصفها هزيمة حضارية تامة وشاملة.

        غير أن التباين الأساسي يتعلق بفكرة الذات نفسها، ففي حين كانت الذات في سياق هزيمة 67 واضحة وبديهية إلى حد كبير، فإننا اليوم نواجه انفجار الذات وتشظّيها. كانت الذاتُ في مواجهة الآخر (الغرب أو الاستعمار أو إسرائيل) واضحةً تماماً وهي العرب، حتى لو تم تعريف العرب بالإسلام مثلاً في مواجهة «هُم» أجنبية وغريبة. والهزيمة كانت هزيمة أمام هذه الذات المغايرة، أمام الأجنبي. قد يكون التباين في مشاريع النهضة العربية كبيراً جداً، مثل التباين بين العروي والجابري وطرابيشي وعبد الرحمن، لكن تجمعهم نقطة الانطلاق هذه إلى حد كبير؛ أعني فكرتهم عن العروبة وحديثهم باسم جماعة هي العرب باعتبارها معطىً واضحاً لا يلزم التفكير فيه. وهؤلاء العرب يقفون في مواجهة آخر، الذي هو بدوره واضح (الغرب واسرائيل). الحدود التي تفصل بين الذات والآخر تبدو واضحة.

        بالتأكيد، لا يستطيع الأجنبي الانتصار دون مساعدة من عملاء أو أعوان أو انقسامات أهلية. لكن هؤلاء يبقون إضافة على الصورة الرئيسية المُعرَّفة بالمواجهة مع الآخر الغريب، إضافة إلى صورة تَخارُج عن هذه الذات؛ برجوازية كومبرادورية أو رجعية عربية. حتى هذا التخارُج لم يتم تصنيفه على أساسٍ إثني، فخلال الحرب الأهلية اللبنانية لم يُقدَّم المسيحيون بصورة خارج، بل لطالما تم التأكيد على عروبة الموارنة تحديداً.

        الآن، أمست ثنائية «نحن وهم» غير صالحة، إذ جاء الانفجار من داخل الـ «نحن» ذاتها؛ المواجهة بين المصريين في الشوارع ونظام جمهورية الضباط في مرحلة مبارك، ولاحقاً الانقسام المصري الكبير خلال ما بعد مبارك في عهد المجلس العسكري ومن ثم الفترة القصيرة الديمقراطية «نسبياً» في عهد الرئيس مرسي (2012-2013)، وأخيراً الثورة المضادة التي قادتها جمهورية الضباط. لم تكن المواجهات والحروب بين «نحن» و«آخر»، بل داخل النحن نفسها، الذات نفسُها التي سعت المشاريعُ الفكرية العربية إلى استنهاضها لمواجهة الآخر. الحروب الأهلية التي ظهرت كالفطر في بلاد العرب ليست حروباً مع آخرين، إنما حروب الأهل أنفسهم. الذات، التي كانت تُقدَّم بوصفها معطى، لم تعد كذلك.

        اليوم، تنفجر الذات أمامنا على كل مستوى؛ خروجٌ كلي للآخرين منها سواء كانوا هوامش قصوى – مغايرة في الدين والإثنية مثل الأفارقة الذين يدينون بالمسيحية أو الأرواحية – أو هوامش دنيا من الذين يُمكن التماهي معهم بدلالةٍ ما، مسيحيون عرب أو كُرد مسلمون أو دروز عرب وهلم. بل إن الذات المُعرَّفة بأقصى كمال مُفترض تتشظّى، شيعة وسنة، أشاعرة ومتصوفة وسلفيون. الأقاليم العربية تبتعد عن بعضها، كل شيء يتفكك ويتبخر. الانفجارات والصراعات والانهيارات صارت أموراً شديدة المحلية والذاتية، وليست في مواجهة الآخر، من سوريا إلى اليمن إلى ليبيا والسودان والعراق. اليوم، نواجه هزيمة تَطرحُ هذا التصور المركزي للتساؤل، وهي لا تُسائِل دقة التشخيص أو صوابية العلاج فقط، بل الإطار المرجعي الذي نجد أنفسنا فيه؛ فكرتنا عن أنفسنا كعرب.

        وتأسيساً على التباين الأساسي تظهر تباينات أخرى، فوضوح الذات العربية جعل مشاريع النهضة والإصلاح تنطلق من نقاط مُحددة تتعلق بكيفية محاربة بذور التخلف لدينا من أجل تحقيق النهضة، بما يُمكِّننا لاحقاً من إقامة علاقة أكثر تكافؤاً مع الآخر! وهذا يجمع كل تلك المشاريع، على تبايُناتها الكبيرة في التشخيص والعلاج المُقترح. كانت الهزائم أمام الآخر تظهر لنا دوماً كمرآة وبوصلة معيارية للنظر إلى أنفسنا واكتشاف عيوبنا ومثالبنا، مثالب التخلُّف التي علينا محاربتها ومكافحتها، سواء كانت الطبيعة الطبقية لمجتمعاتنا أو فواتها التاريخي أو العقل البياني-العرفاني. في مواجهة هذه الأمراض كانت الحلول تقوم على الخلاص من تلك الآفات: تجاوز البنية الطبقية لمصلحة أخرى أكثر ثورية، تاريخانية تقطع مع التراث وتتبنى العقل البرهاني، وفي نسخ مُغايرة العودة للأصول. كل هذه المشاريع، بما رافقها من تشخيص الداء واقتراح الدواء، بقيت تدور حول العلاقة مع الآخر، وبمعنىٍ ما كان النحن والآخر فيها معطيات واضحة، نحن وهم، نحن على سرير التشخيص وهم مرآة المُشخَّص، وهو ما يجعل العلاج (وصفة مشروع التحديث) ممكناً مهما بدا صعباً وبعيداً.

        ويسمح تثبيت دلالة الذات أيضاً بتثبيت العديد من العوامل الأخرى باعتبارها عوامل غير هامة ولا متغيرة، حتى تلك غير المتعلقة بها مباشرة مثل البيئة والجغرافيا أو الديمغرافية (وكانت تُشتَقُّ من التطور الاقتصادي في مجمل نظريات التحديث). لكن اليوم، وما أن تنفجر الذات، حتى تتجلى عدم إمكانية تثبيت أي عامل وبالتالي غياب كل إطار ممكن لصياغة الأسئلة والتحديات نفسها. لقد أصبح من المحال الحديث عن الإمارات والصومال ومصر، مثلاً، في سياق تصور مُوحَّد وعام مهما بلغت درجة تجريده وعموميته. وما يَصْدُقُ على الدول، صار يَصْدُقُ على كل دولة بذاتها. سوريا، بلد مُدمَّر ولا تَصوُّرَ عن كيفية إعماره ومن يتولاها وما هي شروطها ولمصلحة من وما هو الشرط البيئي والديمغرافي لمثل هذا الإعمار، وكيف يُمكن أصلاً التفكير في هذه الشروط وإمكانية تحقيقها أساساً في ظل الانقسام الأهلي نفسه وتَنازُع تَصوُّراتنا وقيمنا الأساسية التي يُفترَض أن نرتكز عليها لدى الحديث عن برامج؟ لا شيء يمكن تثبيته والانطلاق منه للنظر في الشأن الاقتصادي أو الشأن السياسي أو الثقافي من خلال برامج إصلاح وعمل محددة. إذا أُخَذَ كل هذا في الحسبان، فإننا لا نقف أمام صورة معقدة، إنما أمام صورة انهيار كاملة.

        بالطبع، اليوم أيضاً يمكن لنا الحديث عن سياق الهزيمة الطويل، وتحليل دور دول الخليج، أو الطبقات الاجتماعية، أو النظم السلطوية، أو الانكسارات الأهلية وكيفية الاستفادة منها وتغذيتها من طرف فاعلين مختلفين، أو استراتيجية المواجهة، وهلم. بالتأكيد يمكن تحليل كل هذا، وهو أمر ضروري، لكن تحليل هذا العامل أو ذاك يجب ألا يحجب الصورة كلها؛ أن الهزيمة تشمل كل شيء ويمكن النظر إليها من أي مستوى وانطلاقاً من أي عامل تحليلي. فالتحليلُ على المستوى السياسي وما يمكن أن يُقدَّمَ من برنامج عملي سياسياً لن يُجيب عن أسئلة الانهيار على المستوى الاقتصادي أو غيره، والتحليل الاجتماعي لن يجيب عن الثقافي، والأهلي عن العسكري، وهلم. الانهيار والتراجُع حاضرٌ في كل مستوى، في كل زاوية، في كل نظام فرعي، وهو الواقعة الوحيدة الأكيدة والكلية في كل ما نراه.

        سابقاً، كان التفكير في الهزيمة تشخيصاً للمرض وتوصيةً بوصفة علاج. لقد فشلت كل وصفات العلاج ووصلنا اليوم إلى الوقوف أمام مرض عضال استفحل تماماً، ولا نستطيع معه شيئاً أكثر من تقديم مُخفِّفات الألم من أجل نهاية أقل مأساوية وأكثر احتمالاً. بالتالي، يطرح عمق الهزيمة ما لم نجرؤ على التفكير فيه إلا من طرف أفراد، وهو إعلان الهزيمة والاستسلام كخطوة أولى. الاستسلام بدوره أمرٌ شاق ويحتاج الكثير من الشجاعة والتعلم، وكثيرون في التاريخ فضلوا الاستمرار في الحرب حتى الموت والانتحار. كذاك فإن زمن الاستسلام مهم، البعض ينتظر حتى اللحظات الأخيرة حين لا يعود الاستسلام مجدياً. لا يمكن التعلُّم من الهزيمة دون الاعترافِ بها، وهو أمرٌ نادراً ما فعلناه حقاً. لكن وأمام هزائم كبرى، لا يمكن التعلم دون حيازة الإمكانية المرتبطة بالوقت واستمرار شروط الحياة في حدها الأدنى بما يسمح لنا بالتعلّم، وهذا لا يُمكن تَوفُّرهُ دون الاستسلام ودفع ثمن الهزيمة.

        أسئلة التاريخ العميق

        في ورقته الدولة والثورة في الإسلام، يستعيدُ إرنست غيلنر كلاً من فريدريك إنجلز وابن خلدون في تحليلهما لتاريخ المشرق باعتباره دورات متكررة، حيث يُبنى التحليل على مركزية المواجهة بين المدينة والبداوة المُستنِدة على العصبية، مواجهة مرتكزة على المدينة المُحاطة بالصحارى والبوادي بما يُحيل إلى خلفية إيكولوجية تشترط الاستجابات وأشكالَ الاجتماع. في استعادته أفكار إنجلز وابن خلدون، يطور غيلنر نظريته حول دورة الثورة والدولة في تاريخ الإسلام. في البدء وفي مواجهة مظاهر الفساد والظلم والجور، تنطلق الثورة من الأطراف الريفية -البدوية مستندة في دعواها على نسخة طَهورية من الإسلام، غازيةً المدينة ومؤسِّسة لدولة جديدة من دون تغيير النظام الاجتماعي نفسه. وما أن تملك النخبةُ الجديدة الدولة، حتى تبدأ بالاستقرار، مثلما تبدأ أيضاً برعاية إسلام شعبي-صوفي قائم على الطاعة والخضوع. مع تَملُّكِها للثروة وحياة الرفاهية والدعة، ينخر الفساد عصبيتها ويُضعِفُ شوكتها، يحل الجور والظلم وتزداد البدع مفتتحة الطريق لبدء دورة جديدة من الثورة التي يقودها إسلام طَهوري.

        يظهر الإسلام بشكل مزدوج المعنى في هذه الخُطاطة، إسلام أصولي يرعاه الفقهاء يقوم على مرجعية النص المعياري مُمَثَّلاً في الشريعة، والذي يُشكّل قوة ثورية دافعة للعودة إلى الأصول، خاصة في غياب كهنوت رسمي يقوم على احتكار الوصول إلى الشرعية، بما يسمح للدعاة الثوريين العودة المباشرة والكلام باسم النص المُؤسِّس. والجانب الآخر من الإسلام يتمثل في إسلام شعبي صوفي دنيوي يُؤمِّن الطاعة والخضوع. لم تتغير هذه الوضعية مع الحداثة بشكل جذري كما يُفترَض، حيث أن الحداثة القومية تلاقت مع الإسلام الأصولي في طبيعتهما التوحيدية والمُجانِسة والمعيارية للثقافة. ومع انتشار التعليم والثقافة الموحدة بفضل التعليم ونشوء طبقة وسطى حديثة، فإن المُعايَرة التي يقتضيها الإسلام الأصولي أخذت دفعاً قوياً من الدولة القومية الحديثة وأدواتها لتشكيل دولته بالتواشُج معها، مُستأنِفاً الدورة التاريخية.

        الملاحظة الأساسية، وقد سبق إنجلز في الإشارة إليها وتبعه غيلنر، أن التاريخ بمعناه التقدُّمي – التقدُّم في التاريخ – يغيبُ هنا لمصلحة التاريخ الدوري الذي ينحلُّ في دورات، تبدأ الواحدة منها كل مرة من حيث انتهت إليها سابقتها لتُعيد إطلاق دورة جديدة من العودة إلى الأصول. كل شيء هنا يتغير كما يبدو من أجل أن لا يتغير شيء في الحقيقة على مستوى القاعدة العميقة للاجتماع. لا تبدو هذه الملاحظة حاضرة وبشكل واضح للعديد ممن يستعيرون نموذج ابن خلدون ومفهومه عن العصبية، حيث يظهر التاريخ دائرياً لا يسير إلى الأمام، والثورةُ لا تعني إلا العودة إلى الأصل. يظهر الجابري، الذي استعاد توليفة ابن خلدون في عمله عن العقل السياسي العربي ومُحدِّداته، العقيدة والعصبية والغنيمة، مُدرِكاً لهذا وقد أسَّسَ له بما يتجاوز التاريخ الاجتماعي والسياسي، مُمِوقَعاً إياه في بنية العقل العربي نفسه الذي هو عقل مُكوَّن، مُستتبَعٌ لعقل مُكوِّن خلال عصر التدوين.

        المُعضلة بحسب هذا التحليل ليست في الفعل السياسي، الذي يفعل على السطح، إنما في البنية العميقة للاجتماع والتاريخ العربيين/الإسلاميين، في القاعدة الأساسية التي ترسم لنا مُحدِّدات الفعل التاريخي وإمكانياته.

        على جانب آخر، يُقدّم إيمانويل تود نظريته العامة في التطور الإنساني عبر ثلاث طبقات مُتراكِبة تعمل عبر ثلاثة أزمنة أساسية: 1-زمنٌ لاواعٍ تُقاس فيه التغيرات بآلاف السنوات، وفي هذا الزمن تعمل الأنساق الأنثروبولوجية مثل نظم العائلة والقرابة والنظم الثقافية المُحدِّدة للقيم والمعايير وخاصة الدين. 2-زمنٌ شبه واعٍ يُقاس بمئات السنوات، وهنا نجدُ القوى الدافعة المرتبطة بالأُمية والتعليم وانتشاره. 3-الطبقة الثالثة القائمة على الزمن الواعي، حيث السياسة والاقتصاد، وهو الزمن الخاضع للتغيّرات السريعة المُقاسَة بالسنوات.

        كل طبقة تُحدِّد الخيارات المُتاحة للفعل بالنسبة للطبقة التي تليها، لكن في المقابل فإنها تتأثر بدورها – بما يشبه التغذية العكسية – بالعوامل التي تُفعَّل في الطبقة الأعلى. فنُظُم العائلة والنُظُم العقائدية تُشكل اللَّبنات الأساسية والمركزية في بناء المجتمعات وتاريخها، حيث أنها تُعرِّفُ القيمَ الأساسية الناظمة للمجتمعات وسلوكها، مثل الفردانية والجماعية والولاء، التي بدورها تُشكِّل الخيارات الإيديولوجية الكبرى (سلطوية وليبرالية وغيره؛ على سبيل المثال يربط تود الأنظمة الديمقراطية والليبرالية بنظام العائلة النووية)، وتُحدّدُ أشكال استجاباتها للتحديات والتوجهات الأساسية نحو التعليم (مثل تشجيع البروتستانتية للتعليم). بالمقابل، فإن انتشار التعليم وتوسُّعه الكبير يؤثر بدوره بشكل عكسي على النظم القيمية الكبرى وأشكال العائلة. هذه التأثيرات تبقى منضبطة في الأطر الزمنية الخاصة بكل طبقة، فتَوسُّعُ التعليم (وهو ما تم خلال قرون مثلما حصل في الغرب، ولكن أيضاً بشكل أسرع في بلاد العالم الثالث) يؤثر على النُظم العائلية التي تتأثر وتتغير لكن عبر مُدد زمنية طويلة.

        يُشير تود إلى أن نظام العائلة السائد في العالم العربي هو نظام العائلة الجماعية القائمة على الزواج الداخلي، زواج أبناء العمومة والأقارب. وهذا النموذج للعائلة الجماعية هو نتاج تاريخ طويل منذ بدء ظهوره في بلاد ما بين النهرين قبل نحو 6000 سنة، وبهذا فهو يقبع على نهاية سلسلة تاريخية طويلة من الانتصار الساحق للبطريركية الأبوية. يمتاز هذا النموذج بوجود سلطة أبوية راسخة ومُهيمنة، ومساواة أفقية بين الأشقاء الذكور، وهوية جماعية شديدة القوة، بحيث يحظى الولاء بقيمة مركزية وعالية في مقابل تعزيز الخشية والحذر تجاه الغرباء. العائلة الجماعية العربية تترافق مع الزواج الداخلي، الذي يُعزز بدوره نظام العائلة الجماعية ويُرسخ السيطرة الأبوية وإخضاع النساء ويُعزز قيم الولاء للجماعة والتفاعل مع خارجها، ويُقلِّل بالتالي من الانفتاح على الأفكار الخارجية.

        وعلى المستوى الاعتقادي المرافق للعائلة يحضرُ الإسلام الذي يعزز نظام العائلة الجماعية، ويُرسِّخ قيم الجماعة والولاء في إطار إيديولوجي شديد القوة عبر الشريعة، ويُقوي توجهات ديمغرافية تُشدّد على الخصوبة والعائلة وتماسكها ويعزز السلطة الأبوية داخل الأسرة، وهو ما يحكم ملاحظة تود عن تدهور وضع النساء في المجتمعات العربية مع الهيمنة المتزايدة للإسلام الطهراني، ويَصدُقُ هذا حتى على المجتمعات القبَلية حيث تَراجَعَ وضع النساء المتقدم نسبياً بين القبائل العربية مع هيمنة الإسلام الطهراني، مثلاً شخصية فاطمة الزامل السبهان التي مارست الحكم بشكل غير مباشر في إمارة آل الرشيد في حائل. هذا النموذج – بحسب ما يُشير له تود – يُحدد استجابات ثقافية معينة تقوم على الولاء والطاعة الجماعية وسيطرة النظام الأبوي الراسخة والسلطوية، وإقصاء النساء عن المجال العام، واللاتي يُعامِلنَ رجالهنَّ داخل المنزل بوصفهم أطفالاً كباراً، أطفالاً في أجساد رجال. يتساءل تود؛ ماذا يُمكن لنا أن نتوقع من مجتمعات تسجن نصف أعضائها، وتُعامِل النصف الآخر بوصفهم أطفالاً بأجساد الكبار؟ إن نظام العائلة الجماعية والدين، وهي المُحدِّدات الأنثروبولوجية الخاضعة للزمن اللاواعي، يقفان في نهاية مسار تاريخي طويل وصلَ إلى منتهاه. ولا يحفز إطلاق عمليات تطورية وتاريخية نحو الديمقراطية والابتكار والمبادرة، وهي ميزات مستوحاة من قيم الفردانية التي لا يسمح بها نموذج العائلة الجماعية أو يُعززها.

        هناك إطار آخر يُمكن التفكير فيه حول السؤال عن الهزيمة، وهو الدولة ونموذجها المُتحقِّقُ عربياً، النموذج السلطوي بوصفه إطاراً مُفسِّراً وشارِحاً للهزيمة. فالدولة السلطوية تَغوَّلت على مجتمعها وأخضعت كل النظم الفرعية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، لتأمين شرعيتها بما يمنع من تشكيل شرعية سياسية حقة وقدرة على المحاسبة وضمان حكم القانون والمواطنة. فالدولة السلطوية شغلت كافة المساحات المُتاحة واحتكرتها، نازعةً عنها أية عقلانية خارج سياق سؤال السلطة والاحتفاظ بها، بما يحطم العقلانية الخاصة بكل من هذه الأنظمة الفرعية. فالجيش لم يعد جيشاً محترفاً ومُؤهَّلاً للحرب بل تحول إلى جهاز لحفظ سيطرة النظام السلطوي، والاقتصاد لم يعد قائماً على تحقيق عقلانية اقتصادية بل الثروة باتت لأهل السلطة وتأمين العطايا لرشوة المجتمع، والبيروقراطية لم تَعُد مُؤسَّسة تُعبِّرُ عن العقلانية والقانون بل مكاناً للأتباع والموالين ومدخلاً للفساد وتحصيل الثروة ومراقبة واضطهاد المعارضين.

        غير أن التفسير بالدولة السلطوية يُبقي أمراً يحتاج للتفسير، وهو سلوكُ المجتمعات نفسها في مواجهة الدولة ومخيالُها السياسي. لسنا وحدنا من ابتُلِي بأنظمة سلطوية، ولم تكن خبرتنا الأسوأ مع الاستعمار والإرث الذي تركه لنا. على العكس، تبدو خبرة العديد من الدول العربية مع الاستعمار، وخاصة في المشرق، ضئيلة وأقرب إلى خبرة إيجابية فيما يتعلق بالاقتصاد والبنى التحتية والإدارية، مثلما علينا أن نأخذ بالاعتبار أن الدولة العربية ليست محضَ اختلاق استعماري، إنما جذورها الأولى كانت محلية مع محمد علي والإصلاح العثماني. إن الدولة، بالتأكيد، عاملٌ أساسي يجب أخذه في الاعتبار، لكن لا يمكن الاكتفاء بالنظر إليه وإهدار الجانب الآخر من العلاقة والمُتمثِّل بالمجتمعات المحلية نفسها، وهو ما يضعنا مرة أخرى أمام سؤال التاريخ العميق المتعلق بالمخيلة السياسية الخاصة بهذه المجتمع ونظام قيمها ومعاييرها ومعتقداتها التي تنظّم سلوكها تجاه الدولة. إن الإطار التفسيري للتاريخ يجب أن يأخذ هنا العلاقة دولة-مجتمع بالاعتبار وليس أحد طرفيها (الدولة تحديداً)، وهو ما يَسمحُ به نموذجا تود وغيلنر.

        رغم تَبايُن نموذجَي تود وغيلنر، إلا أنهما وفي نماذجهما التحليلية للتاريخ الشرقي يستدعيان لبناتٍ تعمل على مستوى يمكن تسميته بالتاريخ العميق. طبقة من المحددات العميقة، نظام العائلة والدين بحسب تود أو النظام الإيكولوجي للعلاقة بين المدينة والبداوة مع الإسلام بحسب غيلنر، التي تُشكل الإطار التوجيهي الخاص بالدوافع والرؤى والاستجابات المُمكنة على مستويات السياسة والاقتصاد والتعليم والإدارة وغيرها، تلك الطبقة السطحية سريعة التغيُّر والتحوُّل، لكنها لا تتأثر بدورها وبشكل مباشر وسريع بتحولات هذه الطبقة السطحية.

        إن عُمق الهزيمة وشمولها، وعدم جدوى الخيارات السياسية والاقتصادية والثقافية المتنوعة في مواجهتها، وأخيراً ما يترتب عليها من انهيارات اجتماعية كُبرى، يشير إلى الحاجة إلى النظر في طبقة أعمق من التاريخ والاجتماع لفهم ما يحصل. فالهزيمة والانهيار يُمكن أن يكونا مفهومين إن نظرنا إلى التاريخ العميق، فالعطبُ هناك، في الطبقة الأعمق التي تتجاوز أسئلة الإيديولوجيا والسياسة والاقتصاد.

        لا تقتصر الهزيمة على هزيمة نظام سياسي أو اقتصادي أو تنموي، ولا يمكن تَدارُكها عبر التعليم والمدارس، إنما تقبعُ في طريقة إدراكنا للعالم ولأنفسنا، ولنظام القيم الخاص بنا الذي يُحدد لنا أفق توقعاتنا واستجاباتنا الممكنة، نظام القيم الذي يحدد لنا الواجب والخير وموقفنا تجاه السلطة والأفراد والجماعات، وبالتالي انحيازاتنا الإيديولوجية والسياسية وأشكال سلوكنا. هذه البنية العميقة وصلت اليوم – كما يظهر – إلى أقصى حدودها التاريخية، إلى انهيارها وفشلها وتفسُّخها، وهي عملية لا يمكن معالجتها بوصفات وبرامج سياسية واقتصادية، إنما بتحوُّلٍ تاريخي طويل المدى يأخذ كامل مداه من التفسّخ والدمار وصولاً إلى موته وانبعاث ما هو جديد. هنا لا نملك الكثير لنفعله سوى المراقبة وتقديم بعض المقارنات التاريخية التي – ربما – قد تسعفنا في الفهم. مثلاً، يُمكن النظر إلى عصرنا الحالي – الإسلام في العصر الحادي والعشرين – على ضوء المسيحية في القرن السابع عشر، قرن انهيارها الكبير، وهو انهيار مدوٍ ومليء بالموت والخراب، عصر الحروب الدينية ومحاكم التفتيش وحملات صيد الساحرات وانهيارات الدول ونُظُمها. لا يعني هذا أيضاً بالضرورة أن تكون مخرجات هذه المقارنة نفسها. الولادة الجديدة التي نجحت في مكان ما، ومهما كان كلفتها عظيمة، لا يعني أنها سوف تنجح في مكان آخر.

        يُساعد التفكير في التاريخ العميق على استكشاف جانب من الهزيمة والانهيار، وهو أنه انهيارٌ لا مفرَّ منه ولا نملك أمامه – في أقصى ما يمكن لنا القيام به – سوى التخفيف قليلاً من آلامه. وأيضاً، وهو المطلب الأساسي الذي يبقى لنا هنا، هو الخروج، الخروج من هذا المنطق العميق للتاريخ، وهنا تبدو الاستعارة التوراتية مفيدة؛ إن كان هناك اسمٌ يصلح لِزَمننا فهو أنه زمن الخروج.

        خاتمة

        إن الهزيمة كما تجلت خلال العقود الأخيرة كانت المرحلة الأخيرة من التحلل والتفسخ الذي كنا نعانيه، كانت انفجاراً للذات نفسها وتشظياً لها. وهذا ما يجعل من الهزيمة هزيمة نهائية وتامة مقارنة بالهزائم التي عرفناها خلال القرن الماضي، ولكن أيضاً تتويجاً لها. فالهزائم العديدة والمتكررة التي عبّرت عن مسيرة من الانحلال لها أثمانٌ يجب دفعها وخاصة مع تراكمها المزمن، والثمن الذي نشهده اليوم هو التفسخ والتحلل التامّان. وهذا أيضاً يجعل من الهزيمة الحالية أكثر جذرية كونها تُشير لانفراط وانفجار الإطار العام الذي كنّا ندرك أنفسنا عبره، وانفجار كل معنى من حولنا.

        حجمُ هذه الهزيمة، وأنها تأتي تتويجاً لمسيرة مديدة من الانحطاط، أمرٌ يستدعي مقاربةَ أسبابها وفهمها من زاوية أنثروبولوجية، بوصفها تعبيراً عن انغلاق حضاري يتجاوز وصفات سياسية أو برامج اقتصادية وغيرها. لدينا في تاريخ التفكير بالهزيمة محاولات عربية هامة لاستشراف أسبابها، من نقد العقل العربي أو الديني والإيديولوجيا العربية أو البنى السلطوية، غير أنها ومع كل فائدتها بقيت داخل مفهوم الذات الحضارية المُعطاة والمبدّهة (وهو أمر كان ممكناً وقتها إلى حد ما)، إضافة إلى طبيعتها التشخيصية والإيديولوجية الساعية إلى استئناف الفعل الحضاري لهذه الذات، وأنها كانت أسيرةً لفكرة السبب الأصلي لهذا التراجع (مثلاً العقل) بما يُمكِّنها من طرح برنامج علاجي. اليوم، تبدو هذه المحاولات مُتجاوَزة، فالإطار الذي يحكم تفكيرها انهار، والتشخيص العلاجي المكتفي بسببية أحادية لم يعد كافياً للتعبير عن فشل حضاري عام. وهذا ما يُفترض أن يدفعنا إلى مقاربة أخرى أنثروبولوجية، يُقدم غيلنر وتود أمثلة لها، تشرح هذا الانهيار دون اعتبار للسؤال العلاجي القديم.

        عوضاً عن علاج، فإن علينا البدء من جديد! البدء من أول صفحة بيضاء تماماً، وليس نشأة مُستأنفة. البدء دون «نحن» معطاة وواضحة، ولكن أيضاً خارج «النحن» التي اعتدنا على تعريف أنفسنا بها. وهذا البدء من جديد لا يمكن له أن يتم دون دفع ثمن الهزيمة والانهيار بشكل تام، دون استسلام وخروج. لا أحد يعرف كيف لنا البدء من جديد، لكن ما هو واضح أن هذا البدء لا يمكن أن يحصل دون شروطه، الاستسلام والخروج، خروج بأوسع معنى يمكن تَخيُّله، وكلَّما كانَ أكثر جذرية كانَ أكثر مطابقة لما هو مطلوب.

        هل يمكن إنكار الهزيمة، كما اعتدنا دوماً، وتحويلها إلى انتصارات مُتوهَّمة؟ للأسف نعم، وعندها فإننا إلى مَوَاتٍ دون حتى أمل ببدءٍ ما.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى