كيف تحوّل آرسنال إلى “سيد الكرات الثابتة”؟
24 يناير 2026
لم تعد الكرات الثابتة تمثل تفصيلًا ثانويًا في كرة القدم الحديثة، بل باتت سلاحًا حاسمًا يغيّر ملامح المباريات، وهو ما يجسّده آرسنال هذا الموسم بأوضح صورة ممكنة.
فريق ميكيل أرتيتا فرض نفسه بوصفه الأفضل في استغلال الركنيات والكرات الثابتة في الدوري الإنجليزي الممتاز، مسجلًا أرقامًا غير مسبوقة جعلت منافسيه في حالة استنفار دائم.
وتشير البيانات التي عرضتها صحيفة “الغارديان”، إلى أن ما يقارب 30% من أهداف الدوري الإنجليزي هذا الموسم جاءت من كرات ثابتة، بين ركنيات وركلات حرة وجزاءات ورميات تماس طويلة.
ويتصدر آرسنال هذا المشهد بوضوح، بعدما سجل 17 هدفًا من أصل 40 هدفًا في الدوري عبر كرات ثابتة، إضافة إلى 19 هدفًا من الركنيات في جميع المسابقات، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: ما سر هذه الفاعلية؟ وهل يمكن إيقافها؟
الدقة في التنفيذ قبل أي شيء
يقف ديكلان رايس وبوكايو ساكا في قلب هذا التفوق. رايس، الذي ينفذ الركنيات بقدمه اليمنى من الجهة اليسرى، صنع ثمانية أهداف هذا الموسم، بينما أضاف ساكا خمسة أهداف من الجهة المقابلة بقدمه اليسرى. هذا التوزيع المثالي يسمح لآرسنال بالاعتماد بنسبة 81% على الركنيات المقوسة إلى الداخل، وهي إحصائيًا أكثر خطورة من الركنيات الخارجة.
ورغم أن أرتيتا تدرّب على يد بيب غوارديولا، المعروف بتفضيله للكرات القصيرة أو الركنيات الخارجة للحفاظ على الاستحواذ، فإن مدرب آرسنال اختار نهجًا أكثر مباشرة وعدوانية، واضعًا الهدف قبل السيطرة.
أسلوب تقليدي بلمسة حديثة
يعتمد آرسنال في تنفيذ الركنيات على مبادئ “مدرسة قديمة” ظاهريًا، إذ تُوجَّه قرابة ثلاثة أرباع الكرات مباشرة إلى منطقة الست ياردات. ورغم أن الفريق لا يُعد من الأطول قامة في الدوري (يحتل المركز 15 من حيث متوسط الطول)، فإن أرتيتا بنى منظومة دفاعية تضم عددًا من اللاعبين أصحاب البنية القوية.
غالبًا ما يشارك ثلاثة لاعبين على الأقل من الخط الخلفي في الركنيات، ويُكلف ويليام صاليبا بدور تعطيل حارس المرمى، وهو ما ظهر بوضوح في هدف الفوز على مانشستر يونايتد في أولد ترافورد، حين تسبب إزعاجه للحارس في تسجيل ريكاردو كالافيوري هدف المباراة. حينها، لم يُخفِ المدرب السابق ليونايتد، روبن أموريم، امتعاضه قائلًا إن آرسنال “مسموح له بفعل الكثير في الركنيات”.
تنويع محسوب يمنع التوقع
لكن الاعتماد على الكرات العالية وحدها لا يكفي للاستمرار. هنا يظهر دور مدرب الكرات الثابتة نيكولا جوفر، الذي يدير التفاصيل الدقيقة. المنظومة لا تعتمد على منفذ واحد؛ فمارتن أوديغارد، وإيبيريتشي إيزي، ونوني مادويكي ساهموا أيضًا في صناعة أهداف من الركنيات.
التنوع يظهر بوضوح في اتجاهات الكرات: 37% إلى العمق، 23% إلى القائم القريب، و15% إلى القائم البعيد، مع توزيع شبه متوازن للأهداف بين هذه المناطق، ما يجعل قراءة الركنيات مهمة شبه مستحيلة للمدافعين.
تبادل الأدوار والتهديد الجماعي
رغم أن صورة غابرييل ماغاليس وهو يتفوق هوائيًا أصبحت أيقونية، فإن آرسنال لا يعتمد على لاعب واحد فقط. المدافع البرازيلي سجل أربعة أهداف من كرات ثابتة، لكن 11 لاعبًا آخرين سجلوا أيضًا، في دليل واضح على الحركة الجماعية والتنسيق العالي دون كرة.
عادةً ما تنطلق مجموعة من ثلاثة لاعبين من القائم البعيد نحو منطقة الست ياردات، ما يخلق ارتباكًا في الرقابة. أحد أبرز الأمثلة جاء في الفوز على بايرن ميونيخ بدوري الأبطال، حين استغل يوريان تيمبر هذا التحرك ليسجل برأسه.
فوضى مسيطر عليها
يقوم آرسنال على خلق “فوضى محسوبة” داخل منطقة الجزاء، عبر تغيير مواقع البداية، والضغط على الحارس، وتبديل زوايا الإرسال. سبعة من أهداف الفريق هذا الموسم جاءت بعد كرات مرتدة أو “فليك” أو ارتباك أمام المرمى.
هدف لياندرو تروسارد أمام فولهام كان مثالًا صارخًا، حين حوّل غابرييل كرة ساكا إلى القائم البعيد ليجد البلجيكي نفسه دون رقابة. وفي الفوز الأخير على إنتر، لعب تروسارد دور الصانع، حين أعاد الكرة برأسه لتصطدم بالعارضة وتتهيأ لغابرييل جيسوس. هذا الضغط المتواصل تسبب أيضًا في ركلتي جزاء وأربعة أهداف عكسية، نتيجة حالة الذعر التي يفرضها آرسنال على خصومه.
توازن دفاعي يقتل المرتدات
نظريًا، يفترض أن يترك هذا الأسلوب الهجومي مساحات كبيرة خلفه، لكن آرسنال نجح في تفادي ذلك تمامًا. الفريق لم يستقبل سوى 14 هدفًا في الدوري، ولم يكن هدف إرلينغ هالاند في ملعب الإمارات سوى الحالة الواضحة الوحيدة لهجمة مرتدة.
أمام الركنيات، يتراجع الخصوم بكثافة للدفاع، ما يقلل فرص الارتداد السريع. وحتى إذا خرجت الكرة، يصطدمون بفريق يُعد من الأكثر جريًا والتزامًا في العودة الدفاعية، حتى في الدقائق الأخيرة من المباريات.
هل هناك حل؟
في دوري الأبطال، حاول باريس سان جيرمان تكوين مقاربة مختلفة، بترك لاعبين في الأمام بدلًا من التكتل الكامل، ما منحهم فرصًا أفضل للمرتدات، لكنها تبقى مخاطرة كبيرة. وقد تضطر أندية الدوري الإنجليزي إلى تبني هذا النهج بحثًا عن ثغرة في آلة آرسنال المتقنة.
وما يزيد قلق المنافسين أن أرتيتا لا يزال يطوّر هذا السلاح، بعدما بدأ العمل مع متخصص الرميات الطويلة توماس غرونيمارك، لإضافة بُعدًا جديدًا لمنظومة الكرات الثابتة. وإذا نجح ذلك، فقد تصبح مهمة إيقاف آرسنال معقدة أكثر من أي وقت مضى.



