كيف تستخدم تركيا التكنولوجيا لتغيير موازين القوى؟/ علي أسمر

2026.01.17
في قراءة أعمق لموجة المشاريع الأربعة عشر الجديدة التي أطلقتها الصناعات الدفاعية التركية مؤخرا، لا يمكن الاكتفاء بوصفها مجرد حزمة بحث وتطوير أو استعراضًا لقدرات تقنية صاعدة، بل يجب التعامل معها باعتبارها التعبير الأكثر نضجًا حتى الآن عن مدرسة تركية خاصة في التفكير العسكري، مدرسة تربط بين المختبر وساحة العمليات، وبين الخوارزمية والقرار السياسي، وبين الاستثمار الأكاديمي والتموضع الجيوسياسي ،فالتقنيات التي تحمل أسماء مثل CENGİZ وKİDA-PORT وAYAZ وZÜMRÜT وDORUK وMİTHAT وSİBER İKİZ وKUANTUM ليست تسميات بيروقراطية لمشاريع بحثية، بل عناوين مرحلة جديدة من أدوات النفوذ التركي خارج الحدود.
ما يميز هذه المشاريع أنها لا تُصمم في فراغ نظري، بل تنطلق من خبرة ميدانية تراكمت عبر مسارح عمليات حقيقية خاضتها أنقرة خلال العقد الأخير، الذكاء الاصطناعي المستخدم في مشروع CENGİZ لتطوير أنظمة تحكم قائمة على التعلم المعزز للمركبات البرية المستقلة، لا يمكن فصله عن التجربة التركية في بيئات قتالية معقدة حيث سرعة القرار وتقليل الخسائر البشرية باتا عاملين حاسمين، هذه الحاجة برزت بوضوح في الشمال السوري، حيث واجهت القوات التركية وشركاؤها خليطًا من التهديدات غير النظامية، ما جعل الاعتماد على الأنظمة المستقلة والاستشعار الذكي مسألة بقاء عملياتي لا ترفًا تقنيًا، في هذا السياق تصبح مشاريع مثل AYAZ، التي تطور خوارزميات لأشكال الموجات العسكرية الشبكية، امتدادًا مباشرًا لدروس الحرب الإلكترونية والتشويش التي شهدتها الساحة السورية.
الأمر ذاته ينطبق على مشروع KİDA-PORT المعني بتطوير أنظمة تتبع المسار للمركبات البحرية غير المأهولة باستخدام التعلم المعزز هذا المشروع لا يمكن عزله عن التجربة البحرية التركية في شرق المتوسط، ولا عن استخدام الأدوات غير المأهولة في بيئات بحرية عالية المخاطر، لكن الأهم أنه يجد تطبيقاته الأكثر وضوحًا في مسارح مثل ليبيا، حيث أظهرت العمليات أن التفوق لا يتحقق فقط عبر المنصات الكبيرة، بل عبر السيطرة الذكية على المجال البحري، وتأمين خطوط الإمداد، وتعقيد خيارات الخصم بأدوات منخفضة الكلفة وعالية الفعالية ،إن نجاح أنقرة في ترجيح كفة حلفائها في ليبيا لم يكن نتيجة للسلاح وحده، بل نتيجة لدمج التكنولوجيا بالتصور العملياتي.
في ميدان مختلف جغرافيًا لكنه متقاطع تقنيًا، تبرز تجربة أذربيجان بوصفها المختبر الأوضح للعقيدة التركية الجديدة ،الحرب في قره باغ لم تكن مجرد مواجهة تقليدية، بل نموذجًا لكيفية توظيف الاستشعار، والطائرات غير المأهولة، والاتصال الشبكي، والضربات الدقيقة ضمن منظومة واحدة ،هنا تكتسب مشاريع مثل MİTHAT، التي تركز على تقنيات الاتصال في نطاق الموجات المليمترية والتيراهيرتز، أهمية مضاعفة، إذ إن القدرة على نقل كميات هائلة من البيانات بزمن تأخير منخفض هي ما يسمح بربط الطائرات غير المأهولة، وأنظمة الاستطلاع، ومراكز القيادة في شبكة قتالية متكاملة، ما يجري تطويره اليوم في المختبرات التركية هو بالضبط ما أثبت فعاليته ميدانيًا في تلك الحرب، لكن بنسخة أكثر تقدمًا واستقلالية.
أما علوم المواد المتقدمة، التي تتجسد في مشاريع مثل ZÜMRÜT لتطوير البلورات الأحادية من الجيل الرابع، وDORUK الخاص بمواد محركات الطيران، فهي العمود الفقري غير المرئي لكل هذه النجاحات، من دون مواد تتحمل درجات حرارة أعلى، وضغوطًا أكبر، وأوزانًا أخف، لا يمكن بناء منصات جوية أو بحرية أو برية قادرة على العمل لساعات أطول وبصمة لوجستية أقل، هذا البعد يتقاطع مباشرة مع الحضور التركي في مسارح بعيدة نسبيًا مثل الصومال، حيث تلعب الاستدامة اللوجستية دورًا محوريًا في أي انتشار طويل الأمد، القاعدة التركية هناك ليست مجرد منشأة تدريب، بل منصة اختبار لقدرة المنظومة الدفاعية التركية على العمل في بيئات مختلفة مناخيًا وجغرافيًا، وهو ما يجعل تطوير الوقود المتقدم ومواد التصنيع المضاف عبر مشاريع مثل ALAZ وDEFNE مسألة استراتيجية.
في الصومال أيضًا، تتقاطع مشاريع الاستشعار والأمن البيولوجي والكيميائي مثل NEHİR وBAHAR مع واقع التهديدات غير التقليدية، حيث لا تقتصر المخاطر على السلاح، بل تمتد إلى الأوبئة، والتلوث، والهجمات غير المتناظرة، تطوير أنظمة كشف عن بعد تعتمد على تقنيات نشطة لا يخدم فقط سيناريوهات الحرب، بل يعزز قدرة القوات المنتشرة على العمل في بيئات هشة أمنيًا وصحيًا.
ولا يمكن فهم كل ما سبق من دون التوقف عند البعد السيبراني، مشروع SİBER İKİZ، القائم على مفهوم التوأم الرقمي للكشف عن الهجمات والدفاع عنها، يعكس إدراكًا تركيًا بأن ساحة الصراع القادمة لن تكون مرئية دائمًا، في سوريا وليبيا وأذربيجان، كما في أي مسرح حديث، لم تعد الحرب السيبرانية مكملة للعمليات، بل جزءًا أصيلًا منها، القدرة على محاكاة الهجمات، واختبار الدفاعات، واتخاذ قرارات استباقية في الفضاء الرقمي، هي ما يمنح القيادة العسكرية مرونة استراتيجية في مواجهة خصوم يمتلكون أدوات غير تقليدية.
أما إدراج مشروع KUANTUM ضمن هذه الحزمة، فيحمل دلالة سياسية بقدر ما هو تقنية ،الكوانتوم ليس حاجة ميدانية آنية، لكنه استثمار في كسر احتكار المستقبل، الدول التي تبدأ اليوم في بناء منصاتها الكوانتية ستكون صاحبة اليد العليا في التشفير، والاستشعار، والحوسبة خلال العقدين المقبلين، ربط هذا المشروع بمنظومة التعاون الأكاديمي الواسعة يعني أن أنقرة لا تبحث عن نتائج سريعة فقط، بل عن إعادة تشكيل موقعها في هرم التكنولوجيا العالمي.
في المحصلة، فإن ربط أسماء هذه المشاريع بالوقائع الميدانية في أذربيجان وليبيا وسوريا والصومال يكشف أن النموذج التركي لم يعد يقوم على تصدير السلاح فحسب، بل على تصدير طريقة تفكير متكاملة، البحث العلمي، والجامعة، والمصنع، وساحة العمليات، كلها باتت حلقات في سلسلة واحدة، هذا ما يمنح السياسة الخارجية التركية عمقًا إضافيًا، ويجعل من التكنولوجيا أداة نفوذ صامتة لكنها فعالة، قادرة على ترسيخ الحضور وتعديل موازين القوى من دون الحاجة إلى ضجيج سياسي دائم.
في الخلاصة، لم يعد جوهر النقاش اليوم محصورًا في حجم التطور الذي حققته تركيا في مجال الصناعات الدفاعية أو في نوعية التقنيات التي طورتها، بل في كيفية تحويل هذه التجربة من نموذج وطني ناجح إلى رافعة تعاون استراتيجي مع الدول الحليفة والشريكة، فالتحدي الحقيقي في المرحلة الراهنة لا يكمن في امتلاك التكنولوجيا فقط، بل في كسر احتكارها، وفي بناء شبكات إنتاج ومعرفة عابرة للحدود، قادرة على خلق توازن فعلي في نظام دولي يشهد اختلالًا متزايدًا في معايير العدالة والأمن في ظل الدعم الغربي غير المحدود الذي تحظى به إسرائيل، سواء على مستوى التسليح أو الغطاء السياسي أو الحماية القانونية بات من الواضح أن الاعتماد الفردي لكل دولة على قدراتها الذاتية لم يعد كافيًا لضمان الردع أو حماية الاستقرار الإقليمي.
من هنا، تتحول الصناعات الدفاعية من مجال تنافسي صرف إلى مجال تعاوني بامتياز، حيث يصبح تبادل الخبرات، وتشارك خطوط الإنتاج، وتكامل البحث العلمي، ضرورة استراتيجية لا خيارًا سياسيًا، التجربة التركية بما راكمته من معرفة تطبيقية في مسارح عمليات حقيقية، وبما بنته من نموذج تعاون عميق بين الجامعة والصناعة والمؤسسة العسكرية، تضع نفسها اليوم كمنصة يمكن البناء عليها جماعيًا، لا كنموذج مغلق يحتكر المعرفة، إن نقل هذه الخبرة إلى دول حليفة، أو تطوير مشاريع مشتركة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأنظمة غير المأهولة، والاتصالات المتقدمة، وعلوم المواد، لا يعني فقط تعزيز قدرات تلك الدول، بل يعني أيضًا خلق كتلة تكنولوجية قادرة على موازنة التفوق الغربي التقليدي، وفرض معادلات ردع أكثر استقرارًا.
في عالم تتراجع فيه القيود الأخلاقية على تصدير السلاح، وتُستخدم فيه التكنولوجيا كسلاح سياسي بحد ذاتها، يصبح التعاون الدفاعي المتعدد الأطراف هو خط الدفاع الأول عن السيادة، وعن حق الدول في حماية أمنها من دون ارتهان، بهذا المعنى، فإن المرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد المنصات التي تُنتج، بل بعدد الشراكات التي تُبنى، وبقدرة هذه الشراكات على تحويل المعرفة إلى قوة مشتركة، تفرض حضورها في معادلة دولية باتت أكثر قسوة وأقل توازنًا.
تلفزيون سوريا



