سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

مثقفون في حماية الجماعة/ إسلام أبو شكير

يناير 19, 2026

لطالما آمنتُ بأنّ الأزمات أو لحظات التحوّل الكبرى هي المختبر الحقيقيّ للأفكار. ففي أوقات الاستقرار والهدوء والرخاء السياسيّ أو الاجتماعيّ يسهل على الجميع تداول الكلمات البرّاقة ذات المضامين الكبيرة، وادّعاء أنّها تعبّر عنهم، وتشكّل جوهر مواقفهم من الحياة، ثمّ لا تلبث العاصفة أن تأتي، فيبدو عدد غير قليل من هؤلاء عراةً تماماً، في مشهد فاضح يكشف زيف ادّعاءاتهم، وهشاشة مواقفهم.

تجربة تحرير حيّي الأشرفيّة والشيخ مقصود في حلب كانت الاختبار الأخير لتلك الفرضيّة عندي. لم أكن الوحيد الذي تعرّض لطوفان مجنون من الاتّهامات بالشوفينيّة تارة، وبممالأة السلطة سعياً لمكاسب شخصيّة تارة أخرى، ثمّ بالاصطفاف إلى جانب دعاة الإبادة والتطهير، وبخيانة قيم المواطنة والتعايش التي كنت أنادي بها، إلى جانب كمٍّ هائلٍ من الشتائم التي نالت من العرض والشرف والكرامة.

لكنّ المثير للدهشة، والأشدّ إيلاماً، لم يكن الهجوم بذاته، بل مصدره: نخبة من الأصدقاء والزملاء من كتّاب وأدباء وفنّانين وإعلاميّين، سوّقوا لأنفسهم سنواتٍ كحرّاس لقيم حرّيّة الرأي والتعبير والحقّ في الاختلاف.

لقد كان تمييزي، وتمييز آخرين ممّن تعرّضوا لهذه الحملة، واضحاً منذ البداية بين “قسد” كتنظيم أو كجسم سياسيّ أو عسكريّ خاضع للنقد والمحاسبة، وبين “الكرد” كمكوّن أصيل ومتجذّر في النسيج السوريّ تعرّض كما تعرّضت المكوّنات الأخرى لظلم فادح لا يجادل أحد في أهمّيّة الحاجة إلى رفعه وعلاج الآثار المؤلمة التي ترتّبت عليه، لا كحقّ، بل كضرورة إنسانيّة وأخلاقيّة واجبة.

حتّى السياق الذي جاءت به إدانة قسد كان سياق حرص على كرامات سكّان هذين الحيّين، وفيهم أعداد كبيرة من الكرد، خصوصاً بعدما تعرّضوا له طيلة السنوات الفائتة من عزل، وتضييق، أي أنّ الأمر كان من منطلق الحرص والإحساس بالمسؤوليّة تجاههم، لا من منطلق التحريض والتجييش. كما أنّه جاء من باب الإيمان بضرورة فرض القانون الذي طالما شكا أصدقاؤنا من غيابه في فترة حكم البعث خصمهم اللدود، وخصمنا وخصم كلّ حرّ عاقل بطبيعة الحال.

المفارقة الكبرى التي تثير السخرية المريرة أنّ عدداً من هؤلاء كانوا من أشدّ المنتقدين لقسد، وسياساتها، ومرجعيّاتها، وارتباطاتها الخارجيّة المشبوهة، والفساد المستشري داخلها، وانعدام الكفاءة في صفوف قياداتها. فجأةً تحوّل انتقاد قسد إلى خطاب كراهية، وإلى فاشيّة وتحريض على الإبادة. حدث ذلك عندما خرج الانتقاد عن الدائرة الضيّقة التي يتحرّك داخلها هذا العدد غير القليل من الأصدقاء، وكأنّ الانتقاد يفترض شروطاً أهمّها أن يكون صادراً عنهم هم فقط، باعتبارهم أمناء على الهويّة الصغرى التي ينتمون إليها.

افتراض سوء النيّة لمجرّد رأيٍ في ظاهرة أثّرت على حياة السوريّين كلّهم، وعلى مستقبل بلدهم، أمر يدعو إلى التساؤل، بل يبدو مثيراً للشكّ في دوافعه وجذوره، خصوصاً أنّ الرأي في أصله وحيثيّاته وتفاصيله لا يختلف عن آرائهم هم..

ولو أردنا الصراحة، فإنّ هذا الموقف في تحريم انتقاد قسد وتجريم من يقترب منها هو الذي ينطوي على عصبيّة ضيّقة، وهو الذي يشجّع على الكراهية، وهو الذي يسعى إلى قطع كلّ طرق التواصل والتشارك؛ الاتّهامات نفسها التي تُكال للآخرين دون تمييز. ذلك أنّه يضع شرطاً مجحفاً وغريباً لمن يريد امتلاك وممارسة هذا الحقّ، وهذا الشرط عنصريّ بطبيعته، لأنّه يفترض انتماءً إلى جماعة دون غيرها..

هنا يطفو على السطح سؤال غريب: ما الذي يجعل مثقّفاً يفترض أنّه تمرّس على التفكير الهادئ المتّزن والمؤمن بضرورة الحكم العادل المنصف على القضايا والظواهر، يتخلّى بهذه السهولة عن أدواته؟! ما أخشاه أنّ السبب الكامن خلف ذلك هو الخوف من خسارة الجماعة التي يعتقد هذا المثقّف أنّه بحمايتها، وأنّها هي التي أعطت وجوده قيمة ووزناً، ولو كان ذلك على حساب سمعته التي هي رأسماله الأهمّ والأكثر ديمومة.

سيكون مفجعاً حقّاً، وقد تمّ القضاء على نظامٍ أفسد حياة الجميع بجرائمه واستبداده وطائفيّته وعنصريّته، وانفتح المجال أمام مرحلة جديدة مليئة بالإمكانات، أن يضحّي المثقّف، والمثقّف بالذات، بدوره الواجب في التزام الموضوعيّة والعقلانيّة والحياد والنزاهة والإخلاص للحقيقة، لصالح مواقف ضيّقة إلى هذا الحدّ، مقيّدة إلى هذا الحدّ، أنانيّة ومحدودة الأفق إلى هذا الحدّ.

ما لا نريده أن يتجاوز الخلاف بعده السياسيّ باتّجاه البعد الأخلاقيّ. فقسد التي تحوّلت في خطاب هؤلاء إلى “تابو” لا يجوز المساس به، ليست في مآلها الأخير سوى عارض سياسيّ سيمضي كما مضى غيره (الأسديّة مثالاً)، لكنّ الأثر العميق الذي يتركه سقوط المثقّف في فخّ التحيّز هو الذي سيبقى ندبةً في وجه مستقبلنا السوريّ.

إنّ آخر ما نحتاجه في هذا المرحلة -إذا كنّا صادقين في حرصنا على المصلحة الوطنيّة العليا، وحلمنا الخاصّ بكيان جامع- هو هذا النوع من الإرهاب الفكريّ الذي يسعى إلى اغتيال الرأي الآخر تحت عناوين كبيرة مجتلبة من خارج السياق، ومفرغة من مضمونها الواقعي.

يبقى في نهاية المطاف أنّ الأذى سيقع أوّلاً وأخيراً على هذه الفئة من المثقّفين في موقفهم المتشنّج الذي تحكمه ردود الأفعال والانفعالات أكثر من العقل والمنطق والحكمة والضمير، فالصورة التي يقدّمون أنفسهم بها مهزوزة ومشوّهة، لا تليق بأشخاصهم، كما لا تليق بالقضايا التي يزعمون أنّهم يدافعون عنها..

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى